شرح التلقينصفحات 236-275
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 236-275

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما الخنزير، فقد اختلف قوله في غسل الإناء من ولوغه سبعًا.
فأثبته قياسًا على الكلب لأنه أغلظ في التحريم منه وأشد استقذارًا فكان أحق بتكرير الغسل من الكلب.
ونفاه مرة أخرى لأن سائر النجاسات "المجمع عليها لم يرد الشرع باشتراط عدد فيها.
ولهذا أمر عليه السلام يصب ذنوب على بول الأعرابي ولم يشترط عددًا 1. وقال في الدم حتيه ثم اغسليه 2 ولم يشترط عددًا.
فإذا لم يشترط العدد في النجاسة "المجمع عليها، فالخنزير أحرى ألا يشترط.
وقياسه على الكلب لا يصح إلا بعد اجتماعهما في علة واحدة.
ولم يقم الدليل على اجتماعهما في ذلك فأبقي 3 كل واحد منهما على ما اقتضاه الشرع فيه.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما غسل الإناء فلا يجب إلا عند إرادة الاستعمال هذا مذهب الجمهور.
وذهب بعض المتأخرين إلى غسله وإن لم يرد استعماله.
لأنهم رأوا أن الغسل إنما كرر تغليظًا.
وطرد هذا أن يغلظ عليه بغسله وإن لم يرد استعماله.
وهذا غير صحيح؛ لأنا وإن سلمنا أن الشرع إنما كرر غسله تغليظًا فليس لنا أن نغلظ على المسلمين بكل ما اتفق.
هذا وأصول الشرع مبنية على أن لا تجب الطهارة حتى يحضر الذي من أجله وجبت سواء كانت طهارة حدث، أو نجس أو عبادة.
وكذلك يجب أن يكون الحكم في مسألتنا لا تجب طهارة الإناء إلا عند إرادة استعماله لأنه إنما يطهر للاستعمال.

قال القاضي رحمه الله: ثم الحيوان بعد ذلك على ضربين بري وبحري.

فالبحري طاهر العين حيًّا وميتًا، كان سمكًا، أو غيره، كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له، لا ينجس في نفسه إذا مات 1 ولا ينجس ما مات فيه من ماء 2 أو مانع.
ويجوز 3 التطهر مما 4 مات فيه على الإطلاق، إلا أن يغيره فيصير مضافُ الا نجسًا.
والبري ضربان منه ما له نفس سائلة كسائر ما ذكرناه من الدواب وغيرها من الطير والفأر 5 والسنانير.
فما مات من ذلك نجس.
ونجس 6 ما مات فيه من مائع غيره أو لم يغيره، ولا ينجس الماء إلا إن غيره.
إلا أنه يستحب نزح البئر التي تموت فيها بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته.
وذلك توق واستحباب.
وما تغير وجب نزح جميعه إلى أن يزول التغير.
والضرب الآخر ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والخنفساء والصرار، وبنات وردان وشبه ذلك.
فحكم هذا حكم دواب البحر لا ينجس في نفسه، إذا مات 7 ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء، وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود النحل.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما معنى تقييده بقوله حيًّا وميتًا؟.
2 - وما معنى تقييده بقوله كان مِمَّا له شبه في البحر أو مما لا شبه له؟.
3 - وما معنى قوله لا ينجس في نفسه إذا مات ولا ينجس ما مات فيه؟.
4 - وما معنى تقييده بقوله من ماء أو مائع؟.
5 - وما دليل هذه الجملة؟.
6 - وما مرادهم بالنفس السائلة؟.
7 - ولم كان المائع ينجس وإن لم يتغير والماء لا ينجس إلا بالتغير؟.
8 - ولم كان النزح توقيًا واستحبابًا فيما لم يتغير؟.
9 - ولم كان ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت؟.

10 - وهل البرغوث والبعوض ملحق بالقسم الأول أو الثاني؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما قيد ذلك بذكر الحياة والموت لأن أبا حنيفة ذهب إلى أن ميتة البحر لا تحل كميتة البر.
ولنا عليه قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ 1. قال عمر رضي الله عنه: الصيد ما صيد منه.
وطعامه ما رمى به.
وله علينا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
2 ولم يفرق بين ميتة البر والبحر.
وهذان عمومان تعارضا.
فيجب رد أحدهما للآخر.
فله أن يقول المراد بقوله صيد البحر وطعامه ما كان حيًا بدليل قوله تعالى حرمت عليكم الميتة.
ولنا أن نقول المراد بقوله حرمت عليكم الميتة إذا كانت برية بدليل قوله أحل لكم صيد البحر وطعامه.
وإذا تعارض العمومان وتقابل البناءان وجب طلب الترجيح.
فلنا ترجيحان أحدهما: من نفس الظاهر، والآخر من غيره.
فأما الذي من نفسه فهو قوله وطعامه بعد ذكره لصيده فيجب أن يحمل قوله وطعامه على فائدة ثانية غير فائدة قوله صيد البحر، ولا فائدة لها إلا ما رمى به.
والغالب فيما رماه أنه لا يكون إلا ميتًا.
وقد ذكرنا قول عمر رضي الله عنه في تأويل الآية وهو صاحب وإمام يرجح بقوله.
وأما الترجيح من غير الآية فقوله عليه السلام في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته 3. وهذا يستعمل ترجيحًا ودليلًا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قيد بقوله كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له؛ لأن من العلماء من ذهب إلى أن ما كان له شبه في البر فحكمه حكم شبهه كإنسان الماء والكلب والخنزير، لا يحل 4 أكلهم وإن كانوا من دواب الماء.
لأن أشباههم من حيوان البر لا تؤكل.
وقد سئل مالك في المدونة عن خنزير الماء فتوقف فيه.
فلأجل هذا الاختلاف قيد بقوله كان مما له شبه في البر أم لا؟ ليشير بهذا التقييد إلى هذا الاختلاف.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما أتى بهاتين الجملتين لأن

الشافعي ذهب إلى أن ما تولد من الحيوان في شيء كدود النحل والباقلاء فإنه في نفسه نجس.
وإن كان لا ينجس ما مات فيه لأنه مما لا يمكن التحرز منه.
لكن لو ألقي هذا الدود في شيء آخر لنجسه لإمكان التحرز منه 1. فقد صار الشيء في نفسه نجسًا.
ولم ينجس ما مات فيه.
فأتى بالجملتين لئلا يظن ظان به إذا اقتصر على أحد الحكمين أنه نفى الآخر.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما ذكر الماء والمائع لئلا يظن ظان به متى اقتصر على الماء خاصة أن المائع بخلافه.
ويتوهم أن الماء لما كان مما لا ينفك من دوابه المخصوصة به غالبًا عفي عنه ولم يحكم بنجاسته لموت دوابه فيه، كما لم يحكم بإضافته بتغيره بالطحلب، وشبهه لعدم التحرز منه.
والمائع بخلافه في هذا.
ولأن الماء أيضًا يدفع عن نفسه والمائع بخلافه 2 فلأجل هذه الشبهة نبه على أن المائع مساو للماء ها هنا.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما الدليل على صحة ما قاله من طهارة الحيوان البحري وإن كان ميتًا، وإن كان مما له شبه في البر فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ 3. فعم.
وقوله عليه السلام في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته 4.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الظاهر من مرادهم عند بعض شيوخنا بالنفس السائلة الدم.
والنفس من الأسماء المشتركة، فتكون النفس بمعنى العين والذات ومنه قولهم نفس الجوهر ونفس العرض.
وهذا لا يصح أن يريدوه ها هنا.
وتكون النفس بمعنى الروح على رأي بعضهم.
ثم يختلف هؤلاء في حقيقة هذا المعنى اختلافًا يطول شرحه.
ولا مدخل له ها هنا.
ويكون النفس بمعنى الدم 5 ومنه قولهم نفست المرأة وهذا المراد عند بعض شيوخنا بقولهم النفس السائلة يعني الدم.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما كان المائع ينجس وإن لم يتغير في المشهور من المذهب والماء لا ينجس إلا بالتغير في المشهور من المذهب 1 أيضًا لأن الماء تطهير به النجاسات وتزال به وهو مختص بهذا الحكم دون غيره مما سواه من المائعات.
فإذا أثبت اختصاصه بهذا الحكم 2 وأنه يطهر النجاسات لم تؤثر فيه إذا طرأت عليه إلا أن تغيره وتغلب عليه.
إذ لو أثرت فيه إذا طرأت عليه لم يؤثر فيها إذا طرأ عليها.
والمائعات سواه لا تطهير النجاسات إذا طرأت عليها فوجب لذلك أن تؤثر فيها النجاسات إذا طرأت عليها وإن لم تغيرها.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما كان النزح توقيًا واستحبابًا لأن الماء لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرته على ما قدمنا وعلى ما اقتضاه قوله عليه السلام: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه 3 الحديث.
فنفى كونه نجسًا مع عدم التغير.
وهذا ينفي وجوب النزح إذ الطاهر لا ينزح ولكنه يستحب ذلك فيه لأجل الاختلاف، ولأجل قول بعضهم أن الحي إذا مات خرجت منه بلة تطفو على وجه الماء، فينزح من الماء قدر ما يقع في النفس أنها تذهب بذهابه.
ويستعمل بعض هذا الماء لإذهاب النجس كما قال بعضهم في الماء المتغير يصح أن يضاف إليه ماء آخر ليذهب التغير بالمكاثرة.
فالمكاثرة ها هنا في معنى النقض هناك 4.

والجواب عن السؤال التاسع: أن قال: إنما كان ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت لما قدمناه عن بعضهم من أن الحيوان علة النجاسة فيه ذات وصفين: الموت، والنفس السائلة.
للاتفاق على نجاسة ما هذا 5 حاله.
فإذا لم يوجد أحد الوصفين لم يثبت الحكم.
ويؤكد هذا قوله عليه السلام: إذا وقع

الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه 1. فلو كان ينجس بالموت لفسد الطعام بغمسه فيه لأن الغالب موته بالغمس وإذا مات في الطعام نجس الطعام وفسد.
وما كان عليه السلام يأمر بإفساد الطعام وتنجيسه.
وقد صار الشافعي إلى نجاسته بالموت ورأى أن العلة ذات وصف واحد وهو الموت خاصة.
فطردها في جميع الحيوان وطرد أصله.
فقال بنجاسة دود النحل إذا مات فيه لوجود الموت الذي هو علة الحكم.
ولكنه لم يقل بنجاسة النحل لعدم حفظه وصيانته عن موت الدود فيه.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف ظاهر المذهب في البرغوث.
فألحقه ابن القصار بما له نفس سائلة لوجود الدم فيه.
وقد قدمنا أن النفس السائلة عبارة عن وجود البلة والدم وهذا موجود في البرغوث.
وحكي عن سحنون ما ظاهره إلحاقه بما لا نفس له سائلة.
وحكى ابن حبيب أن البعوض كالجراد فألحق البعوض بما لا نفس له سائلة مع أن فيه دمًا.
ونقطة الاختلاف في ذلك أن هذا الدم في هذا الصنف من الحيوان ألحقه بما له نفس سائلة عند من رأى ذلك.
ومن اعتبر كون الدم أصليًا لا طارئًا، ألحق هذا بما لا نفس له سائلة.
لا سيما وما لا دم له أصلًا، لا أصليًّا ولا طارئًا قد صار الشافعي إلى نجاسته بالموت، فالأصل ما قيس عليه هذا غير متفق على صحته.

قال القاضي رحمه الله: ولا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا لشيء من المسنونات والقرب بمائع سوى الماء المطلق.
والنبيذ التمري المسكر 2 نجس كالخمر لا يجوز شربه ولا التطهر به لا لحدث ولا لنجس.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة ما قال؟.

2 - ولم ذكر طهارة الحدث والنجس؟.
3 - ولم كان النبيذ المسكر نجسًا؟.
4 - ولم لا يجوز التطهر به؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الدليل على أنه لا يجوز التطهر بما سوى الماء المطلق.
فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 1. فجعل الحكم عند عدم الماء التيمم، ومن وجد مائعًا سوى الماء ولم يجد سواه فإنه غير واجد للماء 2. ومن كان غير واجد للماء فحكمه التيمم على ظاهر القرآن.
وقد قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 3. وهذا وإن كان على وجه 4 الامتنان علينا، فإن فيه تنبيهًا على فضل الماء واختصاصه بهذا الحكم.
إذ لو لم يختص به، وكان كل ما سواه يطهر مثله 5 لكان وجه الكلام أن يقول خلقنا كل مائع طهورًا لكم 6 فدل ذلك على أنه يختص بالتطهير عمومًا في طهارة الحدث والنجس.
ولأن هذه 7 شرائع وعبادات غير معقولة المعنى فليس لنا إن نضع منها ولا أن نشرع فيها إلا ما شرع الله سبحانه 8. كما ليس لنا أن نشرع جواز التوضؤ بالأدهان وغيرها.
وإن كانت مائعة مثل الماء.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما ذكر طهارة الحدث والنجس.
لأنه لو اقتصر على طهارة الحدث لأمكن أن يظن به ظان أنه يجيز طهارة النجس بغير الماء كما 9 صار إليهم بعضهم.
ولأن ما سوي الماء قد أثر في النجاسة على أحد القولين عندنا في طهارة جلد الميتة بالدباغ.
والدباغ ليس من الماء بسبيل.
فلما أثر ما سوى الماء في بعض المواضع على هذا القول نص على أن طهارة النجس كطهارة الحدث في الحكم الذي ذكره.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما كان النبيذ المسكر نجسًا لمشاركته للخمر المتفق عليه في علة النجاسة.
لأن الخمر المتفق عليه إنما كأن نجسًا عندنا لوجود الشدة المطربة.
ألا تري أنه إذا كان حلوا كان حلالًا.
وإذا اشتد حرم.
فإن تخلل من قبل الله سبحانه بعد ذلك حل.
فلما رأينا الحكم متعلقًا حصوله بحصول الشدة المطربة وعدمه بعدمها، علمنا أنها علة الحكم.
وإذا كان ذلك كذلك وكان التمري فيه من الشدة المطربة ما في العنبي، وجب أن يكون حكمهما واحدًا في التحريم والنجاسة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما لم يجز التطهر به لما قدمناه من كونه نجسًا، والنجس لا يتطهر به.
وقد أجاز الأوزاعي الوضوء بسائر الأنبذة.
وروي مثله عن عليّ رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: إنما يجوز بمطبوخ التمر فقط إذا أسكر دون النقيع والنيئ بشريطة عدم الماء.
ولنا عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 1. فلم يجعل بين عدم الماء والتيمم واسطة.
فمن جعل بينهما واسطة فقد خالف الظاهر.
ولأنه إن كان أصلًا جاز الوضوء به مع وجود الماء.
وإن كان بدلًا فيجب كونه أعم وجودًا من المبدل وأسهل تناولًا.
وهذا مقتضى الحكمة لأنه إنما يبدل الشيء عند عدمه بعوض هو أكثر منه وجودًا وأسهل تناولًا.
وإذا بطل كونه أصلأوبدلًا بطل أن يكون له في الطهارة مدخل.
فإن تعلقوا برواية ابن مسعود بأنه قال عليه السلام ليلة الجن: ما في إدواتك؟ قال: نبيذ.
فقال: تمرة طيبة وماء طهور 2. زاد بعضهم فتوضأ منه.
فقيل عنه أجوبة.
فقيل إنه منسوخ لأنه كان بمكة ونزلت آية الوضوء التي دلت على منع الوضوء به بالمدينة.
والآخر ينسخ الأول.
وأيضًا فإنه يمكن أن يكون لم يتغير وإنما سمي نبيذًا لأنه قد نبذ.
وهذه التسمية تحصل له وإن لم يتغير.
وقد قال الترمذي: أن أبا زيد راويه رجل مجهول 3 وهذا كله يمنع التعلق به.

باب في الاستنجاء - وآداب الإحداث

قال القاضي أبو محمَّد رضي الله عنه: ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد بموضع لا يقرب منه أحد، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، إلا أن يكون في منزله أو بين البنيان فيجوز له ذلك.
ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق, ولا شاطئ نهر ولا في ماء دائم,إلا أن يكون كثيرا جدًا كالمستبحر.
ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحديث.
وإذا 1 أراوإلاستنجاء فبشماله، إلا أن يكون له عذر.
ويفرغ الماء على يده 2 قبل أن يلاقى بها الأذى.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - لم استحب الإبعاد؟.
2 - ولم نهي عن استقبال القبلة واستدبارها؟.
3 - ولم أجاز ذلك في البنيان؟.
4 - ولم نهي عن قضاء الحاجة على قارعة الطريق، وما ذكر معها؟.
5 - ولم كره الكلام في حال الحدث؟.
6 - ولم خص الاستنجاء بالشمال؟.
7 - ولم استحب إفراغ الماء عليها قبل أن يلقى بها الأذى.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما استحب الابعاد لئلا يخرج منه صوت فيسمعه من كان قريبًا منه.
وهي من العورة التي كشفها قبيح.
فأمران

يبعد من الناس ليأمن من ذلك.
وقد نبه على ذلك عليه السلام بقوله: تنح عني فإن كل بائلة تفيخ 1. وكان عليه السلام إذا أتى حاجته أبعد في المذهب.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها إعظامًا للقبلة وتشريفُ الها أن تستقبل أو تستدبر بالعورة.
وتواجه بما يستره 2 الناس بعضهم عن بعض.
وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: من جلس يبول قبالة القبلة فتذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسمعتى يغفر له 3. وهذا تنبيه على العلة التي ذكرناها.
وذهب بعضهم إلى أن علة ذلك ستر العورة عمن يصلي إلى القبلة من الملائكة وغيرهم.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب عروة وربيعة وداود إلى جواز استقبال القبلة واستدبارها في المدائن والفلوات.
وذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك فيهما.
وفصل مالك رحمه الله كما تقدم.
فأجاز في المدائن ومنع في الفلوات واحتج من أجاز ذلك 4 على الإطلاق بقول ابن عمر ارتقيت على بيت فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين لحاجته مستدبر القبلة، مستقبل بيت المقدس 5. واحتج من يمنع على الإطلاق بقوله عليه السلام: لا تستقبلوا القبلة لبول ولا لغائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا 6. ولما رأى مالك رضي الله عنه اختلاف هذين الحديثين ولم يمكن

إسقاط أحدهما للآخر مع إمكان رد بعضها إلى بعض قال بجواز ذلك في المدائن على حسب رواية ابن عمر.
ومنع ذلك في الصحاري على مقتضى الحديث الآخر.
وخص عموم النهي بحديث ابن عمر.
وأكد هذا بضرب من الترجيح وذلك أن م ابن ي من المراحيض في المدائن، يتعذر أن تبنى كلها على قصد واحد مع اختلاف جهاتها.
وإذا تعذر ذلك ودعت الضرورة لبناء بعضها مستقبل القبلة أو مستدبرها دعت الضرورة لمسامحة الجالس عليها للحديث أن يقعد على مقتضى وضعها.
وهذا المعنى مفقود في الصحاري فأجرى الأمر فيها على مقتضى الحديث.
فإن قيل فَمَا لَا يتعذر فيه الانحراف في المدائن كالشوارع والسوق، إذا اجتنب قارعة الطريق فهل يمنع لعدم الضرورة ويلحق بالفلوات، أو يجوز طردًا للباب؟ قيل ظاهر المذهب على قولين: أحدهما الإباحة وهو ظاهر قول القاضي أبي محمَّد في هذا الكتاب بظاهر حديث ابن عمر.
ولأن العلة عند بعضهم استقبال المصلين في الفيافي من الملائكة وغيرهم وهذا المعنى مفقدد في المدائن لإحاطة الجدر به.
والثاني المنع لأن علة الجواز في المدائن عدم القدرة على الانحراف.
فمتى قدر على إجلال القبلة للانحراف أمر به.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد تقدم ذكره وعلة جواز ذلك في المدائن في السؤال الذي قبل 1 هذا فأغنى عن إعادته.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما نهي عن قضاء الحاجة على قارعة الطريق وشاطئ النهر, والماء الكثير تعليق بذلك من حقوق الناس, ولم ينالهم من الأذي بفعل ذلك علي قارعة الطريق في تصرفاتهم, وشاطئ النهر في شربهم وطهارتهم.
والماء الكثير بإفساده ومنع استعماله له ولغيره.
وقد قال عليه السلام: اتقوا الملاعن الثلاث 2. ومعناه أن الناس إذا خلوا بهذه المواضع فمنعهم من الانتفاع بها ما فيها من الأذى، نعنوا من قطع حظهم منها.

وقال عليه السلام: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم 1. وعلته ما قلناه من إفساده.
وقد يتغير من ذلك فيظن من ورد عليه أنه تغير مما لا ينجسه فيستعمله.
وهو مما لا يجوز استعماله.
ومن هذا المعنى، كره التغوط في ظلال الجدر والشجر لقطع منفعة الناس.
ويكره البول في الأجحار لأنه عليه السلام نهى أن يب الذي الجحر 2. فقيل معناه أنه قد يخرج من الجحر ما يلسعه ويرد عليه البول.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما نهي عن المخاطبة في حال الحدث لقوله عليه السلام: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك 3. وقد مر به عليه السلام رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه 4 مع تأكد الأمر في رد السلام.
ولأنه معنى يقبح إبداؤه وكشفه، وجرت رالعادة بستره والانقباض فيه من الناس.
والمحادثة مباسطة واسترسال.
وذلك نقيض م ابن ي هذا الأمر عليه.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما خص الشمال بالاستنجاء؛ لأنه عليه السلام نهى أن يمس رجل ذكره بيمينه 5. وهذا على جهة التشريف

لها.
وقد ورد الشرع بتشريف هذا الجانب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ 1. فجعله تعالى علمًا على 2 عنوان السعادة في الآخرة فإن كان استنجاؤه بالماء صبه بيمينه وغسل بيساره.
وإن كان بالحجر أخذ ذكره بيساره ومسح به على الحجر.
فإن استنجى بيمينه أجزأه لأن الغرض تطهير المحل وقد طهر.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما استحب أن يفرغ الماء على يده قبل أن يمس بها الأذى لأنه إذا فعل ذلك كان أبعد من أن تتعلق رائحة النجاسة بيده لمدافعة الماء لها عن اليد قبل إلمامها به.

قال القاضي رحمه الله: والأفضل الجمع بين الماء والأحجار، ويبدأ بالأحجار.
فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل.
3 وإن اقتصر على الأحجار جاز ما لم يَعْدُ المخرج أو ما يقاربه.
فإن انتشر عن ذلك الموضع لم يجزه إلا الماء.
ويستحب له أن يأتي بالثلاثه الأحجار 4 فإن 5 أنقي بدونها أجزأه.
وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالأحجار 6 في الإجزاء.
وقد ولخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة.
ويكره له العظم والبعر.
وإن وقع بهما الإنقاء جاز.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الاستنجاء؟.
2 - وما أقسامه؟.
3 - وما أحكامه؟.
4 - وما الغرض به؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الاستنجاء هو 1 إزالة النجو، والنجو هو الحدث نفسه، وتسميته بذلك مجاز واتساع.
وحقيقته أنهم كانوا يرتادون لقضاء حاجتهم الموضع الذي يسترهم عن الناس.
إما النجوة وهي المرتفع من الأرض وإما الغائط وهو المنخفض من الأرض.
فيقولون ذهب ينجو أو ذهب يتغوط.
فلما كثر استعمالهم لهذا اللفظ نقلوه إلى الحدث نفسه.
وأجروا اسم موضعه عليه وجروا في ذلك على عادتهم في إجراء اسم الشيء على ما ناسبه وتعلق به ضربًا من التعلق.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الاستنجاء على قسمين: استنجاء بالماء، واستنجاء بالحجر وما سد مسدهما.
فأما الاستنجاء بالماء فجائز عند الجمهور.
وحكي عن بعض السلف كراهته.
ورأى أن الماء مطعوم فله بذلك حرمة تمنع من جواز استعماله في سائر النجاسات كسائر المطعومات.
وترك قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 2. فعم 3. وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستنجي به 4.. وأما الاستنجاء بالأحجار 5 فالدليل على صحته قوله عليه السلام: ولا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار 6 وقوله من استجمر فليوتر فمن فعل فقد أحسن وإلا فلا حرج 7.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما أحكامه فكثيرة منها ما ذكره في الكتاب من أن الجمع بين الحجر والماء أولى 1. وهذا ليذهب الحجر عين النجاسة.
ويذهب الماء أثرها.
فإن اقتصر على الماء أجزأه.
لأنه يذهبهما.
وإن اقتصر على الحجر فقدلان: الجواز لقوله 2 عليه السلام: ولا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار فعم (4). والمنع قياسًا على طهارة الحدث التي لا يجوز العدول فيها عن الماء إلا عند عدمه ومنها ما ذكره من أنه إنما يجزئ الأحجار ما لم يعد المخرج وما قاربه.
وإنما كان هذا هكذا لأن الأصل عندنا ألا تزال النجاسة إلا بالماء.
وسمح باستعمال الحجر لأنه قد يعرض للإنسان قضاء الحاجة في الطرقات ومواضع لا يتفق فيها الماء ولا يمكنه التأخر إلى وجوده.
فرخص له في استعمال الحجر الموجود بكل مكان.
وهذا يجب قصره على المخرجين اللذين يضطر لفعل ذلك فيهما، وما سواهما من البدن يبقى على أصله في اختصاصه بالماء.
وما انتشر عن 3 المخرجين انتشارًا متفاحشًا ألحق بحكم ما على البدن لمشاركته له في معناه.
لأنه لا يوجد غالبًا في سائر الناس عند خروج الحدث.
ومنها ما ذكره من استحباب البلوغ إلى ثلاثة أحجار.
وهذا لقوله عليه السلام: لا يستجمر أحدكم بدون ثلاثة أحجار 4. أخرجه مسلم.
ومنها قوله: إن أنقى بدون الثلاث أجزأه.
وهذا فيه قولان: أحدهما ما ذكره وهو الظاهر من المذهب وبه قال أبو حنيفة.
ووجهه قوله عليه السلام: من استجمر فليوتر 5. والواحد وتر ولأنه عليه السلام أتى بحجرين وروثة.
فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة 6. ولأن الماء لم يراع فيه عدد مخصوص.

وكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر 1 وقيل لا يكتفي بذلك.
قاله أبو الفرج وابن شعبان وبه قال الشافعي.
ووجهه قوله نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار 2. واختلف على هذه الطريقة هل يشترط نقاء الثلاثة الأحجار.
أو إنما يشترط نقاء بعضها.
فوجه اشتراط نقاء جميعها، قوله وقد سئل عن الاستطابة بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع 3 هذا وجه القول.
ووجه القول بالاكتفاء بنقاء بعضها قوله: نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ولم يشترط نقاء جميعها.
ولأن الماء لم يراع فيه عدد مخصوص فكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر.
ولأنه عليه السلام أتي بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة 4. ومنها قوله أن كل جامد منق فهو كالحجر في الأجزاء.
وقد يخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة ويكره العظم والبعر 5 فإن أنقيا جاز.
وإنما كان هذا هكذا ولم يقتصر في الاستنجاء على الأحجار خلافًا لداود، وأهل الظاهر في قصرهم الاستجمار على الأحجار لتخصيصها بالذكر في الحديث.
لأن الغرض إذهاب النجاسة وهو السابق إلى النفس عند ذكر الحجر.
فما فعل فعلها حل محلها.
وأيضًا فإنه عليه السلام لما أوتي بالروثة يستنجي بها ألقاها وقال: إنها رجس ولم يقل إنها ليست بحجر.
وأيضًا فإنه لما ذكر الراوي خبر الاستنجاء ذكر أنه نهى عن الروث والرمة.
وتخصيص هذين بالذكر يدل على بطلان القول بالاقتصار على الأحجار، إذ لو كان غيرهما ممنوعًا لما أفاد تخصيصهما بالذكر ولكنه خصصهما بالذكر لكون الروث نجسًا، والرمة عظم بال لا ينقي.
وإنما اشترط أن يكون جامدًا لأن المائع سوى الماء لا يزيل النجاسة على ما قدمنا فيما سلف.
وإنما اشترط كونه منقيًا لأن ما يزيل العين

كالإصبع وغيره لا يذهب النجاسة.
والغرض ذهابها.
وإنما شرط في الإباحة أن لا يكون له حرمة لأن الطعام تمنع حرمته من امتهانه.
فمباشرة النجاسة به أحرى أن تمنع.
فإن فعل ففيه قولان: أحدهما الأجزاء على ما أشار إليه في الكتاب، والثاني نفي 1 الأجزاء.
فوجه القول بالأجزاء: أن الغرض إزالة العين وهي قد زالت بهذا النوع.
ووجه نفي الأجزاء أن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخص لا تتعلق بالمعاصي وأيضًا فإذا كان هذا منهيًا عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، عند بعضهم، منع ذلك من أجزاء الاستنجاء به.
وينخرط في هذا السلك الاستنجاء بالأحجار الشريفة كالذهب والجوهر، فإن ذلك يمنع؛ لأن الشرب فيه نهي عنه لأجل السرف.
فامتهانه في أن يمسح به المخرج أولى أن يكون سرفُ ا. فإن فعل فيختلف في الأجزاء على حسب ما تقدم.
وأما كراهية العظم والبعر.
فلتعلق 2 حق الغير بهما، وقد نهى عليه السلام عن الاستنجاء بهما.
وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن 3. وإنما قال بالأجزاء إذا أنقى بهما لأن الغرض ذهاب النجاسة وقد ذهبت.
ولأن المنع، لتعلق حق الغير، وذلك لا يمنع من إجزاء الاستنجاء 4 كما لو غصب حجارة فاستنجى بها.
وقد قيل يعيد الصلاة هذا المصلي بهذا الاستنجاء ما دام وقت الصلاة المفروضة باقيًا.
ووجهه أن إزالة النجاسة شرط في أجزاء الصلاة أو كمالها على ما سيأتي بيانه.
فإذا أتى بذلك على وجه منهي عنه أمر بالإعادة ليأتي بالعبادة على الوجه المأمور به.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الغرض بالاستنجاء ذهاب النجس وتطهير البدن ليناجي المكلف ربه وهو 5 على أشرف الأوصاف، وأجمل

الأحوال، على ما فيه من حصول النظافة التي يؤمر بها المكلف في كل أحواله عند الصلاة وغيرها.

قال القاضي رحمه الله: ومن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة فإن كان لعذر من سهو أو عدم ما يزيلها به أجزأه.
وأعاد إن وجد في الوقت.
وإن كان عامدًا قادرًا على الإزالة لم يجزه، وأعاد أبدًا.
وليس على من بال أن يقوم ويقعد أو يزيد في التنحنح، ولكن ينتر ويستفرغ جهده على ما يرى أن حالته تقتضيه 1 من إطالة أو إقصار.
ويكره له البول قائمًا في موضع صلب لا يأمن تطايره عليه.
أو مقابلة الريح 2 ويجوز في الرمل، والمواضع التي يأمن ذلك فيها.

قال الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال: 1 - لم فرق بين الناسي والعامد في ترك الاستنجاء؟.
2 - ولم كره البول قائمًا في الموضع الصلب وأجازه في الرمل وشبهه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تفرقته بين الناسي والعامد فإن ذلك مبني على إزالة النجاسة هل هو فرض أو سنة؟ وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وجعله أصلًا في العفو عن قليلًا النجاسة.
وسيرد تحقيق القول فيه عند بلوغنا إلى موضعه من هذا الكتاب فلا معنى لذكره ها هنا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما كره البول قائمًا لقول عائشة رضي الله عنها: من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه 3. وإنما خص بذلك المواضع الصلبة؛ لأنه إذا بال قائمًا تطاير عليه، فينجس بدنه وثوبه.
وتوقي النجاسات مأمور به.
وإنما أجاز ذلك في الرمل.
بحيث لا يتطاير لذهاب العلة التي من سببها 4 نهينا عنه.
وقد روي أنه عليه السلام أتى سباطة قوم فبال قائمًا ومسح على خفيه 5. والسباطة يأمن فيها من تطاير البول.
وقد

قال بعضهم إنما فعل ذلك لعلة كانت به.
وقال بعضهم إنما فعل ذلك لقرب الناس منه.
والبول قائمًا يؤمن معه من خروج الصوت.
وقال بعضهم إنما فعل ذلك لعذر، 1 لأنه خاف متى جلس أن يكون في السباطة نجاسة تمس ثوبه فاتقى ذلك وتوقاه: بأن بال قائمًا.
وعلى الجملة فالبول قائمًا إنما يفعل عند عذر يقتضيه.
وأما المختار، فالبول من قعود لقول عائشة: من حدثكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه 2. وهذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته - صلى الله عليه وسلم - البول من قعود 3. وما تكرر من فعله وعلم من عادته فيه تتعلق الفضيلة.
وما روي من بوله قائمًا ففعله لإحدى العلل التي ذكرناها أو ليشرع الجواز والإباحة.

باب آخر

قال القاضي رضي الله عنه: كل مائع خرج من أحد السبيلين نجس] وذلك هو البول، 1 والمذي والودي (1)، والمني ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغير ذلك من أنواع البلل والدماء كلها نجسة 2 تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها، إلا دم الحيض ففيه روايتان.
والأبوال على ثلاثة أضرب: 1 - بول حيوان محرم الأكل فهو نجس.
2 - وبول حيوان مكروه الأكل فهو مكروه.
3 - بول حيوان مباح الأكل فهو طاهر مباح.
إلا أن يعرض ما يمنعه مثل أن يكون غذاء ذلك الحيوان النجاسة أو غالبه.
وأجزاء الميتة كلها نجسة إلا ما لا حياة فيه 3 كالشعر والصوف والوبر.
وكل الحيوان في ذلك واحد.
وجلود الميتة كلها نجسة لا تطهير 4 بالدباغ.
غير أنه يجوز استعماله في اليابسات.
وعظم الميتة وقرنها نجس.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرون سؤالًا: منها أن يقال: 1 - ما النجاسة؟.
2 - وما أقسامها؟.
3 - وما الدليل على صحة ما قال؟.
4 - وما معنى تقييده بقوله كل مائع؟.

5 - وما معنى قوله وغير ذلك من أنواع البلل؟.
6 - وما معنى تأكيده بقوله الدماء كلها؟.
7 - ولم اختص دم الحيض باستواء قليله وكثيره على إحدى الروايتين؟.
8 - ولم قال إن بول ما يحرم أكله نجس مع أن بول من لم يأكل الطعام طاهر في المشهور من المذهب؟.
9 - ولم قال إن بول المباح طاهر؟ 1. 15 - ولم استثنى منه ما يتغذى بالنجاسة؟.
11 - ولم أكد بقوله أجزاء الميتة كلها؟.
12 - ولم كان الشعر منها لا ينجس؟.
13 - وما معنى تنبيهه بقوله وكل الحيوان في ذلك واحد؟.
14 - وما معنى تأكيده في قوله وجلود الميتة كلها؟.
15 - ولم كان الجلد لا يطهر بالدباغ؟.
16 - ولم جاز استعماله في اليابسات؟.
17 - وما معنى تنبيهه على عظم الميتة وقرنها؟ 19 - وهل حكم لبن ما لا يؤكل لحمه كبوله؟ 2. 20 - وهل تطهير النجاسة بالاستحالة كما يطهر 3 الجلد بالدباغ؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أصل النجاسة الدنس.
وهي تسمية موضوعة لكل ما يستخبث 4 أو يستقذر.
فمنها ما يثبت 5 له هذا المعنى بحكم الطباع والشرع.
ألا ترى أن الغائط والبول والدم مما تعافه النفوس وتستقذره الطباع.
والشرع ورد فيه بمثل ذلك.
ومنه 6 ما لا تستقذره النفوس كالخمر.

ولكن الشرع ورد 1 بأنه خبيث مجتنب.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ 2. فإنهم وإن كانوا بما شوهدوا بعضهم نظيفةٌ 3 أبدانهم وثيابهم، فإن معهم صفة لازمة هي أخبث وأحق بالاجتناب من غيرها من النجاسات.
وهي الكفر بالله تعالى.
وقد نبّه سبحانه لهذا على منع الصلاة بسائر النجاسات.
لأنه إذا نهى عن أن تقرب النجاسة من موضع الصلاة فنفس الصلاة التي شرف موضعها بها أولى.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما أقسامها فهي على قسمين: نجاسة لازمة العين كنجاسة الميتة، وبول ما لا يؤكل لحمه، والدم.
ونجاسة معلقة بسبب يطرأ على العين كعصير العنب إذا صار خمرًا.
وبول ما يتغذى بالنجاسة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الدليل على نجاسة البول فقوله عليه السلام: تنزهوا من البول.
فإن عامة عذاب القبر منه 4. والدليل على نجاسة الغائط قوله عليه السلام لعمار: 5 إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء 6. ومحمل ما قاله في القيء عندنا على أنه تغير حتى لحق بالغائط.
وأما المذي فدليله قوله عليه السلام: إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك

وتوضأ وضوءك للصلاة 1. وأما الودي فمقيس عليه أيضًا، فإنه يخرج مع البول فكان حكمه حكمه.
وأما المني فقد اختلف الناس فيه.
فذهب مالك إلى أنه نجس.
ووافقه أبو حنيفة على ذلك.
إلا أنه أجاز إزالة يابسه بالفرك.
وذهب الشافعي إلى أنه طاهر.
وسبب اختلاف المذهبين اختلاف الروايتين.
يروى عن عائشة أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه 2. قال الأصيلي حديث الفرك مضطرب الإسناد.
وليس يختلف في صحة حديث الغسل.
ومع هذا الترجيح الذي ذكره الأصيلي، فإنه مائع خرج من مخرج البول، فوجب أن يكون نجسًا لسلوكه مسلك النجاسة.
وقد رجح أصحاب الشافعي حديثهم بأنه مائع يتكون منه حيوان فوجب أن يكون طاهرًا كمح البيضة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قيد بقوله كل مائع لأنه قد يخرج من السبيلين من الجامدات ما هو طاهر في نفسه كالدود والحصى.
والدود والحصى طاهران في أنفسهما، وإنما يكتسبان النجاسة بما تعلق بهما من بول أو غائط.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما أشار بقوله وغير أنواع البلل إلى رطوبة فرج المرأة.
فإن من أصحابنا من ذهب إلى أن بلة فرج المرأة نجسة.
لأنها تسلك مسلك النجاسة.
ومن الناس من ذهب إلى طهارتها، قياسًا على العرق.
وكذلك العلقة قد قال بعض أصحابنا مفسدًا لقول الشافعية بطهارة المني لتكوُّن الخلق منه، إن العلقة نجسة مع تكون الخلق منها.
قال: 3 فإن قالوا بطهارتها خرجوا عما عليه المسلمون.
وهذا الذي قالوا من الإجماع لم يسلموه، فإن أبا بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي ذهب إلى طهارة العلقة لأنه

دم غير مسفوح كالكبد والطحال.
فأراد القاضي رحمه الله أن يشير بقوله وغير ذلك من أنواع البلل 1 إلى هذه الفصول المختلف فيها.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما وجه تأكيده بقوله الدماء كلها فيشير إلى ما اختلف فيه من الدماء، كدم السمك.
فقد قيل بطهارته.
لأنه ليس بأكثر من الميتة.
وميتة السمك طاهرة بخلاف سائر الميتة، فكذلك دمه يجب أن يكون بخلاف سائر الدماء.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما اختص دم الحيض في أحد الروايتين باستواء قليله وكثيره لأن الأصل في سائر الدماء أن يستوي قليلها وكثيرها في الحكم، كالبول والغائط.
لكن لما كان قليل الدم لا يمكن التحرز منه، رخص فيه لرفع الحرج.
وقد قال الشافعي لا يرخص فيه.
ودليلنا عليه: أنه رخص في دم البراغيث لما لم يمكن التحرز منه فكذلك ما نحن فيه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه.
ودم الحيض مما لا تعم البلوى به في حق الرجال أصلأولا في حق النساء مؤبدًا.
لأنه إنما يطرأ عليهن من وقت إلى وقت.
فلم تدرك المشقة فيه كما تدرك في غيره من الدماء ولهذا لم يرخص في قليل النجاسات سوى الدم.
خلافًا لأبي حنيفة في قوله يعفى في سائر النجاسات عن قدر الدرهم البغلي فأقل.
وما أشرنا إليه من أن الأصل وجوب استواء قليل النجاسة وكثيرها يبطل ما قاله.
وقد أمرنا بالاستنجاء.
ومحل النجاسة فيه أقل من المبلغ الذي قدره.
ولا حجة له بقوله عليه السلام في الدم: اغسليه.
ولا يضرك أثره 2. فسامح بأثره 3 لما كان قليلًا لأنه قد أمر في أول الحديث بغسله ولم يفرق بين قليل وكثير 4.

وأما وجه إحدى الروايتين في العفو عن قليل دم الحيض فلأنه 1 رآه مما يشق التحرز منه، فألحقه بغيره من الدماء ليجري الحكم في المتجانس مجرى واحدًا.
وقد اختلف في العفو عن قليل القيح وقليل الصديد.
وتوجيه القول فيهما كتوجيه القول في قليل دم الحيض.
وقد قال بعض شيوخنا يجب أن يكون ما طرأ على الإنسان من دم غيره من الحيوان الذي يمكنه التحرز منه كدم الشاة وشبهها غير معفو عنه لأنه ليس مما يشق التحرز منه فيجب العفو عنه.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما قال بنجاسة بول ما لا يؤكل لحمه ولم يستثن من لم يأكل الطعام لأنه روي عن مالك نجاسة بول من لم يأكل الطعام قياسًا على غائطه.
وقد اتفق على نجاسته.
وإذا ثبت للغائط حكم ثبت للبول.
ألا ترى أن غائط من أكل الطعام نجس وكذلك بوله؟ وغائط ما يحل أكله كالشاة والبعير طاهر، فكذلك بوله.
ووجه الانفصال على هذه الرواية عما روي عنه عليه السلام: أنه أتي بطفل لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله 2. أن يقال قد يسمى الغسل نضحًا.
ومنه قيل للإبل نواضح فيمكن أن يكون صب عليه السلام من الماء ما أذهب عنه النجاسة.
وذلك يسمى نضحًا.
وقد فرق بعض أصحابنا بين بول الجارية والغلام.
فذهب إلى نجاسة بول الجارية دون الغلام.
وقصر الحديث الوارد في الطفل على ما ورد عليه.
وهذا ضعيف في القياس.
فيمكن أن يكون القاضي أبو محمَّد إنما لم يستثن بول الطفل آخذًا بالرواية التي قدمنا في نجاسته.
وإنما 3 يكون أراد بقوله: كل حيوان محرم الأكل يريد محرمًا لا لحرمته.
وتحريم كل بني آدم لحرمتهم، بخلاف غيرهم من الحيوان.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إنما قال 1 أن بول المباح مباح خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله عليه السلام: ما كل لحمه فلا بأس ببوله 2. ولأنه عليه السلام أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل تداويًا بها.
ولو كان نجسًا لم يأمرهم بذلك ولو كان على جهة التداوي.
لأنه عليه السلام قال: لا شفاء فيما حرم الله 3. فإن احتجوا بقوله عليه السلام: كان لا يستتر من البول 4. فعم.
قيل: قد روي كان لا يستتر من بوله 5 فيرد المطلق إلى المقيد.
وقد تعلقوا أيضًا بأن الإجماع قد تقرر على نجاسة بول الإنسان الذي أكل الطعام.
وليس لذلك علة سوى تسميته بولًا.
فحيث ما وجدنا هذه العلة التي هي مجرد التسمية، جعلناها علة للحكم.
وهذا الذي قالوه له تعلق بأحكام العلل.
وليس هذا موضع استقصائه.
وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب كون 6 الاسم العلم علة للحكم.
فمثله أبو القاسم عبد الجليل الصابوني: يكون تسميته عرفة علة في وجوب الوقوف بها.
وهذا الذي قاله لا تظهر فيه فائدة.
لأنه لا يوجد فروع يختلف فيها فترد لهذا الذي ذكره.
وأعظم ما فيه إن سلم 7 له أن يكون من العلل القاصرة.
وقد مثل بعضهم كون الإسم العلم علة للحكم بهذه المسألة التي نحن فيها.
وهي كون مجرد تسمية البول علة في الحكم بنجاسته.
وهذا إن سلم تجري فائدته بخلاف ما ذكره أبو القاسم عبد الجليل.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة.
فاختلف فيه هل ينتقل حكم بوله ولبنه وعرقه عن أصله أم لا؟ فقيل: هو باق على أصله لأن النجاسات التي يتغذى 1 بها قد استحالت.
واستحالتها تسلبها حكم النجاسة كاستحالة الخمر خلًا.
وقد قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
2 فأخبر في ظاهر الآية عن مخالطته للنجاسة في باطن الجسم.
فإن ذلك 3 لا يضر إذا انفصل عن الجسم، فكذلك العرق والبول.
وقيل بل ينتقل جميع ذلك عن أصله ويصير نجسًا.
لما رواه الترمذي والنسائي على النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها 4. ومن هذا الأصل اختلف في عرق السكران.
ويختلف في لبن المرأة تشرب الخمر.
واختلف في البقول تسقى النجاسة وسنزيد ذلك بيانًا في الكلام على النجاسة هل تطهير بالاستحالة إن شاء الله تعالى؟.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: إنما أكد بقوله كلها.
يشير إلى ما ذهب إليه المخالف في هذا على ما سيرد بيانه إن شاء الله.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما شعر الميتة فإنه طاهر عندنا.
وذهب الليث وغيره إلى نجاسة الشعور كلها.
وأنها تطهير بالغسل.
وذهب الشافعي في أحد أقواله إلى طهارة شعر ابن آدم خاصة، ونجاسة ما سواه من الشعور.
واعلم أن نكتة الخلاف في هذه المسألة - وفي مسألة العظم والقرن تدور على تحقيق القول في حياة هذه الأشياء.
وأنها تعدم منها الحياة بعد وجودها فتسمى ميتة.
وتلحق بسائر أجزاء الميتة في الحكم.
أو تكون مواتًا لا حياة فيها أصلًا 5. فلا تسمى ميتة.
لأن الميتة ما كان حيًّا فمات حتف أنفه.
وهذه إذا لم تكن فيها حياة لم تستحق هذه التسمية حتى تلحق بأحزاء الميتة في

الحكم.
وقد استدل أصحابنا على فقد الحياة من الشعر بكونه لا يبيح ولا يألم.
ودليل حياة الحي حسه وألمه.
ألا ترى أن سائر أعضاء الإنسان يتألم بقطعها والشعر لا يتألم بقطعه، كما لا يتألم 1 الجماد.
واحتج من قال بحياة الشعر بأنه متصل بالحي وينمو ويزيد، وذلك عنوان الحياة.
وهذا ضعيف؛ لأن القوة المغذية 2 يشترك فيها الحيوان والنبات 3 وهي سبب النماء والزيادة.
فلا دلالة لها على الحياة.
والقوة التي بها الحس تختص بالحيوان فكان دلالتها على الحياة أولى.
فإذا لم توجد دلت على عدم الحياة على ما يستقرأ من أحوال الموجودات.
فإن احتج الليث على نجاسة الشعر وطهارته بالغسل بقوله عليه السلام: لا بأس بمسك جلد الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها ووبرها إذا غسل 4. فهنا يحمل الحديث إن صح على أن الغسل مستحب لما قدمناه من الاستدلال على أن الشعر ليس بحي فيحس بالموت إن صح 5 وأما الشافعي فأنه إن قال: إنما فرق بين شعر الإنسان وغيره من الحيوان؛ لأن للإنسان حرمة تقتضي تشريفه على غيره من الحيوان.
وفي الحكم بنجاسته إلحاق له بصنف الخسيس من الحيوان.
ولهذا كان لبن ما لا يؤكل لحمه نجسًالأولبن بنات آدم طاهرًا لحرمتهن.
ولهذا كان الإنسان لا ينجس بالموت في أحد القولين عندكم.
وقد قال عليه السلام: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيًّا ولا ميتًا 6. قيل له إذا ثبت كون الشعر حيًا فإنه يلحق بأجزاء الميتة ويدخل في الظاهر الوارد بتحريم الميتة.
ولا يخص 7 بقياسه على لبن الآدمية بغير علة

جامعة.
وإن ركبنا له أحد القولين في نجاسة الإنسان إذا مات لم يبق له متعلق.

والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: وأما قوله وكل الحيوان واحد.
إن أعدناه على الشعر والصوف، فإن ذلك تنبيه على ما فصله الشافعي في شعر الإنسان وغيره من الحيوان.
واللبن 1 لعلة الحكم في ذلك.
وإن أعدناه على جميع الجملة كان فيه تنبيهًا أيضًا على أخذه بأحد القولين: في أن الإنسان ينجس بالموت.
وكونه عائدًا على الجملة الأخيرة أولى لأنه ليس كل الحيوان ينجس بالموت عندنا.
ألا ترى أن السمك والجراد وكل ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت.
فلهذا اخترنا إعادة هذا الكلام إلى الجملة التي تليه.

والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: إنما أكد بقوله الميتة كلها لأن الأوزاعي ذهب إلى أنه يطهر بالدباغ جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل.
لأن المذهب اختلف عندنا في طهارة جلد الميتة بالدباغ إلا أن تكون الميتة خنزيرًا فلم تختلف الروايات في أنها لا تطهير بالدباغ.
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
وألحق الشافعي الكلب بالخنزير.
وذهب أبو يوسف وداود إلى أن جميع الجلود تطهير بالدباغ حتى جلد الخنزير.
فلأجل هذا الاختلاف وهذا التفصيل الذي وقع في هذه المقالات أكد بقوله جلود الميتة كلها.
لئلا يظن به أنه أراد بعضها على حسب ما قاله المخالف.

والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: أما طهارة الجلد بالدباغ فقد اختلف المذهب فيها.
فقيل: يطهر بالدباغ لقوله عليه السلام: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" 2 وقيل لا يطهر بالدباغ لقوله عليه السلام: "لا تنتفعوا 3 من

الميتة لا بإهاب ولا عصب" 1. والمذهب الأول أولى.
وإن 2 قلنا ببناء العمومين إذا تعارضا.
لأن قوله لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب يمكن أن يكون أراد به إذا لم تدبغ الأهب 3. وإذا أمكن هذا تطلبنا دليلًا له.
فوجدنا قوله عليه السلام: إذا دبغ الإهاب فقد طهر.
نصًا في طهارته بالدباغ فيقضي على الحديث الآخر.
ويحمله 4 على أنه أراد به لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب إذا لم تدبغ الأهب، لا سيما وقد قال في الحديث الآخر إنما حرم أكلها.
فخص تحريم الميتة في الأكل خاصة.
وهذا يقتضي أن جلدها لا تحرم الصلاة عليه ولا بيعه إذا دبغ.
وإذا لم يحرم ذلك منه وجبت طهارته.

والجواب عن السؤال السادس عشر: أن يقال: إن قلنا 5 أنه يطهر بالدباغ، جاز بيعه والصلاة عليه والانتفاع به في المائع والجامد كسائر الأواني الطاهرة.
وإن قلنا أنه لا يطهر فإن الصلاة عليه لا تجوز لأنه لا يصلي على النجس] وكذلك بيعه لا يجوز.
لأن النجاسة لا يجوز بيعها.
ولكن يجوز أن ينتفع بها في الجامدات خلافًا لأحمد.
لأن الجامد لا يعلق أثر الجلد به.
وإذا لم يعلق ذلك به أمن من نجاسته.
فلا معنى لمنعه.
ولأنه عليه السلام قال: "ألا انتفعتم بجلدها" 6. ولو تركنا وإطلاق هذا، لانتفعنا بجلدها في الجامد والمائع.
فلما علم أن استعمالها في المائع لا يؤمن معه نجاسة المائع، منعناه وحملنا الحديث على ما سواه من الجامدات.
فإن قيل هب أنكم خصصتم قوله: ألا انتفعتم بجلدها بهذا الضرب من الاستدلال فلم شرطتم في 7 جواز

الانتفاع كون الجلد مدبوغًا؟ وهلا أجزتم بها قبل الدباغ كما أجازه الزهري آخذًا بإطلاق هذا الخبر؟ قيل قد روي مقيدًا بالدباغ.
وقالت عائشة أمران يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت.
والمطلق يرد إلى المقيد فلهذا شرطنا الدباغ في جواز الانتفاع.

والجواب عن السؤال السابع عشر: أن يقال: إنما نبه على عظم الميتة وقرونها.
لأن أبا حنيفة ذهب إلى طهارتها.
ونقطة الخلاف بيننا وبينه وقد تقدم الكلام عليها وهي اعتبار وجود الحياة بالعظم فيكون ميتة عند الموت.
أو عدم الحياة منه أصلًا.
فلا يكون ميتة.
وقد ذكرنا المعنى الذي به يعرف 1 الحيوان من الجماد.
فلا معنى لإعادته.
وقد احتج أصحابنا على حياة العظم بقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ 2. وهذا تنبيه على وجود الحياة بها.
فإن قيل: فلم قلتم بنجاسة الريش والظفر وهما لا حياة بهما؟ قيل قال بعض أصحابنا أن دم البدن ينبعث إليهما وبه تتغذكرًاصولهما فلهذا حكمن ابن جاستهما.
ولولا هذا لكانا طاهرين كالشعر.
وقال بعض أصحابنا أيضًا يجوز أن يكون القرن والسن لا حياة بهما وإنما قلن ابن جاستهما لأنهما يتغذيان بالدم فحكم بنجاستهما.

والجواب عن السؤال الثامن عشر: أن يقال: أما عرق من يتغذى بالنجاسة، كعرق السكران وما في معناه، فقد اختلف في ذلك، هل هو نجس أو طاهر؟ وقد تقدم القول فيه.
والأصح عندي طهارة عرق السكران إذا كان ظاهر بدنه طاهرًا.
لأن الأمة أجمعت على أن الخمر إذا صارت خلًا من قبل الله سبحانه عَزَّ وَجَلَّ فإنها طاهرة لانقلابها واستحالة صفاتها.
وانقلاب الخمر 3 عرقًا أبعد من انقلابها خلًّا.
فوجب القول بطهارته.
وكذلك يختلف القول في لبن المرأة إذا شربت الخمر.
والأصح طهارته لما قلنا.
وأما لبن الميتة فليس نجاسته من قبل أنه في الأصل نجس ولكن من قبل نجاسة وعائه لأن الميتة

ينجس سائر أجزائها بموتها كما قدمنا.
وأما بيض الدجاجة الميتة فقد قال بعض أهل العلم إن خرجت رطبة فإنها نجسة بنجاسة وعائها، وتكون كاللبن.
وإن خرجت وقد تصلب قشرها حتى صار يحجب النجاسة عن باطنها كانت طاهرة إلا أن قشرها لا يطهر إذا علقت به نجاسة حتى تزال.

والجواب عن السؤال التاسع عشر: أن يقال: أما لبن ما يحرم أكل لحمه فإنه على قسمين: إما أن يكون 1 يحرم أكل لحمه لحرمته وذلك بنات آدم فإنهن إنما حرمن لحومتهن.
فإن لبنهن حلال طاهر.
وإما أن يحرم أكل لحمه لغير حرمته وذلك على قسمين: إما أن يكون تحريم أكله مجمعًا عليه قد علم ضرورة من دين الأمة كالخنزيرة فإن لبنها حرام كلحمها.
وإما أن يكون تحريم أكله غير معلوم ضرورة ولا منصوص عليه نصًا لا سبيل لمخالفته، كالحُمر والسباع والكلاب عند من قال بالتحريم.
فاختلف فيه.
فقيل: لبنه تابع للحمه كما كان بوله تابعًا للحمه.
وقيل ألبانها تخالف 2 لحومها وهي حلال 3 طاهرة لأنه لم يأت نص بتحريم الألبان فتدخل هذه في عمومه.
فبقيت على أصل الإباحة.

والجواب عن السؤال العشرين: أن يقال: أما طهارة النجاسة بالاستحالة، فقد مضى من فروعه كثير في أثناء هذا الفصل.
فمنه نجاسة البقول التي تسقى بالنجاسة أو تسمد بها وعرق السكران، وبول ما يتغذى بالنجاسة فلا معنى لإعادته.
ولكن يختص هذا الموضع بالكلام على الخمر إذا خللت أو تخللت فإن خللها الله تعالى فمتفق على طهارتها.
وقد خطب عمر فقال: لا يحل خل من 4 خمر أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها.
فعند ذلك يطيب النحل.
وإن خللها آدمي، فاختلف فيها، فقيل تطهير قياسًا على ما خللها الله تعالى والجامع بينهما زوال الشدة المطربة التي هي علة التحريم.
وقيل لا تطهير فإن أبا طلبة سأل

النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرًا فقال أهرقها.
فقال ألا أخللها؟ فقال لا 1. فلو كانت تطهير بالتخليل لصان - صلى الله عليه وسلم - أموالهم به.
وأما الميتة إذا حرقت فصارت رمادًا أو العذرة وما في معنى ذلك فإنها لا تطهير عند الجمهور من الأئمة.
لأن النجاسة معلقة بعينها وأجزاؤها باقية.
وبهذا فارقت الخمر لأن نجاسة الخمر بمعنى وهو الشدة المطربة فإذا ذهبت ذهب التحريم.
وقد تنازع الناس في دخان النجاسة إذا أحرقت هل هو نجس كرمادها أو طاهر لأنه بخار فهو 2 بخلاف رمادها.

باب التيمم

قال القاضي رحمه الله: التيمم فصوله خمسة: 1 - من يجوز له التيمم من المحدثين؟.
2 - وشروط جوازه.
3 - وصفة التيمم.
4 - وما يتيمم به؟.
5 - والصلوات التي يتيمم لها وتؤدى به؟ 1.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤلان منها أن يقال: 1 - هل هذا الحصر والتقسيم متعين لا بد منه أو يقسم الكلام 2 على فصول أخرى سواه؟.
2 - وما معنى قوله من يجوز له التيمم؟ هل أراد به الجواز بمعنى الإباحة أو غير ذلك؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: يصح تقسيمه على نوع آخر وقد قسمه بعض المؤلفين على غير هذا التقسيم.
والذي ذكره صاحب الكتاب يحيط بالمقصود فلهذا اقتصر عليه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المراد بذلك من يخاطب به ويؤمر بفعله؟ وكان التيمم لما علم وجوبه واشتهر فرضه ولكن له مواقع لا يجزي إيقاع

الفرض عليها، عبر عن ذلك بالجواز.
وقد اختلف أهل الأصول في الوجوب إذا نسخ هل يبقى الفعل جائزًا أم لا؟ فمنهم من قال: إن الوجوب يتضمن الجواز.
فإذا رفع الوجوب بالنسخ بقي الحكم الآخر وهو الجواز.
فأنت ترى هؤلاء كيف أثبتوا حقيقة الجواز مع حقيقة الوجوب، فلا تستنكر هذه العبارة التي وقعت ها هنا.
وتعبيره بقوله من المحدثين يشير به إلى حقيقة ما قلناه، إذ إباحة الفعل لا يختص بها المحدثون.

قال القاضي رضي الله عنه: فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حديثًا أعلى أو أدنى ممن يلزمه الوضوء والغسل 1.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤلان.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة التيمم في الحدث الأعلى؟.
2 - وما فائدة تقييده بقوله من يلزمه الوضوء والغسل؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في جواز التيمم للجنب، بعد اتفاقهم على جوازه لمن حدثه الحدث الأصغر.
فجمهور العلماء على جوازه.
وحكي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما منعه 2. والدليل لما عليه الجمهور قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 3. والملامسة الجماع.
وإن قلنا أن الملامسة اللمس باليد.
ومنعنا من حمل الآية على العموم الجامع بين المذهبين 4 جميعًا، مس اليد والجماع، اعتمدنا على قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي أجنب: إنما يكفيك ضربة لوجهك وكفيك 5 الحديث.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما فائدة تقييده، فتحرزًا ممن أحدث حدثًا أعلى أو أدنى، وهو ممن لا تلزمه الصلاة كالصبي والمجنون، فإنهما إذا لم تلزمهما الصلاة لم يلزمهما الغسل والوضوء 1. لأن الغسل والوضوء إنما يرادان لغيرهما وهو الصلاة.
فإذا سقط المراد سقط ما أريد له 2. وإذا سقط الوضوء والغسل سقط التيمم.
لأنه كالبدل من ذلك والفرع عنه.
فإذا سقط الأصل سقط الفرع وهذا فائدة التقييد.

قال القاضي رضي الله عنه: وأما شروط جوازه فشرطان: عدم الماء الذي يتطهر به، أو عدم بعضه.
فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله.
والشرط الآخر تعذر استعمال الماء مع وجوده.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما فائدة تقييده بقوله الذي يتطهر به؟.
2 - وما الدليل على أنه إن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله؟.
3 - وما الفرق عند من أوجب عليه استعماله بينه وبين واجد بعض الرقبة التي وجد؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما فائدة تقييده فلأنه قد يجد ماء مضافُ افيجوز له التيمم مع وجود هذا الماء.
فلو أطلق قوله وقال عدم الماء لأمكن أن يفهم قارئ كتابه عنه أن واجد الماء المضاف لا يتيمم.
وأيضًا فإن واجد الماء القليل الذي حلت فيه النجاسة اليسيرة يتيمم في أحد القولين 3 عندنا.
وهو واجد لما يسمى ماء على الإطلاق.
ولكن من قال من أصحابنا إنه يتيمم فإنه يرى أن هذا الماء 4 لا يتطهر به.
وكذلك من وجد إناءين فيهما ماءان معلوم نجاسة أحدهما ولا يعلم عين النجس منهما فإنه واجد لماء وهو مع هذا

فرضه التيمم في أحد الأقوال عندنا إلى غير ذلك من المسائل.
فتعرض صاحب الكتاب لهذا التقييد لهذه المسائل كلها ليدل بالإجمال على التفصيل.
وهذا من الحذق والتحصيل.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه.
فمذهب مالك وأبي حنيفة أن استعمال ذلك القدر لا يجب عليه.
ومذهب الشافعي أنه يجب عليه استعماله.
ويتيمم مع ذلك.
وذهب بعض المتقدمين إلى أنه يبني التيمم على الوضوء ويكمل إحدى الطهارتين بالأخرى.
فإذا وجد ما يغسل به وجهه غسل وجهه ومسح بالتراب كفيه.
وسر الخلاف بين العلماء في هذه المسألة هو أن الله سبحانه أمر القائم إلى الصلاة بغسل الأعضاء المذكورة.
ومعلوم أنها لا تغسل إلا بماء.
ولكن الماء غير مذكرر ولا منصوص عليه في صدر الآية.
فلما قال عقب ذلك: فلم تجدوا ماء وقع الإشكال.
هل المراد ماء وإن لم يكف.
فيجب استعمال ما لا يكفي في الطهارة منه؛ لأنه يسمى ماء أو المراد الماء المتقدم التنبيه عليه وإن لم يذكر.
فلا يجب استعمال ما لا يكفي منه؟ هذه نقطة الخلاف بين فقهاء الأمصار.
ومن البديع المحقق لديك ما قلناه اتفاق مالك والشافعي رضي الله عنهما على أن واجد بعض الرقبة لا يعتق ما وجد ويصوم.
لأن الله تعالى قال في صدر آية الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 1. ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾.
فلما تقدم ذكر الرقبة بالنص عليها اتفقا على أن قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ محمول على من لم يجد ما تقدم النص عليه، وهو الرقبة الكاملة.
ولما لم يتقدم ذكر الماء في صدر الآية وقع الإشك الذي المراد بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فاختلف فيه على حسب ما بيناه.
ومما ينخرط في سلك هذه المسألة المضطر للميتة.
وعنده اليسير من الطعام الذي لا يمسك رمقه، فإنه يجب عليه أكله، ثم بعد أكله ينتقل إلى الميتة.
ولا يكون هذا حجة لمن قال أن الواجد من الماء ما لا يكفيه يجب عليه استعمال ما وجد.
كما وجب على المضطر أكل الطعام الذي وجد؛ لأن القدر

اليسير من الطعام له حصة في إمساك الرمق.
والغرض في الشرع إمساك الرمق.
لما كان للطعام المباح حصة فيه وجب استعماله.
والغرض من الطهارة رفع الحدث وهو لا يرتفع إلا بغسل جمع الأعضاء.
فلهذا افتراق الأصلان، لا سيما على طريقة من قال لا يرتفع حكم الحدث عن العضو المغسول تحقيقًا إلا بعد إكمال الطهارة.
وأما من قال يرتفع الحدث عنه، ففي انفصاله عن مذهب الشافعي كلام يغمض.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا من وجد ما يستر بعض عورته فإنه يجب عليه ستر ذلك.
فيقال ما الفرق بين هذا وبين الواجد من الماء ما لا يكفيه وقد قلتم لا يجب عليه استعماله؟ قيل نحن إنما تركنا استعمال ما لا يكفي من طهارة الماء إلى بدل عنها، وهي طهارة التراب، فتركنا بعضًا واستبدلنا به كلًا 1. وهذا إذا لم نأمره بستر بعض العورة بالذي وجد، فإنا منعناه من ستر ما قدر عليه ولم نعوضه منه بدلًا.
فجمعنا بين ترك البدل والمبدل منه.
وفي الطهارة لم نفعل ذلك بل أتينا بطهارة كاملة واستغنينا بها عن طهارة ناقصة.
ومما ينخرط في هذا السلك من بثوبه نجاسة، ومعه من الماء ما لا يزيل أصلها ويزيل بعضها، فإن بعض العلماء أمره أن يزيل منها القدر الذي أمكنه.
وهذا وجهه أيضًا ما قلناه في ستر بعض العورة.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا مسألة 2 من غمرت الجراح أكثر جسده فإنه يتيمم عندنا.
وعند الشافعي يجمع بين التيمم وغسل ما صح من بدنه.
ولا فرق بين عدم إمكان استعمال الماء في بعض الأعضاء لعدم الماء، أو لاستيلاء الجراح على أكثر الجسد.
والكلام على هذه المسألة كالكلام على نظيرها وقد تقدم.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد أشرنا في كلامنا على السؤال الثاني حيث قلنا: إن الله سبحانه نص على الرقبة في صدر الآية، ثم قال: فمن لم يجد.
فحمل ذلك على من لم يجد رقبة وهي التي تقدم ذكرها.

ولم يذكر الماء في صدر آية الطهارة، فوقع الإشك الذي قوله: فلم تجدوا ماء.
هل المراد به ما سمي ماء أو ماء كافيًا لغسل ما تقدم ذكره في الآية؟.

قال القاضي رحمه الله: وكل واحد من هذين الشرطين متعلق بشروط.
منها ما يعم، ومنها ما يخص.
فأما ما يعم: فهو أن يكون محتاجًا إلى التيمم وذلك بأن يدخل الوقت، ويتوجه عليه فرض الصلاة.
فإن قدمه على ذلك فلا يجزيه.
وأما ما يخص، فهو أن 1 عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه.
وإن وجده بثمن مثله أو غاليًا غير متفاحش لزمه شراؤه، إلا أن يجحف به.
وهذه الشروط منتفية في القسم الآخر وهو تعذر استعماله.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما معنى تقييده بقوله ويتوجه عليه فرض الصلاة؟.
2 - وما الدليل على مراعاة دخول الوقت؟.
3 - وما الدليل على وجوب الطلب؟.
4 - وهل الطلب محدود أم لا؟.
5 - وهل تلزمه إعادة الصلاة إن لم يطلب؟.
6 - ولم سقط استعمال الماء إذا غلا ثمنه؟.
7 - وهل زيادة الثمن محدودة أم لا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما التقييد فتحرز ممن يدخل الوقت عليه وهو غير مخاطب بالصلاة كالصبي والمجنون والحائض.
وهذه إشارة منه رضي الله عنه إلى مذهبنا في أن العبادة المؤقتة بوقت يتعلق الوجوب بجميع أجزاء الوقت، خلافًا لمن قال: إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت.
فعلى مذهبنا يصح قوله ويتوجه عليه فرض الصلاة.
وأما من قال إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت فلا تصح هذه العبارة على أصله.
ولكنه قد يقول يصح التيمم أول الوقت، وإن لم يتوجه فرض الصلاة، كما يصح عنده إيقاع الصلاة في أول الوقت وتجزئ عن الفرض.
وإن كان لا يتوجه الفرض إلا في آخر الوقت عنده.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما مراعاة الوقت فإن المشهور من المذهب أن التيمم لا يصح قبل دخول الوقت.
وقال ابن شعبان من أصحابنا يصح التيمم ولم يعتبر دخول الوقت.
فأما ابن شعبان فإنه يقيس التيمم على الوضوء.
فلما صح الوضوء قبل دخول الوقت كان التيمم الذي هو بدل عنه يصح قبل دخول الوقت.
وأما الحجة للمشهور فإن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ 1. فأمر بهاتين الطهارتين عند القيام إلى الصلاة.
ولا يقام إليها إلا إذا دخل الوقت، فخصت السنة الوضوء بجواز تقدمته قبل الوقت.
وبقي التيمم محكومًا فيه بما اقتضته الآية، لما لم يرد ما ينقل عنها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الطلب فالمشهور من المذهب إثباته.
وخرج بعض أصحابنا من القول بإجازة 2 الجمع بين صلاتين فائتتين بتيمم واحد سقوط الطلب.
إذ لو كان واجبًالأمر بالطلب للصلاة الثانية.
وجعل المذهب على قولين إيجاب الطلب وإسقاطه.
وفي هذا التخريج نظر لأنه قد يكتفى بالطلب الكائن عن الصلاة الأولى عن استئناف طلب للصلاة الثانية.
ويجعل حكم الطلب الأول منسحبًا 3 على الصلاة الثانية.
كما يكتفي بالنية عند افتتاح الصلاة وينسحب حكمها على بقية الركعات.
فكذلك يجعل الصلاتين ها هنا كالصلاة الواحدة في حكم الطلب.
وحكى أصحابنا البغداديون عن أبي حنفية سقوط الطلب جملة من غير تفصيل.
والذي وقفت عليه في كتب أصحابه أنه إنما يسقط الطلب في الأسفار خاصة لكونها مختصة بعدم المياه غالبًا بخلاف الحواضر الموجود الماء فيها 4 غالبًا.
ودليلنا على وجوب الطلب قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
وهذه العبارة إنما تستعمل فيمن بحث عن 5

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل