شرح التلقينصفحات 558-597
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 558-597

سنة.
والقياس أن فيه السجود.
وفي السليمانية أنه يسجد إذا سها عنه.
وقال ابن زياد تعمد تركه يفسد الصلاة.
وبالغ 1 بعض أصحابنا في إنكار كونه سنة حتى جعل تعمد السجود لتركه يبطل الصلاة.
فدليلنا على أنه مشروع قول أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت في الصبح إلى أن فارق الدنيا 2. وحجة أبي حنيفة قول أم سلمة نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القنوت في الفجر 3. وقد تأول أصحاب أبي حنيفة حديثنا على أن المراد به أنه طول القيام في الصبح حتى فارق الدنيا.
وتأول أصحابنا حديث أبي حنيفة على أن المراد به النهي عن لعن قوم بأسمائهم، أو المراد به النهي عن الجهر به.
وقد قال بعض الناس: حديث أم سلمة يرويه محمَّد بن يعلى عن عنبسة بن عبد الرحمان عن عبد الله بن نافع عن نافع وكلهم ضعاف إلا نافع.
ونافع لم يلق أم سلمة.
وقد روي عن بعض الصحابة تركه وعن الخلفاء الأربعة فعله.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: محله من الصلوات عندنا 4 صلاة الصبح.
وعنه في كون الوتر في النصف الآخر من شهر رمضان محلًا له روايتان: الجواز والمنع.
وحكي عن ابن حنبل أنه لا بأس به.
وروي عنه أنه مقصور على إمام الجيش بدار الحرب يدعو للجيش أو للسلطان الأعظم.
وقال إسحاق: القنوت للأئمة عند حوادث تحدث.
وما قدمناه من حديث أنس يدل على صحة ما قلناه من الاقتصار على الصبح.
إذ لو قنت في غيرها من الصلوات لم يخصها بالذكر.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما محله من صلاة الصبح فاختلف الناس فيه.
فقال مالك: الأفضل أن يكون قبل الركوع من الركعة الثانية 5.

ويجوز أن يكون بعد الركوع.
وقال الشافعي وابن حبيب من أصحابنا: المختار أن يكون بعد رفع الرأس من الركوع.
وقد ذكر عن بعض الصحابة رضي الله عنهم فعل ما اختاره مالك.
وعن بعضهم فعل ما اختاره الشافعي.
فالحجة لمالك فيما اختاره قول عاصم لأنس: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال قبله.
قال عاصم قلت حدثني فلان عنك أنك قلت بعده.
قال كذب فلان.
إنما قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرًا أراه بعث قومًا وذكر حديث البراء 1 وهذا يقتضي كون القنوت قبل الركوع 2 ولأن في كونه قبل الركوع زيادة بمقدار ما تدرك به الصلاة.
فمن تأخر أدرك صلاة من قنت قبل الركوع وفاتته صلاة من قنت بعده.
والشافعي يحتج لاختياره: بأنه مذهب أبي بكر وعمر وعثمان فكان عنده أولى.
وما ذكره القاضي أبو محمَّد في بقية الفصل من سجود التلاوة قد قدمنا الكلام عليه.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وصفة الجلوس كله صفة واحدة.
وهو أن يفضي إلى الأرض بأيسر وركيه 3 ويضع رجله اليسرى تحت يمنى ساقيه ويضع كفيه على فخذيه ويقبض يمناهما ويشير بسبابته منها ويبسط يسراهما.
والسنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل وقد بينا جُمَلها.
ونحن نبين تفصيلها في تضاعيف ما نورده من المسائل إن شاء الله.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على اختيار هذه الجلسة؟.
2 - وما معنى الإشارة بالسبابة؟.
3 - وما معنى قوله أن السنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الجلوس يقع مفترشًا.
ومعناه:

  • أن يفترش رجله فيجلس عليها.
    ويقع متوركًا ومعناه:
  • أن يخرج رجله إلى جانب وركه الأخرى، ويضع أليتيه على الأرض.
  • ويقع مقعيًا واختلف في تفسيره، فقال أبو عبيدة هو أن ينصب رجليه ويجلس على أليتيه.
    قال وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: الإقعاء أن ينصب رجليه ويجلس على عقبيه.
    وقيل هو أن يفترش رجليه ويجلس على عقبيه.
    فذهب مالك رضي الله عنه إلى أن جلوس الصلاة كله في التشهدين وبين السجدتين توركًا 1. وهو أن يثني رجله اليسرى ويخرجها من جهة وركه الأيمن وينصب رجله اليمنى ويجعل باطن إبهامه إلى الأرض ولا يجعل جنبها ولا ظاهرها.
    وعند أبي حنيفة أن السنة فيه أن يفترش رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب اليمنى ويوجه أصابعه نحو القبلة.
    وقال الشافعي بالافتراش بين السجدتين وفي التشهد الأول وهو أن يفترش اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى كما قال أبو حنيفة.
    وقال في الجلسة الأخيرة بما قال مالك.
    وقال طاوس في الجلوس بين السجدتين رأيت العبادلة.
    ابن عمر.
    وابن عباس 2. وابن مسعود.
    وابن الزبير.
    يُقْعُونَ بين السجدتين.
    وقال أحمد أهل مكة يفعلونه.
    وقال ابن عباس من السنة أن تمس عقبيك أليتيك.
    فيحتج لمالك رضي الله عنه بقول ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركًا 3. ويحتج لأبي حنيفة بأن عائشة ذكرت أنه عليه السلام كان يقعد في صلاته.
    ووصفت الصفة التي ذهب إليها

أبو حنيفة 1. ويحتج للشافعي بحديث أبي حميد الساعدي 2 وقد ذكر في التفرقة بين الجلستين ذكره الشافعي من التفرقة بينهما 3. وحديث أبي حميد الساعدي رد على العبادلة لأنه وصف صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمحضر عشرة من الصحابة صدقوه.
فقال فيه: أهوى إلى الأرض ساجدًا.
وقال الله أكبر ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم أهوى ساجدًا 4. وقد أنكرت تفرقة الشافعي بأن أركان الصلاة المتكررة متساوية الشكل كالقيام والركوع والسجود.
فيجب أن يكون الجلوس كذلك.
واعتذر أصحاب أبي حنيفة عن حديث أبي حميد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أسن فلعله جلس في الآخرة تلك الجلسة لطولها ولا يمكنه مع الطول إلا تلك الجلسة.
ويرجح أصحاب الشافعي مذهبهم بأن الجلسة الأولى هو مستوفز فيها إلى القيام فوجب ألا يجلس فيها جلسة مطمئن بخلاف الآخرة.
وبأن المصلي قد يشك في جلسته هل هي الأولى أو الأخرى؟ فينتبه لذكر ما هو فيه بشكل الجلسة وبأن التفرقة تشعر من جاء لإدراك الصلاة، يكون الصلاة قوإنقضت.
فينصرف لطلب جماعة أخرى، أو لم تنقض فيدخل مع الجماعة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ذكر ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جلس في الصلاة وضع كله اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده إلا التي تلي الإبهام 5. وقال بعض المتأخرين: هذا، يقتضي إطلاقه أن هذا الفعل كان في جميع الجلوس.
ولو اختلف حكم الجلوس لفصله ابن عمر.
وقال غيره: إنما يختار هذا في جلوس التشهد.
وأما الجلوس بين السجدتين فإنه يبسط كفيه على فخذيه.
وقد اختلف المذهب في الأصبع إذا بسطت، هل تحرك أم لا؟ فقال ابن القاسم رأيت مالكًا يحركها في التشهد ملحًا.
وقيل لا يحركها بل يجعل جانبها الأيسر مما يلي السماء.
واختلف في تعليل كون هذه الأصبع

مخالفة لشكل الأصابع.
فقيل مَقْمعةً للشيطان.
وقال الداودي ليذكر أنه في الصلاة.
وقيل إشعارًا بالتوحيد.
وقال بعض أصحاب مالك من علل بالمقمعة أو نفي السهو حركها.
ومن علل باستشعار التوحيد لم يحركها.
وذكر عن يحيى ابن عمر أنه كان يحركها عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وعندي أن ابن عمر إنما حركها عند هذا الموضع لأنها حركة تستعمل في تقرير الأمر وثبوته.
ألا ترى أن الإنسان إذا حادث صاحبه حرك إصبعه كالمقرر بها والمحقق حديثه.
فلما افتتح المصلي الشهادتين رأى ابن عمر أن ذلك مما يحتاج إلى التقرير.
فكأنه قرر 1 على نفسه وحقق عندها صحة ما أخذ فيه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما قول القاضي أبو محمَّد ها هنا أن السنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل، فإن هذا اللفظ إذا أخذ على مقتضاه في عرف إطلاق العلماء عسر تصور معناه.
لأنهم إنما يطلقون التداخل بسقوط اعتبار شيء عند إضافته إلى آخر.
مثل قولهم الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر.
بمعنى أن الوضوء الواجب على البول يسقط بالغسل الواجب على الجنابة.
وهذا المعنى لا يتصور في السنن والفضائل.
ولكن يتصور فيهما 2 معنى مأخوذ مما قدمناه.
حيث قلنا إن السنن والفضائل عبارتان قد تنوب إحداهما عن الأخرى.
وتستعمل هذه مكان هذه على مقتضى اللغة.
ولكن قَصرَهُما العُرف على ما كان مندوبًا إليه.
فمتى قوي الندب وعظم الأجر سمينا الفعل سنة، ومتى ضعف سميناه فضيلة.
فكأن السنة فيها معنى الفضيلة وزادت 3 عليها.
فصارت الفضيلة كالداخلة في السنة.
ولكن هذا المعنى وإن كان صحيحا فلم يرده القاضي أبو محمَّد لأنه معنى يشتمل على جميع الفضائل وجميع السنن.
والقاضي أبو محمَّد قيد قوله بأن قال: كثيرًا ما يتداخل.
فأشار إلى أنها قد لا تتداخل في بعض الأحيان.
فإن كان أراد أن الفضيلة ربما كانت

بعض أوصاف السنة ومقدرة كالجزء منها كالسورة التي مع أم القرآن فإنها سنة وتطويلها أو تقصيرها فضيلة.
والطول والقصر وصف من أوصاف السورة 1. وقد تطلق العبارة بأن السورة المعتاد قراءتها في صلاة الصبح سنة.
وإن كان المسنون أصلها لا وصفها بالإطالة أو بالقصر.
وكذلك القول فيما ضاهى هذه المسألة فإن أراد هذا فهو معنى صحيح.
وإن أراد بالتداخل ما وقع من الاختلاف من عد بعض السنن فضائل وعد بعض الفضائل سننًا.
فصارت تدخل بعضها في بعض على هذا المعنى.
ويكون المراد أنها تتداخل على مذهب دون مذهب.
فيدخل بعض ما عده من السنن في قسم الفضيلة على قول ومذهب.
ويدخل ما عده من الفضائل في قسم السنة على قول ومذهب.
فهذا معنى صحيح.
وقد يراد بالتداخل اختلاف حال المصلين.
فإن من السنن ما يخاطب به المنفرد.
فإذا صار مأمومًا سقط كونه سنة.
وربما عد في الفضائل كالقراءة.
فمنها ما يكون سنة في حق المنفرد.
وربما عاد فضيلة في حق المأموم.
فيكون معنى التداخل دخول الحكمين في جنس من الأفعال على نوع من هذا التفصيل.
وهذه المعاني 2 هي التي يمكن أن تراد.
وإن كان بعضها يقرب من لفظه وبعضها يبعد.
ولم يرد الإطالة بتمييز بعضها من بعض، وإيعاب القول في كل قسم منها؛ لأن جدوى ذلك وقوف على حقيقة مراده.
وإلا فحقائق السنن والفضائل جملة وتفصيلا، تفريعًا وتأصيلًا قد أتينا على جمهوره.
ونأتي بالبقية منه في مواضعها 3 إن شاء الله تعالى.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والمختار له بعد تكبيرة الإحرام أن يعقبها بقراءة أم القرآن من غير أن يفصل بينهما بتسبيح أو توجيه أو قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سرًّا أو جهرًا أو استعاذة.
لا عند قراءة أم القرآن 4 ولا في

التي 1 بعدها.
إلا الذي يصلي التراويح أو يقوم الليل أو يعرض القرآن.
فإن شاء فصل بين السور بالبسملة 2.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أنه لا يفصل بين القراءة والتكبير بشيء؟.
2 - وما معنى قوله تسبيح أو توجيه؟.
3 - وما معنى قوله: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟.
4 - وما معنى قوله سرا أو جهرًا؟.
5 - ولمَ لم يتعوذ القارئ في الصلاة المكتوبة؟.
6 - وما معنى قوله عند قراءة أم القرآن أو في التي بعدها؟.
7 - ولمَ قال في الذي يقوم الليل ويعرض القرآن إن شاء فصل ببسم الله الرحمن الرحيم؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الفصل بين القراءة والإحرام.
فالمشهور عن مالك المنع منه.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق: المستحب أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
وحكى ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه كان يقول ذلك بعد إحرامه.
ورأيت في كتب المخالفين إثبات الواو في وتبارك.
وذكر عن الشافعي أنه كان يقول الله أكبر كبيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا.
ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين.
ورأيت في كتب بعض أصحاب الشافعي: أن المستحب أن يقول بعد التكبير وقبل التعوذ: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفُ اوما أنا من المشركين.
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا 3 واهدني

لأحسن الأخلاق لا يهدي 1 لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئهلالا يصرف سيئها إلا أنت.
لبيك وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك.
والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجأ منك إلا إليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك.
وذكر أن المستحب عنده أن يجمع بينه وبين ما حكيناه عن أبي حنيفة.
فإنه 2 مذهب أبي يوسف.
وقد حاول الشيخ أبو الحسن اللخمي أن يخرج قولًا عندنا بجواز الفصل بالدعاء.
وأشار إلى ما حكيناه عن ابن شعبان.
واستحسن الجواز.
واحتج بقول أبي هريرة في الصحيحين يا رسول الله إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد 3. فأما أصحاب أبي حنيفة فيحتجون بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ 4. قالوا 5 ولا تسبيح مشروعًا إلا ما قلناه.
واحتجوا بما روت عائشة وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك.
وقد خرج مسلم عن عمر رضي الله عنه أنه كان يجهر بذلك في للصلاة 6. وأما أصحاب الشافعي فيحتجون بما روي عن علي بن أبي طالب أنه عليه السلام كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ -الآية- إلى أن يقول: وأنا من المسلمين 7.

والحجة لمالك قول أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين 1. وقد انفصل عن هذا بأن المراد به يفتتح القراءة.
وقد يعبر على القراءة بالصلاة كما في الحديث الآخر: قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي 2. وهذا لا يسلم لهم بغير دليل وليس إذا دل الدليل على حمل الصلاة على القراءة في حديث وجب مثل ذلك في حديث آخر بغير دليل 3.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: هذا اللفظ الواقع من القاضي أبي محمَّد تنبيه منه على المذاهب التي حكيناها؛ لأنا حكينا أن أبا حنيفة يفتتح بالتسبيح.
وعن الشافعية بالتوجيه.
فنظم رحمه الله المذهبين جميعًا بهذه الإشارة لما لم يمكنه بسطه 4 في هذا الكتاب لأنه لم يوضع لذلك 5.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما بسم الله الرحمن الرحيم فإن القول فيها هل هي قرآن أم لا؟ يتسع.
ولكن نقتصر لك علي اللباب ونبوح لك بالأسرار.
فنقول: أول ما يجب أن يقدم: الاهتمام بالنظر في الانفصال عن معارضة قد تلتبس 6 هنا على من لا يستبحر في الحقائق: بأن يقول قائل من الطاعنين في الشرع: القرآن معجزته عليه السلام وقاعدة الإِسلام، فكيف اختلف الأئمة المقتدى بهم في أمصار المسلمين في كون البسملة قرآنًا؟ وإذا كانت عند الشافعي قرءانا فهلا كفر مالكًا وأبا حنيفة في مخالفتهما له في ذلك كما يكفر هو وغيره من خالف في كون الحمد لله رب العالمين من القرآن؟ قيل لم يثبتها

الشافعي قرآنًا على حسب ما أثبت غيرها.
وإنما أثبتها حكمًا وعملًا لا دلالة اقتضت ذلك عنده سنوردها عليك.
فإثبات الشيء قرآنًا قطعًا ويقينًا حتى يُكفر من خالفه إنما يحصل بالنقل المتواتر الموجب للعلم الضروري الذي لا يمكن فيه اختلاف ولا امتراء.
ككون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن في أثناء سورة النمل.
وأما إثبات تعلق الأحكام بما اقتضاه مضمون ما نقل منه آحادًا كقراءة من قرأ في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات ففيه اضطراب بين أهل الأصول 1، هل يجب التتابع ويكون هذا كخبر واحد ورد بإيجابه أو لا يجب؛ وهذا يستقصى في كتب الأصول.
وأما إثبات مرتبة ثالثة تنخفض عن الأولى القطعية المُكفّر مخالفها، وترتفع عن هذا القسم الآخر الذي هو العمل بالمظنون بأن يثبت الوارد قرآنًا ويحكم -بكونه كذلك فيكتب في المصاحف ويُقرأ في المحارب عملًا بذلك كله- حكمًا 2 لا قطعًا ويقينا، يجب تكفير مخالفه، فهو 3 ما نحن فيه.
وقد اختلف الناس في بسم الله الرحمن الرحيم، فأثبتها الشافعي آية من أم القرآن.
واختلف قوله في إثباتها آية في غيرها من السور ولم يحك عن أحد من السلف إثباتها فيما سوى أم القرآن.
ويتبين من عندهم الآي سوى الشافعي وابن المبارك.
وذهب مالك وأبو حنيفة وداود إلى أنها ليست من القرآن في افتتاح شيء من السور أم القرآن أو غيرها.
وذكر عن أصحاب أبي حنيفة أن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور والتبرك بها للابتداء.
وإن هذا قول عدل من الأقوال.
واعلم أن ها هنا معان قد تتعارض في الظاهر فمنها ينشأ الخلاف.
أحدها أن القرآن معلوم قطعًا اعتنى الصحابة بنقله من جهة الطبيعة ومن جهة الشريعة.
فأما من جهة الطبيعة فإن في طباعهم الاعتناء بالبلاغات والاهتزاز لها والاهتمام

بحفظها وتدبرها والنظر فيها.
ولهذا كانت معجزتهم فصاحة بهرت عقولهم حتى انقادوا للإيمان بها مذعنين.
وأما من جهة الشريعة فلكون القرآن أصل هدايتهم وينبوع أحكامهم.
وحفظه وتلاوته عبادة من أجل عباداتهم وقربهم.
وإذا كان هذا هكذا وجب القطع على أن ما كان من القرآن شاع فيهم وظهر ونقلوه إلينا نقل أمثاله.
ولما لم ينقلوا كون البسملة قرآنًا كما نقلوا غيرها ولا ظهر ذلك فيهم كما ظهر في غيرها من الآي وجب القطع على أنها ليست من القرآن.
وهذا دليل معتمد به نرد نحن والشافعي ما زاده الروافض وأمثالهم في القرآن.
ونقطع على بطلان ما قالوه.
فهذه عمدة مالك وأبي حنيفة.
وأما عمدة الشافعي فإنه لما رأى تحفظ السلف لما كتبوا القرآن حتى كانوا يقولون جردوا القرآن.
ويكرهون النقط والتفاسير.
وكانوا إنما كتبوه حسمًا لمواد الزيادة والنقصان فيه.
وجب أن يكون ما اشتمل عليه قرآن.
وقد اشتمل على بسم الله الرحمن الرحيم.
والانفصال عن هذا أنا لم نفهم عنهم حين تسليم المصاحف إلينا أن البسملة من القرآن كما فهمنا ذلك عنهم في غيرها من الآي.
وكما لم نفهم ذلك عنهم ولا فهمه الشافعي في فواتح السور ونحن الآن نقول إن البسملة ليست من القرآن في افتتاح السور 1 ونحن مع هذا نشير إلى المصحف فنقول هذا القرآن ونطلق هذا الإطلاق في عصرنا هذا وفي غيره من الإعصار.
مع العلم بأننا ننكر كون البسملة من القرآن.
فإذا صح إطلاقنا هذا مع اعتقادنا ما قلناه، صح إطلاق الأولين مع كونهم معتقدين ما اعتقدناه مع أنها في المصاحف القديمة مكتوبة بخط على حدة غير متصلة بالسور.
وإفرادها بخط على حدة كالإشعار بأنها ليست من السورة.
وأيضًا فإن بعض المصاحف المبعوثة إلى البصرة والكوفة ليست فيها البسملة.
ولأجل هذا قرأ أبو عمرو وحمزة بترك الفصل ببسم الله الرحمن الرحيم.
فإن قالوا: فإن المصاحف اختلفت في قوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ في سورة الحديد، ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في سورة براءة وغير ذلك.
ثم لم يدل حذف الزيادة من بعض المصاحف على أنها ليست بقرآن.
فكذلك حذف البسملة من بعض المصاحف.
قلنا حذف

تلك الأحرف من تلك المصاحف لم يحدث اختلافا على أنها من القرآن، بل هي قرآن عند من كانت في مصحفه.
ومن لم تكن عنده.
والبسملة ينكر كونها قرآنا جمهور من كانت في مصحفه فضلًا عمن لم تكن في مصحفه.
وأما الأخبار الواردة في هذا فقد اختلفت وحاولت كل فرقة تأويل أحاديث الفرقة الأخرى.
فاحتج أصحابنا بقول أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
وهذا إن تأولوه على أن المراد به السورة من أولها.
وأولها البسملة منعهم من ذلك ما أخرجه مسلم عن أنس قال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان.
فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول القراءة ولا في آخرها 1. وهذا إن تأولوه على أنه كان يخفيها.
فإن ظاهره خلاف ذلك لأنه نفى الذكر على الإطلاق.
واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.
يقول العبد الحمد لله رب العالمين 2 -. والمراد بقوله قسمت الصلاة الفاتحة لأنه قد فسر المقسوم.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ 3. أي بالقرآن في صلاتك.
وقد تضمن الحديث ما يبتدىء به المصلي.
فلو كان بسم الله آية منها 4 لبدأ بها.
وأجابوا عن هذا بأنه إنما حذفها لأن الثناء الذي في البسملة يتكرر في قوله الرحمن الرحيم.
وأجيب عن هذا بأنه لو كان الحذف للاختصار لحذف الثاني خاصة حتى تكون البداية بالتي أنزلت بداية.
وأيضًا فإنما تكرر بعض البسملة.
ودليل آخر من هذا الحديث وهو أن البسملة لو كانت آية لما صح كون الفاتحة نصفين بين العبد 5 وربه كما ورد به الحديث.
وأجيب عن

هذا بأن المراد: نصفان من جهة العدد لا من جهة المعنى.
فالمعنى أن افتتاحها لله واختتامها للعبد.
ووسطها مشترك.
وهذا غير مسلم لأن ذكر القسمة والتنصيف وعد الآي يقتضي أن المراد بالحديث خلاف ما قالوه.
ولا وجه لحمل القسمة والتنصيف على غير ما يقتضيه اللفظ في اللغة إلا بدليل.
واستدل أصحابنا بقوله عليه السلام لأبي بن كعب أني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى أعلمك سورة 1 -الحديث- وفيه أنه سأله كيف تقرأ في الصلاة؟ قال فقلت الحمد لله رب العالمين إلى آخرها.
فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين قرأ الفاتحة.
فلو كانت البسملة منها لأنكر عليه تركها حين قرأ جملة الحمد لله دونها.
وأما المخالفون فلا يجدون خبرًا صحيحا ولا سقيما يثبتون به كونها آية في سائر القرآن.
بل اتفاق القراء على أن سورة الملك ثلاثون آية والكوثر ثلاث آيات.
والإخلاص أربع آيات، دليل على أنها ليست من كل السور.
إذ لو كانت من هذه السور لزاد عدد هذه السور على ما قلناه.
ولم يقل بالزيادة على ذلك أحد.
وأيضًا فإنها لو كانت من كل السور لم يحسن إثباتها بين سورة الفيل والتي بعدها.
لأن قوله تعالى: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ 2 كالتعليل: ﴿لإيلاف قريش﴾ 3. ولا يحسن الفصل بين العلة والمعلول بكلام غير مناسب لهما بل كالقاطع للربط بينهما.
ولكن ذكروا أخبارًا تعلقوا بها في كونها من أم القرآن.
منها أنه قرأ البسملة وعدها آية 4. ومنها أنه من ترك 5 بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله 6. وقد عد علي فيما عد من أم الكتاب ومنها أنه عليه السلام كان يقطع قراءته لبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب

العالمين 1. ومنها إذا قرأتم القرآن فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وأن بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها 2. ونسلك في الجواب عن أحاديثهم هذه ثلاثة طرق: أحدها أنها أخبار آحاد والقرآن لا يثبت بإخبار الآحاد.
وقد مر لنا من ذلك كفاية.
وهذا جواب كاف عن جميع الأحاديث.
والجواب الثاني: مبني على طريقة من قال من أصحاب أبي حنيفة أنها آية أنزلت للفصل بين السور ولم تنزل آية من أم القرآن.
وطريقة هؤلاء في الجواب عن الأحاديث أن يقولوا الأخبار النافية مبنية على أنها ليست من نفس السورة والأخبار المثبتة محمولة على أنها أنزلت للفصل إلا ما وقع من بعض ألفاظ في بعض الأحاديث تمنع من هذا البناء.
فإنهم ينكرون صحتها أو يتطلبون لها تأويلًا.
والطريقة الثالثة النظر في عين كل حديث فقوله: عدها آية معناه في الأجر والثواب، أو عدها آية على أنها من سورة النمل.
فأخذ كونها آية من هناك وبنى عليه العدد.
وقوله: يقطع قراءته ليس فيه تصريح بكونها من القرآن وإنما القصد به ضرب من الحكاية.
وقوله: إنها أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني ظاهره أن البسملة هي السبع المثاني، وقد علم أن البسملة ليست هي السبع المثاني، مع أن الحديث ضعيف.
وقوله فقد ترك آية من كتاب الله قد يتأول عندي على أن المراد به أنها آية من سورة النمل أو كالآية في الأجر والثواب، أو آية 3 أنزلت للفصل، لو قلنا كما قال أصحاب أبي حنيفة.
ولم يذكر في ماذا عُدت عليه فيكون نصًا في كونها من القرآن.
وهذه التأويلات وإن خرج في بعضها عن مقتضى ظاهر اللفظ فإن ذلك مما لا يضطر إلى الرجوع إليها والتعويل عليها لما قدمناه من أن أخبار الآحاد لا مدخل لها في هذا الباب.
وهو 4 الذي أغنانا أن

أذكر 1 لك صحتها أو سقمها ونكشف لك عن رواتها.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قال القاضي أبو محمَّد سرًّا أو جهرا تنبيها على اختلاف الناس في ذلك فقد قال الشافعي السنة أن يجهر بالبسملة.
وروي ذلك 2 عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة.
وقال مالك في المبسوط إن جهر بها في المكتوبة فلا حرج.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأحمد لا يجهر بها.
وروي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار.
وقال ابن أبي ليلى إن شاء جهر وإن شاء خافت.
فحجة من قال بالجهر قول نعيم بن عبد الله المجمر: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن وقبل السورة.
وكبر في الخفض والرفع وقال أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3. وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أتاني جبريل عليه السلام فعلمني الصلاة وقام فصلى بأصحابه وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" 4. وحجة من لم يقل بالجهر ما ذكر أنس أنه صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكانوا لا يجهرون بها 5. وعن ابن مسعود ماجهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة مكتوبة قط بالبسملة 6. وعن عبد الله بن المغفل أنه سمع ابنه يجهر بالبسملة 7 فقال: أي بني إياك والحدث في الإِسلام فإني صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر فكانوا لا يجهرون بالبسملة (7). وإذا أردت القراءة فقل الحمد لله رب

العالمين 1. وأيضًا فإن التسمية مذكررة على سبيل الثناء.
وسبيل الثناء المخافتة به على ما مر ذكره في التأمين.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في التعوذ فقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ.
ويتعوذ من قرأ في غير صلاة إن شاء.
وقال الشافعي يستحب التعوذ بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة.
واحتج أصحاب الشافعي بقول الخدري أن النبي عليه السلام كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم 2. وحجة أصحابنا ما تقدم من أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
وقال بعض أصحابنا في صفة التعوذ أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العلم.
واختار الشافعية 3 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
واختاره الثوري 4 وأضاف إليه إن الله هو السميع العلم.
وقال الحسن بن صالح وابن سيرين أعوذ بالسميع العلم من الشيطان الرجيم.
واختاره ابن حنبل.
وأضاف إليه إنه هو السميع العلم.
وحجة من أثبت هذه الزيادة قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ 5. وحجة الشافعية ما تقدم من حديث الخدري.
وقال بعض أشياخي إنما لم يتعوذ في الصلاة لأن افتتاحها بالتبكير يكون مطردة للشيطان.
كما أخبر في الحديث إن المؤذن إذا أذن أدبر الشيطان 6. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما قوله لا عند قراءة أم القرآن ولا في التي بعدها، فإنا قد قدمنا أن البسملة ليست من أم القرآن ولا في شيء

من السور التي تقرأ بعدها.
وأن الشافعي اختلف قوله في كونها من السور التي تقرأ بعد أم القرآن ولم يختلف قوله في أنها من أم القرآن.
وأما التعوذ فعند الشافعي أن محله بعد دعاء الاستفتاح 1 وقبل القراءة.
ولمالك فيمن قرأ في الصلاة أنه يتعوذ بعد أم القرآن.
وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي التعوذ بعد القراءة.
واحتج ابن سيرين بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 2. وأجيب عن هذا بأن المراد إذا أردت قراءة القرآن.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
أي إذا أردتم القيام إليها.
والتعوذ يختص بالركعة الأولى عند أبي حنيفة، والشافعي.
وقال ابن سيرين بل يتعوذ في كل ركعة.
وقيل إن هذا قول آخر للشافعي.
فمن قال بتكرره رآه كالتأمين لما كان من توابع القراءة، ككون التأمين من توابعها.
واحتجت الشافعية بأنه كدعاء الافتتاح فوجب أن لا يتكرر.
وفُرق بينهما بأن دعاء الافتتاح يراد لافتتاح الصلاة وذلك لا يتكرر.
والتعوذ يراد للقراءة.
والقراءة تتكرر.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: البسملة لا تقرأ في الفرائض 3. ويجوز قراءتها في النوافل.
وقال ابن نافع لا يدعها في فرض ولا نفل.
وهذا المذهب إنما يليق بمذهب الشافعي الذي قدمناه.
واختلف المذهب فيمن قرأ السورتين بعد أم القرآن.
فروى ابن وهب عن مالك أنه يفصل بينهما بالبسملة.
وقال أشهب لا يؤمر بذلك.
وإلى هذا المذهب أشار القاضي أبو محمَّد هنا بقوله إن شاء فصل بين السور.
والذي عندي في هذه المسألة أن إطلاق القول فيها لا يحسن حتى يعلم لمن يقرأ 4 القارئ.
فإن القراء السبعة مختلفون في الفصل بين السور بالبسملة.
فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها.
فإذا قرأ القارئ برجل من السبعة فينبغي أن يقرأ له على حسب ما روي عنه من الفصل أو تركه.

قال القاضي رحمه الله تعالى: والمختار من قدر القراءة في الصلاة مختلف لاختلاف أعيانها.
وهو على ثلاثة أضرب: إطالة وقصر وبينهما.
فالإطالة في الصبح والظهر.
ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل أو ما زاد عليه بقدر ما يحتمله التغليس ولا يبلغ به الأسفار.
والظهر تليها في ذلك وتقاربها 1. ويستحب التخفيف في العصر والمغرب.
ويستحب في العشاء الآخرة بين القراءتين.
والصلوات في الجهر والإسرار على ثلاثة أضرب منها: ما يجهر في جميعها وهي الفجر والجمعة.
ومنها ما يسر في جميعها وهي الظهر والعصر.
ومنها ما يجمع الأمرين وهو المغرب والعشاء.
وهذا 2 حكم الفرائض.
فأما 3 النوافل فتذكر فيما بعد.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة ما قال؟.
2 - وهل تقدر الإطالة والقصر والتوسط؟.
3 - وهل الظهر كالصبح؟.
4 - وهل العصر كالمغرب؟.
5 - وهل الركعة الأولى مثل الثانية أم لا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على صحة ما قاله في هذا الفصل نقل الخلف له عن السلف وظهور العمل به في سائر الأعصار 4. وما نقل هذا النقل فينبغي اتباعه كما عولنا في عدد الركوع والسجود على النقل المستفيض.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قدر أصحابنا القراءة في الصبح

بطول المفصل.
وقالت الشافعية باستحباب طوال المفصل مثل: ق والذاريات ونحوهما.
وقال أبو حنيفة يقرأ في الأولى من ثلاثين إلى ستين.
وفي الثانية من عشرين إلى ثلاثين.
وقد استدل من اختار طوال المفصل مما روي أنه قرأ في الصبح والنخل باسقات.
وقرأ في صبح يوم الجمعة ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان.
وأما العشاء الآخرة فتقدر القراءة فيها بإذا الشمس كورت ونحوها 1. وعند الشافعية بأوساط المفصل كالجمعة والمنافقين ونحوهما.
وقال أبو حنيفة يقرأ في الأوليين في كل ركعة بعشرين آية غير فاتحة الكتاب.
وقال ابن حنبل خمس عشرة آية.
واحتجت الشافعية بأنه روي أنه عليه السلام قرأ في العشاء الآخرة بالجمعة والمنافقين 2. والحجة لنا فيما آخترناه قوله عليه السلام لمعاذ لما شُكيت إليه إطالته في صلاة العشاء أفتّان أنت يا معاذ؟ وذكر أنه قال له اقرأ بسورة كذا وكذا قال بسورة والسماء ذات البروج والليل إذا يغشى والسماء والطارق وهل أتاك حديث الغاشية 3. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف أصحابنا في الصبح والظهر فقال أشهب الظهر نحو الصبح.
وقال يحيى الصبح أطول.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: العصر والمغرب عندنا متساويتان يخفف فيهما.
وتقدر القراءة بإحدى السور التي من والضحى إلى آخر القرآن.
ويستحب أن يقرأ الإِمام بأطول ذلك في العصر.
وعند الشافعية أن العصر كالعشاء.
وكذلك عند أبي حنيفة.
وقد ذكرنا ما قدروه في القراءة في العشاء فالعصر عنده مثل ذلك 4.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قال في المختصر لا بأس أن

يقرأ في الثانية بأطول من قراءته في الأولى.
وقال في الواضحة: الصبح والظهر نظيران في طول القراءة.
ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول.. وظاهر 1 هذا أن المذهب على قولين.
وكذلك اختلفت الشافعية على قولين.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يستحب أن تفضل الأولى على الثانية في صلاة الصبح خاصة.
وقال الثوري ومحمد يستحب ذلك في جميع الصلوات.
فحجة من قال بالمساواة قول الخدري حزرنا قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر 2 ثلاثين آية 3 ولأن الأخريين تساويًا في القراءة 4 فكذلك الأوليان.
وحجة من قال بالتفصيل قول أبي قتادة أن النبي عليه السلام كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية 5. وقد تأولت الشافعية هذا الحديث على أن المراد به إطالة الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ.
وقد تقدم ذكر مذهبهم في دعاء الافتتاح.
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة فيما قرأ به.
منها قراءته في المغرب بأطول الطوليين 6. وأيضًا بالطور.
وأيضًا بالمرسلات.
وفي الصبح بالمؤمنين حتى أخذته سعلة قبل إكمالها 7. وقرأ الصديق في الصبح بالبقرة 8. ولم يفسر الناقل هل قسمها بين الركعتين أو كررها فيهما؟ والظاهر أنه لو كررها لخرج الوقت، بل ربما أن قسمتها إلى أن لا يفرغ منها حتى يسفر.
وقرأ عمر في الصبح بيوسف والحج 9. وكان عثمان يقرأ فيها بيوسف 10. وعن

النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث أخر تقتضي التخفيف.
وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها وما تأولت عليه فيما أمليناه على البخاري.
فمن أحب الوقوف عليه فليلتمسه هناك.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والمصلون ثلاثة: إمام ومأموم ومنفرد.
وهم في أداء الصلاة على ثلاثة أضرب: أحدها يشتركون في الخطاب لفعله، والآخر يختص به الإِمام والمنفرد، والآخر يختص به المأموم دونهما.
وليس في ذلك ما يختص به الإِمام دون المنفرد إلا مواضع لا يتصور مقصودها على 1 الانفراد على ما نبينه.
فمما يخاطب به الجميع: النية والإحرام والركوع والسجود، والفصل بينهما والجلوس والتسليم المفروض، وجميع الهيئات.
والذي ينفرد به الإِمام والمنفرد وجوب القراءة والجهر بها، وسجود السهو.
وفعل التسليم واحدة والذي ينفرد به المأموم سقوط فرض القراءة وسجود السهو وفعل التسليمة الثانية.
ونحن نذكر صفة أداء الصلوات كلها على سياقه 2 وإن طال ليتضح به ما ذكرناه.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما الدليل على ما قال؟.
2 - وما معنى قوله إن الإِمام لا يختص دون المنفرد إلا فيما يتصور مقصودها في الانفراد؟.
3 - وما معنى عده سجود السهو فيما يختص بالإمام والمنفرد؟.
4 - ولم لم يكتف بوجوب القراءة عند ذكر الجهر بها؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: يستدل على صحة ما قاله بما أوردناه في عين كل مسألة أشار إليها وبما نورده فيما بعد.
وقد ذكرنا الدلالة على جميع ما عدده فيما يخاطب به الجميع فيما تقدم.
فلا معنى لإعادته.

وذكرنا الدلالة على سقوط فرض القراءة عن المأموم وذكرنا حكم تسليمته الثانية.
وإنما يصح عند القاضي أبي محمَّد التسليمة الثانية فيما ينفرد به المأموم، على أحد القولين عندنا: أن الإِمام والمنفرد يسلمان واحدة.
وأما على القول الذي قدمناه: أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين، فلا تعد التسليمة الثانية فيما ينفرد به المأموم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما إشارة القاضي أبي محمَّد إلى مواضع لا يتصور مقصودها في الانفراد فإنها حمل الإِمام القراءة وسجود السهو عن المأموم، فإن هذا العمل يختص به الإِمام ولا يتصور في المنفرد.
إذ المحمول عنه معدوم عند المنفرد.
فتصور العمل من غير محمول لا يمكن.
وكذلك أيضًا اعتقاد الإِمام الإمامة في الجمعة، وصلاة الخوف ينفرد به الإِمام دون المنفرد لأن المنفرد عبارة عمن ليس معه أحد يأتم به.
ومن لا أحد معه لا يتصور منه اعتقاد الإمامة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: معنى قول القاضي أبي محمَّد أن المأموم يسقط عنه فرض القراءة وسجود السهو أن الإِمام يحمل عنه نسيان بعض أفعال الصلاة فلا يلزمه لأجل نسيانه سجود ولو كان منفردًا للزمه ذلك.
فإن قيل إن المأموم يسجد مع الإِمام إذا سجد للسهو ويخاطب المأموم بذلك.
فتراه لم يسقط عن المأموم.
قيل إنما يسجد لمتابعة الإِمام لأن سجوده عوض عما ترك بدليل أنه يسجد مع الإِمام للسهو وإن لم يسه هو بنفسه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما لم يكتف القاضي أبو محمَّد فيما عده من خصائص الإِمام بقوله وجوب القراءة عن قوله والجهر بها.
لأن وجوبها يسقط وقد يبقى مع سقوطها الندب إليها على قول من قال من أصحابنا إن المأموم يقرأ في صلاة السر دون صلاة الجهر فقد اختص الجهر بالسقوط دون السر في هذا الموضع وإن كان وجوب القراءة ساقطًا عن المأموم في السر والجهر.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: فنقول والله الموفق أن وجوب استقبال

القبلة واعتقاد نية الفريضة يستوي فيه 1 الصلوات كلها والمصلون كلهم.
وينفرد المأموم باعتقاد 2 الائتمام ولا يلزم الإِمام أن ينوي الإمامة إلا في الجمعة وصلاة الخوف.
ولا يجوز للمأموم أن يخالف الإِمام في اعتقاد نيته في الفرض 3 ولا في النفل ولا في غير الصلاة التي يأتم به فيها إلا أن يكون المأموم متنفلًا فله أن يأتم بمفترض.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل قوله في استقبال القبلة أن الصلوات كلها تستوي فيه على إطلاقه 4 أم لا؟.
2 - وما الدليل على أن المأموم يلزمه اعتقاوإلائتمام؟.
3 - وما الدليل على أن الإِمام لا تلزمه نية الإمامة؟.
4 - ولم استثنى من ذلك الجمعة وصلاة الخوف؟.
5 - وما الدليل على أن المأموم لا يجوز له أن يخالف الإِمام في النية؟.
6 - ولِمَ استثنى من ذلك اقتداء المتنفل بالمفترض؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: مراده بقوله تستوي فيه الصلوات كلها والمصلون كلهم صلاة الفرض.
لأن النفل على الدابة في السفر لغير القبلة يجوز على ما قدمنا 5. وقد ذكر مع وجوب استقبال القبلة اعتقاد نية الفريضة؟ واعتقاد نية الفريضة لا تمكن في النوافل.
فدل على أن مراده ما قلناه.
وكذلك قوله والمصلون كلهم إنما يريد به مع إمكان استقبال القبلة لأن المسايف الذي لا يمكنه الاستقبال يسقط فرض القبلة عنه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: لما كان معنى الائتمام القصد

لمتابعة الإِمام وجب على المأموم أن ينوي ذلك.
لأنه إما أن يقال لا يتابعه في الركوع والسجود فهذا، مَن فعله ولم يتابع الإِمام على شيء، فهذا إنما صلى منفردًا.
ونحن كلامنا فيمن صلى مؤتمًا.
وإن اتفق مقارنة أفعاله لأفعال الإِمام من غير قصد فهذا غير مؤتم أيضًا ولا مقتد.
على أنه يبعد في العادة أن تتقارن سائر أفعال الصلاة اتفاقًا.
وإن قارنت الأفعال الأفعال بقصد لذلك.
وتعمد له، فهذا معنى النية.
ولا بد من افتتاح الصلاة بها لئلا يمضي جزء من الصلاة لم يقصد 1 فيه المتابعة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الإِمام هل عليه أن ينوي الإمامة؟ فقال مالك ليس ذلك عليه.
وقال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق يجب ذلك عليه.
ومتى لم يفعل لم تصح صلاة المأموم.
وقال أبو حنيفة يلزمه ذلك إذا أم النساء ولا يلزمه إذا أم الرجال.
فحجة من لم يشترط: حديث ابن عباس.
والظاهر فيه أن ابن عباس دخل معه في الصلاة بعد أن أحرم.
وظاهر هذا أنه عليه السلام لم يفتتح الصلاة بنية الجماعة.
وقول أنس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه فجاء رجل إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كنا رهطًا.
فلما أحس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة.
الحديث.
وحجة من أوجب نية الإمامة قوله عليه السلام: الإِمام ضامن 2. وإنما يكون الضمان بعد العلم.
ولأنه يحمل القراءة فوجب أن يقصد الإمامة ليصح العمل.
وأجيب عن هذا بأن الضمان ها هنا لا يشترط فيه العلم، وإنما يضمن ما يتحمله وهو القراءة 3 والسهو.
وحمل هذا لا يفتقر إلى نية.
ألا ترى أنه لو نوى الإمامة ونوى أن لا يحمل القراءة (3) لم تؤثر نيته هذه في صحة العمل.
وأما تفرقة أبي حنيفة بين الإمامة للنساء والإمامة للرجال، فإنه إنما يعتمد في ذلك على أن صلاة المرأة إلى جانب الإِمام يفسد صلاتها، وصلاة الإِمام.
وهذا يقتضي أن على الإِمام تأخيرها

عنه 1 لتصح صلاته.
وهذه زيادة فرض عليه لا يلزمه إلا بالقصد للإمامة.
فلو أجزنا إمامته لها من غير قصد لأثبتنا عليه فرضًا لم يلتزمه 2. ولم يقصد إليه وليس هو ثابتًا في الأصل.
وهذا الذي بني عليه أبو حنيفة لا نسلمه له.
وسنتكلم على قوله بفساد الصلاة لأجل مقام المرأة هذا المقام.
وإذا أوضحنا فساد الأصل فسد ما بني عليه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما استثنى صلاة الجمعة والخوف لأن صلاة الجمعة من شرطها الجماعة ولا تصح إلا بها فلما كانت الجماعة من شرط الصحة افتقر إلى القصد إلى ما هو شرط الصحة.
ووجبت النية فيه.
وأما صلاة الخوف فإنما أوجبوا فيها ذلك، عندي؛ لأن الإِمام يقيم الصلاة بين الطائفتين وينتظر الطائفة الأخرى 3، وهذا لا يكون إلا مع العلم والقصد.
هذا وجه ما قالوه في ذلك.
ويلحق بهاتين المسألتين الاستخلاف.
فإن الإِمام الذي أحدث فاستخلف افتقر إلى قبول المستخلف للاستخلاف وقبوله لذلك 4 يتضمن نية الإمامة أيضًا في تحصيل فضيلة الجماعة.
لأن الإِمام إنما يكتب له فضل الجماعة إذا نواها.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: عندنا أن من شرط صحة صلاة المقتدي أن يوافق الإِمام في النية إلا فيما استثناه من جواز اقتداء المتنفل بالمفترض.
وقال الشافعي ليس ذلك بشرط في الصحة.
وقد خرج بعض شيوخنا مثل هذا، من القول عندنا بجواز إمامة الصبي في الفرائض.
وخالفه غيره من الأشياخ وتردد فيه لاعتقاد الصبي نية الفرض.
وقد قال بعض أصحابنا فيمن افتتح الصلاة ورأى من هو في خامسة ساهيًا أن صلاته لا تصح.
قال ولو قلنا بصحة صلاته لم نناقض بذلك لأن الإِمام صلاه بنية الوجوب.
وهذا الذي قاله فيه إشارة إلى الذي تردد فيه بعض الأشياخ.
ودليلنا قوله إنما جعل الإِمام

ليؤتم به فلا تختلفوا عليه 1. واختلاف النيات ضرب من ضروب المخالفات.
ولأن الاقتداء يقتضي المشاركة حتى تصير الصلاتان في معنى الصلاة الواحدة ولا يمكن ذلك إلا بأن يمكن 2 الإِمام على تحريمته صلاة المأموم.
والإمام إذا أحرم بالنفل لا يمكنه أن يبني على هذه التحريمة صلاة الفرض التي يفعلها المأموم.
ولما لم يمكن ذلك واستحالت المشاركة والاتحاد، وجب المنع من اختلاف النيات.
ويحتج الشافعي بحديث معاذ وقد ذكر فيه أنه كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يصليها بقومه 3. وأجيب عن هذا بأنه لم ينقل أن النبي عليه الصلاة والسلام علم 4 بذلك فأقره.
ولو علم به فأقره لأمكن أن يكون معاذ صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بنية النفل وصلى بقومه بنية الفرض.
وقد ردوا هذا بأنه قد قال في بعض طرقه: فكانت له نافلة وكانت لهم فريضة.
وأجيبوا عن هذا بأنه تأويل من الراوي وقد يغلط فيما تأول على معاذ.
ويحتج أيضًا بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين 5. والظاهر أن الثانية كانت نفلًا.
وأجيبوا عن هذا بأن يمكن أن يكون صلى صلاة الخوف حضرا أو كان مسافرًا فنوى الإقامة حتى تكون الأربع هي فرضه.
ويحتج أيضًا بإمامة عمرو بالناس وه وابن سبع سنين 6. وأجيبوا عن هذا بأنه لم يذكر أنه عليه السلام علم به فأقره.
ولعله كان في مبدإ الإِسلام قبل وجوب القراءة.
وتعلق صلاة المأموم بصلاة الإِمام، أو لعله كان في النفل.
وتعلقوا أيضًا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بالناس صلاة الفجر فسمع صوتًا حدث من خلفه، فلما فرغ قال عزمت على من أحدث أن يتوضأ ويعيد.
فلم يقم أحد فقال جرير بن عبد الله البجلي: رأيت يا أمير إن توضأنا كلنا وأعدنا الصلاة.
فقال عمر لم تزل مد كنت سيدا في الجاهلية

فقيهًا في الإِسلام.
ففعلوا كذلك.
وأجيبوا عن هذا بأنه لم يذكر أن عمر أمّ بهم ثانية.
بل الظاهر أنه لم يفعل لأنه كان لا يرى بعد صلاة الفجر التنفل حتى تطلع الشمس.
مع أنه يعارض بقول كثير بن أفلح قدمت المدينة ولم أكن صليت الظهر فدخلت المسجد وهم يصلون فصليت معهم الظهر.
فلما فرغوا علمت أنهم كانوا في العصر، فقمت فصليت الظهر ثم صليت العصر ثم سألت عن ذلك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلهم أفتوا بما صنعت.
واحتجوا من جهة المعنى بأن صلاة الجماعة إنما شرعت للبعد عن الغفلة والسهو بما يلتزم من مراقبة فعل الإِمام، والسهو بعيد عن الجماعة مع ما في الاجتماع والتكاثر على الفعل من تعظيمه في النفوس وإثارة الخشية والخضوع فيها.
وهذا إنما يحصل بالمطابقة على الأفعال الظاهرة.
وأما النيات فلا يطلع عليها إلا الله فيقدر المتابعة فيها مع أن النية تكون عند الإحرام.
والمتابعة والاقتداء أمر يحدث بعد ذلك.
فلم يكن للنية فيه مدخل.
وأجيبوا عن هذا بأن صفة الصلاة لا تتميز عن الصلاة.
فإذا وجبت المشاركة في الأصل وتقدير الاتحاد فيه وجب ذلك في صفته 1 التي لا تتميز عنه.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما استثنى صلاة المتنفل خلف المفترض لما كنا أشرنا إليه من أن الاقتداء إنما يحصل متى أمكن الإِمام أن يبني على إحرامه صلاة المأموم.
ومن أحرم بالظهر لا يمكن أن يبني على إحرامه صلاة العصر.
ومن أحرم بالنفل لا يمكن أن يبني على إحرامه صلاة الفرض.
فأما من أحرم بالفرض فيمكنه أن يبني عليه صلاة النفل كمن أحرم بظهر فرض ثم علم أنه صلاها فإنه يفعل الذي يفعل من هذه الصلاة بعد ذكره بنية النفل.
فلما أمكن ن يبني فعل النفل على إحرام الفرض صحت إمامة المتنفل بالمفترض.
ولما لم يكن أن يبني فعل الفرض على إحرام النفل لم تصح صلاة المفترض خلف المتنفل.
وقد تردد 2 بعض أصحابنا في جواز صلاة ناذر ركعتين

خلف متنفل بهمالك ون النذر أخفض رتبة من الفرض وللنظر فيما قال مجال.

قال القاضي رحمه الله: ومن أحرم بصلاة الصبح رفع 1 يديه حذو منكبيه.
والإمام 2 والمنفرد يعقبان التكبير بقراءة أم القرآن وسورة من الطوال جهرا على ما قدمناه في كلتي الركعتين.
والمأموم 3 سنته بعد التكبير الإنصاف والاستماع.
ومن لا يحسن أم الكتاب صلى خلف من يحسنها.
فإن لم يقدر كبر واعتدل وسبح إن أحسن ثم ركع، ولا يجوز 4 أن يؤم من يحسنها وعليه أن يأتم به.
إلا أن لا يصلح للإمامة.
ويجوز أن يؤم مثله.
ومن فرغ منهم من قراءة أم القرآن أمّن المنفرد والمأموم.
والأفضل للإمام الاجتزاء بتأمين المأموم، والاختيار إخفاء التأمين.
وإذا فرغ من القراءة كبروا للركوع 5 واعتدلوا فيه ورفع جميعهم منه.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: جميع ما اشتمل هذا الفصل عليه قد مضى القول فيه مستوعبًا في مواضعه؛ لأنا قدمنا الكلام على رفع اليدين وجميع ما يتعلق به ونفينا التوجه الفاصل بين التكبير والقراءة.
وذكرنا مقدار القراءة، وذكرنا حكم الأمي وحكم التأمين.
وقول القاضي أبي محمَّد ها هنا في الأمي: ولا يجزيه أن يؤم من يحسنها قدمنا الكلام عليه لما ذكرنا اضطراب المذهب في صحة صلاة الأمي مع وجود القارئ.
فمن اختار أن يقف على قولنا في هذه الفصول فله طلبه في مواضعه المتقدمة يجد فيه قولًا شافيا.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: فأما الإِمام فيقول 6: إذا رفع رأسه سمع الله لمن حمده ولا يقول ربنا ولك الحمد.
والمأموم لا يقول سمع

الله لمن حمده ويقول اللهم ربنا ولك الحمد.
والمنفرد يجمع الأمرين ثم يكبر للسجود ويجلس منه، ثم يسجد الثانية.
وإذا أهوى 1 للسجود فإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن وضع اليدين ابتداء أحسن.
وينهض من السجود قائمًا لا يقعد.
ثم يقوم إلا أن يضطر إلى 2 ذلك، لمرض أو ضعف.
ويفعل في الثانية من القراءة مثل ما فعل 3 في الأولى.
إلا أنه يقنت إن شاء قبل الركوع، وإن شاء بعده.
واختاره مالك رحمه الله قبله من غير تضييق.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما معنى سمع الله لمن حمده؟.
2 - وهل يقتصر الإِمام عليه أم لا؟.
3 - وهل يقتصر المأموم على ربنا ولك الحمد أم لا؟.
4 - وما المختار من لفظ المأموم عندنا؟.
5 - ولمَ جمع اللفظتين المنفرد؟.
6 - ولمَ اختار في السجود البداية بوضع اليدين؟.
7 - ولمَ نهي القائم من السجود عن القعود؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف في معنى قول المصلي سمع الله لمن حمده.
قال بعض أصحابنا معناه الدعاء.
وكأن هذا القائل يشير إلى أن المراد به الدعاء بقبول التحميد.
وقال بعض الأشياخ المراد به الحث على التحميد وإليه مال بعض الحذاق من غير أصحابنا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشهور من المذهب عندنا اقتصار الإِمام على القول: سمع الله لمن حمده.
وقال ابن نافع وعيسى ابن دينار بل يضيف إليه ما يقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، وبه قال الشافعي.
فحجة القول المشهور عندنا قوله عليه السلام في الإِمام وإذا قال سمع

الله لمن حمده فقدلوا ربنا ولك الحمد 1. وهذا يقتضي اقتصار الإِمام على القول: سمع الله لمن حمده.
لأنه خص كل واحد من الإِمام والمأموم بقول ما.
فلو كان كل واحد منهما يقول ما يقوله صاحبه لم يكن لهذا التخصيص فائدة.
وهذا نحو ما قلناه في نفي التأمين من أن قوله إذا قال: ولا الضالين فقدلوا آمين، يقتضي اقتصار الإِمام على ذلك، وأنه لا يؤمّن.
وقد قدمنا ما قيل في ذلك.
ولأن معنى سمع الله لمن حمده: الحث على التحميد، فيجب أن يكون الإِمام مختصًا بالحث على ذلك والمأموم مختصًا بالمجاوبة له 2 عما حث عليه بأن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد.
ويكونان في ذلك كالداعي والمؤمّن.
ووجه القول من أن الإِمام يجمعهما ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يقولهما 3 وانفصل عن هذا بأنه يحتمل أن يكون ذلك كان في صلاة انفرد بها - صلى الله عليه وسلم -.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يقتصر المأموم في المشهور من المذهب عندنا على القول: اللهم ربنا ولك الحمد.
وقال ابن نافع وعيسى بل يجمع بين ذلك وبين القول: سمع الله لمن حمده.
وبه قال الشافعي.
وقال الثوري وأحمد ومحمد وأبو يوسف يجمع بينهما الإِمام ولا يجمع بينهما المأموم.
فخرج من مجموع ذلك: أن الشافعي يرى أنهما يجمعان بينهما.
ومالك وأبو حنيفة لا يريان لهما الجمع بينهما.
والثوري ومن ذكرنا معه يرون الجمع بينهما للإمام دون المأموم.
ودليلنا ما قدمناه من الحديث والمعنى.
فلا معنى للإعادة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك.
فروي عنه أن المختار أن يقول المأموم اللهم ربنا ولك الحمد.
فكأنه اختار هذا لأنه كان أعم فائدة.
وتنزل تنزيل كلمتين تقديرهما اللهم استجيب لنا ولك الحمد.
وروي 4 عنه: اللهم ربنا لك الحمد بحذف الواو.
وقد اختلفت الأحاديث

ففي بعضها اللهم ربنا ولك الحمد وفي بعضها اللهم ربنا لك الحمد.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المنفرد فيجمع بين اللفظتين: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.
ورأيت بعض أصحاب أبي حنيفة ذكر أنه قد روي عن أبي حنيفة أن المنفرد لا يجمع بينهما، وكأنه قدر أن القول: سمع الله لمن حمده حث على التحميد، والحاث على ذلك لا يؤمر بأن يجاوب نفسه.
ونحن لما رأينا أن المنفرد لا مجاوب له أمرناه بأن يجاوب 1 نفسه.
ولهذا المعنى جمع المنفرد بين اللفظتين بخلاف المأموم.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في المختار لمن أهوى بالسجود هل يبدأ بوضع يديه أولًا أو ركبتيه؟ فروي عن مالك أنه لم يحد في ذلك حدًا.
وروي عنه أن المختار أن يبدأ بوضع يديه.
وعند أبي حنيفة والشافعي المختار البداية بركبتيه.
فدليلنا حديث أبي هريرة لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه 2. واستدل المخالف بحديث أبي وائل أنه عليه السلام كان إذا أهوى للسجود وضع ركبتيه قبل يديه فإذا نهض رفع ركبتيه قبل يديه 3. ويقول سعد كنا نضع أيدينا قبل ركبنا 4 فنهينا عن ذلك وأمرنا أن نضع ركبنا قبل.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في رافع رأسه في سجود ركعة وتر.
فقال مالك وأبو حنيفة لا يؤمر بجلوس قبل قيامه.
بل يستوي قائمًا من غير جلوس.
وقال الشافعي بل يجلس جلسة خفيفة.
ودليلنا حديث وائل بن حجر أنه عليه السلام كان إذا رفع رأسه من السجود يستوي قائمًا 5.

ولأنه لو كان الجلوس مسنونًا لسن فيه ذكر كالتشهد في الجلستين.
ولا ينقض هذا بالجلسة بين السجدتين؛ لأنها ليست بمسنونة على القول الذي قدمناه عندنا.
ولا نسلم أن التكبير ذكر شرع لهذه الجلسة التي قالوها.
واستدل الشافعي بوصف أبي حميد لصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر أنه كان يجلس 1. وأجيب عن هذة بأنه يحتمل أنه يكون ذلك عندما أسن - صلى الله عليه وسلم - وثقل عليه القيام من غير جلوس.
أو فعل ذلك في بعض الصلوات لمرض أصابه.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ودعاء القنوت على نحو ما ورد في الحديث: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونخضع لك ونخنع 2، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك لا يذل من واليت ولا يعز ما عاديته تباركت وتعاليت".
هذه الألفاظ وما يقاربها، وإن كان في نفسمعاجة دعا الله تعالى بها وكل ذلك سر.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - هل للقنوت دعاء مخصوص معين أم لا؟.
2 - وما تصير الألفاظ الغريبة التي وقعت في المستعمل منه؟.
3 - وهل يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء على الإطلاق؟.
4 - وما محل الدعاء من الصلاة؟.
5 - ولمَ اختار إخفاءه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: ليس عندنا في القنوت دعاء معين ولا نوقت فيه قولًا ولا مقدارًا من الوقوف.
وقد اختلف الناس فيما يختار منه.

فذكر القاضي أبو محمَّد ما في كتابه هذا.
وقد روي أن جبريل 1 عليه السلام علم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا القنوت، وهو: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق".
وقالت الشافعية الدعاء المسنون في القنوت: "اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فمين توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا 2 شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" 3 فما زاد على ذلك فهو حسن.
واحتجوا بقول الحسن بن علي رضي الله عنه كلمات علمنيهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ادعو بهن في القنوت: "اللهم اهدنا فيمن هديت وذكر ما قلناه" 4.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قوله نخنع أي نخضع ومعنى قوله نخلع أي نخلع الشركاء والأنداد.
ومعنى نحفد أي نبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع فيه.
يقال حفد الحادي وراء الإبل إذا أسرع، ودارك خطوه.
ومنه قيل للعبيد والإماء حَفَدة لأنهم يسرعون إذا مشوا للخدمة.
قاله ابن قتيبة.

وقال غيره معناه نخدم.
يقال حفد العبد يحفد حفدًا إذا خدم.
وقال أبو عبيد يقال حفد وأحفد بمعنى.
وقال طاووس في قوله تعالى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ 1 أن الحفدة الخدم.
وإن كان قد خولف في ذلك.
وقال ابن مسعود هم الأَخْتَانُ.
وقال عكرمة هم بنو الرجل، من نفعه منهم.
وقال الضحاك هم بنو المرأة من زوجها الأول.
ومعنى الجد بكسر الجيم الحق.
ومعنى ملحق أي لاحق.
يقال ألحقت القوم بمعنى لحقتهم.
قال ابن قتيبة هكذا يروى هذا الحرف.
ومن قال ملحق بفتح الحاء أراد أن الله يُلحقه إياهم.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهب مالك والشافعي جواز الدعاء في الصلاة بما في القرآن من الأدعية وبما ليس فيه منها، خلافًا لأبي حنيفة من قصره الإجازة على ما ورد في القرآن، والأدعية المأثورة.
وإن من أصحابه من قال إن دعا بما لا يطلب إلا من الله جاز.
وإن دعا بما يطلب من الآدميين بطلت صلاته.
وروي ذلك عن الحسن.
وروي عنه أيضًا أنه أباح الدعاء في التطوع وكرهه في المكتوبة.
وقال عطاء والنخعي يكره أن يسمي من يدعو له باسمه في صلاته.
ولنا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 2 فهذا على عمومه.
وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة بما ليس في القرآن كقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" 3. وقوإنفصلوا عن هذا بأنه يشبه أدعية القرآن إذ ليس فيه تسمية أحد، فيقال لهم قد سمى ناسًا في دعاء آخر.
منهم الوليد بن هشام وعياش بن أبي ربيعة.
وقد تعلق المخالف بقوله في حديث معاوية بن الحكم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين 4. وأجاب بعض أصحابنا عن هذا بأن محمله على الكلام المعهود في المخاطبة.
وهو وإن كان إنما قال يرحمك الله فإنا لا نجيز مثل هذا لأنه مخاطبة لإنسان.
وقال بعض

أصحابنا إن قال يا فلان يرحمك الله فإنه كالمتكلم لما افتتح دعاءه بالنداء لإنسان.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الدعاء في الصلاة جائز إلا في ثلاثة مواضع: عَقِيب الإحرام قبل أن يقرأ.
وعقيب الجلوس قبل أن يتشهد.
وفي الركوع.
وقد قدمنا أن ابن شعبان حكى عن مالك الفصل بين الإحرام والقراءة بالتسبيح الذي حكيناه.
قال بعض أشياخي ويتخرج عليه جواز الدعاء.
ومال إليه لقول أبي هريرة رضي الله عنه يا رسول الله ما تقول في إسكاتتك هذه.
فذكر له الدعاء الذي يقوله حينئذ 1. وقال أيضًا شيخنا هذا: لا يكون الدعاء في الركوع ممنوعًا لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم اغفر لي يتأول القرآن 2. ووقفت لأبي مصعب على جواز الدعاء في الركوع.
واستحبت الشافعية أن يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وارفعني واجبرني وارزقني واهدني للسبيل الأقوم وعافني.
وليس عندنا ولا عند أبي حنيفة فيه ذكر مسنون.
واحتجت الشافعية بما روى ابن عباس أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا رفع رأسه من السجود: اللهم اغفر لي وذكر الحديث إلى قوله واهدني.
وزادت أم سلمة للسبيل الأقوم وعافني 3. قالوا ولأنه جلوس يشرع فيه الاستقرار فشُرع فيه ذكر مسنون كجلوس التشهد.
ولا يلزم أن يكون الذكر تشهدًا كما لم يلزم أن يكون الذكر المشروع في قيام القنوت قرآنًا.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما استحب السر في الدعاء في القنوت وما أضاف إليه لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 4 وقد

أثنى الله تعالى على زكرياء فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ 1. ولأن الخفوت وضعف الصوت يدل على استيلاء الهيبة على النفس فكان أولى أن يستعمل في طلب الحاجات من الله سبحانه.
وقد تقدم هذا المعنى فيما سلف.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ثم يركع ويسجد ويجلس على ما بيناه، فإذا 2 فرغ من تشهده سلم الإِمام والمنفرد واحدة، والمأموم اثنتين، ينوي بالأولى التحليل وبالثانية الرد على الإِمام.
وإن كان على يساره من سلم 3 عليه نوى الرد عليه.
فأما الظهر فليست تفارق الصبح في الأداء إلا في الأسرار.
والاختيار للمأموم أن يقرأ إذا أسر إمامه ويؤمّن الإِمام فيما يسر فيه ويكبر القائم من اثنتين بعد اعتداله في القيام بخلاف التكبير في 4 سائر أفعال الصلاة التي يأتي بها مع الشروع في الفعل.
وسنة الجهر في المغرب والعشاء في الركعتين الأوليين منهما وكل صلاة تزيد على ركعتين فالسنة فيها قراءة سورة مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين منها 5 والاقتصار على أم الكتاب في الأخيرتين.
وعورة الرجل المخاطب بسترها في الصلاة من سرته إلى ركبتيه.
وكذلك الأمة.
وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين.
وتجزيء الصلاة في ثوب واحد.
إلا أنه يكره أن يعري كتفيه من رداء، أو ما يقوم مقامه في الجماعة.
وله أن يتقي بثوبه الحرَّ والبرد وأذى الأرض.
وليس له كفت ثوبه ولا شعره عند الصلاة إلا أن يكون في صنعة صادفته الصلاة عليها فلا يكره له.
ويكره له التلثم والاقناع وزيادة الانحناء عن التعديل في الركوع.

قال الشيخ رحمه الله وقدس روحه: قد تقدم الكلام على ما في هذا

الفصل من أحكام السلام وما يقرأ في الركعتين الأوليين والأخريين.
وأحكام العورة مبسوطًا موعبًا في مواضعه.
فمن أحب مطالعته فليقف عليه فيما قدمناه.
وقد ذكر في هذا الفصل أن الاختيار للمأموم أن يقرأ إذا أسر إمامه.
وهذا مما اختلف الناس فيه.
والمختار عندنا أن للمأموم أن يقرأ فيما أسر فيه الإِمام.
وقال ابن وهب وأشهب لا يقرأ المأموم أصلًا.
وبه قال أبو حنيفة.
ودليلنا قول أبي هريرة فانتهى الناس عن القراءة في ماجهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1. وهذا يدل على أنهم لم ينتهوا عن القراءة في السر.
ودليل من نفى القراءة في السر قوله عليه السلام في الإِمام: وإذا قرأ فأنصتوا 2 فعم قراءة السر والجهر.
وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، وقال علي رضي الله عنه من قرأ خلف الإِمام مليء فوه ترابًا.
وذكر ابن حبيب عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم نفي القراءة في صلاة السر.
وذكر في هذا الفصل أيضًا أن التكبير في القيام من اثنتين يكون بيع الاعتدال.
وهذه مسألة اختلف الناس فيها أيضًا.
فمذهبنا ما ذكره.
وقال الشافعي بل يكون التكبير عند ابتداء القيام قياسًا على تكبير الخفض والرفع وقد حكى الطبري عن مالك مثل هذا أنه يكبر في حال القيام 3 وفي الخبر أنه كبر كلما خفض ورفع 4. وهذا يشير لكون التكبير مصاحبًا للفعل.
واحتج لمذهبنا بأن التكبير ينبغي أن يكون في مسألتنا عند كمال الانتصاب قياسًا على تكبيرة الإحرام؛ لأن التكبيرة السابقة للجلسة الأولى إنما كانت لرفع

الرأس من السجدة والتكبير بعد الجلسة إنما هو للثانية.
فيجب أن يكون في مبدإ الثانية، وهي حالة اعتداله وانتصابه.
وأكد هذا بعضهم بأن عائشة رضي الله عنها أخبرت أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر 1. وهذا يشير إلى كون الركعتين الأخريين كصلاة أخرى مزيدة.
فينبغي أن يكون الإحرام لها عند تمام الاعتدال وكمال الانتصاب.
وذكر في هذا الفصل أن له أن يتقي بثوبه الحر والبرد وأذى الأرض.
وهذا كما قال: لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتقي بثوبه حر الأرض وبردها 2. ولكن قال ابن مسلمة من أصحابنا يكره له أن يسجد على ثوبه الذي هو لابسه لأنه يصير كالساجد على الأرض بغير وجهه.
وإنما أبيح السجود على الثوب عندنا لضرورة إتقائه أذى الأرض به.
وأما مع الاختيار فيكره السجود على ثياب القطن والكتان.
وأجازه ابن مسلمة.
ووجه الكراهة ما فيه من الترفه 3. والصلاة مبناها على التواضع والتذلل لله سبحانه.
فقصد الترفه فيها ينافي موضوعها.
هذا وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: يا رباح عفر وجهك في الأرض 4. وهذه إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى التذلل والخشوع لله سبحانه.
وأما ما تنبته الأرض كالحصر فلا كراهة في السجود عليه لأنه خارج عن أبواب الترفه.
ولكن كان بعض أشياخي يكره السجود على حصر السامان كما يفعله المترفهون 5. لأن الصلاة عليها المقصود بها الترفه والتعظيم فنهي عنه لذلك.
وذكر في الفصل أنه ليس له كفت ثوبه ولا شعره عند الصلاة وهذا كما قال لنهيه - صلى الله عليه وسلم - المصلي عن فعل ذلك.
واستثنى منه ها هنا من كان في صنعة صادفته

الصلاة عليها.
واختار بعض المتأخرين من الأشياخ لهذا أن يزيل تشميره ليأتي بالصلاة على الهيئة الفاضلة.
وكره له في الفصل التلثم والاقناع، وزيادة الانحناء على التعديل في الركوع.
وهذا كما قال.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة ركوعه أنه لو صب على ظهره ماء لاستقر 1. وهذا يشير إلى الاعتدال.
والاقناع يكره لخروجه عن الاعتدال.
وقد كره ابن عمر تغطية اللحية ورآها من الوجه.
تم كتاب الصلاة الأول

باب السهو وما يفسد الصلاة وما يتصل بذلك

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: السهو يقع على وجهين: بنقصان وبزيادة 1. وله سجدتان كثر أم قل 2 كان من أحد الوجهين أو من كليهما.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة تقسيمه للسهو؟.
2 - وما الدليل على الاكتفاء بسجدتين عن جميعه؟.
3 - وما معنى تقييده بقوله كان من أحد الوجهين أو من كليهما؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد جاء الشرع يكون الصلاة على مقادير محدودة فمن أوقع جميع مقاديرها، على ما هي عليه في الشرع، فلا شك في كونه ممتثلا وفي كونه غير مخاطب بسجود أصلًا، إلا أن يسهو عن النية أو عن بعض الأفعال سهوا، بمنع من الاعتداد بالصلاة، فذلك غير مخاطب بالسجود ولا هو مراد بهذا التقسيم.
ومن شك في عدد الركعات التي صلى فإنه، وإن خوطب بالسجود فلتقدير 3 نقص أو زيادة على ما نبينه.
وذلك لا يخرج عن هذا التقسيم.
وإذا ثبت أن الموقع للصلاة على مقاديرها الشرعية غير مخاطب بسجود سهو لم يبق إلا أن يخاطب به من لم يوقعها على هذه المقادير.
وخروجه عنها لا يكون إلا بزيادة فيها أو نقص منها.
وهذا يدل على صحة

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل