فعَمَّ سائر ألفاظ الإقامة.
ولأنه 1 عمل أهل المدينة.
ووجه الرواية الشاذة عنه ما في بعض الطرق وأمر بلالًا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة إلا الإقامة 2.
ولأنه عمل أهل مكة.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: قال بعض أصحابنا: إن رعف المؤذن تمادى على أذانه.
وإن قطع وخرج لغسل الدم ابتدأ الأذان.
وإن رعف أو أحدث في الإقامة قطع.
وقال بعض أصحابنا: إن مات أو أغمى عليه في الإقامة ابتدأها غيره.
وإن بني على ما مضى منها أجزأه.
ولو أنه هو أفاق من إغمائه لابتدأ.
فإن نسي أجزأه.
وقال بعض أصحابنا إن نسي جل الأذان فذكر في مقامه بني على ما مضى ولو 3 كان المنسي مثل "حي على الفلاح" أجزأه الأذان.
ولو ذكر بعد أن تباعد، لاستوى ما قل وما كثر.
ولم يؤمر بأن يعود للأذان.
وقال بعض أصحابنا إن تكلم سهوًا أو عمدً ابن ي على أذانه.
وينهى العامد عما فعل.
وإن كان الكلام لضرورة استنقاذ أعمى من مهواة أو نار جاز الكلام، وبنى.
والذي يجب أن يعتبر في هذا الباب أن القواطع إن قل زمنها حتى لا تقطع اتصال الأذان بعضه ببعض فإنه يبني لحصول الغرض المقصود من الأذان مع البناء.
وإن طال زمنها حتى منعت الاتصال، لم يبن.
لأن الأذان إذا انقطع اتصاله لم يحصل الغرض المقصود به، وإنما يحصل إذا وقع على النظام المعتاد أو قريبًا من ذلك النظام.
وقد قال بعض أصحابنا لو قدم الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد لأعاد الشهادة بالرسالة وكأنه رأى 4 أن ما قُدِّم في غير موضعه كالعدم فلا يمنع الاتصال وتعاد ليحصل الترتيب.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: ذكر بعض الأشياخ المتأخرين 5:
أن الصلاة إذا قطعت لأمر أوجب قطعها، أن الإقامة تعاد.
وأشار إلى إعادتهالأولو قرب القطع من الإقامة.
لأنها إقامة قصد بها الصلاة التي قطعت، فلا تكون إقامة لغيرها مع اختصاص الإقامة بالصلاة، ووجوب اتصالها بها بخلاف الأذان.
وأشار إلى التعلق في هذا بقوله في المدونة: فيمن رأى بثوبه نجاسة، وهو في الصلاة، أنه يقطع ويستأنف الصلاة بإقامة.
ولم يفرق بين أن يكون القطع قريبًا أو بعيدًا.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: السلام على المؤذن منهي عنه؛ لأن المسلم يعرض المؤذن بالسلام بأحد أمرين: إما أن لا يرد.
ورد السلام واجب.
وإما أن يرد.
والكلام في الأذان مكروه.
فلما كان في السلام تعريض المؤذن لأحد أمرين منهي عنهما، نهي عن السلام عليه.
فإن سلم أحد عليه لم يرد عليه نطقًا ما دام مشتغلًا بالأذان.
لأن السلام ربما أدى لفساد 1 النظام.
وقد يكثر المسقمون ويكثر الرد عليهم فيظن إلى مع أن ما سمعه من الذكر ليس بأذان وإنما هو ذكر غير مقصود به الدعاء إلى الصلاة.
فإذا فرغ المؤذن من الأذان كان له الرد نطقًا 2 لارتفاع العلة التي من أجلها وقع النهي.
واختلف أصحابنا هل له أن يرد، وهو مشتغل بأذانه، إشارة أم لا؟ فقيل له ذلك كالمصلي.
وقيل ليس له ذلك بخلاف المصلي.
لأن المصلي ممنوع من الكلام، فعوض عنه بالإشارة.
والمؤذن غير ممنوع من الكلام وإنما نهى عنه لما فيه من إفساد النظام، فلما لم يكن ممنوعًا في الأصل لم يعوض عنه بالإشارة.
قال القاضي رحمه الله تعالى: ولا يؤذن للصلاة قبل وقتها إلا الصبح وحدها.
والتوجه إلى القبلة في الأذان حسن 3، والأفضل أن يؤذن متطهرا.
ولا يؤذن لنافلة.
ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين، وإن أتمه 4 جاز.
قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة منها أن يقال:
1 - ما الدليل على أن الصبح يؤذن لها قبل وقتها 1؟
2 - وما مقدار الوقت الذي يقدم الأذان فيه؟
3 - وما الأحوال المانعة من الأذان؟
4 - ولم لا يؤذن للنافلة؟
5 - وهل يؤذن لصلاة الفرض إذا جمعت مع أخرى؟.
6 - ولم استحب لسامع الأذان أن يحكيه؟
7 - وهل ذلك في كل مؤذن أو مؤذن واحد؟
8 - وهل يحكيه في الصلاة أم لا؟
9 - وهل يحكيه في كل الأذان أو في 2 بعضه؟
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الأذان لصلاة الصبح قبل وقتها.
فأجازه مالك والشافعي.
ومنعه أبو حنيفة.
وكان صاحبه أبو يوسف يقول بقوله.
فلما قدم المدينة وشاهد المؤذنين يؤذنون لصلاة الصبح قبل وقتها رجع إلى رأي مالك.
ولما كان مالك والشافعي يريان 3 أن الأفضل التغليس بصلاة الصبح حسن عندهما تقديم الأذان، لكون الناس نياما.
فيؤذن لهم قبل الوقت ليتأهبوا للصلاة 4 فيدخل الوقت عليهم وهم متأهبون.
فيمكنهم إيقاع الصلاة أول الوقت، وتحصيل فضيلة التغليس.
ولما كان أبو حنيفة يرى 5 أن الأسفار بصلاة الصبح أفضل استغنى عن تقديم الأذان قبل الفجر؛ لأن إيقاع الأذان بعد الفجر يوقظ الناس للصلاة ويتأهبون لها فلا يأتيهم الأسفار الذي هو محل الفضيلة إلا وقد أمكنهم إيقاع الصلاة فيه.
فلا معنى عنده لتقدمة الأذان قبل الوقت.
وأما مالك فيحتج له بقوله - صلى الله عليه وسلم - أن بلالًا ينادي بليل فكلوا وأشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم 1. وانفصل عن هذا بأن معناه أنه كان ينادي مشعرًا بالسحور.
وقد قال بعض أصحابنا قد روي أن بلالًا يؤذن بليل.
والأذان تسمية تقع في العرف على ألفاظ مخصوصة، الغرض بها الدعاء إلى الصلاة.
ولو كان معناه الإشعار بالسحور لم بسم أذانًا ولا ذكرت فيه الحيعلة.
وقد أشار بعض المتعقبين من أصحابنا إلى أن الحديث لا يستقل دليلًا في أن الغرض به الدعاء إلى الصلاة.
وأما أبو حنيفة فيحتج بقوله عليه السلام لبلال: لا تؤذن حتى يستبين الفجر هكذا ومد يديه عرضًا 2. وقال أصحابنا في الانفصال عن هذا قد يكون أراد به استدعاءه - صلى الله عليه وسلم - للصلاة أو غير ذلك من وجوه الاحتمال.
ويحتج أيضًا بما روي أن بلالًا ينادي بليل فأمره عليه السلام أن يرجع فيقول: "ألا إن العبد قد نام" 3. فأمره بتلافي غلطه في أذانه بليل.
وقال أصحابنا في الانفصال عن هذا قد يكون أخر الأذان عن عادته فخيف على السامعين العارفين بعادته أن يقدروا ما بقي من الليل متسعًا فيتسحرون وقد طلع الفجر.
ولو كان قدمه قبل عادته لأمره أن يرجع فيقول ألا إن العبد قد استيقظ قبل وقته.
ويحتج أيضًا بما روي أن علقمة سمع من نادى بليل فقال: "أما هذا فقد خالف سنة أصحاب محمَّد.
ولو كان نائمًا حتى طلع الفجر فنادى 4 كان خيرًا له" 5. وأجاب عن هذا أصحابنا بأنه يحتمل أن يكون هذا النداء كان قبل نصف الليل، والنداء قبل نصف الليل لا يجوز.
فلهذا أنكر عليه.
ويحتمل قوله: فإذا طلع الفج رنا دى،
على أنه أراد الفجر الأول.
ومما يعتمد عليه أصحابنا في ترجيح تأويلاتهم هذه عمل أهل المدينة واستمرارهم على الأذان للصبح قبل الفجر.
وهم أعلم الناس بما كان عليه الأمر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف المذهب في مقدار الوقت الذي يقدم فيه الأذان للصبح.
فقيل: السدس الآخر من الليل.
وقيل النصف الآخر.
وقال الوقار: إذا صليت العتمة، وإن كان من أول الليل.
وفي هذا القول إفراط.
إذ لا فائدة في الأذان 1 حينئذٍ.
وإذا أذن للصبح أول الليل، ووقت العتمة لم يذهب، أمكن أن يظن أنه 2 لصلاة العتمة.
فيختلط 3 الأمر على السامع ولا يحصل في الأذان فائدة.
ولهذا المعنى اعتبر ابن حبيب خروج وقت صلاة العتمة، وحد بالنصف الآخر من الليل لأنه يرتفع بذلك اختلاط الأمر.
ومن مذهب ابن حبيب أن آخر وقت 4 العتمة نصف الليل.
فلهذا حد به.
وأما المعتبرون السدس الآخر من الليل، فإن الأصل عندهم في الأذان ألا يكون لصلاة حتى يدخل وقتها.
فلما كانت صلاة الصبح الأفضل إيقاعها أول الوقت، والليل وقت منام الناس، اقتضى مجموع هذا تقدمة الأذان ليوقظ النائمين فيتأهبون للصلاة في أول وقتها.
فينبغي ألا يباح من التقدمة إلا القدر الذي تمس الحاجة إليه.
وهذا المقدار عندهم يكفي فيه سدس الليل لاغتسال الجنب وتأهب غيره.
فلا معنى للزيادة على قدر الحاجة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في ثلاثة أحوال هل تمنع الأذان أم لا؟ أحدها أذان الجنب.
فوجه إباحته أنه ذكر من الأذكار، فجاز للجنب فعله قياسًا على التسبيح وغيره من الأذكار.
ووجه النهي عنه أنه عمل يقدم على الصلاة لأجلها فأمر فيه بالطهارة كما أمر بذلك في الصلاة.
وهذا ينتقض باتفاقهم على جواز الأذان لمن كان على غير وضوء، وهو ممنوع من
الصلاة ولم يمنع من الأذان، إلا أن يقال إن الأذان دعاء إلى الصلاة في المساجد والجنب ممنوع من دخول المسجد، فمنع من الأذان، وإن أوقعه في غير المسجد.
ولا يختلف في منع إيقاعه في المسجد مع القول بمنع دخول الجنب المسجد، والمنع حينئذٍ لأجل المسجد لا لأجل الأذان.
والثاني أذان القاعد، ففيه قولان: فالجواز لأنه ذكر من الأذكار.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ 1. والنهي لأن الأذان شرع فيه الاستعلاء والارتفاع 2. ولهذا جعل المنار والقعود ينافي ذلك.
والثالث أذان من لم يبلغ الحلم، ففيه قولان: فالجواز لأنه ذكر من الأذكار.
والذكر سائغ لمن لم يبلغ الحلم.
والنهي لأنه من أمانات الشريعة والمؤذن مؤتمن على الوقت 3. ومن لم يبلغ الحلم ليس من أهل 4 الأمانة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: لا يؤذن عندنا لصلاة فائتة؛ لأنه يزيدها الاشتغال بالأذان فواتًالأولا لنافلة لأن الغرض بالأذان الدعاء للاجتماع للصلاة، والنافلة لا يجتمع لها.
ولا لسنة مؤكدة كالعيدين والكسوف، وإن كان يجتمع لها.
لأن الأذان دعاء إلى الصلاة وأمر بالإتيان إليها.
فوجب أن يختص الأذان بما يجب أن يؤتى إليه من الصلوات الفرض دون ما سواها 5 من السنن والنوافل.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف في الجمع بين الصلاتين، كصلاتي عرفة والمزدلفة والمجموعتين لأجل المطر.
فقيل يؤذن لهما جميعًا.
وقيل لا يؤذن لهما جميعًا.
وقيل يؤذن للأولى منهما دون الثانية.
وأما الإقامة فإنه اتفق عندنا على أنه يقام لكل صلاة.
وذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يقام للأولى دون الثانية.
والغرض بالأذان الدعاء
إلى الاجتماع للصلاة.
فمن نفاه فيهما استغنى عنه باجتماع الناس.
ومن أثبته في الأولى خاصة رأى أن الثانية قد تحقق اجتماع الناس لها.
والأولى إنما افتقرت للدعاء إليها.
ومن أثبته فيهما 1 رأى أن الأذان سنة لكل صلاة.
واجتماع الصلاتين لا يغير حكمهما فيؤتى بالأذان، وإن فقد الغرض به.
وقد اختلفت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جمعه الصلاتين في الحج فروي عنه سائر هذه المقالات التي حكيناها، وروي عنه أنه جمع الصلاتين بأذانين.
وروي عنه بأذان واحد 2. وفي الموطإ بإقامتين.
وفي بعض طرق كتاب مسلم بإقامة واحدة.
ولاختلاف الأحاديث اختلف العلماء على حسب ما قلناه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما استحب حكايته المؤذن لقوله عليه السلام: إذا سمعتم النداء فقدلوا مثل ما يقول المؤذن 3. ولأن الأذان يتضمن الشهادة بالتوحيد، والشهادة بالرسالة، وهما عمدة الإيمان" فاستحب مطابقة المؤذن في قوله لذلك.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في إعادة الحكاية وذلك في ثلاث مسائل:
أحدها إذا أذن المؤذن الأول فقال السامع مثل قوله، ثم أذن ثان فهل يؤمر السامع أن يحكيه.
وكذلك الثالث ومن بعده.
فيه قولان: فقيل يحكيه لقوله عليه السلام: إذا سمعتم النداء فقدلوا مثل ما يقول المؤذن 4. فعم سائر المؤذنين.
ولأن حكايته المؤذن الأول إنما كانت لأنها ذكر من أذكار الله
سبحانه.
فإذا 1 كان الثاني إنما أتى بمثل ما أتى به الأول، كان حكمه في الأمر بالحكاية.
وقيل لا يحكيه لأن التكرر يرفع حكم الأمر ها هنا.
والثاني: إذا رجع المؤذن الشهادتين فهل يحكيه 2 السامع في إعادة لفظ الشهادتين.
فيه قولان: مذهب مالك الاكتفاء بالحكاية أول مرة؛ لأن المؤذن إنما أعاد ذكرهما ليرفع صوته مبالغًا في الإسماع.
والسامع غير محتاج إلى ذلك فلم يكن عليه تكرير اللفظ.
وقال الداودي يكرر سامع اللفظ أيضًا.
ووجهه التمسك بعموم الحديث.
والثالث: إذا حكى المؤذن وفرغ المؤذن من الحيعلة ثم عاد إلى القول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فهل يؤمر السامع بحكايته أيضًا في ذلك؟ فيه أيضًا 3 قولان.
في المدونة إن شاء فعل وإن شاء ترك.
وفي مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان وفي كتاب ابن حبيب يؤمر السامع أن يحكيه في ذلك.
ووجه هذا الاختلاف ما تقدم لأنه قول قد تقدم حكايته مثله فهل يسقط بالتكرار أم لا؟ هو جار على ما قدمناه.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: اختلف في حكايته في الصلاة على ثلاثة أقوال: فقيل يحكيه في الصلاة فرضها ونفلها.
وقيل لا يحكيه لا في فرضها ولا في نفلها.
وقيل يحكيه في نفلها دون فرضها.
فوجه الأول العموم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم النداء فقدلوا مثل ما يقول المؤذن" ولأنه ذكر من الأذكار فصح أن يشرع في الصلاة فرضها ونفلها كالتشهد والتسبيح.
ووجه الثاني: إن العبادة التي هو فيها أولى بأن تقدم بشروعه فيها 4 فلا ينبغي أن تقطع بعبادة أخرى سواها.
ووجه التفرقة بين الفرض والنفل أن
النفل أخفض رتبة من الفرض.
ولهذا جاز فيه التعوذ والبسملة ولم يجز ذلك في الفرض.
فكذلك 1 حكايته المؤذن ينبغي أن تقصر 2 على النفل لخفة أمره وينهى عنها في الفرض لارتفاع قدره.
وإن الشغل به أولى من غيره من النوافل.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: ظاهر المذهب أن منتهى حكايته المؤذن إلى آخر التشهدين وفي مختصر ابن شعبان وفي كتاب ابن حبيب أن المؤذن إذا حيعل حوقل السامع.
فقال لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو الصحيح.
لأن في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن السامع إذا حكى المؤذن دخل الجنة 3. وذكر في الحديث صفة حكايته المؤذن فلما انتهى إلى الحيعلة قال لا حول ولا قوة إلا بالله.
وينقدح في نفسي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما عوض عن الحيعلة الحوقلة.
لأن قول المؤذن حي على الصلاة، حي على الفلاح أمر للسامعين بأن يأتوا 4 للصلاة وللفلاح.
ولا فائدة في أن يحكي السامع ذلك سرًّا.
لأن الأمر الذي لا يسمع ها هنا لا فائدة فيه.
فلما علم - صلى الله عليه وسلم - ذلك عوض عن هذا الذي لا يفيد بما يفيد، وإن كان سرًّا.
وخص الحوقلة دون سائر الأذكار لأن بينها وبين قول المؤذن مناسبة وكأنها كالجواب عن أمره.
فإذا قال المؤذن حي على الصلاة بمعنى تعالوا إلى الصلاة، فكأن السامع قال له لا قوة لي على ذلك إلا بالله.
فلأجل ما فيها من معنى المجاوبة خصها النبي - صلى الله عليه وسلم - دون سائر الأذكار.
وقد اختلف المتأخرون في المصلي إذا حكى المؤذن في الحيعلة وأتى في الصلاة بمثل لفظ المؤذن فقال الأصيلي لا تبطل صلاته؛ لأنه متأول.
وقد قال بعض الأشياخ تبطل صلاته لأنه كمن تكلم عامدًا.
وحكي ذلك عن ابن القصار 5.
باب العمل في الصلاة
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والصلاة مشتملة على فروض وسنن وفضائل.
والفروض 1 ضربان منفصلة ومتصلة.
فالمنفصلة نوعان متقدم ومصاحب.
فمن فروضها الطهارة من الحدث وإزالة النجاسة وستر العورة، فهذه هي المنفصلة.
وأما المتصلة فاستقبال القبلة، والنية، والترتيب في الأداء.
ونريد بالانفصال جواز تقديم فعلها، وأنها مكتفية بنفسها.
وذلك يتم في الطهارة وستر العورة.
وأما استقبال القبلة والنية فمصاحبان لا حكم لهما إلا بإضافتهما إلى الصلاة.
ومن هذه الفروض ما هو فرض 2 على الإطلاق لا تصح الصلاة مع عدمه على وجه وهو الطهارة من الحدث.
والصحيح من 3 مذهبنا أنه إذا عدم الماء والصعيد لم يصل حتى يجد أحدهما 4. ثم إذا وجده بعوإنقضاء الوقت فهل يلزمه القضاء أو لا يلزمه؟ نظر آخر.
والنية أيضًا فرض مطلق لا تصح الصلاة مع تركها على وجه 5.
قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - تقدمة الوضوء قبل الوقت ما حكمه؟.
2 - ولم ذكر 6 إزالة النجاسة قسمًا آخر؟.
3 - ولم ذكر أن النية من الفروض المصاحبة؟.
4 - ولم ذكر أن استقبال القبلة من الفروض المصاحبة أيضًا؟
5 - ولم قال إن من عدم 1 الماء والصعيد لا يصلي؟
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد كنا حكينا فيما تقدم أن مذهب أصحاب أبي حنيفة أن وجوب الصلاة إنما يتعلق بآخر الوقت.
وقد ذكر بعضهم أن الصلاة الموقعة أول الوقت تكون نفلًا، ولكنها تنوب عن الفرض إذا انصرم الوقت.
واحتج لهذا المذهب بأن 2 الوضوء قبل الوقت لا يجب وإنما يجب إذا وجبت الصلاة بدخول وقتها.
ثم مع هذا يجري إيقاعه قبل الوقت ويكون نفلًا ناب عن الواجب.
وأجيب 3 عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن من الفقهاء من لا يسلم ما قالوه في الوضوء.
ويراه واجبًا وجوبًا موسعًا.
وإنما يجب بشرط الحدث.
فإذا حصل الحدث الذي هو شرطه صح فعله مقصودًا به رفع حكم المانع من الصلاة.
والجواب الثاني 4 أنا لا نسلم لهم هذا القياس.
أولًا: لأن الطهارة عبادة تراد لغيرها وليست مقصودة في نفسها.
والغرض بها ألا يتقرب إلى الله سبحانه إلا على أكمل الأحوال والتطهر من الأحداث.
والصلاة عبادة تراد لنفسها لا لغيرها.
فلا يصح قياس هذه العبادة على هذه العبادة.
والذي عندي في ذلك لا يصح بسطه إلا في كتب الأصول، ولكني أشير إلى طرف منه ها هنا.
فنقول: إذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلوات بوضوء واحد، فقد صارت الصلاة الثانية تطهير لها قبل وقتها.
فاقتضى ذلك جواز إيقاع الطهارة قبل الوقت.
لكن يبقى ها هنانظر آخر، وهو أن يقال: ما أنكرتم أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما توضأ لما جمع الصلوات بوضوء واحد بعد دخول وقت الصلاة الأولى؟ فيكون وضوؤه حينئذٍ واجبًا لأجل الصلاة الأولى.
فيصح اعتقاد الوجوب فيه.
وإذا صح اعتقاد
الوجوب فيه لم يتوجه فيه اعتراض لأن التعبد بجمع صلوات بوضوء واحد سائغ.
قلنا قد مر جماعة من الفقهاء على أن الوضوء لا يفتقر إلى نية.
وروي ذلك عن مالك.
فإذا قلنا بهذه المقالة فلا معنى للنظر فيما يعتقد بالوضوء.
لأن هؤلاء إنما يعتبرون حصول الأعضاء مغسولة كيف ما اتفق.
وإن قلنا بإثبات النية في الوضوء وإن القدر المطلوب منه القصد لرفع حكم الحدث المانع واستباحة الممنوعات دون التعرض لاعتقاد وجوب أو نفل، فلا معنى للقول بأن وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بعد دخول وقت الأولى صح منه اعتقاد الوجوب.
وإذا كان قبل دخول وقتها لم يصح اعتقاد الوجوب فيما لم يجب.
ولكن إنما يبقى 1 النظر في حكم الوضوء قبل الوقت هل يصح وصفه بالوجوب حتى يصح اعتقاد الوجوب فيه عند فعله، وإن وجب اعتقاد ذلك عند الوضوء؟ أو يكون واجبًا ناب عن الواجب بعد الوقت وإن لم يجب اعتقاد الوجوب حين الفعل؟ أو 2 يوسف بأنه نفل ناب عن الواجب؟ هذا مما يختلف فيه أهل الأصول.
والوضوء قبل الوقت كالصلاة في أول الوقت لجواز التأخير فيهما.
وحصول الأجزاء بإيقاعهما، لكن الصلاة وقتها محدود ووجوبها متعلق 3 بشرط تجدد الأزمان.
والوضوء غير محدود بزمن وإنما هو متعلق 4 بتجدد أحداث.
وإنما يبقى نظر واحد وهو أن القاضي ابن الطيب ومن تابعه لا يبيح التأخير للصلاة الواجبة بأول الوقت إلا بأن يفعل المكلف العزم بدلًا عن تقدمتها.
إذ لو لم يقل بذلك لأداه لإثبات واجب يترك إلى غير بدل ولا إثم فيه.
وهذا يبطل حقيقة الوجوب.
فإذا قيل إن الوضوء كالصلاة وأنه يجب وجوبًا موسعًا فهل يكون تاركه قبل الوقت إنما يباح له الترك بشرط العزم كما قيل في الصلاة؟ هذا يلزم بلا شك.
ولكن القول به 5 شنيع 6. وقد يسبق إلى النفس
إنكاره.
وقد أنكر وجوب العزم في الصلاة طائفة من الحذاق وأنكره أبو المعالي أشد الإنكار، فكيف به إذا أثبتناه 1 في الوضوء الواجب لأجل الصلاة، والصلاة لم تجب بعد.
ولعلنا أن نحقق هذه المسألة فيما نمليه من الأصول إن شاء الله سبحانه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قال الطهارة من الحدث ولم يقتصر على قوله الطهارة دون التقييد بقوله من الحدث، لئلا 2 يدخل في ذلك طهارة النجاسة.
لأن النجاسة إنما توجب زوالها لا طهارتها.
فإن كانت على البدن فلا تزول إلا بالطهارة، وإن كانت في الثوب أو المكان أزالها أو زال 3 عنها بطهارة الماء أو بنزع الثوب والتنقل من المكان.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما ذكر النية في الفروض المصاحبة؛ لأن من حقها أن تكون مقارنة لافتتاح الصلاة.
وقد رام بعض الأشياخ تخريج اختلاف في جواز تقدمتها على الصلاة بالأمر اليسير من الاختلاف في تقدمة النية على الطهارة بالزمن اليسير.
ورد ذلك غيره من الأشياخ بأن الصلاة مجمع على وجوب النية فيها، والطهارة جماعة من العلماء على سقوط النية فيها.
فإذا سهل الأمر في المختلف فيه، فلا يسهل في "المجمع عليه 4.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما كون 5 ستر العورة وإزالة النجاسة من الفروض الخارجة عن الصلاة فواضح.
لأنها أفعال يفعلها الإنسان، ولا تعلق بينها وبين الصلاة إلا من ناحية الشرع.
وأما استقبال القبلة فإن نفس القبلة ليست من فعله ولا اكتسابه.
وكون الأفعال المسماة صلاة محاذية لجهة ما، ومقابلة لها لا يظهر كونه بائنًا عن نفس الصلاة.
والجوهر عندنا إذا كان في
مكان يكون ما، فإن محاذاته 1 لجوهر آخر لا يقلب حقيقة كونه.
وهذا مما يتعلق بالكلام في الأكوان، والكلام عليها من دقائق الأصول.
ولكن القاضي أبا محمَّد رحمه الله لما رأى أن المصلي في قدرته محاذاة ما شاء من الجهات الأربع، فاقتصاره على أحد 2 الجهات الأربع مع قدرته على محاذاة غيرها وكون الجهة بائنة عن نفس الصلاة، فجعل ذلك كأنه فعل خارج عن نفس 3 الصلاة.
فلهذا ألحقه بالنية.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف المذهب فيمن لم يجد ماء ولا ترابًا هل يؤمر بالصلاة على حالته تلك بغير طهارة أصلًا أم لا يؤمر بها؟ واختلف الآمرون بها 4 هل يعتبرها 5 إذا تمكن من الطهارة أم لا؟ واختلف القائلون أيضًا بأنه لا يؤمر بالصلاة هل يقضيها أم لا؟ فأما الاختلاف في القضاء بين هذه الطائفة فمبني على كون الطهارة شرطًا في الوجوب أو في الأداء.
فإن قلنا إنها شرط في الوجوب لم يجب القضاء.
لأن الشرط فقد فيفقد المشروط.
فإذا فقد لم يجب.
وما لم يجب لم يقض.
وإن قلنا إنها شرط في الأداء وجب القضاء لأن الوجوب قد توجه وما وجب يصح قضاؤه.
وأما الطائفة الأولى المختلفون في أمره بالصلاة، فحجة من لم يأمر بالصلاة، قوله لا تقبل صلاة بغير طهور 6. والصلاة إذا لم تقبل لم تجب.
وحجة من أمر بالصلاة أن القوم الذين أرسلهم - صلى الله عليه وسلم - لطلب القلادة التي فقدتها عائشة صلوا بغير وضوء 7 لما فقدوا الماء.
فأنزل الله تعالى آية التيمم.
ولم ينكر عليهم 8 - صلى الله عليه وسلم - صلاتهم بغير
طهارة أصلًا.
ولو كانت لا تحل لأنكرها.
وأما قول القاضي أبي محمَّد في هذا الفصل: والترتيب في الأداء فقد يريد به ترتيب الأفعال بعضها على بعض.
والصلوات بعضها على بعض بأن لا يصلي العصر قبل الظهر.
وفي عده أيضًا معنى زائدًا على الصلاة من النظر، ما في عد استقبال القبلة معنى زائدًا، وقد تكلمنا عليه.
وإن كان ترتيب الأفعال واختصاصها بأزمنة قد يتسع القول فيه من طريق آخر يختص به دون ما تقدم.
قال القاضي رحمه الله: والنية أيضًا فرض مطلق لا تصح الصلاة مع تركها على وجه 1. وأما إزالة النجاسة فاختلف هل هو 2 من شرط الصحة أو ليس من شرطها؟ فإذا قيل ليس 3 من شرطها فلا نقول إنه ليس بفرض ولكن ليس كل الفروض من شرط الصحة.
وإذا قيل إنه من شرط الصحة فذلك مع الذكر والقدرة.
ونريد بذلك ما على البدن.
فأما ما كان على الثوب فلا يتوجه عليه فرض إلا في ترك محله أو فعل الإزالة إن اختار المحل أو وجب.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما الدليل على وجوب النية في الصلاة؟.
2 - وهل إزالة النجاسة فرض أو سنة؟.
3 - وما يعفى عنه منها؟.
4 - وما ينضح منها أو يغسل؟.
5 - وهل يجزئ إزالة عينها بالمسح أو مائع غير الماء؟.
6 - وهل تفتقر إزالتها إلى نية أم لا؟.
7 - وهل يقطع مزيلها عنه الصلاة أم لا؟.
8 - وهل إذا قطع وغسل يبني على الصلاة أم لا؟.
9 - وما معنى تقييده بقوله مع الذكر والقدرة؟.
10 - وما تصير قوله لا يتوجه عليه في الثوب إلا في ترك المحل أو فعل الإزالة إن اختار المحل أو وجب؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على وجوب النية للصلاة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" 1 وعموم هذا يقتضي وجوب النية للصلاة.
وما يتعلق بالكلام على النية أخرناه لموضعه من هذا الكتاب 2.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اضطرب الحذاق من أهل المذهب في العبارة عن هذا المعنى، فالجاري على ألسنتهم في المذاكرات والإطلاقات أن المذهب على قولين: أحدهما أن غسل النجاسة فرض.
والثاني: أنه سنة إطلاقًا لهذا القول من غير تقييد.
ومن أشياخي من يعبر عن هذا فيقول المذهب على ثلاثة أقوال: فيذكر القولين المتقدمين ويضيف إليهما قولًا ثالثًا وهو أنها فرض مع الذكر، سنة مع النسيان.
وأما القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب فقد اضطرب قوله في العبارة عن هذا فعبر بها في كتابه هذا وعبر في غير هذا الموضع من كتبه بأن قال اختلف في غسل النجاسة.
هل هو واجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن؛ وهذا مع الذكر والقدرة.
وقد نص مالك وأصحابه على أن من صلى بها ناسيًا يعيد في الوقت ولو كانت فرضًا لاستوى العمد والسهو.
ولا يعترض على هذا بقولهم إن المتعمد يعيد أبدًا لأنه قد يعيد أبدا 3 مع كونها سنة.
ألا ترى القول بأن من ترك التسمية على الذبيحة عمدًا لا يأكلها، ومن ترك السورتين عمدًا أنه يعيد صلاته 4. وكل ذلك مسنون.
على أن أشهب يرى أن من صلى بالنجاسة عامدًا إنما يعيد في الوقت.
وقد قال إسماعيل في المبسوط كل ما يرى مالك الإعادة فيه في الوقت فإنما هو استحباب.
فأنت ترى القاضي أبا محمَّد كيف استدل فيما حكيناه عنه على أنها ليست بفرض بإجزاء الصلاة.
ثم أنكر هذا في التلقين فقال
إذا قيل إنه 1 ليس من شرطها فلا نقول إنه ليس بفرض، إذ ليس كل الفروض من شرط الصحة.
فقد جعل الإجزاء يحصل مع كون ما أحل به فرضًا.
واعتذر فيما حكيناه عنه أيضًا من قولهم إن العامد يعيد الصلاة أبدًا، بأن ذلك قد يحمل على القول إن غسل النجاسة سنة.
وعبر ها هنا في التلقين بأنها مع الذكر شرط الصحة.
وشرط الصحة في الفرض يجب عند أهل الأصول أن يكون فرضًا.
وغيره من الأشياخ يحمل القول بالإعادة مع العمد أبدًا، على أن غسل النجاسة فرض، والإعادة في الوقت على أنها سنة.
وسبب هذا الاضطراب في العبارة عن هذا المعنى اختلاف المتقدمين من أصحاب مالك.
فمنهم من قال يعيد أبدًا وإن كان ساهيًا.
وهذا كالتصريح بأنها فرض، إذ لا تعاد الصلاة أبدًا مع السهو إلا للإخلال بفرض.
فهذا قول يتضح ما يخرج عليه.
وقال بعض أصحاب مالك في العامد يعيد أبدًا وفي الساهي يعيد في الوقت.
وقال بعضهم في العامد يعيد في الوقت.
ففي التخريج على هذين القولين وقع الاضطراب.
فمن الأشياخ من خرج منهما قولين آخرين: القول بأنها سنة على الإطلاق، والقول بأنها فرض مع العمد دون السهو على حسب ما حكيناه عنهم.
ومنهم من استدل بإيجاب الإعادة أبدًا مع العمد على أن غسلها فرض.
وبالأمر بها في الوقت على أنها سنة.
والقاضي أبو محمَّد اضطرب قوله كما بيناه لك.
ومن عجيب ما في هذه المسألة أن القاضي أبا محمَّد حكى الاتفاق على تأثيم من تعمد الصلاة بها 2.
والاتفاق على التأثيم كالاتفاق على الوجوب.
إذ التأثيم إنما يختص بالواجبات.
وقد سالت بعض أشياخي عن هذا فقلت له ما معنى الاختلاف في كونها فرضًا
مع حكايته الاتفاق على 1 التأثيم؟ فوقف عن الجواب عن هذا.
وسألت غيره من الأشياخ فقال لي إنما الاختلاف في كونها فرضًا أو سنة محمول على الاختلاف في طريق وجوب الإزالة للنجاسة.
هل وجب ذلك بالقرآن فيعبر عنه بأنه فرض، أو بالسنة فيعبر عنه بالسنة 2؟ فحمل شيخنا هذا ما وقع من الاختلاف على الاختلاف في طريق الوجوب لا في نفس الوجوب.
وأنت إذا تأملت ما حكيناه لك عن القاضي أبي محمَّد من قوله اختلف في ذلك هل هو واجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن؟ أمكن حمله على ما يطابق مراد شيخنا؛ لأنه ذكر الوجوب في الوجهين 3 جميعًا.
وهذا كله بناءً على أن السنن" يأثم بتركها المتعمد.
ومتى أثمناه ألحقناه بالواجبات.
وأما إن قيل غير ذلك فيستغني عن النظر فيما سالت عنه الأشياخ.
وقد تعلق من قال بالوجوب بقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ 4 وبأمره عليه السلام بغسل الذكر من المذي، وأمره بغسل دم الحيض 5. وظاهر الأمر على الوجوب.
وقد قال في حديث القبرين إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله 6. والعذاب لا يكون إلا في ترك واجب.
وذهب ابن المعذل إلى مذهب أشهب في أن الإعادة في التعمد مقصورة على الوقت واحتج لذلك بأن قال فإن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا وخاف ذوات الوقت فإنه يصلي به.
ولو أن 7 رجلين تعمد أحدهما الصلاة بثوب نجس وتعمد الآخر ترك الصلاة حتى خرج
الوقت 1 ما استوت حالهما عند مسلم.
وإنما يعيد من صلى بالنجاسة متعمدًا ليأتي بما هو أكمل.
هذه حجة أحمد بن المعذل للقول بأنها سنة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يعفى عن قليل الدم، وقد تقدم الكلام عليه.
وذكر ابن حبيب أنه إنما يعفى عن يسير الدم في الصلاة أو بعدها.
وأما من رآه في ثوبه قبل الصلاة فإنه يغسله.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في دم الحيض 2 هل يعفى عن قليله؟ ومن المتأخرين من الأشياخ من يشير إلى أن الخلاف في ذلك إنما يتصور إذا كان في ثوب المرأة.
وأما ما 3 في ثوب الرجل فيعفى عن قليله كسائر الدماء.
وأنكر بعض الأشياخ هذا.
وقال: الرجل أحق بأن لا يعفى له عنه 4. لأنه دم إنما يصيبه نادرًا بخلاف المرأة.
واختلف المذهب أيضًا في قليل دم الميتة.
فالمشهور العفو عن قليله.
وقال ابن وهب لا يعفى عن قليله كدم لحيض.
وقال بعض الأشياخ إنما هو 5 مبني على أن الإنسان لا ينجس بالموت، وسائر الحيوان غيره ينجس بالموت.
فالدم ينجس في الحيوان غير ابن آدم إذا مات نجاسة الميتة.
والميتة لا يعفى عن قليلها وهي في حال الحياة إنما تنجس نجاسة الدم لا أكثر.
ونجاسة الدم معفو عن قليلها إلى هذا أشار بعض الأشياخ.
ولكنه ضعفه لأجل أن الدم المنفصل حال الحياة يجب أن يكون ميتة فيستوي حال الحياة والموت فيه.
وهذا الذي قاله صحيح لأنه إذا قيل إن في الدم حياة فيجب أن يستوي حكم المنفصل منه حال 6 الحياة وحال الموت.
وكذلك اختلف في قليل القيح وقليل الصديد هل يعفى عنه كالدم أو لا يعفى عنه كالبول.
وحكى بعض أشياخي اختلافًا في دم ما لا نفس له سائلة من الحيوان البري.
ودم الحوت هل هو نجس أم لا؟ وأراه إنما أخذ القول بطهارته من مسألة من تنشف بثوب فيه دم كثيف يخشى أن يكون تنحل منه
نجاسة تعلق 1 ببدنه، فإنه قيل بغسل بدنه.
وإن صلى ولم يغسل فلا يعيد لأنه ليس بدم مسفوح 2. فكأنه أشار إلى أن ما ليس بمسفوح من الدماء فإنه 3 طاهر.
وإنما يغسل استحسانًا 4 وسنتكلم على هذه المسألة في هذا الفصل إن شاء الله.
ومما عفي عنه من ذلك ما تدعو الضرورة إليه مثل من به قرحة تسيل بطبعها فإنه يعفى له 5 عن ذلك ويؤمر بغسل ما تفاحش.
وقد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا 6. وكذلك دم البراغيث يعفى عنه.
وأمر مالك بغسل ما تفاحش منه.
ولم يذكر هل يقطع الصلاة إذا رأى فيها ما تفاحش منه.
وقد قال الداودي الدماء على ثلاثة أضرب: منه ما لا يؤمر بغسله ولا تقطع الصلاة لأجله كيسير دم البراغيث.
ومنه ما يؤمر بغسله ولا تقطع الصلاة لأجله كقدر الخنصر على قول أو الدرهم على قول.
وما زاد على ذلك يؤمر بغسله وتقطع الصلاة لأجله.
فأشار ها هنا إلى قطع الصلاة لأجل المتفاحش 7 من دم البراغيث.
ومن ذلك أيضًا قوله في المدونة في ماء المطر وطينه يكون بالطرقات وفيه العذرة والنجاسات فإنه يعفى عما أصاب منه الجسد أو الثوب.
قال الشيخ أبو محمَّد ما لم يكن غالبًا أو عينًا قائمة.
وهذا لاحق بما ذكرناه من باب الضرورة.
وقد تأول بعض الأشياخ 8 المتأخرين أن النجاسة إذا كانت تخفي عينها ولا يقطع بعلوقها بالجسم أو الثوب فإنه يعفى عنها في مثل هذا.
فإذا كان تحقق علوقها بالثوب لم يعف عنها وكأنه رأى أن الشك مع الضرورة غير معتبر.
وقد كنا 9 حكينا عنه هذا في تأويل قوله في الدرع يطهره ما
بعده.
وعلى تعليله هذا يتضح ما قاله الشيخ أبو محمَّد لأنها إذا كانت عينًا قائمة، وعلم علوقها بالثوب، لم يعف عنها.
وكذلك أيضًا اختلف القول عندنا في غسل الخفين أو النعلين إذا وطئ بهما على أرواث الدواب بعد الاتفاق على غسلهما إذا وطئ بهما على الدم أو العذرة.
فقيل بالغسل استمساكًا بالأصل، وقيل بإسقاطه اعتبارًا بالضرورة.
وقيل يغسل النعل لخفة نزعه ويترك غسل الخف لمشقة نزعه.
وقد قال عليه السلام: إذا جاء أحدكم المسجد فإن كان ليلًا فليدلك نعليه وإن كان نهارًا فلينظر إلى أسفلهما 1. وهذا عندي يحتمل أن يتعلق به من تأول قوله في الدرع يطهره ما بعده.
على أن المعني به أن الغرض به زوال عين النجاسة بمرور الدرع على الأرض الطاهرة.
والدلك يذهب عين النجاسة.
ويمكن أن يتأوله من فرق بين الشك واليقين في هذا الباب على ما حكيناه عن بعض الأشياخ على ما يطابق قوله، فيقول: قد فرق بين حالة الليل والنهار.
فلما كان الليل حالة شك أمر بالدلك وأمر في النهار بالنظر لما أمكن اليقين.
والنظر في هذين التأويلين يطول.
وإنما اتفق على غسل الخف والنعل من البول والعذرة.
واختلف في أرواث الدواب لأن البول والعذرة نجاستهما محققة مقطوع بها.
وأرواث الدواب تلحق بالمكروهات.
وأيضًا فإن الطرقات لا تنفك من أرواث الدواب غالبًا.
وتنفك من العذرة والدم والبول.
وحكم من مشى حافيًا كحكم من مشى منتعلًا فيما 2 اتفق عليه واختلف فيه.
وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم تمشي حفاة وتغسل أرجلها إذا وطئت
قشبًا رطبًا ولا تغسلها إذا كان يابسًا.
وهذا من فعلها 1 تأكيد لأحد القولين.
وقد قيل في الفرس في الجهاد يمسكه صاحبه فيبول أنه يعفى عما أصاب صاحبه من بوله إذا لم يجد من يمسكه.
وهذا أيضًا للضرورة مع كون بوله مكروهًا فهو ملحق بما نحن فيه.
وقد قيل أيضًا في الدم يصيب سيف المجاهد أو الصائد لعيشه، إن غسله يسقط عنه.
وقد يحتمل أن يكون هذا للضرورة وإن كان الدم متفقًا على نجاسته.
وقد علل بغير هذا وسنتكلم عليه.
ومن هذا الباب أيضًا ما سئل عنه مالك رضي الله عنه فقيل له الرجل يطأ على موضع قذر جاف وقد غسل رجليه فقال لا بأس بذلك قد وسع الله على هذه الأمة.
وتلا: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به 2. وقد اختلف في سبب توسعة مالك في هذا.
فقال ابن اللباد لأن الواطىء على موضع قذر يطأ بعده موضعًا طاهرًا يذهب عين النجاسة فيكون تطهيرًا لها.
وهكذا تأويله في تطهير الدرع بما بعده.
وقال غيره من الأشياخ إنما هذا لأن الماشي لا يكاد تستقر رجله على النجاسة استقرارًا ينحل معه من النجاسة قدر له بال يعلق بالرجل.
وقال غيره من الأشياخ إن الماء يدفع عن نفسه ولا ينجسه إلا ما يغيره ولا يكاد ينحل من النجاسة ما يغير أجزاء الماء الباقية في الرجل.
وعلى هذا حمل المسألة التي قدمناها فيمن تنشف بثوب 3 فيه دم كثيف أو خفيف.
فقال إنما قيل فيمن عرق في ثوب نجس أنه يغسل بدنه.
وفصل القول فيمن تنشف بثوب فيه دم خفيف لا ينحل بالتنشيف أنه لا يغسل بدنه.
وإن كان كثيفًا يخاف أن ينحل غسل.
لأن الماء يدفع عن نفسه فلا ينجس إلا بالتغير، والعرق لا يدفع عن نفسه فينجس وإن لم يتغير.
وهذه جملة كافية فيما يعفى عنه من النجاسات.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قال مالك النضح طهور لكل ما
يشك 1 فيه، وهو الشأن وهو من أمر الناس.
وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: النضح استحباب.
وقال بعض أشياخي لا يوسف بالوجوب.
إذ لو وصف به لكان الواجب الغسل بدلًا منه.
قال واتفاق المذهب عليه حجة لصحة القول بأن الوضوء لا يجب لأجل الشك في الحدث.
وقال القاضي إسماعيل لما كان ما علم من النجاسة أمره قوي لم يكتف فيه 2 إلا بالغسل.
وما شك في وجوده من النجاسة 3 أمره ضعيف.
فالنضح يذهبه لو قدر وجوده.
وهذا الذي قاله القاضي إسماعيل كالرد على ما قاله شيخنا من أن النضح لو وجب لكان الواجب 4 الغسل بدلًا منه لأن القاضي إسماعيل أشار إلى أن النضح يكفي في إزالة مثل هذا.
وإذا كفى في إزالته فلا معنى لإيجاب الزيادة عليه.
وقد ورد في الشرع النضح في حديث الطفل الذي أجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله 5.
واحتلم عمر رضي الله عنه في ثوبه فغسل ما رأى ونضح ما لم ير.
فالنجاسة إن كانت متيقنة كان الحكم الغسل.
وإن تيقن حلولها في الثوب وجهل محلها كان الحكم غسل الجميع ليحصل اليقين بغسل النجاسة إذ اليقين لا يحصل إلا كذلك.
وإن شك في إصابتها للثوب كان الحكم النضح على ما بيناه.
وهكذا ظاهر المذهب لو شك في إصابتها الجسد.
وقد قال بعض المتأخرين إن الجسد 6 يغسل.
بخلاف الثوب.
وأضاف هذا إلى المذهب تعلقًا بقوله في المدونة فيمن أمذى فليس عليه غسل أنثييه إلا أن يخاف أن يكون أصابهما شيء.
وظاهر هذا أنه إذا شك هل أصابهما شيء أم لا، أنه يغسلهما.
وهذا تعلق في هذه المسألة بدليل الخطاب.
وليست بنص على صحة ما تأوله هذا
المتأول.
وقد قال ابن شعبان ينضح الثوب والجسد.
وإذا أمر الشاك بالنضح، لما لم يره من النجاسة المشكوك فيها، فصلى ولم ينضح، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
1 - نفي الإعادة.
2 - وإثباتها في الوقت.
3 - وإثباتها أبدًا في العمد والجهل.
وهو مذهب ابن حبيب.
ولكنه لم ير ذلك فيمن احتلم في ثوبه فلم ينضح ما لم ير لخفة أمر 1 النضح عنده في ذلك.
ولا يتحقق فرق بين هذا وبين النجاسة المشكوك فيها.
وقد قدمنا الاختلاف في الإعادة لأجل ترك غسل النجاسة المخففة وأن في المذهب قولًا بالإعادة أبدًا مع النسيان.
ولم يقل أحد من أصحابنا مثل هذا في النضح.
وإنما كان ذلك كذلك لانتقاص 2 رتبته عن الغسل.
وقد قدمنا قول القاضي أبي محمَّد أنه استحباب.
وقد وقع في المذهب اختلاف فيمن أصاب ثوبه ماء حلت 3 فيه نجاسة لم تغيره، هل يغسل ثوبه أم لا؟ فقيل حكمه الغسل.
وهذا ميل إلى القول بنجاسة هذا الماء.
وقيل حكمًا النضح.
وهذا ميل إلى القول بأنه ماء مشكوك فيه.
وقيل إن كان رفيعًا يفسده الغسل لم يغسله وصلى به كذلك، قاله ابن الماجشون.
وقال مثل ذلك في ثوب الذمي إذا اشتراه المسلم، وهذا عفو عن النجاسة صيانة للمال.
وأقيم ذلك مقام الضرورة.
وقد قدمنا القول في المسائل المعفو عنها للضرورة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في المزيل للنجاسة شرعًا ما هو؟.
فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن هو الماء خاصة دون ما سواه.
وقال أبو حنيفة هو الماء وكل مائع يعمل عمل الماء مما يذهب العين والأثر كالخل وماء الورد.
واشترط بعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة في ذلك
أن تكون النجاسة في الثوب.
وأما الجسد فلا يطهر إلا بالماء.
وكان مالكًا والشافعي رأيا أنها وإن كانت عبادة معقول معناها معلوم أن الغرض بها زوال عين فيجب قصرها على مورد الشرع 1. يتعلق فيها بتخصيص النصوص ويكون ذلك أولى من الاسترسال على حكم الغرض.
ورأى أبو حنيفة أن اتباع قصد الشرع والجري على حكم القياس فيه أولى.
ونظير اختلافهم في هذه المسألة الاختلاف أيضًا في مسألة إخراج القيم عن الزكاة.
لأن الشرع جاء بإخراج الزكاة وعلم أن القصد بها سد خلة المساكين.
ولكن الشرع نص على أعيان تخرج كبنت المخاض والحقة.
فمن أَتبع مواقع التخصيص ولم يلتفت إلى المقصود، منع من إخراج القيم.
ومن اعتبر المقصود وجرى معه أجاز إخراج القيم لأنها تسد خلة المساكين كما تسده ابن ت المخاض والحقة.
وكذلك النجاسة إذا كان الغرض زوال عينها، فإن 2 النحل وغيره يسد مسد الماء في زوال عينها.
بل ربما كان النحل أبلغ لأنه يزيل من آثار الألوان في الثياب ما لا يزيله الماء.
وقد قال عليه السلام في الدم: ثم اغسليه بالماء 3. فخص الماء بالذكر، وجب القصر عليه.
وكذلك أمران يصب على بول الأعرابي ذنوبًا أو ذنوبين من ماء.
وقد تعلق صحابنا بقوله تعالى: ﴿ماءً طهورًا﴾ 4. وقوله: ﴿ماء ليطهركم به﴾ 5 والقصد التنبيه على فضيلة الماء.
فلو تركه غيره في ذلك لبطلت فائدة التخصيص.
وهذا فيه نظر لأنه لا يمتنع أن يكون القصد أن الماء له فضيلة التطهير.
وكون غيره له هذه الفضيلة لا يسلبه فضيلته.
وقد يمدح بعض الأشخاص بما وجد في غيره فيقال فلان عالم وصالح وإن كان يوجد من هو مثله في ذلك.
وقد يمن علينا بخلق الماء طهورًا وإن كان غيره يشركه في ذلك.
وخص الماء بالذكر لأنه أعم في الطهارة من جهة الوجود الكثرة.
ومن جهة
الشرع لأنه طهور في الطهارة العينية والحكمية.
وما سواه في المائعات ليس
بطهور في الطهارة الحكمية باتفاق.
فهذا عندي مما يدافع به أصحابنا عن
التعلق بالآية.
وقد تعلق من جرى مع حكم القياس واتبع الغرض 1 بقوله في
الدرع يطهره ما بعده 2 وبأمره في النعل أن تدلك، وبأن الخمر إذا استحالذينفسها خلا طهرت في نفسها وطهر الدن بالخل المستحيل.
وأجيبوا عن هذا بأن حديث الدرع محمول على القشب اليابس كما تأوله مالك.
وبأن الدلك في النعل محمله على أنه إنما أصابها أرواث الدواب.
وقد قدمنا ذكر السبب في المعفو 3 عنه.
وأما الدن فإنه لم يطهر بالخل وإنما طهر لأن جميع الأجزاء النجسة قد استحالت، فصارت طاهرة فلم تبق نجاسة يسند إليها نجاسة الدن.
وأما ما حكيناه من تفرقة بعض أصحاب أبي حنيفة بين الجسد والثوب فإنه مر على الأصل الذي قررناه 4، ولكنه تخيل فيه خيالًا، أداه إلى التفرقة.
وذلك أن نجاسة الثوب لا يجب غسلها إذا اختار استبدال الثوب النجس بثوب طاهر، فاتضح فيها أن الغرض الإزالة.
ونجاسة البدن يتعين غسلها.
فمن جهة التعين أشبه طهارة الحدث المتعينة.
وهذا ساقط لمن عنده ثوب نجس لا يجد سواه.
فإن غسله يتعين كما يتعين غسل الجسد، مع أن تعين غسل الجسد لم يكن لأمر يعود إلى النجاسة المختصة به، وإنما هو لاستحالة استبدال البدن.
ولو قدر زوال العضو النجس وانفصاله عن البدن لم يجب غسل نجاسته، وفي هذا مقنع.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن للشمس مدخلًا في تطهير النجاسة.
فقال في جلد الميتة تجففه الشمس، أنه يطهر.
وكذلك الأرض إذا جففت نجاستها الشمس فإنها تطهير ويصلى عليها.
ولكن لا يتيمم بها.
وكذلك عنده النعل إذا علقت به نجاسة غليظة فجفت، إن 5 الدلك يذهب حكمها ورأيت القاضي إسماعيل نحا نحوه في هذا فقال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت لي الأرض مسجدًا
وطهورا" 1. فلو أكلت الأرض النجاسة حتى ذهب أثرها لرجوت أن تطهير كما تطهير النجاسة بالماء الكثير الغالب عليها، بخلاف الثوب فإن النجاسة لا يذهب أثرها منه والموطأل الزمن.
وما قدمناه من الأدلة على اشتراط الماء في طهارة النجاسة كاف في الرد على من سلك 2 هذه الطريقة.
وقد ذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي اختلافًا في إزالة النجاسة بالمائع.
وأراه إنما أخذه من قول ابن حبيب إذا بصق دمًا في الصلاة فلا شيء عليه ما لم يتفاحش.
فظن أنه إنما طهر عنده المحل بالريق.
وهذا ليس كما ظن.
لاحتمال أن يكون إنما عفي عنه ليسارته.
ألا تراه اشترط عدم تفاحشه؟ وقد أشار شيخنا أبو الحسن إلى أن مذهب ابن حبيب اعتبار النجاسة لا اعتبار محلها.
وذكر هذه المسألة.
وذكر قول ابن حبيب فيمن اقتصر على مسح موضع المحجمة، أنه لا يعيد لأنه يرى ذلك -لو اجتمع- في حكم الدم اليسير.
وإن قول مالك إنه يعيد في الوقت، إما في العمد على أحد التأويلين.
أو في العمد والسهو على التأويل الآخر؛ لأنه يعتبر مقدار محل النجاسة لا مقدارها في نفسها.
وقد ذكر غيره من الأشياخ الأندلسيين هذا التأويل بقول مالك في أنه يعتبر المحل.
وإذا كان هذا هكذا فلا معنى لتخريجه الذي أشرنا إليه.
وكذلك أيضًا حكى اختلافًا في النجاسة إذا بولغ في مسحها حتى ذهب أثرها.
فأشار إلى تخريج الخلاف من مسألة السيف يصيبه الدم.
وقد قدمنا نحن ذكرها.
والتخريج عنها 3 فيه ضعف لأنه قد وقع في الرواية أنه يصلي به مسحه أو لم يمسحه.
فأنت ترى كيف عفي عن هذه النجاسة وإن بقيت عينها لم يمسح.
وذكر المسح في بعض الروايات.
واعتل الأبهري وعبد الوهاب لذلك بأنه صقيل لا يبقى مع صقالته للنجاسة أثر إذا مسحت، وإن غسله يفسده.
وهذان معنيان لا يوجد مجموعهما في غير السيف من الأشياء النجسة على الإطلاق.
فلا يصح هذا التخريج الذي خرج لما ذكرناه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: لا يفتقر غسل النجاسة إلى نية لأنها طهارة معقول معناها.
والمراد بها أمر محسوس وهو حاصل لمن نوى ولمن لم ينو.
فمن طرح عنه ثوبه النجس أو غسل نجاسة بغير قصد، فإنه قد حصل الغرض المطلوب.
فلا معنى لاشتراط النية في ذلك.
ولما كانت طهارة الحدث لا يراد بها إزالة أمر محسوس ولا تحصيل غرض وإنما يحصل بها أجر في العقبى، افتقرت إلى نية لتحصيل هذا الغرض المطلوب.
وقدر أبو حنيفة أنها إنما شرعت لتحصيل مكرمة النظافة.
وإن لم يظهر ذلك للحس كما ظهر في النجاسة.
فلم يعتبر فيها النية واعتبرها في التيمم لما لم يحصل ذلك فيه لا وجودًا ولا تقديرًا.
وقد مال بعض المتأخرين من القرويين إلى أن النضح للنجاسة يفتقر إلى نية بخلاف غسلها.
واستبعد هذا غيره من القرويين.
وقال إن قدرنا أن ما شك فيه من النجاسة موجود فالنجاسة الموجودة لا 1 تفتقر إزالتها إلى نية.
وإن قدرنا عدم النجاسة فالغسل ساقط.
وإذ سقط لم تشترط النية.
ومن عجيب ما ينبغي أن يتفطن له أن هؤلاء المتأخرين من المغاربة تحوم خواطرهم على هذه المعاني التي أبرزها حذاق أهل العراق للوجود.
وذلك أنا قدمنا أن ما كان القصد به تحصيل أم رنا جز فلا معنى للنية فيه كغسل النجاسة.
وإن طهارة الحدث لما كانت لا يقصد بها إزالة أمر محسوس افتقرت إلى نية.
وهذا المعنى بسطه المتأخرون كأبي المعالي وغيره.
وكأن من حكينا 2 عنه من القرويين إن النضح يفتقر إلى نية 3 استشعره ورأى أن الناضح لا يزيل عينا فأشبه المتطهر للحديث في افتقاره إلى النية، فلا وجه لاستبعاد قوله كما استبعده صاحبه.
وقد قدمنا لك تفرقة بعض أصحاب أبي حنيفة بين النجاسة التي على البدن وبين النجاسة التي على الثوب في تطهيرها بغير الماء.
ورأى أن ما على البدن، لما تعين، أشبه طهارة الحدث.
ولم نوجه هذا القول لأنه الصواب عندنا.
وإنما نبهناك على أن العالم، وإن لم يرد خاطره مورد الحقيقة، فإنه حولها يحوم.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف المذهب في المصلي إذا رأى في ثوبه، وهو في الصلاة، نجاسة لا يعفى عنها.
هل يقطع الصلاة أم لا؟ فقيل يقطع الصلاة.
وقيل يتمادى بعد نزعها عنه.
وإن لم يمكنه النزع تمادى وأعاد.
وقيل إن لم يمكنه النزع قطع.
وإن أمكنه النزع تمادى.
وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث.
فقال ابن شهاب بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد في ثوبه دمًا، وهو في الصلاة، فانصرف 1. وفي الصحيح أنه عليه السلام خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل عليه السلام أن بهما قذرًا 2. وقد قال بعض المتأخرين من أصحابنا لا حجة في حديث النعلين؛ لأن النجاسة بأسفلهما وقد حال بينه وبينها أعلى النعل.
ومن بسط على النجاسة ثوبًا كثيفًا صحت صلاته.
ومن قام على نعلين بأسفلهما نجاسة فإن أعلاهما جلد كثيف يحول بين المصلي وبين النجاسة.
فإذا نزعهما بأن أخرج رجليه منهما من غير أن يحركهما -فيكون بتحريكهما- حامل النجاسة صحت صلاته.
وقد قال بعض المتأخرين من الأندلسيين أمره في المدونة أن يقطع.
وهذا محمله: على أن الصلاة بالنجاسة ناسيًا غير صحيحة.
وأمره إذا لم يعلم، أن يعيد في الوقت.
والإعادة في الوقت تشعر بالصحة، فكان ينبغي على مقتضى قوله إن الإعادة في الوقلت: أن يتمادى ويعيد في الوقت.
وقال بعض أشياخي إنما أمره بالقطع استحسانًا 3. وقال ابن حبيب إذا رأى الحجاسة في الصلاة فانسيها وتمادى، فإنه يعيد الصلاة 4 وإن خرج الوقت.
لأن برؤيتها انتقضت صلاته.
وكذلك لو أمرناه بالإعادة في الوقت إذا صلى بها ناسيًا فنسي أن يعيد في الوقت، فإنه يعيد بعده.
فأنت ترى ابن حبيب كيف قال فيمن رأى النجاسة وهو في صلاته، إن صلاته انتقضت.
فهذا يشير إلى أن القطع واجب وليس باستحسان كما قاله شيخنا.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: المشهور من المذهب أنه إذا انصرف لغسل النجاسة فغسلها وعاد فإنه 1 يستأنف الصلاة.
وقال أشهب لو بني لأجزأه كالراعف.
وسنتكلم على حكم البناء على ما مضى من الصلاة في موضعه إن شاء الله تعالى عَزَّ وَجَلَّ.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: معنى تقييده لقوله مع الذكر تحرزًا من الناسي، فإن المشهور أن 2 صلاته صحيحة.
وإنما يعيد في الوقت.
وفي قول آخر عندنا أنه يعيد أبدًا وإن كان ناسيًا.
فعلى هذا القول لا يفتقر إلى زيادة التحرز بالذكر.
وأما قوله: والقدرة فتحرزًا ممن لا يجد ما يستر به عورته إلا ثوبًا نجسًا فإنه يؤمر بالصلاة به وصلاته مع هذا صحيحة لعدم القدرة على ثوب طاهر.
والكلام في إعادته للصلاة يذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى عَزَّ وَجَلَّ.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: تصير قوله: فأما ما كان على الثوب فلا يتوجه عليه فرض إلا في ترك محله، أو فعل الإزالة إن اختار المحل أو وجب.
لأن من عليه ثوب نجس فإنما عليه ألا يصلي به.
فإذا نزعه ولبس الطاهر سقط الفرض عنه.
فإن اختار 3 بقاءه عليه ليصلي به فلا بد من إزالة النجاسة.
وكذلك إن وجب بقاؤه عليه لأنه لا يجد ثوبًا يستره سواه فإنه يجب عليه الغسل ويصير إذن إذا اختار المحل الذي هو محل النجاسة أو وجب بقاؤه عليه 4 كالبدن الذي لا بد من غسله لاستحالة استبداله.
قال القاضي رحمه الله: وحكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة.
إلا أنه لا يتصور فيه الترك.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة عشر سؤالًا.
منها أن يقال:
1 - هل ستر العورة فرض أو سنة؟.
2 - وما حد العورة؟.
3 - وهل هي في الرجال والنساء سواء؟.
4 - وهل تصح الصلاة مع انكشافها؟.
5 - وما المشروع من اللباس للصلاة؟.
6 - وما حكم من لم يجد ما يستر به عورته؟
7 - وما حكمه إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؟.
8 - وما حكمه إن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا؟.
9 - وما حكمه إن وجدهما خاصة؟.
10 - وما حكمه إن صلى بأحدهما اختيارًا؟.
11 - وما أمر بإعادته من الصلاة هل يعاد بهما؟.
12 - وهل حكم الخز حكم الحرير؟.
13 - وما قدر ما يعفى عنه من الحرير؟.
14 - وما حكم ما طرأ في أثناء الصلاة من انكشاف العورة؟.
15 - وما تصير قوله إلا أنه لا يتصور فيه الترك؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما ستر العورة ففرض عن أعين المخلوقين.
وهذا معلوم متقرر في الشرع.
ومستحب عن أعين الملائكة.
وقد خرج الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوا منهم وأكرموهم 1. وخرج البخاري أنه نهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء 2. وأقل مراتب هذا النهي أن يحمل على الاستحباب.
وأما ستر العورة في الصلاة فقال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: اختلف أصحابنا في ذلك.
فذهب القاضيان إسماعيل وابن بكير والأبهري إلى أن ذلك من سنن الصلاة.
وذهب أبو الفرج إلى أن ذلك من فروض الصلاة.
هكذا ذكر القاضي أبو محمَّد.
وأشار ها هنا في التلقين إلى نقل المذهب على غير هذه الرتبة؛ لأنه ذكر أن حكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة.
وهو قد قدم أنه قد قيل في إزالة النجاسة أنها ليست من شرط الصحة.
ولا يدل ذلك على أنها ليست بفرض.
وذكر أنه قد قيل إنها من شرط الصحة مع الذكر والقدرة.
فأثبت أن كلا المذهبين لا ينفي كونها فرضًا.
وإذا جعل ستر العورة حكمه حكمها انتفى الخلاف أيضًا في كونه فرضًا.
وقد ذكر في غير هذا الكتاب الخلاف في ذلك كما حكيناه عنه.
فهذا يجب أن يتأمل.
وقد بسطنا نحن القول فيما تكلمنا عليه في الفصل الذي أحال عليه بما يغنيك عن إعادته ها هنا.
وأما أبو حنيفة والشافعي فذهبا إلى أنه من فروض الصلاة وقد تعلق بعض من رأى أن ستر العورة من فروض الصلاة 1 بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 2 وهذه الآية قد كثر كلام الناس عليها.
فأشار مالك رضي الله عنه في المستخرجة إلى أن المراد بالزينة الأردية، وبالمساجد الصلوات في المساجد.
وذكر ابن مزين أن المراد بالمساجد الصلوات.
وقال القاضي إسماعيل: ذهب قوم إلى وجوب لباس الثياب في الصلاة تعلقًا بهذه الآية.
والآية إنما نزلت ردًا لما كانوا يفعلونه من الطواف عراة تحريمًا للباس.
فهذا القصد بها.
ألا تراه سبحانه يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ 3. ويتعلق أيضًا من رأى ستر العورة فرضًا في الصلاة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة الحائض إلا بخمار" 4. ويستدل من أنكر كونها فرضًا في الصلاة بأنها لو كانت فرضًا لسقطت الصلاة عمن لم يقدر على ما يستر به عورته كما تسقط 5 عمن لم يقدر على الماء والتراب.
وقد روي أن الآية إنما تضمنت
الأمر بالزينة، والزينة إنما تكون بعد حصول العورة مغطاة.
فكان العورة لا ذكر لها في الآية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما السوءتان القبل والدبر فلا شك في كونهما عورة.
وما فوق السوأة إلى السرة، وما تحتها إلى الركبة هو من العورة عندنا أيضًا.
وليست نفس الركبة ولا نفس السرة من العورة 1. وقد قال بعض أصحابنا إنما العورة السوءتان والفخذان.
وذكر 2 ابن خويز منداد: أن مالكًا أجاز للرجل أن ينظر إلى فخذ خصي امرأته.
وأن أصحابنا حملوا هذا على أن العورة هي الفرج.
وأن التحديد من السرة إلى الركبة، لأصحاب مالك لا لمالك.
وبما قلناه إن العورة من السرة إلى الركبة.
قال أبو حنيفة والشافعي.
لكن لأبي حنيفة تفصيل في إعادة الصلاة بانكشاف بعض ذلك.
وقد اختلفت الأحاديث.
ففي حديث جرهد: خمر عليك فخذك.
أما علمت أن الفخذ عورة 3. وهذا كالنص على كون الفخذ عورة.
وفي حديث عثمان لما ستر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فخذه.
وقد 4 كان منكشفُ الأبي بكر وعمر رضي الله عنهما 5.
ما قد يستدل به على أنه ليس بعورة.
والواجب بناء هذه الأحاديث إن أمكن أو
الترجيح بينها إن لم يمكن.
وذلك مما يتسع القول فيه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: النساء على قمسين: حرة وأمة.
فأما الحرة فكلها عندنا 1 عورة إلا الوجه والكفين.
لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 2. قيل المراد بما ظهر منها: الكحل والخاتم.
قال ابن الجهم لأن بها ضرورة إلى إبداء هذين العضوين للمعاملات والأخذ والعطاء فدعت الضرورة إلى استثناء هذين العضوين.
لأن المرأة يباح لها لبس الخفين في الإحرام.
فلو كان ساقها ليس بعورة ما جاز أن تستره كما لا تستر وجهها في الإحرام.
وأما الأمة فقد قال مالك في المدونة إنها لا تصلي إلا بثوب يستر جميع جسدها وتصلي بغير قناع.
فجعلها أخفض رتبة من الحرة التي لا تصلي إلا بقناع.
ونص أصبغ في كتاب ابن حبيب على أن مبلغ عورتها مبلغ عورة الرجل.
وقال لو صلت مكشوفة البطن ما ضرها.
والستر موضوع عنها عند الرجال.
وفي المبسوط إجازة إبداء يديها وعنقها وصدرها ما على الثديين منه وارتفع عنهما.
ولمالك في كتاب ابن حبيب كراهة نظر المشترى عند التقليب لصدرها 3 ومعصمها.
وبالجملة فإن ظاهر المذهب انخفاض رتبتها عن الحرة في حكم العورة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قد أشار القاضي أبو محمَّد رحمه الله إلى الجواب عن ذلك لما ذكر أن حكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة.
وذكر أن إزالة النجاسة اختلف فيها.
هل ذلك من شرط الصحة أم لا؟ وأشار إلى أنه يصح القول بصحة الصلاة مع 4 كون ذلك فرضًا.
والبخاري على الألسنة في المذاكرة، وهي طريقة بعض الأشياخ، إن القول بأن ستر العورة فرض يقتضي بطلان الصلاة إذا لم تستر.
وإن القول بأنها سنة لا يقتضي بطلان
الصلاة إذا لم تستر.
وقد 1 قال ابن القاسم في المصلي عريانًا إنه يعيد أبدًا.
وقال أشهب يعيد في الوقت.
وقال أصبغ إن عورة الرجل والأمة من السرة إلى الركبة.
ولكن انكشاف فخذ الرجل في الصلاة لا يقتضي الإعادة.
وانكشاف فخذ الأمة 2 يقتضي الإعادة في الوقت.
فأنت ترى كيف ساوى 3 بينهما في كونهما عورة، وفرق بينهما في حكم الإعادة.
وما ذلك إلا لغلظ حكم العورة في فخذ الأمة وخفته في فخذ الرجل.
ولقد قسم أبو حنيفة العورة إلى قسمين: مغلظة وهي السوأتان، ومخففة وهي ما سواهما.
فانكشاف السوأتين عنده يوجب الإعادة، وانكشاف فخذ الرجل لا يوجب الإعادة.
وانكشاف أقل من الربع من ساق المرأة أو شعرها لا يوجب الإعادة.
وعند صاحبه أبي يوسف انكشاف النصف فأقل مما ذكرناه لا يوجب الإعادة.
وقد قال بعض المتأخرين من الأندلسيين لا يبعد تقسيم العورة إلى المغلظة والمخففة كما قال أبو حنيفة.
وذكر أن قول مالك في المرأة تصلي بادية الصدر والشعر أنها تعيد في الوقت، يشير إلى ذلك.
وما ذكرناه نحن عن أصبغ من التفرقة في الإعادة بين فخذ الرجل والأمة، فيه إشارة أيضًا إلى التغليظ والتخفيف.
ولكن ليس على الصورة التي قصد أبو حنيفة إليها.
وقد وقع لأشهب ما يشير إلى خلاف هذه الطريقة.
وذلك أنه قال: من صلى عريانًا أو في ثوب يشف، أو في ثوب لا يبلغ الركبتين فإنه يعيد في الوقت، فأشار ها هنا إلى كون 4 الفخذ عورة لذكره الثوب المتقاصر عن الركبة.
وسوى في الإعادة بينه وبين العريان.
فلم يختلف عنده حال العورة.
وإن كان قد وقع له أن من صلى في سراويل أو تبان فإنه يعيد في الوقت وإن كان هذا لم تنكشف له عورة.
ولعله إنما أمره بالإعادة لأنه لم يأخذ الزينة المأمور بها عند الصلاة.
وقد قال بعضهم إن الصلاة بالمئزر أحسن من السراويل لأن السراويل تصف شكل
الفرج.
وإنما ذكرنا قول أشهب هذا في المصلي بالسراويل لإمكان تأويل الصلاة 1 في الثوب المتقاصر عن الركب على هذا والأظهر تأويله على ما تقدم.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اضطرب المذهب في المشروع من اللباس للصلاة.
وقد كنا أشرنا إلى الاختلاف في المذهب في تأويل قوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 2. فتأول السدي الآية على أن المراد بها ستر العورة.
وهذا يطابق قول أصبغ إن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد بناءً على تخفيف حكم العورة في الفخذ 3. وقد يطابق أيضًا قول ابن القاسم: من صلى بمئزر لم يعد.
فلعله بناه على أن الفخذ عورة وأن المئزر يستر نهاية العورة وزيادة عليها.
وقد قال بعض أشياخي بأن في المذهب اختلافًا في الواجب من اللباس في الصلاة.
وأشار إلى هاتين الطريقتين: إحداهما إيجاب ستر السوأتين، والآخر إيجاب الائتزار في الوسط.
وذكر أبو الفرج أن لمالك في الواجب من اللباس للصلاة كلامين.
أحدهما ما يدل على وجوبه وهو قوله في المكفر عن يمينه: إنه يكسو للرجل ثوبًا وللمرأة درعًا وخمارًا وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة.
وقوله في أم الولد: تصلي بغير قناع تعيد، ولا أوجبه عليها كما أوجبه على الحرة.
والكلام الثاني الموهم أنه سنة، قوله في الحرة: تصلي بادية الصدر أو الشعر، أنها تعيد في الوقت.
قال: وبما دلَّ عليه قوله من الوجوب أقول.
وحمل بعض أشياخي هذا الذي نقلناه عن أبي الفرج على أن الواجب ستر جميع البدن على حسب ما فصله مالك.
ولعله تعلق في هذا بقول مالك: وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة.
وظاهر عبارة الإجزاء يقتضي الوجوب.
وهذا الذي قاله، وإن كان ظاهرًا، يمكن 4 المنازعة فيه، بأن يقال لعل مالكًا أراد بقوله: وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة، أي ما يكفي فيها.
ويحتاج إليه للقيام بالفضل من اللباس لا بالفرض.
لأن اللباس يتنوع إلى فرض وفضل.
وإذا ثبت أن المستحب والمشروع ستر جميع البدن في الصلاة أمكن أن يعبر عن ذلك بأن يقال إن الثوب هو أدنى ما يجزئ فيه بمعنى أدنى ما يكفي فيه.
وقد كنا قدمنا أنه قد وقع في المذهب تأويل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، على أن المراد بالمسجد الصلوات.
وهذه إشارة إلى أمر الفذ بالزينة.
فإن صح ما حمله شيخنا على أبي الفرج فيكون الأمر عنده ها هنا على الوجوب، فخرج من مضمون ما حكيناه أن المذهب عنده 1 على أربعة أقوال: أحدها: إيجاب ستر جميع البدن على حسب ما تأوله على أبي الفرج.
والثاني: لا يجب ستر شيء منه بناءً على ما كنا قدمناه من قول من قال من أصحابنا إن ستر العورة سنة.
فمن صلى على هذه الطريقة في بيته عريانًا لم تكن صلاته باطلة.
والقول الثالث: إيجاب ستر السوأتين خاصة.
والقول الرابع: إيجاب الاتزار من الوسط.
وقد بسطنا القول في هذا فلا معنى لإعادته.
وإذا ثبت أن الزينة مأمور بها فقد قال مالك: إنها الأردية.
وإن المسجد المذكور في القرآن المراد به الصلوات في المساجد.
فأشار إلى استحسان الأردية للمصلين في المساجد ورأى أن الحال فيها ينبغي أن يكون أرفع من الح الذي البيوت.
وكره في المدونة للإمام أن يصلي بغير رداء في المسجد.
واستخفه إذا أم في غير المسجد.
واستحب مع هذا أن يجعل عمامة على عاتقه.
ورأيت فيما علق عن أشياخي القرويين: أن الشيخ أبا عمران رأى أن العمامة إذا جعلت على العاتقين قامت مقام الرداء وسقطت الكراهة.
وخالفه في ذلك أبو القاسم بن الكاتب.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي الرجل بثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" 2.
وهذا الحديث يصلح أن يكون حجة لمن تأول على أبي الفرج من إيجاب اللباس في الصلاة، لإيجابه ستر العاتقين.
إذا قلنا إن النهي ها هنا على الحتم
والإلزام.
وإن لم نقل إنه على الحتم والإلزام كان حجة لما قلناه من أن في اللباس فضلًا مندوبًا إليه في الصلاة.
وذكره - صلى الله عليه وسلم - العاتقين إشارة لما استحبه 1 العلماء من وضع الرداء على العاتقين أو العمامة على تفصيل لهم قد ذكرناه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: من لم يجد ما يستر به عورته فإن حكمه عندنا أن يصلي قائمًا كما 2 يصلي الساتر لعورته.
وعند الأوزاعي حكمه أن يصلي جالسًا.
وخيره أبو حنيفة بين الأمرين.
وسبب الخلاف في ذلك أن ستر العورة فرض.
والقيام في الصلاة فرض.
والقائم تبدو عورته والجالس تستر، فيعتبر أي الفرضين آكد؟ فيترك الأضعف له.
فرأى مالك أن 3 القيام آكد لأن الشرع لم يسقطه إلا إلى بدل وهو الجلوس.
وستر العورة يسقط إلى غير بدل فدل على أنه أضعف.
فإذا أثبت أن القيام آكد قدم، وكان الواجب الصلاة قائمًا.
ورأى الأوزاعي أن ستر العورة آكد لأنه لم يسقط في الشريعة، في موضع من المواضع ولا في صلاة من الصلوات.
والقيام قد سقط في الشريعة 4 اختيارًا في صلوات النوافل.
وما لم يسقط أصلًا آكد مما يسقط في حال ويثبت في حال.
وإذا ثبت أنه آكد فيكون الفرض الجلوس لأنه أستر.
ورأى أبو حنيفة الترجيحين كالمتساويين فخير بين الأمرين.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي به خلافًا للشافعية في قولهم إنه يصلي عريانًا.
ولأبي حنيفة في قوله إنه 5 بالخيار.
وإنما قلنا هذا لأن ستر العورة آكد من طهارة الثوب.
ألا ترى أن كشف العورة لا يباح في حال من الأحوال، ولباس الثوب النجس سائغ في كل الأحوال إلا في الصلاة.
فإذا كان ستر العورة آكد قدم.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا فإنه
يصلي عريانًا.
قاله ابن القاسم وأشهب.
ويتخرج من قوله في المدونة -فيمن لم
يجد إلا ثوبًا حريرًا أو ثوبًا نجسًا أنه يصلي بالحرير- أن يصلي من لم يجد إلا
ثوبًا حريرًا، بالثوب الحرير؛ لأنه قدمه في المدونة على الثوب النجس.
والثوب النجس مقدم على التعري.
فإذا قدم على -ما قدم على التعري فلا يصح أن يقدم التعري عليه.
وسبب هذا الاختلاف مراعاة الترجيح: فمن قدر أن ستر العورة آكد صلى بالحرير.
ويحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في لبسه لحكة 1 فضرورة الصلاة به آكد.
ومن رأى اجتناب الحرير آكد صلى عريانًا.
وعندي أنه لما كان لبس الحرير يمنع عمومًا في غالب الأحوال، والتعري يمنع عمومًا، حسن الخلاف فيهما.
أيهما يقدم؟ ولما كانت النجاسة يجوز لباسها عمومًا إلا في الصلاة لم يختلف عندنا في أن الصلاة بها أولى من التعري.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبين كتانًا نجسًا أو حريرًا طاهرًا فبأيهما يصلي؟ فيه قولان: أحدهما: يصلي بالنجس] والآخر بالحرير.
وسبب الاختلاف في ذلك ما قدمناه من مراعاة الأخف والأثقل.
فمن رأى الحرير أخف؛ لأن النهي عنه لا يختص بالصلاة قدمه.
ومن رأى النجس أخف لأنه يحل لبسه في عموم الأحوال إلا في الصلاة قدمه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما إن صلى بالنجس اختيارًا مع وجود ثوب طاهر فقد تقدم الكلام عليه، وذكر الاختلاف فيه.
وما قيل في غسل النجاسة هل هو سنة أو فرض فلا معنى لإعادته.
وأما إن صلى بثوب حرير، مع القدرة على ثوب طاهر، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يصلي به، وعليه ما يواريه سواه، أو صلى به وليس عليه سواه.
فإن صلى به وعليه ما يواريه، فاختلف في الإعادة.
فقيل لا إعادة عليه.
وقيل يعيد في الوقت.
وهكذا اختلف
فيمن صلى متختمًا بالذهب.
فمن نفى الإعادة فلأن العورة مستورة بما تحل الصلاة به.
ولأن النهي عن لبس الذهب والحرير لم يكن لأجل الصلاة ولا مختصًا بها فلا تعاد لمخالفة نهي لا يختص بها ولا يعود إليها.
ومن رأى الإعادة في الوقت، فلأن ركوب النهي في الصلاة يثبت فيها نقصًا، فينبغي أن يتلافى هذا النقص بالإعادة في الوقت ليأتي بصلاة لم يركب فيها نهيًا.
وأما إن لم يكن عليه ما يواريه سوى ثوب الحرير فصلى به اختيارًا، ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: نفي الإعادة.
والثاني: إثباتها في الوقت.
والثالث: إثباتها وإن خرج الوقت.
فتوجيه القولين الأولين كتوجيه ما تقدم في الصلاة به وعليه ثوب آخر سواه.
وأما القول الثالث بالإعادة أبدًا فإنما اختص بهذا القسم لأجل أن ستر العورة واجب على الطريقة التي قدمناها.
ولبس الحرير منهي عنه كما قدمناه، فإذا كان ستر العورة مأمورًا به ولبس الحرير منهيًا عنه فلا يكون ركوب النهي امتثالًا للأمر.
وإذا لم يكن امتثالًا صار في معنى من صلى عريانًا.
ومن صلى عريانًا يعيد الصلاة أبدًا على الطريقة التي قدمنا.
ولكن يلزم هؤلاء عندي على هذا التعليل أن يقولوا فيمن صلى بثوب مغصوب أنه يعيد الصلاة أبدًا.
وإن التزموه طرد عليهم الأمر في الصلاة في الدار المغصوبة.
وإجزاء الصلاة في الدار المغصوبة، هو المعروف عند العلماء.
لا يكادون يجدون انفصالًا عما ألزمناهم إلا أن يقولوا إن النهي عن الصلاة بالثوب المغصوب وفي الدار المغصوبة لحق الخلق، والنهي عن لباس الحرير لحق الخالق.
والنهي يفترق حكمه إذا كان عائدًا لحق الخلق أو عائدًا لحق الخالق.
وهذه الطريقة 1 يستعملها أشياخ المذهب، ولعلنا نبسط القول فيها في كتاب البيوع إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: ذكر أشهب فيمن صلى عريانًا وهو واجد لثوب نجس أنه يعيد به 2 في الوقت.
وقد قدمنا أن أصل أشهب فيمن صلى عريانًا أنه يعيد في الوقت.
وقال سحنون فيمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو ثوبًا حريرًا نجسًا فصلى به، ثم وجد في الوقت ثوبًا حريرًا طاهرًا