شرح التلقينصفحات 196-235
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 196-235

من مس الرجل دبره.
كما قاله الشافعي لأن العموم يقتضيه كما اقتضى مس المرأة فرجها.
وأنكر هذا التخريج بعض أصحابنا ورأى أن فرج المرأة تجد اللذة بمسه كما يجد الرجل بمس ذكره.
فأجريا في الحكم مجرى واحدًا في تأثيرهما في نقض الوضوء.
والدبر لا يمكن أن توجد لذة بمسه على حال.
فأشبه الفخذ والساق.
وقد روت عائشة أنه عليه السلام قال: "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" 1.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما من انتقض وضؤوه بمس الذكر فصلى ولم يعد وضوءه، فقيل: لا إعادة عليه.
وقيل يعيد في الوقت.
وهذان القولان مبنيان على أن الوضوء منه غير واجب.
وقيل يعيد أبدًا وهذا مبني على أن الوضوء منه واجب 2 وقيل إن فعل ذلك ساهيًا أعاد في الوقت، وإن فعله عامدًا أعاد أبدًا.
وهذا مبني على أن الوضوء غير واجب، ولكنه غلظ الحكم مع العمد في الإعادة دون السهو، لأن الساهي معذور، والعامد غير معذور.
وهذا الذي ذكرناه 3 من بناء هذه الأقوال هو الظاهر.
وإلا فيمكن أن يخالف كل مجيب أصله مراعاة للخلاف.
فيمكن أن يقول من رأى الوضوء واجبًا أنه يعيد في الوقت مراعاة للخلاف.
وقال سحنون يعيد -إلا أن يمضي لتلك الصلاة- اليومان فصاعدًا، فلا يعيد.
وهذا القول لا معنى له.
لأنه راعى طول الزمن 4 وقدره باليومين والثلاثة وهذا لا أصل له.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا وضوء من مس الإنثيين، ولا الدبر، ولا شيء من أرفاغ البدن.
وهي مغابنه الباطنة، كتحت الإبطين وما بين 1 الفخذين وما أشبه ذلك.
ولا من أكل شيئًا أو شربه كان مما مسته النار.
أو مما 2 لم تمسه.
ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها.
ولا من ذبح بهيمة أو غيرها.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها: أن يقال: 1 - لم نص على الأنثيين؟.
2 - ولم نص على الدبر؟.
3 - ولم نص على ما مسته النار؟.
4 - ولم نص على القهقهة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما نص على الأنثيين تنبيهًا على الخلاف.
لأن عروة بن الزبير يرى الوضوء من مسهما، لانطلاق اسم الفرج عليهما عنده، فيدخلان في عموم الحديث المتقدم.
ولنا عليه قوله من مس ذكره وهذا يدل على أن ما سوى الذكر بخلافه.
ولأن الذكر إنما خص بهذا الحكم دون سائر الأعضاء، لوجود اللذة بمسه.
وسائر الأعضاء سواه لا توجد اللذة بمسها، والأنثيان منها فكانتا في الحكم بمنزلتها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نص على الدبر تنبيهًا على الخلاف.
لأن الشافعي يرى الوضوء بمسه لانطلاق اسم الفرج عليه، ودخوله في الحديث المتقدم.
وقد قدمنا الكلام عليه وذكرنا أن بعض أصحابنا خرج ذلك من المذهب.
وقد مضى ذكره فلا وجه لإعادته 3.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما نص على ما مسته النار تنبيهًا

على الخلاف.
وقد اختلفت الأحاديث الواردة فيه.
فورد منها: وتوضؤوا مما مست النار 1. فأخذ بظاهر هذا بعض من تقدم وورد أيضًا: أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" 2. وأخذ بهذا -الجمهور، فرجح من أخذ بالحديث الأول بأوجه.
منها: أنه أحوط، وفيه زيادة حكم، وإثبات عبادة 3. فكان أولى مما ليس ذلك فيه.
وأيضًا فإنه أمر.
والحديث الذي يعارضه فعل.
والأمر آكد وأولى من الفعل عند بعض أهل الأصول.
وذكروا أيضًا أنه روي ما يدل على أنه ناسخ للفعل فكان أحق أن يؤخذ به.
ورجح الجمهور الحديث الآخر بأنه ناسخ لما تقدم.
لقول جابر رضي الله عنه: كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ترك الوضوء مما مست النار 4. وأيضًا فقد قال بعض أصحابنا لم يظهر الخلاف فيه إلا في عصر الصحابة والتابعين.
ثم انعقد الإجماع بعدهم على ترك الوضوء منه.
وهذا يمنع من الخلاف فيه.
وهذا إنما يصح على أحد القولين في أن إجماع العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة يرفع حكم الخلاف المتقدم.
وهذه مسألة مبسوطة في كتب الأصول.
وأيضًا فإنا نبني الحديثين.
فيحمل حديثهم على الوضوء اللغوي الذي هو النظافة.
فيكون المراد بالحديث تنظيف اليد والفهم.
ونحمل

حديثنا على الوضوء الشرعي.
أو يحمل حديثهم على الاستحباب.
ونحن نعضد 1 ترجيحنا بأن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا رضي الله عنهم أجمعين، اتفقدا على ترك الوضوء مما مست النار 2. ولا يمكن أن يكون الوضوء منه مشروعًا، ويذهب علم ذلك عنهم مع تكرره عليهم.
وكذلك نجيب عما تعلق به أحمد وداود في الوضوء من أكل لحوم الإبل خاصة بالحديث المروي عنه عليه السلام في ذلك، بأن نحمله 3 على الوضوء اللغوي فيكون المراد 4 تنظيف اليد والفم.
وخص بذلك لحم الجزور لاختصاصه من السهوكة 5 بما لا يوجد في غيره من اللحوم.
أو يحمله على الاستحباب للوضوء الشرعي.
ويعضد ذلك بأن من مس الدم وغيره من النجاسات لم يلزمه أن يتوضأ فبأن لا يلزمه ذلك إذا مس شيئًا طاهرًا، أولى 6. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما خص القهقهة بالذكر تنبيهًا على الخلاف، لأن أبا حنيفة يرى الوضوء من الضحك في الصلاة.
تعلقًا بأخبار رويت في ذلك.
ونحن نقابلها بما روى جابر أنه عليه السلام قال: الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء 7. ويمكن أن تحمل أحاديثهم إن صحت على الاستحباب.
ويعضد ذلك 8 بأن نقول أجمعت الأمة على أن

الضحك في غير الصلاة لا ينقض الوضوء.
وهذا يدل على أن الضحك في الصلاة لا ينقض الوضوء 1. لأن كل حدث ينقض الطهارة في الصلاة ينقضها في غير الصلاة.
وكذلك كل ما لا 2 ينقض الطهارة في غير الصلاة لا ينقضها في الصلاة.
فقد تساوت الحالتان طردًا وعكسًا.
فإن قيل هذا ينتقض بالمتيمم يجد ماء فإنه ينقض تيممه وجود الماء قبل الصلاة، ولا ينقضه وجوده في الصلاة في المشهور عندكم.
قيل ليس وجود الماء حديثًا يوجب الطهارة فينقض ما قلنا في الأحداث وإنما وجود الماء يوجب استعماله لرفع الحدث الذي هو باق مع التيمم.
إذ التيمم لم يرفعه وإنما فعل لتستباح به الصلاة بشرط عدم الماء.
فإذا لم يحصل المقصود منه، وهو استباحة الصلاة بطل حكمه عند 3 وجود الماء.
وإذا وجد المقصود، وهو استباحة الصلاة، لم يؤثر وجود الماء مع حصوله.
وأيضًا فإن القذف وذكر الفواحش في الصلاة لا يبطل الوضوء.
مع أنه آكد في المنع من الضحك، فبأن 4 لا يبطل ذلك الضحك مع كونه أخفض رتبة، أولى وأخرى.

باب ما يوجب الغسل

قال القاضي رحمه الله: "و 1 يجب الغسل على الرجل بشيئين.
إنزال 2 الماء الدافق عن لذة 3 في نوم أو يقظة.
فإن عري عن اللذة فلا غسل عليه.
والإيلاج 4 في قبل أو دبر 5. وعلى المرأة بهذين وبشيئين آخرين 6 وهما الحيض والنفاس وخروج 7 الولد، وعليهما بإسلام الكافر منهما.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما دليل 8 وجوب الغسل من الماء الدافق؟.
2 - ولِمَ سقط الغسل فيه إذا عري من اللذة؟.
3 - ولم وجب بالإيلاج؟.
4 - ولم وجب بالحيض والنفاس؟.
5 - وما معنى ذكره خروج الولد مع ذكره النفاس؟.
6 - ولم وجب على الكافر؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما وجب الغسل بإنزال الماء

الدافق بلذة.
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 1. ولقوله عليه السلام: الماء من الماء 2. ولا خلاف في ذلك، وسواء أكان في نوم أو في يقظة لعموم هذه الظواهر.
وسواء أكان من رجل أو امرأة لعموم الظواهر أيضًا.
ولقول أم سلمة: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء 3. وقد قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع.
وقال ابن المنذر لا نعلم فيه اختلافًا إلا ما روي عن النخعي: أنه سئل عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل فقال: إنما الحيض للنساء 4 والحلم للرجال.
ومثل هذه المقالة الشاذة التي هي عرضة الاحتمال لا تقدح فيما قدمناه من الأدلة.
فإن استيقظ النائم فذكر احتلامًا ولم ير له أثرًا فلا حكم له.
لأن حال النوم لا يكون أصح من حال اليقظة.
وقد دلت اليقظة على بطلان ما تخيل، ولأنه عليه السلام: سئل عن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل.
فقال: لا غسل عليه 5. وإن استيقظ من نومه فرأى الأثر ولم يذكر الاحتلام: فاختلف الناس في ذلك هل يوجب الغسل أم لا؟ فمنهم من أوجبه لأنه عليه السلام:

سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام فقال يغتسل 1. ولأن الغالب أن الماء لا يخرج من النائم إلا بشهوة، وإن خفيت عنه عند يقظته، لغمرة النوم له.
وقيل لا غسل عليه لأنه ماء يخرج بغير لذة، وما كان كذلك لا يوجب غسلًا على ما نبينه فيما بعد.
ولو شك في هذا الماء هل هو مني أو مذي، فإن المذهب على قولين: أحدهما أنه يغتسل احتياطًا 2 ولأن الشك في الحدث يجري مجرى التيقن 3 على هذه الطريقة.
والثاني لا يجب عليه أن يغتسل لأن الأصل براءة الذمة، والشك في الحدث لا يؤثر على هذه الطريقة.
فإن قلنا بالطريقة 4 الأولى وهي إثبات الغسل فهل عليه أن يضيف لذلك الوضوء؟ المشهور عنهم أنه يستغني بالغسل عن الوضوء لأن من أجنب تيقنًا 5 يسقط عنه فرض الوضوء ويستغني بالغسل.
فمن شك هل أجنب أم لا، فأمرناه بالغسل، فإنه يكتفي به أيضًا.
وقد رأيت بعض المخالفين ذهب إلى أنه لا بد أن يضيف إلى غسله وضوءًا.
وعندي أنه قد يتخرج ذلك على قول من ذهب من أصحابنا إلى وجوب الترتيب في الوضوء.
لأن غسل الجنابة لا ترتيب فيه.
والوضوء يجب ترتيبه عند هذه الطائفة على ما أشرنا إليه فيما تقدم.
فإذا أمكن أن يكون ما وجده 6 مذيًا، فالواجب منه الوضوء لأجل الشك فيه، كما أمروه بالغسل لأجل الشك به أيضًا.
فإذا اغتسل غسلًا لم يحصل معه ترتيب أعضاء الوضوء بقي مطالبًا بالوضوء الواجب لأجل الشك.
فوجب عليه لأجل ذلك الأمران.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أمَّا المني إذا خرج بغير لذة،

كمن ضرب بسيف فأمنى أو لدغته عقرب فأمنى، فإن فيه قولان:

  • أحدها أنه يغتسل.
  • والثاني لا غسل عليه.
    فوجه القول بأنه يغتسل عموم الظواهر، لأنه يسمى جنبًا على الحقيقة.
    فدخل في عموم قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 1. وفي عموم قوله الماء من الماء 2. ووجه القول ألا غسل عليه.
    أنه ماء خرج على غير الصفة المعتادة فلم يلزم فيه الغسل كدم الاستحاضة لما خرج على غير الصفة المعتادة لم يلزم فيه غسل.
    وتحمل الظواهر على خروج المني بلذة.
    لأنه المعتاد فيه.
    ويخص العموم بالعادة على قول بعض أهل الأصول.
    ومن هذا النمط اختلاف المذهب فيمن جامع ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل، هل عليه الغسل أيضًا أم لا؟ وفيمن لاعب ثم أنزل بعد حين بغير لذة، هل عليه الغسل أيضًا أم لا؟ فقيل بإثبات الغسل.
    وقيل بنفيه.
    وتوجيه ذلك قد تقدم.
    ومن أصحابنا من فرق بين السؤالين فأثبت 3 الغسل فيمن لم يتقدم له غسل.
    ونفاه فيمن تقدم له غسل.
    واعتل بأنه لا يغتسل من سبب واحد مرتين.
    وكأن 4 الجماع والإنزال سبب واحد، اغتسل في خلاله فلم يلزمه إعادة الغسل.
    ولا معنى لهذه التفرقة.
    لأن المني الخارج بغير لذة لم يغتسل له، فيعتبر فيه ما قلناه من القولين.
    ويطرد في السؤالين.
    فإن قلنا بإثبات الغسل فهل يعيد ما تقدم من الصلاة؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يعيد وهو النظر عندي لأن الغسل إنما وجب لحدث حدث بعد الصلاة فلم يؤثر فيما كان قبله كسائر الأحداث المعتادة.
    وإن قلنا بنفي الغسل فهل يؤمر بأن يتوضأ؟ المذهب أنه يؤمر بذلك.
    وهل يؤمر به على جهة الوجوب أو الاستحباب؟.
    اختلف البغداديون من أصحابنا فقال بعضهم يؤمر به على جهة الوجوب.

وقال بعضهم بل على جهة الاستحباب.
والكلام على هذا كالكلام على وضوء المستحاضة.
لأنه خرج على غير جهة الصحة، فلم يوجب الغسل.
ولكنه يؤمر فيه بالوضوء، لما قدمناه من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة بذلك.
وقد مضى الكلام على ذلك.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الغسل بمجرد الإيلاج.
فذهب الأنصار رضي الله عنهم إلى أنه لا يجب الغسل بذلك.
وذهب المهاجرون إلى أنه يجب.
وأرسلوا أبا موسى لعائشة رضي الله عنها.
فأخبرتهم بما يقتضي وجوب الغسل.
فنقل عن جماعة منهم الرجوع إلى ما قالت، وبه قال فقهاء الأمصار.
وأخذ داود وشيعته بالقول الأول.
وقد اختلفت الأحاديث في ذلك فروي ما يدل على القول الأول كقوله: الماء من الماء 1. وروي ما يدل على القول الثاني كقوله: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أم لم ينزل 2. وكذا 3 ظاهر القرآن تجاذبه الفئتان.
فقال من نفى الغسل: الجنب هو من أنزل الماء.
والظاهر ورد بالأمر بغسله فوجب قصر الحكم عليه.
وقال من أثبت الغسل: الجنب مأخوذ

من المجانبة.
والمجانبة المفارقة.
فيسمى من فارق ماءه جنبًا.
ويسمى من فارق فرج حليلته جنبًا.
فيحمل الظاهر على العموم.
فيقتضي الغسل بمجرد الإيلاج.
وقد رجح أيضًا من أثبت الغسل على 1 ما تعلق به من الأحاديث، بأنها أثبتت حكمًا.
فكانت أولى مما نفاه.
وسلكوا طريقًا أخرى في بناء الأحاديث فقالوا نحمل قوله: الماء من الماء.
على أنه في المنام.
وتحمل أحاديثنا على اليقظة لئلا تتعارض أدلة الشرع.
وقد حمله ابن عباس رضي الله عنه على ذلك.
وقصر الحديث على الاحتلام.
وأيضًا فإن الرازي ذكر أن الغسل بمجرد التقاء الختانين قد أجمع عليه السلف بعد الاختلاف الذي كان بينهم فيه 2. فسقط حكم الاختلاف ولحقت المسألة بمسائل الإجماع.
وهذا الذي قاله الرازي: قد أنكر حذاق أهل الأصول اتفاق وقوعه أصلًا.
لأن اختلاف الأمة على قولين يتضمن جواز الأخذ بكل واحد من القولين، واتخاذه مذهبًا عند من رآه صوابًا، وإجماعها بعد ذلك على أحد القولين يتضمن منع الذهاب إلى الآخر بعد أن كان الاختلاف يتضمن جواز الذهاب إليه.
وهذا يوجب تخطئة الأمة فيما تجمع عليه وذلك ممنوع.
ورجحوا أيضًا بأن نفي الغسل مستفاد من دليل 3 قوله: الماء من الماء.
وإثبات الغسل مستفاد من النطق ونفس النطق أولى من دليل النطق.
وإن تعلقوا بخبر آخر يستفاد ما قالوه من نطقه اقتصرنا على ما قدمنا من الترجيح.
وقد رجح أيضًا من نفي الغسل ما تعلق به بأن ما قد 4 ورد في الظواهر من ذكر الغسل والطهر محمول على غسل بعض الجسم لا كله.
وما ورد من نفيه فمحمول 5 على كل البدن لا بعضه.
لئلا تتعارض أدلة الشرج.
وأجيبوا عن

هذا بأن الغسل ورد ها هنا معرفًا بالألف واللام والمراد به الغسل المعهود المعروف.
و 1 هذا ظاهر الإطلاق ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل.
وإذا ثبت وجوب الغسل بمجرد الإيلاج، فسواء فيه القبل والدبر، لأنهما يشتركان في كثير من الأحكام.
ولو كان الإيلاج في فرج خنثى مشكل فقد قال بعض الناس لا يجب بذلك الغسل، لجواز أن يكون عضوًا زائدًا والعضو الزائد لا حكم له ها هنا.
وهذا عندي يتخرج على القولين في نقض الطهارة بالشك.
وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما وجب الغسل 2 بالحيض والنفاس لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 3. ولقوله عليه السلام في الحيضة: وإذا أدبرت فاغتسلي 4. وكان حكم النفاس كذلك لأنه دم حيض مجتمع فكان حكمه حكم الحيض.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما ذكر خروج الولد مع النفاس لأن خروج الولد بمجرده فيه اختلاف.
هل يؤمر فيه بالغسل أم لا؟ فنبه عليه لموضع الخلاف فيه.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما غسل الكافر فاختلف فيه أصحابنا هل هو للجنابة أو للإسلام؟ فمن رآه للجنابة جعله واجبًا، إذ غسل الجنابة واجب.
ومن رآه للإسلام جعل الغسل مستحبًا وهو مذهب إسماعيل القاضي.
واعتل بأن جنابته في الشرك يمحو حكمها الإِسلام.
لأن الإِسلام يجب ما قبله.
وقد ألزم على هذا ألا تجب عليه الطهارة الصغرى من الحدث الأصغر لأن الإِسلام يجب أيضًا أن يمحو الحدث الأصغر كما محا الأكبر.
وقد نص

إسماعيل على أن الطهارة الصغرى عنده بخلاف ذلك، فقال: جنابته يمحوها الإِسلام وإنما يجب عليه أن يستأنف ما على المسلم استئنافه.
فإذا أراد الصلاة توضأ.
لأن الصلاة لا تكون إلا به.
قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 1 فعلق وجوب الغسل بالجنابة.
وقد تكون أو لا تكون.
والوضوء لا بد منه لمن لم يكن توضأ.
وهذا الذي تمسك به من ظاهر الآية إنما يستقيم مع القول بأن ظاهرها يوجب الوضوء على كل قائم للصلاة وإن لم يكن محدثًا.
وأما من أضمر الحدث ورآه شرطًا في وجوب الطهارة الصغرى فلا فرق بين الطهارتين لأنهما علقا بشرطين.
وقد استدل من أوجب الغسل بغسل ثمامة 2. وبأنه عليه السلام لما أسلم قيس بن عاصم أمره أن يغتسل 3. واستدل من نفى الوجوب بأنه أسلم الجم الغفير، والعدد الكثير فلم ينقل أنه أمرهم بالغسل.
ولو أمرهم بذلك مع كثرتهم لاشتهر وانتشر.

باب صفة الاغتسال

قال القاضي رحمه الله: قد بينا أن الغسل من الجنابة وسائر ما ذكرناه معها فريضة.
وهو مشتمل على مفروض ومسنون وفضيلة.
فمفروضاته ثلاثة: وهي النية، وتعميم ظاهر البدن، وإمرار اليد على البدن مع الماء.
وهذا عندنا من شروط كونه غسلًا فيستوي فيه الغسل والوضوء.
إلا أن العادة قد جرت بذكره مع الغسل.
ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق.
وأما مسنوناته فهي المضمضة، والاستنشاق وفي تخليل اللحية روايتان: إحداهما الوجوب.
والأخرى أنه سنة.
وأما الفضيلة فهي أن يبدأ بغسل يديه ثم يتنظف من أذى إن كان عليه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة.
ثم يخلل أصول شعره 1 بالماء، ثم يغرف عليه ثلاثًا، ثم يفيض الماء على بدنه 2. ومن له شعر معقوص من رجل أو امرأة لم ينقضه.
وأجرى الماء عليه ثم ضغثه بيديه 3.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما دليل إمرار اليد على البدن؟.
2 - وما دليل كون المضمضة والاستنشاق سنتين؟.
3 - وما وجه الاختلاف في تخليل اللحية؟.
4 - وما وجه البداية بالتنظيف من الأذى؟.
5 - وما معنى هذا التقييد بقوله وضوءه للصلاة؟

6 - وهل يختلف في تخليل شعر الرأس كما اختلف في تخليل شعر اللحية؟.
7 - ولِمَ اختار أن يغرف عليه ثلاثًا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس 1 في إمرار اليد في الغسل.
هل هو شرط في صحة الغسل أم لا؟ فذهب مالك والجمهور من أصحابه إلى أن ذلك شرط في صحة الغسل.
وذهب أبو الفرج ومحمد بن عبد الحكم من أصحابنا إلى أن ذلك ليس من شرط في صحة الغسل.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
والنكتة التي يدور عليها الخلاف 2، اعتبار حقيقة هذا الاسم في اللغة.
فزعم أصحابنا أن حقيقة الغسل في اللغة: صب الماء مع إمرار اليد.
قالوا ولهذا تفرق العرب بين قولها 3 اغتسلت وانغمست.
ولا وجه في الفرق بينهما، إلا أن الغسل يعتبر فيه مرور اليد، ولا يعتبر ذلك في الانغماس.
ورجحوا مذهبهم أن الغسل باستدلال شرعي فقالوا الطهارة في ذمة المكلف حاصلة فلا يبرأ منها إلاَّ بوجه متفق عليه أو بدليل يدل على براءته.
ولم يوجد ها هنا دليل، فاعتبر حصول الاتفاق.
وزعم المخالفون أن صب الماء بمجرده يسمى غسلًا في اللغة وإن لم يصحبه مرور اليد.
ولهذا يقولون غسلت الأمطار البقاع وغسل السيل موضع كذا، إذا أتى عليه، وأذهب ما فيه.
وإن لم يكن مع ذلك مرور اليد 4. وهذا غير مستنكر في عرف التخاطب.
ورجحوا مذهبهم أيضًا باستدلال شرعي، وهو قوله عليه السلام: فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك 5. فلم يوجب أكثر من الإمساس وذلك يحصل دون مرور اليد.
وقوله عليه السلام:

إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيض عليك الماء فإذا أنت قد طهرت 1. فأخبرها بما يكفي وهو إفاضة الماء وذلك يحصل دون إمرار اليد.
ثم أكد ذلك بقوله فإذا أنت قد طهرت.
فإن قيل فإن لم تبلغ يداه لموضع من جسده ما حكم ذلك الموضع؟ قيل إذا لم يمكنه أن يتلطف في ذلك باستعمال ثوب وشبهه، أو استنابة يد غيره فإن ذلك ساقط عنه ولا يخاطب في ذلك بما لا يقدر عليه.
لأن ذلك من تكليف ما لا يطاق.
وذلك مرفوع ها هنا.
فإن قيل إذا كان من شرط صحة الغسل عند الجمهور منكم مرور اليد.
ومتى لم يمر لم بسم غاسلًا، فيجب أن لا يكتفي بهذا الغسل المبعض بل ينتقل للتيمم.
قيل ذا غلط لأنا قدمنا أن الغسل عند أكثر فقهاء الأمصار لا يشترط فيه مرور اليد مع الاختيار والقدرة.
فكيف بهذا مع الضرورة والعجز؟ مع أن الشرع ورد بالمسح على الجبيرة لمشقة وصول الماء إليها.
وإن كان ممكنًا وصوله 2 فكيف بهذا الذي هو فوق المسح، ومرور اليد فيه خارج عما يمكن؟ ولو قطع بعض الجسد لم يتغير الحكم في غسل بقية الجسد.
فكذلك ما تعذر ها هنا لا يتغير به الحكم في بقية الجسد.
وإن كان يمكنه التلطف في ذلك بتطلب من ينوب عنه فهل عليه تطلبه؟ ظاهر المذهب أنه على ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك عليه لأنه شرط في صحة الطهارة فلا يسامح بإهماله، والاقتصار على ما دونه مع القدرة على تحصيل الشرط، كما على المكلف أن يتطلب الماء ولا ينتقل إلى التراب حتى ييأس.
والثاني ليس عليه تطلب ذلك لأن تطلب ذلك يشق، وتكليفه 3 من الحرج.
والحرج مرفوع.
ولا يصح قياسه على تطلب الماء لأن التطهر بالتراب مع القدرة على الماء لا يصح.
وترك التدليك مع القدرة عليه تصح معه الطهارة عند جمهور فقهاء الأمصار.
فسهل الأمر فيه.
والثالث:

التفرقة بين القليل والكثير فإن كان الذي لا تناله يده 1 أكثر الجسد فعليه تطلب ذلك وإن كان أقل الجسد ومما لا بال له فيه عفي له 2 عن التطلب كما عفي عن العمل اليسير في الصلاة.
ذهب إلى هذا أبو الحسن بن القصار.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما المضمضة والاستنشاق فاختلف الناس فيهما.
فذهب مالك إلى أنهما سنتان في الغسل.
وذهب أبو حنيفة إلى أنهما فريضتان فيه.
والنكتة التي يدور عليها الخلاف، اعتبار كونهما من ظاهر الجسم فيجب غسلهما كالساق أو العضد.
أو هما من باطن الجسم فلا يجب غسلهما كداخل الصماخ.
فرجح من نفى الوجوب مذهبه بقوله عليه السلام: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك 3. ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق مع قصده بهذا الحديث التعليم.
والتعليم يستقصى فيه البيان.
ورجح من أثبت الوجوب مذهبه بقوله عليه السلام: فإذا وجدت الماء فامسسه 4 جلدك، وقد قال ثعلب: داخل الفم جلد -قيل: قد خولف ثعلب في هذا، فلا يسلم ما قال.
وقد تعلقوا بأحاديث لم يسلم لهم صحتها أيضًا، فلا وجه للاشتغال بتأويلها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: النكتة التي يدور عليها الخلاف في تخليل اللحية قريب مما ذكرناه في المضمضة.
وذلك أن شعر اللحية يستر الذقن.
فهل ينتقل حكم الذقن إليه، ويلحق الذقن بباطن الجسم فيكون التخليل غير واجب.
أو يبقى حكم الذقن على ما كان قبل من إيصال الماء إليه على حسب الإمكان؟ وقد رجح من أثبت الوجوب مذهبه بما روي أنه عليه السلام: كان يخلل أصول شعره في غسل الجنابة 5. ولم يخص شعرًا دون شعر.
فأن

قيل فيلزم على هذا تخليل شعر اللحية في الطهارة الصغرى.
قيل قدمنا أن ذلك اختلف فيه أيضًا.
على أن من الناس من فرق بينهما، بأن الطهارة الصغرى خفف الأمر فيها حتى جاز استعمال البدل فيها اختيارًا، بمسح الخفين النائب عن غسل الرجلين.
ولم يرد مثل ذلك في الطهارة "الكبرى" فلهذا صح أن يقال أن الشعر ينوب غسله عن غسل البشرة في الطهارة الصغرى.
ولا ينوب عن ذلك في الطهارة الكبرى.
وقد رجح من نفى الوجوب مذهبه، بأنه قد اتفق على أنه ليس على المتيمم إيصال التراب إلى البشرة، ولو كان الفرض لم ينتقل عنها إلى الشعر لوجب تخليل الشعر في التيمم ومباشرة البشرة على حسب الإمكان.
فلما لم يجب ذلك في طهارة التراب لم يجب مثل ذلك في طهارة الماء.
وقد رأى بعض شيوخنا أن فائدة التخليل استيعاب غسل الشعر.
فإنه ربما منع الأعلى منه وصول الماء لما تحته.
ولم ير أن فائدته إيصال الماء إلى البشرة.
وهذا الذي قاله إنما يستمر على رواية ابن وهب عن مالك أن تخليل اللحية من الجنابة واجب.
وليس إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر بواجب.
والطريقة الأولى التي قدمنا هي التي عليها الحذاق.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما اختار البداية بغسل مواضع الأذى، لأنه يفتقر إلى تطهيرها من الجنابة.
وتطهير العضو من الجنابة، إنما يكون بعد إزالة النجاسة عنه.
فإذا غسل عنه النجاسة، فقد قال بعض شيوخنا يغسله بنية الجنابة ليأمن من مس ذكره في أثناء طهارته.
فيسلم بذلك من نقض الطهارة الصغرى.
ويأمن من انتقاضها إذا قدم ذلك.
ولو غسل ذلك بنية الجنابة وإزالة النجاسة معًا، لأجزأه ذلك عنده.
وهذا فيه مطعن متى اعتقد المغتسل أن إزالة النجاسة ليست بفرض، على ظاهر أحد القولين.
لأن جمعها 1 على هذا القول مع غسل الجنابة، جمع بين فرض ونفل، وقصد إليهما معًا.
وذلك لا = - صلى الله عليه وسلم -: ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر.
فتح الباري ج 1 ص 376. وأخرجه أحمد بسنده إليها إلى أن قالت: ثم يخلل أصول شعره حتى إذا ظن أنه قد استبرأ البشرة اغترف ثلاث غرفات.
الفتح الرباني ج 2 ص 628.

يصح.
وقد أشرنا في الكلام على من اغتسل للجنابة، والجمعة معًا إلى هذا.
والجواب على السؤال الخامس: أن يقال: أما افتتاح غسل الجنابة بالطهارة الصغرى فقد ورد به الخبر، أنه فعله عليه السلام 1. وقد اختلف النقل عنه هل أكمل وضوءه أو أخر غسل رجليه إلى فراغه؟ فروت عائشة أنه توضأ كما يتوضأ للصلاة 2. وأشارت بهذا التقييد إلى خلاف الرواية الأخرى.
ولهذا أشار القاضي أبو محمَّد بالتقييد الذي قيد 3؛ لأنه التقييد الذي قيدت به عائشة رضي الله عنها ليشعر بذلك أن المختار رواية عائشة.
وقد روى ابن زياد عن مالك ليس العمل على تأخير غسل الرجلين.
وإن كان قد روي عنه في المبسوط: واسع أن يؤخر ذلك حتى يفرغ من غسله.
أخذا منه بحديث ميمونة 4 أنه أخر غسل رجليه.
ولأنه لما افتتح الطهارة الكبرى بغسل وجهه، وهو أول عضو من الطهارة الصغرى، ختمها بغسل رجليه وهو آخر عضو من الطهارة الصغرى، لتحصل الكبرى متابعة لأعضاء الوضوء، وحاصلة بين أثنائها.
ومقتضى الرواية الأولى أنه يأتي بالوضوء على ما هو عليه، ثم بعد ذلك يستأنف تخليل اللحية وشعر الرأس.
لأن التخليل ليس من خصائص الوضوء.
وقد قال ابن زياد عنه: لو أخر غسل رجليه لأعاد الوضوء عند فراغه من غسله.
وهذا مراعاة لما قلناه من الإتيان به على وجهه، والتحفظ على الموالاة فيه.
ومقتضى الرواية الثانية التي سامح فيها بتأخير غسل الرجلين، أنه إذا غسل وجهه خلل أصول شعر لحيته ثم يغسل لحيته.
ثم يغسل يديه.
ثم يخلل شعر رأسه.
هكذا ذكر بعض شيوخنا.
لأنه لما

سامح بتأخير غسل الرجلين لم يراع أن يؤتى بالوضوء على صفته.
وإذا لم يراع ذلك أدخل فيه ما ليس من خصائصه وهو التخليل.
وهذه الطريقة التي تستمر على القول بأن المتوضئ في ابتداء غسله ينوي بغسل أعضاء وضوئه غسل الجنابة.
وإنما قُدّمت على بقية الجسد لما لها من الحرمة عليه.
بكونها محلًّا لطهارة أخرى.
وإلى هذا كان يذهب من شافهته من شيوخنا المحققين.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما تخليل شعر الرأس فإنه يختلف فيه كما اختلف في تخليل شعر اللحية.
هكذا ذكر القاضي أبو محمَّد في غير هذا الكتاب.
وأنت إذا اعتبرت ما قدمناه من وجه الاختلاف في شعر اللحية وصح له 1 حكم شعر الرأس فلا معنى لإعادته.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما اختار أن يغرف الماء ثلاثًا لأنه القدر المختار في الطهارة الصغرى فأجراه على هذه الطريقة 2 لتجري العبادات مجرى واحدًا.

باب المياه وأحكامها

قال القاضي رحمه الله: الأصل في المياه كلها، الطهارة والتطهير على اختلاف صفاتها ومواضعها.
من سماء أو أرض أو بحر أو نهر أو عين أو بئر ملح أو عذب جار 1 أو راكد.
كان باقيًا على أصل مياعته، أو ذائبًا بعد جموده، إلا ما تغيرت أوصافه، التي هي اللون، والطعم، والريح، أو أحدها من مخالطة ما ينفك عنه غالبًا.
وبما ليس بقرار له.
ولا متولد عنه.
فما تغير بذلك، فإنه خارج عن أصله.
ثم المخالطة على ضربين: طاهر ونجس.
فالطاهر يسلبه التطهير فقط، فيصير طاهرًا غير مطهر كسائر المائعات.
والنجس يسلبه في الصفتين جميعًا، الطهارة والتطهير.
ويصير به نجسًا من غير حد في ذلك مضروب، ولا مقدار موقوف، سوى أنه يكره استعمال القليل منه الذي لا مادة له، ولا أصل، إذا خالطته نجاسة ولم تغيره، كماء الجب والجرة وسائر الأواني، وآبار الدور الصغار.
ولا يكره في الكثير كالحياض والغدر الكبار.
ويجمع أوصافه أن يقال الماء على ضربين: مطلق ومضاف.
فالتطهير هو بالمطلق دون المضاف.
فالمطلق ما لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك 2 عنه غالبًا بما ليس بقرار له، ولا متولد عنه فيدخل في ذلك الماء القراح.
وما تغير بالطين لأنه قراره، وكذلك ما يجري على الكبريت، وما تغير بطول المكث، لأنه متولد عن مكثه.
وما تغير بالطحلب؛ لأنه من باب مكثه، وما انقلب 3 عن العذوبة إلى الملح؛ لأنه من أرضه، وطول إقامته.
ويدخل فيه الماء المستعمل

على كراهة منا له 1. وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة.
والمضاف 2 نقيض المطلق.
وهو ما تغيرت أوصافه أو أحدها من مخالحالة ينفك عنه غالبًا.
وهو على ضربين مضاف نجس، ومضاف طاهر.
وذلك بحسب المخالط له.
وما تغير بزعفران، أو عصفر، أو كافور أو بغير 3 ذلك من الطيب أو بلبن، أو خل، أو بشيء من المائعات أو الجامدات 4 فهو طاهر غير مطهر.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما حكم الماء؟.
2 - وما الدليل على أن أصله الطهارة أو التطهير؟.
3 - وهل 5 تغير الرائحة كتغير اللون؟.
4 - وما حكم القليل الذي لم تغيره النجاسة الحالة به؟.
5 - وما حكم القليل الذي لم يغيره الطاهر الحال به؟.
6 - وما حكم الماء المشكوك فيه؟.
7 - وهل يقبل خبر الواحد عن نجاسة الماء؟.
8 - وما حكم الماء المستعمل؟.
9 - وما حكم الماء إذا ألقى فيه شيء 6 من جنس ما لا ينفك عنه؟.
10 - وما حكم تغيره بالمجاور 7 له؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: حكم الماء الطهارة في نفسه.
وهذا ليشركه فيه غيره من سائر الطهارات.
وله حكم آخر يختص به وهو تطهيره لسائر النجاسات ورفعه للأحداث، إن قلنا أن التراب لا يرفع الحدث.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على أن أصل المياه التطهير قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 1. وقوله عليه السلام لما سئل عن بئر بضاعة: الماء طهور لا ينجسه شيء 2. فعم سائر المياه.
وقوله عليه السلام: في ماء البحر لما قيل له أفنتوضأ من ماء البحر؟ هو الطهور ماؤه الحل ميتته 3. والمراد بالطهور ها هنا المطهر، لأنه إنما سئل عن التطهر به، فأجاب بأنه طهور.
فلا بد أن يكون معنى ذلك أنه مطهر، حتى يكون الجواب مطابقًا للسؤال.
وهذا الحديث وإن كان يختص بماء البحر فسائر المياه مثله في الحكم.
وإذا ثبت ذلك ثبت أن أصل المياه ما ذكرناه ما لم يعرض لها ما يسلبها حكميها أو أحدهما على ما ذكر تفصيله القاضي أبو محمَّد.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما إن لم يغير المخالط سوى الرائحة فإن في ذلك قولين: أحدهما وهو المشهور من الحديث أنها تحل محل تغير اللون أو الطعم.
لقوله عليه السلام: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" 4. والثاني أن ذلك لا يؤثر، لأنه لم يذكرها في بعض طرق الحديث.
ولو كانت تؤثر لذكرها، كما ذكر اللون والطعم.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الماء القليل كالجرة، وشبهها تحله النجاسة التي لا تغيره فإن فيه اختلافًا.
قال بعض أصحابنا: إنه نجس.

وظاهر هذا أنه قد سلب حكماه: 1 الطهارة والتطهير.
ووجه ذلك قوله عليه السلام: إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا 2. دليله أنه إذا كان دون القلتين حمل النجس.
وقوله عليه السلام: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه 3. فإنما نهى عن ذلك لأنه ينجس بالبول.
وروي عن مالك ما ظاهره أن هذا الماء باق عنده على أصله 4 لم يسلب حكماه ولا أحدهما.
ووجه ذلك قوله عليه السلام: الماء طهور لا ينجسه شيء 5. وهذا على عمومه إلا ما خصه الدليل.
وأيضًا فإنه عليه السلام أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي 6. والذنوب الدلو الكبير ومعلوم أن هذا الماء الذي أمر بصبه يخالط النجاسة، والبقعة مع هذا تطهير به.
ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة أو ورودها عليه.
لأن المخالطة حصلت في الحالين.
فلا اعتبار بتقدم أحد الشيئين.
وأيضًا فإن الأنهار العظيمة طاهرة إجماعًا، كالنيل وشبهه.
مع كون النجاسة تنبعث إليها، والمواضع المتغيرة بالنجاسة منها نجسة.
فدل على أن التغير علة التأثير.
فإذا حصل أثر، وإذا لم يحصل بقي الماء على أصله.
وهذا يجب طرده في قليل المياه

وكثيرها.
وقد سلك بعض من ذهب إلى هذا المذهب مسلكًا آخر.
فذهب إلى أن هذا الماء مكروه.
ووجهه 1 الأخذ بالأحوط ليتطهر بماء متفق عليه.
وقد ذهب بعض أصحاب مالك إلى طريقة أخرى أيضًا.
وهي التشكك في حكم هذا الماء، وإيجاب الجمع بينه وبين التيمم.
ووجه ذلك تعذر الترجيح بين القولين الأولين فوجب الجمع بين مضمونيهما 2. فيؤمر المكلف بالوضوء، لجواز أن يكون الماء طاهرًا، وبالتيمم لجواز أن يكون نجسًا.
فإذا جمع بينهما تيقن براءة ذمته.
واختلف هؤلاء فيما يُقدَّم منهما على صاحبه.
قال بعضهم يتوضأ ويتيمم، ويصلي.
لأن هذا الماء طاهر على أصل المذهب.
فوجب أن يتلف 3 باستعماله حتى يحصل متيممًا مع عدم الماء.
وقال بعضهم يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويصلي لأن هذا الماء مشكوك في نجاسته.
ولهذا افتقر معه إلى التيمم.
فإذا بدأ به قبل التيمم خيف أن تكون أعضاؤه قد نجست به وإذا قدم التيمم أمن ذلك.
لأنه إن كان الماء نجسًا ففرضه التيمم وقد فعله.
فنجاسة الأعضاء بعد أداء العبادة على وجه يبريه، لا تأثير له.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما القليل إذا حله طاهر لم يغيره فإنه باق على أصله.
وخرج بعض العلماء 4 المتأخرين أنه مكروه كما كره الماء القليل إذا حلته النجاسة القليلة.
وهذا التخريج غير صحيح لأن النجاسة القليلة قد قدمنا أن الماء ينتقل بها عن أصله عند بعضهم ويصير نجسًا، فكره عند آخرين مراعاة لهذا القول وتحرزًا منه، فافترق الأمران.
هذا وقد ذهب بعض أصحابنا على ظاهر ما نقل عنه: أن الطاهر المخالط إذا لم تغلب أجزاؤه على أجزاء الماء فإنه لا يسلب الماء حكمه.
وإن غلب على أوصافه.
ولكنه مكروه عنده تحرزًا من الاختلاف.
فهذه طائفة لم ترل المغير الطاهر إذا غلب بأعراضه

دون أن يغلب بجوهره.
فكيف بما لم 1 يغلب لا بجوهره ولا بأعراضه.
على أن هذا القول الذي صار إليه هو ضعيف عندي على أصولنا: لأن المغير النجس يؤثر في الماء ويسلبه حكمه وإن لم تغلب أجزاؤه على أجزاء الماء فكذلك يجب أن يكون المغير الطاهر لا سيما إذا قيل أن تسمية الماء المطلقة تسلب عنه.
فلا يعبر عنه إلا بالإضافة.
فيقال ماء الزعفران، وماء الباقلاء.
فإذا كان لا يعبر عنه إلا بالإضافة وجب تركه للتيمم لأنه تعالى شرط في التيمم فقد الماء المطلق.
ومن لم يجد إلا هذا الماء المضاف فقدْ فقدَ الماء المطلق فوجب أن يتيمم.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الشك في الماء على قسمين: أما أن يشك في المغير هل هو من جنس ما يؤثر أم لا؟ وإما أن يشك في محل النجاسة لا في حصولها.
فأما القسم الأول فإنه لا تأثير له ولا ينقل الماء عن أصله استصحابًا لحال الأصل.
حتى يتحقق وجود ما من شأنه أن يؤثر فيه.
وقد وقع في المذهب النهي عن استعماله إذا كانت هناك حالة قريب، كالآبار القريبة من المراحيض، فإن مالكًا رضي الله عنه قال: بنزف اليومين والثلاثة.
فإن طابت وإلا لم يتوضأ منها.
ووجه ذلك أن قرب المراحيض منها يسبق معه إلى النفس كون التغير مضافًا إليها.
وهو الظاهر من الحال، لفقد ما سوى ذلك من الأسباب المغيرة.
فأمر باجتنابه لأجل هذا الظاهر من الحال.
وأما القسم الثاني فإنه إذا شك في محل النجاسة كمن معه مَاآنِ - تيقن بنجاسة أحدهما لا بعينه وطهارة الآخر، فإن فيه اختلافًا.
فذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتحرى الطاهر منهما فيتطهر به ويجزيه ذلك.
ووجهه أنه لما جاز الاقتصار على الطاهر في الظاهر من الحال، كما قدمناه في استصحاب حكم الأصل، جاز الاقتصار على التحري.
لأن الظاهر من التحري إصابة الصواب.
وقياسًا على التحري للقبلة عند الاشتباه.
وذهب بعض من قال بالتحري إلى إجازته فيما كثر من الأواني لمشقة استعمال الكل.
ومنعه فيما قل منها لخفة أن يتوضأ من كل إناء، ويصلي بطهارته به.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي.
ثم بالآخر ويصلي.
لأنه إن اقتصر على أحدهما جُوز أن

يكون هو النجس، وإن تحراه.
وإن اجتنبهما حصل متيممًا مع وجود ماء طاهر فإذا امتنع الوجهان لم يبق إلا أن يتوضأ بكل واحد منهما ويصلي به.
فتبرأ ذمته باليقين.
وقياسًا على من نسي صلاة واحدة لا يعلم أي صلاة هي؟ فإنه يصلي الخمس طلبًا لليقين لبراءة ذمته.
وقد سلك بعض هؤلاء 1 طريقة التحري في هذا الباقي.
وذهب بعض القائلين بالتحري إلى منع التحري ها هنا واعتل بأن التحري إنما يكون بين أمرين فأكثر كالقبلة وغيرها وهذا ضعيف لأن كثرة العدد وقلته لا تأثير له إذا أتى الاجتهاد 2. واشترط أن يغسل من الآخر موضع الطهارة ليحمل له اليقين بطهارة المحل من النجس.
ثم يتطهر منه للحديث.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يجتنب الجميع ويتيمم.
ووجه ذلك أنه لا يصح الاقتصار على أحدهما لما قدمناه، ولا الجمع بينهما على الصفة التي قدمنا.
لأن في ذلك تكريرًا للصلاة الواحدة.
والصلاة الواحدة لم يوجب الشرع منها في اليوم الواحد إلا واحدة لا أكثر.
فلما بطل الاقتصار على أحدهما، والجمع بينهما صارت المياه في حكم العدم.
فوجب التيمم.
فإن انقلب أحد الإناءين فأهراق قبل النظر فيهما.
فلا أعلم فيهما 3 نصًا لأصحابنا.
ويجب عندي أن يكون حكمه حكم 4 التيمم عند من قال به في وجوبهما 5 على ما تقدم بيانه.
لأنه إنما وجب التيمم عنده بحصول الشك في عين النجس منهما.
والشك في الباقي منهما حاصل كحصوله مع وجودهما.
فوجب أن يكون الحكم واحدًا.
ويجب أن يكون حكمه عند من قال من أصحابنا أنه يتوضأ بهما على ما سبق بيانه أن يتوضأ بالباقي منهما ويتيمم.
لأنه إنما وجب الجمع بينهما طلبًا لحصول اليقين ببراءة الذمة كما تقدم بيانه.
ولا

يحصل اليقين ها هنا إلا بما قلناه من الجمع بين استعمال هذا الماء لجواز أن يكون هو الطاهر، وبين التيمم لجواز أن يكون هو النجس.
فإذا ثبت أن الحكم على هذه الطريقة =الجمع بينهما= فما الذي يقدم على صاحبه؟ يتخرج على قولين قدمنا ذكرهما في حكم الماء المشكوك فيه.
فأحد القولين تقدمة الماء إذ لا يصح التيمم مع وجوده.
وهذا الماء يجوز أن يكون هو الطاهر فيؤمر بإتلافه حتى يحصل التيمم بعد عدم الماء.
والقول الثاني أن يقدم التيمم لجواز أن يكون الباقي 1 هو النجس.
فإذا قدمه في الاستعمال نجس أعضاءه ونجاسة الأعضاء لا يرفعها التيمم.
فوجب أن يقدم التيمم ليأمن من هذا الوجه الممنوع ويجب أن يكون حكمه عند من قال من أصحابنا بالتحري فيهما، الاجتهاد في الباقي والتحري فيه أيضًا.
لأنه إنما وجب التحري لتأتي حصول الظن بالطاهر منهما عند تأمل حاله، وتميز أوصافه.
وهذا المعنى يتأتى في الباقي منهما، كما كان يتأتى فيه مع وجود صاحبه.
فوجب ألا يرتفع ما ثبت من جواز الاجتهاد والتحري في هذا الباقي.
وذهب بعض القائلين بالتحري إلى منع التحري ها هنا.
واعتل بأن التحري إنما يكون بين أمرين فأكثر كالقبلة وغيرها.
وهذا ضعيف.
لأن كثرة العدد وقلته لا تأثير له إذا تأتى الاجتهاد.
وتأتي حصول الظن بطهارة الواحد منفردًا كتأتي ذلك فيه مع إضافته إلى غيره، فلم يكن لمراعاة العدد معنى.
ولو أمكن في القبلة أن تتقرر جهة واحدة بالشك في كونها قبلة دون ما سواها، لكان الحكم التحري فيها كما قلناه ها هنا.
ولكن ذلك لا يمكن؛ لأنه متى اعتقد في ثلاث جهات أن القبلة ليست فيها، فقد تحقق أن القبلة في الجهة الواحدة الباقية.
واستحال الشك فيها.
فلهذا لم يكن التحري في القبلة إلا بين أمرين فأكثر.
فإن تحرى فيه فعتذر عليه حصول الظن بطهارته فيجب أن ينتقل إلى التيمم أو يجمع بينه وبين التيمم على الطريقة التي قدمنا.
فإن كان الإناءان باقيين فتحرى فيهما، فغلب على ظنه أن أحدهما هو الطاهر، فتطهر به وصلى.
ثم تغير اجتهاده واختلف اعتقاده، فإن كان تغير اجتهاده إلى اليقين بخطئه في اجتهاده الأول فإنه يغسل ما أصابه منه.
ويعيد الصلاة؛ لأنه تيقن الخطأ فأشبه

الحاكم إذا أخطأ النص فإنه ينقض حكمه.
وإن تغير إلى الظن أنه أخطأ في الأول فيتخرج على القول 1 في نقض الظن بالظن، كنقض الحاكم حكمه إذا غلب على ظنه أنه أخطأ فيه.
وكالمصلي إلى القبلة باجتهاد ثم غلب على ظنه أنه أخطأ.
وإن اشتبه عليه ماءان ومعه ماء تيقن طهارته فيقتصر عليه ولا يعدل عنه إلى التحري، فيكون ترك اليقين للشك.
وهذا عكس الأصول.
وإنما لم يقسه على عدول الحاكم على النص إلى الاجتهاد، وإن كان ممنوعًا أيضًا.
لأن الحاكم يقطع بخطإ ما خالف النص وهذا لا يقطع بنجاسة ما تحراه.
فإن قيل فإن التطهر بالمياه اليسيرة جائز، وإن كانت بقرب البحار والأنهار وهي مجوز عليها أن تكون نجسة.
والبحار والأنهار مقطوع بطهارتها فقد صح العدول عن اليقين إلى الظن.
قيل لا حكم لهذا التجويز لعدم تيقن النجاسة.
والإناءان مقطوع بنجاسة أحدهما فافترق الأمران.
فإن اشتبه الماءان على رجلين فتحرى كل واحد الماء الذي لم يتحره صاحبه، فإنه لا يصلي أحدهما مؤتمًا بصاحبه في الصلاة التي تطهير لها بالماء الذي خالفه فيه لاعتقاده أنه مخطئ فيه.
وكذلك لو كثرت الأواني وكثر المجتهدون واختلفوا.
فكل من ائتم منهم بمن يعتقد أنه تطهير بالماء النجس فصلاته لا تصح لما قدمناه.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما خبر الواحد العدل عن نجاسة الماء فمقبول يجب الأخذ به إذا بين وجه نجاسته.
لأن هذا من باب الإخبار، لا من باب الشهادة.
وما طريقه الإخبار يقبل فيه خبر الواحد.
هذا الظاهر من مذاهب المحققين.
وإن كان قد تنازع أهل العلم في بعض فروع هذا الأصل كخبر الواحد عن الهلال.
والمشهور عندنا أنه لا يقتدى به.
ومما يؤكد ما قلناه قول عمرو بن العاص يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع.
والظاهر أنه سأله ليقبل خبره.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تخبرنا يا صاحب الحوض 2. فلولا أن للخبر الواحد تأثيرًا في هذا المعنى لم ينهه عمر رضي الله

عنه عن الإخبار عن ورود السباع الحوض ويقبل في ذلك قول الرجل الواحد والمرأة والعبد.
لأن ما طريقه الإخبار تقبل 1 فيه هذه الأجناس.
فإن لم يبين المخبر وجه النجاسة واقتصر على الإجمال، فإن كان مذهبه كمذهب من أخبره فيما ينجس من المياه وما لا ينجس فإنه يجب الرجوع إلى الخبر 2 ويقوم العلم بمساواته في المذهب مقام الأخبار عن صفة النجاسة.
وإن كان مذهبه مخالفًا لمذهب من أخبره على الجملة، 3 لم يحرم استعمال الماء بمجرد إجماله حتى يكشف عن النجس وحاله، لجواز أن يكون قد رأى سبعًا ولغ في الماء فاعتقد أنه قد صار نجسًا.
وأخبر بنجاسته على أصل مذهبه، ولا يلزم اتباعه في مذهبه.
ويستحسن عندي العدول عنه إلى غيره من المياه، لجواز أن يكون رأى نجاسة متفقًا عليها فصار الماء بخبره مشتبهًا.
وقد قال عليه السلام: من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه 4.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: استعمال الماء في التطهر من الحدث لا يسلبه الطهارة.
لأن استعماله لا يسلبه اسمه.
فلم يسلبه حكمه.
وإضافته إلى الاستعمال لا اعتبار به ولا تأثير له كما لا تأثير لإضافته إلى قراره كدجلة والفرات.
أو إلى بعض ما يصنع به كالتسخين والتشميس.
وإذا 5 لم يخرج عن اسمه كان من جملة المياه الباقية على أصلها التي لا يجوز التيمم مع وجودها.
وأيضًا فإنه عليه السلام توضأ وصب وضوءه على جابر 6. ولو كان نجسًا لم يصبه عليه.
وقد توضأ عليه السلام والمسلمون بعده.
ولا تكاد تسلم = ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا.
فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب -رض- يا صاحب الحوض.
لا تخبرنا -فإنا نرد على السباع وترد علينا.
شرح الزرقاني على الموطإ ج 1 ص 52.

ثيابهم وأبدانهم من أن يمسها ما يفضل عن أعضائهم.
ولم ينقل عن أحد غسل ما أصابه منها.
فصار هذا كالإجماع على طهارته.
فلا يعتبر بقول من ذهب إلى نجاسته.
واختلف هل يسلبه استعماله التطهير أم لا؟ فقيل لا يسلبه التطهير ولكنه يكره استعماله مع وجود غيره.
وقيل بل يسلبه التطهير.
والواجب التيمم مع وجوده.
وقيل هو في معنى المشكوك في حكمه.
والواجب الجمع بين فوجه الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 1. وطهور من أبنية المبالغة.
والمبالغة تتضمن التكرير فإذا تضمنته ها هنا ثبت كون الماء مطهرًا 2 مرة بعد أخرى.
فإن قيل لا فرق في العربية بين فاعل وفعول في الفعل الجامد كقولك صابر وصبور في أنهما لا يتعديان، ولا في الفعل المتعدي كقاتل وقتول في كونهما متعديين.
فلما كان طاهر لا يتعدى وطهور مثله قيل قد فرقت العرب بين فاعل وفعول، جامدًا كان أو معتديًا.
لأنهم قالوا صابر وقاتل لمن فعله مرة، وصبور وقتول لمن تكرر ذلك منه.
فيحمل طهور على إفادة التكرار طردًا للأصل.
فإن قيل هذا يصح على أحد قوليه في صحة التطهير بالماء مرة بعد أخرى.
فإن منعتموه امتنع التكرار.
وإذا امتنع التكرار امتنع الفرق.
قيل أما على هذا القول فترجع التفرقة إلى الجهة الأخرى وهي حمل طهور على التعدي لا أكثر، فيفارق طاهرًا من هذه الجهة.
لأن طاهرًا لا يتعدى.
ولا بد من اعتبار الفرق من هذه الجهة لما بطل اعتباره من الجهة الأخرى على هذا القول.
فإذا لم نثبت بينهما فرقًا خالفنا ما أصَّله أهل اللسان.
فإن قيل لا يوسف الفعل بالتعدي حتى تحصل منه التعدية، ولهذا لا يقال قاتل قبل وجود القتل.
وأنتم تصفون الماء بكونه طهورًا قبل حصول التطهر به وتمنعون هذا الوصف على قولكم هذا بعد وجود التطهر به.
وقيل إنما يصح ما قلتموه فيما يتوهم فيه وجود الفعل وعدمه كالقتل والضرب.
لأن الإنسان قد يقتل وقد لا يقتل فأما ما يكون معنى

الفعل منه حاصلًا على كل حال فإنه يوسف به ذلك الفعل قبل وقوعه منه، كقولهم سيف قطوع وإن لم يقطع به، لما كان معنى القطع حاصلًا فيه لا محالة.
ومما يؤكد هذا المذهب أيضًا أنا نعلم أن الماء يمر على أول العضو ثم بعد ذلك يمر على آخره وقد حصل مستعملًا في أوله ولم يمنع استعماله في أول العضو تطهير 1 آخره وذلك يوضح أن استعماله لم يخرجه عن أصله.
وإنما كره في هذا القول، لأنه مختلف في طهارته ومختلف أيضًا عند من قال بطهارته في صحة التطهر به.
فأمر بالعدول عنه إلى غيره لتبرأ الذمة من العبادة على وجه متفق عليه.
ووجه القول الثاني أن استعمال الماء يخرجه عن إطلاق التسمية إلى التقييد، فيقال فيه ماء مستعمل.
وذلك يخرجه من ظاهر الآية، وإذا خرج منها وجب التيمم مع وجوده.
ولأنه ملك أتلف في تأدية فرض فلم يصح تأديته به مرة أخرى كرقبة أعتقت في الكفارة فإنها لا تصح أن تعتق في كفارة أخرى هذا أمثل ما وجه به هذا القول.
وقد قدمنا الانفصال عن قولهم لا يسمى ماء مطلقًا.
وأما قياسه على الرقة فإنه لا يصح لأن الرقبة إنما لا يصح تكرير العتق فيها لاستحالة عتق المعتق.
والماء لا يستحيل فيه التطهر به مرة ثانية، فافترقا.
ووجه القول الثالث: أن المذهبين المتقدمين لما كان لكل واحد منهما وجه، وجب الاحتياط، بأن يؤخذ بهما فيتوضأ، ويتيمم ليسلم من الخلاف 2.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إن جلب إلى الماء شيء من الأجناس التي لا تؤثر فيه، إذا كانت قرار له كالكبريت، والزرنيخ، فألقيت فيه فغيرته.
فهل يؤثر ذلك في حكم الماء أم لا؟ اختلف أصحابنا في هذا الأصل.
فقال بعضهم: لا يؤثر؛ لأنه لما يؤثر في حال كونه قرارًا أصليًا 3 لم يؤثر في حال كونه طارئًا.
وقال بعضهم بل يؤثر لأن الأصلي مما لا ينفك الماء منه، ولا يمكن حفظه عنه، وهذا مما يمكن حفظ الماء عنه فأثر فيه إذا كان طارئًا.

وخالف في ذلك كونه أصليًّا.
ومن هذا النمط اختلاف أصحابنا أيضًا في الملح إذا ألقي في الماء فغيره.
هل يؤثر في حكمه أو 1 لا؟ وقد أشار آخرون منهم إلى التفرقة بين الملح المعدني وبين ما جمد بالصنعة؛ لأن المعدني حكمه حكم التراب في جواز التيمم به، فلم يكن له تأثير.
والمصنوع قد أخرجته الصنعة عن أن يكون من أنواع الأرض ومنعت من صحة التيمم به فوجب أن يؤثر في الماء كالطعام.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما التغير بالمجاورة دون الممازجة فلا تأثير له.
لأن تغير رائحة الماء بانعكاس أبخرة فاسدة إليه لا ينقل الماء عن اسمه ولا عن حكمه.
لأن الماء لم يحمل الخبث فيؤثر فيه.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن حلول العود وشبهه من أنواع الطيب التي لا تنماع في الماء لا تأثير له وإن غلب على رائحة الماء؛ لأن ذلك من باب المجاورة.
وقد قدمنا أنه لا تأثير لها.
ووقفت لبعض أصحابنا على أن ذلك يؤثر لحصول المخالطة.
وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر في الماء المبخر بالمصطكى.
وقد تنازع المتأخرون فيه وإنما تنازعوا في حصول السبب المؤثر لا في تأثيره إن حصل.

فصل في الأعيان الطاهرة

قال القاضي رحمه الله: والحيوان كله طاهر العين، طاهر السؤر إلا ما لا يتوقى النجاسات غالبًا، كالكلب والخنزير والمشركين فأسآرهم مكروهة، وفي الحكم طاهرة إلا ما تغير منها عند إصابتهم النجاسة كأكل 1 النصراني الخنزير، وشربه الخمر فإنه نجس.
ويغسل الإناء من ولوغ الكلب في الماء سبعًا.
ويراق الماء استحبابًا، ولا يراق ما ولغ فيه 2 من سائر المائعات.
وفي غسل الإناء منه روايتان: وأسآر البغال والحمير وسائر الدواب والسباع والطير طاهرة إلا أن يكون شيء منها يأكل النجاسة على ما بيناه.
وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير روايتان.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال: 1 - لم كان الحيوان كله طاهر العين، طاهر السؤر؟.
2 - ولم كان سؤر ما لا يتوقى النجاسة مكروهًا؟.
3 - وهل غسل الإناء من ولوغ الكلب واجب أو مستحب؟.
4 - ولِمَ كانت إراقة سؤره استحبابًا؟.
5 - ولِم فرق بين الماء والمائعات؟ 6 - ولِم اختلف قوله في غسله إذا ولغ في المائعات؟.

7 - وهل يتكرر الحكم في الإناء الواحد بتكرر ولوغ الكلاب فيه؟.
8 - ولِم خص البغال والحمير والسباع والطير بالذكر وقد أجمل ذلك في أول الفصل؟.
9 - ولِم اختلف قوله في غسل الإناء من ولوغ الخنزير؟.
10 - وهل يجب غسل الإناء 1، من الولوغ على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أن الحياة علة في الطهارة للاتفاق على طهارة الشاة والبعير إذا كانا حيين.
فإذا ماتا نجسا.
فدل ذلك على أن الحياة علة الطهارة.
والعلة يجب طردها.
وطردها يقتضي أن الحيوان كله طاهر.
وإذا كان طاهرًا كان سؤره طاهرًا.
فإن قيل لو كانت الحياة علة الطهارة كما قلتموه لوجب نجاسة الشاة الذكية لفقد الحياة.
والعلة إذا فقدت فقد حكمها.
قيل هذا صحيح في العلل العقلية، وأما العلل الشرعية فقد تفقد ويخلفها علة أخرى فيتعلق الحكم بها.
ألا ترى أن من ارتد قتل، فالردة علة في القتل.
ولو ذهبت بأن رجع إلى الإِسلام وزنى محصنًا لقتل؛ لأنها علة ثانية خلفت الأولى.
فكذلك التذكية خلفت الحياة فاقتضت الطهارة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما ما لا يتوقى النجاسة غالبًا فإن سؤره منهي عن استعماله.
وهل هذا 2 النهي على الوجوب أو الاستحباب؟ المذهب على قولين: أحدهما أنه على الاستحباب؛ لأن الغالب حصوله لا يجري مجرى ما تحقق حصوله؛ لأن الغالب إنما يعطي الظن بحصول الشيء.
والمشاهدة للشيء تعطي العلم به.
وشتان ما بين العلم والظن.
فوجب أن يكون النهي ها هنا على الكراهة لعدم العلم بحصول النجاسة.
والثاني أنه على الوجوب ولهذا قال: يتيمم من لم يجد إلا سؤر الحيوان المخلى الذي لا يتوقى النجاسة.
ووجهه أن الغالب أجري مجرى الحاصل في الشريعة في مواضع،

كالنوم.
لما كان الغالب منه حصول الحدث جعل الحدث فيه كانه قد حصل فنقض الوضوء.
وأقل مراتب هذا الغالب أن يفيد الشك.
والشك ينقل عن أصل الطهارة في أحد القولين.
ويجري مجرى اليقين.
وقد روي عن مالك جواز الوضوء بفضل سؤر شرب النصراني والنهي عن التوضئ بفضل وضوئه.
وهذه الرواية إن تركتها على ظاهرها أفادتك قولًا ثالثًا وهو نفي الكراهة والتحريم فيما ذكرناه.
ووجهها أن النصراني إذا شرب من ماء فإن أول ما يلقى فمه من الماء يذهب بنجاسته ويبقى ما بعده ويرد على فمه وهو طاهر.
فلم يكن لكراهته معنى.
ولهذا فرق بين سؤر شربه وسؤر وضوئه لفقد هذه العلة في سؤر وضوئه.
وعلى هذا إذا كان الحيوان الذي لا يتوقى النجاسة تكون حاله في ذهاب النجاسة من فمه حال النصراني في شربه، فإنه لا يكره سؤره ولا يحرم.
وقد روي أن النبي عليه السلام: توضأ من مزادة مشرك 1 وتوضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصراني 2. وظاهر هذا الجواز، ونفي الكراهة.
وإن قلنا بالمشهور من المذهب فإنا نعارض هذا الحديث بما روى أبو ثعلبة قال قلت يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال: لا تأكل في آنيتهم إلا أن لا تجد عنها بدًا واغسلوها بالماء ثم كلوا منها 3. فعم أواني الشرب وغيره.
ونهى عن استعمال الجميع.
ويجب أن يجري سؤر المسلم

الخمّير 1 مجرى سؤر النصراني لاشتراكهما في علة النهي التي هي شرب الخمر.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف قول مالك في الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فحمله مرة على الوجوب لأن الأمر يقتضي مطلقه الوجوب عند جمهور الفقهاء.
وحمله مرة على الندب لأنه إنما أمر بغسل الإناء من ولوغه لأنه مما يستقذر.
وتوقي ما يستقذر، وتعافه النفس غير واجب.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في رواية مسلم أنه قال: فليرقه ثم يغسله سبع مرات 2. والأظهر في المذهب أن ذلك تعبد، لا لنجاسة الكلب.
وقال أبو حنيفة والشافعي إنما ذلك؛ لأن الكلب نجس.
وهو ظاهر مذهب ابن الماجشون.
لأنه قال: إن ولغ في اللبن، أكل إن كان بدويًّا، وطرح إن كان حضريًّا.
وإن ولغ في الماء طرح حضريًا كان أو بدويًّا.
فإن عجن به طعام طرح.
قال لأنه نجس وهذا تصريح منه بنجاسة الكلب.
وهكذا في السليمانية أنه إذا ولغ في ماء فطبخت به قدر لم يؤكل.
وسوى مطرف في اللبن بين البدوي والحضري.
واعتبر القلة والكثرة فطرح القليل وأكل الكثير.
وطرد مذهب ابن الماجشون يوجب 3 أن يستوي حكم البدوي والحضري كما قال مطرف.
لأن النجاسة يستوي حكمها في البدو والحضر.
ولكنه خرج عن أصله لأصل آخر، وذلك أنه ثبت أنه عليه السلام أباح سؤر الهرة.
وعلل بتطوافها 4 علينا.
وهذا تنبيه منه - صلى الله عليه وسلم - على أن ما يشق التحرز منه ولا يمكن إبعاده فإنه معفو عنه.
والكلب في البدو بهذه المنزلة.
وقد قال سحنون الهر أيسر من الكلب.

والكلب أيسر من السباع.
وإنما ذلك بقدر الحاجة إليه ومشقة التحرز عن مخالطته.
وقال أيضًا كل كلب لم يؤذن في اتخاذه، نجس.
وهذا لأنه لا تمس الحاجة إليه فلم يعف عنه.
وساوى في الماء بين البدوي والحضري لعدم المضرة بطرحه.
وأما مطرف ففرق بين القليل والكثير على ما ذكرناه لمشقة طرح الكثير، وخفة طرح اليسير، أو لأن الكثير يحمل النجاسة بخلاف اليسير.
فاحتج من ذهب إلى طهارته بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
1 ولم يأمره بغسل ما باشره بفمه.
وبأنه عليه السلام علل طهارة الهر بالتطواف علينا وهذه علة يشاركها الكلب فيها فكان حكمه حكمها.
واحتج من ذهب إلى نجاسته بأنه عليه السلام أمر بإراقة سؤره.
وظاهر هذا أنه لنجاسته.
وقد أجيبوا عن هذا بأنه لاستقذاره أمر بذلك.
واحتجوا بأنه قال في بعض طرق الحديث: طهور إناء أحدكم 2. ولفظة طهور تدل على نجاسة تطهير.
وأجيبوا عن هذا بما قدمنا في أول الكتاب من أصل الطهارة الخلوص من الأدناس.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 3. فالمراد بالحديث خلوص الإناء من أن يستقذر وتعافه النفس.
واحتجوا أيضًا بأنه عليه السلام نهى عن ثمنه.
وتحريم الثمن إنما يكون لأحد ثلاثة أقسام: أما لعدم المنفعة كالخشاش، والكلب بخلاف ذلك.
لأنه ينتفع به.
وأما لحرمته كالحرة وأم الولد.
والكلب لا حرمة له.
وأما للنجاسة فكالميتة والدم.
والكلب كذلك.
وأجيبوا عن ذلك بأن النهي على جهة التنزيه، والأخذ بالأرفع في الهمة ككسب الحجام وشبهه.
وقد تقابلتا 4 هذه الأدلة عند بعض أصحابنا فألحق الكلب بالمشكوك في حكمه.
فقال من لم يجد سؤر الكلب جمع بينه وبين التيمم.

فإن قيل لو أدخل الكلب ما سوى فمه من أعضائه في الإناء فهل ينجسه عند من قال بنجاسة الكلب؟ قيل ينجسه إذا كان الإناء رطبًا.
وقد نص على ذلك بعض من ذهب إلى نجاسة الكلب.
وهو صحيح على هذا الأصل.
ويحل ذلك محل جلد الميتة عند من لم ير أنه لا يطهر بالدباغ إذا استعمل في المائعات.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما فرق بين الماء والمائعات لخفة طرح الماء وقلة الضرر اللاحق بإراقته.
والطعام بخلافه.
لأنه مما يلحق الضرر بإتلافه، والضرر مز الذي الشرع.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما اختلف قوله في غسله إذا كان فيه مائع سوى الماء؛ لأنه ورد الحديث عامًا في سائر الأواني والأوعية.
فأخذ مرة بعموم هذا الحديث وأجراه على إطلاقه.
وخصه مرة بالعادة.
فرأى أن الكلاب لم تكن تصل في زمن النهي إلى الطعام لقلته عندهم.
وإنما كانت تلغ في المياه فحمل الحديث على المألوف عندهم.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا ولغت كلاب في إناء واحد فهل يغسل لكل كلب سبعًا أو يكتفي بسبع في سائر الكلاب؟ هذا مما لم ينص عليه أهل المذهب.
وقد تنازع فيه من سواهم من أهل العلم.
فوجه القول بأنه يكتفى بسبع في سائر الكلاب وهو الأظهر عندي في النظر، أن الأسباب إذا تساوت موجباتها اكتفي فيها بحكم أحدها.
ألا ترى أن من بال وجب عليه أن يتوضأ.
ومن تغوط وجب عليه أن يتوضأ أيضًا.
فإذا اجتمعا معًا أجزأ فيهما وضوء واحد.
فكذلك كل كلب على حياله يجب أن يغسل الإناء من ولوغه سبعًا.
فإذا اجتمعت الكلاب اكتفي في جميعها بسبع قياسًا على ما قلناه في أحداث الوضوء أنه يكتفى فيها إذا اجتمعت 1 بوضوء واحد.
وهكذا يجب على هذه الطريقة إذا قلن ابن جاسة الكلب وولغ في الإناء، ووقع في الإناء نجاسة

أخرى 1، دم أو غيره، فإنه يكتفي في تطهيره من النجاستين بسبع غسلات.
وكذلك لو قيل بطهارة الكلب، وأن الغسل تعبد، لاكتفي أيضًا بالسبع لأن النجاسة لا يفتقر غسلها لنية 2، وإنما المراد ذهابها، وقد ذهبت ها هنا بهذه 3 الغسلات، فلا معنى لاعتبارها.
ووجه القول بأنه يجب أن يختص كل كلب بسبع غسلات، أن كل كلب ثبت له هذا التحكم إذا انفرد، فكذلك إذا اجتمع مع غيره.
لأنه في حال انفراده كهو في حال اجتماعه.
وقد فهمنا أيضًا من الشرع أن تكرر 4 الغسل في الإناء تغليظ وتشديد.
وإلا فالبول والعذرة، وما هو آكد من نجاسة الكلب، لا يشترط في غسله سبع مرات.
وإن كان أحمد بن حنبل طرد الأصل في الجميع وأمر 5 أن تغسل كل نجاسة سبعًا وثامنة بالتراب.
فإذا كان المفهوم من الشرع أن تكرير غسله تغليظ، كان طرد هذا الأصل أن تكرر 6 الغسلات لكل كلب تغليظ أيضًا وتشديد حتى يجري الحكم في هذا الباب مجرى واحدًا.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما خص أسآر البغال والحمير والسباع والطير بالذكر بعد أن أجملها أول الفصل تنبيهًا على الخلاف.
لأن الشافعي وافقنا في سائر الحيوان وخالفنا في الكلب والخنزير.
وزاد أبو حنيفة سباع البهائم.
قال: وأما سباع الطير والحشرات كالفأرة ونحوها فنجس] إلا أنه عفي عنه لامتناع التحرز منه.
والوضوء به وإن كان جائزًا، فإني أكرهه وكذا الهر.
وأما البغال والحمير فمشكوك في حكمها عنده.
فإن لم يجد إلا سؤرها جمع بينه وبين التيمم على حسب ما قاله بعض أصحابنا في سؤر الكلب.
فلأجل هذا التفصيل الذي وقع بين هذين الإمامين نص على ما ذكره من أعيان الحيوان لينبه على الخلاف.
ولهذا قد قيل في المذهب بكراهة سؤر السباع لأجل هذا الاختلاف، أو لأجل أنها لما كانت تفترس غالبًا حكم لأسآرها بحكم النجس.
وقد قيل أيضًا بكراهة سؤر البغال والحمير وهذا أيضًا مراعاة للخلاف الذي ذكرناه.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل