شرح التلقينصفحات 1078-1112
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 1078-1112

اختلف المذهب في ذلك.
فقال في المدونة يكبّر ويجلس ثم 1 يقضي بعد سلام الإِمام باقي التكبير.
فهذا اعتداد منه بهذه التكبيرة، فيكبّر ستًا غيرها.
وقال ابن القاسم في العتبية يكبّر في الأولى سبعًا.
وفي الثانية خمسًا.
قال عيسى وقد قال أيضًا يكبّر في الأولى ما بقي =ستا عليه= 2 قال ابن أبي زمنين: ولمالك في كتاب الحج فيمن أدرك الإِمام في تشهده في العيدين أنه يحرم، ويدخل مع الإِمام.
فإذا فرغ صلى وكبّر سبعًا وخمسًا.
هذه رواية ابن وضاح.
وروى غيره: كبّر ستًا وخمسًا.
قال أبو محمَّد عبد الحق إن قيل: قد قال في صلاة الفريضة إذا أدركه جالسًا وسلّم الإِمام يقوم بتكبير، ولم يجعله يعتدّ بالتكبير الذي كبّره حين جلس وجعله في هذه المسألة على ما في المدونة.
وعلى أحد قوليه في غيرها أنه يعتد بالتكبير.
قيل لعله إنما قال ذلك في الفرض إذ لا عوض له من التكبير 3 وهو كالمفتتح، فلا بد من تكبير.
وفي العيدين إذا 4 قام فإنه يكبّر.
فاكتفى بذلك عن التكرار.
وخرّج بعض أشياخي اختلافًا في مدرك الثانية هل يكبّر خمسًا أو سبعًا؟ قال: فعلى القول أن ما أدرك آخرُ صلاته يكبر خمسًا ويقضي سبعًا، وعلى القول أن الذي أدرك أوَّلُها يكبّر سبعًا ويقضي خمسًا.
وفي هذا الذي قاله عندي نظر.
لأنه إذا أدرك الإِمام في أول تكبير الثانية 5 وكبّر معه خمسًا ثم أخذ في تكبير آخر زائد على تكبير الإِمام صار ذلك مخالفة على الإِمام.
والمخالفة عليه لا تصح.
وإنما تكون ثمرة هذا الخلاف 6 هل ما أدرك أوّلُ الصلاة أو آخرها فيما يفعله بعد تقضي فعل الإِمام، حيث لا توجد منه مخالفة على الإِمام.
وأما فيما يفعله مع الإِمام، فإجراء 7 ثمرة هذا الاختلاف فيما يؤدي إلى مخالفة الإِمام فيه

نظر.
وقد قال مالك في سجود السهو إذا اختلف فيه رأي الإِمام والمأموم اتّبِعْه، فإن الخلاف شرّ.
ويلزم شيخنا هذا أن يأمر مدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية أن يأمر المأموم أن يقرأ مع أم القرآن سورة إن كان الإِمام يتباطأ تباطؤًا يمكنه ذلك فيه على القول أن ما أدرك هو أول صلاته.
ولعمري إن الذي قاله في 1 التكبير مقتضى الأصل الذي أجري عليه لولا ما عرض فيه من الوقوع في مخالفة الإِمام.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما نبّه على الجهر بالقراءة لما كان الأصل في صلوات النهار إسرار القراءة فيها، فنبّه أن هذه ليست بجارية على الأصل.
وأيضًا فإنه روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أسمع من يليك ولا ترفع صوتك.
والدليل على الجهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالقراءة.
ونقل المسلمون الجهر بالقراءة فيها فعلًا 2 منهم بذلك في سائر الأمصار على مرور الأعصار.
وأما السور التي يقرأ فيها، فقال مالك في المدونة: يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ﴾، ونحوهما.
وفي المجموعة يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها.
قال مالك في مختصر ابن شعبان يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وما أشبههما.
واستحب الشافعي القراءة بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وبه أخذ ابن حبيب.
وحكى بعض من صنف الخلاف عن مالك وأبي ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه يقرأ في الأولي بـ ﴿سَبِّحِ﴾، والثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وذكره ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال أبو حنيفة ليس في صلاة العيد قراءة معيّنة، وهي للرواية الأخرى عن أحمد.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: يقرأ بـ ﴿فاتحة الكتاب﴾، وسورة من ﴿المفصّل﴾.
وكان أبان بن عثمان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي

خَلَقَ} وقد اختلفت الأ خ بار 1 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر فروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر.
فقال يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ 2. وهو أحبّ إليّ.
وذكر غير ابن حبيب أن النعمان بن بشير روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قرأ فيهما بـ (سبّح)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وذكر ابن شعبان في مختصره بسنده عن ابن عباس أنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيدين في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما 3. قال ابن شعبان وهذا يؤيد ما رواه البصريون عن مالك أن الجمعة لا تترك لصلاة العيد إذا اجتمعتا.
وأما تنبيهه على نفي الأذان فخلافًا 4. قال سعيد أول من أحدث الأذان والإقامة معاوية.
وقال ابن سيرين: أول من أحدثه بنو أمية.
وأخذ به الحجاج.
ويقال أول من أحدثه زياد.
وعن أبي قلابة أن أول من أحدثه ابن الزبير.
ودليلنا ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى 5 صلاة العيد ثم خطب وصلاها عمر ثم خطب وصلاها علي ثم خطب *بلا أذان ولا إقامة.
وروى جابر بن سمرة قال صليت مع النبي

عليه السلام والأمر بين* 1 بغير أذان ولا إقامة 2. قال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا.
وما ذكر فيه من الخلاف قوإنقطع.
وتقرر الإجماع بعده.
وإنما نبه على أن الخطبة فيهما بعد الصلاة بخلاف خطبتي الجمعة.
لأجل ما روي من الخلاف في ذلك.
فقد روى عثمان أنه خطب ثم صلى لما كثر الناس على عهده.
وروي ذلك عن ابن الزبير ومروان بن الحكم.
ودليلنا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من الخلفاء الراشدين.
فقد روى مذهبنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود البدري والمغيرة بن شعبة.
وفي المبسوط أن أول من خطب قبل الصلاة عثمان.
قال وإنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة.
والسنّة أن تقدم 3 الصلاة.
قال وكذلك 4 عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعثمان صدرًا من خلافته.
وفي الصحيحين أن أول من فعل ذلك مروان.
فكلمه الخدري وجبذه لما أراد أن يصعد المنبر منبرًا من طين صنعه له كثير بن الصلت.
ثم قال له أبو سعيد.
فقال له: قد تُرك ما تعلم.
فقال أبو سعيد ما أعلم خيرٌ مما لا أعلم.
قال في موضع آخر إن الناس لم يكونوا ليجلسوا لنا 5. قيل: وإنما امتنعوا من الجلوس لأنه كان يؤدي في خطبته من لا يحل له أذاه.
قال أشهب فإن بدأ بالخطبة أعادها بعد الصلاة.
فإن لم يفعل فقد أساء وتجزيه.
قال مالك إذا أحدث في الخطبة أو في الاستسقاء تمادى لأنها بعد الصلاة.
ولا ينصرف أيضًا غيرُه يحدث، وهو يخطب.
وعنه روايتان في الجلوس قبل الخطبة الأولى.
فوجه إثباته قياسًا على الجمعة.
وأن فيه استراحة من حركة صعود المنبر واستظهارًا لاستقرار الناس في

أماكنهم.
ووجه نفيه أن خطبة الجمعة إنما يجلس في ابتدائها انتظارًا لفراغ المؤذنين.
وليس في خطبة العيد أذان ينتظر.
فاستغنى عن الجلوس في ابتدائها.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا صُلّيت العيد بالمصلى لم يُتنفل قبلها ولا بعدها.
وروي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وجابر بن عبد الله وابن أبي أوفى.
وبه قال ابن القاسم والزهري وابن حنبل وغيرهم.
وقال الشافعي إنما يكره ذلك للإمام.
ويجوز لغير الأمام أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها.
وروى ذلك عن أنس وأبي هريرة وجابر ورافع بن خديج.
وقال أبو حنيفة يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها
1. وروى ذلك عن أبي مسعود البدري، وبه قال الأسود وعلقمة ومجاهد وابن أبي ليلى والنخعي والثوري والأوزاعي.
وفي مختصر ابن شعبان: وأحب له أن لا يتنفل قبل الصلاة ولا بأس 2 به بعدها وقاله ابن وهب ولا بأس بالصلاة بعد صلاة العيد في المصلى.
وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله، وذكر ابن شعبان بسنده عن ابن مسعود أنه خرج يوم عيد إلى الناس في الجبّان فجعل يهتف بصوته ويقول: يا أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يصلي الإِمام.
وذكر بسنده أيضًا أن عليًّا استخلف أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال يا أيها الناس إنه ليس من السنّة أن يصلى قبل الإِمام.
وأما إذا صليت العيد بالمسجد فعندنا فيه اختلاف.
قال مالك مرة يتنفل قبل الصلاة وبعدها.
وقال في الواضحة: لا يتنفل قبلُ ويتنفل بعدُ.
وقال في المبسوط إذا صلى الإِمام العيدين في المسجد فلا أرى أن يُصلي أحد قبل الصلاة ولا بعدها، بذلك مضت السنّة.
وحجتنا على من منع التنفل قبل الصلاة وبعدها قول ابن عباس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر وصلّى ركعتين ولم يتنفل قبلها ولا بعدها 3، فقصر الشافعي ذلك على الإِمام.
والشعبي - صلى الله عليه وسلم - إمام.
وعدّينا نحن هذا الفعل إلى من سواه - صلى الله عليه وسلم -. وقد أحتج من فرّق بين ما

قبل الصلاة وما بعدها بأن عليًا رضي الله عنه رأى قومًا يصلون قبل صلاة العيد.
فقال ما كان يفعل هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يعارضه ما رويناه عن الصحابة في ذلك فيما تقدم.
وقد روى أنه قيل لعلي رضي الله عنه ألا تنهى عن ذلك فقال أكره أن أنهى عبدًا إذا صلى
1.

قال القاضي أبو محمَّد في غير هذا الكتاب إنما بني المصلى لصلاة مخصوصة.
فيجب أن يختص بتلك الصلاة.
وأيضًا فإنه موضع لا تتكرر فيه الصلاة.
فلا يتنفل فيه على ما قلناه بخلاف المساجد التي تتكرر فيها الصلاة.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويكبّر خلف الصلوات.
يبدأ 2 بالظهر من يوم النحر ويقطع إذا كبّر عقيب الصبح من رابعه.
وهي خمس عشرة صلاة ولفظه الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا نسقًا واحدًا 3.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على ما قال في مبدإ التكبير ومنتهاه؟.
2 - ولِمَ اختار فيه ما ذكر من اللفظ؟.
3 - ومن الذي يخاطب به؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في مبتدإ 4 التكبير ومنتهاه.
ولم يختلف مذهبنا في مبدئه أنه من ظهر يوم النحر.
واختلف في منتهاه.
فالمشهور ما ذكره القاضي أبو محمَّد أنه الصبح من آخر أيام التشريق.
وروي ذلك عن عثمان وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وأبي سعيد الخدري.
وذكر سحنون عن بعض أصحابنا أنه يقطع التكبير في الظهر من اليوم

الرابع.
وأما الشافعي فإن له في المنتهى أيضًا قولين: أحدهما الصبح من آخر أيام التشريق كالمشهور عندنا.
واختلف قوله على هذه الطريقة في المبدإ.
فقال مرة كقولنا إنه من الظهر من يوم النحر 1. وقال مرة المغرب من ليلة النحر.
وله قول آخر خالفنا فيه في المبدإ والمنتهى.
وهو أنه 2 من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد.
فصار للشافعي في المبتدأ 3 ثلاثة أقوال وفي المنتهى قولان.
وقال النخعي وعلقمة وأبو حنيفة يكبّر من صبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر.
وروي ذلك عن ابن مسعود.
وروي عن ابن مسعود رواية أخرى إلى الظهر من يوم النحر.
وقال الأوزاعي والمزني ويحيى بن سعيد الأنصاري يكبّر من الظهر يوم النحر إلى الظهر من اليوم الثالث من أيام التشريق.
وقال داوود يكبّر من الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وهو قول الزهري وابن جبير، وروي ذلك عن ابن عباس 4. وقال الحسن يكبّر من الظهر يوم النحر إلى الظهر من النفر الأول.
وقال ابن عيينة أهل مني يكبّرون من الظهر يوم النحر.
وأهل الأمصار يكبّرون غداة عرفة.
وإحدى الروايتين عن أبي وائل أنه يكبّر من الظهر يوم عرفة إلى الظهر من يوم النجر.
فصار جملة هذه الأقوال عشرة.
وقول الحسن قد يوافق بعضها.
فلهذا لم نَعُده.
فأما مذهبنا فإنه احتج له بأن الناس تبعٌ للحاج.
والحاج يكبّرون مع الرمي.
فأول صلاة بعد الرمي هي الظهر.
وآخر صلاة يصلونها بمنى الصبح من آخر أيام التشريق.
وقال ابن الجهم ليس فيه حديث يعتمد عليه، ولكن قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ 5. وقضاء النسك المُخرج من الحج طواف الإفاضة يوم النحر.
فأول صلاة بعد ذلك صلاة الظهر.
وأجمعوا أن التكبير في صلاة الظهر من يوم النحر واجب.
فلا نزول عن ذلك حتى يأتي

دليل 1 يمنعه.
وإنما قلنا يكبّر أيام التشريق لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 2. وإنما قطع في الصبح لأن الناس بمنى آخر صلاتهم الصبح.
وإذا زالت الشمس رموا ونفروا.
وأيضًا فإنه عمل أهل المدينة.
وقد احتج الشافعي لقوله: يكبّر بعد المغرب من ليلة النحر بأن التكبير يستحب ليلة الفطر، فكذلك ليلة الأضحى.
وهذا الأصل لا نسلمه له نحن.
واحتج لقوله الثالث بما روى جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال الله أكبر الله أكبر.
ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق 3. وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ 4. والأيام المعلومات هي العشر من ذي الحجة.
وقد ثبت أنه لا يكبّر قبل يوم عرفة فيجب أن يكون المراد به يوم عرفة ويوم النحر.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما صفة التكبير فقال مالك في المدونة الله أكبر، الله أكبر 5. وروى ابن زياد عنه: نحن نستحسن ثلاثًا.
فمن زاد أو نقص فلا حرج.
وروى ابن القاسم وأشهب عنه أنه لم يحدّ عنه 6 ثلاثًا.
وقال في مختصر ابن شعبان يكبّر خلف الصلوات في أيام التشريق ما شاء.
إن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا وإن شاء خمسًا ليس في ذلك شيء موصوف.
وفي المختصر عن مالك ضي صفة التكبير، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر.
الله أكبر ولله الحمد.
وقاله أشهب 7. وقالت الشافعية التكبير ثلاث.
وما زاد فحسن.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق يقول الله أكبر، الله أكبر ولا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد.
وروي ذلك عن عمر وابن مسعود.
وقال ابن عباس: الله أكبر الله أكبر كبيرا كثيرا.
الله أكبر تكبيرا الله أكبر وأجل الله أكبر وله

الحمد 1. وقال ابن عمر الله أكبر , الله أكبر والحمد لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له 2 له الملك وله الحمد هو علي كل شيء قدير.
وقال الحكم وحمّاد ليس فيه شيء مؤقت.
وقد كنا قدمنا قبل هذا حديث جابر وفيه الله أكبر الله أكبر.
وقد حمل عليه أنه لم يقصد التكبير 3، وإنما قصد بيان وقته 4. وقد كبّر جابر بنفسه خلف الصلاة ثلاثًا.
وقال القاضي أبو محمَّد إنما اخترنا ما ذكرناه من التكبير لأنه مروي عن السلف.
وقد قال القاضي أبو محمَّد أيضًا في كتابه هذا في التكبير أنه بنسق واحد.
وذكر أبو محمَّد عبد الحق قول ابن حبيب في تكبير صلاة العيد يقف بين كل تكبيرتين هنيهة قدر ما يكبّر الناس.
قال وقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا وأما تكبير أيام التشريق فلم استحسن 5 فيه شيئًا من التربص.
وكأنه رأى أنه ليس مثل العيدين.
وقال أبو محمَّد عبد الحق يريد أنه في العيدين متى تابع التكبير خَلَّط على القوم.
وأما تكبير أيام التشريق، فكل إنسان يكبّر بنفسه 6. ألا ترى أنه لو تركه الإِمام لكبّر القوم.
وأما تكبير العيدين فلا يكبّرون إلا بتكبيره.
إذ لا يخالفونه في الصلاة.
وقد أضاف العلماء هذا التكبير لأيام التشريق.
وقد قال محمَّد ابن أبي زمنين التشريق صلاة العيد.
وإنما سميّت بذلك لأن وقتها حين شروق الشمس.
ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: من ذبح قبل التشريق أعاد.
وسميت الأيام كلها أيام التشريق حين كانت تبعًا ليوم النحر.
وكذلك قال أبو عبيد.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما من يخاطب بالتكبير فقد قال مالك التكبير أيام التشريق على الرجال والنساء وأهل البوادي والمسافرين وغيرهم.
واختلف المذهب في التكبير في إثر النافلة.
فالمشهور أنه لا يكبّر في

إثرها.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد والثوري والشافعي في أحد قوليه.
وفي مختصر ابن شعبان قال الواقدي قال مالك التكبير 1 دبر النافلة والمكتوبة على الرجال والنساء.
وفي غير الصلاة وفي الطريق وغير ذلك.
وقد قدمنا قول مالك رضي الله عنه أن التكبير على النساء والمسافرين.
وفي المختصر لا يكبّر النساء إلا أن يكن معهن رجل.
وليس على المسافر تكبير 2. وقال أيضًا لا يكبّر المنفرد.
وقد روي أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا صلّى منفردًا لم يكبّر.
وقال ابن مسعود ليس على الواحد ولا على الاثنين تكبير.
وهذا بناء على أن الاثنين ليس بجماعة.
وقال أشهب لا يكبّر من سجد للسهو بعد السلام إلا بعد سجوده وسلامه.
وكذلك من يقضي ما فاته، فبعد قضائه.
وحكى ابن شعبان في مختصره في الإِمام يسهو في أيام التشريق فيكبّر قبل السلام ساهيًا يسجد لسهوه بعد السلام ثم يكبّر.
وذكر عن الشعبي فيمن فاته شيء من الصلاة خلف الإِمام في أيام التشريق، أنه يقوم فيقضي ثم يكبّر.
وعن عطاء فيمن تفوته الصلاة يكبّر مع الإِمام ثم يقضي.
وعن الشعبي أيضًا يكبّر ثم يقضي.
وقال ابن سحنون من قضى صلاة من أيام التشريق بعد زوالها فلا تكبير عليه.
وقال ابن الجوهري في كتاب الإجماع من نسي صلاة من أيام 3 التشريق فذكرها في أيام التكبير قبل خروجها صلاّها وكبّر بعقبها.
وفي بعض التعاليق عن أبي عمران لا يكبّر لأن وقت التكبير لها 4 قد فات وإن كانت أيام التشريق لم تخرج.

وأما إذا نسي التكبير فقال مالك إذا نسي الإِمام التكبير حتى قام وذهب، فإن كان قريبًا قعد وكبّر، وإن تباعد فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وإن ذهب الإِمام والقوم جلوس كبّروا.
وفي المختصر من نسي التكبير بعد صلاة أيام التشريق فليكبر ما دام في مجلسه.
فإذا قام فلا شيء عليه.
وقالت الشافعية من نسي التكبير أتى به متى ذكره.
وقال أبو حنيفة إن تكلم أو خرج من المسجد سقط التكبير.
وأما التكبير أيام التشريق في غير أعقاب الصلوات فقال مالك في المدونة: رأيت الناس يفعلون ذلك.
وأما الذين أدركتهم واقتدي بهم فلم يكونوا يكبّرون إلا دُبر الصلوات.
وقال في مختصر ابن شعبان لا بأس بتكبير أهل الآفاق أيام 1 مني في غير الصلاة.
فأما الذين أدركت وأقتدي بهم فلم أرهم يكبّرون إلا خلف الصلوات.
فكأنه في هذا القول رأى أن التكبير إنما هو اقتداء بأهل مني وهم يكبّرون دُبُر الصلوات وغيرها.
فلا معنى للاقتداء بهم في بعض التكبيرَ دون بعض.
وقال ابن حبيب يكبّر أهل الآفاق دبر الصلوات وفي خلال ذلك ولا يجهرون.
وأهل مني يجهرون في كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلّوا الظهر والعصر بالمحصّب، ثم ينقطع التكبير.
وفي 2 مختصر ابن شعبان وتسمع المرأة نفسها التكبير خلف الصلوات أيام التشريق كانت في المسجد أو في بيتها.
وقال مالك في العتبية والتكبير خلف الصلوات في أرض العدو محدث أحدثه المسوّدة وكذلك دبر المغرب والصبح في بعض البلدان.
ومما يلحق بهذا الفصل وإن لم يكن منه، دعاء الناس عند التلاقي في العيد.
فحكى ابن حبيب عن مالك أنه سئل عن قول الرجل لأخيه في

العيدين تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ولك.
فقال ما أعرفه ولا أنكره.
قال ابن حبيب لم يعرفه سنة ولم ينكره لأنه قول حسن ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدأون به ولا
1 ينكرونه على من قاله لهم ويردون عليه مثله.
وفي مختصر ابن شعبان قال الواقدي: لا بأس أن يقول الرجل تقبّل الله منّا ومنك.
وقاله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة الباهلي.
وقال ابن أبي ذئب هو محدث.
وقاله الأوزاعي والقاسم بن محمَّد.
وحكى الشيخ أبو محمَّد في النوادر أن واثلة بن الأسقع ردّ مثله على من قاله له.
وأن مكحولًا كرهه.
وعن عبادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل اليهود 2.

باب صلاة الكسوف

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة.
وصفتها أن يدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة فيكبّر للإحرام.
ثم يقرأ سرًّا بأم القرآن وسورة 1. ويستحب له إطالتها ما لم يضر بمن خلفه إن كان إمامًا.
ثم يركع ويطيل ركوعه كنحو 2 قراءته ثم يرفع 3 قائلًا سمع الله لمن حمده.
ثم يقرأ بأم القرآن وسورة طويلة دون ما تقدم في الطول ثم يركع بقدر 4 قراءته ثم يرفع قائلًا سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين كسائر الصلوات ثم يأتي في الثانية بمثل ما أتى به في الأولى ثم يتشهد ويسلم فيذكّر ويعظ ويخوّف من غير خطبة مرتبة.
ولا اجتماع لخسوف القمر ويصلي له الناس أفذاذًا كسائر النوافل.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن صفة صلاة الكسوف ما ذكر؟.
2 - ومن المخاطب بالصلاة لها؟.
3 - ولِمَ لمْ يجمّع في خسوف القمر؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في صلاة الكسوف.
فذهب مالك رضي الله عنه إلى أنها ركوعان في كل ركعة.
وبه قال الشافعي.

وقال الثوري والنخعي وأبو حنيفة يصلي ركعتين كصلاة الصبح.
وروي عن ابن عباس وحذيفة أنهم صلّوا في صلاة الكسوف ست ركعات وأربع سجدات.
وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد روي عن علي بن أبي طالب 1 رضي الله عنه قال: انكسفت الشمس فقام علي وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك وسلّم.
ثم قال ما صلاّها أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيري 2. وروي عن العلاء بن زياد أنه قال في صلاة الكسوف يقوم فيكبر و 3 يركع.
فإذا قال سمع الله لمن حمده نظر فإن كان لم ينجل قرأ ثم ركع.
فإذا قال سمع الله لمن حمده نظر فإن كان
4 قد تجلى سجد ثم شفع إليها ركعة أخرى.
وإن كان لم تنجل لم يسجد أبدًا حتى تنجلي.
وكان إسحاق بن راهويه يقول بعد أن ذكر صلاة الكسوف أربع ركعات في كعتين وست ركعات في ركعتين، وثماني ركعات في ركعتين.
كل ذلك مؤتلف يصدق بعضه بعضًا، إلا أنه إنما كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت.
فإذا تجلت 5 الشمس سجد.
فمن ها هنا صارت زيادته الركعات فلا يجاوز 6 بذلك أربع ركعات في كل ركعة , لأنه لم يأتنا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ذلك.
ومن الناس من قال إن الأخبار في صلاة الكسوف ثابتة.
فإن صلّى المصلي في كل ركعة ركوعين أو صلّى في كل ركعة 7 أو صلى في كل ركعة أربع ركعات (7) جاز ذلك كله.
لأن الأخبار ثابتة في ذلك.
ويدل على أن

النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف مرات.
وهذا الذي اختار ابن المنذر.
ودليلنا ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى والناس معه.
فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة ثم ركع ركوعًا طويلًا ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول.
ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام قيامًا طويلأوهو دون القيام الأول.
ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول.
ثم سجد وانصرف 1. وأجاب أصحابنا عما يتعلق به أبو حنيفة من الأحاديث التي ظاهرها أنه صلّى ركعتين على أن المراد بها ركعتين يكرر فيهما الركوع.
وهكذا أيضًا ما رواه قبيصة من أن الشمس خسفت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلّي ركعتين وأطال فيهما فلما تجلّت الشمس وانصرف قال: إنما هذه آية يخوّف الله بها عباده فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة 2. وقد يحتمل أيضًا أن يكون المراد بها أنها كأحدث صلاة في الركوع والسجود على الجملة لا في نفي تكريرها.
ونبّه على هذا لأن الصلوات في الشريعة منها ما لا ركوع فيه ولا سجود كصلاة الجنازة.
ومنها ما فيه زيادة تكبير كصلاة العيدين.
فنبّه على أن هذه الصلاة لم تخالف الصلاة المكتوبة كما خالفتها صلاة الجنازة وصلاة العيدين.
وقد أجاب أصحاب أبي حنيفة عما تعلقنا به من الأحاديث المتضمنة لتكرير الركوع بما نفس استماعه 3 يغنيك عن نقضه ودفاعه.
وذلك أنهم قالوا لما أطال - صلى الله عليه وسلم - الركوع رفع بعض الناس رؤوسهم ليشاهدوا ما هو عليه مخافة أن يكون حبسه عن الرفع عائق أو يكون رفع ولم يشعروا به فلما رأوه باقيًا على ما كان عليه عادوا للركوع فظن من رآهم أن الركوع قصد إلى تكريره 4. وهذا سوء ظن بالرواة.
وإضافة الوهم والغلط إليهم من غير سبب اقتضى ذلك.
ولو فتح هذا الباب

لبطل كثير مما نقلوه من الشرائع.
وكيف يظن عاقل هذا أبدًا ويقول ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول.
فإذا كان القيام الأول بقدر سورة البقرة والثاني دونه، فكيف يكون قيام قُدّر بدون سورة البقرة أنه قيام اختياري.
هذا لا خفاء في فساده.
وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من أن القراءة فيها سر 1 فهو المشهور من مذهبنا وبه قال الشافعي.
ورَوَى الترمذي عن مالك أنه يجهر فيها بالقراءة.
وذكر ابن شعبان في مختصره أن الواقدي ذكر أن مالكًا وابن أبي ذئب قال يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف 2. فذكر ابن شعبان أيضًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه جهر بالقراءة فيها وأن عبد العزيز بن الماجشون قال سمعت أبان بن عثمان يجهر فيها فقرأ: سأل سائل 3. وبالجهر قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.
وفعله عبد 4 بن يزيد.
وبحضرته البَرَاء بن عازب وزيد بن أرقم وهو اختيار ابن المنذر.
فوجه القول بالإسرار قول ابن عباس خسفت الشمس فصلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت إلى جنبه فما سمعت له حرفًا 5. وأيضًا فقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حزرت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت قراءته في الركعة الأولى بسورة البقرة، وفي الثانية بسورة آل عمران.
وأيضًا فإنها صلاة نهار 6، وصلاة النهار عجماء كما ورد الشرع به.
ووجه القول القول بالإجهار وهو اختيار بعض أشياخي ما خرجه البخاري ومسلم 7 من أنه - صلى الله عليه وسلم -

جهر فيها بالقراءة 1. والرواية عن عائشة رضي الله عنها اختلفت.
فروي عنها ما قدمنا استدلال بعض العلماء به على أنه يقتضي الإسرار وإن كان فيه احتمال لأن تكون بعيدة منه.
فلهذا حزرت قراءته.
وروي عنها أيضًا أنه - صلى الله عليه وسلم - جهر فيها بالقراءة.
وأيضًا فإن السنن المقامة بالنهار كالعيدين والاستسقاء يجهر فيها بالقراءة.
فكذلك هذه السنّة الأخرى.
وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من أن القيام يطال ما لم يلحق منه ضرر بمن كان خلف الإِمام، فإن ظاهره نفي التحديد.
ولكن قال مالك في المختصر يدخل الإِمام المسجد بغير أذان ولا إقامة.
ثم يكبّر تكبيرة واحدة ثم يقرأ سرًّا بأم القرآن بعدها قراءة طويلة بنحو سورة البقرة.
ثم يركع طويلًا نحو قراءته ثم يركع فيقول سمع الله لمن حمده ثم يقرأ بأم القرآن ثم يقرأ قراءة طويلة بنحو سورة آل عمران ثم يركع نحو قراءته ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين تامتين لا تطويل فيهما.
ثم يقوم فيقرأ ويفعل كفعله في الأولى 2. إلا أن القراءة دوك ما قبلها، يقرأ للأولى بنحو النساء.
وبعد رفع رأسه بنحو المائدة مع أم القرآن قبل كل سورة.
ووصف الشافعي صلاة الكسوف فقال إذا أراد أن يصلي صلاة الكسوف كبّر ودعا دعاء الافتتاح.
وتعوذ وقرأ فاتحة الكتاب وسورة البقرة إن كان يحسنها ويقرأ غيرها إن لم يحسنها 3. ثم يركع فيسبّح الله تعالى بقدر مائة آية من سورة البقرة ثم يرفع فيقرأ 4 بفاتحة الكتاب وبقدر مائتي آية من سورة البقرة ثم يركع بقدر ما يلي الركوع.
وفي بعض النسخ بقدر ثلثي 5 ركوعه الأول ثم يسجد سجدتين يطيل السجود فيهما ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ فيها بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة.
ثم يركع فيسبّح 6

بقدر سبعين 1 آية من سورة البقرة، وفي القيام الثاني بسورة آل عمران.
وفي القيام الأول من الثانية سورة النساء.
وفي القيام الَثاني من الثانية سورة المائدة.
ويكون ركوعه نحوًا من قيامه، وسجوده نحوًا من ركوعه إلى أن تنجلي الشمس 2. واختلفت الأحاديث في ذلك فلم يرد في أكثرها حدّ في القيام.
وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في الأولى بنحو سورة البقرة ثم دون ذلك 3. وإذا كان قد ورد الأمر بالصلاة حتى تنجلي الشمس.
ومعلوم أن مكث الكسوف يختلف فيقرب الإنجلاء مرة، ويبعد أخرى.
فينبغي أن تكون الصلاة تطال وتقصر لحسب طوله وقصره.
لكن المصلي إذا لحقه ضرر من الإطالة سقط عنه ما يضره ورجع إلى الدعاء.
واختلف في إطالة السجود فقال ابن القاسم في المدونة يطال.
وقال مالك في المختصر لا يطال.
وقد خرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما سجدت سجودًا قط كان أطول منه 4. وهذا فيه حجة لما ذهب إليه ابن القاسم.
واختلف المذهب أيضًا في افتتاح القيام الثاني من 5 كل ركعة بأم القرآن فقال مالك يستفتح كل ركعة بأم القرآن.
وقال ابن مسلمة ليس ذلك عليه.
فوجه قول مالك أن الركوع قد حال بين القراءتين فاقتضى الافتتاح بقراءة أم القرآن كما لو حال بين القراءتين ركوع وسجود.
ووجه قول *ابن مسلمة

أن له ركوعين في كل ركعة مقدار ركعة واحدة.
وإلركعة الواحدة لا تكون فيها قراءة* 1 أم القرآن.
وبهذا التقدير كان من فاته الركوع الأول أو الركعة الأولى فأدرك الثاني ورعف في الثالث وأدرك الرابع لا يقضي شيئًا.
لأنه بمثابة من لم يفته إلا قيام الركعة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ذكر ابن حبيب أن صلاة الكسوف سنة على الرجال والنساء ومن عقل الصلاة من الصبيان والمسافرين والعبيد.
وقال في المدونة أنه يخاطب بها المقيم والمسافر والعبد.
وقال أشهب من لم يقدر أن يصليها مع الإِمام من النساء والضعفاء فلهم أن يصلوها أفذاذًا أو بإمام، ومع الناس أحب إلى لمن قدر.
ولمالك في العتبية إذا صلاها أهل البادية فلا بأس أن يؤمهم أحد منهم 2، وفي المختصر ويصليها أهل البدو والحضر ومن في السفر يصلي بهم رجل منهم.
ويصليها الرجل وحده.
ومن فاتته مع الإِمام فليس عليه أن يصليها.
فإن فعل ما دامت الشمس منكسفة فلا بأس.
وقال في مختصر ابن شعبان إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمّعون فيه الصلوات فلا بأس أن يجمعوا صلاة الخسوف.
وتصلي المرأة صلاة الخسوف 3 في بيتها.
ومن أعجله السير في السفر فليس عليه صلاة الكسوف 4. فهذا الذي حكاه ابن شعبان من اعتبار خمسين رجلًا يقتضي أنها كصلاة الجمعة فيمن تجب عليه.
هكذا قال بعض أشياخي والذي حكاه ابن شعبان من صلاة المرأة في بيتها واشتراطه عجلة المسافر في سقوط صلاة الكسوف (4) قد يشير إلى خلاف هذا التأويل.
وقد قال أبو محمَّد عبد الحق في قوله في الكتاب تصلي المرأة في بيتها صلاة الكسوف.
ولم يقل ذلك في العيدين إلا أن تشاء أن ذلك لعموم قوله: فافزعوا إلى الصلاة 5. ولأنها صلاة رهبة فأمر بها كل مكلف.
وصلاة العيد صلاة شكر ومباهاة فطريقهما مختلفة.
فاختلف الحكم فيهما بين الرجال

والنساء.
وذهب الثوري ومحمد إلى أنه لا يجوز فعل صلاة الكسوف منفردًا قياسًا على الجمعة.
وصلاة الكسوف إذا لم تصل في حينه فلا تصلّى بعو انجلائه.
وإذا صلوها ففرغوا والشمس على حالها فليس عليهم أن يصلوا ثانية.
ولكن الدعاء والنافلة إن أحب.
قاله في مختصر ابن شعبان.
ولو تجلت الشمس قبل فراغهم من الصلاة.
فقال ابن حارث اتفقوا أن الشمس إذا تجلّت بعد أن صلى الإِمام ركعتين وسجدتين أنه لا يقطع الصلاة.
واختلفوا كيف يصلي ما بقي.
فقال أصبغ في المستخرجة يصلي على سنتها حتى يفرغ منها ولا ينصرف إلا على شفع.
وروي عن سحنون أنه يصلي ركعة وسجدتين ثم ينصرف ولا يصلي باقي الصلاة على سنة صلاة الخسوف.
واختلفوا في الوقت الذي تصلّى فيه.
فقال في المدونة تصلي ما لم تزل الشمس ورآها كالعيدين في اعتبار هذا الوقت.
وروى عنه ابن وهب أنها تُصلى في كل وقت صلاة وإن زالت الشمس.
وفي كتاب ابن حبيب، ووقتها من حين تخسف الشمس إلى أن تحرم الصلاة بعد العصر.
قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
ولم يروا قول ابن القاسم إلى الزوال.
ولا تصلّى في طلوع الشمس قبل أن تبرز وتحل الصلاة.
ولكن يدعون ويذكرون الله، فإن تمادت صلوها.
فوجه التوقيت بما قبل الزوال القياس على العيدين.
ووجه رواية ابن وهب تجوله: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة 1. فعم الأوقات التي هي وقت الصلاة.
ووجه قول مطرف أنها صلاة معلقة بسبب، فوجب أن تُصلى عند وجود 2 سببها ما لم يمنع من ذلك مانع.
ويخصص عموم الحديث مخصص.
وورُود النهي عن الصلاة في الوقت الذي أشار إليه مانع من صلاة الكسوف.
ومخصص لعموم حديثها.
قال أبو محمَّد عبد الحق وإذا اجتمع خسوف واستسقاء وعيد وجمعة في

يوم واحد، فيبدأ بالخسوف لئلا تنجلي الشمس ثم بالعيد ثم بالجمعة.
ويترك الاستسقاء ليوم آخر, لأن العيد يوم تجمّل ومباهاة.
والاستسقاء ليس يوم تجمّل.
وإنما هو رهبة وسكون فيؤخره.
فلو فعل ذلك ما كان ضيقًا 1 في ذلك اليوم.
هكذا صور هذا السؤال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق ولم أزل أعجب من إغفاله فيه إذ لا يكون كسوف يوم عيد ولا يتفق ذلك.
وإنما يكون كسوف الشمس في آخر الشهر وعند انسلاخه.
فأما أصحاب علم الهيئة الذين لا يؤمنون بالشرائع فإنهم يحملون كون الكسوف في حين انسلاخ المشهور اجتماع الشمس والقمر.
لأن علة كسوف الشمس عندهم ستر القمر لها عند اجتماعه معها.
ولا يكون ذلك إلا في السرار.
والعيد لا يكون إلا في أول يوم بعد الاستهلال أو في عشر بعده.
فلا يجتمع العيد والكسوف.
وأما نحن فنُجوّز أن يكسف الله سبحانه بالشمس في أي يوم شاء من أيام الشهر.
ومن أنكر اقتدار الباري سبحانه على ذلك خرج عن الملة.
ولكن العادة جرت بأن الكسوف لا يكون إلا عند السرار عادة مطردة لم نشاهد خلافها ولا نقل عن عصر من الأعصار خلاف هذا.
وإن الكسوف 2 بهذا، فلا معنى لتصوير خوارق العادة.
ولقد وقع الشافعي على عظيم شأنه في هذا التصوير.
ورأيته قد صور اجتماع العيد والكسوف وتكلم على ذلك.
وذكرنا ما تقدم منه.
وهذا لا معنى له إلا أن يراد به معرفة فقه المسئلة لو خرقت العادة.
فوقعت المسئلة.
وأما الموضع الذي يصلي فيه فقال مالك في المختصر إذا خسفت الشمس خرج الإِمام إلى المسجد وخرج معه الناس فيدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة ثم يكبر تكبيرة واحدة ويقرأ.
وفي كتاب ابن حبيب للإمام أن يصلي في المسجد تحت سقفه أو في صحنه وإن شاء خارجًا في البَراز وقاله أصبغ.
وهذا الذي حكاه ابن حبيب عن أصبغ حكى عنه ابن مزين خلافه فقال قال أصبغ: وتصلّى صلاة كسوف الشمس في المسجد ولا يبرز لها كما يبرز للعيدين والاستسقاء.

فوجه الاقتصار على المسجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه.
وأيضًا فربما كان في خروجهم إلى البَراز ذهاب الكسوف أو ذهاب كله 1. ووجه إباحة صلاتها في البَراز قياسًا على غيرها من السنن التي يجمع لها.
قال فالشأن إقامتها خارجًا في البَراز.
وقد قدمنا قول مالك في المختصرًا ن الإِمام إذا فرغ من صلاة الكسوف يستقبل الناس فيذكرهم ويخوّفهم، ويأمرهم إذا رأوا ذلك أن يدعوا الله ويكبّروا وينصرفوا.
وظاهر مذهبنا أنه لا خطبة بعد الكسوف.
وبه قال الشافعي.
وقال الشافعي بل يخطب ويحتج بحديث عائشة وفيه فلما تجلت الشمس انصرف فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه.
وقال يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله.
الحديث 2. ويحتج أصحابنا بأنه لو كان خطب لنقل كما نقلت خطبة العيد وغيرها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما كسوف القمر فقال مالك في المدونة تصلى ركعتين كالنافلة ويدعون ولا يجمعون.
وقال عنه علي يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذًا ويكبّرون ويدعون.
قال أشهب يفزع إلى الصلاة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - والنافلة ركعتان.
ومن أصل كتاب عبد العزيز بن أبي سلمة ذكر صلاة خسوف الشمس وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمّعهم فيها ولم يبلغنا أنه جمعهم لخسوف القمر.
قال فنحن إذا كنا فرادى في خسوف القمر صلّينا هذه الصلاة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فافزعوا إلى الصلاة 3. وذهب الشافعي إلى أن الصلاة تسن في خسوف القمر كما تسن في كسوف الشمس.
ودليلنا ما ذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: خسف القمر بعهد النبي عليه السلام فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس فرأيته صلى ركعتين فأطالهما وما رأيته صلى نافلة بطولها ثم انصرف.
ولأنها آية ليليّة

قد تدرك الناس نيامًا فيشق اغتفارها 1 والخروج لها فلم تسنّ كما سُنّ كسوف الشمس.
واحتجت الشافعية بما روى الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس بالبصرة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلّي بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين.
فلما فرغ ذلك وخطبنا وقال إنما صليت لأني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي.
وأما الموضع الذي تصلّى فيه فطاهر المذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم ولا يكلّفون الخروج ليلًا لمشقة ذلك عليهم.
وقد قدمنا ما رواه على أن الناس يفزعون إلى الجامع فيصلون أفذاذًا.
وأما الجمع لها فقال مالك في المدونة والمجموعة لا يجمّعون.
وأجاز أشهب الجمع.
وأما الصلاة في غير كسوف النيّرين كالزلازل والظلمة والريح الشديدة وما في معنى ذلك مما يخاف أن يكون عقوبة من الله سبحانه.
فقال أشهب في المجموعة الصلاة حسنة في الريح والظلمة فرادى أو جماعة إذا لم يجمعهم الإِمام ويحملهم عليه.
ولكن يجتمع النفر يؤمهم أحدهم ويدعون ويؤمر في مثل هذه الإفزاع بالصلاة.
وروي نحو ذلك عن النبي عليه السلام.
وكره في المدونة السجود عند الزلازل وسجود الشكر.
وروي عنه إجازة السجود عند النعمة والشكر.
قال بعض أشياخي يتخرج على هذا جواز السجود عند الخوف من زلازل وغيرها يسجد هذا شكرًا وهذا خوفًا.
وأما الصلاة حينئذ فتجوز قولًا واحدًا.
وقالت الشافعية لا تُسنّ الصلاة لغير الشكر والآيات بل يكبّرون ويدعون فان صلوا منفردين لكي لا يكونوا غافلين لم يكن به بأس.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي عند الزلازل وغيرها من الآيات كما تصلّى عند كسوف الشمس والقمر.
وروي ذلك عن أحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة الصلاة في ذلك حسنة وكذلك في الريح والظلمة الشديدة.
فالدليل على أن الصلاة لا تسن حينئذ أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلّى لشيء من ذلك ولم يَخلُ عصره - صلى الله عليه وسلم - من أن يكون فيه شيء من ذلك.

باب صلاة الاستسقاء

قال القاضي أبو محمَّد رضي الله عنه: وصلاة الاستسقاء سنة.
تفعل عند تأخر 1 المطر والحاجة إليه.
ومن سننها 2 المصلى والخطبة ويخرج الإِمام والناس معه متخشعين متواضعين غير مظهري زينة.
وتقدّم على الخطبة ولا يؤذن لها ولا يقام.
وهي ركعتان كسائر الصلوات ويكبّر فيها التكبير المعهود ويجهر 3 بالقراعة بسبح ونحوه فإذا فرغ صعد المنبر متوكئًا على قوس أو عصا فيجلس فإذا أخذ الناس مجالسهم قام فخطب وأكثر من الاستغفار ثم يجلس ثم يقوم فيخطب الثانية.
فإذا فرغ استقبل القبلة وحوّل رداءه فجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه.
ولا ينكسه ثم يدعو الله تعالى بما تيسر له وهو قائم والناس جلوس.
وإن احتيج إلى تكرار الخروج لصلاة الاستسقاء لِتأخّر المطر، جاز.
وفعل في كل مرة مثل ما ذكرناه.
وليس من سننها 4 تقديم صوم أو صدقة على فعلها.
ولا يمنع من تطوّع به.

قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن الاستسقاء مشروع؟.
2 - وما الذي يفعل فيه؟.
3 - ومن يخرج إليها؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد كان الاستسقاء في شرع من كان قبلنا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ 1. الآية.
وأما شرعنا بالاستسقاء أيضًا 2. قال أنس جاء رجل والشعبي - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب يوم الجحعة فقال: يا رسول الله قحط المطر وهلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا.
قال فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اللهم اسقنا.
قال أنس لا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا.
وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار.
قال فطلعت من ورائه سحابة.
مثل الترس.
فلما توسطت السماء انتشرف ثم أمطرت.
قال: والله ما رأينا الشمس ستًا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فاستقبله قائمًا.
فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها.
قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والأجام والضراب والأودية ومنابت الشجر.
قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس 3. وروى عباد بن تميم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي فتوجه إلى القبلة قائمًا يدعو وقلب رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة وانصرف.
وقد خرّج هذين الحديثين الموطأ والصحيحان.
وإذا ثبت أن الاستسقاء مشروع فإنه مشروع عند الحاجة إليه.
والحاجة إليه تكون عند المَحْل والجدب.
فيستسقي بحياة الزرع وغيره.
وأما 4 عند الحاجة لشرب الحيوان الإنساني أو البهائم كما يحتاج إلى ذلك من كان في صحراء أو سفينة أو أهل بلد آخر أو زرعهم ولكنهم عطاش.
وفي العتبية أن برقة إذا كثر مطرهم زرعوا واديهم بما يشربون فأتاهم مطر فزرعوا عليه زرعًا كثيرًا ولم يقبل واديهم بما يشربون أيستسقون؟ قال نعم.
قيل له قد قيل إنما الاستسقاء إذا لم يكن مطر

وأنتم قد مطرتم وزرعتم عليه زرعًا كثيرًا.
فقال ما قالوا شيئًا ولا بأس بذلك 1. وإذا جاء من الماء ما هو دون الكفاية لكان لهم الاستسقاء.
والسؤال في الزيادة.
قال مالك وكل قوم احتاجوا إلى زيادة ما عندهم فلا بأس أن يستسقوا.
وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا استسقاء المخصبين للمجدبين.
لأنه سبحانه قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 2. وقال عليه السلام في حديث الرقية: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل 3. وقال دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة 4. وقد روى بعض أشياخي أن هذا مما يندب إليه.
وأن الاستسقاء للتوسعة مباح ولحياة الزرع أو عطش الحيوان سنة.
وفي استسقاء المخصبين للمجدبين عندي نظر.
والظواهر التي ذكروها لا تتضمن إقامة صلاة الاستسقاء ليسقى قوم آخرون غير المصلين.
وإنما تحمل الظواهر على الدعاء لهم والرغبة إلى الله سبحانه في رفع اللأواء عن سائر المسلمين.
ولا شك أن دعاء المخصبين للمجدبين مندوب إليه.
وأما إقامة سنّة صلاة الاستسقاء في مثل هذا فلم يقم عليه دليل.
وليس كل ما أمر الشرع بالدعاء فيه والابتهال سن فيه الصلاة.
ألا ترى أن المطر إذا أضر، دعا الناس بالاستصحاء وسألوا الله تعالى فيه ولم يقيموا له صلاة كما أقاموها للاستسقاء.
ولم يستعمل في هذا القياس.
وإن كان المطر إذا أفرط أضرّ كما يضرّ القحط وأفسد الزرع والربيع.
وقد تقدم في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ولم ينقل أنه صلى لذلك.
فإذا ثبت ما قلناه في الاستسقاء وسنته فإنه يفعل لري نهر تأخر كما يفعل بنزول الغيث.
قال ابن حبيب ولا بأس أن يستسقي أيامًا متوالية ولا بأس أن يستسقى في إبطاء النيل.
قال أصبغ قد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يومًا متوالية يستسقون على سنة الاستسقاء.
وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه.
وقد يحتج لجواز التكرير بقوله - صلى الله عليه وسلم -: يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل.

الحديث 1. وخرّج فيه مسلم قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي فيتحسر عند ذلك 2.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ينبغي للإمام أن يأمر الناس قبل الاستسقاء بالتوبة والخروج من المظالم إلى أهلها مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ 3. وأيضًا فقد تمنع المظالم من إجابة الدعاء.
وقد خرّج مسلم قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام.
فأنّى يستجاب لذلك 4 ويأمرهم بالتقرب بالصدقات لعلهم إن أطعموا فقراءهم أطعمهم والجميع فقراء الله.
واختلف في الصوم فقال مالك في المختصر ليس على الناس صيام قبل الاستسقاء فمن تطوع بخير فهو خير له.
وحكى عنه ابن شعبان في مختصره ما سمعت أنه يُصام قبل الاستسقاء وأنكر فعل ذلك.
وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله *واستحب ابن حبيب أن يقدموا صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه، 5. ويمكن أن يكون رأى ذلك رجاء أن يكون التجوع لله سبحانه سببًا للخصب الذي به يشبعون.
وقال ابن الماجشون يؤمرون بما يرقهم 6 ويدخل عليهم سبب خشوع وأن يصوموا اليوم واليومين والثلاثة.
وهذا قول مالك والمغيرة.
ومن حضرناه استسقى من وُلاتنا.
قال ابن حبيب وليأمرهم الإِمام أن يصبحوا صيامًا.
وقد فعله عمر.
وأمرهم بالصدقة.
وصيام ثلاثة أيام كان أحب إليّ 7. وقد فعله موسى بن نصير بإفريقية وخرج بالناس، فجعل

الصبيان على حدة والنساء على حدة.
والإبل والبقر على حدة، وأهل الذمة على حدة، 1 وصلّى وخطب ولم يدع في خطبته لأمير المؤمنين.
فقيل له، فقال ليس هذا يوم ذلك، ودعا، ودعا الناس إلى نصف النهار.
واستحسن ذلك بعض علماء المدينة.
وقال 2 أراد استجلاب رقة القلوب بما فعل.
وقال ابن حبيب ومن سنتها أن يخرج الناس مُشاة في بذلتهم ولا يلبسون ثياب الجمعة، بسكينة ووقار متواضعين 3 متخشعين متورعين 4، وجلين إلى مصلاهم.
فإذا ارتفعت الشمس خرج الإِمام ماشيًا متواضعًا في بذلته متوكئًا على عصا أو غير متوكىء حتى يأتي المصلّى.
وقال مالك في المختصر صلاة الاستسقاء سنة.
فإذا خرج الإِمام إليها خرج من منزله ماشيًا متواضعًا، غير مظهر لعجز 5 ولا زينة، راجيًا لما عند الله لا يكبّر في ممشاه.
وقال ابن عباس خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الاستسقاء متذللًا متواضعًا حتى أتى.
فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في البكاء والتضرع وصلّى ركعتين كما يصلي في العيد 6. قال الترمذي وهذا حديث صحيح ذكره في مسنده.
ومقتضى الحال يقتضي أن يكون خروج الناس على صفة التذلل والخشوع لأن العبد الجاني إذا رأى مخائل العقوبة المهلكة من سيده 7 لم يأت راغبًا في رفع العقوبة والصفح إلا وأمارات الذل بادية عليه، والخوف آخذ بناصيته.
وإذا أتى الإِمام المصلّى.
قال مالك في المختصر يتقدم بالناس بلا أذان ولا إقامة فيكبّر تكبيرة واحدة ثم يقرأ بأم القرآن وسورة جهرًا ثم يركع ويسجد ثم

يصلي ركعة أخرى كذلك ويتشهد ويسلّم.
ويستقبل الناس للخطبة يبدأ فيجلس فإذا اطمأن الناس قام متوكئًا على عصا أو قوس.
وذكر ابن حبيب أن الشمس إذا ارتفعت خرج الإِمام إلى المصلى فصلّي ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وقصار المفصّل جهرًا، ثم يقوم فيجلس في مقام خطبته مستقبلًا للناس جلسة خفيفة ثم يقوم متوكئًا على عصا فيخطب خطبتين يجلس بينهما فيأمر بطاعة الله سبحانه ويحذّر عن المعصية 1 من بأسه ونقمته، ويحض على الصدقة، والاجتهاد في الدعاء أن يرفع عنهم المحل.
حتى إذا لم يبق من الخطبة الأخيرة غير الدعاء والاستغفار استقبل القبلة ثم حوّل رداءه قائمًا ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن.
ويحوّل الناس أرديتهم جلوسًا ثم يرفع يديه ظهورهما إلى السماء تلقاء وجهه ويدعو 2 ويفعل الناس مثله جلوسًا ويبتهلون بالدعاء.
وأكثر ذلك الاستغفار حتى يطول ذلك ويرتفع النهار.
ثم إن شاء الإِمام انصرف على ذلك وإن شاء تحوّل إليهم فيكلمهم بكلمات ويركبهم في الدعاء والصدقة والتقرّب إلى الله سبحانه.
وهذا الذي استحب أصبغ.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الاستسقاء دعاء بلا صلاة.
واحتج بحديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على المنبر ولم يصل 3. وأن عمر بن الخطاب استسقى 4 عام الرمادة ولم يصل.
وأجيب عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مشتغلًا بالجمعة ودعا حينئذ على المنبر مستسقيًا من الله سبحانه ولم يقصد إقامة سنّة صلاة الاستسقاء ولم تمكن إقامتها حينئذ.
وكذلك عمر رضي الله عنه لم يقصد إلى إقامة الاستسقاء بكماله وفعل جميع ما شرع فيه.
وذهب الشافعي إلى مثل 5 ما ذهبنا إليه من أن الصلاة مشروعة في الاستسقاء.
لكنه يراها في التكبير كصلاة العيد.
ويحتج بما قدمناه من الحديث

الذي رواه الترمذي.
فقد ذكر فيه أنه صلى ركعتين كما يصلي في العيد.
وبما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبّرون فيها سبعًا وخمسًا 1. ويحتج مالك بما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الاستسقاء فصلّى ركعتين 2. وظاهر هذا أن الركعتين كالمعهود من النوافل التي لا يكون التكبير فيها.
واختلف المذهب في الخطبة والصلاة أيهما يقدم.
فقال في المدونة بتقديم 3 الصلاة على الخطبة.
وقال أشهب في مدونته اختلف الناس في ذلك واختلف فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. واختلف فيه قول مالك فكان قوله الأول أن الخطبة قبلُ، كالجمعة ثم رجع إلى أنها بعدُ كالعيدين.
وبأنها بعد قال الشافعي *وحكى عن ابن الزبير أنه خطب وصلى، وفي الناس البراء ابن عازب وزيد ابن أرقم.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك.
وإليه ذهب الليث بن سعد.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وما قدمناه 4 من حديث الترمذي وقوله صلى ركعتين كما يصلى في العيدين.
وهذا قد يقتضي ظاهره 5 تأخير الخطبة عن الصلاة كما يفعل في العيد.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يستسقي فصلّى ركعتين وخطب 6. والذي خرّج أصحاب الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قدّم الاستسقاء ثم صلى.
وكان من اختار تَقْدمة الصلاة يرى أن ذلك أنجح وأقرب إلى استجابة الدعاء وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد حاجة توضأ وصلّى ثم

سأل 1. وقال - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء عند الاستخارة: إذا أهم أحدكم الأمر فليركع ركعتين ثم يقول: أللهم إني أستخيرك.
الحديث 2. وإذا ثبت أن الخطبة مشروعة على الجملة فإن المشروع خطبتان يجلس بينهما.
قال مالك إذا فرغ من خطبته الأولى جلس ثم قام فخطب.
وهذا هو المشروع من مذهب العلماء القائلين بأن الخطبة مشروعة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي يخطب خطبة خفيفة يعظهم ويحثهم على الخير.
وما قدمناه من قوله في كتاب الترمذي أنه صلى ركعتين كما يصلي في العيد قد يشير 3 ظاهر إطلاقه إلى أنه يخطب خطبتين كما يخطب في العيد على حسب ما قلناه 4 مع أن القياس على خطبة الجمعة والعيد يقتضي ما ذهبنا إليه أيضًا.
ويخطب مستقبل الناس مستدبر القبلة ثم يحوّل وجهه ليستسقي مستقبل القبلة مستدبر الناس.
والخطبة مقدمة على الاستسقاء يعظهم فيها ويذكرهم ويعلّمهم أن ذلك بذنوبهم ويكثر من الاستغفار إذا أخذ في الدعاء للاستسقاء.
وتحويل الرداء عندنا في الاستسقاء مشروع.
قال مالك إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة فحوّل رداءه ما على ظهره منه يلي السماء.
وما كان للسماء يجعله على ظهره ثم يستسقي الله ويدعو.
وقال أبو حنيفة لا يحول رداءه ولا ينكسه.
ودليلنا أنه - صلى الله عليه وسلم - استسقى وَدَعا واستقبل

القبلة وحول رداءه 1. واحتج أبو حنيفة بأنه دعاء فلا يستخب فيه تحويل الرداء كسائر الأدعية.
وهذا القياس لو سلمناه ولم نطالب فيه بشروط القياس لم يلزم العمل بموجبه.
وترك الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأجله.
وقد ذكر أصحاب المعاني أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما فعل ذلك تفاؤلًا فحوّل رداءه ليتفاءل بانقلاب الجدب خصبًا.
وإذا ثبت أن التحويل مشروع فصفته عندنا ما قال 2 مالك: يحول رداءه ما على الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلبه فيجعل الأعلى للأسفل والأسفل للأعلى.
وقد ذكرنا قوله في المختصر يجعل ما على ظهره منه يلي السماء وما كان يلي السماء 3 يجعله على ظهره.
وقال ابن الماجشون يحوّل رداءه من ورائه يأخذ ما على عاتقه الأيسر ويمر به من ورائه فيضعه على منكبه الأيمن، ويجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر.
ويبدأ بيمينه في العمل.
وقالت الشافعية التحويل أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن.
والتنكيس أن يجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه.
وقال في القديم يحول رداءه ولا ينكسه.
وقال في الجديد يحوله وينكسه إن أمكنه.
وروى الشافعي بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما ثقلت عليه جعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر 4. قال الشافعي فأحب أن يفعل ما فعل 5 النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أراد أن يفعله ولم يمكنه.
قالوا: ووجه قوله في القديم وبه قال مالك وأحمد ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - استقبل القبلة وحوّل رداؤه 6. وإذا ثبت أن التحويل مشروع على الجملة فهل يخاطب به من خلف الإِمام أم لا؟ أما النساء فلا يحوّلن لئلا ينكشفن.
وأما الرجال فقال مالك في المدونة يحوّل الناس

أرديتهم وهم قعود.
وقال الليث لا يحول المأموم.
وقيل 1 قال عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو يوسف يستحب ذلك للإمام دون المأمومين.
فوجه تحويل المأمومين الاقتداء بالإمام.
وقد حوّل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وما شرع له فالظاهر أنه شرع لغيره إلا ما خصه الدليل.
ووجه نفي 2 تحويل المأمومين أن الأحاديث إنما ردت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حوّل وحده.
واختلف في الوقت الذي يحوّل فيه الرداء.
فقال في المدونة إذا فرغ من الخطبة واستقبل الاستسقاء.
وقال في المجموعة بين الخطبتين.
وقال ابن الماجشون بعد صدر من الخطبة.
وقد ذكرنا قول مالك أنه إذا فرغ من الخطبة استقبل القبلة فحوّل رداءه ثم يستسقي الله ويدعو.
قال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا: اختلف أصحابنا متى يحوّل الإِمام وجهه إلى القبلة فيدعو.
فقال مالك إذا فرغ من خطبتيه جميعًا.
وقال أصبغ إذا أشرف على الفراغ من خطبته الثانية استقبل القبلة للدعاء، فإذا فرغ أقبل على الناس بوجهه فأتم الخطبة ثم نزل.
فوجه قول مالك أن من المكروه قطع الخطبة لغيرها والتشاغل بما سواها.
ووجه قول أصبغ أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما.
فإذا أتى بالدعاء بعد الفراغ منهما كان ذلك زيادة مستأنفة.
فكان الأولى أن يؤتى بها في أثناء الخطبة.
واختلف هل يخطب ويستسقي على المنبر؟ فمنع ذلك في المدونة لأنه يوم تظهر فيه الاستكانة والخضوع.
والخطبة على الأرض أقرب إلى ذلك، وأجاز ذلك في المجموعة.
فإذا فرغ من الاستسقاء فقال مالك في المختصر ينزل وينصرف.
وقال ابن حبيب إذا حوّل رداءه يرفع يديه ظهورهما إلى السماء ويفعل الناس مثله وهم جلوس ويبتهلون بالدعاء، وأكثر ذلك الاستغفار حتى يطول ذلك ويرتفع النهار.
ثم إن شاء الإِمام انصرف على ذلك، وإن شاء تحوّل إليهم فكلمهم بكلمات ورغبهم في الصدقات 3 والتقرب إلى الله العلي ثم ينصرف.
وأما وقت صلاة الاستسقاء فقال مالك صلاة الاستسقاء ضحوة لا غير

ذلك من النهار.
ولمالك في العتبية ولا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح.
وقد فعل عندنا وما هو بالأمر القديم.
وأما التنفل عند صلاة الاستسقاء فقال مالك لا بأس بالتنفل قبلها وبعدها.
وكره ابن وهب التنفل قبلها وبعدها.
وإذا فأتت صلاة الاستسقاء فقال مالك إن شاء صلاها وإن شاء ترك.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يخرج للاستسقاء الرجال ومن يعقل الصلاة 1 من الصبيان ومن المتجالات من النساء.
ومنع في المدونة من خروج من لا يعقل من الصبيان والحُيّض من النساء.
وذكر عن الشيخ أبي محمَّد رحمه الله أنه حمل ذلك على أنها لا تخرج في حال جريان دمها لأنها ممنوعة من الصلاة.
ألا تراه قال ولا صبي لا يعقل الصلاة.
قال أبو محمَّد عبد الحق رحمه الله لم يرد أبو محمَّد إباحة خروجها إذا زال دمها بل منْعها حينئذ أشد لقدرتها على الاغتسال.
وإنما قصد أن دمها وإن كان جاريًا فإنه يمنع من الخروج لمنعه من الصلاة لئلا يظن ظان أن إباحة القراءة لها 2 حينئذ تبيح الخروج.
فإذا منعت الحائض كان النساء على ثلاث مراتب.
حائض تمنع ومتجالة لا يكره خروجها وشابة طاهرة 3 يكره خروجها.
فإن خرجت لم تمنع.
قال بعض أشياخي اختلف في خروج من لا يعقل من الصبيان، والشواب من النساء، وأهل الذمة، والبهائم.
وخُرّج على منع الحائض، ومن لا يعقل الصلاة، منع خروج البهائم.
وذكر أن موسى بن نصير أجاز ذلك.
وحكي ما قدمنا ذكره حين استسقى بأهل القيروان فأمر بالولدان على حدة والنساء على حدة والبقر والغنم على حدة.
وأباح في المدنة خروج أهل الذمة.
ومنع ذلك 4 أشهب في مدونته.
وإذا أجزنا خروجهم فقال ابن حبيب يخرجون وقت خروج الناس يعتزلون ناحية ولا

يخرجون قبل الناس ولا بعدهم لأنه يخشى إن استسقوا قبل أو بعد أن يوافقدا وقت نزول الغيث فيكون في ذلك فتنة للناس.
وقال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا: لا بأس أن يخرجوا بعد.
وقال مكحول لا بأس بإخراج أهل الذمة للاستسقاء مع المسلمين.
وقال الأوزاعي كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله أن يخرجوا أهل الذمة إلى الاستسقاء فلم يَعِبْ عليه أحد من أهل زمانه.
وقال بعض الناس في إنكار إخراجهم: من أعظم العار أن يتوسل إليه أولياؤه بأعدائه.
وهم وإن كانوا قد ضمن الله أرزاقهم، فإنا لا نمنعهم من الخروج.
لذلك على القول المشهور عندنا.
وبه قال الشافعي.
ولكنهم يخرجون منعزلين عن الناس لأن اللعنة تنزل عليهم.
ولو أرادوا في الاستسقاء التطوف بصلبهم فقد قال ابن حبيب لا يمنع اليهود والنصارى من الاستسقاء والتطوف بصلبهم وشركهم 1 إذا برزوا بذلك وتنحوا به عن الجماعة.
ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين وجماعاتهم في الاستسقاء وغيره.
كما يمنعون من إظهار الزنا 2 وشرب الخمر.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل