شرح التلقينصفحات 678-717
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 678-717

إمامته ما لم يتعمد ذلك فيفسق بتعمده 1 وإن كان لحنه يغير المعنى كقراءته إياك نعبد وإياك نستعين بكسر الكاف.
وأنعمت عليهم بأنعمت بضم التاء لم تصح امامته.
إلى هذا ذهب القاضيان أبو الحسن بن القصار وأبو محمَّد عبد الوهاب.
وحكى أبو الحسن اللخمي قولًا رابعًا وهو الجواز على الإطلاق ولم أقف عليه.
وسبب الاختلاف في هذه المسألة اعتبار اللحن هل يخرج الكلمة الملحون فيها عن كونها قرآنًا ويلحقها بكلام البشر أو لا يخرجها عن كونها قرآنًا.
فكان من فرق بين ما يغير المعنى وما لا يغيره، رأى أن تغير المعنى يخرج الكلمة المغيرة عن كونها قرآنًا.
لأن الإعراب نقلها من معنى إلى معنى.
وإذا اختلف المعنى صارت الكلمة كأنها ليست هي التي كانت وهي معربة.
وأما من فرق بين أم القرآن وغيرها فكانه رأى أن الإِمام يتحمل القراءة على المأموم ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
فإذا قرأ الفاتحة ملحونة لم يصح تحمله.
وإن كان لحنه لا يغير المعنى كما لو أبدل لفظة بما يسد مسدها في المعنى فقال مكان أنعمت عليهم أفضلت عليهم فإنه لا تصح إمامته، وإن كان أتى بالمعنى.
وكذلك مغير الإعراب وإن كان أتى بالمعنى.
وقد قال ابن أبي زيد فيمن صلى خلف من يلحن في أم القرآن أنه لا يعيد إذا استوت حالهم.
فكأنه لم ير اللحن كالكلام في الصلاة ولكنه يحل محل ترك القراءة.
فإذا استوت حال المصلين في اللحن صاروا كالأمّيين يؤم بعضهم بعضًا.
وأما من ساوى بين أم القرآن وغيرها فإنه يتعلق بان مالكًا لما ذكر صلاة من لا يحسن القرآن لم يفرق بين أم القرآن وغيرها.
وقد قال في المدونة: إن الذي لا يحسن أشد من ترك القراءة، وكأنه رأى أن اللاحن كالمتكلم بكلام الناس في الصلاة.
وإن كان قد يحتمل أن يريد: إن الذي لا يحسن افتتح الصلاة على وجه لا يجوز، والتارك قد يكون طرأ عليه النسيان بعد افتتاحها على ما يجوز.
فهذا وجه 2 الأقوال الثلاثة التي حكيناها.
وأما ما حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي فإنه أشار إلى أن وجه الإجزاء أن اللحن

لا يقع في الغالب إلا في أحرف يسيرة.
ولو اقتصر المصلي على ما سواها لأجزأه.
واللحن لا يصير الكلمة الملحونة خارجة عن كونها قرآنًا.
ولو أخرجها بذلك عن كونها قرآنًا فإنه لم يتعمده.
وكذلك لو كان يغير المعنى فإنه لم يعتقد إلا معنى الكلمة المعربة.
وهذا الذي أشار إليه أبو الحسن من أن الاقتصار على السالم من اللحن يجزئ، قد أشار أبو محمَّد عبد الحق إلى خلاف فيه، وذلك أنه لما ذكر ما حكاه ابن حبيب من أن الإِمام لا يلقن حتى يقف ينتظر التلقين.
قال أبو محمَّد عبد الحق لو أسقط آية من أم القرآن لا ينبغي أن يلقن وإن لم يقف 1، لا سيما أن قائلًا يقول إنه كالتارك جملة أم القرآن تبطل صلاته.
وقال أبو عمران في ناسي آية من أم القرآن قال إسماعيل يجب على المذهب أن يسجد قبل السلام، وفيها قول آخر أنه لا يسجد فأنت ترى كيف جعل بعضهم ترك اليسير من أم القرآن كترك جميعها، وإن كان قد خولف في ذلك على ما حكيناه، وإن كان قد حكي عن الشيخين أبي محمَّد وأبي الحسن أن عدم تمييز الظاء من الضاد في أم القرآن يجري مجرى اللحن فيها.
ووجه هذا الذي قالاه إن النطق بالضاد يخالف النطق بالظاء، وعمل اللسان فيهما عمل مختلف.
وهو مما يخفى عن أكثر الخاصة من الناس فضلًا عن عوامهم.
فإذا كان النطق بهما مختلفًا، فنطق بالضاد في المغضوب وفي الضالين كنطقة بالظاء، صار كمبدل حرف بحرف، وإبدال حرف بحرف أشد من تغيير إعرابه.
وإبدال حركة بحركة لا يخرج المعنى عن ما هو عليه.
ولو أبدل الكلمة كلهالمنع من ذلك فكذلك إبدال أحد حروفها.
وقد منع مالك من الائتمام بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود.
وروى عنه ابن وهب أنه قال: أقرأ ابن مسعود رجلًا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فجعل الرجل يقول: (طعام اليتيم) فقال ابن مسعود (طعام الفاجر) فقلت لمالك أترى أن يقرأ كذلك فقال: نعم أرى ذلك واسعًا.
فخرج أبو الحسن اللخمي على هذه الرواية جواز الائتمام بمن يقرأ بقراءة ابن مسعود.
ورآه موافقًا لقول ابن شهاب في تأويل قوله أنزل القرآن على سبعة أحرف.
فهذا التخريج

زلل.
والمسألة عظيمة الموقع.
وأقل ما في الإبدال تحكم التمني والشهوة وافساد بلاغة القرآن.
ومن علم ما يطلبه البلغاء من تناسب النظام علم ما قلناه.
ومالك لا يقطع على أنه قال ما روي عنه في هذه الرواية الشاذة.
ولو قطعنا به لتأولناه على وجه يوافق الصواب كما تأول العلماء ما حكي عن ابن مسعود في هذا واضطروا إلى الاعتذار عنه لما كان عندهم الإبدال مما لا يتسامح فيه.
وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة.
وتأويل قوله عليه السلام أنزل القرآن على سبعة أحرف 1 وذكرنا تأويل ما حكي 2 عن ابن مسعود وابن شهاب 3 في كتابنا المترجم بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح وهو كتاب نقضنا فيه كتابًا ألفه بعض حذاق نصارى المشرق قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبث بها الملحدون وقذفها الطاعنون على ديننا وأضافوها إلى العقل والنقل فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها ها هنا لاشتغال أهل الأصول عن 4 الخوض فيها دون أهل الفروع.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: لا يصح أن يأتم القارئ بالأمي وبه قال أبو حنيفة وابن حنبل وهو أحد أقوال الشافعية.
وقال الثوري وأبو ثور وابن المنذر يجوز ذلك وهو أحد أقوال الشافعية أيضًا.
واختاره المزني وروي ذلك عن عطاء وقتادة.
وللشافعية قول ثالث بإجازة ذلك في الصلاة التي يسر فيها دون التي يجهر فيها فدليلنا على المنع أن الإِمام يحمل القراءة عن المأموم وهي القراءة الواجبة في صلاة الجماعة.
وأعظم مراتب قراءة المأموم عندنا أن تكون مستحبة ولا ينوب الفعل المستحب عن الواجب.
وأما المجيزون للائتمام فإنهم يقولون إن العجز عن القراءة لا يمنع من أن يكون العاجز إمامًا للقادر عليها، كما لا يمنع إمامة العاجز عن القيام للقادر عليه.
ونحن وإن قلنا بمنع إمامة الجالس فقد أنكرنا الأصل الذي قاسوا عليه.
وإن أجزنا فرقنا بان الجالس أتى ببدل عن القيام وهو الجلوس مع أن القيام لا يتحمله الإِمام عن

المأموم.
فلم يعد 1 إخلال الإِمام به إخلالًا من المأموم بخلاف القراءة التي يتحملها الإِمام، فإنه يعد إخلاله بها إخلالًا من المأموم.
وأما تفرقة الشافعية بين صلاة السر وصلاة الجهر فبناء منهم على أحد القولين 2 في أن القراءة في صلاة السر تجب على المأموم فلا يكون الإِمام متحملًا لها عنه بخلاف صلاة الجهر.
وقد اضطرب المذهب في الأمي هل عليه أن يطلب قارئًا يصلي وراءه أم لا؟ فقال بعض أصحابنا لا دليل على أن الأمي يجب عليه أن يأتم بغيره.
وصلاة الجماعة غير واجبة.
وإنما أجزأ 3 المأموم القارئ قراءة إمامه وإن كان الائتمام غير واجب في الأصل؛ لأن المأموم لما اختار الائتمام وشرع فيه وجب عليه.
ولما صار واجبًا عليه أجزأت عنه قراءة إمامه.
وقال بعضهم القراءة مع القدرة واجبة والائتمام بقارىء يقوم مقام القراءة فعليه أن يفعل فإن لم يفعل فكانه ترك القراءة مع القدرة عليها.
فهذا وجه اختلاف أصحابنا في إعادة الإِمام الأمي إذا صلى خلفه قارئ.
وقد قال أشهب في مدونته في أمي صلى بقوم فيهم من يقرأ أن صلاة الإِمام تجزيه، وإن كنت أكره أن يصلي فذا ما دام أميًا.
ولابن القاسم أن الإِمام يعيد لأنه وجد قارئًا يأتم به فلم يفعل.
وقال بعض الأشياخ إن كان الإِمام عالمًا بالقارىء المؤتم 4 به فإنه يعيد وإن لم يعلم به ولم يجد قارئًا يأتم به فشرع في الصلاة ثم طرأ عليه قارئ فائتم به فإنه لا يعيد.
وذكر ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك في الأميين يؤم بعضهم بعضًا أن ذلك لا يجوز إلا أن لا يجدوا قارئًا.
ووقع لسحنون أن صلاتهم تامة.
وحكى عنه ابنه أن ذلك إذا لم يجدوا من يصلون معه وخافوا ذهاب 5 الوقت.
وبصحة صلاة الأمي إذا أم قارئًا قالت الشافعية، وبالبطلان قال أبو حنيفة.
واختلف أصحابه في تعليل ذلك فقال أبو حازم إنما بطلت

صلاته لأنه يمكنه أن يقتدي بالقارىء فعلى هذا لا يجوز له أن يصلي وحده.
وقال الكرخي إنما بطلت صلاته لأنه لما أحرم معه القارئ صح إحرامه ولزمه القراءة عنه، فلما عجز عنها بطلت صلاته.
وقد احتج للقول بان الجماعة لا تجب على الأمي بأن رجلًا جاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فقال له: قل سبحان الله.
الحديث 1. فلو كان الائتمام واجبًالأمره به.
وأما الذي ذكره الكرخي فلا وجه له لأن الأمي إذا لم يلزمه تحمل القراءة لنفسه لم يلزمه أن يتحمل لغيره.
فنحن إذا قلنا بالبطلان نعلل بغير تعليل الكرخي.
وروي 2 أن الائتمام واجب عليه، وإذا أحل به بطلت صلاته كما قدمنا بيانه.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إمامة القارئ عندنا من المصحف تكره في الفرائض دون النفل.
وهذا إذا ابتدأ الإمامة ناظرًا فيه.
وأمّا أن يطلب منه حرفُ اوهو في أثناء الصلاة فإن ذلك منهي عنه في النفل والفرض.
وقال أبو حنيفة إذا أم من 3 المصحف فسدت 4 صلاته.
وقال بعض أصحابنا 5 لا تفسد ولكنه يكره لأنه صنيع أهل الكتاب، ولأن النظر في المصحف ليس من أعمال الصلاة فيكره إدخاله فيها إلا أنها لا تفسد؛ لأن النظر عمل قليل.
وروي أن ذكران مولى عائشة رضي الله عنها كان يؤم بها في شهر 6 رمضان في المصحف 7...

والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: أما الفاسق بجوارحه لا من جهة الاعتقاد والتأويل والاجتهاد كالزاني وشارب الخمر فاختلف المذهب فيه.
فقيل لا تجزي الصلاة خلفه.
وقيل بإجزائها.
وقال ابن حبيب من صلى وراء من يشرب الخمر فإنه يعيد أبدًا إلا أن يكون الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة فلا إعادة على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذٍ سكران.
قاله من لقيت من أصحاب مالك.
وهكذا اختار الأبهري أن الصلاة خلف الفاسق بغير تأويل تعاد أبدًا.
وقد قال في الموازية فيمن صلى وفي جوفه الخمر وليس بسكران أن من صلى خلفه يعيد أبدًا.
وهذا إشارة إلى الإعادة لكونه مصليًا بالنجاسة متعمدًا.
وإن رأى أن النجاسة ها هنا وإن كانت باطنة تعتبر.
وقال ابن وهب لا يصلي خلف عاصر الخمر فمن صلى خلفه لم يعد.
قال بعض المتأخرين هذا يقتضي أن الفسق بإجماع لا يمنع صحة الائتمام.
وقيل في إمامة الفاسق تستحب الإعادة في الوقت.
ومذهب الشافعية أن الصلاة خلفه تجزئ، إلا أنها تكره ابتداءًا.
وقد احتج لمنع الائتمام به بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 1. فلو صح الائتمام بالفاسق كان مساويًا بالمؤمن العدل.
والظاهر قد اقتضى أنهما ليس سواء.
وقال عليه السلام: "أئمتكم شفعاؤكم فاختاروا 2 بمن تستشفعون" والفاسق ممن لا يستشفع ولأن المأموم لو علم أن إمامه غير متطهر لم تجزه صلاته لكون إمامه فاسقًا إذ تعمد ترك الطهارة، فكذلك إذا فسق الإِمام بشرب الخمر أو الزنى.
وقد أجيب عن هذا بأن العلة في بطلان صلاة المأموم كون الإِمام المحدث في غير صلاة.
وإن الظواهر الأولى يعارضها قوله صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وخلف كل برّ وفاجر 3. وقد تنوزع في تهمته في الصلاة فقال من صحح إمامة الفاسق لا تلحقه تهمة في الصلاة لأن مرتكب = أبي شيبة ووصله الشافعي وعبد الرزاق من طريق آخر.
حديث رقم 3825 جامع الأصول.

الكبائر بحكم الشهوة وغلبة الهوى لا باعث يبعثه على التلاعب في صلاته وقال من منع إمامته بل يتهم على ما يتعلق بصلاته مما يصلح الصلاة ويفسدها.
وقد يستخف ترك الصلاة أصلًا.
فاستخفاف ترك شروطها أولى أن يظن به.
وقد تردد جواب بعض أصحابنا في إمام صلى في دار مغصوبة عالمًا بذلك فقال: إن قلنا بالإجزاء فلأن المعصية ها هنا راجعة لحق العباد فهي بخلاف ما يرجع لحق الله تعالى كالزنى وشرب الخمر.
وإذا قلنا لا يجوز فطردًا لباب المعاصي المانعة من العداله.
والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: أما المخالف في مسائل الاعتقاد فإنه على قسمين: مخالف في مسائل أصولية قطعية.
ومخالف في مسائل فروعية 1 ظنية.
فإن كانت مخالفته في الأصول القطعية فإن كان كفرًا صراحأ لا مراء فيه كالتهود والتنصر فقد تقدم الكلام عليه.
وإن كان مما يشكل كونه كفرًا كالاعتزال وغيره من مذاهب أهل الأهواء فإن فيه اختلافًا.
فقيل لا تجزئ الصلاة خلفه.
قال مالك: من صلى الجمعة وراء قدري أعادها ظهرًا.
وقال محمَّد بن عبد الحكم فيمن صلى خلف البدعي يعيد أبدًا إلا أن تكون الجمعة، لكونها فرضًا على الأعيان.
وقال أصبغ وابن حبيب ببطلان الصلاة خلف البدعي وإنها تعاد أبدًا.
إلا أن ابن حبيب اشترط أن لا يكون واليًا، فإن كان واليًا فالصلاة وراءه جائزة.
وإن أعاد في الوقت فحسن.
وقال ابن القاسم يعيد في الوقت.
وقال سحنون لا يعيد في وقت ولا غيره.
وقد حكاه عن جماعة من أصحاب مالك.
وسبب هذا الاختلاف أن الصلاة خلف الكافر لا تصح، وتصح خلف المؤمن العدل.
فمن قال إن الله سبحانه ليس بعالم فقد كفر والكافر لا يصلى خلفه.
ومن قال إن الله سبحانه عالم ولكن لا علم له وإنما هو عالم بنفسه كما تقول المعتزلة فقد اختلف أئمة الأصول في تكفيره.
فمنهم من كفره لأنه رأى أن اعتقاد نفي علم البارئ تعالى يمنع من اعتقاد كونه عالمًا، ونافي العلم عنه ناف لكونه عالمًا.
ومنهم من رأى أن نافي العلم لم يصرح بنفي كونه عالمًا بل يكفر من أنكر كونه عالمًا فلا يضاف إليه مذهب هو يكفره

ويبطله، وان كان يلزمه القول به.
هذا هو سبب الاختلاف في تكفيرهم.
والاختلاف في تكفيرهم هو سبب الاختلاف في إجزاء الصلاة خلفهم.
والقول في تكفيرهم، أو تفسيقهم بما قالوه دون 1 إضافة الكفر إليهم من أغمض مسائل الأصول.
وقد عد المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب على عظم تبحره في الأصول من الدقائق.
ولا يمكننا بسط القول فيها ها هنا.
وقد صرح مالك بالتكفير، فروي عنه فيمن يقول بخلق القرآن أنه قال: هو كافر فاقتلوه.
وقد سئل عن تزويج القدري: أنه قال: لا يزوج.
قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ 2. وروي عنه خلاف هذا هذا أنه قال فيمن قال بخلق القرآن يوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب.
فأنت ترى اضطراب قوله رحمه الله في هذه المسألة وهو إمام الفقهاء كما اضطرب فيها رأي القاضي أبي بكر وهو إمام المتكلمين.
وهذا يشعرك بما قلناه من إشكالها.
وقد نقلنا عن ابن حبيب ها هنا أنه استثنى من أهل البدع الولاة كما نقلناه عنه أنه استثناهم 3 في إمامة فاسق الجوارح ولا معنى عندي لاستثناء الولاة من أهل الباع إن كان يقول بتكفيرهم وهو ظاهر قوله بالإعادة أبدًا لأن الكافر لا تجزئ الصلاة وراءه وإن كان واليًا.
وإن عول في استثنائهم في فاسق الجوارح على صلاة أنس وابن عمر خلف الحجاج فإنه يحتمل أن يكونا رضي الله عنهما خافا منه إن تأخرا عن الصلاة خلفه فصليا خلفه تقية وأعادا.
وإن كانت المخالفة في مسائل فروعية 4 ظنية وما طريقه الاجتهاد فقد تقدم كلامنا على هذا لما ذكرنا حكم اختلاف المجتهدين في القبلة وأنهم لا يؤمهم من خالفهم في الاجتهاد في جهة 5 القبلة وقد ذكرنا قول أشهب فيمن صلى خلف من لا يتوضأ من القُبلة أنه يعيدى أبداً ولو صلى خلف من لا يتوضأ من مس الذكر لم يكن عليه إعادة.
وإن أبا الحسن اللخمي ألزم على هذا منع صلاة المالكي خلف الشافعي والشافعي خلف المالكي.
وذكرنا أن هذا الذي

ألزمه لا يلزم 1 وبسطنا القول في إفساد هذا الالتزام.
واعتذرنا عما وقع لأشهب وسحنون في هذا فلا معنى لإعادته.
والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: لما كان للأمراء حرمة على الرعايا، وجب أن تكون الإمارة مرتبة يستحق بها المتقدم في الصلاة.
وفي الحديث الذي قدمناه: ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه 2. وكذلك صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدًا.
فرأى أن حق ملك المحل يفي بنقص العبودية.
ويوفي 3 عليه.
وإذا كان المنزل لامرأة فهي وإن كانت ليست من جنس من يؤم فإن حقها لا يبطل، ولكنها تستخلف من يؤم بهم لأنها إنما منعت من الإمامة لا من الاستخلاف.
ويستحب لها أن تستخلف أحق القوم بالإمامة.
وكذلك الأب أولى من ابنه بالإمامة، والعم أولى من ابن أخيه قال مالك وإن كان العم أصغر فإن العم أحق إلا أن يأذن الأب أو العم فيجوز له أن يؤمهما 4. قال سحنون وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثل ابن الأخ.
وألزم بعض أشياخي سحنون أن يشترط في كون الأب أحق أن يكون مساويًا لابنه في العلم والفضل كما اشترط ذلك في العم.
وقد لا يلزم ذلك لكون 5 الأب آكد حرمة وأوجب برًا.
والعم إنما يشبه بالأب فلهذا استحق الحرمة على ابن أخيه 6 بالشيء أخفض منه مرتبة وقد كنا ذكرنا في تعديد النقائص ما تسرع إليه الألسنة كولد الزنا فإنه مما تسرع الألسنة إلى الطعن فيه.
وقد اختلف فيه فكره مالك أن يكون إمامًا راتبًا.
وقال ابن دينار لا تكره إمامته إذا كان في نفسه أهلًا لذلك.
وإلى هذا ذهب ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم والثوري والأوزاعي.

والجواب عن السؤال السادس عشر: أن بقال: من صلى منفردًا فليس له نقل صلاته وتحويلها إلى الجماعة.
وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما ما قلناه، والثاني: له أن ينقل صلاته من الانفراد إلى الجماعة.
واحتجوا على هذا بحديث أبي بكر رضوان الله عليه لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة وأبو بكر يصلي فخرج أبو بكر من الإمامة فصار مأمومًا.
والإمام كالمنفرد فقد نقل أبو بكر صلاته عما هو في معنى المنفرد إلى حكم الجماعة.
وقد قدمنا نحن اضطراب الرواة في هذا الحديث واختلافهم فيه وأن بعضهم زعم أن أبا بكر لم يخرج عن الإمامة.
فإذا قلنا بهذه الرواية لم يكن لهم في هذا الحديث تعلق.
ولو سلمنا أن الإِمام في حكم المنفرد فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لامرىء ما نوى" 1. والنية معتبرة في مبدأ العبادة والمنفرد ابتدأ الصلاة بنية الانفراد فلا يكون له تحويلها، وأما المأموم فلا يجوز له نقل صلاته من الجماعة إلى الانفراد.
وبه قال أبو حنيفة، وأجاز ذلك الشافعية على اختلاف عندهم في جوازه، إذا فعل ذلك اختيارًا بغير عذر.
ودليلنا قوله عليه السلام: إنما جعل الإِمام ليؤتم به 2. وتحذيره من رفع الرأس قبله.
وتهديده أن يبدل الله رأسه رأس حمار على ما وقع في الحديث 3. وهذا يقتضي منع الخروج من الإمامة.
وقد اتفق على أن سهو الإِمام يلزم المأموم وإن لم يسه المأموم في نفسه.
فلو كان له أن يخرج من إمامته لم يلزمه حكمه ولا سهوه.
واحتجت الشافعية بأن معاذًا لما طول وخرج رجل من صلاته لأجل التطويل ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليه لما أعلمه.
وأجيب عن هذا بأنه لم يذكر في الحديث أنه خرج منها وبنى عليها منفردًا، ويحتمل أن يكون قطعها غالطًا في قطعها.
وإذا احتمل ذلك سقط التعلق به.
واحتجوا أيضًا بصلاة الخوف وأن الطائفة الأولى خرجت من الإمامة وأتمت لنفسها.
وأجيبوا عن هذا بان صلاة الخوف شرع فيها هذا الفعل للعذر وصار الخروج من الإمامة فيها مشروعًا وما سواها من الصلوات لا يمكن أن

يقال إن الخروج من الإمامة مشروع والعذر له مدخل في التحويل.
ألا ترى أن من كان في فرض لم يجز له أن يحوله نفلًا.
ولو ابتدأ فريضة يظنها واجبة عليه ثم ذكر أنه صلاها لتحولت نافلة.
وقد قال ابن القصار يحتمل على قول مالك في الإِمام يحدث ولم يستخلف وأتم من خلفه وحدانًا أن صلاتهم تجزيهم أن يجوز للمأموم أن يخرج من صلاة الإِمام.
ويحتمل أن يفرق بين الأمرين أن هؤلاء لم يخرجوا من حكم الإِمام إلا لعذر.
وهذا الذي أشار إليه ابن القصار من ترديد القول في تخريج مذهب الشافعية من المسألة التي ذكرها ليس من الإشكال بحيث يجب 1 ترديد القول فيه؛ لأن الإِمام إذا أحدث فقد بطلت إمامته.
وإذا 2 بطلت إمامته لم يبق إلا إلزامهم استيناف إمام آخر لم يلتزموه حين شروعهم في الصلاة.
ومخرج نفسه من إمامة من لم تبطل إمامته لا يصلح لأنه حلٌّ لما عقد وإبطال لما التزم.
فلهذا يجب ألا يردد القول في هذه المسألة.
والجواب عن السؤال السابع عشر: أن يقال: قد قدمنا حكم استخلاف الإِمام إذا أحدث وذكرنا ما في ذلك من الخلاف وسنذكر حكم استخلافه إذا ذكر صلاة نسيها.
ولو أنه أحصر عن القراءة فهذا مما اختلف الناس فيه.
فذكر ابن سحنون فيمن أحصر عن القراءة فعلم أنه لا يقدر على القراءة في بقية الصلاة أنه يستخلف ويصلي مامومًا خلف النائب عنه.
ووافقنا أبو حنيفة على أنه يستخلف.
وخالفه صاحباه وقالا تبطل صلاته وصلاة من خلفه.
ورأيا أنه إنما ضمن وتحمل صلاة بقراءة، فإذا عجز عما ضمنه وتحمله بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به.
ولنا نحن القياس على الحديث.
وقد تأخر أبو بكر رضي الله عنه وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور وهو مما نجعله أصلًا في مسألتنا.
ولو أن الإِمام إذا أحصر عن قراءة بعض السورة التي مع أم القرآن لم يكن له عندي أن يستخلف لأن صلاته تصح مع تركه فعل ما عجز عنه.
وقد قال أصحابنا فيمن لقن فلم يتلقن أنه بالخيار بين أن يركع أو يشرع في سورة أخرى.

فإذا كان للأمام أن يستخلف فليس ذلك بواجب عليه لأنه إنما التزم أن يقتدي به ما دام الاقتداء به ممكنًا.
فإذا تعذر ذلك فليس عليه أن يأتي بعوض منه.
لكن لما كان المأمون ممنوعين من الكلام كان من حسن النظر لهم أن يقيم لهم من يصلي بهم.
فإن أقام لهم مصليًا بهم فلا يلزم المأمومين أن يأتموا به لأنهم إنما التزموا الاقتداء بالأول فلا يلزمهم الاقتداء بمن أقامه الأول.
وقد قال سحنون إذا استخلف الإِمام رجلًا فلم يتقدم حتى تقدم غيره وصلىِ المستخلف وراءه 1 فصلاتهم تامة.
وهذه إشارة لما قلناه من أنهم لا يلزمهم الاقتداء بمن أقامه الإِمام لهم.
وإذا استخلف الإِمام ثم عزل خليفته لما عاد إلى حال الإمامة، فيه قولان.
قال في العتبية في إمام أحدث فاستخلف ثم توضأ وأخرج المستخلف وأتم بهم أن ذلك لا ينبغي.
فإذا فعل فينبغي إذا تمت الصلاة أن يشير إليهم أن يثبتوا حتى يقضي لنفسه.
وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يصلي بالناس فتاخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - 2. وقال يبيح بن عمر لا يجوز هذا لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومال بعض أشياخي إلى الأخذ بحديث أبي بكر اعتمادًا منه على الرواية التي خرجها أصحاب الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه يسمع الناس تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - 3. وهذا عند موته فلا ناسخ له.
وقد كنا نحن قدمنا اختلاف الرواية 4 فيمن كان الإِمام، لما تكلمنا على إمامة الجالس بالقيّام.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن ما وقع في الحديث من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يقاس عليه غيره.
ويؤمر الإِمام إذا أحدث أن يستخلف قبل أن يعمل بهم عملًا وهو محدث.
فلو أحدث وهو راكع لاستخلف من يرفع بهم لئلا يقتدوا به إذا رفع فيرفعوا.
وقيل يرفع رأسه من غير تكبير.
ولو أن القوم اغتروا به فرفعوا برفعه لما أخذ هذا القول (5): فقد قال بعض المتأخرين لا تفسد صلاتهم بخلاف الإِمام إذا سلم عقيب حدثه فسلموا بسلامه على القول بان الصلاة تفسد

لأن المسلم يسلم ليتبع وهذا رفع ليستخلف فيكون الرافعون معه كالرافع قبل إمامه غلطًا فيرجعون إلى الركوع ليرفعوا برفع المستخلف ولو رفعوا برفعه ولم يستخلف عليهم أتموا صلاتهم.

والجواب عن السؤال الثامن عشر: أن يقال: إذا استخلف بعض المأمومين فمن شرط صحة استخلافه أن يكون أحرم قبل أن يحدث الإِمام ليحصل مع الإِمام في صلاة واحدة قبل الحدث.
فإذا أحرم بعد أن أحدث الإِمام فلا يصح استخلافه لأنه لا تعلق بين صلاته وصلاة من استخلفه ويصير المأموم معه بمثابة من أحرم قبل إمامه فتفسد صلاتهم إن اتبعوه.
وأما صلاته في نفسه فإنها تفسد إن استخلفه على ركعة أو ثلاث لجلوسه في غير موضع الجلوس.
وإن استخلفه على ركعتين فيجري على القولين في ترك قراءة السورة متعمدًا.
إلى هذا أشار ابن عبدوس.
فإن كان قد أدرك الإحرام معه أو ألفاه راكعًا فعقد الركعة معه بالركوع فإنه يصح استخلافه.
وإن كان ألفاه قد رفع رأسه من الركوع فهل يصح استخلافه أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه لا يصح ويؤمر المستخلف باستخلاف غيره فان لم يفعل وائتموا به فصلاتهم باطلة، وقيل صلاتهم صحيحة.
وسبب هذا الاختلاف أن المستخلف لا يعتد بالسجود الذي يفعله عند خروج الإِمام لأنه لم يعقد ركوعه.
فإنما يفعله بحكم ما لزمه من وجوب الاقتداء بالإمام الأول.
والمأمومون يقتدون به فصارت نيتهم فيه مخالفة لنية المستخلف فلا يجزيهم الاقتداء به ولا اتباعه فيما ليس هو في الأصل واجبًا عليه كما لا يجزي المفترض الصلاة خلف المتنفل.
ومن قال بالإجزاء رأى أن هذا الاختلاف لا يؤثر لأن هذا المستخلف واجب عليه فعل السجود الذي فعل لو لم يحدث إمامه.
فلما أحدث الإِمام واستخلفه فكان الإِمام لم يذهب وكأنهم لما اقتدوا بمستخلفه اقتدوا به.
فإذا صح الاستخلاف لصحة ما ذكرناه من هذه الشروط المعتبرة فإن كان موضع المستخلف بعيدًا من الإِمام أكمل بهم الصلاة في موضعه وجاز ها هنا مخالفة الرتبة للضرورة وكون المشي الكثير مفسدًا للصلاة.
وإن كان موضعه قريبًا تقدم إلى موضع الإِمام لتحصيل الرتبة إذ لا مانع

يمنع من تحصيلها.
ويكون تقدمه إليها على الهيئة 1 التي صادفه الاستخلاف عليها.
فيتقدم الراكع راكعًا والجالس جالسًا والقائم قائمًا فيكمل فعل الأول.
فإن علم حيث انتهى الأول من القراءة قرأ من حيث قطع الأول.
وإن ثم يعلم ففي السليمانية أنه يبتدىء قراءة أم القرآن من أولها إذا كانت صلاة سر، وكأنه رأى أن تجويز كون الإِمام لم يقرأ إما لنسيان أو غيره يقتضي ابتداء المستخلف القراءة من أولها.
وإذا استخلف الإِمام رجلًا على بقية الصلاة وقد فاته بعضها فهل يستخلف من يسلم بالقوم ثم ينهض للقضاء؟ أو ينهض للقضاء وينتظرونه حتى يسلم بهم؟ في ذلك قولان: المشهور 2: إته يشير إليهم كالآمر لهم بالجلوس ثم ينهض للقضاء.
فإذا فرغ منه سلم بهم.
لأن السلام من بقية صلاة الأول وقد حل محله في الإمامة فيه، فلا يصح خروجه عن ذلك بغير معنى يقتضيه.
وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته.
وقيل يستخلف من يسلم بهم؛ لأن السلام من بقية صلاة الأول كما قدمنا.
فلا ينبغي له 3 أن يقضي قبل فرك الصلاة.
وخروج القوم عن الاقتداء به إلى الاقتداء بمن أقامه مقامه أخف من انتظاره.
وسبب هذا الاختلاف ما أشرنا إليه من أن هذا المصلي تدفعه الضرورة إلى الخروج عن الأصل على المذهبين جميعًا.
فالنظر في أي الخروجين أخف هو مثار الخلاف.
ولو ساوى هذا المستخلف طائفة من القوم في ذوات ما فاته فهل يقضون ما فاتهم أفذاذًا في حال قضائه ويسلمون بسلامه أو يؤخرون قضاءهم حتى يسلم المستخلف من صلاته؟ في ذلك قولان: فكان من أمر بالقضاء في حال قضائه يتعلق بأن الطائفة الأولى في صلاة الخوف تصلي قبل فراغ الإِمام على إحدى الروايات المنقولة في صلاة الخوف.
ومن أمر بالتأخير إلى فراغ المستخلف يتعلق برواية ابن عمر في صلاة الخوف.
فقد تضمنت أن الطائفة الأولى تؤخر الإكمال، حتى يفرغ الإِمام.

ولو أن هذه الطائفة القياساوت المستخلف في الفوات ائتمت به فيما تساووا في فواته لكان في صحة صلاة المؤتمين به قولان: أحدهما أن صلاتهم بإطلة والآخر أن صلاتهم صحيحة.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن القول بإبطال الصلاة يحتمل وجهين أحدهما: إن المؤتمين به لزمهم حكم الأول.
ومن حكم الإِمام الأول أن لا يصلي تلك الصلاة مع إمام غيره.
فصلاة ما فات وراء المستخلف كصلاته وراء غيره من الأئمة، والحكم فيه أن يقضي فذًا.
والوجه الثاني، أن من ائتم بمأموم فعليه القضاء.
ويشير إلى صحة هذا التعليل قول ابن المواز: من أَتبع المأموم في القضاء فمن كان معه في الصلاة أو من غيرهم بطلت صلاته.
وهذا يقتضي أن المؤتم بمأموم لا تصح صلاته لأن قوله أو من غيرهم يقتضي بطلان صلاة من دخل مؤتمًا معه في ركعة الفوات.
وقد قال ابن حبيب في إمام كان يصلي بقوم في السفر فرأى أمامه جماعة تصلي بإمام فجهل فصلى بصلاتهم أجزته صلاته وأعاد من وراءه أبدًا لأنهم لا إمام لهم.
وقد اختلف الأشياخ في الاقتداء بمسمع تكبير الإحرام هل تصح الصلاة معه أم لا؟ فمنهم من منع صحتها ومنهم من لم يمنع صحتها لأن في الصحيح.
في صلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه فتأخر أبو بكر وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى جنبه يسمع الناس تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - 1. ومنهم من منع صحتها بشرط أن يكون الإسماع بغير إذن الإِمام.
وقد ساوى ابن عبد الحكم في كتاب ابن المواز بين من ابتدأ الصلاة بإمام فأتمها فذًا أو ابتدأها فذًا فاتمها بإمام أو قضى ما وجب عليه فذًا مؤتمًا.
في أن الصلاة تعاد في هذا كله.
وإن كان قد قال 2 في المدونة في إمام أحدث ولم يستخلف فصلى القوم وحدانًا إن صلاتهم تجزيهم.
وحمل بعض أشياخي مطلق قول ابن عبد الحكم الذي حكيناه على أنها لا تجزيهم.
وقد كنا قدمنا الكلام على نقل صلاة الجماعة إلى الانفراد ونقل صلاة الانفراد إلى الجماِعة، وذكرنا اختلاف الناس في ذلك وحجة كل فريق وما ذكرناه عن ابن حبيب وعن ابن عبد الحكم يجب أن ينظر فيه بعد اعتبار هذا الذي ذكرنا أنا قدمناه.
وما فعله

المسبوق من القضاء وللإمام حكم عليه 1 فإنه لا يعتد به وإن كان جاهلًا.
لأن الإِمام عليه حكم.
كمن فاتته ركعة.
فلما سلم إمامه قام لقضائها.
فأخبره الإِمام أنه قد كان أسقط من الركعة التي فاتت هذا معه سجدة، فإنه لا يعتد بقراءته بأم القرآن لأن الإِمام من حقه أن يبني هذه الركعة على صلاته.
فكأن المأموم قضى والإمام من يفرغ من صلاته.
وإذا لم يعتد بها كان كالتارك لها.
فإن كان في صلاة الصبح ولم يشعر حتى فرغ من صلاته أعادها وإن كان فيما سواها من الصلوات لم تبطل صلاته على القول بأن ترك قراءة أم القرآن في أقل الصلاة لا يبطلها ويسجد قبل السلام.
وكذلك يعتبر في ركوعه فإن كان ركع ورفع في زمن قريب حكم الإِمام أن يبني فيه، فإنه لا يعتد بركوعه لأنه فعله أيضًا وحكم الإِمام باق عليه.
وهذا الذي ذكرناه من اعتبار حكم القرب المجيز للإمام البناء، إنما نعتبره بشرط أن لا يكون الإِمام قطع صلاته بتعمد كلام أو سلام.
وإذا كان ركوعه بعد طول قيام لا يبني الإِمام في مثله فإنه يعتد بالركعة ولا يعتد بقراءة أم القرآن على ما فصلناه.
وإذا كان هذا فعل فعلًا لا يعتد به فإنه يلغيه كأنه لم يفعله.
وإذا اعتد بصلاته بعد تصحيحها فإنه يقدر كالظان أن إمامه سلم فقام ليقضي فسلم الإِمام وهو قائم، فحكم سجود هذا قد تقدم الكلام فيه، والاختلاف 2 فيه.
ولو أن هذا المسبوق بركعة الناسي إمامه سجدتها، استخلفه إمامه فأكمل بالقوم ثم قضى الركعة، فإنه يعتد بها وإن ركعها بالقرب لأنه كالمستخلف عليها ويسجد قبل السلام ويسجد القوم معه.
ثم يقضي الإِمام بعد سلام المستخلف ركعة فذًا ويصليها الناس أيضًا أفذاذًا قبل سلامهم ويصيرون كقوم غفلوا عن ركعة حتى سلم إمامهم.
ويصير المستخلف كأنه لم يفته شيء.
ولو علموا بذلك قبل أن يركعها وصلوها معه لأجزأتهم، وكذلك الإِمام لو أدركه فيها لاتبعه.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ومقامات المأموم مع الإِمام أربعة: أحدها عن يمين الإِمام وذلك للرجل وحده.
والثاني خلفه وذلك للرجلين فأكثر

وللرجل والصبي العاقل الذي 1 يثبت، والمرأة وحدها وجماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل.
والثالث صفوف خلفه لا صف واحد وذلك للرجلين فأكثر ومعهما 2 امرأة أو نساء.
فإن الرجال يقومون صفُ ا 3 خلف الإِمام والنساء خلفهم.
والرابع إلى جنبه وخلفه وذلك للرجل الواحد والمرأة وحدها 4 أو جماعة نساء فإن الرجل يكون عن يمين الإِمام والنساء خلفه.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن الواحد يقف عن يمين الإِمام؟.
2 - وما الدليل على أن الإثنين يقفان خلفه؟.
3 - وما الدليل على أن أحدهما إن كانت امرأة قامت خلفه؟.
4 - وما حكم المرأة إذا صلت إلى جنب الإِمام؟.
5 - وما حكم المأموم إذا صلى أمام إمامه؟.
6 - وما حكمه إن صلى وراء الصفوف؟.
7 - وما حكمه إن كان بينه وبين الإِمام حائل يمنع المشاهدة؟.
8 - وما حكمه إن كان بينه وبين الإِمام طريق أو نهر؟.
9 - وما حكم الإِمام إذا كان مكانه أرفع من المأموم؟.
10 - وما حكم المشروع في هيئة الصفوف؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: مذهبنا أن الواحد يقف عن يمين إمامه خلافًا لابن المسيب في قولة يقف عن يساره.
وللنخعي في قوله: يقف وراءه.
فإن جاء أحد وقف معه، فإن ركع الإِمام ولم يجيء أحد تقدم فوقف عن يمينه.
ودليلنا حديث ابن عباس وقد ذكر فيه أنه قام عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فحوله

النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يمينه 1. وأما ابن المسيب فإنه يتعلق يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يسار أبي بكر في الصلاة التي كانت في مرضه - صلى الله عليه وسلم - فإنا قد قدمنا اختلاف الرواة في كون أبي بكر رضي الله عنه في تلك الصلاة إمامًا على أن تلك القصة لو ثبت كون أبي بكر إمامًا فيها لكان مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب أبي بكر من خصائصه التي لا تتعدى إلى غيره فلا تكون حجة لما قاله ابن المسيب.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: موقف الاثنين خلف إمامهما.
وبه قال عمر وابنه وعلي رضي الله عنهم وذهب ابن مسعود إلى أن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن شماله ولنا أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى برجلين فأقامهما خلفه 2.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا كان مع الإِمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلفه.
وقال الحسن يصلي بعضهم خلف بعض ولنا ما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله عن يمينه والمرأة أسفل منه 3.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا قامت المرأة إلى جانب إمامها وخالفت الترتيب المشروع لم تبطل صلاتها ولا صلاة إمامها.
وقال أبو حنيفة تنعقد صلاتها ثم تبطل صلاة الإِمام، فإذا بطلت صلاة الإِمام بطلت صلاتها.
ووافقنا الشافعي على صحة صلاة الإِمام خاصة دون المرأة.
ودليلنا أن الاصطفاف ليس بفرض فالإخلال به لا يفسد الصلاة.
وأبو حنيفة رأى أن الرتبة 4 في المقام في هذه المسألة مفروضة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أخروهن حيث أخرهن

الله" 1. ولا مكان يجب تأخيرهن عنه إلا مكان الصلاة.
ولأن المرأة إنما لم تؤم الرجال لأن تأخيرها واجب.
والمتأخر لا يصح أن يكون إمامًا.
ولم تمنع الإمامة للنقص لأن العبد يؤم وهو منقوص بالرق.
وقد نوزعوا في هذا التعليل بأن الجمعة لا تنعقد بهن وإن كن متاخرات.
وإنما ذلك لأنهن لسن بأهل لانعقاد الجماعة لنقصهن.
فكذلك إنما لم يكن أئمة لنقصهن.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي في الرد على أبي حنيفة أن المرأة إذا وقفت في غير الموقف المشروع، فمقتضى ذلك ألا تنعقد صلاتها كما لو تقدم متقدم على إمام في موقفه فإنه لا تنعقد صلاته.
فإذا كانت المرأة لا تنعقد صلاتها لم تبطل صلاة الإِمام.
وهذا الذي قاله في بطلان صلاة المأموم بمخالفة الموقف هنا نحن نتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا وقف المأموم بين يدي إمامه لم تبطل صلاته عندنا خلافًا للشافعي في أحد قوليه.
ودليلنا أن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو وقف عن يسار الإِمام فإن صلاته لا تبطل.
لأنه - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس ولم يأمره بالابتداء.
وفرقت الشافعية بين مخالفة الموقف المختار بالتقدم أو الكون على اليسار.
لأن اليسار موقف لبعض المأمومين في حال، والتقدم ليس بموقف لأحد.
وهذا غير مستقل لأنا وإن سلمنا أن اليسار موقف لبعض المأمومين فإنه ليس بموقف لمن تكلمنا عليه وهو العادل إليه عن اليمين اختيارًا، وإنما المعتمد على ما قلنا في أن ترتيب الموقف ليس بشرط في صحة الصلاة ولا الإخلال به إخلال بأحد أركانها.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: صلاة المنفرد خلف الصف مع وجود الفرج بين يديه يكره عندنا ويقع بها الإجزاء.
وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وقال ابن حنبل إن انضاف إليه آخر قبل الركوع صحت صلاته وإن ركع وحده بطلت صلاته.
ثم إذا انضاف إليه آخر كان كالفذ أيضًا.
وقال النخعي والحكم والحسن بن صالح وإسحاق وابن المنذر تبطل صلاته.
ونقل بعضهم

عن ابن حنبل هذا المذهب مطلقًا.
وقال ابن وهب في المجموعة إذا خرج أحد عن الصف بطلت صلاته ودليلنا أن أبا بكرة رضي الله عنه جاء والشعبي - صلى الله عليه وسلم - راكع فركع دون الصف ومشى إلى الصف وهو راكع.
فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ومشى إلى الصف وهو راكع.
فقال أبو بكرة أنا.
فقال: زادك الله حرصًا ولا تعد.
ولم يأمره بالإعادة" 1. فإن قيل قوله لا تعد نهي، وركوب ما نهي عنه يبطل الصلاة.
قيل: إنما نهاه عن السعي والإسراع وهو المراد بقوله.
ولا تعد.
مع أن تركه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالإعادة يبطل قولهم بوجوب الإعادة.
وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس واليتيم والعجوز من ورائهم 2 وحدها ولم تبطل صلاتها.
ولأن مخالفة الموقف المختار لا يفسد الصلاة كما قدمناه.
ويحتج المخالف بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فأبصر رجلًا صلى خلف الصفوف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.
روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا صلاة لمنفرد خلف الصف 3. والجواب عن هذا أن أمره بالإعادة إن ثبت حملناه على الاستحباب.
وأشار بعض أصحابنا إلى أنه لا يثبت.
وقوله لا صلاة يحمل على نفي الكمال، مع تسليم صحته أيضًا.
وإن كان المنفرد يخشى ذوات الركعة إن منع من الركوع دون الصف، فهل يباح له الركوع دون الصف أم لا؟ فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يكون قريبًا والثاني أن يكون بعيدًا.
فإن كان قريبًا جاز له ذلك.
وروى أشهب عن مالك لا يحرم الداخل حتى يصل إلى الصف.
وإطلاق هذه الرواية يقتضي المساواة بين القرب والبعد.
واختلف في حد القرب فقيل: قدر ذلك صفان فيباح على هذا أن يمشي فرجتين.
وقيل ثلاثة صفوف.
وقال إسماعيل يعتبر في ذلك أن يكون بحيث يدرك أن يسجد مع الإِمام في تلك الركعة في الصف.
وإذا كان من القرب بحيث يباح له الركوع فإنه يدب ليصل إلى الصف.
ومتى يدب؟ عن مالك روايتان:

إحداهما أنه يدب راكعًا، والثانية إذا رفع رأسه من الركوع.
وفي حديث زيد بن ثابت فركع ثم دب 1. وهذا لفظ يحتمل هذين المذهبين.
وإن كان بعيدًا ففيه 2 قولان: أحدهما أنه يباح له الإحرام دون الصف احتياطًا من الفوات.
والثاني أنه ينهى عن ذلك حكاه ابن حبيب.
ووجهه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه" 3. وهذا إذا كان منفردًا أو بمكان إحرامه عدد قليل لا يحلون محل جزء مقصود من الصف.
قال مالك في العتبية: من جاء والإمام راكع وعند باب المسجد قوم يصلون فليركع معهم ليدرك الركعة إلا أن يكونوا قلة فليتقدم إلى الفرج أحب إليَّ.
ولو كان الإِمام على حال يشك معه المأموم في تحصيل الركعة وإدراكها معه حتى يجوز أن يكون ركوعه بعد رفع الإِمام رأسه فلا ينبغي له أن يدخل معه، فإن فعل وعقد معه الركعة وشك في إدراكها فقال أشهب لا يعتد بها.
وقال ابن الماجشون يتمادى على صلاته ويعيد.
وقد يحتج لأشهب بالحديث الوارد في الشاك أنه يبني على اليقين.
فإذ ابن ي على اليقين وألغى تلك الركعة التي شك في فعلها فكذلك يلغيها إذا شك في إدراكها.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا كان بين الإِمام والمأموم حائل يمنع المشاهدة وسماع الصوت حتى لا يجد طريقًا للاقتداء به فلا خفاء بان الائتمام لا يتصور.
وإذا كان بينهما حائل يمنع المشاهدة ولا يمنع سماع نطق الإِمام فإن كان مكان المأموم أمام الإِمام فقد مضى كراهته وذكر اختلاف الناس فيه.
وإن لم يكن أمام الإِمام ففي المدونة: لا بأس بالصلاة في دور محجورة بصلاة الإِمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإِمام والناس أو سمعوه.
واحتج لذلك بصلاة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجرهن بصلاة الإِمام.
فظاهر هذا: الجواز مع وجود الحائل إذا سمع صوت الإِمام.
وقد اختلف قوله في المدونة في صلاة الرجل في غير الجمعة على ظهر المسجد والإمام في "خله فأجازه مرة لأن أبا هريرة وصالحًا مولى التؤمة صليا على ظهر المسجد والإمام أسفل وكرهه مرة

أخرى.
وقال بعض أشياخي بكراهة ذلك إذا لم ير المأموم الإِمام، وإن سمعوه.
واعتل بانهم لا يدرون ما يحدث عليه ولكنه تجزئ الصلاة عنده مع هذه الكراهة.
وقد كره في المدونة أن يصلي على أبي قبيس وقعَيْقِعان بصلاة الإِمام في المسجد الحرام.
وذكر أبو محمَّد عبد الحق عن بعض أصحابنا أن الصلاة تجزيء إن وقعت.
وأنكر هذا وقال: لا صلاة لهم واعتل بأن البعد يمنعهم من مراعاة فعل الإِمام وعلم سهوه وظاهر قوله بطلان الصلاة.
ووقع في كتاب ابن حبيب في أهل سفينة صلى إمامهم بمن في أعلاها ومن في أسفلها أن صلاة الأسفلين تعاد في الوقت.
واعتل له بعض المتأخرين بان ذلك إنما كان كذلك لكون الأسفلين لا يتحصل لهم مراعاة حال الإِمام.
وهذا الاضطراب في الإعادة يشير إلى الكراهة التي ذكرها شيخنا.
ولكنه استخف ذلك مع الضرورة إذا ضاق الموضع بمن مع الإِمام فكان يكره كون الإِمام في بيت المسجد وآخرون فوقه أو هو فوقه وآخرون في بيته ويستخف مع ضيق الموضع.
وأشار إلى أنه يدخله مع الاختيار تفرقة الصفوف مع ما اعتل به من عدم العلم بمراعاة الفعل إذا لم يروه.
ومنعت الشافعية الائتمام مع وجود الحائل المانع من المشاهدة.
وأجازه أبو حنيفة.
واعتلت الشافعية بان حائط المسجد يبنى للفصل بين المسجد وغيره فلا يجوز الائتمام مع وجود الفاصل.
وأما إذا كان المأموم بحيث يرى الإِمام ولا يسمع صوته فظاهر ما نقلناه عن المدونة جواز الائتمام لأنه قال لا بأس به إذا رأوا عمل الإِمام أو سمعوه فجعل الرؤية بمجردها كافية.
وكره أيضًا ذلك شيخنا واعتل بان صلاة المأموم تكون تخمينًا وتقديرًا.
وهذا الذي قاله صحيح.
لأن المأموم إذا حصل ساجدًا فلا طريق له إلى العلم برفع الإِمام رأسه إلا الصوت.
فإذا لم يسمع الصوت لم يصح منه الاقتداء.
ومحمل ما في المدونة عندي على أن المأموم له طريق إلى علم ذلك إما بمشاهدة أفعال المأمومين أو بغير ذلك من الطرق التي يبيح بها فعل الإِمام.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: مذهبنا جواز 1 الائتمام وإن كان بين الإِمام والمأموم نهر صغير أو طريق خلافًا لأبي حنيفة وابن حنبل في قولهما إن ذلك يمنع الائتمام.
ودليلنا أن أنسًا كان يصلي في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإِمام ولم ينكر عليه أحد.
فإن احتج لأبي حنيفة

بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان بينه وبين الإِمام طريق فليس مع الإِمام" 1. فقد أجيب عن هذا بأن هذا الخبر لا يعرف في كتب أهل الحديث.
وإن صح حُمِلَ على طريق يمنع الاقتداء.
وأشار شيخنا إلى كراهته في هذا الأصل على الجملة.
فقال لا بأس أن يصلي أصحاب الأسواق جماعة وإن كانوا على خلاف السنة من تفرقة الصفوف، وفرقت بينهم الطريق.
لأن هذه ضرورة.
وظاهر هذا كراهة كون الطريق حائلة مع الاختيار.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: مذهبنا منع الإمامة، والإمام أرفع مما عليه المأمومون.
فإن فعل ففي 2 المدونة تعاد الصلاة أبدًا لأنهم يعبثون إلا أن يكون الارتفاع يسيرًا فتجزيهم الصلاة.
وقدر بعض المتأخرين الارتفاع بقدر الشبر وعظم الذراع.
إلى هذا نحا الشيخ أبو محمَّد.
ودليلنا ما رواه ابن سنجر في كتابه أن حذيفة بن اليمان قدم المدائن فقام يصلي على دكان فجذبه سلمان.
فقال: ما أدري أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يصلي الإِمام على شيء أنشز مما عليه أصحابه" 3. ومعنى أنشز أرفع.
وذكر بعضهم أن هذا ذكره أبو داود أن ابن مسعود جذبه 4. فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود ألم تعلم أنه قد نهى عن ذلك؟ قال بلى، قد ذكرت حين جذبتني.
ورواه الشافعي ألم ترني تابعتك.
فإن قيل فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر بالناس.
وهذا يعارض حديثكم.
قيل قد نبه - صلى الله عليه وسلم - على العلة التي من أجلها فعل ذلك لأنه لما فرغ من صلاته قال إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي 5. وقد استحبت الشافعية لأجل

هذا الحديث إذا أراد تعليم المأمومين أن يصلي على موضع مرتفع ليروه ويتعلموا صلاته.
وقال بعض أصحابنا إنما نهى مالك عن صلاة الإِمام مرتفعًا على أصحابه لأن بني أمية فعلوه على وجه الكبر، والجبرية.
فرآه من العبث ومما يفسد الصلاة.
وذهب سحنون ويحيى بن عمر إلى إجازة الائتمام إذا ضاق وموضع الإِمام على المأمومين.
وقال فضل ابن مسلمة: تعليله بأنهم يعبثون يشير إلى قصر المنع على موضع واسع يمكن أن يصلي مع الإِمام فيه غيره.
وكذلك أيضًا ذهب بعض الأشياخ إلى صحة الصلاة إذا كان مع الإِمام قوم في مكانه المرتفع.
وكأنه رأى أنه لما لم يختص بالارتفاع صحت صلاة الأسفلين.
فإن قيل قد قال مالك لا يعجبني أن يصلي الإِمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك.
وهذا خلاف لما ذكرتموه عن بعض الأشياخ.
قيل: محمله عندي على أنه إنما كره ذلك لكون الأسفلين لا يرونه وقد قدمنا وجه كراهة الائتمام بمن لا يرى.
وقد ذكرنا قول ابن حبيب في إمام السفينة يصلي فوقها ومعه قوم وفي أسفلها قوم يصلون معه، إن الأسفلين يعيدون في الوقت.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا ليس برد لقول من قال بجواز الائتمام بإمام مرتفع وشاركه في الارتفاع قوم لأن ابن حبيب إنما اعتبر في ذلك كون المأمومين لا يمكن لهم مراعاة فعل الإِمام.
وقال بعض أشياخي إذا صلى رجل في موضع مرتفع لنفسه فأتى رجل فائتم به فإن صلاتهما تصح.
وكأنه رأى أن افتتاحه لنفسه يشعر بعدم قصده العبث والكبر.
وإن كان قد قيل لبعض الأشياخ لِمَ لم يمنع كون الإِمام تحت المأمومين لعلوهم عليه؟ وهلا كان هذا من العبث أيضًا؟ فقال حال الإمامة تشرف حال الارتفاع فلا يظن بهم قصد العبث.
وأشار إلى أنهم لو قصدوا العبث لأعادوا.
وقال وأما علو الإِمام عليهم فلا يراعى فيه القصد لأنه فعل قديمًا كبرًا وتجبرًا فتحمى الذريعة فيه ويجري المقاصد وغير المقاصد مجرى واحدًا.
وكأن هذا إشارة إلى ما قاله شيخنا وما حكيناه عن سحنون من إجازة ذلك إذا ضاق الموضع بالإمام.
وعن بعض الأشياخ في صحة الصلاة إذا شاركه بعض المأمومين في الارتفاع، يشير إلى صحة ما قاله شيخنا

من إجازة ذلك إذا ضاق الموضع.
ولعل هذا الذي حكيناه عنه حماية للذريعة، إنما يحميها إذا افتتح الصلاة مرتفعًا على المأموم غير قاصد للكبر.
ولا تطرد الحماية فيمن افتتح الصلاة منفردأوحده، ثم طرأ عليه من ائتم به في مكان منخفض منه؛ لأن هذا لم يفتتح الصلاة قاصدًا للإمامة فيؤمر فيها وإن لم يقصد العبث، كما يؤمر به من قصده.
وفي كلامه احتمال ولعله لا يخالف شيخنا فيما قال.
ويمكن عندي أن تجعل صلاته - صلى الله عليه وسلم - على المنبر قصدًا للتعليم حجة للجواز إذا ظهرت العلامات الدالة على عدم قصد الكبر على ما أشار إليه سحنون وغيره.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: تسوية الصفوف مأمور بها.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة" 1. وأكد - صلى الله عليه وسلم - أمرها حتى توعد عليه فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" 2. وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول قبل أن يحرم: "اعتدلوا وتراصوا" 3. وكان أمير المدينة يعاقب من خرج عن الصف.
ويبتدىء الصف من خلف الإِمام ثم عن يمينه وعن شماله حتى يكمل.
وفي المدونة من دخل المسجد وقد قامت الصفوف قام حيث شاء.
إن شاء خلف الإِمام أو عن يمينه أو عن يساره.
وتعجب مالك ممن قال يمشي حتى يقف حذو الإِمام.
وليس هذا الذي تعجب منه مالك رَدًّا لما اخترناه من كون مبدأ الصف خلف الإِمام لأن هذا الذي 4 في المدونة إنما تكلم عن رجل وحده، وقد كملت الصفوف.
ونحن أخبرنا بالمختار عندنا في مبدأ الصف الأول.
وهل يجوز أن يبتدأ صف قبل إكمال ما قبله؟ ظاهر المذهب على

قولين: والمختار 1 أن لا يُبْتَدَأَ صف حتى يكمل ما قبله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الآخر" 2. وخرج مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؛ ثم قال: يتمون الصف الأول ويتراصون" 3. وذكر في المدونة إذا كانت طائفة عن يمين الإِمام أو حذوه في الصف الثاني أو الأول، فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإِمام في الصف ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه.
قال ابن حبيب وهو كصف يبنى عليه.
والذي ذكرناه أنه المختار من إكمال الصف قبل الشروع فيما يليه، لورود الحديث بإتمامه والتراصص فيه.
مع قول ابن مسعود كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى" 4. يشير إلى النهي عن هذا الذي أجازه في المدونة.
وأما الصلاة بين الأساطين فإن كان لضرورة من ضيق المسجد فإنه جائز عندنا وما في عن ابن مسعود من كراهة الصلاة بين السواري محمله على كون المسجد متسعًا.
وقد كره مالك تقطيع الصفوف.
والشأن في الصلاة سد فرج الصفوف.
وإذا رأى المأموم فرجة فليتقدم إليها ليسدها وإن خرق إليها الصفوف خرقًا لا يضر.
وما أجزناه من اتصال الصفوف بالعمل 5 غير مناقض لهذا الذي قلناه من النهي عن تقطيع الصفوف.
وقد رأى أبو إسحاق ما حكيناه عن المدونة من إجازة قيام طائفة غير متصلة بطائفة أخرى، يشير إلى إجازة تقطيع الصفوف ولا يؤمر المصلي بسد فرجة في الصف.
وأما الصلاة بين الأساطن لغير ضرورة فظاهر المدونة كراهته لتقييده الإجازة بالضرورة.
وفي المبسوط إجازته اختيارًا.
وقال في الصف بين السواري لم يزل ذلك

يعمل به عندنا ولم أسمع أحدًا أنكره ولا كرهه.
وقد احتج لكراهته بأنه خارج عن التراصص والمحاذاة بالمناكب التي وردت في الأحاديث التي ذكرناها.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والجماعة في غير الجمعة مندوب إليها متأكدة 1 الفضيلة.
ويستحب للمنفرد إعادة ما عدا المغرب في الجماعة.

قال الشيخ الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة عشر سؤالًا.
منها أن يقال: 1 - ما حكم صلاة الجماعة؟.
2 - وما معنى اختلاف الأحاديث في مقدار أجرها؟.
3 - وهل يؤمر بالجماعة من صلى في جماعة؟.
4 - وهل يؤمر بها من صلى وحده؟.
5 - وهل يؤمر بالصلاة منفردًا من صلى في جماعة؟.
6 - ومن الجماعة التي يؤمر بإعادة الصلاة معها؟.
7 - ومن الجماعة التي يمنع من صلى فيها على الإعادة في جماعة؟.
8 - وهل يؤم من صلى في جماعة؟.
9 - وهل تعاد الجماعة في مسجد واحد؟.
10 - وما حكم من أقيمت الجماعة عليه وهو في صلاة؟.
11 - وما الذي يعاد من الصلوات في جماعة؟.
12 - وبأي نية تعاد؟.
13 - وهل يجتزىء بالصلاة المعادة إن بطلت الأولى أو تقضى الثانية إن بطلت؟.
14 - وما حكم من حضر عشاؤه وحضرت الجماعة؟.
15 - وما صفة المشي إليها؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في صلاة الجماعة في غير الجمعة.
فالظاهر من مذهبنا ومذهب الدهماء من العلماء أنها سنة مؤكدة.

وذهب بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى أنها فرض على الكفاية.
وذهب عطاء والأوزاعي وأبو ثور وابن حنبل وداود إلى أنها فرض على الأعيان.
واختلفوا هل هي شرط في صحة الصلاة؟ فقال بعض أهل الظاهر هي شرط في صحة الصلاة.
وقال من سواهم ممن ذكرنا ليست بشرط في الصحة.

وسبب هذا الاختلاف اختلاف الظواهر.
فلنا على نفي الوجوب، والاعتداد بصلاة المنفرد قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا" 1. والتفاضل لا يكون إلا بين شيئين اشتركا في معنى وتفاضلا فيه.
وهذا يقتضي كون صلاة المنفرد فيها فضل يقصر عن صلاة الجماعة.
وإذا ثبت أن فيها فضلًا ثبت إجزاؤها والاعتداد بها.
فإن قيل قد يفاضل بين شيئين لا يشتركان في المعنى الذي تفاضلا فيه كما قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ 2. ولا مقيل لأهل النار.
وكما ورد في الخبر: كل ذي مال أحق بماله.
ولا حق لغير صاحب 3 المال.
قيل لا يصح هذا التأويل في هذا الحديث لتحديد إجزاء الفضل بخمسة وعشرين.
ولو كانت صلاة المنفرد لا فضل فيها أصلًا لم يكن ذكر خمسة وعشرين أولى من ذكر أقل منها أو أكثر من العدد.
لأن فضل صلاة الجماعة يكون حينئذ منفردًا لا فضل يقابله حتى ينظر في زيادته عليه أو نقصانه عنه.
وهذا واضح لا خفاء به.
وقال محجن: كنت قد صليت في أهلي.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت" 4. ولم يقل إن كانت صلاتك في أهلك منفردًا فاعدها.
وأما المخالف فإنه يحتج بظواهر منها

قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سمع النداء فلم يأت أو قال فلم يجب فلا صلاة له، إلا من عذر" 1. وأجيب عن هذا بأنه يحتمل أن يكون المراد به صلاة الجمعة.
أو يكون المراد به غيرها من الصلوات ويكون المعنى لا صلاة كاملة.
ويحتج أيضًا بقوله عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" 2. وأجيب عن هذا بأنه محمول على تقدير لا صلاة له كاملة.
وقد ذكرنا في مواضع من كتابنا حقيقة اختلاف أهل الأصول في مثل هذا النفي.
هل يكون مجملًا أو عمومًا في نفي الذات وأوصافها وتخص الذات بدليل أو عموم في نفي أوصافها خاصة التي ها هنا الإجزاء أو الكمال، أو مترددًا بين الوصفين ها هنا ترددًا متساويًا أو ترددًا مع كون أحدهما أظهر بما يغني عن بسط القول فيه ها هنا.
وقد أجيب عن هذا الحديث أيضًا بأنه لم يصرح فيه بذكر الجماعة؛ لأنه لم يقل إلا في المسجد جماعة.
وإذا لم يقل ذلك لم يكن فيه دليل.
ويحتج أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن أم مكتوم: أتسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: لا أجد لك رخصة 3. وأجيب عن هذا بأن تقديره لا أجد لك رخصة تنفي عن صلاتك النقص.
أو لعله كان في مبدأ الإِسلام وهم محتاجون للتناصر والتكاثر.
ويحتج أيضًا بقوله عليه السلام لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم.
والذي نفس محمَّد بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء 4. قالوا وهذا التوعد لا يكون إلا على ترك فرض.
وأجيب عن هذا بأنه هَمَّ ولم يفعل 5 ما توعد به.
والواجب لا يكفي فيه الهم

بالعقاب.
وهذا ضعيف لأن الندب لا يهم فيه بالعقاب، ولا يخبر عن نفسه بمثل هذا فيه.
لكن الجواب عن الحديث بان يقال محمله على المنافقين التاركين الصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - نفاقًا عليه وزهدًا فيه واعتقادًا لتكذيبه.
وهذا كفر يحتمل أن يعاقب فاعله على تكذيبه بأشد من هذا.
ودليل هذا أنه وصف هؤلاء الرجال المتخلفين عن الصلاة معه بوصف لا يليق بأحد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ولا يليق إلا بكافر أو منافق؛ لأنه أشار إلى أن الشيء الحقير الذي لا قدر له آثر عندهم من صلاة العشاء خلفه - صلى الله عليه وسلم -. وهذا مما لا يظن بمسلم أنه يعتقده.
مع أن قوله عليه السلام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس يشير إلى تخلفه - صلى الله عليه وسلم - عن الجماعة.
ولو كانت الجماعة فرضًا على الأعيان لما أخبر أنه يهم بذلك.
والمرمتان المذكررتان في هذا الحديث اختلف في تفسيرهما فقال مالك هما السهمان.
وقال ابن وضاح هي حديدة كالسماق كانوا يكومون كومًا من تراب ويقومون عنده عن أذرع ويرمونها بها.
وقال أبو عبيدة هي اللحم الذي بين ظلفي الشاة.
وهذا حرف لا أدري ما هو ولا ما وجهه.
ولكن هذا تفسيره.
وقد تعلق المخالف أيضًا بآثار رويت عن الصحابة رضي الله عنهم كمثل ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الجماعة واجبة.
واستدل بان الله تعالى يسقطها في الخوف وتلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1. وأجيب عن هذا بأن لا دليل في الآية لأنه لم يقل تعالى: أقم لهم الصلاة فيكون أمرًا، قد يتعلق به.
وإنما قال فأقمت.
وهذا خبر عن أمر يفعله باختياره.
وكمثل ما روي عن ابن مسعود أنه قال لو صليتموها في بيوتكم لخالفتم سنة نبيكم.
ولو خالفتم سنة نبيكم لضللتم.
وأجيب عن هذا بأنه قد صرح بكونها سنة.
وهذا الذي قلناه.
وأما قوله لضللتم فعلى جهة التغليظ أو محمول على التمالؤ على ترك الجماعة على رأي من قال من أصحابنا أنها من فروض الكفايات لا يسوغ لأهل بلد أن يتمالأوا على تركها كما لا يسوغ لهم التمالؤ على ترك الأذان لأنه إخلال بشعار الإِسلام.
وإذا ثبت تأويل جميع ما تعلق به المخالف وسقطت الحجة به، تعلقنا بان الله تعالى أمر بالصلاة أمرًا مطلقًا لم يشترط في ذلك جماعة.
فإذا قوبلنا بشيء من أخبار الآحاد، قال

أبو حنيفة: هي زيادة على النص والزيادة على النص نسخ.
والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد.
وقال مالك هي متاولة بدليل قوله: صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده 1 الحديث.
فإن قيل بل حديثكم متاول بدليل أحاديثنا، ومحمول على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ إذا قطعه عن الجماعة مرض أو عذر.
قيل هذا تأويل فيه استكراه وتعسف.
ولا يحمل خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخارج مخرج التعميم في كل فذ، المقصود به: تحضيض 2 ذوي القدرة على الجماعة وترغيبهم فيها لئلا يزهدوا فيها، على مريض أو من كان في معناه ممن لا يمكنه حضور الجماعة.
ولو رغب فيها ما نفع ترغيبه لعجزه عنها.
مع أن المرض والعجز نادر شاذ لا يلبق أن يحمل مثل هذا الكلام عليه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الأحاديث الواردة في فضل الجماعة فروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا" 3. وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 4. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفُ ا. وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء فخرج إلى مسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط بها عنه خطيئة.
فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه فلا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" 5. وقد أكثر الناس الأجوبة عن اختلاف

الرواة في مقدار الفضل فقد ذكر أبو هريرة مع الخمسة والعشرين لفظ الجزء.
وذكر ابن عمر مع السبع والعشرين لفظ الدرجة فيحمل 1 على أن الجزء أكثر من الدرجة بمقدار ما.
فإذا قسمت الأجزاء على مقادير الدرج صارت سبعًا وعشرين.
وهذا تعسف شديد.
وليست الدرجة ولا الجزء تسمية لمقادير محدودة حتى تختلف التسميات لاختلاف المقادير، وإنما المراد ها هنا أن ما حصل في صلاة الفذ من الفضل يضاعف بمثله لمن صلى في جماعة أضعافًا تنتهي إلى عدد ما.
وهذا يستحيل معه اختلاف لفظ الدرجة والجزء.
وقيل يمكن أن يكون أحد الحديثين أشير به إلى أقوام بأعيانهم، وخوطب به قوم مخصوصون.
والآخر خطاب لمن سواهم.
فيبنى الحديثان على صنفين كما يبنى العمومان إذا تعارضا.
وقيل يمكن أن يبنى الحديثان على نوعين من الصلوات كم ابن ي هؤلاء على نوعين من الناس فيكون التضعيف في بعض الصلوات بخمسة وعشرين 2. وفي بعضها بسبع وعشرين.
ويعتضد أصحاب هذا التأويل بما في حديث عثمان أن صلاة العتمة في جماعة تعدل قيام نصف ليلة.
وصلاة الصبح في جماعة تعدل قيام ليلة 3. وقيل يبنى الحديثان على حالين فالسبع والعشرون في الجماعة الكثيرة والإمام الفاضل، والتزام شروط الكم الذي حكم الإمامة والصلاة.
والخمسة والعشرون فبما قصر عن ذلك.
وقيل الخمسة وعشرون فيمن صلى فذًا في المسجد فتفضله الجماعة في المسجد بخمسة وعشرين جزءًا.
والسبع والعشرون فيمن صلى وحده في بيته فتفضله الجماعة في وجه المسجد بسبع وعشرين.
وإنما اختلف الفضل عند هؤلاء ما بين المسجد والبيت لأن من صلى في البيت لم يكتب له ثواب السعي للمساجد والخطى إليها.
وقد نبه في حديث أبي صالح على معنى فضل صلاة الجماعة.
وأشار إلى التعليل

بالخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة.
ومن صلى في بيته قد أقصر عن درجة من صلى في المسجد فذًا.
لعدم خطوه إلى المساجد.
فلهذا زاد التضعيف عليه بسبع وعشرين.
وعلى هذا قال هؤلا يمكن أن يحمل حديث أبي صالح على أن صلاة الجماعة في المسجد تفضل صلاة الرجل في بيته وسوقه.
فإن صلاحها في بيته أو سوقه جماعة فما ذكر من التضعيف... 1 الصلاة في البيت ما نبه عليه أبو صالح في حديثه جميع هذه التأويلات أشار أصحابنا إلى إمكان حمل الحديثين عليها وعندي أنه قد يستغنى عن ذلك كله إذا قيل بأن حصر هذا الخطاب بعدد لا يدل على نفي ما زاد بل تكون الزيادة لا حكم لها في الخطاب وأن الله تعالى أوحى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه يفضل بعدد من الثواب ثم أوحى إليه بأنه زاد فيه إذا كان حديث الخمسة وعشرين سابقًا.
وإذا أمكن هذا لم تكن هذه التأويلات مضطرًا إليها ولكن من لم يسلك هذه الطريقة فلا بد أن يركب أحد هذه التأويلات.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهبنا أن من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة أخرى خلافًا لأحمد وإسحاق.
والظاهر من مذهب الشافعي أنه يصلي في جماعة أخرى.
ومن أصحابه من قال: لا يصلي.
ودليلنا قول ابن يسار رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط والناس يصلون، فقلت: يا أبا عبد الرحمن مالك لا تصلي؟ فقال: إني قد صليت.
إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تعاد الصلاة في يوم مرتين 2. وقد استثنى مالك رضي الله عنه الثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة ومسجد إيليا.
ووجه استثنائه لهذه الثلاثة المساجد فضل الصلاة فيها على غيرها فتعاد الصلاة فيها طلبًا للفضل.
كما يعيد الفذ صلاته في جماعة طلبًا للفضل.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: من صلى وحده فله أن يعيد في جماعة لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمحجن: "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت في

أهلك" 1. فإن كان أمره بإعادة الصلاة، وإن كان قد صلاها في أهله جماعة، فأمره بذلك إذا كان قد صلاها في أهله وحده أولى.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لرجلين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم" 2. الحديث.
ولأن صلاة الجماعة أفضل فكان لمن صلى فذًا طلب الأفضل.
فإذا ثبت أن له أن يعيد فلا تلزمه الإعادة وله أن يخرج من المسجد ما لم تقم الصلاة وهو فيه.
وكذلك لو رأى الناس يصلون وهو مار فإنه لا تلزمه إعادة الصلاة معهم.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما من صلى في جماعة فلا خفاء في أنه لا يعيدها وحده ولا ينتقل عن الأعلى للأدنى.
والإعادة إنما يطلب بها الإكمال فلا يطلب هذا الأنقص.
لكن بعض أشياخي قال: يلزم على قول مالك: أن من صلى في جماعة له أن يعيد في المساجد الثلاثة، أن يعيد من صلى في جماعة فذا في هذه المساجد طلبًا لزيادة الفضل على صلاته في جماعة 3. وقد قال مالك فيمن أتى المسجد الحرام ومسجد الرسول عليه السلام وقد صلى في أهله وهو يطمع أن يدرك الجماعة في غيره أنه يصليها فيه فذالأولا يخرج للجماعة في غيرها.
قال لأن الصلاة فيها فذا أفضل 4 من الجماعة في غيرها وهذا يؤكد ما قلناه.
ومحمل الحديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة على تساوي فضل البقاع المصلى فيها.
ولو اختلفت البقاع وتساوت الصلاة في الانفراد أو الجماعة لكانت الصلاة في مسجده - صلى الله عليه وسلم - تفضل على غيرها من البقاع بألف صلاة إلا ما استثني في الحديث الوارد بذلك.
ولو اختلفت البقاع والصلاة لكانت الصلاة في مسجده عليه السلام جماعة تفضل الصلاة فذا في غيره من البقاع المشار إليها سبع وعشرين ألفُ ا.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا وجد المصلي فذا رجلين سواه أعاد الصلاة معهما لأنه إنما يعيد طلبًا لفضل الجماعة وأقل الجماعة اثنان.
فاما إن وجد رجلًا واحدًا فإنه لا يعيد معه قاله الشيخ أبو الحسن قال الشيخ أبو عمران إلا أن يكون هذا الواحد إمامًا راتبًا فهو كالجماعة.
ألا ترى أنه إذا صلى الإِمام الراتب وحده فإنه لا يعيد في جماعة لأنه وحده كالجماعة.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: من صلى معه رجل بالغ فإنه لا يعيد الصلاة.
فإن كان غير بالغ فاختلف الأشياخ فيه إذا كان الصبي يعقل الصلاة فقال بعضهم لا يمنع ذلك الإعادة لأن صلاة الصبي نافلة، فلا تمنع الإعادة.
وإنما يمنعها الاجتماع على الفرض.
وقال بعضهم لا يعيد تلك الصلاة في جماعة وكأنه رأى أن الصبي دخل بنية الفرض فلا يضره سقوطه في الباطن عنه.
وقد كنا قدمنا إلزام بعض أشياخنا لأبي مصعب على قوله بصحة الائتمام بالصبي في الفرائض أن يجيز صلاة المفترض خلف المتنفل.
وذكرنا أن غيره من الأشياخ تردد في هذا الإلزام لأجل ما أشرنا إليه من كون الصبي معتقدًا للفرض.
ولو صلى في بيته مع امرأته أو مع أخته فهل يعيد في جماعة؟ قال الشيخ أبو الحسن اختلف فيه أصحابنا في أيام الشيخ أبي محمَّد، والذي أذهب إليه أنه لا يعيد.
لأنه هو والمرأة جماعة.
وإلى هذا نحا الشيخ أبو عمران.
ولو ائتم رجل بآخر لم يعلم أنه غير متطهر فقد قال أبو إسحاق لا يعيد المأموم في جماعة.
واحتج بإمام الجمعة يصلي ناسيًا للطهارة فإن الجمعة تجزي من خلفه وإن كانت الجماعة من شرط الجمعة.
فعدم العلم بطهارة الإِمام في مسألتنا لا تمنع من حصول حكم الجماعة.
قال وانظر لو كان المأموم هو الذاكر أنه على غير وضوء هل يمنع الإِمام من إعادة الصلاة في جماعة، وهذا الذي تردد فيه أبو إسحاق في المأموم لا يتضح وجه تردده فيه مع إمضائه القول في الإِمام لأن اعتقاد الجماعة قد حصل فيما تردد فيه.
وحصل مع هذا الاعتقاد فعل الجماعة ظاهرًا.
فوجب أن يمنع من الإعادة في الجماعة كما لو كان الإِمام هو الناسي

لوضوئه.
وقد منع في المدونة إمامًا راتبًا صلى وحده لتأخر الناس عنه أن يعيد في جماعة أخرى ولم يحصل له سوى اعتقاد الجمع فكيف بهذا الذي حصل له اعتقاده وفعله.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: من صلى وحده فلا يصح أن يؤتم به لأنه لا يدري أيتهما صلاته، فالمؤتم به يقتدي بمن لا يتحقق أنه في فرض يعتد به.
قال بعض أشياخي: ولو نوى رفض الأولى لجرى صحة الائتمام به على القولين في صحة الرفض.
فمن صححه صحح الائتمام به لبطلان الأولى.
ومن لم يصححه لم يصحح الائتمام به للتردد في فرضه كما قدمنا.
ولو نوى بصلاته الثانية النافلة لجرت صلاة من ائتم به على القولين في صحة الائتمام بالصبي.
وقد كنا نحن قدمنا الكلام على ائتمام المفترض بالمتنفل.
وذكرنا تردد بعض الأشياخ في تخريج ذلك على إمامة الصبي لكون الصبي معتقدًا الفرض.
وما قدمناه يغني عن إعادته ها هنا.
فإن أم من صلى وحده فإن صلاة المأموم لا تجزيه.
قال سحنون يعيد المأموم وإن خرج الوقت ما لم يطل لاختلاف الصحابة في ذلك.
قال ابن حبيب يعيد المؤتمون أفذاذًا لأجل صحة صلاتهم عند آخرين فراعى ابن حبيب خلاف هؤلاء القائلين بصحة الصلاة خلفه.
والصلاة إذا صحت لا تعاد في جماعة عندنا.
ومن لم يراع خلاف ما ذكرناه فيما تقدم من الذاهبين إلى أن الصلاة ولو صحت جازت إعادتها في جماعة وإن صليت في جماعة.
وعندي أنه إنما سلك هذا المسلك لأنا إذا راعينا صحة الصلاة على قول غيرنا ترتيبًا على هذا، منع إعادتها في جماعة على مذهبنا.
وإجازة ذلك على مذهب غيرنا.
ومراعاة مذهبنا أولى من مراعاة مذهب غيرنا.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: مذهبنا أن المسجد إذا كان له إمام راتب فصلى فيه فإنه ينهى عن أن يصلي فيه جماعة بعده، وبه قالت الشافعية.
واشترطت إذا لم يكن المسجد على قارعة الطريق، وكان في المحلة 1. وذكر

ابن مزين عن أصبغ أنه دخل مع أشهب المسجد وقد صلى إمامه.
فأمر أصبغ أن يأتم به.
وظاهر هذا أنه يجيز الجمع.
وحكاه عنه ابن حارث.
وأضاف إليه إجازة الجمع.
وقال عطاء والحسن والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق بجواز ذلك.
وروي ذلك أيضًا عن أنس وابن مسعود.
وروي عن أحمد رواية أخرى أنه قال لا يصلي في المسجد الحرام ولا في مسجد المدينة ويصلي فيما سوى ذلك من المساجد.
فأما من أجاز ذلك فإنه يتعلق بعموم قوله عليه السلام: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده" 1. الحديث.
ونحن إن سلمنا العموم في مثل هذا خصصناه بضرب من الاستدلال: وهو ما ذكره القاضي إسماعيل من أنه يؤدي إلى العداوة والبغضاء وتفرق الكلمة.
لأن الإِمام الراتب يقع في نفسه أن المنفردين بجماعة أخرى تأخروا عنه واتخذوا إمامًا لأنفسهم، لاعتقادهم أن الإِمام الراتب ليس بأهل للإمامة، فتقع الشحناء والعداوة بين الأئمة.
ويؤدي إلى افتراق الكلمة.
وقد علل أيضًا ذلك بتعليل آخر وهو أن في الأذن فيه تطريقًا لأهل البدع لأن يتخذوا لأنفسهم إمامًا يصلون خلفه.
وأيضًا فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه إمامه صلوا أفذاذًا.
وكذلك السفينة عندنا لا يجمع فيها مرتين.
لأن ما عللناه في المساجد يوجد مثله في السفن.
ولو كان المسجد له إمام راتب في بعض الصلوات خاصة فإنه يمنع الجمع في تلك الصلوات.
وأما ما سواها من الصلوات التي ليس فيها إمام راتب فهل يمنع فيها من الجمع إذا تقدمت جماعة أم لا؟ اختلف في ذلك قول مالك.
والأظهر 2 على أصلنا في إجازة الجمع في المساجد، التي لا إمام لها راتبًا، الجواز.
لأن المتقدمين بالجمع لم يكن لإمامهم حق في المتقدم في تلك الصلاة، فيقدر من أتى بعده، كالمنازع له في حقه.
إذا ثبت أن المعنى الذي من أجله وقع المنع مراعاة حقوق الأئمة، فإن ذلك يطرد في كل ما فيه حق لهم.
فلو حاول قوم أن يجمعوا قبل الإِمام الراتب لنهوا عن ذلك.
لأن فيه من أذي أذى قلب الإِمام ما فيه إذا جمعوا بعده، وكذلك لو استخلف الإِمام الراتب لم

يكن له أن يجمع بعد من استخلفه.
وقال مالك إن صلى المؤذن فلم يأته أحد.
ثم أتى إمام المسجد والناس.
فإن كان المؤذن ممن يؤمهم إذا غاب إمامهم فهو كالإمام صلاته وحده كصلاة 1 جماعة لا يجوز لهم أن يجمعوا بعده تلك الصلاة.
وإن كان ممن لا يصلي إذا غاب الإِمام فهو كرجل من الناس.
ويحمل هذا الذي قاله مالك على أن المؤذن صلى في وقت لا يؤمر فيه بانتظار الإِمام.
وأما لو صلى في وقت صلاة الإِمام المعتاد أو بعد ذلك بيسير لكان من حق الإِمام أن يعيد تلك الصلاة لأن من أم قبله كالمتعدي في الإمامة لمسابقة الإِمام في الإمامة.
وإنما يكون للناس إسقاط حق الإِمام إذا طال تأخره حتى أضر بهم، فإنهم يكون لهم حينذٍ أن يقدموا من يصلي بهم.
وعلى طرد التعليل الذي قلناه يمنع الفذ أن يصلي والإمام يصلي، سواء أحب الفذ أن يصلي فرضًا أو نفلًا.
ويمنع أيضًا أن يجلس والإمام يصلي وأن يخرج بعد أن تقام الصلاة.
وقد قال في المدونة فيمن صلى في جماعة فليخرج من المسجد إذا أقيمت تلك الصلاة.
فمنع الجمع قبله أو بعده ومنع الصلاة في حين صلاته أو الجلوس في حال صلاته تأخرًا عن الصلاة معه أو الخروج بعد إقامة الصلاة، كل ذلك معلل بما قلناه من إيذاء قلب الإِمام.
ولو تعمد الفذ التأخير عن الإِمام فيأتي المسجد ويصلي وحده لمنع من ذلك لما فيه من إيذاء الإِمام.
وإنما يجوز للفذ أن يتقدم بالصلاة أو يتأخر مع عدم القصد لما يؤدي قلب الإِمام.
وصحن المسجد حكمه حكم المسجد في جميع ما قدمناه.
وما قدمناه من حديث الأسود فيه إشارة إلى بعض ما في هذا الباب.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة في المسجد فلا تخلو الصلاة التي هو فيها من ثلاثة أحوال 2 أحدها أن تكون هي تلك الصلاة التي أقيمت.
والثاني أن تكون صلاة نفل.
والثالث أن تكون صلاة فرض آخر.

فأما إن كانت تلك الصلاة التي أقيمت فلا تخلو من ثلاثة أقسام إما أن تكون إقيمت عليه الصلاة قبل أن يعقد ركعة أو بعد عقدها أو بعد أن عقد ركعتين.
فإن أقيمت عليه ولم يعقد ركعة فظاهر المذهب على قولين: أحدهما وهو المشهور أنه يقطع.
وذكر أشهب أنه يتم ركعتين ما لم يخف ذوات الركعة مع الإِمام فيقطع.
وعن ابن القاسم في كتاب ابن سحنون فيمن أقيمت عليه الصلاة وهو في المغرب لم يعقد ركعة أنه يكمل ركعتق ويسلم.
ولم يشترط ألا تفوته الركعة مع الإِمام وهذا إن أخذ على ظاهره كان قولًا ثالثًا.
وإن أقيمت عليه وقد عقد ركعة فلا يخلو: إما أن تكون الصلاة التي هو فيها وأقيمت عليه ما سوى المغرب.
أو المغرب فإن كانت ما سوى المغرب فإنه يضيف إليها ثانية.
هكذا 1 مطلق الروايات.
وحملها بعض الأشياخ على أن ذلك إذا لم يخف ذوات ركعة مع الإِمام.
واحتج برواية أشهب عن مالك قال: قيل لمالك: فإن علم أن الإِمام سيسبقه ببعض صلاته ويدرك بعضها.
قال: لا ينبغي له أن يصلي والإمام يصلي إلا أن يفرغ هو قبل أن يرفع الإِمام رأسه من الركعة الأولى.
وإن كانت الصلاة هي المغرب فاختلف قول ابن القاسم.
فقال يضيف إليها أخرى كسائر الصلوات.
وقال: في المدونة يقطع.
ورآها بخلاف غيرها من الصلوات لما كانت المغرب لا تنفل 2 قبلها.
فلو أمره بإكمال ركعتين لأمرد بالتنفل قبل المغرب.
وأشار بعضهم إلى أنه إنما رآها بخلاف غيرها من الصلوات لأجل أن نية الوتر ينافي نية الشفع.
فلو شفع الركعة لفعل ما ينافي نية الوتر التي دخل عليها.
وتشفيعه ركعة الظهر لا ينافي ما دخل فيه لأنه على نية الشفع دخل.
وإن أقيمت عليه وقد صلى ركعتين فلا يخلو أيضًا: إما أن يكون سوى المغرب أو المغرب فإن كانت سوى المغرب فإنه يسلم من ركعتين.
وإن كانت

المغرب فاختلف في ذلك قول ابن القاسم أيضًا.
فقال في المجموعة: يسلم من اثنتين كسائر الصلوات وذكر ابن حارث أنها رواية ابن غافق في المدونة.
وقال في المشهور من رواية المدونة: يكملها ثلاثًا ويخرج.
وأجرى أشهب المغرب مجرى سائر الصلوات فقال إن صلى منها ركعة أضاف إليها ثانية.
وإن صلى اثنتين سلم منهما كأحد قولي ابن القاسم.
ولو كان هذا الذي ذكرنا أنه عقد ركعتين لم تقم عليه الصلاة حتى عقد الثالثة فإنه يكمل صلاته بالرابعة بنية الفرض ثم يعيدها مع الإِمام على أن ذلك إلى الله تعالى على ما نذكره في إعادة الفذ.
وأشار بعض الشيوخ إلى أن محمل ذلك على أنه لم يخف ذوات ركعة مع الإِمام.
وأما لو خاف لقطع بسلام.
واحتج في هذا بما احتج به فيما قبل من رواية أشهب.
وفيه نظر عندي.
لأن هذا مأمور بالإكمال بنية الفرض وقد يكون عند الله تعالى هو المحسوب فرضه والقطع فيه مع إكماله بنية الفرض لخوف ذوات ركعة مع الإِمام أثقل منه إذا قطع من ركعة مخافة أن تفوته ركعة مع الإِمام.
لأن هذا لم يفسد بقطعه فرضًا.
بل فرضه قد فسد.
وإنما امتنع من إكمال صورة الفعل.
وقد يكون إدراك ركعة مع الإِمام أولى من إكمال صورة الفعل بنية النفل.
وسبب الاختلاف فيما اختلف فيه من ذلك: الموازنة بين المنهيات ليعلم أيها أخف فيركب.
فقطع العمل أو تغير النية فيه منهي عنه.
وصلاتان معًا منهي عنه أيضًا وتحصيل ركعة مع الإِمام مأمور به.
فالمواضع التي أمر فيها بالقطع من أمر به رأى أنه أخف من صلاتين معًا.
وأخف من فوت ركعة مع الإِمام.
والتمادي إنما أمر به من أمر لأنه رآه أخف من قطع الصلاة والتمادي إلى صورة النفل 1 تخفيفُ القبح القطع فهذا السر الذي دار عليه جميع ما تقدم في مسائل هذا الباب.
وأما إن كانت صلاة نفل ففي المدونة فيمن كان في نافلة ولم يركع حتى أقيمت عليه الصلاة: أنه إن كان ممن يخف عليه الركعتان أن يقرأ فيهما بأم القرآن وحدها ويدرك الإِمام قبل أن يركع فلا يقطع نافلته.
فإن قيل لم فرق

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل