شرح التلقينصفحات 478-517
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 478-517

فإنه لا يعيد.
ووجه هذا الذي ذكره سحنون أن الإعادة في الوقت إنما تكون لتلافي نقص وقع في الصلاة فتعاد ليحصل الكمال الذي فات في الأولى.
فإذا صلى بثوب نجس أو حرير نجس مضطرًا، ثم وجد حريرًا طاهرًا، فإن الحرير الطاهر منهي عن لباسه والصلاة فيه.
فلا يحسن أن يؤمر بتلافي نقص بفعل نقص آخر.
وإنما يتلافى النقص بفعل الكمال.
هذا هو العمدة المرجوع إليها في هذه المسائل وما كان في معناها.
والمذهب فيمن صلى بثوب نجس اضطرارًا، أنه يعيد في الوقت بالثوب الطاهر ليتلافى بكمال الطاهر نقص النجس.
واختلف عندنا فيمن صلى بالحرير اضطرارًا.
هل يتلافى هذا النقص بالإعادة بثوب كتان طاهر؟ ففي المدونة فيمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا وثوبًا حريرًا أنه يصلي بالحرير ويعيد إن وجد غيره في الوقت.
وفي كتاب ابن المواز، لاصبغ أنه 1 يصلي بالنجس ويعيد في الوقت.
وإن صلى بالحرير فلا إعادة عليه.
وقد يسبق للنفس إنكار هذا الذي قاله أصبغ لأجل أنه أمر بالإعادة لمن صلى بالثوب النجس ولم يأمر بالإعادة لمن صلى بالحرير.
وهذا يقتضي أن الحرير أخف وهو قد قال: يقدم النجس على الحرير.
وهذا يقتضي أن النجس أخف وهذا كالمتناقض.
وعندي أنه اعتبر في الإعادة ما يختص من النواهي بالصلاة دون ما لا يختص بها.
واعتبر فيما يؤمر به من اللباس، ابتداء عموم النهي عن اللباس وخصوصه.
فلما كان لباس الحرير لا يحل على حال، ولباس النجس يحل في كل حال، إلا في الصلاة، كان النجس في حكم اللباس أخف لجوازه في الغالب.
وفي حكم الإعادة أثقل لاختصاص النهي عنه بالصلاة.
هذا هو 2 الذي يمكن عندي في توجيه قوله هذا.
وقد قدمنا عن أشهب أنه أمر من صلى عريانًا وهو واجد للثوب النجس أن يعيد به في الوقت.
وقد يقع في النفس أن هذا كالنقص، لما أصلناه لأنه أمران يتلافى نقص التعري بنقص آخر وهو الصلاة بالثوب النجس.
وقد كنا نحن قدمنا أن المعتبر في هذا أن لا يتلافى نقص بنقص.
والذي يمكن أن يقال أيضًا في توجيه ما قاله أشهب أن المصلي عريانًا كان مأمورًا حين صلاته

بلبس هذا الثوب النجس من غير خلاف عندنا.
فلم يوقع الصلاة إلا وهو مأمور حين إيقاعها بلبس هذا الثوب.
فلهذا أمره بالإعادة.
ويحتمل أن يكون يرى 1 نقص النجاسة أخفض رتبة من التعري فأمر بالاعادة لينتقل إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا.
وعلى هذا التعليل يؤمر بالإعادة عنده من كان واجدًا للثوب النجس حين صلاته عريانًا، ومن كان فاقدًا له ولكنه وجده في الوقت.
وقد أجمع أصحابنا على أن الصلاة بالثوب النجس أولى من التعري.
وهذا يدل على انخفاض رتبة النجاسة عن التعري.
فإن قيل اعتذاركم عن أشهب بهذا يوقعكم في التعقب على سحنون لأنكم ذكرتم عنه أن من صلى بثوب نجس أو ثوب حرير نجس أنه لا يعيد إن وجد حريرًا طاهرًا.
والحرير الطاهر أعلى رتبة من الحرير النجس.
والحرير الطاهر أيضًا أولى بأن يصلى به من الثوب النجس على مذهب المدونة.
فلِمَ لمْ يأمر سحنون بالإعادة لينتقل أيضًا إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا على حسب اعتذاركم عن أشهب.
قيل الترجيح ما بين مثل 2 هذه النواهي من أغمض مسائل الفقه.
وهي نظير الترجيح بين العلل وبين التأويلات عند أهل الأصول.
فقد يغلب على ظن الفقيه أن شيئًا أرجح ويغلب على ظن آخر خلافه.
فلم يقدر سحنون بين الحرير الطاهر والحرير النجس من التفاوت في رتب الكمال ما يوجب الإعادة.
وأيضًا فإن لبس الحرير محرم والإعادة في الوقت ليست بأمر ضروري، فلم يأمره بلبس الحرير اختيارًا.
ألا ترى أن ابن القاسم وأشهب قد قالا فيمن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا أن صلاته عريانًا أولى.
فإذا كانا قالا في الصلاة الواجبة التي هي معنى الأمر الضروري لا يصلي بالحرير، فلأن يقولا ذلك في الصلاة المعادة في الوقت التي هي في المعنى الاختياري، أولى وأحرى.
والثوب النجس اتفق المذهب على أن الصلاة به أولى من التعري.
وهذا يدلك على تفاوت منازل هذه الأمور عندهم.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما الحرير فجمهور العلماء على منعه للرجال وإباحته للنساء.
فأما منعه للرجال فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يلبس

الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" 1. وتفسير الخلاق: النصيب الوافر من الخير.
وأما إباحته للنساء فلأن أسامة راح في حلته فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرًا عرف منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر ما صنع.
فقال يا رسول الله ما تنظر إلى؟ أنت بعثت بها إلى.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ولكن بعثت بها إليك لتشقها خمرًا بين نسائك" 2. وهذا يدل على الإباحة للنساء كما قلناه.
وهذا حكم الحرير المحض.
وأما المختلط كالذي سداه حرير ولحمته قطن أو كتان، فكرهه مالك للرجال وهو مذهب ابن عمر.
ومذهب ابن عباس جوازه 3. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا اختلف فيه فأجيز وكره.
وإجازته أكثر.
وأما الخز فذكر عن مالك جوازه.
وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: يجوز لبسه وكرهه مالك لأجل السرف.
وذكر ابن حبيب عن خمسة عشر من الصحابة إجازته.

والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: أما القدر اليسير من الحرير المحض المضاف إلى الثياب فإنه ممنوع.
وفي كتاب ابن حبيب النهي عن اتخاذ الجيب منه.
وقد قال بعض أصحابنا ما وقع في الحديث من استثناء العلم يدل على جواز اتخاذ الطوق منه أو اللِبْنة 4. وقد يحتج أيضًا عندي على الجواز بما خرجه مسلم عن عبد الملك بن عبد الله مولى أسماء قال: أرسلتني أسماء إلى ابن عمر فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب.
وذكرت ما سواه.
فأجابها ابن عمر سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له.
فخفت أن يكون العلم منه.
قال فرجعت إلى أسماء فأخبرتها فقالت: هذه جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية

لها لِبْنة ديباج وفرجاها ملفوفان بالديباج، فقالت هذه كانت عند عائشة رضي الله عنها حتى قبضت.
فلما قبضت قبضتها، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها فنحن نغسلها للمرضى تستشفي بها 1. وقوإنفصل عن هذا بعض أصحابنا بأن قال يحتمل أن يكون هذا الحرير أحدث فيها بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإذا احتمل ذلك لم يكن في الحديث حجة.
وأما المختلط كالذي سداه حرير ولحمته قطن أو كتان فقد تكلمنا عليه.
وإذ قلنا بالنهي عنه فإن العلم يكون في الثوب ذكر ابن حبيب أنه رخص في لبسه والصلاة فيه وإن عظم.
وقد روي عن مالك في غير كتاب ابن حبيب في مقدار الأصبع من الحرير يكون علمًا في الملاحف فنهى عنه مرة وأجازه أخرى.
وقال في كتاب مسلم أن عمر رضي الله عنه خطب فقال نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثًا أو أربعًا 2. وهذا يدل على جواز العلم اليسير يكون في الثوب.
وأما لباس الحرير لعذر فقد رخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه، لحكة.
وقال القاضي أبو محمَّد يجوز لبسه للضرورة والحاجة.
وظاهر كلام مالك النهي عنه.
واختلف في لباسه في الغزو فمنعه مالك واستخفه ابن الماجشون.

والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: إذا صلى عريانًا لعدم الثوب فطرأ عليه الثوب في أثناء الصلاة أو صلت أمة بلباس الإماء ثم اعتقت في أثناء الصلاة فقال بعض الأشياخ، من يرى ستر العورة فرضًا في الصلاة، يأمر بالقطع.
وهي طريقة سحنون في هذه المسألة.
ومن يرى ستر العورة سنة يتناول الثوب فيستتر 3 به، وهي طريقة ابن القاسم في هذه المسألة.
لأن الفروض كيفما تركت أفسدت الصلاة.
والسنن إذا لم تترك استخفافًا وتهاونًا لم تفسد الصلاة.

والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: تصير قوله إلا أنه لا

يتصور فيه الترك: أن النجاسة الواجب غسلها، أو ترك محلها بأن ينزع الثوب النجس عنه.
والعورة: الواجب سترها.
ولا يتصور فيها واجب غير ذلك كما تصور في النجاسة.
إذ النجاسة يمكن إزالتها بالنزع والترك، ولا يمكن إزالة العورة وتركها.

قال القاضي رحمه الله: وأما استقبال القبلة ففرض بشرط القدرة.
فإن كان معاينًا لزمه استقبالها إلا مع عدم القدرة وهو حال المسايفة.
وأما مع الغيبة فالفرض فيه الاجتهاد مع القدرة.
فإن كان مسايفُ الم يلزمه وصلى كيف أمكنه، وكذلك المتنفل 1 على دابته في سفر القصر.
وأما في السفينة فمع التعذر يسقط عنه.
وإذا اجتهد مع القدرة فصلى ثم بأن له غلطه فالإجزاء حاصل ويستحب له الإعادة في الوقت.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالًا.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن استقبال القبلة فرض؟.
2 - وهل فرض المعاين استقبال العين أو الجهة؟.
3 - وهل فرض الغائب مثله أم لا؟.
4 - ولم سقط الفرض عن المسايف؟.
5 - ولم سقط عن المتنفل على دابته في السفر؟.
6 - وهل السفينة مثل الدابة؟.
7 - وما حكم الصلاة داخل الكعبة؟ 8 - وما حكم الصلاة على ظهرها؟ 9 - وما حكم الصلاة في الحجر؟.
10 - ولم أجزأت صلاة المجتهد الغالط في القبلة؟.
11 - وما حكم من لم تظهر له أمارة يعول عليها؟.
12 - وهل تجوز إمامة من خالف في الاجتهاد؟.

13 - وما الوقت الذي يعيد الغالط الصلاة فيه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على وجوب استقبال القبلة قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 1. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى بيت المقدس على اختلاف في ذلك.
هل كان بأمر من 2 الله سبحانه لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ 3. أو كان باجتهاد؟ ويكون: كنت.
بمعنى أنت عليها.
وقد أطلق العلماء القول بأن هذا أول ناسخ فإن لم يريدوا أول ناسخ بالمدينة كان في هذا دلالة على أن لا نسخ بمكة.
فإن قيل لا يستقبل لكم 4 الاستدلال بهذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 5. قيل هذه الآية منسوخة أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، على أصل مالك وأصحابه.
والظاهر على هذه الطريقة أنها من نوع نسخ الحكم قبل امتثاله وفعل المأمور به، إذ لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فريضة إلى أي جهة شاء، ولا ثبت ذلك عن أحد من أصحابه 6. وبما قلناه من كونها منسوخة قال ابن عباس وغيره وقد قيل فيها بمذهب آخر هو 7 طرف نقيض لما قلناه.
وهو أنها ناسخة للصلاة لبيت المقدس.
لأن اليهود لما أنكروا التحول عن بيت المقدس 8 وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ 9. أنزل الله هذه الآية منبهًا على طريق الرد عليهم بأن الجهات كلها لله سبحانه، وإنما يختص بعضها بالتعبد والتشريف عند أمره بذلك.
وإطلاق هؤلاء على هذا المعنى تسمية الناسخ فيه

بعد.
وإنما هو تقرير 1 لصحة الناسخ.
والناسخ شيء غير المقرر 2 لصحته.
ومن النّاس من ذهب إلى أنها ليست بمنسوخة كما قلناه ولا ناسخة كما قال هؤلاء ولكنها محكمة مخصوصة.
واختلف هؤلاء في تعيين ما خصت به.
فقال بعضهم محملها على الدعاء أي ادعوا إلى أي جهة شئتم.
وقال آخرون بل محملها على صلاة المسافر للنافلة على راحلته.
وقال آخرون محملها على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي حين صلى عليه واستقبل جهته فهي 3 من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال آخرون 4 محملها على من خفيت عليه القبلة.
والنظر في الصحيح من هذه الأقوال والفاسد، يفتقر إلى خوض بحر من الأصول.
وذلك أن النسخ إنما يكون عند المحققين إذا وقع بين الآيتين تعارض حتى لا يمكن رد بعضها إلى بعض.
فإذا كانت الآيتان أو إحداهما من قبيل الظواهر أمكن صرف الظاهر عن المعنى الذي هو ظاهر 5 فيه بطريق التأويل.
فأما من قال محملها على الدعاء فإنه يعتمد على أن الآية لم يذكر فيها المعنى الذي نولي وجوهنا لأجله، وإنما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾.
فيحتمل أن يكون للصلاة أو للدعاء.
فإذا احتمل الأمرين وكان قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ معلوم أنه مراد به أن يولي وجهه للصلاة.
وكان الدعاء معلوم جوازه إلى كل الجهات وجب البناء.
فحمل إحدى الآيتين على الصلاة والأخرى على الدعاء.
وأما من يقول محملها على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي، ومن يقول محملها على من خفيت عليه القبلة، فإنه يرى نزولها على هذا السبب يقتضي قصرها عليه.
وبين أهل الأصول اختلاف في العموم إذا خرج على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى سببه، فإن قلنا بقصره على سببه وصح نزولها على السبب الذي زعموه صح ما ذهبوا إليه.
وأما من يقول محملها على صلاة النافلة في السفر على الراحلة فإنه يرى أن المراد بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي للصلاة.

ويرى الآية الأخرى التي هي قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ يقتضي تعيين جهة ويرى أن الشرع جاء بجواز النافلة على الراحلة في السفر فيبني الآيتين، فيحمل إحداهما على صلاة الفرض والنفل على الأرض، ويحمل الأخرى على تنفل الراكب المسافر.
ليسلم من التعارض، ويعتضد في صحة هذا البناء بمطابقته للوارد في الشرع بإباحته 1 الصلاة للمتنفل على الراحلة سفرًا.
وهذا كله مع العلم بأن الآية حكمية.
وليست على ما يقتضيه ظاهرها من كونها خبرية.
فهذه طريقة العمل في النظر بين هذه المذاهب.
ومن أحب سلوك طريق التحقيق في معرفة الناسخ والمنسوخ فليسلك هذه الطريقة التي أريناك.
وإنما لم نتمم لك النظر في ترجيح هذه الطرق لأن ذلك يخرج الكتاب عن غرضه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشروع لمن كان بمكة الصلاة إلى عين 2 الكعبة لا إلى جهتها.
وقد اختلف الناس هل المشروع لهذا استقبال بنائها 3 أو استقبال هوائها؟ فمذهب أبي حنيفة أن المشروع استقبال هوائها.
وأما مذهبنا فقد نص محمَّد بن عبد الحكم على أن من صلى على ظهر الكعبة أن صلاته تجزيه.
قال وهو كالمصلي على أبي قبيس.
فإنه إنما يحاذي هواء الكعبة الذي بين الأرض والسماء.
وبمثل ذلك احتج أيضًا أصحاب أبي حنيفة.
والمشهور عندنا من 4 المذهب منع الصلاة على ظهرها.
وإن ذلك أشد من منع 5 الصلاة في بطنها.
وهذا المذهب المشهور يشير إلى خلاف ما قاله ابن عبد الحكم.
ويقتضي كون المشروع استقبال البناء لا الهواء.
وعلى ذلك خرجه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في غير هذا الكتاب، فقال: إن لم يكن على ظهر الكعبة سترة فإنه يمنع من الصلاة عليها إلا على القول بأن الفرض طلب السمت.
وإن كان عليها سترة كان حكم الصلاة عليها كحكم الصلاة في بطنها.

وقد أنكر بعض أشياخي احتجاج ابن عبد الحكم بالصلاة على أبي قبيس وقال إن المصلي على أبي قبيس فصل إلى الكعبة ومتوجه إليها، والمصلي على ظهرها لم يفعل ما أمر به من التوجه إليها.
فكأن شيخنا رأى أن المستعلي على أبي قبيس يمكن أن يخفض بصره حتى يرى بنيانها وجدرانها، إذا كانت منه بحيث لا مانع يمنع من الرؤية.
والمستعلي عليها لا يمكنه ذلك.
وكأن ابن عبد الحكم لم يعتبر ذلك لأن المستعلي لا يقابل شيئًا من أجزاء ما استعلى عليه، وإن أمكنه 1 خفض بصره إليه.
وإبصاره حينئذٍ مع عدم المحاذاة لمعاني آخر ليس هذا كتاب ذكرها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف المالكية على قولين والشافعية على قولين: ما فرض الغائب عن مكة، ومطلوبه إذا اجتهد في استقبال القبلة؟ هل استقبال عينها وسمتها أو استقبال جهتها؟ فذهب الأبهري من أصحابنا إلى أن المطلوب الجهة وهو مذهب أبي حنيفة.
وذهب ابن القصار إلى أن المطلوب السمت والعين.
وأشار إلى أنه لا يمتنع كثرة المسامتين مع البعد كما لم يمتنع 2 ذلك في مسامتة النجوم.
وهذا الذي قاله يفتقر إلى تحقيق.
وذلك أن المتكلمين اختلفوا في الدائرة هل يحاذي مركزها جميع 3 أجزاء المحيط أو إنما يحاذي من أجزاء المحيط مقدار ما ينطلق 4 عليه ويماسه؟ فذهب النظام من المعتزلة إلى أن المركز يحاذي جميع 5 أجزاء المحيط، واحتج في ذلك بأنك لو قصدت إلى جزء من أجزاء المحيط *وأخرجت منه خطًا لأتصل ذلك الخط بالمركز.
ورد عليه مقالته هذه أئمتنا المتكلمون وقالوا بأن الخطوط من المركز إلى المحيط فإنها 6 يضيق عن ابتدائها وينفرج عنوإنقطاعها.
وما ذلك إلا أن مآل مساحة المركز يفتقر فيه إلى تفريج

الخط وتعويجه ليمكن الاتصال.
وقالوا ولا يحاذي نقطة المركز من أجزاء المحيط* 1 إلا ما لو قدر منطبقًا عليها لماسها.
فهذه المسألة التي ذكرها المتكلمون يجب أن يعتبر بها ما قاله ابن القصار، فيقال له إن أردت بتصحيح مسامتة الكثرة مع البعد، أنهم وإن كثروا فكلهم يحاذي بناء الكعبة، فليس كما توهمت.
وقد أخبرناك إنكار أئمتنا على النظام هذا.
وإن أردت أن الكعبة تقدر كأنها بمرأى منهم لو 2 كانت بحيث ترى وإن الرائي يتوهم المقابلة والمحاذاة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة.
فهذا نسلمه لك ويسلم تمثيلك فيه برؤية الكواكب فإن الأمر فيها على ذلك جرى.
ولكن مع هذا لا يكون كل فصل محاذيًا مقابلًا، ولكنه مسامتًا ببصره، ولا يكون كل فصل مسامتًا بجسمه.
فهذا الذي يظهر لي في تحقيق ما قاله ابن القصار وكشف الغصطاء عنه.
وقد قال الشيخ أبو الطيب عبد المنعم وهو أحد أشياخ شيخنا، وكان ممن لم تمنعه الإمامة في الفقه عن الإمامة في الهندسة: (من قال: إن الفرض استقبال الجهة لا العين فقد غلط لأن الله تعالى قال: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والشطر إن كان هو النحو أو القبالة أو القصد أو النصف فذلك غير الجهة.
والوجه والجهة والمواجهة 3 والوجاهة ما استقبل.
والوجاه والتجاه استقبال الشيء.
ولو كان المطلوب الجهة لكان من كان من الكعبة في الشمال 4 مستحقًا 5 لكان مخيرًا بين أن يصلي إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب.
لأنه يكون حينئذ مستقبلًا للكعبة إما بوجهه أو أحد خديه، وهذا الذي نصر به الشيخ أبو الطيب أبا الحسن ابن القصار لا يدفع ما قلناه في تحقيق القول في المسامتة والنظر فيه أيضًا يطول ويقطع عن غرض الكتاب.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما المسايف المقاتل للعدو إذا لم

يمكنه استقبال القبلة فإنه يسقط عنه فرض التوجه إليها.
وهل يسقط بسقوط ذلك فرض الصلاة حينئذ أم لا؟ فمذهبنا أن فرض الصلاة لا يسقط ويصلي إلى أي الجهات أمكنه.
وسقوط هذا الركن من أركان الصلاة لا يسقطها، كما لا يسقطها سقوط فرض القيام لأجل المرض أو القراءة أو ستر العورة.
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1 قيل معناه: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.
ومذهب أبي حنيفة أن الفرض يسقط عنه حينئذٍ.
وحجته ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم الخندق حتى خرج الوقت 2. وأجيب عن هذا بأن صلاة الخوف لم تكن شرعت له - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ.
وعندي أن أبا حنيفة رأى أن استقبال القبلة شرط من شروط الصحة في الصلاة كطهارة الحدث، فأسقط الفرض حال العجز عن هذا الشرط، كما أسقطه 3 بعض أصحابنا عن عادم الماء والتراب حال عدمه لهما، لما كانت الطهارة عنده من شروط الصحة.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: تنفل المسافر على دابته 4 جائز على الجملة ويوميء للركوع والسجود؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الحمار وهو متوجه إلى خيبر 5. ويصلي عندنا على الدابة السنن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر على راحلته.
والوتر من آكد السنن.
ولكن من شرط جواز التنفل عندنا على الدابة أن يكون ذلك في السفر لا في الحضر خلافًا للاصطخري وأبي يوسف في أحد قوليه في إجازتهما ذلك في الحضر.
والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 6. وهذا على

عمومه إلا أن يرد ما يخصصه.
وقد ورد في السفر الحديث الذي ذكرناه فعدلنا به عن الظاهر وخصصناه.
فإن قاسا الحضر على السفر منعناهما من القياس، لاختصاص السفر من الرخص بما لا يختص به الحضر، ولو لم يسلم القياس لقدم العموم عليه.
وإن تعلق بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 1. فقد أشبعنا الكلام على معنى الآية.
وإذا ثبت اختصاص الجواز بالسفر فإن ذلك يختص بالراكب دون الراجل خلافًا للشافعي في إجازته ذلك للراجل بشرط أن يحرم ويركع ويسجد إلى القبلة.
ودليلنا عليه أن علة الجواز المشقة.
ولا مشقة تدرك الراجل في صلاته للقبلة، والراكب بخلافه؛ لأن الدابة قد تحركه إلى غير قصده وتنحرف به عن وجهته فاختصت المسامحة بها لوجود هذا العذر فيها دون غيرها.
وكأن الشافعي رأى أن علة الجواز حسم الأسباب المقللة للنافلة.
والراجل قد تكون أسفاره إلى غير جهة القبلة فلو ألزمناه التوجه لقلت نوافله فكان كالراكب.
والفرق عندنا بين الراكب والراجل أن الراكب كالمتنفل جالسًا فإنما عفي له عن القبلة خاصة.
والراجل الماشي يعمل المشي الكثير وهو مضاد للصلاة فلا يعفى له عنه فيكون قد عفي له عن أمرين منافيين للصلاة.
وإذا ثبت أن من شرطه أن يكون مسافرًا راكبًا فإن من شرط السفر أن يكون سفرًا تقصر في 2 مثله الصلاة خلافًا للشافعي في إجازته ذلك في السفر الطويل والقصير.
ونحن لما اعتبرنا المشقة قصرنا ذلك على سفر القصر لاختصاصه بالرخص المعللة بالمشقة كالقصر والفطر.
وكأن الشافعي لما رأى أن العلة حسم الأسباب المقللة للنافلة استوى عنده طويل السفر وقصيره.
وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب أن الجمع بين الصلاتين في السفر يجوز في طويل السفر وقصيره وقد يقع في النفس أنه يلزمه على هذا أن يجيز التنفل على الدابة في طويل السفر وقصيره 3 وأقصى ما يمكن أن يفرق به بين المسألتين عندي أن يقال إن أعظم مراتب السفر القصير أن يكون في حكم الحضر.
والجمع بين الصلاتين قد

يباح في الحضر للمشقة كالجمع في المطر.
وترك استقبال القبلة لا يباح مع الإمكان في الحضر على حال من الأحوال.
فلما كان للحضر مدخل في جواز الجمع أبيح الجمع في السفر القصير لأن أقصى مراتبه أن يكون كالحضر.
ولما كان ترك استقبال القبلة مع الإمكان لا مدخل للحضر فيه لم يكن للسفر القصير فيه مدخل مع أن الجمع بين الصلاتين لا يوقع في فعل الصلاة في غير وقتها الذي هـ واجب اعتباره.
فسومح به في السفر القصير.
ولما كانت المسامحة بالصلاة على الدابة في السفر القصير توقع في تر استقبال القبلة الذي يجب اعتباره لم تصح المسامحة به.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما التنفل في السفينة حيث ما توجهت به ففيه قولان: الجواز قياسًا على الدابة.
والمنع.
لأن التوجه إلى القبلة يمكن لكون الراكب فيها يحكم نفسه.
والدابة لا يمكنه ذلك فيها.
فعفي له عن ذلك في الدابة لتعذر الإمكان، ولم يعف له في السفينة لوجود الإمكان.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة في الكعبة.
فذهب الشافعي إلى الجواز على الإطلاق.
وذهب الطبري إلى المنع على الإطلاق.
وفصل مالك فمنع الفرائض والسنن وأجاز النوافل.
فللشافعي ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة 1 وهو - صلى الله عليه وسلم - وإن كان متنفلًا فلا فرق بين الفرض والنافل في وجوب استقبال القبلة للحاضر.
وللطبري قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 2 وشطره إن كان بمعنى قصده ونحوه وقبالته، فمن صلى داخل الكعبة لم يصل نحو الكعبة وقصدها وقبالتها.
وأيضًا فقد صلى النبي 3 عليه السلام خارج الكعبة وقال هذه القبلة 4. وأيضًا فإن التكليف إنما يتصور إذا كان فيه معنى الابتلاء بأن يؤثر المكلف رضا الله سبحانه على اختياره وهواه.
وينصرف عن معصية الله إلى تمكنه إلى طاعته.
ومن كان خارج الكعبة فهذا

المعنى حاصل فيه لأنه يمكنه أن يستدبرها ويركب في ذلك هواه فيكلف طلب رضا الله سبحانه باستقبالها.
ومن كان داخل الكعبة لا يمكنه الاستدبار لأنه حيث ما دار مواجه لها فلا يكلف من لا يمكنه الخروج عما كلفه لأنه يصير في معنى تكليف الأمر الضروري 1. ولما رأى مالك رضي الله عنه دلالة القرآن على المنع ودلالة السنة على جواز النافلة خص عموم القرآن بالسنة.
ولم يقس الفرض على النفل لأن القياس يدفعه العموم، فلم يصح المصير إليه.
فلهذا فرق بين الفرض والنفل.
فإن صلى أحد في "خل الكعبة صلاة الفرض فهل يعيد أم لا؟ اختلف فيه.
فقيل لا إعادة عليه.
قاله أشهب لجواز صلاة الفرض داخل الكعبة 2. لكنه مع هذا استحب 3 أن لا يصلي داخلها صلاة الفرض.
وقال القاضي أبو محمَّد: مذهب مالك أنه مكروه وقيل يعيد في الوقت ليأتي بصلاة متفق على كمالها.
وقال أصبغ يعيد أبدًا، ولكنه ذكر ذلك في متعمد الصلاة فيها.
وقال بعض المتأخرين ظاهر قوله إنه لو كان ناسيًا لأعاد في الوقت لأن الناسي للقبلة إنما يعيد في الوقت.
واستشهد بقوله في المدونة: أنه يعيد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة.
وإنما يصح هذا التشبيه فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيًا.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: اختلف الناس 4 في الصلاة على ظهر الكعبة.
فالمشهور عندنا المنع.
والمنع في ذلك آكد من المنع في الصلاة في بطنها.
لأن من صلى في بطنها إنما يعيد في الوقت.
ومن صلى على ظهرها فقال مالك: يعيد أبدًا.
والنفل أيضًا يجوز في بطن الكعبة.
ومنعه ابن حبيب فوق ظهرها.
ومذهب أشهب إجزاء الصلاة فوق ظهرها على حسب ما حكيناه عنه في الصلاة في بطنها.
ومذهب أبي حنيفة إجازة الصلاة فوق ظهرها إذا كان بين يدي المصلي قطعة من سطحها.
وقد قدمنا قول القاضي عبد الوهاب إنه

إذا كان عليها سترة كانت الصلاة عليها حينئذ كالصلاة في بطنها.
وإنه لم يكن عليها سترة تخرج ذلك على الخلاف، هل الواجب السمت أم العين؟ وذكرنا مذهب محمَّد بن عبد الحكم وإجازته لذلك واستشهاده بالصلاة على أبي قبيس.
ومذهب الشافعي إجازة ذلك إذا كان عليها سترة.
كما تجوز عنده الصلاة في بطنها.
وقد يستدل عن المنع بما روي من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها بيت الله الحرام.
وجميع ما قدمنا من الكلام في وجوب طلب السمت أو العين، والكلام على الصلاة في بطنها، يصرف في هذه المسألة فلا معنى لإعادته.
وكان أبا حنيفة رأى أن من صلى وبين يديه قطعة من سطحها فإنه فصل إلى الكعبة، ومن صلى وليس بين يديه ذلك فلا يقال إنه فصل إليها.
فلهذا لا يجوز له ذلك.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: الصلاة في الحجر كالصلاة في بطن الكعبة.
وقد تقدم الكلام على ذلك.
لكن قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز أن 1 من ركع ركعتي الطواف الواجب في الحجر ثم 2 رجع إلى بلده فإنه يركعهما ويبعث بهدي فأجراه مجرى من لم يركعهما.
وقد تعقب ذلك عليه بأن المصلي في بطن الكعبة تجزيه صلاته عندنا.
وإنما يعيد 3 ليأتي بما هو أكمل.
فكان الواجب على هذا أن يعتد هذا بهاتين الركعتين إذا وصل إلى بلده ويكون ذلك كفوت وقت الصلاة.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن الحجر بخلاف البيت.
فإن البيت يصلى إليه 4 والحجر لا يصلى إليه.
إذ لا يقطع بكونه من البيت.
قال بعض أشياخي وهذا لا وجه له لأن مقدار ستة أذرع منه من البيت.
وقد تواترت الأخبار بأن الحجر من البيت.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف الناس في المجتهد في القبلة إذا صلى إلى غيرها غلطًا.
فالمشهور عندنا أن الصلاة تجزيه وإنما يعيد

في الوقت احتياطًا.
وقال المغيرة وابن سحنون لا تجزيه الصلاة ويعيد أبدًا وهو أحد قولي الشافعي وحجتنا على الإجزاء ما ذكره جابر أنهم صلوا في الليل إلى غير القبلة غلطًا فلما أصبحوا ذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أحسنتم.
ولم يأمرهم بالإعادة 1. وأيضًا بما رواه عامر من أنهم صلوا إلى غير القبلة غلطًا 2 فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 3. وأيضًا فإن المصلي باجتهاده فعل أقصى ما في وسعه.
إذ لا سبيل له إلى اليقين فوجب أن يعذر في غلطه كالمسائف إذا صلى إلى غير القبلة.
واحتج ابن سحنون على منع الأجزاء بأنه قد تبين غلطه فأشبه من اجتهد في الوقت وصلى قبله غلطًا أو الأسير إذا اجتهد في رمضان فصام قبله غلطًا.
واحتج غيره بأن غلطه إنما سببه التقصير في الاجتهاد.
ولو وفي النظر في الإمارات حقه لأصاب القبلة.
وإذا انكشف تقصيره وجب ألا تجزيه صلاته.
وقد انفصل من قال بالإجزاء عن مسألتي الغالط في رمضان وفي الوقت بأنه مأمور في هاتين المسألتين بطلب اليقين إذا أمكنه فصار كالمتعدي في اجتهاده.
والغالط في القبلة غير متعد في اجتهاده إذ لو انتظر واستظهر لما تيقن القبلة.
ومن كان متعديًا في اجتهاده ومقتصرًا على الظن مع القدرة على اليقين لم يعذر بغلطه.
ومن كان غير متعد في اجتهاده ولا قادر على اليقين عذر في اجتهاده.
أشار إلى هذه الطريقة من الانفصال أبو الحسن ابن القصار وبعض أصحاب الشافعي.
ولو قدرنا المجتهد في الوقت وفي رمضان بحيث لا يمكنه اليقين كالمحبوس في مطبق لكان كالمجتهد في القبلة يغلط فيعذر في غلطه أشار إليه بعض أصحاب الشافعي.
وقد حاولت 4 طائفة أخرى الانفصال بغير هذه الطريقة فقالوا إذا كان القضاء يؤمن فيه من الخطأ وجبت الإعادة، وإذا كان لا يؤمن في القضاء من

الخطأ مثل ما كان في الأداء فلا معنى لإيجاب الإعادة.
فلما كان المجتهد في القبلة يجوز أن يكون في القضاء مخطئًا أيضًا لم تجب الإعادة.
ولما كان المخطيء في الوقت يتيقن الإصابة في القضاء وجبت الإعادة.
وهذا الانفصال لا يعم جميع مواضع الإشكال.
لأن المصلي إلى مغرب الشمس عندنا أو مطلعها صيفًا يقطع أنه فصل إلى غير الكعبة.
فإذا صلى إلى إحدى هاتين الجهتين غلطًا فإن خطاه مقطوع به ويأمن في القضاء من مثل الخطأ المقطوع به فصار بأمانة من ذلك.
كالغالط في الوقت.
أشار إلى هذا التعقب على هذا الانفصال بعض أشياخي، ولي فيما قاله نظر يطول إيراده.
وقد قال بعض أهل العلم بناءً على هذه الطريقة أن المصلي إلى غير القبلة غلطًا إذا كان بمكة أو بالمدينة أعاد الصلاة أبدًا لتيقنه الإصابة في القضاء.
وقبلة المدينة مقطوع بها؛ لأن جبريل هو أقامها للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد أشار ابن سريج من أصحاب الشافعي إلى أن المجتهد في إناءين أحدهما نجس متى توضأ بأحدهما وصلى ثم تبدل اجتهاده عند الصلاة الثانية إلى أن الثاني هو الطاهر، إن الصلاة الأولى تجزئه.
وسلك في هذا مسلك هذه الطائفة أنه متى كان الانتقال من اجتهاد إلى اجتهاد فإن الإعادة لا تجب.
وقد قال بعضهم إن المخطئين في يوم عرفة تجزئهم حجتهم 1 لمشقة القضاء.
وما يلحق فيه من مفارقة الأهل والوطن.
ورأى أن هذا معنى تختص به هذه المسألة وسنبسط القول فيها في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: الأعمى والبصير الذي لا يعرف القبلة ولا يمكنه تعلم طرق الاجتهاد فيها حكمه أن يرجع فيها إلى تقليد غيره.
هذا هو الواجب عندي عليه.
وهو كالعامي، لما لم يمكنه طرق الاجتهاد في الفقه كان فرضه أن يقلد العلماء.
وقال داود يصلي إلى أي جهة شاء.
وهذا غلط.
ويلزمه عليه عندي أن يأخذ العامي في المسائل ما شاء من خواطره فإن تعلق بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 2 فقد ذكرنا معنى الآية وما قيل فيها ولا معنى لإعادته.
فإن لم يجد هذا من يقلده فقال ابن عبد الحكم يصلي إلى

أي جهة شاء.
قال ولو صلى أربع صلوات لكان مذهبًا.
ويتخرج ما أشار إليه من صلاته أربع صلوات على قول من قال من أصحابنا: إن الشاك في نجاسة أحد الإناءين يتوضأ بهما.
والناذر صوم يوم نسيه يصوم الجمعة كلها، وناسي صلاة لا يعرفها يصلي الخمس صلوات.
وكل هذا طلب لليقين.
وقد رأيت بعض أصحاب الشافعي مال إلى أنه يصلي إلى الجهة التي تقع في نفسه أن القبلة فيها، ويعيد صلاته.
وعندي أنه نحا في ذلك نحو من قال من أصحابنا أن من لم يجد ماء ولا ترابًا فإنه يصلي ويعيد في 1 الوقت إذا وجد ما يتطهر به.
قوال أبو يوسف من صلى بغير اجتهاد فصادف القبلة فإنه لا يعيد.
كمن توضأ بأحد إناءين فصادف الطاهر منهما.
وقال أصحاب الشافعي بل يعيد صلاته.
ويعيد الصلاة المتوضيء بأحد الإناءين إذا شرع في الصلاة قبل أن يعلم إصابته للطاهر لأنه يكون داخلًا في الصلاة وهو على شك.
بخلاف أن يعلم إصابته الطاهر
2 قبل دخوله في الصلاة 3 فإن هذا تصح صلاته.
وهذا الذي قاله عندي خروج عن أصلهم إلى أصل أبي حنيفة لأنهم وإيانا نوجب النية في الوضوء وأبو حنيفة لا يوجبها.
فإذا كانت العلة عنده في فساد الصلاة كونه داخلًا فيها مع الشك في صحتها وذلك يمنع من صحة النية فيها.
فكذلك المتوضيء في إناء يشك في طهارته فإن شكه في ذلك يمنع من اعتقاد صحة طهارته.
وامتناع اعتقاد صحة طهارته 4 يمنع من صحة النية.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا اختلف اجتهاد رجلين في القبلة فلا يجوز أن يأتم أحدهما بصاحبه 5، لاعتقاده أن صلاته في الباطن غير صحيحة خلافًا لأبي ثور في إجازته ذلك قياسًا منه على صلاة الدائرين بالكعبة بإمام وهذا غير صحيح.
لأن كل من حول الكعبة يقطع بأنه إلى القبلة صلى.
والمأمومون حولها يقطعون بإصابة إمامهم.
وفي مسألتنا المأمومون

يعتقدون 1 خطأ إمامهم.
وأنه صلى إلى غير القبلة فلا يجوز لهم أن يأتموا بمن يعتقدون خطأه.
فإن فعل هؤلاء وصلوا مؤتمين بمن يعتقدون خطأه فقد قال أشهب في قوم صلوا ببيت مظلم فأصاب الإِمام القبلة وأخطأوها فإنهم يعيدون دون إمامهم.
وإن أصابوها وأخطأ الإِمام أعادوا أجمعون، ولم تسقط عنهم الإعادة كما سقطت عمن كان إمامه على غير وضوء ناسيًا؛ لأن هؤلاء قصدوا مخالفة إمامهم.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي إعادتهم الصلاة تجري على اختلاف في هذا الأصل.
وذكر قول أشهب فيمن صلى وراء من لا يتوضأ من مس الذكر فإنه لا يعيد.
ومن صلى وراء من لا يتوضأ من القُبلة فإنه يعيد أبدًا.
لأن القبلة من اللماس.
وقال سحنون بل يعيد فيهما بحدثان ذلك.
فإن طال لم يعد.
فخرج الشيخ أبو الحسن على هذا صلاة المالكي خلف الشافعي، والشافعي خلف المالكي.
ورأى أنها يختلف فيها.
وإجراء الخلاف في ذلك على الإطلاق عندي لا يصح.
وقد حكى حذاق أهل الأصول إجماع الأمة على إجزاء صلاة الأئمة المختلفين في الفقه بعضهم وراء بعض.
لأن كل واحد منهم يعتقد أن صاحبه مصيب إن كان يرى أن كل مجتهد في مسائل الفروع مصيب.
وإن كان ممن يرى الحق في واحد فإنه لا يقطع بأنه وافقه دون صاحبه الذي خالفه، فلهذا صحت صلاة بعضهم وراء بعض.
والذي أشار إليه أشهب من الإعادة في القبلة أبدًا فإنما ذلك لأنه اعتقد أن المسألة من الوضوح بحيث يكاد يبلغ مسائل القطع التي يقطع فيها بخطأ المخالف.
وهذا معنى قوله إن القبلة من اللماس يعني بذلك أنها إذا كانت من اللماس وكان القرآن قد جاء بإيجاب الوضوء من اللماس صار ذلك يكاد يلحق بالمقطوع به لمَّا كان مما جاء به القرآن.
وأدل دليل على صحة ما تأولناه تفرقته بين مس الذكر والقبلة في إيجابه الإعادة.
فلو كان جميع ما اختلف فيه يجري مجرى واحدًا لما صحت تفرقته.
وأيضًا فقد نص بعض أصحاب مالك على نقض أحكام القضاة في مسائل اختلف فيها، وإمضاء أحكامهم في مسائل أخر.
وأشاروا إلى ما تأولته عليهم.
وإن ما 2 كان

من المسائل التي وردت فيها الأحاديث الثابتة التي لا تأويل في إسقاطها فإن حكم الحاكم ينقض إذا خالفها.
وقد ذكر ابن حبيب هذه المسائل وسنذكرها نحن في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وهذا واضح لا مراء فيه فلا وجه لإطلاق القول لإجراء الخلاف في هذه الصلاة في كل مسائل الخلاف.

والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: اختلف في منتهى الوقت الذي يعيد الصلاة فيه من صلى إلى غير القبلة غالطًا أو بالنجاسة ناسيًا.
فقيل في الظهر والعصر منتهى ذلك غروب الشمس.
وقيل منتهاه إصفرارها.
وقال بعض أشياخي هذا يتخرج على القول بتأثيم مؤخر الصلاة إلى الإصفرار.
فمن أثمه جعله 1 منتهى الإعادة.
ومن لم يؤثمه جعل منتهاها الغروب.
وقال غيره إنما تعاد الصلاة في الوقت ليتلافى نقصها.
والنقص الذي يلحقها بإيقاعها في وقت الضرورة عند من منع الإعادة فيه أشد من نقصها الذي تعاد بسببه.
ألا ترى أنهم أباحوا التيمم أول الوقت إذا كان لا يجد الماء إلا في وقت الضرورة مع كون الماء شرطًا في صحة الصلاة.
وهذا يدل على شدة نقص وقت الضرورة.
ومن أمر الإعادة للغروب فإنه 2 رأى أن النقص الحاصل في الصلاة أشد من وقت الضرورة.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" 3. وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن الفرق في أحد القولين بين صلاتي الليل وصلاتي النهار أن التنفل بعد الإصفرار منهي عنه والصلاة المعادة كالنافلة.
فلهذا لم يعد بعد الإصفرار.
وصلاة المغرب والعشاء تعاد إلى الفجر لما كانت من النافلة في سائر الليل سائغة.
ولم يسلم بعض أشياخي كون الإعادة في معنى النافلة المحضة فلم ير هذا فرقًا صحيحًا.
وأشار هو وغيره من الأشياخ إلى أنه إذا روعي الوقت المختار كانت إعادة الظهر إلى القامة والعتمة إلى ثلث الليل أو نصفه.
لكن قال بعض هؤلاء لما كانت الظهر تشارك العصر في الوقت جعل وقتها في الإعادة وقت العصر المختار.
ولكن يلزم

على هذا أن يجعل إعادة المغرب آخر وقت العشاء المختار.

قال القاضي رحمه الله: وأما 1 أركان الصلاة التي هي منها فتسعة وهي: 1 - التحريم.

قال الإِمام رضي الله تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة عشر سؤالًا.
منها أن يقال: 1 - هل تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة وجزء منها، أو شرط فيها؟ 2 - وهل هي واجبة أم لا؟.
3 - وهل تتعين بلفظ التكبير 2 أم لا؟.
4 - وما حكم من لا يحسن التكبير؟.
5 - وإذا وجبت هل تجب على المأموم أم لا؟.
6 - وهل من شرطها أن توقع في القيام أم لا؟.
7 - وهل يصح أن ينوي بها الإحرام والركوع أم لا؟.
8 - وهل تنوب عنها تكبيرة الركوع أم لا؟.
9 - وإذا أمر المأموم الناسي لها بالتمادي، هل ذلك في كل الصلوات أم لا؟.
10 - وهل طمعه بإدراك الركعة مع الإِمام إذا قطع يبيح له القطع أم لا؟.
11 - وهل يفتقر في قطعه إلى سلام أم لا؟.
12 - وهل الشك في تكبيرة الإحرام كاليقين بتركها أم لا؟.
13 - وإذا كملت الصلاة على الشك ثم تيقن الإحرام هل تجزئه أم لا؟.
14 - وهل يجوز الإحرام قبل الإِمام؟.
15 - وما حكمه إن فعل 3؟. 16 - وما حكمه إن فعله معًا 4؟. 17 - وما معنى تقييده بقوله منها؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الإحرام للصلاة، والإحرام بالحج هل هما ركنان فيهما 1 وجزءان منهما أو ليستا 2 منهما وإنما هما شرطان فيهما؟ فمذهب الشافعي أنهما جزءان منهما وركنان فيهما.
ومذهب أصحاب أبي حنيفة أنهما شرطان فيهما.
والذي حكاه بعض أصحابنا البغداديين أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.
وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون من أن الناظر إلى عورة إمامه في صلاته تعمدًا، أن صلاته تبطل.
فإذا قيل إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه.
وإن قيل ليست من نفس الصلاة لم تبطل صلاته.
والذي عندي أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة.
فمن رأى الإحرام من نفس العبادة اشترط في صحة إيقاعه الوقت كما يشترطه في سائر أجزاء العبادة.
ولهذا منع الشافعي من الإحرام بالحج قبل أشهر الحج لما كان يرى الإحرام من نفس الحج.
ونحن، وإن كان مذهبنا صحة الإحرام بالحج قبل أشهره فإنا عذرنا عن ذلك سنورده في كتاب الحج إن شاء الله.
ومن رأى الإحرام شرطًا وليس ركنًا ولا جزءًا صح عنده الإحرام قبل الوقت؛ لأن شرط العبادة المؤقتة لا يشترط في إيقاعه وقتها، كالطهارة لما اتفق على أنها شرط في الصلاة لم يشترط فيها وقت الصلاة، بل صح إيقاعها قبل الصلاة.
فكذلك الإحرام بالصلاة والحج.
ودليلنا على أن الإحرام للصلاة من نفس الصلاة حديث الإعرابي لما أمره عليه السلام بإعادة صلاته فقال يا رسول الله علمني.
فعلمه الصلاة وأمره فيما علمه بالتكبير 3 ومراده بقوله علمني الصلاة.
فكل ما علمه فهو محسوب منها ومعدود من أجزائها إلا أن يخرجه عن ذلك دليل.
وأيضًا فإن شرط العبادة يصح انفصاله منها حتى لا يكون بينهما اتصال.
ألا ترى أن الطهارة، لما كانت شرطًا، صح انفصالها عن الصلاة وعدم اتصالها بها.
فلو كان الإحرام شرطًا

لصح انفصاله من الصلاة.
واحتج من قال إنه شرط في الصلاة، وليس بجزء منها بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ 1. ومقتضى هذا أن الصلاة غير الذكر لورودها بعده بفاء التعقيب.
والإحرام ذكر.
فوجب أن يكون غير الصلاة.
وأجيبوا عن هذا بأنه يمكن أن يكون المراد بالذكر ها هنا النية، والقصد.
وذلك أمر يتقدم الصلاة، وليس بجزء منها.
واحتجوا أيضًا بقوله عليه السلام: تحريم الصلاة التكبير 2. فلو كان التكبير من نفس الصلاة لصار تقدير الكلام تحريم التكبير، التكبير.
وأجيبوا عن هذا بأن الإضافة لا تجري على مجرى واحد بل تتنوع.
وقد يضاف البعض إلى كله فيقال رأس الإنسان.
والإنسان تسمية لجملة منها الرأس.
وإذا أمكن إضافة البعض إلى الكل لم يكن في الحديث حجة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشهور من مذاهب العلماء بأسرهم وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة.
وحكى ابن المنذر عن ابن شهاب أنه قال في رجل نوى الصلاة ورفع يديه ولم يحرم أن صلاته تجزيه.
والدليل على الوجوب حديث الأعرابي لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة فأمره بالتكبير 3. وظاهر الأمران كل ما علمه لا تجزي الصلاة دونه إلا أن يدل على ذلك دليل.
وإذا لم تجز الصلاة دونه دل ذلك على وجوبه.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى أحرم.
وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي 4. وظاهر هذا يقتضي الوجوب.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في لفظ التكبير في افتتاح الصلاة هل يتعين أم لا؟ فمذهبنا أنه يتعين حتى لا يجزئ إلا القول = الله أكبر = وعند الشافعي أن التكبير يتعين لكنه يجزئ فيه = الله أكبر = والله أكبر =

وقال أبو يوسف يجزئ = الله الكبير = وقال أبو حنيفة يجزئ كل لفظ فيه فيه التعظيم كالقول = الله أعظم = والله أجل = والرحمان أقدر = ووافقنا على أن ما كان بصيغة الأدعية لا يجزئ.
وكذلك البسملة لا تجزيء عنده.
ونكتة المسألة راجعة إلى أن الصلاة عبادة غير معقول معناها.
ولا تبلغ أفهام البشر مدارك وجوه اختصاصاتها.
وإذا كان الأمر كذلك وجب التسليم فيها والاتباع.
وقد علم قطعًا من عادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسائر المسلمين افتتاح الصلاة بالتكبير فوجب اتباعهم على ذلك وألا يخرج عنهم بالقياس، كما لو حاول محاول أن يبدل الركوع بالسجود ويقول: القصد بالركوع الخنوع والخضوع.
والساجد أشد خنوعًا وخضوعًا فيجب أن يكون له إبدال الركوع بالسجود.
وهذا لو قاله قائل لخرج عن مذاهب المسلمين فكذلك التكبير.
وإن كان القصد به الثناء والتمجيد، فلا يسامح بإبداله بثناء وتمجيد آخر كما صنع أبو حنيفة.
وهذا لازم لا بد من القول به.
ولا تظن بنا أننا نهينا عن شيء وأتينا مثله فتقول: أنكرتم على أبي حنيفة قياس الله أعظم على الله أكبر.
وقستم أنتم في منع الإبدال التكبير على الركوع والسجود؛ لأنا لم نورد هذا قياسًا وإنما ضربنا لك به أمثالًا 1 ليتضح عندك منع القياس في هذا الباب.
ويناقض أبو حنيفة أيضًا: بأن يلزم جواز افتتاح الصلاة بما منع 2 منه مما حكيناه عنه.
ويناقض الشافعي في مذهبه وأبو يوسف في مذهبه بأن يقال لهما: إن لزمتما الاتباع، فقدلا بما قاله 3 مالك من التحجير وألا تخرج عن الاتباع بحرف واحد.
وإن سامحتما باستعمال القياس فهلا وسعتما الأمر كما وسعه أبو حنيفة؟ فليس إلا القياس كما قال أو الاتباع كما قلنا.
فإن اعتذرا بأنه تكبير كله على اختلاف صيغه، قيل لهما هو على كل حال خروج 4 عن الاتباع لكنكما أقرب إلى الاتباع من أبي حنيفة.
ومالك ألزمكم للاتباع 5 فلا يوجد سبيل إلى مناقضته.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما من لا يحسن أن ينطق بالتكبير فإنه ليس عليه نطق آخر سواه يفتتح به الصلاة عوضًا من التكبير.
إلى هذا ذهب الشيخ أبو بكر الأبهري وهو صحيح على أصلنا لأنا قدمنا أن لفظ التكبير متعين، وأن استعمال القياس فيه بالإبدال لا يصح.
ولم يأت الشرع بإيجاب بدل منه عند العجز عنه، كما أتى بإبد الذي غيره من العبادات، والأصل براءة الذمة فلا توجب عبادة إلا بدليل.
وقد قال أبو الفرج يدخل بالحرف الذي دخل به الإِسلام.
وحكى القاضي أبو محمَّد عن بعض أشياخه أنه يدخل الصلاة بلسانه، ويحتمل أن يكون هذا القائل أباح للأعجمي الذي لا يحسن العربية أن يفتتح الصلاة بلسانه.
لأنه ثبت عنده بالنقل صحة معنى ما يفتتح به.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة ومخالفة ابن شهاب في إيجابها على الإطلاق.
وقد قال بعض الناس أن ابن شهاب وابن المسيب يريانها سنة.
وأنكر بعض الناس هذا.
وأشار إلى أنهما إنما يريان ذلك سنة في إحرام المأموم خاصة، وإلى ذلك أشار ابن المواز.
لأنه ذكر أنه لم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في المأموم.
فإذا ثبت وجوب ذلك على الإِمام والفذ، فقد اختلف المذهب في إحرام المأموم هل يحمله عنه الإِمام أم لا؟ فعن مالك روايتان: المشهور منهما أنه لا يحمله قياسًا على الركوع والسجود.
والرواية الأخرى أنه يحمله قياسًا على القراءة.
فإن قلنا إنه لا يحمله فلا يخلو المأموم من قسمين: أحدهما أن يذكر ذلك قبل أن يركع.
والثاني أن يذكره بعد أن ركع.
فإن ذكر ذلك قبل أن يركع أحرم واستأنف القراءة وإن ذكر ذلك بعد أن ركع فلا يخلو من أن يكون كبر حال ركوعه أو لم يكبر.
فإن لم يكبر فحكمه حكم من لم يركع، في أنه يحرم ويستأنف الصلاة.
وإن كان كبر لركوعه ثم ذكر أنه نسي الإحرام، فإن كان لم يرفع رأسه من ركوعه ويمكنه أن يرفع رأسه فيحرم ويعود إلى ركوعه فيدرك الإِمام راكعًا، فإن في ذلك قولين.
وإن لم يذكر ذلك حتى رفع رأسه فإنه يتمادى على صلاته.
فإذا فرغ منها أعادها.
ورأى مالك رضي الله عنه هذا احتياطًا، واعتل بأنه يأمره بالتمادي لكون الصلاة تجزئه عند ابن المسيب وبالإعادة لكونها لا تجزئه عند ربيعة.

واختلف الأشياخ المتأخرون في هذه الإعادة: هل تكون مقصورة على الوقت أو تكون في الوقت وبعده؟ فمن قصرها على الوقت حمل على 1 مالك أن التمادي على الصلاة هو الأصل عنده، والإعادة هي التي احتاط بها.
ومن أمر بها في الوقت وبعده رأى أن الأصل عنده الإعادة، وإنما احتاط بالتمادي على الصلاة.
وقد ذكر أبو مصعب أنه غير بين التمادي والقطع.
وهذا يقتضي كون الإعادة هي الأصل.
إذ لو كان التمادي هو الأصل لما ساغ القطع.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف المذهب في تكبيرة الإحرام هل شرطها القيام أم لا؟ فذهب ابن المواز إلى أن ذلك من شرطها.
وقال فيمن أحرم راكعًا أنه يقضي ركعته التي أحرم فيها.
وكذلك لو أحرم حال انحطاطه للسجود أو حال رفعه منه لاعتد ببقية صلاته وقضى الركعة التي لم يحرم فيها قبل ركوعها.
وكأنه قدر أن ما يحدث من القيام بعد تكبيرة الإحرام يوجب الاعتداد ببقية الصلاة لحصول ذلك بعد إحرام وقيام، بخلاف الركعة التي أحرم في ركوعها.
وكذلك قال فيمن كبر لسجود الأولى وركع 2 للثانية ناسيًا لتكبيرة الركوع فيها، أن يتمادى ويعيد.
وقد رأى أن تكبيرة السجود السابق كأنه مقارن للركوع.
وقد قال بعض المتأخرين إنما قضى هذه الركعة واعتد بما سواها ولم يأمره بالتمادي والإعادة لأنه تعمد ترك القيام للإحرام.
وابن المسيب الذي راعى مالك خلافه حتى أمر بالتمادي إنما يقول بإجزاء الصلاة فيمن لم يتعمد ترك القيام للإحرام.
وقد 3 كان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يحكي عن بعض الناس وأظنه 4 ابن أبي صفرة أنه كان يقول: في أثناء المدونة ما هو كالنص على أن تكبيرة الإحرام ليس من شرطها القيام في حق المأموم.
لأنه قال في المدونة: ولا ينبغي لرجل أن يفتتح الصلاة بالركوع قبل القيام وذلك يجزئ من كان خلف الإِمام.
فقد نص على إجزاء صلاة المأموم المفتتح صلاته بالركوع.
فإن قيل فلم فرق في المدونة بين المأموم ومن سواه في هذا؟ قيل: أشار بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أن المأموم إخلاله بالقراءة لا يفسد

صلاته لحمل الإِمام ذلك عنه.
فلهذا صح افتتاحه الصلاة 1 بالركوع.
والفذ مخاطب بقراءة أم القرآن في كل ركعة.
فلهذا لم يصح له افتتاح الصلاة بالركوع.
وكأنه يشير إلى أن من يرى أنه ليس من شرط صحة كل ركعة قراءة أم القرآن فيها لا يفرق بين الفذ والمأموم في هذا.
وأشار بعضهم إلى أنه لا تصح صلاته، وإن لم يوجب القراءة في كل ركعة لأنه كالتارك سنة متعمدًا.
وتعمد ترك السنن يفسد الصلاة.
وعندي أنه متى قيل إن الإِمام يحمل تكبيرة الإحرام عن المأموم فلا ريب في سقوط فرض القيام عنه.
لأن القيام إنما يراد للتكبير فإذا أسقط التكبير سقط ما يراد له.
وإن قيل إنه لا يحمل تكبيرة الإحرام عنه فقد يستخف حمل القيام عنه لكونه غير مقصود في نفسه.
وقد أتى المأموم بالمقصود منه.
فهذا مما يمكن أن يقال في وجه تفريقه في المدونة بين المأموم والفذ.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: لو أسقط المأموم تكبيرة الركوع واقتصر على تكبيرة الإحرام لصحت صلاته.
فإذا أحرم عند الركوع ومزج في نيته للإحرام قصد الركوع، فقال بعض الأشياخ تصح صلاته كمن نوى بغسله الجنابة والجمعة.
وبهذا قال الحسن والثوري وجماعة غيرهما.
وقالت الشافعية لا يصح وقد قدمنا ما عندنا من التعقب عليهم في مزج نية الوجوب بنية النفل.
وقد مضى مبسوطًا فلا معنى لإعادته.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: قد قدمنا اختلاف ربيعة وابن المسيب فيمن كبر للركوع ناسيًا لتكبيرة الإحرام هل تجزيه صلاته أم لا؟ وتردد قول 2 مالك بين مذهبيهما، وتشككه في نيابة تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام فلا معنى لإعادته.
وقد قال بعض الأشياخ إنما يؤمر بالتمادي والإعادة إذا كبر لركوعه 3 وهو قائم.
وهذا لا معنى له عندي؛ لأن التكبير للركوع لا يشترط فيه القيام والإحرام لم يحصل، فيشترط له القيام.
فالتمادي يحسن على أصله وإن لم يكبر للركوع حال القيام.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال.
حكم سائر الصلوات عندنا فيما قلناه حكم واحد الأصلاة الجمعة فإن فيها 1 قولين فيمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع.
فقيل يتمادى ويعيد بعد فراغه ظهرًا أربعًا كسائر الصلوات.
وقيل بل يقطع ويستأنف الجمعة مع الإِمام بخلاف غيرها من الصلوات، وهذا عندي ينظر إلى ما قدمناه من الاختلاف في كتاب الطهارة، فيمن خاف إن تشاغل بالماء فاتته صلاة 2 الجمعة.
وسبب الاختلاف في ذلك أن من قدر أن الجمعة لا تفوت لوجود بدل منها وهو الظهر إذ 3 يمكن فعله، والوقت باق، لم يبح لهذا القطع، ولا لذلك التيمم.
ومن قدر أن الجمعة لا بدل منها وأنه لا يمكن قضاؤها بعد الإِمام أمر هذا بالقطع ليدرك مع الإِمام صلاة لا يمكنه أن يأتي ببدل منها.
وأمر ذلك بالتيمم لأجل هذا.
وقد ذكر عن ابن حبيب أنه فرق بين الركعات في الصلوات الخمس فأمر بالتمادي والإعادة من أدرك الإِمام في أول صلاته.
وأمر من فاتته بعض صلاة الإِمام بالقطع متى ما 4 ذكر.
وأنكر بعض المتأخرين هذه التفرقة ولم ير لها وجهًا ولا يمكن عندي أن يوجد لها وجه إلا أن يقال إن الفذ إذا نسي تكبيرة الإحرام لم يصح أن يؤمر بالتمادي على صلاة نسي الإحرام فيها، والمأموم بخلافه يؤمر بالتمادي.
فإذا كان ناسي تكبيرة الإحرام قد فاتته بعض صلاة الإِمام فإنه لا بد أن يقضي ما فاته بعد فراغ الإِمام ويكون فيما يقضيه كالفذ.
والفذ لا يتمادى على صلاة نسي إحرامها.
فلهذا أمر من فاتته بعض الصلاة بالقطع ولم يؤمر بذلك من لم يفته شيء منها.
هذا أقصى ما يمكن أن يتخيل عندي في ذلك.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: قد قدمنا الاختلاف فيمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع هل يباح له القطع إذا طمع بإدراك الإِمام في الركعة بعد قطعه.
وسبب الاختلاف في هذا، الاختلاف في عقد الركعة هل هو تمام الانحناء أو

رفع الرأس منه؛ فإن قلنا إنه تمام الانحناء لم يقطع هذا الذي ذكر وهو رافع لكونه قد حصل ركعة.
وإن قلنا هو رفع الرأس قطع هذا لكونه لم تحصل له ركعة.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: فيمن قدر أنه إذا قطع أدرك الإِمام في الركعة بعد القطع هل يقطع بسلام أم لا؟ وسبب هذا الاختلاف مرعاة الخلاف.
فمن لم يراعه قطع بغير سلام.
ومن راعاه افتقر إلى القطع بالسلام لئلا يكون المصلي قد زاد ركعة في صلاته عند من قال بصحتها.
وقد قال ابن حبيب فيمن ذكر بعد ركعته أنه نسي تكبيرة الإحرام فجهل أن يتمادى فأحرم مستأنفُ اللصلاة فإن صلاته باطلة، ولا يخرج مما كان فيه بالنية والإحرام، دون سلام أو كلام.
وكذلك من رأى نجاسة بثوبه فنزعه وأحرم فلا تصح صلاته دون القطع بسلام أو كلام.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا شك الفذ هل أحرم أم لا 1 أو توضأ أم لا فهل يقطع أو يتمادى ويعيد؟ فيه قولان: أحدهما: القطع إذ لا يلزمه التمادي على صلاة لا تجزيه فيصير كمن وجبت عليه صلاتان.
وإنما عليه واحدة.
وقيل يتمادى لجواز أن تكون هذه الصلاة في الباطن صحيحة.
وقطع الصلاة الصحيحة لا يجوز.
ويعيد لجواز ألا تكون صحيحة.
وقد ينفصل هؤلاء عندي عما قاله الأولون من أنا لا نوجب عليه صلاتين بأن من نسي صلاة لا يعرف عينها، يؤمر بأن يصلي خمس صلوات حتى يحصل له اليقين لبراءة ذمته.
فإذا لم يبعد إيجاب خمس صلوات والواجب صلاة واحدة، لم يبعد إيجاب الصلاتين والواجب واحدة.
وإن كان إمامًا شك في تكبيرة الإحرام فقد قال سحنون يتمادى فإذا فرغ سألهم.
ويتخرج القطع على القول الآخر.
قال سحنون وإن شك في وضوئه استخلف ثم وقف عن 2 الاستخلاف لجواز أن يكون على وضوء، فيكون قطع صلاة صحيحة.
وفرق في الاستخلاف بين تكبيرة الإحرام وبين الطهارة لأن نسيانه الطهارة لا تبطل صلاة المأمومين ونسيانه الإحرام يبطل صلاتهم.
ورأى الشيخ أبو الحسن اللخمي أن المسألتين سواء.

وأن صلاتهم مع نسيانه الإحرام تصح لهم دونه كما تصح في نسيانه الطهارة.
والذي قاله الشيخ أبو الحسن من التسوية بينهما قد أنكره سحنون على ما قلناه.
والذي قاله سحنون هو مقتضى المذهب على ما أشار إليه بعض الأئمة.
وذلك أن الطهارة لا يحملها الإِمام عن المأموم إجماعًا.
فلم يكن نسيانه لها ساريًا حكمه إليهم.
وتكبيرة الإحرام يحملها عنهم في أحد قولي مالك فكان نسيانه لها ساريًا حكمه إليهم.
ويكون تركه لها كالترك لهم وإن كانوا فعلوا.
لكن إن قلنا إن الإِمام لا يحملها عنهم تعذر الفرق ويضطر للرجوع إلى ما قاله الشيخ أبو الحسن، إلا أن يفرق مفرق بمراعاة الخلاف في حمل تكبيرة الإحرام وعدم الخلاف في حمل الطهارة.

والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: اختلف المذهب فيمن افتتح الصلاة على الوجه الواجب ثم طرأ عليه شك فتمادى عليه حتى أكمل الصلاة فتبين له بعد إكمالها أنه أصاب في التمادي.
وأنه هو الواجب عليه.
أو زاد في الصلاة شيئًا تعمدًا أو سهوًا ثم تبين له أنه هو الواجب عليه هل تجزئه عن الواجب أم لا؟ فمن ذلك الاختلاف فيمن سلم وهو شاك في إكمال الصلاة 1 ثم تبين له أنه أكملها.
فقيل تجزئه صلاته وقيل لا تجزئه.
ومن شك هل أحرم أم لا؛ ثم تبين له بعد الفراغ أنه أحرم.
فقيل تجزئه صلاته، وقيل لا تجزئه.
وكذلك من شك في طهارته ثم تبين له أنه متطهر.
فوجه الإجزاء أن اعتقاد الصحة والوجوب عند الشروع في الصلاة ينسحب حكمه على سائر أجزاء العبادة فلا يضره التشكك لانسحاب حكم النية عنوإلافتتاح على سائر أجزاء العبادة.
ووجه القول بأنه لا تجزئه، إن التشكك يرفع حكم انسحاب النية حتى تصير الأجزاء المفعولة مع التشكك واقعة بغير نية، ولا اعتقاد وجوب لا ذكرًا ولا حكمًا.
وذلك يمنع من الإجزاء.
وأشار بعض أشياخي إلى أن من أحرم بالظهر ثم تشكك هل كان إحرامه للظهر أو للعصر فتمادى على صلاته ثم تحقق أنه للظهر أحرم، أن صلاته تجزيه من غير اختلاف.
لأجل أنه إنما تشكك بين صلاتين واجبتين.
فالفعل لم يخرج عن كونه واجبًا وليس عليه بعد عقد النية

تجديد ذكرها عند كل جزء من أجزاء الصلاة.
فلم يكن لشكه حكم.
لأنه لم يمنع من انسحاب 1 حكم اعتقاد الوجوب.
بخلاف من شك في الصحة والفساد.
ومثال ما اختلف فيه: من فعل شيئًا سهوًا أو عمدًا ثم انكشف الغيب أنه هو الواجب عليه: من زاد في صلاته ركعة خامسة عمدًا أو سهوًا ثم تبين له أن الركعة الأولى فسدت حتى صارت هذه رابعة.
فقيل تصح صلاته وتجزيه هذه عن الرابعة.
وقيل لا تجزيه عن الرابعة.
وتبطل صلاة المتعمد للزيادة.
وتوجيه هذا الخلاف نحو ما قدمناه.
وكذلك اختلف فيمن سلم من اثنتين ظنًا أنه سلم من أربع ثم تنفل بركعتين هل تجزئه هاتان الركعتان عن بقية فرضه أم لا؟ والإجزاء ها هنا وفيمن زاد في صلاته ركعة متعمدًا غير صحيح.
لأن حدوث 2 نية مضادة للنية الأولى يمنع انسحاب حكمها لأنه إذا ضادها و 3 ناقضها وجودًا، فأحرى أن يضادها 4 حكمًا واستصحابًا.
وكذلك اختلف فيمن أحرم للظهر ثم أكمله ابن ية العصر هل تجزئه عن الظهر أم لا؛ وهذا قد يظن منه أن المسألة التي قدمنا أن بعض أشياخنا أشار إلى ارتفاع الاختلاف فيها يتصور الخلاف فيها.
لأن هذا تبدل اعتقاده إلى تصميم.
ولكن لم يخرج الاعتقادان عن الوجوب.
وذلك تبدل اعتقاده إلى تشكك ولم يخرج بتشككه عن الوجوب.

والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: لا يجوز الإحرام قبل الإِمام عندنا.
وعند أبي حنيفة خلافًا للشافعي في أحد قوليه في إجازة ذلك.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا كبر فكبروا" 5. فمن كبر قبله خالف الأمر.
وقياسًا على السلام لما اتفقنا على 6 أنه لا يجوز قبله.
فإن قال أصحاب الشافعي لما جاز للمأموم أن يقضي بعض صلاة الإِمام بعد فراغ الإِمام جاز له أن يسبقه ببعضها وهو التكبير.
قيل لهم: إنما يقضي بعده صلاة أحرم بها معه.
فكأنه باق معه وهو لم

يتأخر عنه.
وإذا سبق الإِمام بالإحرام فإنه لا يقدر فيه متابعة الإِمام فيما سبقه 1 به لا حسًا ولا حكمًا فافترقا.
فلم يصح قياس هذا على هذا.

والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: إذا سبق الإِمام بالإحرام فإنه يقطع الصلاة ثم 2 يستأنفها معه.
واختلف هل يفتقر قطعه إلى سلام أم لا؟ وسبب هذا الاختلاف مراعاة الخلاف.
وقد قدمنا مثله.
فإن لم يقطع وأكمل صلاته -بحكم نفسه- 3 على 4 إحرامه السابق فهل تصح صلاته أم لا؟ قال سحنون لا تصح صلاته.
وقال بعض أشياخي كان الأولى بمذهب سحنون صحة صلاته.
لأنه لما أمره بالقطع أمره أن يقطع بسلام.
وإنما ينبغي أن يقول 5 بأن صلاته لا تصح مالك الذي يقول يقطع بغير سلام.
ولقد قال أشهب فيمن أحرم وهو يظن أن الإِمام لم يكمل صلاته فإذا هو قد أكملها أنه يبني على إحرامه.
فكأن شيخنا هذا رأى أن قول سحنون إن القطع يفتقر إلى سلام، يشير إلى صحة الإحرام.
وإذا أمكنت صحة الإحرام صح البناء عليه.
ولم يمنع من ذلك فقد الجماعة التي قصدها.
كما لم يمنع ذلك في المسألة التي ذكر أشهب.
وفي هذا الذي قاله نظر.
لأن القطع بسلام لا يقتضي كون الإحرام صحيحًا عنده.
وإنما هو استظهار للتخلص من عهدة الخلاف.
ومسألة أشهب لم يوجد فيها إمام يؤمر بمتابعته.
ومسألتنا الإِمام فيها موجود.
والمتابعة ممكنة.
فلا يلزم سحنون أن يقول ما ظُن به أنه يلزمه أن يقوله.

والجواب عن السؤال السادس عشر: أن يقال: اختلف في المأموم إذا أحرم مع الإِمام معًا أو سلم معه معًا.
فقيل لا تجزيه صلاته وقيل بل تجزيه وقال محمَّد بن عبد الحكم إن لم يسبقه الإِمام بحرف من حروف التكبير لم تجزه صلاته فكأنه يشير إلى أنه إن سبقه بحرف من التكبير صحت الصلاة.
فمن قال

لا تصح الصلاة حمل قوله فإذا كبر فكبروا على أن المراد به إذا فعل التكبير وفرغ منه.
ومن قال بصحة الصلاة لم يسلم أن المراد ذلك، وأمكن عنده أن يحمل الحديث على أنه يراد به إذا شرع فأشرعوا وإذا أمكن ذلك لم تكن فيه حجة على إبطال الصلاة.

والجواب عن السؤال السابع عشر: أن يقال: إنما تحرز بقوله التي هي منها لأن من فروض الصلاة ما هو خارج عنها 1 كالنية واستقبال القبلة وجميع ما عدده من ذلك فأشعرك بهذا التقييد أنه إنما ميز هذه التسع عن تلك لكون هذه منها وتلك خارجة عنها.

قال القاضي رحمه الله: والقراءة 2 والركوع.
قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل القراءة واجبة في الصلاة أم لا؟.
2 - وإذا وجبت هل هي متعينة أم لا؟.
3 - وإذا تعينت هل تجب مرة واحدة أو تتكرر؟.
4 - وهل المصلون حكمهم في ذلك واحد أو مختلف؟.
5 - وهل على من لا يحسن القراءة تعويضها أم لا؟.
6 - وهل يجب عليه قدر القيام لها أم لا 3؟. 7 - وما حكمه لو حدث له العلم بها في أثناء الصلاة؟.
8 - وكيف يتلافى إصلاح ما تركت القراءة فيه؟.
9 - وما الحكم في تقديم السورة على أم القرآن؟.
10 - وما حكم من أسرها ثم جهر بها؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في وجوب القراءة على الجملة في الصلاة.
ففقهاء الأمصار وجمهور العلماء على إيجابها على

الجملة.
وحكي عن قوم من العلماء سقوط وجوبها.
وذكر عن الشيخ أبي القاسم ابن شبلون أنه قال: قراءة أم القرآن ليست بفرض.
قال لأن الإِمام يحملها عن المأموم.
والإمام لا يحمل الفرض.
وهذا منه مصير إلى هذا المذهب الشاذ المخالف لمذهب فقهاء الأمصار لأن الإِمام يحمل جميع القراءة على الإطلاق.
فمقتضى اعتلاله سقوط فرض جميعها.
وهذا الذي اعتل به الشيخ أبو القاسم بن شبلون، به احتج هؤلاء المسقطون للإيجاب.
فقالوا: قد أجمع على أن المأموم إذا أدرك مع الإِمام الركوع دون القراءة فإنه يعتد بالركعة.
فلولا أن القراءة غير واجبة لما صح اعتداده بالركعة ولا صح حمل الإِمام عنه.
ذلك.
كما لم يصح أن يحمل عنه الركوع والسجود لما كان فرضًا.
وسننفصل عن هذا الذي احتجوا به فيما بعد.
وإن عولوا على ما روي عن عمر رضي الله عنه من أنه ترك القراءة في الصلاة فقيل له في ذلك.
فقال كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا حسن.
قال فلا بأس إذن 1. قيل لهم يحتمل أن يكون عمر ترك الجهر ولم يترك القراءة أصلًا.
وإذا احتمل ذلك لم تكن فيه حجة في أنه ترك القراءة ودليلنا على وجوبها على الجملة قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 2 والمراد بهذا القراءة في الصلاة.
وفي الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا" 3. وقد كنا قدمنا الكلام على مثل هذا اللفظ وذكرنا اختلاف أهل الأحوال فيه.
وأن منهم من ادعى حمله على العموم في نفي الإجزاء والكمال، ومنهم من جعله محتملًا لهما، وإن الأظهر من المحتملين نفي الإجزاء.
فعلى هذين المذهبين يكون الحديث حجة على وجوب القراءة.
وإن لم نقل بهذين المذهبين وتوقفنا في المراد بمثل هذا اللفظ اعتمدنا على الآية المذكورة وعضدناها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى قرأ.
وقد قال: صلوا كما رأيتموني

أصلي 1. فوجب اتباعه فيما أيقنا من أفعال الصلاة، وأقوالها إلا ما دل دليل على نفي وجوبه.
وقد قال بعض أصحاب المعاني: إن الله سبحانه حرم الكلام في الصلاة، فلولا أنه أوجب على اللسان عملًا من الأعمال لما حرم اشتغاله بالكلام كما لم يحرم اشتغال العين بالنظر لما لم يوجب عليها الحركة والنظر.
وهذا وإن كان لا يستقل دليلًا فقد يصلح أن يكون ترجيحًا.
وقال أيضًا: إن الله سبحانه استخدم الرجل بالقيام والظهر بالركوع والرأس بالسجود فليستخدم اللسان بالقراءة لأنه عضو مقصود في مثل هذه المعاني.
وهذا عندنا مثل 2 الأول.
بل ربما كان أخفض رتبة في طرق الترجيح.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في ذلك.
فمذهب مالك والشافعي تعين الواجب من القراءة وهو أم القرآن ومذهب أبي حنيفة أنها لا تتعين وإنما تجب قراءة على الجملة.
وقدرها بالآية.
وقدرها أبو يوسف بثلاث آيات قصار أو آية طويلة.
ودليلنا على التعيين ما قدمناه من قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا 3 وهذا نص على التعيين كما قلناه.
فإن قالوا قد روي إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، قيل: يحتمل أن يكون من شك الراوي فلا تترك رواية البخاري ومسلم لمثل هذه الزيادة التي فيها هذا الاحتمال.
فإن قالوا قد روي أيضًا لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب 4. قيل معناه ولو بالاقتصار عليها.
لأنه قد شرع قراءة زائدة عليها.
فأشار إلى أن أقل ما شرع فاتحة الكتاب.
فإن قالوا قد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 5. وأمر الأعرابي الذي علمه أن يقرأ بما تيسر معه من القرآن 6. قيل الآية محمولة على صلاة الليل نافلة.
وإن سلمنا عمومها أثبتنا التعيين بالحديث الذي قدمناه على أن قراءة أم القرآن وأكثر منها مما يتيسر 7 فتجب قراءتها

ويسقط ما زاد عليها 1 مما تيسر بدليل.
ولا يسلم لهم حملها على أن المراد بها أي شيء يتيسر.
بل نقول يمكن حملها على أن المراد بها قراءة كل الذي يتيسر 2. وأما حديث الأعرابي فالكلام عليه كنحو الكلام على الآية إما أن نقول أمر بقراءة كل ما تيسر معه كما قلناه في الآية أو نقول لعله لم يكن يحسن قراءة أم القرآن.
وأما استعمال القياس ها هنا وإثبات بعض القرآن بدلًا من بعض فنحن نمنعه لما بيناه في وجوب تعيين التكبير وقد تقدم مبسوطًا.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اتفق المذهب على وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة على الجملة.
وإن الإخلال بها في جميع الصلاة يمنع الإجزاء إلا رواية شاذة رواها الواقدي.
وهذه الرواية الشاذة أما 3 إن حملت على سقوط وجوب القراءة أصلًا فقد قدمنا إفساد هذه المقالة.
وإن حملت على أن القراءة تجب ولكن لا يتعين وجوب قراءة أم القرآن أصلًا كما قال أبو حنيفة فقد قدمنا أيضًا الرد على هذه المقالة.
واختلف المذهب بعد الاتفاق على وجوب قراءتها كما حكيناه.
هل تجب مرة واحدة أو متكررة؟ فقال المغيرة بإيجابها مرة واحدة.
وقال الجمهور بتكريرها.
واختلف المكررون لها.
فروي عن مالك إيجاب تكريرها بتكرر الركعات.
وهو مذهب الشافعي.
وروي أيضًا عنه العفو عن إيجاب تكريرها في أقل الركعات واختلف في الأقل على هذا المذهب ما هو؟ فقيل هو الأقل على الإطلاق وقيل هو الأقل بالإضافة.
ومعنى الأقل على الإطلاق العفو عنها.
في ركعة واحدة، وإن كانت الصلاة صبحًا أو جمعة أو ظهرًا لمسافر.
ومعنى الأقل بالإضافة أن تكون الركعة من صلاة الرباعية كالظهر أو ثلاثية كالمغرب.
وأما إن كانت واحدة كركعة من الصبح أو الجمعة أو ظهرًا لمسافر فلا يعفى عنها.
فأما رواية الواقدي فالحجة فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي

خداج ثلاثًا غير تمام 1 ومعنى خداج أي ناقصة.
يقال خدجت الناقة إذا ولدت قبل أوان الولادة.
ووصف الصلاة بالنقص يشعر بحصول الإجزاء.
وقوإنفصل عن هذا بأن النقص قد يعبر به عن نقص بعض الأجزاء.
والصلاة إذا ذهب بعض أجزائها التي هي من أركانها لم تصح ولم يقع الاعتداد بها.
وقد أشار ابن نافع وعيسى ابن دينار إلى حمل التشبيه ها هنا 2 على المشابهة لولد غير تام.
فإن صح ما قالاه ووقع التشبيه بولد ناقص فلا دلالة في الحديث على الإجزاء لدخول النقص في أجزاء الصلاة وأركانها.
وأما المغيرة فإنه يعتمد في أجزاء الصلاة إذا قرئت أم القرآن في ركعة واحدة منها على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا".
فإذا قرأ فاتحة الكتاب مرة واحدة اقتضى ظاهر هذا الحديث عنده صحة الصلاة.
لأنه لم يشترط في كونها صلاة تكرير القراءة.
وينفصل عن هذا بأن يقال قد تسمى الركعة الواحدة صلاة.
وإذا سميت صلاة لم تصح كل ركعة إلا بقراءة الفاتحة على ظاهر الحديث.
وأما الموجبون التكرير فإن من اشترط منهم التكرير في كل ركعة، فحجته قوله: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام.
وهذا يقتضي إثبات التكرار في كل ركعة.
وأما المكررون الذين عفوا عن الأقل فلا يتحرر لهم متمسك من جملة هذه الظواهر كلها.
كما تحرر لهؤلاء الذين ذكرنا قبلهم.
ولعلهم يتمسكون بشواهد بعض الأصول المعفو فيها عن القليل.
وإذا ثبت لهم العفو عن القليل رأى بعضهم أن الركعة قليلة حيثما كانت.
ورأى بعضهم أنها إنما تكون قليلة بالإضافة.
فهي في الرباعية والثلاثية قليلة لكونها الثلث أو الربع.
والثلث أو الربع قليل.
وفي الثنائية ليست بقليلة أنها نصف والنصف ليس بقليل.
وقد رأى بعض الأشياخ أن الركعة من الثلاثية ليست بقليلة.
وكأنهم قدّروا الثلث كثيرًا.
وفي الحديث "الثلث

والثلث كثير" 1. ولكنه رجع عن هذا الرأي إلى موافقة الجماعة.
وأما أبو حنيفة فإنه يشترط التكرير.
ولكنه يقتصر على التكرير في ركعتين.
وحجتنا عليه قوله: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام 2. وهذا يوجب تساوي حكم الركعات الأربع.
وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا.
فإن كل ركعة تسمى صلاة على ما قدمنا الإشارة إليه.
ولأنه لَمَّا علم الأعرابي الصلاة وأمره بالقراءة قال له افعل ذلك في صلاتك كلها.
ولأن الصلاة إنما تتم بتكرار الركعة الأولى.
فيجب أن تتكرر بجميع أركانها من قيام وقراءة وركوع وسجود وقد قرأ عليه السلام في الأربع وقال صلوا كما رأيتموني أصلي 3. وهذا يوجب تساوي الركعات الأربع في وجوب القراءة.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بقوله عليه السلام القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين.
قال وقد قال علي وابن مسعود في الأخريين إن شاء قرأ وإن شاء سبح.
ولأنه قول يخافت به فكان مسنونًا كالتسبيحات.
ولأن مخالفة الأخريين للأوليين في الجهر والاقتصار على سورة واحدة يشعر بالمخالفة في الوجوب.
قالوا والتكرار بحسب الركعة الأولى يجب كما قلتموه.
ولكن فيما كان أصليًا في الصلاة كالركعة الثانية.
وأما الثالثة والرابعة فمزيدتان في الفرض ويسقطان عن المسافر.
فلهذا لم يتكرر الأمر فيهما كما تكرر في الثانية.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في وجوب القراءة هل تجب وجوبًا عامًا أو وجوبًا خاصًا فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تجب وجوبًا خاصًا فيختص الوجوب عندهما بالإمام والفذ ويسقط عن المأموم.
وقال الشافعي بل 4 تجب وجوبًا عامًا.
فيلزم الفذ والإمام والمأموم.

ودليلنا ما خرجه مسلم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا قرأ فأنصتوا" 1 فعم قراءته أم القرآن وغيرها.
وقوله كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام 2. وأيضًا فقد اتفق على أن من أدرك مع الإِمام الركوع دون القراءة أنه يعتد بركعته.
فلو كانت القراءة واجبة على المأموم لم يعتد بركعته ولا حملها الإِمام عنه.
وأما الشافعي فإنه يحتج بقوله عليه السلام لمن خلفه: (فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها) 3. وهذا نص في إثباتها في حق المأموم وأيضًا قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا" 4. فعم المأموم وغيره.
وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي في اعتداد المأموم بالركعة التي فاتته قراءتها بأن ذلك رخصة لا يعقل لها معنى محرر.
وقد حمل الإِمام القيام وهو فرض ولم يدل حمله إياه على سقوط فرضه.
قالوا وإنما اقتصر المأموم على قرأءة أم القرآن ولم يقرأ السورة مع الإِمام لأن قراءة أم القرآن فرض والاستماع للإمام سنة.
والفرض أولى أن يقدم.
والسورة التي مع أم القرآن سنة والاستماع سنة فصح أن يقدم سنة على سنة.
ولنا نحن أن نتأول أحاديثهم على استحباب قراءتها حتى نضطرهم إلى إثبات دليل آخر على الوجوب.
وقد قال مالك في الإِمام إذا كان

يسكت قبل القراءة فإن المأموم يقرأ أم القرآن واعتل بعض المتأخرين لهذه الرواية بأنه إنما رأى ذلك لأجل أن اشتغاله بالقراءة يقطعه عن الوسواس ويحميه من الفكرة التي تعتور الصامت.
ولهم أيضًا أن يتأولوا أحاديثنا.
ولكن النظر في ترجيح التأويلات بعضها على بعض يفتقر إلى خوض في فنون من أصول الفقه ليس هذا موضعه 1 فإذا ثبت سقوط وجوبها عن المأموم فلا يقرأ في صلاة الجهر.
وفي قراءته في صلاة السر قولان: استحبابها وهو المشهور، وسقوطها وبه قال أبو حنيفة.
فأما سقوطها في الجهر فلقوله عليه السلام في صلاة جهر فيها لما انصرف منها (ما لي أنازع القرآن) 2. قال أبو هريرة فانتهى الناس عن القراءة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ماجهر فيه.
وأما ثبوتها في صلاة السر فلأجل أن ظاهر قول أبي هريرة هذا يقتضي بقاؤهم عليها في صلاة السر.
وأما سقوطها فلأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة سر فلما انصرف قال: "أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى".
فقال بعض القوم أنا ولم أرد إلا الخير.
فقال قد عرفت أن بعضكم خالجنيها 3. وانفصل عن هذا بأن الظاهر 4 أنه جهر حتى سمعه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا ممنوع.
وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من قرأ خلف الإِمام مليء فوه ترابًا 5.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قال بعض أهل العلم يجب على المصلي الذي لا يحسن القرآن أن يقف قدر قراءة أم القرآن ويذكر اسم الله سبحانه: وقال أشهب لو قرأ شيئًا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور لم تصح صلاته لأنه لا يعلم أن ذلك من الكتاب المنسوب إليه.
وإنما عليه أن يذكر الله

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل