شرح التلقينصفحات 918-957
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 918-957

أيام أتم، وعثمان من الأئمة الراشدين.
وقد خالف ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فيما قالاه.
وقد خرج البخاري عن ابن عباس أنه قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعة عشر يقصر.
فنحن إذا سافرنا تسعة عشر نقصر، وإن زدنا أَتْمَمْنا 1. وخرج عن أنس أنه قال: قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع.
قيل له أقمتم بمكة شيئًا؟ فقال: أقمنا عشرًا 2. وهذا الذي خرجه البخاري لم يذكر في هاتين المرتين 3 أنه نوى الإقامة فلا حجة فيه.
وكذلك ححديث عمران بن الحصين أنه أقام بمكة عام الفتح ثمانية عشر يومًا يقصر 4 فليس فيه أيضًا أنه نوى الإقامة.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 5. فعلق القصر بالضرب في الأرض.
فإذا لم يوجد بقي على الأصل المستقر الذي هو الإتمام.
وهذا قد يتعلق به من راعى حط رحله.
أو دخول المدينة.
ولما كان المسافر حكمه 6 القصر، فقد يتعلق باستصحاب هذه الحال من قال بأعلى هذه التحديدات، ويقول لا ينقله عن الحال الذي هو عليها من القصر إلا بدليل، وما زاد على أعلى المبالغ فقد قام دليل الاتفاق على الإتمام فيه.
وعلى كثرة هذا الاختلاف الذي حكيناه فقد قال ابن القاسم إن نوى المسافر إقامة أربعة أيام ثم قصر أعاد أبدًا.
وابن القاسم ربما يراعي من الخلاف ما هو أشد من هذا.
وها هنا لم يعرج على هذا الاختلاف مع كثرته.
ورأى أن ما زاد على أربعة أيام لم يتضح سقوط اعتباره على غموض الدليل الذي لأجله حددنا بأربعة أيام.
وإذا ثبت من مذهبنا مراعاة أربعة أيام، فإذا دخل المسافر وقد مضى بعض النهار فهل يحتسب بأربعة أيام كوامل سوى يوم دخوله أم لا؟ أما القائلون من

أصحابنا بمراعاة عشرين صلاة فلا معنى عندهم لهذا السؤال.
وأما القائلون بمراعاة الأيام فانهم اختلفوا في ذلك.
فقال ابن القاسم لا يعتد بالنهار الذي دخل فيه إلا أن يدخل من أوله.
وقال ابن نافع في كتاب ابن سحنون ينظر إلى مثل ذلك الوقت من النهار الرابع.
وهذا أصل مختلف فيه في العُدد والأيمان وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومذهب الشافعي مراعاة أربعة أيام كوامل غير معتد فيها بيوم الدخول ويوم الخروج.
وإذا كان مراعاة أربعة أيام أصلًا ثابتًا على ما أشار إليه ابن القاسم فيما حكيناه عنه من أن الصلاة المقصورة لا تجزي إذا نوى المسافر مقام أربعة أيام، فالأولى على هذا طريقة ابن نافع.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ما يوجب الإتمام حلول المسافر بوطنه فقد قال مالك إذا من مسافر بقرية فيها أهله أو ولده فإنه يتم.
ولو أقام عندهم صلاة واحدة.
وإن لم يكن بها سوى عبيده وجواريه وبقره ولا أهل له بها ولا ولد فإنه يقصرُ.
ولو هلك أهله دون ولده فإنما يعتبر أن يكون له مسكن.
قال ابن حبيب إن كان له بها أم ولد أو سرية يسكن إليها أتم.
ولو مر ببلد ليس بمسكن له فإنه لا يكون مسكنًا بعقد النكاح فيها وإنما يكون مسكنًا إذا بني بأهله ولزمه السكنى.
وإذا ثبت أن الحلول بالوطن يرفع حكم السفر 1 فإنه يمنع حكم اتصاله أيضًا.
فلو نوى المسافر أن يدخل في أثناء سفره قرية له فيها أهل فإنه يعتبر ما بينها وبين موضع خروجه هل هو مقدار ما تقصر فيه الصلاة أم لا؟ ويصير ما بعدها من بقية مسافته كأنه حكم سفر آخر يراعى أيضًا مبلغه.
ولو ابتدأ سفره بنية دخول هذه القرية وهي على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فلما حاذاها بدا له في دخولها، فإنه إنما يكون مسافرأ حينئذ، فيعتبر مبلغ بقية مسافته، فإن كان أربعة برد قصر إذا ظعن من مكانه ذلك، ولو كانت مسافة قريبة قصر وإن لم يظعن من مكانه كان في بقية سفره أربعة برد أو أقل، لأن سفره سَفَر قصر، وإنما يخاطب بالإتمام إذا دخل القرية.
فإذا لم يدخلها بقي على ما كان عليه من القصر 2 ولو مر بالقرية مارًّا ولم ينزلها لكان ذلك قاطعًا لاتصال سفره، فيعتبر بقية سفره هل فيه أربعة بُرد أم لا؟ وكذلك المسافر إذا نوى مقام أربعة أيام

في بلد ليس به أهل فإنه يجري في الإتمام وقطع الاتصال مجرى ما ذكرناه في النازل بقريته.
ولو كان الأهل مع الإنسان في حال سفره، لم يرفع ذلك حكم السفر.
قال مالك يقصر النواتية وإن كان معهم الأهل والولد.
وقالت الشافعية وعطاء وأيوب: ليس له القصر، ورأوه كالمقيم في بيته 1. وإذا خرج المسافر لقصر ثم انثنى راجعًا إلى بيته في حاجته قبل أن يسير ما تقصر فيه الصلاة، فقد اختلف في إتمامه في رجوعه.
فقال مالك يتم في رجوعه.
وفي الموازية أنه يقصر في رجوعه.
فوجه الإتمام أن سيره راجعًا خلاف سيره متوجهًا فلا يضاف أحدهما إلى الآخر.
وإذا لم يضف الرجوع إلى السير وجب أن يتم في الرجوع.
ألا ترى أن من خرج لسفر مبلغه بريدان ونيته أن يعود من فوره فإنه لا يقصر لأجل أن حركات السير لا تضم إلى حركات الرجوع.
ووجه القول بالقصر أن الرجوع ليس بإسقاط لحكم السفر، لأنه إنما رجع لحاجة لا رجوعًا عن السفر.
وإذا ثبت حكم السفر ولم يحدث ما يكون رجوعًا عنه بقي على أصل السفر فيكون حكمه القصر.
ولو كان رجوعه عن السفر بغير اختياره فقد قال مالك فيمن سافر في البحر أميالًا ثم ردته الريح أنه يتم الصلاة.
فهذا حكم صلاة هذا الراجع عن سفره حال رجوعه.
وأما حكم صلاته إذا دخل المكان الذي رجع إليه فإنه لا يخلو أن يكون له بها أهل أو لا أهل له بها.
فإن كان له بها أهل فإنه يتم لأن موضع القرار والسكنى يرفع حكم السفر.
وإن كان لا أهل له بها وكان قبل خروجه منها يقصر فيها، فإنه يقصر الآن في هذا الحلول الثاني بها، لأنه لم يحدث بعد قصره الأول حادث يوجب رجوعه إلى الإتمام.
فإن كان يتم بها قبل خروجه عنها فهذا أصل مختلف فيه في المذهب.
ففي الموازية فيمن نوى المقام بقرية أربعة أيام فاتم ثم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد فلما صار ميلين رجع في حاجة فإنه يقصر في رجوعه وفي دخوله حتى

ينوي مقامًا يوجب الإتمام أو يكون له بها أهل.
وهذا الذي أخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ.
وقد قال بعض المتأخرين إنما أشار ابن المواز لاختلاف قول مالك في مسألة من خرج من مكة ليعتمر ثم يعود إليها على ما سنذكره ها هنا.
وقال بعض المتأخرين الفاصل في السفر شيئان 1 أحدهما مروره على موضع استيطانه.
والثاني عزيمة مقام أربعة أيام في غير موضع الاستيطان فإنه فاصل بين الماضي والمستقبل من السفر.
قال ابن المواز وهذا الذي أخذ به من اختلاف قول مالك في هذا وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ وهذا يقتضي أن حكمه حكم من نوى سفر قصر على أن يقيم في أثنائه أربعة أيام في اختلاف قول مالك.
ففهم هذا المتأول من كلام ابن المواز أن مراده الإشارة إلى كون السفر فاصلًا بين الإقامتين.
وكلاهما أصل مختلف فيه.
وقد كنا قدمنا نحن أن ناوي مقام أربعة أيام كالحال بموطنه 2 في كون ذلك قاطعًا لاتصال السفر.
وأشاو هذا المتأخر ها هنا إلى تخريج ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه عنه.
فأما من قال: إن الراجع يقصر في الحلول الثاني بالقرية التي كان يتم بها قبل ذلك، فإنه قدّر أنه لقا خرج بنية ألا يعود إلى المكان صار رافضًا لحكم المقام.
وإذا ارتفض حكم المقام قصر في عودته.
ومن قال أنه يتم فإنه قدّر أن الرجوع أبطل حكم السفر، وإذا أبطل السفر عاد إلى ما كان عليه في الأصل فيتم في رجوعه وحلوله استصحابًا لما كان عليه بالإتمام.
وأما الراجع إلى البلد بحكم الريح ففي المدونة روى ابن زياد عن مالك في الذي يركب البحر فيسير يومًا أو كثر من ذلك فقصز الصلاة فلقيته الريح فردته إلى المكان الذي خرج منه وحبسته فيه أيامًا فإنه يتم الصلاة ما حبسته الريح في المكان الذي خرج منه.
وذهب سحنون إلى أنه لا يتم بالموضع.
وإن كان يصلي فيه إتمامًا قبل ذلك، إلا أن يكون وطنه، أو ينوي الآن فيه مقام أربعة أيام، فإنه يتئم.
واحتج بقول مالك فيمن خرج من مكة ليعتمر ثم يعود.
قال بل مسألة المردود بالريح أحق بالقصر لأنه لما ركب البحر فقد رفض سكنى الموضع الذي ركب منه.
والذي خرج من مكة كان في نيته الرجوع إليها.
فلهذا

اختلف قول مالك فيها وأجرى مجراه بعض المتأخرين مسألة المردود بالريح على اختلاف قول مالك.
وقد ذكرنا عن سحنون أن مسألة المردود بالريح آكد في القصر من المسألة التي خرّج عليها هذا المتأخر الاختلاف.
وأشار بعض أشياخي إلى أن المردود بالريح لما كان على شك من أول سفره في رد الريح كان حكمه الإتمام لما لم يصح منه الرفض بالشك 1. والرفض إذا لم يصح بقي على الأصل.
وهو الإتمام وصار كمن تقدم أصحابه لا يسير إلا بسيرهم.
ولما رآه سحنون راجعًا بغير اختياره بل هو مكره على الرجوع أبقاه على حكم القصر، ولم يجعل لرجوعه تاثيرأ لما كان مكرهًا عليه.. المكره لا حكم لفعله.
وهذا الذي قاله شيخنا يُلاحظ ما كنا قدمنا؟ عن ابن المواز من قوله: في مسافر يقطع البر ثم البحر أنه إن كان لا يبرح إلا بالريح لم تضم مسافة البرّ إلى مسافة البحر في إكمال مبلغ السفر، ورأى أن الريح لما كانت مشكوكًا في أمرها لم يتحقق السفر مع الشك فيه.
ويلاحظ أيضًا قولنا في الجيش ببلد الحرب أنه يقصر ولو عزم على مقام أربعة أيام لأنه لا يملك المقام هناك، وليس على ثقة منه.
فجعلوا عدم الثقة ها هنا يرفع الحكم.
ومما يجري على هذا الإسلوب مسألة المدونة فيمن أقام بمكة بضعة عشر يومًا فأوطنها ثم خرج يعتمر من الجحفة ويعود إلى مكة فيقيم بها اليوم واليومين.
فقال مالك يتم في هذا المقام الثاني بمكة ثم قال: يقصر.
فهذا لما كان حكمه الإتمام بمكة في الحلول الأول، وفصل بينه وبين الحلول الثاني سفر قصر اختلف قوله في تلفيقا لحلولين بعضهما إلى بعض.
فمرة لقهما ولم يقدر السفر فاصلأ لما وقع بنية العودة، ولم يتضمن رفض الحلول الأول فأتم.
ومرة رآه فاصلًا فَقصر.
ولم ير ذلك كعودته إلى الوطن لأن الوطن يتم فيه على كل حال، ومكة ها هنا إنما أتم فيها بإقامة ما، ونية لذلك.
والوطن لا يفتقر لذلك.
وكأنه مرة ألحق الحلول الثاني بالأول ومرة ألحقه بما يليه وهو سفر القصر.
ولو اعتمر هذا من موضع لا يَقصر الصلاة لأتم من غير خلاف؛ لأنه لم يحدث ما يقتضي القصر فيستند هذا الحلول الثاني إليه.
وإنما تصور هذا الخلاف في هذه

المسألة لخروجه بنية أن يعود.
وأما لو خرج بنية أن لا يعود ثم بدا له 1 فعاد لجرى حكمه في العودة وفي الحلول الثاني على ما كنا قدمناه فيمن خرج في سفره ثم عاد لحاجة من قريب.
وكذلك أيضًا إنما تُصور الخلاف في هذه المسألة في رجوعه بنية إقامة اليومين.
وأما لو رجع بنية مقام أربعة أيام بين كل سيرين لا تقصر في أحدهما الصلاة إذا انفرد، فإنه اختلف في تلفيق السير بعضه إلى بعض.
فقيل يتم الصلاة في جميع سيره كما يتمها في مقامه الأربعة أيام.
لأن هذه الأربعة أيام فاصلة بين ما قبلها من السير وما بعدها، وكل سير بانفراده لا يبلغ مبلغ القصر.
وقيل بل يقصر الصلاة في سيره خاصة لأنه لما قصر في مبدإ خروجه جميع السير كله، لم تكن الأربعة أيام فاصلة بين سير وسير.
وهذه المسألة كنحو التي فرغنا منها.
لأن هذا مقام فصل بين سيرين كما أن مسألة المعتمر من مكة سفر فصل بين مُقامين.
وإنما يتصور أيضًا الخلاف في مسألتنا هذه إن كان نوى أن يفصل بين السيرين بمقام أربعة أيام.
وأما لو نوى.
أن يفصل بينهما بمقام أقل من ذلك لم يختلف في القصر.
لأن حكم هذا القدر من المقام أن يقصر فيه.
فإذا كان حكمه في نفسه القصر فأحرى ألا يكون مانعًا من قصر غيره، ويقدر مقامه وسيره وكأنه سير كله يقصر في جميع ذلك.
وكذلك أيضًا إنما يتصور عندي الخلاف إذا فصل بين السيرين بمقام أربعة أيام وكان ناويًا لذلك في مبد! سفره.
وأما لو نوى سفرًا لا يقصر في مثله الصلاة على أن يقيم عند فراغه منه أربعة أيام ثم يعود فحدثت له نية السفر بعد مُقام أربعة أيام فإنه لا يلفق السير الثاني إلى الأول من غير خلاف.
واشتراط النية ها هنا في تصور الخلاف كاشتراط النية أيضًا في الخروج إلى العمرة بنية أن يعود.
وقد قدمنا أن الخلاف إنما يتصور مع هذه النية.
وكذلك أيضًا اشتراطنا ها هنا في تصور الخلاف أن يكون المقام أربعة أيام كاشتراطنا هناك في تصوره أن يكون سفر المعتمر سفر قصر حتى يكون قد فصل في السير 2 بين الأول والثاني ما له حكنم غير الأول والثاني.
ومما يجري على

هذا الأسلوب أيضًا من قدم مكة ينوي المقام بها وهو يريد الحج وليس بينه وبين والخروج إلى مني إلا أقل من أربعة أيام.
فقد اختلف فيه فقال مالك في مختصر ابن شعبان يتم الصلاة بمكة في هذا الحلول الأول.
وقال محمَّد ابن مسلمة بل.
يقْصُر فيه لأنه إنما قدم مختارًا يريد المقام بعد الرجعة.
فهذا أيضًا لمّا حل هذا الحلول لم يكن له حكم الإقامة ولكنه عازم على مقام ثان بعد الخروج عن هذا الحلول الأول.
واختلف في ضم الحلول الأول إلى الثاني فمن ضمه إليه أتم الصلاة فيه.
ومن لم يضمه إليه، وعدّ الخروج عنه فاصلًا بينه وبين الثاني قصر الصلاة.
لأن الحلول الأول لم يجب فيه الإتمام من قبل نفسه لقصوره على الأربعة أيام ولا يكتسب الإتمام من الحلول الثاني للفاصل الذي بينهما.
وهذا الفاصل وإن لم يكن سفر أربعة بُرد فإنه ها هنا يُعد فاصلًا بخلاف الخروج للاعتمار من أميال يسيرة بنية العودة إلى مكة، فإنه لا يكون فاصلًا بغير خلاف.
لأنه حكمه كحكم المقام.
وها هنا لما كان الحلول الأول حكمه القصر ووقع الإشك الذي تلفيقه إلى حلول حكمه 1 الإتمام، فصل بينهما الخروج المذكور حسن فيه الخلاف.
ومما يلحق بهذا الفصل ما كنا قدمناه من أن المكي يقصرُ بمنى وعرفة وإن لم تكن تلك مسافة قصر.
وعللنا ذلك بعلتين: إحداهما أن عمل الحاج لا ينقضي إلا في أكثر من يوم وليلة مع التنقل اللازم فجرى ذلك مجرى السير الدائم مبلغ الأربعة برد.
والثانية أن الخارج من مكة إلى عرفة يلزمه الرجوع إلى مكة بالشرع.
وهو مقدار سفر القصر فصار كسير لا رجوع فيه.
ولا يلزم على هذا التعليل العَرفي 2 إذا وقف وتوجه إلى مني فإنه لا يقصر لأن مسافته ليست مسافة قصر والرجوع لا يلزمه.
وإذا كان قد روي عن ابن القاسم في العَرَفي (2) والمَنَوي 3 يُفيضان، يقصر العَرفي ويُتم المَنَوي إلى منى.
ووجهه أن المنوي بعد الإفاضة يرجع إلى وطثه والعَرفي يرجع إلى مكة إلى غير وطنه لإتمام حجه فيقصر.
فإذا فرع من مني إلى عرفة لم يقصرُ لانقضاء حجه.
وقد قال مالك

فيمن قدم للحج فأتم بمكة الصلاة ثم خرج إلى مني قال يقصر بمنى.
قيل ففي طريقه قبل أن يصل إلى مني قال: لا أدري.
وما ذكرناه من التعليل يقتضي القصر في الطريق.
وقد توقف مالك فيها.
واختلف قول مالك في المكيين والمَنَويين إذا انصرفوا من مني إلى مكة فادركتهم الصلاة في المحصّب أو تأخروا بمنى لزحام ونحوه فقال يتمون.
ثم رجع فقال يقصرون.
واختلف فيه قول ابن القاسم أيضًا.
قال بعض المتأخرين إنما اختلف القول في هذه المسألة للاختلاف في التحصيب، هل هو مشروع أم لا، فإن قيل إنه مشروع فالحكم الإتمام.
وإن قيل أنه غير مشروع فالحكم القصر.
وهذا التعليل الذي أشار إليه هذا المتأخر مقصور على صلاة المحصّب.
وهو قد ذكر الخلاف في المكي المتأخر بمنى.
وكذلك ذكر ابن المواز الاختلاف في المكي المتأخر بمنى تَحْضره الصلاة، أو في طريقه.
وذكر الطريق مجملأويلزم على هذا أن يقصر المَنَوي في رجوعه إلى مني من مكة لأنه بقي عليه عمل من أعمال الحج.
وإنما ألحقنا هذا الفصل ها هنا لكون رجوع المكي بين حالين مختلفين فإن مكة وطنه يوجب الإتمام ومنى كان فيها على القصر.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: الشك يعرض للمسافر في حقيقة سفره على ضروب: منها أن يبرز 1 للسفر وتماديه عليه معلق بسفر غيره.
وقَد قدمنا جواب هذا لقسم.
وفي الموازية في مسافر لم يبلغ مسافة القصر حتى رد رفيقه إلى الموضع الذي خرج منه، وهو لا يمضي على سفره حتى يرجع إليه رسوله، أنه يقصر.
ورأى أنه لما بقي بنفسه فهو على حكم السفر.
وإن شك هل يقيم رسوله أربعة أيام أم لا؟ فقد قدمنا حكم رجوعه بنفسه لحاجة.
والقسم الثاني أن يشك في مبلغ السفر فإنه لا يقصر استصحابًا لحكم الإتمام.
وقد قال مالك فيمن خرج لبيع سلعة وأمامه أسواق بين كل سوقين منها خمسة عشر ميلًا، وكذلك بينه وبين أولها، ففي أي سوق وجد البيع باع، أنه لا يقصر حتى يخرج مجمعًا على بلوغ غاية الإقصار.
وكذلك في الموازية إذا خرج ينوي السوق الأقصى على أنه إن وجد البيع دونه باع، أو خرج لطلب آبق على

مسيرة أيام على أنه إن وُجد دون ذلك رجع.
وقد قدمنا أيضًا الإشارة إلى هذا.
والقسم الثالث أن يعرض له شك في قدر الإقامة الرافعة لحكم السفر، فمن ذلك إمام الجيش ينوي الإقامة ببلد الحرب فإنه يقصر عندنا وعند أبي حنيفة ولا يرفع حكم القصر عزيمة مُقام أربعة أيام.
قال أصحابنا لأنه لا يملك ذلك ملك الثقة حتى يجاوز الدروب ويصير بمحلة أمن.
وعند الشافعي أنه إن أقام على تنجز الحرب فله القصر إلى ثمانية عشر يوماَ فإن زاد على ذلك فقولان: أحدهما منع القصر.
والثاني جوازه إلى أن ينقضي الحرب.
وإن نوى المقام أربعة أيام ففيه أيضًا قولان.
قال في القديم: يقصر.
وقال في الجديد: يُتم.
وقد روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر 1 الصلاة.
وقال ابن عباس: "أقام - صلى الله عليه وسلم - لحرب هوازن ثمانية عشر يومًا يقصر الصلاة فمن أقام أكثر من ذلك فليتم الصلامه 2. وهذا الذي قاله ابن عباس من هذا الخبر عليه عوّلت الشافعية في التحديد بثمانية عشر يومًا.
ويتأولون حديث جابر على أنه حسب يوم الورود ويوم الخروج.
فبهذين اليومين كملت عشرين.
ومن هذا النوع أيضًا مسافر البحر يحبسه الريح فقال ابن حبيب يقصر أبدًا ما أقام.
وقد كنا قدمنا الكلام على هذا وذكرنا ما وقع في المدونة وغيرها.
وينبغي عندي للمحبوسين بالريح يتحققون المُقام الطويل بعادة جرت عندهم في الرياح في بعض الأماكن أن يتموا ومن هذا النوع أيضًا أن يشك في قدر المقام لشكه في مقدار الشغل الحابس له فقد قال ابن حبيب: من حبسه في السفر علة دابته، أو ينتظر متاعاَ يُتم عمله، أو حاجة لا يدري متى نهاية ذلك فليقصر حتى يوقن أنه يقيم لذلك أربعة أيام.
وبهذا قال أبو حنيفة وإن خالف في مدة الإقامة.
وقال بعض الشافعية: ومن دخل بلدًا لينجز حاجة ونوى أنه متى تنجزت حاجته خرت، أو كان مريضًا ينوي أنه متى زال مرضه خرج، فله أن يقصر إلى سبعة

عشر يومًا أو ثمانية عشر يوماَ في أحد القولين في قول أكثر أصحابه 1. ومنهم من قال فيه قولًا آخر أنه يقصر أبدًا.
وهذا حكم الشك ولمالك في المجموعة إذا خرج أهل الجشر إلى جشرهم فليتموا الصلاة كالرعاة يتبعون الكلأ لماشيتهم.
وهذا الذي قاله محمله على أن شأنهم يسيرون أميالًا يسيرة ثم ينزلون فلا يقيمون إقامة توجب إتمام الصلاة ثم يرحلون فإنهم يقصرون.
وإن أقاموا إقامة توجب إتمام الصلاة فإنه يختلف في تلفيق السير بعضه إلى بعض على ما تقدم قوله ها هنا إلى جشرهم.
فالخيل المجشورة التي يترك ركوبها وتخرج للرعي.
وهذا حكم الشك في إقامة أربعة أيام في بلد أثناء سفره.
وأما لو كان البلد الذي دخله هو نهاية سفره ومقصوده حين ابتدأ السفر لأتم الصلاة.
لأن غاية سفره قد تم وانقضى.
والرجوع إحداث سفر ثان فيكون الحكم للإتمام لانقضاء السفر.
قال مالك في المبسوط إلا أن يعلم أن حاجته تنقضي في اليومين أو الثلاثة فإنه يقصر.
فإن شك أتم.
فكانه رآه مع المقام اليسير على حكم السفر.
وإذا شك فظاهر انقضاء السفر يوجب الإتمام فلا يزول عن هذا الظاهر بالشك.
والقسم الرابع أن يتحقق إقامة توجب قضاء الصلاة ويشك في محلها.
فقد قال مالك فيمن خرج إلى ضيعتين له بينه وبين الأولى منهما ثلاثون ميلًا وبين الأولى والثانية مثل ذلك ونوى إقامة عثرة أيام لا يدري كم يقيم بكل ضيعة أنه يقصر.
وكأنه رأى أن السفر، لما كان جملته ستين ميلًا، ووقوع الفصل فيه مشكوك فيه، 2 لم يرتفع حكم السفر بفاصل مشكوك فيه.
ولو أن هذا نوى مقام القصر في الثانية دون الأولى فإنه لا يختلف في قصره، وإن نواه في الأولى دون الثانية، فإنه يختلف في قصره في السيرين جميعًا على ما كنا قدمنا من ذكر الاختلاف في تلفيق السير بعضه إلى بعض إذا تخلله فاصل الإقامة، ولو وقع في هذه الرواية في تأويل الشيخ أبي محمَّد عليها لفظ فيه إشكال.
وحقيقة القول فيه ما قلناه.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا يقصر حتى يفارق بلده ويُخلّفه وراء

ظهره وفي عوده حتى ينتهي إلى الموضع الذي بدأ منه.

قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منها أن يقال: 1 - ما حكم من سافر بعد دخول الوقت؟.
2 - وما حقيقة المكان الذي يصير به الحاضر مسافرًا أو المسافر حاضرًا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قال.
ابن حبيب من أراد سفرًا فأدركه الوقت في أهله فهو في سعة إن شاء صلاها في أهله صلاة مقيم وإن شاء خرج فقصرها في سفره.
ومن أصحاب الشافعي من قال إذا سافر بعد دخول الوقت وقد بقي من وقت الصلاة قدر 1 الصلاة لم يكن له القصر.
وقال المزني في أحد قوليه يجوز له القصر إلى أن يبقى من الوقت قدر تكبيرة.
وقال ابن حنبل والمزني في أحد قوليه: لا يجوز له القصر إذا سافر بعد دخول الوقت.
وكأنهما رأيا أن الوجوب معلق بأول الوقت، فيتعلق القصر 2 بحالة الوجوب كما لو سافر بعد خروج الوقت.
ولنا عليهما أن الصلاة لم تستقر في ذمته تامة فكان له القصر كما لو سافر قبل دخول الوقت.
وإنما أتم من سافر بعد خروج الوقت لكون الصلاة استقرت في ذمته تامة 3.

والجواب عن السؤال الثاني: أن بقال: أما الموضع الذي يصير بالبلوغ إليه الخارج مسافرًا فقد قال 4 مالك في المدونة إنما يقصر إذا برز عن بيوت القرية.
وفي الموازية يقصر إذا خلف قريته وراء ظهره لا يكون شيء منها عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه، وكذلك البحر.
ولمالك في المجموعة في مسافر البحر إذا جاوز البيوت ودفع 5 فليقصر.
وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه إن خرج من المدن التي يجمع فيها فمبتدأ القصر إذا جاوز بيوت

العصر بثلاثة أميال.
وأما إن خرج من قرى لا يجمع فيها فمبتدأه إذا جاوز بساتينها وبيوتها المتصلة بها عن يمينه وشماله، ولا اعتبار لمزارعها.
وقالت الشافعية يقصر إذا فارق بنيان البلد.
قال قتادة إذا جاوز الجسر أو الخندق.
وحُكي عن الحرث بن ربيعة أنه أراد سفرأ فصلّى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله.
وقال عطاء إذا خرج الرجل حاجًا فلم يخرج من بيوت القرية فحضرت الصلاة، فإن شاء قصر وإن شاء أوفى.
وقال مجاهد إن 1 خرج نهارًا لم يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلًا لم يقصر إلى النهار.
فأما نحن والشافعية، ومن نحا نحونا فإنا نحتج بأن المعتبر مفارقة موضع الاستيطان.
ولا يتحقق مفارقة الاستيطان إلا بما قلناه من مجاوزة البيوت.
وكان مجاوزة البيوت علم 2 عليه.
وقد قال ابن حبيب وإذا جاوز بيوت قريته وانقطع منها انقطاعًا بتنا قصر، كانت مما يجمع أهلها أو لا يجمعون.
فأشار إلى ما قلناه من الانقطاع من موضع الاستيطان.
فأما الرواية التي راعى فيها ثلاثة أمي الذي بلد الجمع فإنما ذلك لأن هذا المقدار يلزم منه إتيان الجمعة وذلك يشعر بأن حكم ذلك حكم الوطن.
وأما مجاهد فلست أعرف لقوله وجهاً إلا أن يكون قذر أن الليل وقت القرار والسكون.
والنهار وقت الحركة والتصرف.
فإذا خرج المسافر على حالة منها فلا يحصل مسافرًا إلا حتى يحصل على الحالة الأخرى فليلفها 3 مخالفة لعادته في الحضر.
والرد عليه قول أنس: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين 4. فقد أتم 5 وقصر في نهار واحد وقد قال ابن حبيب كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة إلى مكة قصر بالعقيق وإذا خرج من مكة إلى المدينة 6 قصر بذي طِوى.
والعقيق من المدينة وذو طِوى من مكة على نحو من ثلاثة أميال.

وهذا وإن كان فيه ردّ على مجاهد فقد يتعلق به من حد من أصحابنا بثلاثة أميال من بلاد الجمع للجمعة.
وأما من قصر في منزله، فإنه يحتج بأن المسافر إذا نوى الإقامة لزمه الإتمام فكذلك المقيم إذا نوى السفر جاز له القصر.
وهذا على أنه قياس لم يجمع فيه بين الفرع والأصل بعلة، 1 قد يفرق بينهما بأن نية الإقامة وجد معها الفعل الملائم لها وهو اللبث والاستقرار، ونية السفر وهو بالمدينة لم يوجد معها ما يلائمها، لأن الذي يلائمها ويطابقها السير الذي يجاوز البنيان، لأن البنيان حكمه حكم الاستيطان والقرار كما بيناه 2. وإذا ثبت ما قلناه فالموضع التي ينقطع بالانتهاء إليه حكم السفر، قد قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله ها هنا أنه الموضع الذي بدا منه بالقصر فأحال النهاية على البداية.
وقد ذكرنا مذهبنا في البداية.
وهكذا روى مطرت وابن الماجشون أنه يقصر إلى الموضع الذي أمر بالقصر منه عند خروجه.
وقد قال في المدونة إذا رجع من سفر، قصر الصلاة حتى يدخل بيوت القرية أو قربها... وهكذا في الموطإ أنه يقصر حتى يدخل أول بيوت العصر أو يقارب ذلك.
قال بعض المتأخرين قد جعل الإتمام ها هنا ثبت بما لم يثبت به التقصير في الخروج لأنه جعل القصر في الخروج بالخروج عن البيوت وأبطل حكمه في الرجوع بقرب البيوت قبل الدخول إليها.
وإنما هذا لأن حكم الإتمام مغلّب.
ألا ترى أن المسافر إذا نوى الإقامة أتم وانتقل عن السفر بمجرد النية، وإذا نوى المقيم السفر 3 لم ينتقل عن حكم الإقامة بالنية.
وفي المجموعة يقصر حتى يدخل منزله.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا يقصر العاصي بالسفر.

قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان منها أن يقال: 1 - كم أقسام السفر؟.

2 - ولِمَ لَمْ يقصر العاصي؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: السفر على خمسة أقسام: واجب كالسفر لحجة الفريضة أو جهاد يتعين وما في معنى ذلك، ومندوب إليه كالسفر لصلة الرحم أو زيادة في الدين وما في معنى ذلك، ومباح وهو السفر للتجارة التي لا يقصد بها تحصيل الكفاية المندوب إلى تحصيلها، ومكروه كالسفر للصيد لهوًا ولعبًا، وحرام كالسفر لقطع الطريق أو قتل الأنفس وما في معنى ذلك.
فأما السفر الواجب فإن الصلاة تقصر فيه من غير خلاف.
وأما السفر المندوب إليه، فإن الصلاة تقصر فيه 1 أيضًا.
وقال ابن مسعود: لا تقصر الصلاة إلا في السفر الواجب.
وبه قال داود.
واحتج لابن مسعود بأن الواجب لا يترك إلا بواجب، فلما كانت الركعتان واجبتين لم يتركا إلا لسفر واجب.
ودليلنا في.
له تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 2 فعتم الضرب الواجب والمستحب.
وقد قال يعلى لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمِنّا قال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول لله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته 3. وهذه المراجعة والمباحثة عن الآية ظاهرها أنهما كانا يعتقدان أن القصر في السفر وإن يكن واجبًا 4 لأنهما لم يتعرضا لذكر وجوب السفر.
وقد قال بعضهم ينتقض ما قال ابن مسعود بمن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه وهذا الذي قاله يشير إلى أن ابن مسعود يسلمه.
فإن كان كما تأول هذا المحتج عليه فلا معنى لانطلاق الحكاية عنه بأنه لا يرى القصر إلا في السفر الواجب إلا أن يكون معناه الواجب جنسه على سبيل الكناية وأما السفر المباح فإنه يقصر فيه أيضًا خلافًا لعطاء في قوله لا يقصر

إلا في سفر طاعة.
وقد قدمنا مذهب ابن مسعود وداود في هذا.
واحتج عطاء بأنه لم يقصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في سبيل الخير فلا يقصر إلا مثله 1. وهذا الذي قاله عطاء انفصل عنه بأنه يقتضي قصر القصر على المواضع التي سافر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأيضًا فإن العودة من هذه الأسفار مباحة والقصر فيها جائز.
وفي هذا الانفصال نظر لأن الفعل لا يخص الأماكن وما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكان لا يجب قصره على مكانه.
لأن الظاهر أن المكان إنما كان بحكم الحاجة الطبيعية إليه.
وهذا على مقتضى الأمور الاتفاقية، حتى ينضم إلى الفعل ما يشعر بتعيين المكان وكون السفر طاعة مما 2 يقصد إليه، ويبعث عليه، فيصح قصر الحكم على المقصود ولا يلزم أن يقاس عليه ما ليس بمقصود.
وكذلك العودة من هذه الأسفار قد تكون طاعة لكون الباعث على العودة أمور دينية.
والأولى عندي أن يحتج عليه بعموم الآية وما وقع فيها من المراجعة على حسب ما قدمناه.
وأما السفر المكروه وسفر المعصية فقد اختلف في جواز القصر فيهما وما 3 نحن نتكلم عليه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما من خرج للسفر المكروه فقال في المدونة: من خرج للصيد للمعيشة على مسيرة أربعة برد قصر.
قال ابن القاسم إن خرج متلذذًا فلم أره يستحب له القصر.
وقال: أنا لا آمره بالخروج فكيف آمره بقصر الصلاة.
قال ابن شعبان: إن قصر الصائد تلذذًا لم يُعد للاختلاف فيه لأن الصيد مباح.
وقد أجاز ابن عبد الحكم الصيد للهو.
وأما سفر المعصية، فالمشهور من مذهب مالك منع القصر فيه.
وبه قال الشافعي حتى منعه الشافعي من رخص السفر كلها كأكل الميتة عند الضرورة وصلاة النافلة على الراحلة والمسح على الخفين ثلاثة أيام.
وروي عن مالك جواز القصر، وبه قال أبو حنيفة.
وأما مذهبنا في أكل الميتة فإن ابن حبيب قال: إنما يقصر في سفر جائز، فأما من خرج باغيًا أو عاديًا أو طالبًا لإثم فلا يجوز له القصر كما لا يجوز له الأكل من الميتة عثد الضرورة.
قال ابن القصار:

أجاز أصحابنا كل الميتة عند الضرورة.
فأما المانعون للترخص برخص السفر، فأنهم يعتمدون على أن المفهوم من الشرع كون القصر تخفيفًا عن المسافر، وإعانة له على سفره.
وإذا كان هذا مفهومًا عن الشرع حتى صار ملتحقًا بالنصوص، فإن المسافر لطلب معصية عاص بسفره، وسفره محظور.
والمعونة على المحظور محظورة.
ألا ترى أن القتل ظلمًا لا يحل العون عليه.
وكذلك إباق العبد لما كان محظورًا لم تحل المعونة عليه، والإذن فيها والأمر بها يناقض النهي والحظر.
والشيء لا يصح أن يتناوله والأمر مقصود والنهي مقصودًا 1 وإن صح عند بعضهم تعلق الأمر به قصدًا.
وإن تعلق به عموم نهي غير مختص به.
كما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة.
ويعضد هؤلاء هذه الطريقة بأن السكران يلزمه قضاء ما فاته حال سكره من الصلوات.
وإن كان زوال عقله على صورة زوال العقل بالإكماء.
لكن لما كان عاصيًا بشرب غلظ عليه 2 حتى ألحق بالصاحي.
وإنّ خوف العدو عذر في إقامة صلاة الخوف.
وقطاع الطريق الإِمام 3 العدل لا يبيح لهم صلاة الخوف.
قال أبو المعالي لو طرأت المعصية على السفر فقد نص الشافعي على أن مبتدأ السفر إذا لم يكن معصية لم تنحسم الرخص بطروّ العصيان.
وفي المسألة قول آخر.
فلا يستقيم عندنا أن 4 القطع بالتسوية بين الطارئ والَمَقارن.
ومن تافى هذا الاسلوب وفهم تناقض تحريم الشيء وإباحة الإعانة 5 عليه استبان أن الطارئ 6 في ذلك كالمقارن، فإن سئلنا عن الرامي نفسه من سطح حتى تنخلع رجله ويصلي قاعدًا فهل تلزمه إعادة الصلاة؟ قلنا المسألة وأمثالها مختلف فيها، والمختار عندنا أن القضاء لا يجب لأنه صلّى قاعدًا بعوإنقضاء المعصية.
وهذا وإن اقتضى ظاهره وطرده نفي

القضاء عن السكران فإن الفرق أن السكر مطلوب للمجان وهو مما.. 1. طرق التخفيف فيه ومعصية المخلوع ليست مما تنسحب الطبيعة عليها بل النفوس ورعة في الغالب عنها 2 فإن نظرنا إلى حقيقة الترخص ومعناه المقصود في الشرع ومن خالفنا نظر إلى صورة السفر وجعله مقتضيًا للترخص وأعرض عن معناه وحقيقته.
ويعترض هؤلاء أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ 3. فشرط في جواز أكل الميتة ألا يكون متجانفًا.
وإذا ثبت هذا في الترخص بأكل الميتة قيس عليه بقية رخص السفر.
وقد أشار بعض أصحابنا إلى أنا وإن منعنا القصر فإنا نجيز أكل الميتة ونمنع أبا حنيفة من قياسه جواز القصر على جواز أكل الميتة بأن الله سبحانه فرض على الإنسان إحياء نفسه وفرض على العاصي النزوع عن معصيته فيؤمر المسافر ها هنا بالفرضين جميعًا التربة والأكل.
فإن أبى فعل أحدهما والقيام به فلا يمنعه من القيام بما عليه من الفرض الآخر.
فإن لم يتب هذا المسافر وامتنع من القيام بفرض التربة فلا يمنع من القيام بفرض إحياء النفس كتارك الزنا شاربًا للخمر فإنه مذموم على ما فعل ممدوح على ما ترك لأجل فعله كما فعل.
وهذا الذي مثل به هؤلاء من الشرب والزنا، فيه نظر.
لأنه لم يصِر أحد إلى تعلق أحدهما بالآخر ولا كونه شرطًا فيه 4. والمانعون من أكل الميتة يرون التربة من شرط إباحة الأكل.
وإذا لم يفعلها مع قدرته على الفعل لم تحصل الإباحة لفقدان شرطها ويكون ما ركب من المعصية مسقطًا لحُرمة نفسه.
كما يكون زنا المحصن مسقطًا لحرمة نفسمعتى يكون حكمه القتل بالرجم.
قال ابن القصار اْجاز أصحابنا أكل الميتة وهو عندي محتمل لأن عليه إحياء نفسه فامتناعه من ذلك يوجب دخوله في معصية أعظم من معصية 5 سفره.
ونحن نأمره بالتوبة والأكل فإن لم يتب لم نأمره بمعصية أخرى يصنعها في سفره وهي قتل نفسه.

فأما قوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ 1 فقيل غير باغ على الإِمام وقيل غير باغ في أكله فوق حاجته، ولم يحملها أحد من السلف على الجميع فليس لهم حملها على أحدهما إلا ولغيرهم خلافه.
ويستدل أيضًا من منع القصر بأن الطاعة لها تأثير في القصر في مسافة لا يقصر فيها في غيرها من الأسفار كما قدمناه في قصر الخارج إلى مني وعرفة فيقتضي هذا كون المعصية مؤثرة حتى تمنع القصر في سفر يجوز فيه القصر لو تجرد عن المعصية.
وأما المبيحون للترخص برخص السفر وإن كان معصية فيحتجون بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 2. فأطلق السفر ولم يقيده بكونه طاعة.
وتقييده بعد إطلاقه في القرآن كالزيادة على النص.
والزيادة على النص نسخ عند طائفة من أهل الأصول.
والنسخ لا يكون في مثل هذا بالقياس، والاستدلال.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ 3. فأشار في هذا إلى إباحة أكل الميتة عند الضرورة ولم يقيد بأن لا يكون المضطر عاصيًا بسفره.
ويتأول هؤلاء قوله تعالى في الميتة في الآي الآخر 4: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾.
أن المراد به ألا يطلب الميتة قصدًا إليها ولا ياكلها بحسب اقتضاء الشهوة بل بحسب اقتضاء الضرورة.
ولا يعدو واجد ما يسد رمقه ولا يبغي فيتجاوز ذلك.
ويكون هذا عندهم كالصفة للأكل في الضرورة لا صفة للمضطر.
ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كفور رحيم}.
والمضطر لا يتحمل مع اضطراره ذنب 5 فيغفر وإنما الغفران في مقابلة ارتكاب المحظور وذلك في الأكل الذي يرتكبه ويكتسبه.
لكن عُذر فيه لأن الضرورة دعته إليه.- وينفصل هؤلاء عما تمثل به هؤلاء الأولون بأن الرخص علقت بالسفر للسفر يكون سفرا 6 لا بنفس الخطى إذ لا يكون نفس الخطى سفرًا إلا إذا كانت على صفات ولا تأثير للمعصية في كون السفر سفرًا

ولا تعد من الصفات المصيّرة للخطى سفرًا لأن الخطى وإن كثرت لا تصير سفرًا إلا إذا وقعت على صفة ما وليست من هذه الصفة كونها طاعة أو معصية.
فإذا انفصلت الطاعة أو المعصية عن حقيقة السفر وكانت الرخص معلقة بالسفر كان العاصي كالمطيع في جواز الترخص.
وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة لم يكن الغصب بالصلاة وإن كان موجودًا مع الصلاة فلما لم يكن الغصب بالصلاة أجزت الصلاة.
وكذلك ضرورة الجوع لا تقع بسبب البغي والعدوان بل بالحلول بالمكان القفر عن الطعام، ولا تأثير للبغي في جعل المكان قفرًا ولا في إثارة الجوع.
وهذا بخلاف زوال العقل بالسكر.
لأن السكر حدث من شربه، وشربه ما يسكره حرام.
وكذلك ما قالوه في إقامة صلاة الخوف بأن الخوف 1 إنما لحقه بسبب معصية في سفره لا بسفره؛ لأنه لم يخف الإِمام لكونه مسافرًا وإنما خافه بنفس معصيته في ذلك السفر 2.

قال القاضي أبو محمَّد رحمة الله: وإذا فرغ من الصلاة مقصورة، ثم عزم على الإقامة لم تلزمة إعادة وإن عزم على ذلك في الصلاة جعلها نافلة وابتدأها 3 تامة.

قال الفقيه الإِمام رض الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منهما أن يقال: 1 - ما حكم الرجوع عن نية الإقامة إلى السفر؟.
2 - وما حكم الرجوع عن نية السفر إلى الإقامة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما المقيم بوطنه فقد ذكرنا أنه لا يبطل حكم الإقامة بمجرد نية السفر.
وقد ذكرنا اختلاف الناس في ذلك وسبب اختلافهم.
وأما إذا كانت الإقامة ليست في موضع الاستيطان كمسافر من بمدينة، في أثناء سفره نوى أن يقيم بها مدة الإتمام، ثم انثنى رأيه عن الإقامة

وعزم على السفر بعد أن بلغ تلك المدة أو لم يبلغها.
فقد اختلف المذهب فيه.
فرأى ابن حبيب أنه ينتقل إلى حكم القصر برجوعه إلى نية السفر ويستأنف القصر حينئذ.
ورأى سحنون أنه لا يقصر حتى يظعن من موضعه.
فوجه قول ابن حبيب أنه كان على حكم السفر وإنما رجع عنه بنية المقام، فإذا نوى المسافر السفر رجع بمجرد النية إلى حكم الأصل، وتكون النية عاملة بمجردها في غير موضع الاستيطان، وإنما تفتقر إلى مقارنة العمل في موضع الاستيطان.
ووجه ما قاله سحنون القياس على نية السفر في القرار والوطن.
وعلى هذا يجري الأمر فيمن نوى دخول وطنه في أثناء سفره ثم انثنى رأيه عن دخوله، فهل يكون حكمه القصر في موضع تبدل نيته أو حين 1 يرحل عنه، فإنه جار على الاختلاف الذي ذكرناه إذا كان في ذلك المنهل على حكم المقيم ثم تبدلت نيته.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا نوى المسافر في أثناء صلاته الإقامة، فإن كان لم يعقد ركعة فيستحب أن يجعلها نافلة، فإن لم يفعل وتمادى على إحرامه وصلّى أربعأ أجزته صلاته قاله مالك.
وقد ذكر ابن حبيب أنه يتمادى على إحرامه فيصلي أربعاً.
وكأنه رأى أن نية السفر والحضر لا تختلف بدلالة صحة صلاة المقيم خلف المسافر.
وإذا لم تختلف، وكان الاختلاف في العدد لا يؤثر، بني على إحرامه.
وإن كان قد عقد ركعة فقال مالك في المدونة يشفعها بأخرى ويسلم وتكون نافلة.
وذكر ابن حبيب أنه تجزيه صلاته إذا أضاف إليها أخرى، وكأنه رأى أن بعقد ركعة صارت صلاة السفر حاصلة لا تؤثر في حكمها النية.
وقالت الشافعية: إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة انقطع سفره ولزمه الإتمام ولزم من خلفه متابعته 2 وكانهم رأوا أنها صلاة واحدة لا تختلف إلا من جهة العدد، فيصح إكمال الأربع بعد الافتتاح على اثنتين.
ولو كان ناوي الإقامة بعد ركعة عقدها وقد يضيق الوقت كمسافر نسي العصر حتى بقي من

النهار مقدار ركعة فصلى الركعة وغربت الشمس فنوى الإقامة حينئذ.
فإن صلاته تبطل على الطريقة التي قدمناها في تأثير النية بعد ركعة.
واختلف هل يصليها حضرية أو سفرية.
وقد تقدمت الإشارة إلى أصل هذا الاختلاف لما تكلمنا على الأوقات الضرورية.
وذكرنا حكم من حاضت بعد الغروب وهي في أثناء صلاة العصر.
ولو كان المسافر نوى الإقامة بعد أن فرغ من صلاته ففي المدونة ليست الإعادة عليه بواجبة وإن أعاد فحسن، وأحب إلى أن يعيد.
قال لي شيخي رحمه الله: استحباب الإعادة ها هنا مع أن الصلاة تصرمت على الوجه المأمور به.
لا أعلم له وجهاً، إلا أن يكون تحسسٌ إلى طريقة من قال إن الوجوب إنما يتحقق بآخر الوقت.
إلى هذا المعنى كنت أراه يشير رحمه الله وهو مما يفتقر تحقيق القول فيه إلى الاطلاع على مذهب القائلين بأن الوجوب يتعلق بآخر الوقت.
وقد كنا قدمنا فيه قولاً مقنعًا في الأوقات 1.

باب الجمعة

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وهي فرض على الأعيان.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على كونها فرضًا على الجملة؟.
2 - وما الدليل على كونها على الأعيان؟.
3 - وهل فرضها أصلي أم لا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الدليل على كونها فرضًا على الجملة فقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 1. فأمر بالسعي إليها.
وظاهر الأمر الوجوب.
وقد عقبه بما يدل على الوجوب فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ 2. وظاهر هذا التوبيخ على الخروج عنه - صلى الله عليه وسلم -وهو يخطب.
وقد خرّج أصحاب الصحيح أن غيرًا أقبلت من الشام بطعام والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فانقلبوا 3 إليها حتى لم يبق معه - صلى الله عليه وسلم - إلا إثنا عشر رجلًا فأنزل الله تعالى الآية 4. وفي الصحيح قال - صلى الله عليه وسلم -: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على

قلوبهم ثم ليكونين من الغافلين 1. فظاهر قوله ها هنا أقوام، إشارة إلى طائفة معينة.
ويمكن أن يكونوا المنافقين.
وفي النسائي قال - صلى الله عليه وسلم -: الرواح حق على كل محتلم 2. وقال - صلى الله عليه وسلم -: من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا طبع الله على قلبه 3. هكذا أخرجه الترمذي وخرّجه النسائي من غير ضروة.
وروى جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: توبوا إلى الله قبل تموتوا وبادروا إليه بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلَوا وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا وفي يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة.
فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره.
ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا برّ له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه.
إلاَّ لا تَؤمن امرأة رجلًا، ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه 4. فأنت ترى هذا التغليظ والتشديد منه - صلى الله عليه وسلم - في تركها وتهديده بما هدد به من الختم على القلب.
وهذا من أعظم الأدلة على الوجوب.
فإن قيل التهديد بالختم على القلب مقيد بتركها ثلاث مرات وأنتم توجبونها كل جمعة ولا تسقطون الوجوب في مرة ولا مرتين.
قيل إن الواجب يتساوى كله في تعليق الإثم بتركه واستحقاق العقاب في الإخلال به، ولكن وإن تساوى في استحقاق العقاب على الجملة.
فمقادير العقاب تتفاوت بتفاوت الأجرام 5. فتارك الجمعة مرة واحدة يستحق العقاب كما يستحقه تاركها ثلاثًا.
ولكن الاثم في الثلاث أكثر من الاثم في الواحدة.
فإن كان تاركها ثلاثًا أعظم جرمًا وأكثر إثمًا

لم يبعد أن يكون البارئ سبحانه يجعل الختم على القلب في هذا المقدار من الجرم دون ما انحط عنه.
ألا ترى أنه قيد في الترمذي بقوله تهاونًا ولو تركها غير متهاون لكنه مختار للترك لكان آثمًا.
ولكن تركها تهاونًا أشد قبحًا.
فلم يبعد تعليق هذا الوعيد به.
وهكذا تقييده في حديث جابر بقوله: فمن تركها استخفافًا بحقها وتهاونًا بها إنما ذلك أيضًا لكون المستخف المتهاون أعظم جرمًا ممن لم تكن حاله كحاله.
والذي خرجه النسائي من غير ضرورة أوسع من تقييد الذنب.
لأن المختار الذي ليس بمتهاون تارك من غير ضرورة فإنما قيّد في النسائي بعدم الضرورة لا غير لما كان المضطر غير ملوم في كثير من الأمور.
وقد قال ابن حبيب شهود الجمعة فريضة.
ومن تركها مرارًا من غير عذر لم تجز شهادته.
فأنت تراه كيف علّق سقوط الشهادة بتركها مرارًا مع إشارته إلى أن المرة الواحدة فرض لكن لما اختلف مقدار الجرم فكان في المراد أعظم من المرة الواحدة حسن تقييده به.
واقتفى في هذا التقييد أثر الحديث المقيّد فيه بالثلاث، لاختلاف مقدارها من مقدار المرة الواحدة على ما بيناه.
وقال ابن سحنون: أجمع المسلمون على إيجاب الجمعة وتنازعوا زوال فرضها إذا كان الإِمام غير عدل.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: صلاة الجمعة فرض على الأعيان.
وما قدمنا من الظواهر الدالة على كونها فرضًا على الجملة دليل كونها على الأعيان.
ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
خطاب عام لسائر المؤمنين.
وكذلك النهي عن البيع خطاب عتمَ جميعهم.
فلو كان فرض الجمعة ساقطًا عن بعضهم لسقط تحريم البيع عليهم.
وإن كان قد يجاب عن هذا بأنه قد يمكن ألا تجب الجمعة ويمنع البيع.
والتعبد 1 بهذا غير ممتنع على ما نشير إليه في موضعه إن شاء الله.
وكذلك أيضًا ما قدمناه من قوله- صلى الله عليه وسلم -: الرواح حق على

كل محتلم 1. وقوله: من ترك الجمعة ثلاث مرات 2. الحديث.
خطاب يعم سائر الأعيان.
وكذلك قوله: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات 3. الحديث.
فلو كانت الجمعة فرضًا على الكفاية لما توعّد أقوامًا تخلفوا عن فرض قد قام به غيرهم وسقط عنهم وجوبه.
فإن تعلق المخالف بقوله - صلى الله عليه وسلم -: صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين 4. فأثبت كون الصلاة في الجماعة أفضل.
وصلاة الجمعة من شرطها الجماعة فيجب لحقِّ هذا الظاهر أفضل من صلاة الفذ وحده اقتضى ذلك كون صلاة الفذ فيها فضل ما 5 وإن كان دون فضل الجماعة.
وإذا ثبت أن في صلاة الفذ يوم الجمعة فضلًا ما، وهو لا يصلي إلا الظهر اقتضى ذلك كون الجمعة فرضًا على الكفاية.
فالجواب عن هذا بأنا نقول محمل الحديث على صلاة الجماعة فيما سوى الجمعة.
والغرض بالحديث بيان حكم الجماعة لا بيان فرض الصلاة ونفلها.
والغرض من أحاديثنا بيان حكم صلاة الجمعة ووجوبها.
فلا يترك أخذ الوجوب من الأحاديث المقصودة له، ويؤخذ عحكمه مما قصد به بيان معنى آخر.
وكذلك إن تعلق المخالف بأنه - صلى الله عليه وسلم - أرخص التخلف 6. في الجمعة لمن شهد صلاة العيد من أهل القرى الخارجة عن المدينة 7 فإن ذلك لمعنى اقتضاه 8 وسنتكلم عليه إذا تكلمنا على الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف العلماء في الفرض يوم الجمعة.
فعندنا أن الواجب بالزوال صلاة الجمعة لا الظهر وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أن الواجب بالزوال الظهر، ويلزم إسقاطها بالجمعة.
فالحجة للقول بأن الواجب الجمعة الاتفاق على أنه مأمور بفعلها.
وأنه غير غير بين فعلها وفعل الظهر.
وذلك يقتضي تعيين وجوبها وأن الوقت لها.
ومحال أن يكون الوقت للظهر ويحرم فعل الظهر.
في هذا تناقض لا يصح.
وأما من قال: إن الواجب الظهر فإنه قاس يوم الجمعة على سائر الأيام.
وأيضًا فإن من فاطه الجمعة انتقل إلى الظهر.
فلو لم تكن الظهر فرض الوقت لما انتقل إليه.
وإنما أمِر بفعل الجمعة إسقاطًا لفرض الوقت الذي هو الظهر كما يؤمر من رأى في وقت الظهر غريقًا أن يسعى لتخليصه ويترك الظهر، وإن كان الوقت لها.
وهذا الاختلاف تظهر ثمرته فيمن صلّى الظهر قبل صلاة الإِمام الجمعة، وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذلك أيضًا اختلف الناس في صلاة الجمعة.
هل هي صلاة 1 الظهر مقصورة أوصلاة غير الظهر؟ فقال الشافعي هي الظهر مقصورة ورأى أن الجمعة ظهر قصرت لأجل الخطبة.
ويستدل بأن الوقت الواحد في الشرع جعل سببًا لفرض معين في عموم الأوقات كما في سائر الصلوات.
والزوال وقت اَلظهر فتكون الأيام كلها فيه متساوية.
وقد تقصر الصلاة لأسباب.
كصلاة السفر.
فغير بعيد أن تقصر لأجل الخطبة، أو مشقة قطع إلى سافة إلى الجامع.
ومذهب الحنفيين أن الجمعة صلاة غير الظهر.
ويستدلون بأن للجمعة شروطًا ليست للظهر.
والفرض الواحد لا يختلف باختلاف شروطه.
لكن الشروط تختلف باختلاف الفروض، ألا ترى أن الأوقات اختلفت لما كانت شروطًا في أداء الصلوات، فتظهر ثمرة هذا الاختلاف في بناء فعل الظهر على تكبيرة الإحرام.
وسنذكره في موضعه إن شاء الله.
وعند ذكرنا له يظهر مذهبنا في هذا الأصل.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وشروط وجوبها ستة: البلوغ والعقل والذكورية والحرية.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منهما أن يقال: 1 - ما الدليل على اشتراط الذكررية؟.
2 - وما الدليل على اشتراط الحرية؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما سقوط الجمعة عن النساء فإذا قلنا إن قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ خطاب ورد بصيغة التذكير ولا يدخل النساء في خطاب ورد بصيغة التذكير، لم يكن علينا دليل في إسقاط الجمعة عنهن؛ لأن الأصل عدم التكليف.
وإن قلنا بأنهن يدخلن في مثل هذا الخطاب قلنا روى طارق بن شهاب قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبدأومملوكًا وامرأة وصبيًاومريضًا 1. وهذا وإن كان خبر واحد فالتخصيص لعموم القرآن بخبر واحد فيه خلاف بين أهل الأصول.
فإن قلنا بالتخصيص به استقل الخبر 2 دليلأوإن لم نقل بالتخصيص به استدللنا بالإجماع على أن لا جمعة عليهن.
وهذا الحديث فيه دلالة على ما ذكره القاضي أبو محمَّد من اعتبار البلوغ لقوله: البلوغ مع أن الصبي قد اشتهر في وضع الشرع سقوط التكليف عنه وعن المجنون.
ولهذا لم نفردهما بالسؤال.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: جمهور العلماء وفقهاء الأمصار على سقوط الجمعة عن العبد.
وقال داود بوجوبها عليه.
وقال ابن حنبل في أحد قوليه وأضاف هذا القول الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى المذهب وتعلق بقول ابن شعبان في مختصره: المشهور من قول مالك أنها غير واجبة.
وبقوله أيضًا على من قدر من العبيد على إتيان الجمعة أن يأتيها، يلزمون ذلك ويقامون إليها من حوانيت ساداتهم.
وفي موطي.
ابن وهب سئل مالك عن العبيد هل عليهم جمعة؟ فقال أما من قدر عليها منهم فنعم.
وقال رحمه الله إن قول ابن

شعبان المشهور من قول مالك: أنها غير واجبة، فيه إشارة إلى أنه اختلف قوله فيها مع ما حكاه من التصريح بالوجوب.
وهذا الذي نقله الشيخ أبو الحسن عن مختصر ابن شعبان نصُّ قول ابن شعبان فيه.
وقيل إن على من قدر من العبيد على إتيان الجمعة أتاها.
وقيل إن العبيد يلزمون الجمعة ويقامون إليها من حوانيت ساداتهم لأنهم إذا لحقوا بها كانوا من أهلها.
قال ابن وهب: ليس ذلك عليهم.
قال أبو إسحاق: وهذا قول مالك المشهور عنه العمل به 1. وسياق كلام ابن شعبان يدل على أن المراد بقوله قيل قول مالك ولكن قد أحل الشيخ أبو الحسن في النقل بقوله.
لأنهم إذا لحقوا بها كانوا من أهلها.
وهذه الزيادة تشير إلى أنها غير واجبة في الأصل عليهم، ولو كانت واجبة في الأصل لما علل بهذه العلة.
وبحذف هذه الزيادة في هذه الرواية التي نقلناها نحن وأسقطها الشيخ أبو الحسن يحصل له ما أراد من الاستدلال بهذه الرواية على الوجوب وقال الحسن وقتادة تجب على من يؤدي الضريبة والمكاتب.
وروى أبو مصعب عن مالك أنه قال: لا أحب للمكاتب ترك الجمعة.
فدليلنا على سقوطها عن العبيد ما ذكرنا في السؤال الذي قبل هذا من حديث طارق بن شهاب وفيه سقوطها عن العبد.
وهذا إذا قلنا بدخول العبيد في الخطاب.
وأما إن لم نقل به فلا حاجة للاستدلال على السقوط لفقد الأدلة على الوجوب.
وأيضاً فإنها عبادة عن البدن تفعل في مكان مخصوص، فأشبهت الحج.
ألا ترى أن الحج لا يصح إلا ببقعة مخصوصة كما أن الجمعة لا تصح إلا في الجامع، فإذا سقط الحج عن العبد سقط ما أشبهه وهو صلاة الجمعة.
ألا ترى أيضًا أن الجهاد ساقط عن العبد لافتقاره إلى قطع مسافة، والجمعة مفتقرة إلى قطع مسافة فوجب أن تسقط عن العبد أيضًا.
وأيضًا فإن الشرع راعى حق سيده فأسقط عنه بعض العبادات لئلا يُقطع عن شغل سيده وخدمته.
ولولا مراعاة حق السيد لوجب عليه الحج والجهاد.
وهذا يقتضي الجمعة 2 مراعاة لحق سيده فإن قيل هذا

الاستدلال الآخر يقتضي وجوب الجمعة عليه.
إذا أسقط سيدُه حقه.
قيل قد ذكر ابن القصار في ذلك اختلافًا فقال إن أذن له سيده في حضورها فمن أصحابنا من قال هو مخاطب بها في الأصل وعذر في التأخر لحق السيد 1 فإذا أذن له وجبت عليه.
ومنهم من قال هو غير مخاطب بها.
ولا يصح أن يكون غير مخاطب بها لأن ذلك يلزم في الحج وأن 2 يكون إذا أذن له سيده لزمه وأجزأه.
وهذا لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه وإنما أجزأته الجمعة من الظهر لأنها بدل وليست بأصل في الوجوب والحج لا بدل له.
ولا يصح 3 أن يقال إن العبد مخيّر في حضورها لأنه لا يملك التخيير.
ولو أن مريضًا تكلف حضورها لأجزأته، ولم يدل ذلك على وجوبها عليه.
وكذلك الحج يجزي من تكلفه وإن كان لا يجب عليه.
وأما ما ذهب إليه الحسن وقتادة من إيجاب الجمعة على المكاتب ومن يؤدي الضريبة فإنهما لما رأياهما يستبدان بتصرفهما أشبها الحر.
وهذا تشبيه غير صحيح.
لأنهما لا يملكان تصرفهما ملكًا مطلقًا فلا يقاسان على الحر المالك جميع أمره.
ومقتضى تعليل مذهبهما يقتضي إيجاب الجمعة على العبد إذا أذن له السيد كما حكيناه عن بعض أصحابنا، فإن لم يلتزما ذلك، بطل ما عللا به مذهبهما.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والإقامة وموضع يستوطن فيه.
ويكون محلًا للإقامة 4 يمكن، الثواء به بلدًا كان أو قرية.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على اعتبار الإقامة؟.
2 - ولِمَ ذكر الاستيطان مع الإقامة؟.
3 - ولِمَ وصف الوطن بكونه يمكن الثواء فيه؟.

4 - ولمَ قال بلدأ كان، أو قرية؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أجمع الفقهاء على سقوط الجمعة على المسافر إلا داود، فإنه يوجبها عليه.
وقال الزهري والنخعي: تجب عليه إذا سمع النداء.
ودليلنا قول تميم الداري: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الجمعة واجبة إلا على خمسة امرأة وصبي ومريض ومسافر ومملوك 1. وقد أقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يُجمّع.
ولأن الله عَزَّ وَجَلَّ أسقط على المسافر بعض الصلاة مع كون الساقط عنه منها واجبًا في حق كل أحد.
فالجمعة أولى بالسقوط.
لأن السعي وانتظار الجمعة أشق من فعل أربع.
وما كان أشق كان أولى بالسقوط.
فإن احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ 2. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: الجمعة على من سمع النداء 3. قلنا: هذان عمومان، والخبر الذي استدللنا به يخصصهما مع ما عضده من القياس.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما ذكر الاستيطان مع الإقامة.
لأن الاستيطان بالمقام بوطن بنية التأييد.
والإقامة اعتقاد المقام بموضع يلزمه فيه إتمام الصلاة، هذا المقصد بهاتين العبارتين في إطلاقات الفقهاء في مثل هذا.
فكل استيطان إقامة وليس كل إقامة استيطانًا.
قال بعض المتأخرين: إن اعتبرنا الاستيطان فلا يجوز لجماعة مرت بقرية خالية من أهلها فرأوا أن يقيموا شهرًا أو شهرين أن يجمّعوا.
لأنهم وإن أقاموا في المكان ليس بمكان استيطان لهم.
وإن اعتبرنا الإقامة جاز لهم ذلك.
وقد رواه ابن القاسم عن مالك.
فأنت ترى كيف اختلف معنى الاستيطان ومعنى 4 الإقامة.
وإن مجرد الإقامة لا تستقل بنفسها دون معنى يضامها وسنتكلم على المعنى الذي يعتبر فيها إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما وصف الوطن بكونه يمكن

فيه الثواء لأن الجمعة أصل إقامتها في مصر استوطن، وصح الثواء فيه.
فلا تقام إلا في ما شاركه 1 في معناه.
ولكن في صفة المشارك له في معناه اختلف أهل العلم، فقال الحسن والنخعي وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع ويروي 2 ذلك عن علي.
وأما مالك رضي الله عنه فإنما اعتبر أن يكون الموضع قرارًا لأهله ولم يحده في إحدى الروايات عنه سوى أنه قال: تقام في القرية المجتمعة التي قد اتصلت دورها وفيها الأسواق.
وقال مرة المتصلة البنيان 3 ولم يذكر الأسواق.
وقال أيضًا: إذا كانت القرية بيوتها متلاصقة وطريقها وسطها 4 ولها أسواق ومسجد يجمّعون فيه الصلاة فإنهم يجمّعون الجمعة 5. وذكر ابن حبيب: عن مالك أن ثلاثين بيتًا وما قاربها جماعة 6. قال ابن حبيب: وهو معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا اجتمع ثلاثون بيتاً، 7 والبيت مسكن الرجل الواحد.
وفي مختصر ابن شعبان: إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمّعون فيه الصلوات فلا بأس أن يصلوا صلاة الخسوف وهي 8 إشارة في هذه الرواية إلى اعتبار الخمسين في صلاة الجمعة.
لأن العدد اعتباره في صلاة الجمعة آكد منه في صلاة الخسوف.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلًا فلتصل الجمعة.
وقال ابن القصار لا حد لهم غير أني رأيت لمالك أنها لا تقام بالثلاثة ولا بالأربعة.
وقال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا لا حد لهم إلا أن يكونوا عددًا يمكنهم الثواء وتتقرى بهم قرية.

قال الشيخ أبو الحسن القابسي: ما علمت أحداً ذكر عن مالك عددًا حده تقوم به الجمعة إلا ابن حبيب فإنه قال الثلاثون وما قاربهم عندي جماعة.
كذلك روى مطرف وابن الماجشون عن مالك.
فأنت ترى هذه الرواية كيف اتفقت على أنا لا نشترط فيها المصر كما اشترطه أبو حنيفة وإن كان قد قال يحيى بن عمر الذي اجتمع عليه مالك وأصحابه: أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة: المصر والجماعة.
والإمام الذي تخاف مخالفته، قال: وأتى قوم عمرو بن العاص فسألوه أن يأذن لهم في الجمعة فقال: هيهات لا يقيم الجمعة إلا من أخذ بالديون وأقام الحدود وأعطى الحقوق.
فمتى عدم شيء من هؤلاء لم تكن جمعة.
فإن كان أراد بالمصر مراد أبي حنيفة فليس الأمر كما قال من اجتماع مالك وأصحابه على اعتباره.
بل وأريناك أن مالكًا وأصحابه قائلون بخلاف ذلك، وأنهم يعتبرون في القرار شرطًا ما، وذكرنا إشارتهم إلى مراعاة ما يمكن الثواء معه.
وقد قال عمر بق العزيز إذا كانت قرية عليها أمير جمع بها.
وقال مكحول إذا كانت قرية فيها جماعة صلوا الجمعة.
وقال أبو ثور الجمعة كسائر الصلوات إلا أن فيها خطبة.
وإذا حضر الإِمام وخطب أقيمت الجمعة.
فأما أبو ثور هذا فالرد عليه ما قدمناه من اعتبار الشبه بالموضع الذي أقيمت فيه في الأصل، وأنها ليست كسائر الصلوات كما قال.
وأما اعتبار عمر بن عبد العزيز الأمير، واعتبار مكحول الجماعة فإن مجرد كل واحد من هذين الوصفين لا تقع به المشابهة بموضع إقامتها في الأصل، فلهذا لم نعتبره.
ومهما اتضح بُعْدُ المشابهة فإنا لا نقيم الجمعة.
وقد سئل محمَّد بن سحنون عن القرى التي أحدثت فيها المنابر فأنكر ذلك، وقال ومن يجمّع فلا يعيد للاختلاف في ذلك.
ولو كان ذلك واجبًا على أهل هذه القرى لأقامها سحنون إذ وُلي.
كما أقامها لأهل قلشانة وسوسة وصفاقس فما أجاز ذلك فيها إلا زحفًا 1. وأنكر ابن سحنون إقامة ابن أبي طالب لها بأولج وفرفورة.
وأشار ابن سحنون إلى أتى الأصل الظهر فلا ينتقل عن الأصل إلا عند تحقق الشبه بموضع إقامتها الأصلي.
وقد ذكر عن سحنون أنه لم ير الجمعة على أهل حصن المنستير ولكن لم يكن

في أيامه غير حصن هرثمة 1 وهو المعروف الآن عندنا بالقصر الكبير.
وقد اضطرب العلماء في الشبه.
إذا حصل من ناحية القرار ولم يحصل من ناحية الصور والأشكال، فقال مالك في سماع ابن وهب.
وقد سئل عن الحصون التي على السواحل: إنما هي على أهل القرى فإن كانوا أهل قرية جمّعوا.
وأما غير أهك القرية فلا أدري.
وقال ابن وهب في قوم على الساحل مقيمين الرباط وليسوا في حصن ولا قرية وهم فيها جماعة إن كانوا بموضع إقامة فلهم أن يجمعوا.
وقال زيد بن بشير إذا كان الحصين على أكثر من فرسخ وفيه خمسون رجلًا فأكثر جمّعوا.
وقال مالك في أهل الخصوص وهم جماعة واتصال الخصوص كاتصال البيوت: أنهم يجفعون الجمعة، وإن لم يكن لهم وال.
ولم يقل إذا كان لهم مسجد.
وسنتكلم على أحكام المسجد.
وقال مالك في العتيبة ليس على أهل العمود جمعة وكأنه رآهم ليسوا بمكان قرار.
وقال بعض أشياخي: واختلف في أهل الخصوص والقرى التي ليست شبيهة بالمدن.
واختلف قول الشافعي في أهل الخيام إذا كانوا مستوطنين لا ينتجعون الخصب على قولين.
أحدهما: تجب عليهم الجمعة لأنها موضع إقامة واستيطان.
والثاني لا تجب عليهم لأنها ليست بأبنية.
فأنت ترى هذا الاضطراب وحصول الشبه من ناحية القرار وفقده من ناحية الأبنية المشتبهة بالموضع الأصلي.
وقد قدمنا تردد 2 بعض المتأخرين القول في فقدان الشبه من ناحية نية الإقامة المؤبدة.
وقد قال مالك في قرية أو ثغر يرابط فيه قوم ستة أشهر، فإن كان فيها بيوت متصلة وسوق فليجمع أهلها، وإلا فلا.
وأشار ها هنا إلى ترك اعتبار الاستيطان المؤبد وهو يضاهي ما نحن فيه من فقدان الشبه من جانب وحصوله من جانب.
وإن كان هذا أحق بالشبه من ذلك، لحصوله الآن من كل الجهات.
وما يحدث من الرحلة فقد لا يؤئر في حصول الشبه الآن.
فإذا وضح مذهبنا في صفة المكان الذي تقام فيه الجمعة أن الاعتبار

بالشبه بالموضع الأصلي في إقامة الجمعة، فاعلم أن أبا ثور قد أفرط 1 لما قال إنها كسائر الصلوات على حسب ما قدمنا حكايته عنه.
كما أن أبا حنيفة أفرط إذ لم يقمها إلا في الأمصار كما حكيناه عنه.
فأما أبو ثور فإنا قدمنا الإشارة إلى الرد عليه وعلى من قرب 2 طريقته بما ذكرناه من أن الأصل صلاة الظهر، وأن الجمعة صلاة شرعت وخصت بشرائط وأوصاف بخلاف غيرها من الصلوات فوجب ألا تقام إلا حيث يتحقق وجود تلك الشروط والأوصاف.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 3. وهذه إشارة إلى إقامتها بموضع يمكن فيه التبايع وهذا لا يكون إلا في المواضع التي أشار مذهبنا إليها.
وأما أبو حنيفة فإنا نستدل عليه بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
وهذا خطاب يتناول القرى التي أشرنا إليها كما يتناول الأمصار التي حُمل الخطاب عليها.
وأيضًا فقد قال ابن عباس: إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجؤاثى من البحرين من قرى عبد القيس.
فإذا ثبت الجمع بجؤاثى ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكره والأظهر ظهر أنه يتصل به دل ذلك على صحة ما قلناه 4. وأما أبو حنيفة فإنه يستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا جمعة ولا تشرين إلا في مصر جامع 5. وقد أجيب عن هذا بأنه موقوف على علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
وأيضًا فإنه مرسل فإن الأعمش رواه عن سعيد ولم يصله.
وأيضًا فإن كل قرية هي قرار، لأهلها مصر، كما أن كل مصر قرية كلا وقد سمى الله مصر قرية 6 لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ 7. وتسمى مكة أم القرى.
وليس على العرف الآن: على ترك تسمية القرية مصرًا

يوجب كون ذلك هو 1 عرف العرب أو لسانهم.
ويستدل أبو حنيفة أيضًا بأن الصحابة فتحوا البلدان والقرى ولم يشتغلوابنصب المنابر في القرى ولا أمروا بإقامة الجمعات فيها، ولو كانت واجبة لما أعرضوا عنها وهي من أظهر شعار 2 الإِسلام.
ولأن السلطان شرط في إقامتها.
ومقام السلطان في الأمصار على غالب العادات ولأن أمر الجمعة مبني على العموم.
ولهذا لا يحل لأحد من أهلها أن يتخلف عنها، ولا أن تقام الجماعات حتى 3 تصلى الجمعة.
وهذا يشعر بأنها من شعار (2) الإِسلام العامة.
فلهذا لا تقام بكل مكان كسائر الصلوات.
وإذا كان هذا هكذا وجب أن تخص بمكان جامع للعامة ليتحقق معنى.
الشعار للعموم بذلك الاختصاص.
وهذا لا يحصل إلا في الأمصار الجامعة.
والذي قدمناه من الجمع بجؤاثى يرد هذا الذي قاله.
وأما ما أشرنا إليه من الاختلاف فيما كان فيه جماعة استقروا وفقد الشبه من ناحية الأبنية.
فإن ما قدمناه من الإشارة يطلع منها على سبب الاختلاف.
وأيضًا فإن قبائل العرب كانت حول المدينة ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بإقامة الجمعة.
وهذا فيه أيضًا رد لمذهب أبي ثور ويرده أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفة، وكان يوم جمعة، ولم يجمّع.
وتعلقه بأن عمر كتب إلى أبي هريرة رضي الله عنهما أن جمّعوا حيث كنتم.
محمله على المواضع التي تقام فيها الجمعة بدليل ما ذكرناه من الأدلة المتقدمة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قد قدمنا مخالفة أبي حنيفة في إقامة الجمعة في القرى وقصره إقامتها على الأمصار.
وذكرنا سبب الخلاف بيننا وبينه في ذلك.
ولما علم القاضي أبو محمَّد مخالفته في ذلك نبه بهاتين اللفظتين على خلافه لنا.
وإن كان قوله وأنها تقام في كل قرار يمكن الثواء فيه يغني عن هذا التنبيه على أن البلد مساو للقرية.
ولكنه ذكره تصريحًا وإن كان قدمه تلويحًا لينبه به على اختلاف الناس في هذه المسألة وهذا لحذقه بالتأليف واطلاعه على المقالات.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وشروط أدائها ستة: الإِسلام وما يعتبر في 1 سائر الصلوات من الطهارة والستر وإمام، وجماعة 2.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منهما أن يقال: 1 - لِمَ فرَّق بين هذه الشروط والشروط الستة المتقدمة؟.
2 - وما أوصاف الإِمام الذي تصح إمامته في الجمعة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما فصل بين الشروط لأن وجوب الفعل غير أدائه.
وهذه عبارة يستعملها الفقهاء للتفرقة بين معاني الشروط.
فقد يكون الشيء لا تتوجه 3 العبادة على المكلف إلا بحصوله فيسمونه شرطًا في الوجوب.
وقد تجب العبادة ولكن يشترط في صحة فعلها ووقوعها موقع 4 الأجزاء حصول معنى يسمون ذلك المعنى شرطًا في الأداء.
وقد كنا قدمنا في كتاب الطهارة شيئًا من هذا المعنى لما ذكرنا اختلاف المذهب فيمن لم يجد 5 ماء ولا ترابًا في جميع وقت الصلاة هل عليه قضاء الصلاة بعد خروجها أم لا؟ وقلنا من رأى أن الطهارة شرط في وجوب الصلاة، فإنه لا يوجب القضاء، لأن الصلاة لم تجب بفقدان شرط الوجوب.
ومن يراها شرطًا في الأداء فقد يوجب القضاء، لكون الوجوب قد حصل والفعل لم يمتثل.
وهكذا الأمر ها هنا لمّا كان البلوغ والعقل والذكررية والحرية والإقامة شرائط في وجوب صلاة الجمعة ميّزها القاضي أبو محمَّد عن الشرائط الأخرى التي هي شرط في الأداء في حق من وجبت عليه الجمعة.
ولا خفاء أن العقل إنما اشترط 6 ليفهم الخطاب.

والوجوب إنما يتصور بعد فهم الخطاب.
فوجب عنه من شرائط الوجوب.
كما لا خفاء أيضًا في أن أهل المدينة التي بها الجامع إذا خوطبوا بالجمعة وقيل لهم إنما يقع موقع الصحة إذا أوقعتموها في الجامع.
وأن إيقاعها في الجامع من شروط الأداء، لأن الوجوب قد تحقق.
وإنما أمر المكلف أن يوقع الفعل على صفة دون صفة، والصفة الموقع عليها الفعل مما يكتسبه، فيجب عليه تحصيله.
وكثير من شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها.
وقد تكلم أهل أصول الفقه على أحكام الشروط وما يجب أن يحصل منها، وما لا يجب بما ليس هذا موضع بسط قولهم فيه.
وقد عذ القاضي أبو محمَّد ها هنا الإِسلام في شروط الأداء.
وهذا إنما يتجه إذا قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو مذهب حذاق الأئمة.
وإن قال إنّهم غير مخاطبين بفروع الشريعة لم يحسن علّه للإسلام من شرائط الأداء.
وقد أكثر المؤلفون في شرائط الجمعة.
واختلفوا في عدد الشروط اختلافًا لا فائدة في نقله لأن المطلع على التفصيل فروع هذا الباب يعلم يعلم حقائق شروطه 1 وإنما نبهناك من كلامه في هذه الشروط على ما يمكن أن يخفى على من لم يطالع علم الأصول.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد ثبت أن صلاة الجمعة من شرطها الجماعة.
والجماعة لا بدّ لها 2 من جامع وهو الإِمام، فهل من شرط الموضع الذي تقام فيه الجمعة أن يكون فيه إمام سلطنة أم لا؟ عندنا وعند الشافعي أنه ليس بشرط.
وعند الحسن وأبي حنيفة والأوزاعي هو شرط.
وقد قدمنا قول يحيى بن عمر الذي اجتمع عليه قول 3 مالك وأصحابه أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة: العصر والجماعة والإمام الذي تُخاف مخالفته.
فقوله الذي تخاف مخالفته كالإشارة إلى مذهب أبي حنيفة لا سيما وقد قدمنا ما حكاه عن عمرو بن العاصي.
وقال ابن مسلمة: من صلى بقوم صلاة في مسجد أو غيره أجزأتهم، إلا أن تكون الجمعة فإنه لا يصليها إلا بسلطان أو مأمور أو رجل

مجتمع عليه، حتى يختص بوصف لا ينبغي أن يصلي الجمعة إلا أحد هؤلاء.
وهذه إشارة منه إلى أنه وإن لم يشترط السلطنة فيشترط كون الرجل مجتمعًا 1 عليه حتى يختص بوصف، بخلاف غيره من الأيمة.
وإذا قلنا بمنع اشتراط إمام السلطنة فقد قال مالك إذا منع الناس الإمامُ من إقامتها وقدروا على إقامتها فعلوا.
وفزق أشهب بين أن يمنعهم أو يكون ممن لا يمنع فصلوها بغير أمره.
وفي قول أشهب إشكال أقي الطريقتين سلك؟ وأشار بعض أشياخي إلى أن المذهب لا يختلف في أن الأمير إذا حدث عليه وقد شرع في صلاة الجمعة ما نقض طهارته فذهب ولم يستخلف أن القوم يستخلفون، 2 لأن هذه ضرورة.
فدليلنا على إسقاط اشتراط إمامة السلطنة مقيمًا لها أو اَذنًا فيها: قول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 3. ولم يشترط إمام سلطنة.
وورود الشرع باشتراط أمور لم تتضمنها الآية، لا يجعل الآية مجملة لا يحتج بها بل يكون ذلك كالتخصيص.
وأيضًا فإن عليًّا رضي الله عنه أقام صلاة العيد بالمدينة وعثمان محصور ولم ينكر عليه أحد.
والاختلاف في اشتراط إمامة السلطنة في صلاة العيد كالاختلاف في اشتراطه في صلاة الجمعة.
وقياسًا أيضًا على سائر الصلوات فإنه لا يشترط فيها السلطان ولا إذنه.
وقد استدل أصحابنا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: سيليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة في بيوتكم في وقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة 4. والأظهر أن المراد بهذا صلاة الجمعة لأن ما سواها لا تحضره الأئمة في الغالب 5. وقد أجيبوا عن هذا بأنه أمر بإقامتها في البيوت.
والجمعة لا تقام في البيوت ولم يُرد - صلى الله عليه وسلم - أنهم يؤخرونها حتى يخرج الوقت المختار ولا عذر لهم ني ذلك فيفسقوا فتكره الصلاة وراءهم فتصلّى الظهر في البيوت ثم تصلى الجمعة معهم.
ولم يُرد - صلى الله عليه وسلم - أن الجمعة تكون

تطوعًا عند الله تعالى بل تكون هي الواجبة.
وقيل أيضًا في صلاة علي رضي الله عنه أنها يمكن أن تكون عن إذن عثمان رضي الله عنه بل هو الظاهر.
ويحتمل أن يكون صار عثمان كالمعزول بزوال قدرته فأقام الصلاة علي بإذن الناس ورضاهم حتى صار بذلك كالإمام لهم.
وقيل أيضًا: لا يصح القياس على سائر الصلوات، لأن سائر الصلوات لا يشترط فيها الإِمام فلا يمكن تعرّف صفة الإِمام المشترط من صلاة لا إمام فيها يشترط، بل يجب التعرّف من الطريق الذي اشترط الإِمام لأجله.
فإن أصل الإِمام إنما اشترط لتحقيق الشهرة بالحماعة، فصح أن يشترط صفة السلطنة لأن الجمع الكبير لا يصح إلا بسلطان.
ولهذا لم يكتف باشتراط الحرية.
لأن اشتراط صفة السلطنة 1 اشتراط صفة تناسب المعنى المراد من الموصوف.
وأما أبو حنيفة فإنه يحتج على إقامة السلطان أو إذن السلطان بأن الصحابة فتحوا البلدان ولم يصنعوا 2 المنابر إلا بمواضع فيها السلطان.
وأيضًا فإن الجمعة من الأمور العامة، وما يتعلق بعموم الناس كان السلطان فيه شرطاً.
وتكون الولاية إليه دون غيره، كالحد الذي يرجع صلاحه إلى عموم الناس وأخذ الزكاة التي هي حق 3 لعامة الفقراء، وكذلك سائر أمور العامة.
وهذا لأن العامة إذا اجتمعت وكثرت لم تصلح إلا بسائس يسوسها وليس إلا السلطان الذي له القهر بالسيف.
والحجة لا تقهر العامة.
وأيضاً فإنه قد استمر الأمر على إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم -. والخلفاء بعده والأئمة في سائر الأمصار على مرور الأعصار.
وأجيب عن هذا بأن هذا اتفاق، لأن الجمعة واجبة على الجميع.
فحضور من ذكر فيها لوجوبها عليه لا لكونه شرطًا في إقامتها.
ألا ترى أن الحج إقامته للأئمة، ولم يزل 4 ذلك على اشتراطهم فيه.
فأما الصفة الثانية بأن تشترط عدالة الإِمام فقد قدمنا في اشتراط العدالة في أئمة الصلوات على الجملة فيما تقدم من

كتابنا هذا ما فيه كفاية.
قال ابن حبيب: وتصلَّى الجمعة خلف الإِمام الجائر الفاسق بلغ فسقه وجوره ما بلغ.
وكأنه رأى أن الإمامة وإن كان قد اشترط في صلاة الجمعة ما لم تشترط في غيرها فكانت في الجمعة آكد متى لم تصل وراء الإِمام الجائر أدى إلى الخروج عليه أو إثارة فتنة.
فلهذا أباحه في الجمعة دون غيرها وإن كان القياس أن يكون اعتبار العدالة في الجمعة آكد لاشتراط الإِمام فيها واشتراط صفات فيه 1 لا تشترط في غير الجمعة من الصلوات.
وقال القاضي أبو محمَّد القياس يقتضي ألا تصح إمامة الفاسق ولم يخص جمعة من غيرها.
ومن صفات الإِمام أن يكون ذكرًا لأن المرأة لا تؤم في غير الجمعة، ففي الجمعة أولى أن لا تؤم.
وليس اجتزاؤها بصلاة الجمعة إذا صلتها مأمومة بالمصحح لإمامتها فيها 2 لأنها ليست من أهل الإمامة.
وأيضاً فإن هذه الصلاة ليست واجبة عليها.
ومن صفات الإِمام أن يكون حرًا فلا يؤم العبد في صلاة الجمعة.
فإن أم بهم أعاد وأعادوا وإن خرج الوقت.
وقال أشهب بصحة إمامة العبد فيها، واعتل بأنها تجزيه مأمومًا وتصير فرضه بشهودها.
والشافعي يجيز إمامة العبد في الجمعة إذا كان زائدًا على أربعين.
وأبو حنيفة أيضًا يجيز إمامته.
فيحتج من منع إمامته بأنه سقط عنه فرضها لنقصه فلا يمكن أن يؤم فيها، مع إشعار الشرع بنقصه، كما لا تؤم المرأة.
وليس كون العبد يؤم فيما سواها من الصلوات والمرأة لا تؤم أصلًا بما يمنع قياسه عليها لاشتراكهما في النقص على الجملة الذي هو سبب سقوط فرض، الجمعة.
وأما من يجيز إمامته فيحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة 3. وقد ذكرنا حجة 4 أشهب وإشارته أنها ساقطة لحق السيد، فإذا

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل