شرح التلقينصفحات 1095-1123
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلح

صفحات 1095-1123

حرًّا وعفا الحرّ القتيل قبل موته عن هذا العبد.
فإنّ أشهب قال: يكون عفوه هذا في ثلثه.
خلافًا لِمَا ذهب إليه ابن القاسم في هذا من مساواته بين كون القاتل حرّا أو عبدًا.
فإنّه يرى أنّ عفوه ينفذ.
وقدّر بعض الأشياخ أنّ هذا كاختلاف قول من أشهب.
وأشار إلى أنّه لا يتحقّق فرق بين كون القاتل على جهة العمد حرًّا أو عبدًا، كما ذهب إليه ابن القاسم.
وعندي أنّه قد لا يلزم أشهب هذا لكون جناية العبد متعلقة برقبته إلاّ أن يفديه سيّده.
وكأنّه خرج بالجناية من ملك سيّده إلى ملك المجنيّ عليه حتّى يستردّه سيّده إلى ملكه بانفراد، على ما سنبسط هذه الإشارة في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى.
وهذا حقّ متعلّق بعين يقدّر أنّ ملكها زال عن سيّد العبد، فهو بخلاف ديّة معلّقة بالذمم وليسمت بعين موجودة حتّى يقدر فيها انفصالها عن ملك مالكها.
وذكر في المدوّنة في هذا الكتاب أنّ اجتماع جماعة على قطع يد رجل محمدًا يوجب له قطع يد كلّ واحد منهم.
وكذلك الجماعة إذا تعاونوا على قتل نفس محمدًا، فإنّه يوجب لأولياء القتيل قتل جميعهم.
وقد يقال ها هنا: إنّ الجماعة إذاْ تعاونوا على إخراج مال من الحرز، فإنّه لا يقطع جميعهم إذا لم يبلغ ما أخذ كلّ واحد منهم ربع دينار.
إلاّ أن يكون ما أخرجوه لا يقدر على إخراجه من حرزه إلاّ باجتماعهم.
ومقتضى هذا أن يشترط في اجتماع جماعة على قطع يد رجل لا يقطع جميعهم إذا كان كل واحد منهم لو انفرد، لقدر على قطع يده.
لكن هذا لم يشترطه أهل المذهب، وما ذلك إلاّ لأنّه لا يتحقّق قدرة أحدهم على قطع يد هذا إلاَّ باجتماعهم، لأنّه وإن كان كل واحد منهم أقوى من المقطوع يده، فإنّه يمكنه الفرار منه والتحيّل عليه بما لا يمكنه من الفرار والتحيّل مع اجتماع الجماعة عليه.
ولو قتل رجل رجلًا له وليّان فعفا أحد الوليين عن دم وليّه وصالحه الوليّ الآخر، فإنّ العافي لا مقال له في الدّم ولا فيما أخذ في الصّلح.
لكن لو قتله الولي الّذي لم يصالح، لاسترجع حن المصالح ما أخذ.
هكذا ذكر ابن القاسم.
فلعلّه قدّر أنّ القاتل إنّما بذل ما بذل بشرط بقاء حياته وألاّ يقتل.
فإذا حصل القتل من جهة غير الّذي عما وصالح، فإنّ الصّلح يبطل ببطلان المقصود بهذا الصّلح.

ومنع ابن القاسم من الصّلح عن دم العمد بثمرة لم يبد صلاحها.
وأمضاه غيره.
وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى ما قلّمناه من كون ما يؤخذ من دية العمد لا يقدّر أنّه مِمّا يُقْدر على ملكه على أصل ابن القاسم.
فيكون مقتضى هذا ما قاله غير ابن القاسم في إمضاء الصّلح ها هنا بثمرة لم يبد صلاحها.
أو يقدر أن ذلك كمال مملوك لما قدر على ملكه، على أصل أشهب، فيمنع من هذا الصّلح.
وممّا ينظر فيه على هذا الاختلاف لو صالح عن دم العمد بعرض إلى أجل، فإنّه إن قدرنا أن الدّيّة لما قدر على ملكها كالمملوكة فإنّ هذا يُمنع منه أيضًا، لكونه فسخ دين في دين، وذكر في المدوّنة أنّ الجاني عمدا لغرمائه أن يردُّوا ما صالح عليه من مال ليعفى عنه إذا كان قد أحاطت الدّيون بماله.
فأمّا منعهم إيّاه من ذلك قبل أن يوقعه، فإن كونهم يستحقّون ذلك مِمّا يتّضح، لأنه يطالبونه بالدّيون فيأخذون جميع ما في يده، فيمتنع الصلح عليه.
لكن إذا وقع ذلك قبل علمهم، فهل لهم ردّه أم لا؟ ظاهر المدوّنة أنّهم يمنعون من ردّه، لأنّه ذكر فيمن صالح على جناية تحملها العاقلة، ودفع في ذلك رهنًا، أنّ المرتهن يكون أحقّ به من الغرماء.
ولم يقيّد هذا الجواب يكون الجناية محمدًا أو خطأ.
ويتضح أن تصرّف الغريم، الّذي أحاط اللّين بماله، بالمعاملة والمعاوضة المطلوب بها التّنمية، أنّ ذلك ماض لما فيه من المصلحة له ولغرمائه.
كما يتضح أيضًا ردّ هباته وعطاياه الّتي لا معاوضة عنها.
ويبقى النّظر فيما عاوض به مِمّا له فيه مصلحة ومنفعة، وليس في ذلك منفعة لغرمائه كالجناية، وخلِع المرأة، الّتي أحاط الدّين بمالها، نفسها من زوجها بمال تدفعه إليه، فإن هذا المال لم يخرج إلاَّ على جهة المعاوضة، ولكنّها معاوضة ليست بماليّة محضة، فيلتفت في هذا أيضًا إلى كون الغرماء عاملوه على ذلك أو لم يعاملوه عليه.
وقد أجازوا لمن أحاط الدّين بماله أن يتزوّج بصداق يبذله ويتسرى أمة، لكون هذا مِمّا تمسّ الحاجة إليه ويتكرّر فعله.
فيقدّر أنّ الغرماء دخلوا عليه وأذنوا فيه.
وسنبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.

وذكر في هذا الكتاب من المدوّنة أنّ الجريح إذا صالح الجارح على مال فمات من جُرحِه، أنّ لأولياء القتيل أن يردّوا ما وقع الصّلح عليه ويقتلوه بقسامة، ولهم أن يتمسكوا بالصّلح ويسقطوا القصاص.
قال في الكتاب: وليس من حقّ الجارح أن يقول: ردّوا على ما دفعته في الصّلح واقتصوا منّي بأن تقتلوني، لأنّ هذا مِمّا لا منفعة له فيه.
وإنما ينظر في هذا لو كان الجرح خطأ فوقع الصّلح عنه.
فهل يكون من حقّ المصالح أن يستردّ ما صالح عليه لكون الدّيّة على عاقلته، فيستفيد برد الصّلح سقوطَ الغرامة عنه واسترجاع ما دفع أم لا، لكون هذا الصّلح قد رضي به على الإطلاق؟ أو يقدّر إنّما رضي به ظنًّا منه أنّ الغرامة تختصّ به دون عاقلته؟ وقد اختلف في جواز الصّلح عن هذا الجرح وعن ما يتناهى إليه.
فأجيز ذلك لكون الغرر في هذا ليس كالغرر في المعاوضات الماليّة.
أو يمنع لما فيه من الخطر.
وهذا يستقصَى في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذكر في المدوّنة في أحكام الصّلح عن اللّماء الصّلح عن موضحتين، إحداهما عمد والأخرى خطأ، وأعاد ذكر الصّلح عن ذلك في كتاب الشّفعة.
وكتاب الشّفعة أحقّ به.
ولهذا نعيده هناك بأبسط ما نورده ها هنا.
فذكر في الكتاب قولين في ماذا يقع الاستشفاع به.
فحكى عن ابن القاسم أنّه إذا أوضح رجل رجلًا مُوضِحتين، إحداهما عمد والأخرى خطأ، فصالح الجارح المجروح عنهما بشِقص من دار، أنّ الشّفعة تكون بديّة 1 موضحة الخطإ، وهي خمسون دينارًا، وبنصف قيمة الشقص.
وذكر عن المخزوميّ أنّ الشفعة تكون بخمسين دينارًا ما قابل موضِّحة الخطإ، وبقيمة ما قابل موضحة العمد من هذا الشّقص.
وذلك يعرف بعد التّقويم للشّقص ونسبة ديّة موضِحة الخطإ إلى ما أخذ عن ديّة العمد.
فإذا قوّم جميع الشّقص بمائة ديتار، مثلًا، وقد علم أنّ دية الخطإ خمسون دينارًا، فإنّا ننسب ديّة موضِحة الخطإ مِمّا وجب ها هنا في موضِحة

العمد، فنجده قد حصل لموضِحة الخطإ ثلث هذا الشّقص، [لكون خمسين دينارًا من جملة، هي مائة وخمسون، الثّلث، فاقتضى هذا كونَ هذا الشقص] 1 دفع ثلثُه عن موضِحة الخطإ، وثمنها في الشرع معلوم.
فصار دافعه كأنه باع ثلثه بخمسين دينارًا، والباقي بعد ذلك لموضِحة العمد، وذلك ثلثا الشّقص.
ومن صالح عن موضِحة عمد بشقص، فإنّ الشّفعة تكون بقيمة الشقص.
فكذلك إذا صالح ببعض الشقص عن موضّحة العمد، فإنّ الشّفعة تكون بقيمة ما صالح به عن موضّحة العمد، وهو ثلثا هذا الشقص.
وذكر في غير المدوّنة أنّ ابن نافع ذهب إلى أنّ الشّفعة تكون بقيمة الشّقص ما لم تنقص قيمته عن خمسين دينارًا الّتي هي ديّة موضِحة الخطإ.
فإن نقصت قيمة الشّقص عن الخمسين دينارًا، فإنّ الشّفيع لا يأخذ الشّقص إلاّ بالخمسين دينارًا.
وهذا المذهب الثّالث الّذي اذهب إليه ابن نافع هو اختيار الحذّاق من أتباع أصحاب مالك كابن الموّاز وابن حبيب وسحنون، حتّى أغلى في تصحيح هذا المذهب سحنون، فقال: الصّواب مذهب ابن نافع، وما سواه فليس بشيء.
وتبع هؤلاء على هذا الاختيار يبيح بن عمر.
وأشار بعض أشياخي وبعض أشياخهم إلى مذهب رابع في هذه المسألة.
وهو كون الشّفعة ها هنا تجب بالخمسين دينارًا.
وما يشبه أن يكون قيمة لموضِحة العمد.
والنّكتة الّتي ينصرف إليها هذا الاختلاف أنّك قد علمت أنّ هذا الشّقص لو كان مدفوعًا كلّه عن موضحة الخطإ، لكانت الشّفعة بديّة موضِحة الخطإ، وهي خمسون دينارًا.
ولو كان مدفوعًا عن موضِحة العمد، لكانت الشفعة فيه بقيمته.
فإذا دفع عنهما جميعًا، وهما متساويان، وجب أن يقسم المدفوع عنهما بينهما نصفين.
فيكون نصف الشّقص دفع عن موضِحة الخطإ، فيستشفع هذا النّصف بثمنها، وهو خمسون دينارًا.
كما لو دفع جميعه عن موضِحة العمد،

فإنّ الشّفعة تكون بقيمته.
والحكم في جزء له كالحكم في جميعه.
كما لو باعه بعشرين دينارًا، فإنّ العشرين تقسم عليه، فيكون ثمن كلّ نصف منه عشرة دنانير.
وهذا يقتضي ما قاله ابن القاسم.
وإن قلنا: إن الدّم ليس من الحقوق الماليّة المحضة، فلا يكون في نفسه ثمنًا للشّقص، وإنّما ثمن الشّقص أعواضه.
وأعواض موضِحة الخطإ خمسون دينارًا.
وموضِحة العمد عوضها قيمة الشقص.
فقد صار الثّمن في هذا الشّقص خمسين دينار أو قيمته في نفسه.
ولمّا لم يكن في نفسه ثمنًا مكيلًا ولا موزونًا، صرفت الشّفعة إلى قيمته، كما تصرف لو كان ثمنه عبدًا، فإن الشّفعة بقيمة العبد لمّا لم يكن العبد مكيلًا أو موزونًا.
فإذا انصرفت الشّفعة إلى ثمن الموضحتين لا إلى أنفسهما.
وثمنهما خمسون دينارًا في انفراد موضِحة الخطإ، وقيمة الشّقص في انفراد موضِحة العمد، وجب أن تكون الشّفعة بذلك على جهة الفضّ على هذين الثّمنين.
وإذا فضّ ذلك عليهما وكانت قيمة الشّقص مائة دينار، وقيمة موضِحة الخطإ خمسون دينارًا، فقد صار مدفوعًا عن مائة وخمسين دينارًا.
فالّذي يقابل المائة دينار ثلثا الشّقص، فتكون الشفعة بقيمة ثلثيه، وذلك ستّة وستّون دينارأوثلثا دينار.
والّذي يقابل موضِحة الخطإ ثلث هذا الشّقص.
وثمن هذا الثّلث معلوم.
فتكون الشّفعة به.
وهذا مثاله ما قيل في أنّ من أوصى لرجل بمائة دينار، ولآخر بمجهول، مقداره يأتي على المال، فإنّ المحاصّة لمّا كانت الوصية بمعلوم ومجهول تقع بالمائة دينار وبالثّلث.
فتضرب في الثّلث الّذي تجمع فيه الوصايا بنفسه وبالمعلوم فتكون المحاصّة فيه في نفسه بنسبته إلى المعلوم لمّا امتنع الضّرب بالمجهول، عاد الأمر إلى ما يستحقه هذا المجهول وهو الثّلث.
وإن قلنا: إنّ موضِحة الخطإ وإن كان معلومًا ثمنها في الشّرع، فإنّها في هذه المسألة يصير ثمنها غير معلوم، لكون الشّقص ثمنًا لموضِحة الخطإ وديّتها، وثمنا لموضحة العمد وثمنها القيمة المجهولة، فلا يدري ما يقابل موضِحة العمد.
وذلك يسري إلى أنّه لا يدري أيضًا ما يقابل موضِحة الخطإ، فكأنه دفع عن مجهولين، فتكون الشّفعة بقيمته الّتي هي عوض عن جميعه.
وجميعه مدفوع

عن الموضِحتين، وقيمته بدل.
فلتكن قيمته مدفوعة عن الموضِحتين جميعًا.
فتكون الشّفعة فيهما بقيمته كما لو كانت الموضِحتان عمدين جميعًا، فإنّ الشّفعة تكون بقيمته.
لكن إذا كانت إحداهما خطأ وثمن الخطإ معلوم، وقد علم أنّ الشّقص دفع عنهما جميعًا، فإذا قصرت قيمته عن الخمسين دينارًا، فلا يصحّ أن يحطّ الجارج عنهما ويزول حكم الموضحة المجهولة، ويصير الثّمن ديّة الموضحة المعلومة.
فأنت ترى هذه المذاهب الثّلاثة تتصرّف إلى كون نفس الشقص مقسومًا على الموضحتين لمّا كانت المعاوضة به عنهما.
أو مقسومًا على ثمنهما لما أن كانت المواضع ليست بأعواض ماليّة.
أو يكون غير مفضوض عليهما بالنّسبة والتّقويم ولا على ثمنهما جميعًا، فتكون الشّفعة بقيمة الشّقص ما لم يقتصر عن الخمسين دينارًا، فتصرف المعاوضة إلى المعلوم.
وأمّا المذهب الرّابع، فإنّ أصبغ ذكر في هاتين الموضِحتين أنّ هذا الصلح لو وقع بهذا الشّقص على أن زاد المجروحُ عبدًا من عنده، فإنّه تكون الشّفعة بقيمة العبد وبالخمسين دينارًا وبما يجتهد فيه في تقويم موضِحة العمد.
فإن كانت قيمة العبد خمسين دينارًا، فهي مثل ثمن موضحة الخطإ.
وإذا قوّمت موضحة العمد بخمسين دينارًا، بعد اعتبار حال الجارح وكونه أكثر قصده في المعاوضة الدّفع عن نفسه القصاص لمشقّته عليه، أو أكثر قصده ما يغرمه من مال، لكون القصاص يخفّ عليه، فإنّه يستشفع بالخمسين دينارًا الّتي هي ثمن موضحة الخطإ وبالخمسين دينارًا الّتي هي قيمة العبد وبثلث قيمة الشّقص، لكون الّذي يقابله من الثّلاثة المدفوعة يساوي كلّ واحد منهما الآخر.
ولو اختلفت هذه القيم، لكانت الشّفعة على ما تقتضيه النّسبة من اختلافها.
فيجعل لموضحة العمد من الشّقص ما قوّمت به موضحة العمد على المثال الّذي أريناك.
وهذا كمذهب المخزوميّ في اعتبار النّسبة.
ولكنّ المخزوميّ صرفها إلى اعتبار موضحة العمد بأن جعل قيمة الشّقص عوضها.
وصرفه أصبغ إلى أن جعل ما يقوّم به موضحة العمد هو عوضها.
ثمّ يتّفقان جميعًا على صرف هذا التّقويم إلى الاستشفاع بقيمة ما قابل موضحة العمد من هذا الشقص.
وهذا

الّذي نسبناه لأصبغَ من كونه إذا قوّم موضحة العمد بالاجتهاد، نظر ما يقابل هذه القيمة من الشّقص، فجعل الشّفعة بقيمة ذلك من الشّقص ل ابن فس ما قوّمت به العمد من الدّنانير، عليه حمل ما وقع له فيْ ذلك الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد، وأشار إليه غيره من متأخّري الأشياخ.
وظاهر كلامه عندي يقتضي كون الشّفعة تؤخذ بما قوّمت به موضحة العمد لا بقيمة ما يقابل هذه القيمة من الشّقص.
وذلك أنّه قال: إذا دفع المجروحُ عبدًا وأخذ الشّقص من الجارح، عوضًا عمّا وجب عليه في الموضحتين، وعن العبد، فإنّ العبد يقوّم وتقوّم موضِحة العمد بالاجتهاد.
فإن كان العبد وقيمة الموضحة الّتي هي عمد بالاجتهاد وديّة موضحة الخطإ تتساوى، فإنّه يأخذ الشفعة.
فقال الشّيخ أبو محمَّد: مراده بهذا أنّ العبد إذا كان الثّلث والموضحتان تتساويان في أثمانهما، هذه بالتّقويم، وهذه بديّتها الشّرعيّة، فإن الشفعة تكون بقيمة ثلث الشّقص المقابل لموضحة العمد.
وبعض أشياخي 1 يشير إلى أنّ الأوْلى أخذ الشّفعة بقيمة موضحة العمد بالاجتهاد من غير رجوع إلى اعتبار قيمة ما يقابلها من الشّقص.
لأنه إذا وجب تقويمها في نفسها بالاجتهاد، وصارت كالموضحة الأخرى الّتي قوّمها الشّرع بخمسين دينارًا، فكما لم يعدل عن الخمسين دينارًا إلى ما قابلها من الشّقص، فكذلك لا يعدل عن موضحة العمد إلى ما قابلها من الشقص.
وإذا علمت ما يقابل كلّ واحد من هذه الثّلاث مع التّساوي صرفته في اختلاف قيمها.
فلو كان العبد قيمته تقابل نصف أثمان الموضّحتين، لكانت الشفعة بقيمته وبديّة موضحة الخطإ، وهي خمسون دينارًا، وبقيمة موضّحة العمد بالاجتهاد على ما أشرنا نحن إليه، وعلى ما تأوّله الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد تكون الشّفعة في موضّحة العمد بما قابلها من الشّقص، فيؤخذ قيمة ما قابلها من ذلك.
ولو كانت الموضحتان خطأ وأخذ الشّقص عنهما وعن عبد دفعه المجروح

كما قلناه، لكانت الشّفعة بقيمة العبد وبديّة الموضحتين من غير خلاف.
ولو كانت الموضحتان محمدًا لَقوّمتا بالاجتهاد ونظر إلى ما قابل قيمتهما من الشّقص، وأخذت الشّفعة بقيمة ما قابلهما من الشّقص بعد التّقويم لهما وبقيمة العبد.
وعلى ما أشرنا نحن إليه لا يرجع إلى الالتفات إلى قيمة ما قابلهما من الشّقص.
وقد أشار الشّيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد إلى مناقضة أصبغ في هذا الّذي قاله من كونه اعتبر في موضّحة العمد قيمتها بالاجتهاد إذا أضيف إليها موضحة خطإ ومحمد، مع كونه يوافق ابن القاسم فيما قاله في المدوّنة في أنّ الجارح إذا دفع شقصًا عن موضحة خطإ وموضحة عمداَّ، أنّ الشّقص يكون بينهما نصفين.
ولم يقل أصبغ ها هنا بتقويم موضحة العمد بالاجتهاد أيضًا وينسبها إلى موضّحة الخطإ بل قسَم الشّقص بينهما نصفين.
والّذي أشار إليه من هذا يسبق إلى النّفس أنّه لا فرق بين السؤالين، ولكن قصارى ما يمكن عندي أن يعتذر عما قاله أصبغ ها هنا أنّ مسألة المدوّنة لم يوجب الشّرع في شيء ميق ثمن ما يستشفع قيمة، بل حدّ في موضحة الخطإ خمسين دينارًا، وبقيت موضحة العمد على الاجتهاد في حكمها.
وفي مسألة المجروح إذا دفع عبدًا وأخذ شقصًا قد اتّفق على اعتبار القيمة في بعض ما يستشفع به وهو العبد.
فلمّا ثبتت القيمة في بعض الثّمن الّذي يستشفع به أجرى التّقويم في غيره من الثّمن المضاف إلى ما أوجب الشّرع تقويمه.
وهذا غير مستنكر في الأصول أن حكمًا إذا ثبت في شيء حسن أن ينسحب الحكم على ما قارنه ولازمه في العقود.
وإذا تصوّرت ما قدّمناه في مسألة المدوّنة في دفع شقص عن موضحتين إحداهما عمد والأخرى خطأ، فإنّ هذا الّذي ذكره أصبغ في زيادة المجروح عبدًا من عنده لمّا أخذ الشقص يتصوّر فيه على مذهب ابن نافع إذا كانت الموضحتان محمدًا، وزاد معهما المجروح عبدًا، فإن الشّفعة بقيمة الشقص ما لم

ينقص عن قيمة العبد، كما كانت في مسألة المدوّنة بقيمة الشّقص ما لم ينقص عن ديّة الخطإ.
وعلى مذهب المخزوميّ تكون قيمة العبد كالمعلوم، ويحمل على قيمة الشّقص، وينسب بعضها من بعض، فتكون الشّفعة بما قابل موضحتي العمد من الشّقص، فيدفع الشّفيع قيمة ذلك.
ويقسم ابن القاسم الشّقص بين المعلوم والمجهول على حسب ما قلناه عنه.
وهكذا تصرف هذه المذاهب فيما إذا كانت إحداهما محمدًا والأخرى خطأ وزاد المجروح عبدًا.
هذا حكم الزّيادة إذا كانت من المجروح.
فلو كانت من الجارح بأن دفع عن موضحة العمد وعن موضحة الخطإ شقصًا وزاد مع ذلك زيادة، فإنّه لا يخلو أن تكون هذه الزّيادة دنانير من جنس ديّة موضحة الخطإ، أو تكون هذه الزّيادة عرضًا.
فإن كانت عرضًا، فإنّ المشهور أنّ البخاري فيها على مذهب ابن القاسم أن يقسم العرض بين الموضحتين نصفين.
فيكون نصفه لموضحة الخطإ ونصفه لموضحة العمد.
فيستشفع في موضحة العمد بنصف قيمة الشّقص، لكون العوض عنها نصف العرض المدفوع ونصف الشّقص ويستشفع النّصف الآخر بديّة موضحة الخطإ.
ولو دفع الجارح مع الشقص دنانير، فإنّ يحيى بن عمر ذهب إلى قصر الدنانير المدفوعة على ديّة الخط ذلك ونها من جنسه.
فإذا دفع مع الشّقص عشرة دنانير مثلًا، فإنّه يكون قد قضاه من موضحة الخطإ عشرة دنانير وبقي منها أربعون دينارًا.
وقد فرض ابن القاسم 1 كون موضحة الخطإ متساوية 2 في هذا لموضحة العمد فلتكن قيمتها خمسين دينارًا، كما كانت قيمة موضحة الخطإ.
لكن موضحة قد قضى منها عشرة دنانير وبقيت أربعون دينارًا دفع الشّقص عوضًا عن الأربعين وعن ما قدّرنا أنّه بخمسين دينارًا، فيستشفع الشّقص بأربعين دينارًا وبخمسة أتساع قيمة الشّقص، لكون الجملة في التّقدير

تسعين دينارًا وخمسون من تسعين خمسة أتساعها، وهي الّتي تقابل موضحة العمد، وموضحة العمد إنّما تستشفع بقيمة الشّقص أو بما قابلها منه إن كان معها غيرها.
ولو دفع عشرين دينارًا مع الشّقص، لكانت الشّفعة بثلاثين دينارًا وخمسة أثمان قيمة الشقص.
هكذا على هذه النّسبة حتّى يكون المدفوع من الدّنانير خمسين دينارًا، فيكون المجروح قد استوفى ديّة موضحة الخطإ وتخلّص الشقص كلّه لموضحة العمد، فتكون الشّفعة بقيمته كلّه.
وعلى رأي الشّيخ أبي محمّد بن أبي زيد، فإنّ البخاري عنده على أصل ابن القاسم فيما أشار إليه، أن تقسم الدّنانير نصفين، كما قسم العرض أيضًا نصفين.
فإذا دفع عشرة قسمها على الموضحتين فكانت الشّفعة بخمسة وأربعين دينارًا بقيمة دية موضحة الخطإ وبنصف قيمة الشّقص المقابل لموضحة العمد.
وهكذا على مقتضى ما أشار إليه لو كان المدفوع مع الشّقص مائة دينار، لقسمها نصفين.
فتكون الشفعة عنده في موضحة العمد بنصف قيمة الشّقص، مع كون هذا الشّقص دفع وقد دفع معه جميع ديّة موضحة الخطإ.
فيستبعد أن يكون قد أخذ المجروح جميع ديّة موضحة الخطإ، ثم يجعل بعد هذا لموضحة العمد نصف الشّقص.
وقد ظهر أنّ جميع الشّقص لموضحة العمد، لكون موضحة الخطإ قد سقط حبهمها بدفع ديّتها، فصار كما لو دفع الشّقص عن موضّحة العمد ولم يجرح سواها، فإنّ الشّفعة تكون بجميع قيمة الشّقص.
ولكن هذا الاستبعاد يلزم عند بعض المتأخّرين في 1 إذا كان المدفوع مع الشقص عرضًا، وقد حصل في نصف قيمته جميع ديّة موضحة الخطإ، فيجب أيضًا أن تكون الشّفعة بقيمة الشّقص كلّه، لكون موضحة الخطإ سقط حكمها بدفع ديّتها عرضًا.

وهذا عندي قد يعتذر عنه بأنّ العرض تختلف الأغراض فيه، ونسبته إلى موضحة العمد كنسبته إلى موضحة الخطإ.
فليست إحداهما أحق به من الأخرى.
فلهذا أوجب أن يقسم بينهما نصفين.
وأمّا الدّنانير فهي من جنس ديّة موضحة الخطإ.
فلمّا كانت من جنسها وجب أن يصرف ما دفع من دنانير مع الشّقص إلى كونه قضاء لديّة الخطإ.
لكن أصبغ لم يسلك في العرض إذا دفع مع الشّقص مسلك يحيى بن عمر والشّيخ أبي محمّد بن أبي زيد فيتناقض بما ذكرنا.
بل قال: لو دفع الجارح مع الشّقص عبدًا، لاعتبرنا قيمة العبد.
فإن بهانت قيمة العبد كقيمة الشقص، فقد دفع العبد عن نصف الموضحتين، ونصفُ موضحة الخطإ خمسة وعشرون دينارًا، وموضحة العمد قد قابلها نصف.
الشّقص، فتكون الشّفعة في موضحة العمد بنصف قيمته.
ولو كانت قيمة العبد من الشّقص الثّلث، لكان العبد قد قابل ثلث الموضحتين وبقي ثلثا الموضحتين للشّقص، فتكون الشفعة بثلثي ديّة الخطإ وبنصف قيمة الشّقص، لأنّ الشّقص مقسوم بين الموضحتين نصفين.
ولو كانت قيمة العبد من الشّقص الرّبع، لكانت الشّفعة في موضحة العمد بقيمة نصف الشّقص لا يتغيّر حسابها، وفي موضحة الخطإ بثلاثة أرباع ديتها.
وذكر في المدوّنة إذا ادّعى وليّ القتيل على القاتل أنّه صالح على مال يبذله له، فإنّ القصاص يسقط لإقرار وليّ الدّم بسقوطه، ولا يقبل دعواه على القاتل أنّه رضي له بمال ويحلف على ذلك.
وذكر أيضًا أنّ القاتل خطأ إذا صالح ظنّا أن الدّيّة تلزم في ماله، فإنّ له نقض الصّلح إذا علم أنّها لا تلزمه.
قال بعض الأشياخ: إذا كان مِمّن يجهل ذلك، فلا بد من أن يستظهر عليه باليمين على صحّة عذره.
وإن وجد المال الّذي دفع قد أتلفه أولياء الدّم، فإن كان هو المطالب لهم بالصّلح، فإنّه لا يرجع عليهم به، كمن أثاب من صدقة ظنّا أنّها تلزمه.
وإن كان هم طالبوه بالصّلح، فإنّهم يغرمون له ما أتلفوه من هذا المال.

وهذا الّذي أشار إليه من التّفصيل في الرّجوع بهذا المال نبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال في المدوّنة ولو أقرّ بالقتل وصالح على الدّيّة تؤخذ من ماله، فإنّه يلزمه الصّلح.
ولم يعذره لجهله أنّ ذلك لا يلزمه لأجل الاختلاف في المذهب، هل تكون الدّيّة على المقرّ أو على العاقلة بقسامة فيكون كشاهد لهم على العاقلة إذا كان عدلًا؟ ولم نعذره ها هنا بجهله لمّا صادف فعله واعتقاده أحد الأقوال في مذهب أصحابنا في هذه المسألة.
وكأنّه حكم وقع بما اختلف الناس فيه.
هكذا اعتذر بعض الأشياخ عن هذا.
ولا يتّضح كون هذا كحكم، لأنّا سنبيّن في كتاب الأقضية ما ينفذ من الأحكام بالمختلف فيه.
وعلى أيّ صفة يجب إنفاذ حكم الحاكم إذا حكم بما اختلف النّاس فيه.

والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: إذا ادّعى رجل على رجل حقًا فأنكر فصالحه، ثمّ ثبت الحقّ بعد الصّلح، فإنّه لا يخلو من أن يكون ثبوته بوجه واضح لا مخاصمة فيه، كإقرار المطلوب بثبوت الحقّ الّذي أنكره أوّلًا.
أو يثبت ببيّنة.
فإن ثبت بإقرار المنكر له أوّلًا، فإنّ الصّلح لا يلزم المقرّ له، لأنّه إنّما التزمه كالمجبر عليه والمغلوب على حقّه.
فإذا قدر على التخلّص من هذه الغلبة والإجبار بالتوصّل إلى حقّه الّذي منع منه، كان له طلبه.
وقال سحنون: وله ألاّ ينقض الصّلح ويتمادى عليه، ولا يطالب المقرّ بحكم إقراره.
وهذا صحيح لأنّ نقضه حق له لا حقّ عليه للباري سبحانه ولا لخصمه.
فوقف إمضاؤه أو ردّه على اختياره.
كمن أكره على بيع سلعته بثمن فإنّه إذا زال عنه الإكراه، كان له ارتجاع سلعته، لكونها خرجت من ملكه بغير اختياره، وله إمضاء البيع فيها، لأنّ المكرِه له عاوضه عنها باختياره، وله أن يلزمه اختيارَه.
وليس كونه بالخيار في ردّ هذا الصّلح بالّذي يوجب سقوط ضمان ما أخذ في الصّلح عنه، لأنّه لم

يسلمه إليه المنكر لحقّه بغير اختياره، بل لو شاء لاستحلفه وقنع بيمينه.
فعدوله عن ذلك، وهو الحقّ الّذي أوجبه الشّرع، إلى المعاوضة عنه معاوضة التزماها جميعًا توجب كون الضمان فيها يجري مجرى العقود الصحيحة الّتي لا خيار فيها.
وأمّا إن ثبت الحقّ ببيّنة والمدّعى عليه متماد جحودُه مكذّب للبيّنة، فإنّ ذلك لا يخلو من أن يكون لم يعلم بالبيّنة، أو علم بها فلم يقم بها وهي حاضرة أو غائبة.
فإن كانت البيّنة، الّتي ثبت له بها أصل الحق وصدْقه في دعواه، لم يكن علم بها حين الصّلح، ففي ذلك روايتان.
إحداهما: أنّ له القيام بها، وهو الّذي ذكره في المدوّنة.
والثّانية أن لا قيام له بها، وهي رواية مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب.
فكأن من أثبت له القيام قدّر أنّه لما صالح جاهلًا بها، فإنه يُعلَم أنّه لو علم بها ما رضي بما رضي بالصّلح، فكأنّه اشترط فيه هذه المعاوضة، أنّ له النّقض للصّلح متى ثبت أصل حقّه.
وصار ثبوت حقّه كعيب يطلع عليه في المبيع، فإنّ له القيام به لجهله به حين العقد، ولو كان عالمًا به، لم يكن له قيام.
كما أنّ من لم يصالح على حق ادّعاه فأنكره المدعى عليه فاستحلفه الطّالب، ثمّ وجد بيّنة لم يكن علم بها، فإنّ له القيام بذلك، لأنّ استحلافه كالمشروط فيه أنّه إنّما رضي به لأجل عدم البيّنة، فمتى وجدها لم يسقط حقّه فيما شهدت به.
ومن منعه من القيام بالبيّنة رأى أنّ الصّلح وقع مع تجويزه أن يعثر على بيّنة، فيصير كالملتزم لإسقاطها في عقد هذه المعاوضة.
ولهذا قال في الرّواية: لو شاء لتربص، فعجلته إلى المعاوضة مع قدرته على التربّص كالمسقط لحقه في هذه البيّنة.
كما يسقط حقه في العيب إذا دخل على علم به.
لا سيما أنّ

القيام بالبيّنة مبطل عقد المعاوضة [ويبقى منعقدًا] 1 والشّرع يلزم عقود المعاوضة إلاَّ عند أمر يوجب حلّها.
وقد أخذ ما أخذه في الصّلح ليتصرّف فيه وينتفع به، فلم يمكن من ردّه بعد ذلك لأجل ظهور بيّنة لم يعلم بها.
ولهذا كان له القيام ببيّنة لم يعلم بها إذا استحلف خصمه.
لأنّ استحلافه له ليس بمعاوضة ولا تصرف في ملك أخذ على جهة المبايعة.
فلهذا كان له أن يقوم بالبيّنة الّتي لم يعلم بها.
وكان قيامه ببئنة لم يعلم بها بعد الصّلح فيه الخلاف المذكور.
وقد قال سحنون فيمن أقرّ في السرّ وجحد في العلانية وقال للمدّعى عليه: أخّرني وأقرّ لك، فأشهد المدّعي في السرّ أنّه إنّما يصالحه لإنكاره، وأنّه متَى وجد بيّنة قام بها، فإنّ الصلح لا يلزمه إذا ثبت جحوده وثبت أصل الحقّ.
والظّالم أحق أن يحمل عليه.
فأشار إلى أنّه متى اشترط في السرّ قيامه ببيّنة يجدها، فإنّه يمكّن من ذلك.
وأمّا إن كان عالمًا بها وهي حاضرة يمكنه القيام بها فعدل عن ذلك إلى الصّلح، فإنّ الصّلح لازم ولا قيام له بهذه البيّنة إذا كان قد صرّح حين الصّلح بأنه قد ترك القيام بها.
وإن لم يصرّح بذلك، فقد علم أنّ المذهب على قولين فيمن استحلف خصمه وهو عالم بحضور بينة تحقّق دعواه، هل يكون مجرد علمه بها دلالة على تركها؟ أو لا يكون ذلك دلالة فيكون له القيام بها؟ وأشار بعض المتأخرين إلى كون هذا الخلاف ثابتًا في مسألة الصّلح، كما يثبت في مسألة الاستحلاف على ما تقدّمت إشارتنا إليه.
وأشرنا إلى كون الصّلح والمعاوضة أعلى درجة في هذا وأبعد في الفسخ من الاستحلاف خاصّة، لكون الاستحلاف ليس بمعاوضة فيه، ويقدَّر المستحلف بأنّه اعتقد أنّه لا يحلف ويغنيه عن البيّنة، أو أراد إشهاره باليمين الكاذبة.
ولا يتصوّر مثل هذا في الصّلح الّذي طريقه المعاوضة.
وأمّا إن كانت البيّنة الّتي علم بها بعيدة الغيبة فصالح، فإنّه إن اشترط في الصّلح أنّه متى قدمت قام بها وأعلن بذلك، فإن له القيام بها, ولم يختلف

المذهب فيه.
وأمّا إن أشهد في السرّ أنّه يقوم بها إذا قَدِمت، ففيه قولان: هل ينفعه هذا الإشهاد كما لو أعلن به واشترطه، فيكون له القيام بهذه البيّنة إذا قدمت؟ أو لا ينفعه هذا الإشهاد في السرّ لكون المدّعى عليه مكّنه من التّصرّف في ماله على جهة المعاوضة؟ ولو علم بماه أودع من بيّنة أو أسرّها, لم يسلم إليه ماله، فلا يكون له القيام بالبيّنة، لأنّ تمكينه من القيام بها يوجب حلّ هذه المعاوضة.
وقد قدّمنا أن الأصل في البياعات اللزوم والانعقاد.
وقد ذكر ابن القاسم فيمن أخّر من له عليه دين بشرط أنّه متى ادّعى القضاء، لم يستحلفه، واصطلحا على ذلك، أنّ هذا الاصطلاح لا يلزم.
ومتى ادّعى المديان القضاء، فإنّ له استحلاف الطالب له بالدّين.
وكأنّه قدّر أنّ هذا شرط خلاف ما يوجبه الشّرع، فلم يوفّ له بشرطه.
وروي عنه أيضًا في الخصمين إذا اصطلحا على إسقاط البيّنة، أو على أنّ المدّعى عليه إن نكل عن اليمين، غرم من غير أن تردّ اليمين على المدّعي، فإنّ ذلك ماض.
وهذا الشرط أيضًا من كون النّكول يوجب الغرامة من غير ردّ اليمين، خلاف مقتضى الشّرع في الدّعاوي المحقّقة لا في الدّعاوي المبنيّة على التّهم.
وهذا إنّما يحسن النظر فيه إذا وقع الصّلح في هذا على معاوضة .. وأما إن لم تكن معاوضة والتزم المدّعى عليه أنّه لا يردّ اليمين وأسقط حقه في ردّها، فإنّ هذا لا يختلف في جوازه، لأنه.
إسقاط حقّ له على غير عوض، وهو كالهبة.

والجواب عن السؤال التّاسع أن يقال: قد قرّرنا أنّ الصّلح على الإقرار بيع من البيوع، لا يختلف في ذلك.
وأنّ الصّلح على الإنكار عندنا فيه قولان، والمشهور من المذهب أنّه أيضًا بيع من البيوع، لكون المدعي تتضمّن دعواه أنّ الّذي صالح عليه إنما أخذه على جهة المعاوضة، وإن كان المدّعى عليه ينكر ذلك.
وقد تقدّم بيان هذا مبسوطًا.
فلو أنّ رجلًا استهلك لرجل سلعة، فإن الواجب عليه قيمتها، فإذا

صالحه عمّا وجب عليه من ذلك، ووجوب القيمة قد اتّفقا عليه، فإنّ ذلك يجري مجرى البيوع.
وقد تقدّم فيما سلف من كتاب البيوع بيان ما يحلّ ويحرم في البيوع والمعاوضات.
فإذا ثبت وجوب القيمة في هذه السلعة المستهلكة، فإنّه إن أخذ عنها عوضًا نقدًا، جاز ذلك.
ولكن بعد المعرفة بمقدار القيمة الواجبة لأنّها في المبيعة بما أخذه صاحب السلعة المستهلكة.
ولا يجوز لأحد أن يبيع شيئًا هو جاهل به.
هذا إذا وقع البيع بجنس من الأعواض غير الجنس الّذي تقوَّم به السلعة المستهلكة.
ويجب على من استهلكها أن يغرمه.
وأمّا إذا أخذ من جنس ما تقوّم به السلعة المستهلكة، فإنّه إذا وضح عندهما أنّ المأخوذ أكثر من القيمة بالأمر البيّن أو أقلّ منها، فإنّ ذلك لا يمنع من التّراضي به، ولا يفتقر فيه إلى الوقوف على حقيقة القيمة، لأنّه ليس ها هنا معاوضة عن شيء فيفتقر إلى العلم بما وقعت المعاوضة عنه، وإنّما حصل من هذا أنّه قد وهب صاحب السلعة بعض ما يستحقّ من القيمة، أو وهب دافع القيمة أكثر مِمّا يجب عليه والهبة تجوز وإن كانت مجهولة.
وهكذا لو استهلك جزافًا، فإنّ الواجب فيه القيمة.
ولا يجوز أخذ عوض عنه من غير جنسه إلاَّ بعد المعرفة بمقدار القيمة الواجبة فيه.
وأمّا إذا أخذ من جنسه مثل أن يستهلك صبرة قمح فيأخذ من مستهلكها قمحًا أو شعيرًا أو سلتامكيلا، فإن وضح أنّ الّذي أخذ من ذلك يربي على مقدار الصبرة المستهلكة لو كيلت أو ينقص عنها, لجاز ذلك، لأنّ الأمر ينتقل ها هنا إلى غرامة مكيل من جنس المكيل الّذي استهلك.
ويكون ما زاد على ذلك أو قصر عنه هبة، على حسب ما قلناه، وما تقدّمت الإشارة إليه في الصّبرة إذا علم كيلها وطلب ذلك صاحبها في أن يقدم له ما تحقّق أنّها لا تقصر عنه على حسب ما تقدّم بيانه في غير هذا الكتاب.
وأمّا لو تراضيا في هذه الصّبرة على غرامة قمح أو شعير أو سلت يتحرّيان كونه موافقًا لمكيلة الصبرة، لم يجز ذلك، لما فيه من المزابنة والتّجويز للوقوع في الرّبا.
هذا حكم ما يصطلحان فيه على النّقد.
وأمّا إن اصطلحا على التأجيل، فإنّ ذلك لا يجوز أيضًا إذا كان ما اتّفقا

على تأجيله من غير جنس القيمة الواجبة على المستهلك، لأنّ ذلك دين في دين.
وأمّا إن كان اتّفقا على ما هو من جنس القيمة الواجبة، فإنّه إن كان ذلك يعلم أنّه مثل القيمة الّتي يقضى بها نقدًا أو أقلّ من ذلك، فإنّ ذلك سائغ، لكون من وجبت له القيمة سمح بتأخير ما وجب له.
وهذا معروف، والمعروف لا يمنع منه.
فأمّا لو كان التأجيل يعلم أنّه في أكثر من مقدار ما يجب من القيمة، فإنّ ذلك لا يجوز لكونه سلفًا جرّ منفعة.
وذلك أنّ القيمة للسلعة المستهلكة إذا كانت عشرة دنانير مثلًا، فإنّ الواجب القضاء بها على المستهلك نقدًا.
فإذا رضي صاحب السلعة المستهلكة أن يأخذ عن ذلك خمسة عشر مؤجّلة، فإنّ الغارم لذلك إنّما زاد خمسة دنانير ليؤخَّر بعشرة وجبت عليه.
وهذا واضح تحريمه.
ويجب أن يلتفت إلى عادة أهل البلد الذي استهلكت فيه، فتكون القيمة بما يتبايعون به هذه السلعة إن كانوا يتبايعونها بالدّنانير، أغرم المستهلك دنانير.
وجرى تفصيل حكمها على ما قدّمناه في غرامة جنس القيمة.
وإن كانت العادة عندهم بيعها بالدّراهم، كان التقويم بالدّراهم، وجرى الأمر فيها على ما فصّلناه.
فإن كان التّقويم بالدّنانير والاصطلاح على دراهم أو التّقويم بالدّراهم والاصطلاح على دنانير جرى الأمر فيها أيضًا على ما فصّلناه في المصالحة على غير الجنس.
ولو غصب عبدًا فأبق، لكان لصاحبه أن يغرمه قيمته.
وله أن يعدل عن تغريمه القيمة، ويسقط حقّه فيها، ويطلب عبده الآبق.
وقد قيل في هذا: لا يجوز المعاوضة عن هذه القيمة بأن يطلب الآبق لأنّه كبيع آبق بقيمة مجهولة.
والمشهور جواز ذلك وكون صاحب العبد مخيّرًا بين طلب عبده أو طلب قيمته.
وقد انفصل عمّا أشار إليه أهل المذهب الشّاذ بأنّ الضّرورة تدعو ها هنا إلى المسامحة بغرر.
لأنّا إن منعناه من طلب عبده فكأنّا أبحْنَا له أو ألزمناه أن يبيعه بقيمة مجهولة.
وإن منعناه من أخذ القيمة، فإنه تركها لأمر مجهول أيضًا وهو الآبق، إذ لا يدري حاله حين هذه المصالحة مع أنّ غصبه وإباقه لا يسقط ملك سيّده عنه، والأصل بقاء ملكه عليه.
وإنما الشّرع أثبت له حقًّا على

الغاصب بأن يغرمه القيمة إذا شاء، فلا يُمنَع من إسقاط هذا الحقال في أباحت له الشّريعة طلبه ولم توجب ذلك عليه.
ولو وقع الصّلح في مثل هذه المسائل على الإنكار بأن يكون ادّعى رجل على رجل أنّه غصب له سلعة واستهلكها وأنكر المدّعى عليه أن يكون غصب له شيئًا، فإنّ جميع ما قدّمناه من التّفريع يعود ها هنا، لكوننا قدّمنا أن الصّلح على الإنكار، كالصّلح على الإقرار، فيما يحلّ ويحرم على المشهور من المذهب.
وقد أورد في كتاب الصّلح من المدوّنة فصلًا يتعلّق بشراء المراجع.
وقد تقدّم ما يتعلّق به من الكلام في هذا الفصل.
ويتأخّر أيضًا فيما يرد بعد هذا من الكتاب ما يتعلق الكلام به عليه.
وهناك نبسطه إن شاء الله تعالى.
لكنّا نذكر ما يتعلّق بما ذكره في هذا الكتاب.
وذلك أنّه ذكر في كتاب الصّلح من المدوّنة أنّ من وهب جنين أمة لرجل ثمّ مات، فإنه ليس للورثة أن يشتروا منه جنين هذه الأمة ليستعجلوا التّصرّف في رقبة الأمة.
بخلاف أن يسكن رجل رجلًا دارًا حياته، أو يهبه ثمر بستانه حياته، فإن للورثة ها هنا شراء ما وهب من سكنى أو ثمر، لأجل كونهم ممنوعين من التصرّف في الرّقاب لِمَا تعلّق بها من حقّ الموهوب له منافعها، فدعت هذه الضّرورة إلى أن يعفى لهم عن شراء هذه الهبة، وإن كانت جهولة لا يدري أمدها.
ولم يجز ذلك لأجنبيّ يحاول شراءها لكونه يشتري أمرًا مجهولًا لا يدري منتهاه ولا مبلغه، من غير ضرورة دعته إلى ذلك، ولادعت البائع منه.
والغرر قد يسامح به إذا دعت الضرورة إليه، ولحقت المشقّة في العدول عن ارتكابه.
وها هنا بالورثة أشدّ ضرورة إلى شراء هذه الهبة ليتمكّنوا من بيع الرّقاب الّتي ورثوها, لكونهم يمنعون من بيعها لما تعلّق بها من حق الموهوب.
وقد أشار في المدوّنة إلى فروق بين محاولتهم شراء الجنين، ومحاولتهم شراء السكنى أو الثّمرة.
فقال: إنّ الثمرة والسكنى ترجع إليهم، والجنين لا مرجع له إليهم.
وأشار أيضًا إلى أنّ من اشترى نخلًا أو دارأواغتلّها بوجه شبهة ثمّ استُحِقّها، فإنّه لا تردّ الغلّة.
ولو كان اشترى أمة فاستُحِقّت لردّ ولدها

المسترق معها، بخلاف الثّمرة.
وأيضًا فإنّ ارتهان الأجنّة لا يجوز، ويجوز ارتهان الثّمرة على ما قاله بعض أهل العلم.
وقد يستبعد ما أشار إليه من الفرق بالاستحقاق، يكون الولد في الاستحقاق يردّ ولا تردّ الثّمرة، ولكن إنّما أراد الإشارة إلى أنّ الولد كعضو من أعضائها، وكأن مشتريها بذل الثّمن على سائر أعضائها، والولد كأحد أعضائها، فصار شراء الجنين مقصودًا في نفسه يَمنَعُ الورثة من ذلك.
والغلاّت لا تردّ لكونها ليست بجزء مِمّا اشتراه واغتلّه ولم تقع المعاوضة عنها، فلهذا لم ترد.
فأشار بهذا إلى تصحيح قوله: إنّ الولد لا مرجع لهم فيه، وهو كأحد أجزاء ما يباع ويشترى بدليل ما قلنا في استحقاق أمّه, والثّمرة بخلاف ذلك.
وكذلك إشارته إلى جواز ارتهان الغلاّت ومنع ارتهان الأجنّة، على ما ذكره بعض أهل العلم.
فإنّما أراد أنّ الغرر يتأكّد في الجنين ويعظم، ولا يتيقّن حصوله وملكه، ولهذا لا يؤخذ رهنًا؛ لأنّ الرّهن إنّما يؤخذ ثقة بالحقّ، والجنين لا يكون ثقة.
بخلاف الغلات، الّتي هي كالحاصلة في الأغلب من العادة، والغرر إذا تأكّد لم يبح للضّرورة، وإذا خفّ أبيح للضّرورة.
على أنّ ابن ميسر أجاز ارتهان الأجنّة كما ترتهن الغلاّت، مع كون الغرر يدخلهما جميعًا.
وهذا الارتهان إن كان بعد العقد، فلا وجه لمنعه، وإن قارن عقد بيع، فيختلف فيه، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذكر القولين في ارتهان الغرر إذا قارن عقود البياعات، هل يفسدهما أو لا بناء على اعتباركونه له حصّة من الثّمن أم لا؟ وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن القياس جواز شراء الورثة للجنين الموهوب، لكونهم ممنوعين من التصرّف.
في أمه حتّى تضع، كما منعوا من التّصرّف في رقاب النّخل أو الدّيار الموهوب منافعها وغلاّتها.
لكنّه التفت إلى العذر عن التّفرقة بغير ما فرَّق به في المدوّنة، فقال: لعلّ أمد الوضع قريب، وانتظاره لا يلحق الورثة فيه ضرر كبير، بخلاف من أعمر داره أو بستانه.

لكن قد يقدح في هذا الاعتذار عنده إجازة شراء الورثة لثمر لم يؤبر لمّا كانوا ممنوعين من التّصرّف في رقاب النّخل، لكون الثّمرة التي لم تؤبّر لا يجوز استثناؤها مع كون انتظار جواز البيع قد لا.
يطول أيضًا.
وهذا يبسط فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإذا نجز القول في هذا، فقد ذكر في المدوّنة بعده فصلًا مقتضى التّرتيب أن نورده في صدر هذا الكتاب لما تكلّمنا على الصلح إذا وقع عن عيوب لم تثبت.
واتذي أوردناه هناك يعاد ها هنا معناه.
وتعرض ما ذكره ها هنا على الأصل الّذي قدّمناه من ذكر خلاف أو وفاق.
ولا فرق بين الفصل الأوّل وبين هذا سوى أنّه مثّل في الفصل الأوّل بعبد بيع فطعن المشتري فيه بعيب، لم يقرّ به البائع، فوقع الصّلح بينهما على شيء دفعه البائع، حتى لا يخاصَم في العيب ويردّ عليه به.
أو دفعه المشتري حتّى لا يمنع من الرّدّ ولا يخاصم فيه.
ومثل في هذا الفصل الآخر يكون الثّمن مؤجّلًا، فذكر فيمن باع سلعة بألف درهم مؤجّلة فطعن بعيب، ثمّ أراد أن يمكّن من الرّدّ به، على أن يدفع شيئًا يضيفه إلى المبيع إذا ردّه بالعيب.
فأجاز أن يدفع عرضًا مع هذا المبيع المردود إذا كان يدفع ذلك نقدًا.
لأنا قد بيّنّا أن ابن القاسم يقدّر ها هنا أنّ ما وقع الصّلح به كاستئناف مبايعة ثانية.
فيعتبر في ذلك ما يجوز في المبايعات وما لا يجوز.
فتصوّرَ ها هنا على مقتضى هذا الأصل أنّ المشتري باع العبد الّذي ردّ بالعيب وعرضًا أخر معه بالثّمن المؤجّل عليه، وذلك غير ممنوع.
ولو ردّ العبد ومعه دراهم أو رده ومعه دنانير، لمنع من ذلك لما يتصوّر فيه على هذا الأصل من التّحريم.
لأنّه إذا ردّ معه دراهم، صار قد باع العبد ببعض الدّراهم المؤجّلة عليه، وما أضاف إليه من الدّراهم، فهي سلف منه للبائع عجّلها له قبل أجلها، وهو لا يستحقّ ذلك عليه، فلمّا كان لا يستحقّ ذلك عليه، صارت الدّراهم المعجلة كسلف منه للبائع يقبضها من نفسه من الثّمن الّذي عليه للبائع إذا حل الأجل.
فالعبد إنما بيع بشرط هذا الشّرط، وذلك يفسد البيع.
وهذا تصوير صحيح على أصل ابن القاسم.
لكن إذا قلنا بأحد القولين: إن ما في الذمم من الدّيون المؤجلة، تُقدَّر

كالحال، ولا يقدر تعجيله قبل أجله سلفًا من معجله للبائع، على حسب ما حكيناه في كتاب بيوع الآجال في مسألة الفرس.
فإنّ هذا الّذي صوّرناه من التحريم لا يصح.
وكذلك إن ردّ العبد ومعه دنانير، فإن ذلك لا يجوز أيضًا بناء على هذه الطّريقة، لكون العبد كالمبيع ببعض الثّمن المؤجّل، وردَّه مشتريه إلى بائعه ببعض ما عليه من الثّمن المؤجل، ودفعْ إليه عمّا فضل عن ذلك من الثّمن المؤجّل دنانير.
وتعجيل ذهب عن دراهم مؤجّلة لا يجوز، لأنّه صرف مستأخر.
مع كون هذا يتصوّر فيه أيضًا البيع والصّرف، وهو ممنوع عند ابن القاسم.
وهذا أيضًا يقع فيه الخلاف مِمّا قدّمناه في كتاب الصرف من أنّه قد وقعت رواية شاذة بجواز أخذ دنانير عن دراهم مؤجّلة بناء أيضًا على أن ما في الذّمّة كالحال.
وأمّا تصوير الخلاف فيه من ناحية اجتماع البيع والصّرف، فذلك مِمّا قد تكرّر مرارًا ذكره.
ولو كانت هذه الزّيادة من البائع أيضًا، لجرت هذا المجرى.
فيجوز أن يدفع البائع للمشتري عرضًا نقدًا حتى لا يردّ عليه بالعيب.
ويقدّر أن البائع كمبتدي بيع هذا العبد وعوض آخر معه يدفعه نقدًا بالثمن المؤجل، لكون ابن القاسم يقدّر هذا الصّلح كاستئناف بيعة ثانية.
وأمّا إن دفع البائع دنانير أو دراهم حتّى لا يردّ عليه المشتري بالعيب، فإنّ ذلك ممنوع أيضًا لهذا التّصوير الّذي صورناه.
لأنّه يقدر أنّه باع عبدًا ودراهم، أو عبدًا وذهبًا بدراهم إلى أجل، وهذا يدخله الرّبا والصرف المستأخر على حسب ما قدّمناه.
ولو لم يطعن المشتري بعيب ولكن البائع سأله في الإقالة فلم يجبه إليها المشتري إلاّ أن يزيده دنانير أو دراهم، فإنّ ذلك يجوز على ما تقدّم بيانه وتأصيله في مسألة حمار ربيعة.
وإنما جاز ها هنا زيادة البائع ذهبًا أو دراهم إذا كان ذلك عن استقالة.
ومنع إذا كان ليمنع من ردّ بعيب طعن فيه المشتري، لأجل أنّ الثّمن، إذا لم يكن بالمبيع عيب، ثابت مستقرّ في الذّمّة.
فيحصل من

هذا أن البائع كمستأنف شراء عبد بدراهم له مؤجّلة وزاد مع ذلك دراهم أو ذهبًا.
وهذا لا مانع منه يمنع.
وأمّا في الرّد بالعيب فيقدّر أنّ الذي في الذّمّة لمّا لم يتفقا على استقراره، صارت هذه المصالحة كابتداء بيع.
وإنّما استقرّ في الذّمّة بهذه المبايعة الثّانية، وهي بيع عبد وذهب بدراهم مؤجّلة، وذلك ممنوع.
هذا إذا كانت الزّيادة من البائع أو المبتاع نقدًا والأجل لم يحلّ.
وأمّا إن كان الأجل قد يحل 1، فذكر في المدوّنة أنّه يجوز أن يزيد المشتري عرضًا أو دنانير أو دراهم حتّى يمكّنه البائع من الرّدّ بالعيب.
وهذا الجواب الذي وقع في المساواة بين الدّنانير والدّراهم يقتضي ظاهره استواء حكمهما، وهما لا يستويان على أصل ابن القاسم؛ لأنّه إذا رد العبد ومعه دراهم، فكأن البائع اشتراه منه ببعض الدّراهم المؤجّلة الّتي أضافها قضاء لما فيه، وذلك غير ممنوع.
فأمّا إذا زاد دنانير، فإنّه يتصوّر في ذلك اجتماع بيع وصرف، لكون العبد دفع عن بعض الدّراهم المؤجّلة، والدّنانير الّتي أضيفت إليه دفعت عن الدّراهم التي حلّ أجلها.
وهذا بيع وصرف.
إلاّ أن يكون ذلك يسيرًا مِمّا يجوز أن يجتمع مع البيع.
ولمّا كان مذهب ابن القاسم المنع من البيع والصّرف دعا ذلك الشّيخ أبا محمّد بن أبي زيد إلى أن أصلح هذا الإطلاق في اختصار المدوّنة، فقال: لا بأس أن يزيده عرضًا أو عينًا من جنس الثّمن الّذي عليه.
فغيّر نقل ما في الكتاب لما اقتضاه عنده أصلُ ابن القاسم.
على أنّه لو أبقي على ظاهره، لكان ذلك جاريًا على مذهب من أجاز البيع والصّرف.
وهذا واضح في الزّيادة إذا وقعت على النّقد من جانب البائع أو جانب المشتري.
وأمّا إذا وقعت مؤجّلة، مثل أن يزيد المشتري للبائع عرضًا مؤجّلًا، والأجل لم يحلّ، فإن ذلك ممنوع، لكونه بيع دين وهو بعض الثّمن المؤجّل بعرض مؤجّل.
وكذلك لو حلّ الأجل، لمنع من زيادة عرض مؤجّل، لكون العرض المؤجّل دفع عن بعض الثّمن الّذي حلّ، فيتصوّر فيه فسخ الذين في

الدين، وذلك ممنوع.
وهذا كلّه يعلم حكمه مِمّا قدّمناه في الفصل المذكور في أوّل الكتاب.
وكذلك يعلم أيضًا حكم الصّلح على هذا العيب بعد ذوات العبد مِمّا قدمناه.
وذكر غير ابن القاسم في المدوّنة في هذا الكتاب أنّ العبد إذا فات بعتق أو تدبير أو موت فدفع البائع للمبتاع دراهم، أن ذلك لا يجوز، لكونه سلفًا من البائع للمبتاع.
وأنكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد هذا الإطلاق، وأشار إلى أن الحكم أنّ يُحَطّ إلاَّ من الثّمن المؤجّل مقدار ما يقابل العيب من الثّمن، ويبقى ما سوى ذلك في ذمة المشتري إلى أجله، فإذا كان هذا العبد بِيع بألف درهم مَثَلًا، مؤجّلة.
وكان ما ينوب العيب عشر الثمن.، فإنّ مائة درهم تسقط عن المشتري ويبقى عليه تسع مائة.
فإذا كان البائع قد عجّل للمشتري هذه المائة، الّتي الحكم إسقاطها عنه، فإذا حلّ الأجل، دفع التّسع مائة وأخذ المائة الباقية عوضًا عن المائة التي أسلفها فإنّ هذا لا مانع يمنع منه.
وكذلك لو كان يأخذ أقلّ مِمّا أسلف.
لأنّ السلف بخسارة لا يمنع.
وإنّما يمنع السلف بزيادة.
فإذا تصوّر ها هنا أن يكون عجّل للبائع هذه الدّراهم لترجع إليه من مقدار العيب من الثّمن أكثر مِمّا أسلف وعجّل.
مثل أن يكون الواجب أن يسقط عن العيب مائة درهم من الألف، فعجّل البائع خمسين درهمًا ليأخذ الألف كلّها، فإن هذا الوجه ممنوع.
وأشار الشيخ أبو الحسن بن القابسي إلى أنّ المنفعة ليست من الزّيادة في السلف أو النّقص منه، فليعتبر ذلك.
ولكن من ناحية أن البائع بادر بذلك وقبله منه المشتري حتّى لا يكشفا عن هذا العيب، ويتخاصما فيه.
فربّما كان الخصام فيه يكشف أنّ الأمر بخلاف ما تراضيا عليه.
فصارت هذه منفعة حاصلة وهي رفع الخصام بينهما , ولأجلها وقع السلف.
والسلف إذا جرّ نفعًا منع، كان النّفع مالًا أو غير مال.
وتعليله هذا يقتضي المنع من هذا على كل حال.
وتعليل الشّيخ أبي محمّد

يقتضي كون المنع مقصورًا على وجه واحد، وهو كون هذا السلف يفيد مسلفه أكثر مِمّا أسلف.

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: سئل ابن القاسم في المدوّنة عن من دفع دراهم لمشتري عبد منه على أن يبرئه من عيوبه بعد إنعقاد البيع.
فقال: سئل مالك عن من تبرأ من عيب بدابة باعها أو مشش بيديها، في العقد، أن ذلك لا يبرئه حتّى يبين العيب.
ونقل من اختصر في المدوّنة هذا الجواب فأضاف إلى التّبري من مشَش بالدّابة العبدَ، فقال: لا يبرأ من تبرّأ في العقد من عيوب العبد أو مشش بالدّابة حتّى يبينه.
وهذا الّذي أضافه المختصرون إلى المدوّنة خلاف المشهور من مذهب مالك في المدوّنة.
لأنّه أجاز البراءة من عيوب الرّقيق خاصّة، ومنعها من الحيوان البهيميّ.
والّذي نقله المختصرون ها هنا من المساواة بين العبد والدابة خلاف المشهور عن مالك في المدوّنة.
وإنّما يصحّ هذا الجمع والمساواة بين العبد والدابة على القول: إنّ البراءة لا تنفع في رقيق ولا حيوان سواه 1. وهذه المسألة يلتفت إلى النظر في ما تجوز فيه البراءة من العيوب في أصل العقد.
ثم بعد ذلك يلتفت إلى أصل آخر وهو النّظر فيما عقد في المبيع بعد انبرام العقد فيه، هل يقدّرُ أن العقد وقع عليه، وإن تأخّر عنه، أوْ لا يضاف إلى العقد الأول ويكون له حكم نفسه؟ فإذا قلنا بالمساواة بين العبد والدّابة في جواز البراءة من العيوب في أصل العقد، وقلنا: إن ما بعد العقود يقدّر أنَّه قارن العقد، فإنّ المعاوضة على البراءة من العيوب تصحّ بعد العقد كما صحت في العقد، ويستوي في ذلك العبد والدابّة.
وإن قلنا: إنّ الذي يفعل بعد العقد لا يضاف إلى العقد وله حكم نفسه، فإن هذه المعاوضة تمنع في العبد والدابة جميعًا.
وإن خصّصنا جواز البراءة بالرّقيق خاصة، جرت المعاوضة بعد العقد على القولين المذكورين في إلحاق ما بعد العقد بالعقد على حسب ما اختلف فيه في

اشتراء ثمرة قبل الزّهو على التّبقية، وقد سبق العقد على النّخل مجردة.
وكذلك العقد على مال العبد، وقد سبق العقد على العبد مجرّدًا من ماله.
وفي الموّازيّة لأصبغ جواز المعاوضة على البراءة من عيوب العبد بعد العقد.
وهكذا ذكر ابن حبيب فيمن باع جارية أو عبدًا ثم دفع البائع دينارًا ليبرأ من عيوبها، أنّ ذلك يجوز في الجارية لجواز البراءة فيها في أصل العقد، ولا يجوز ذلك في الدّابّة لمنع البراءة فيها في أصل العقد.
ولعلّه إنّما ذكر في المدوّنه البراءة من عيب الدّابّة خاصّة ليشير إلى أنّ ما بعد العقد يمنع في العبد كما منعت البراءه في الدّابّة في أصل العقد.
فأشار إلى المساواة بينهما في البراءة بعد العقد لا إلى المساواة بينهما في البراءة في أصل العقد.

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: ذكر في المدوّنة في رجل له على رجل دراهم، نسيا جميعًا مبلغَها، أنّ الصّلح يجوز عنها بعرض أو دنانير أو دراهم ويتحالاّن، ومغمز التقيّة فيه واحد.
فأشار بهذا اللّفظ إلى أنّ الجهالة تمنع من صحة المعاوضة، لكون المجهول لا يصحّ بيعه ولا شراؤه.
ولكنّ هذا في مجهول يمكن رفع الجهالة فيه بِعُدُولِهِمَا، مع إمكان العلم به، إلى المعاوضة على جهل به خطر وغرر.
فصارت هذه ضرورة تلجىء إلى العفو عن هذا الغرر.
والغرر قد يعفى عنه لمشقّة التحرّز منه.
فما لا يمكن العدول عنه أحْرى أن يعفى عنه.
لكن وإن استوى حكم الجهل فيما ذكره من الأصناف المصالح بها من عرض ودنانير ودراهم، فإنّ العرض والدّنانير إذا صولح بها عن دراهم لا يتصوّر فيها الرِّبا، وإذا صولح عن دراهم مجهولة بدراهم أمكن في هذه المعاوضة أن يقعا في الرّبا، وهو بيع دراهم بأكثر منها.
ولهذا أشار أنّ هذه الدّراهم وإن زاد فيها معنى من التّحريم آخر، فإنّ ذلك لا يؤثّر ها هنا، لكونهما لم يقصدا إلى التفاضل والربا , ولا يقدران أبدًا على العلم بأنّهما سلما منه , فعفي عن هذا أيضًا كما عفي عن الجهالة بالمبيع ها هنا مع كون هذا قد لا يتصور فيه الرّبا.
لأنّ ما اصطلحا عليه من الدّراهم إن صادف ذلك كون المصالح به مثل المصالح عنه في المقدار سواء

بسواء، فلا ربا ها هنا.
وإن اتفق أن يكون إحداهما أكثر من الأخرى، فإنّ من عليه دراهم يجوز أن يقضي أقلّ منها 1 ويكون صاحب الحق واهبًا لبعض حقّه.
ويجوز أن يقضي أكثر منها على شروط تقدّم ذكرها في ما قبل هذا الكتاب.
واشترط في المدوّنة في جواز هذا الصّلح أن يكون ما يصالح به يؤخذ نقدًا، ولا يجوز المصالحة على تأخيره.
وهذا الّذي قاله واضح إذا وقع الصلح بجنس غير الدّراهم الّتي نسيا مبلغها، فإنّ ذلك فسخ دين في دين، ولم تدع الضّرورة إلى العفو عنه.
وأمّا إن وقع الصّلح بدراهم هي من سكّة الدّراهم المجهول مبلغها، وفي الجودة مثلها، فإنّ ذلك يجوز إذا تحقّق المصطلحان أنّ الدّراهم المنسيّة أكثر مِمّا اصطلحا عليه، لأنّ المصالح يحسن 2 النقص في المقدار والتأخير والإنظار.
وأمّا إذا كانت الدّراهم المصالح بها لا يتيقّنان أنّها أقلّ مِمّا نسياه أو يشكّان هل هي أكثر أو أقلّ، فإنّ الإنظار لا يجوز لكونهما يقعان (2). وقد يقعان في زيادة على الواجب بسبب التأخير والإنظار، فيكون ذلك سلفًا جز منفعة.
وقد قال أشهب: إنّ الدّرهم المستهلك يجوز الصّلح عنه بدرهم ما كان.
وهذا إن أراد به جواز ذلك على أيّ حال، كان الدّرهم المصالح به من زيادة؛ على المستهلك أو نقصان فإنّ ذلك سائغ كما قدّمناه وبيّنّا العذر عنه.
وإن أراد أنّ الصّلح عن ذلك يجوز بدرهم يعلم أنّه خلاف سكة الأوّل، فإنّ هذا يمكن أن يقعا فيه في الرِّبا بأن يكون المصالح عنه أدنى في الجودة وأكثر وزنًا، أو أعلى في الجودة وأقلّ وزنًا.
ومثل هذا يمنع لما فيه من الرّبا.
وتجويز الوقوع في الرّبا كالتّيقّن له في المنع من ذلك.
وقد أعتذر أشهب عمّا قاله من هذا الإطلاق بأنهما لم يقصدا المقامرة والخطار.
والمقصود تغيّر أحكام العقود على حسب ما ذكرناه في كتاب الصرف في بدل الدّرهم السَّتُوق 3 بالدّرهم الطيّب.
وأشرنا إلى التّعليل بأنّهما لم يقصدا إلى التّفاضل.
وقد قال ها هنا في كتاب

الصّلح ابن القاسم: إن مالكًا كره أن يصالح عن دراهم جياد بدراهم زيوف، وهي المحمول عليها النّحاس أو بدراهم مبهرجة.
قال: وكره البيع بها والشراء ورأى أنْ تُقطَع.
ثمّ ذكر أنه لم يتحقّق هل كره مالك هذا للصيارفة خاصّة لأنّ سؤاله عنهم وقع، أو كرهت لجميع النّاس.
قال ابن القاسم: وأرى جواز ذلك إذا لم يغرّبها أحدًا وقطعها.
فأشار أيضًا في هذا الكلام إلى المنع من جهة التّغرير والتدليس لا من جهة التّفاضل.

والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال: ذكر في المدوّنة، فيمن له على رجل قفيز قمح من قرض وعشرة دراهم، أنّ له أن يصالحه على أحد عشر درهمًا.
لكون العشرة دراهم قضاء عن العشرة الّتي في الذّمّة، والدّرهم الحادي عشر ثمنْ القفيز القرض.
وبيع طعام القرض قبل قبضه جائز.
وهذا الّذي قاله يشترط فيه كون الدّراهم التي في الذمة قد حلّت.
فيجوز حينئذٍ بيع القفيز القمح بالدرهم حل أجل القرض أو لم يحلّ.
ولو كانت الدّراهم لم يحلّ أجلها , لم يجز ذلك، لكون البيع للقفيز القرض بالدرهم إنما عقد على تعجيل دراهم قبل أجلها، وتعجيلها قبل أجلها سلف، والبيع والسلف لا يجوز.
وذكر أيضًا، فيمن له على رجل مائة دينار ومائة درهم، أنه يجوز لهما أن يصطلحا على مائة دينار ودرهم.
لأنّه يقدر أته قضاه المائة دينار، وأخذ درهمًا واحدًا من مائة درهم.
فهو واهب لحقه في الدّراهم.
ويجوز تأخير هذا الدّرهم أو تقْدمته.
قال: بخلاف التّعاوض بذهب وفضّة بمثلها مراطلة أو عددًا، لأن هذا تبايع، ولكل واحد من الجنسين حضة في الجنس المقابلة له ولصاحبه.
وقد تقدّم بيان هذا في كتاب الصّرف.
ولو كانت الصالحة على مائة دينار ودينار، فإن تأخير الدّينار الزّائد على المائة لا يجوز؛ لكونه صرفًا عن المائة الدّرهم التي أسقطها، والصرف لا يحلّ فيه التأخير.

ولو أنّ لرجل على رجل ألف درهم فقال: إن جئتني بها رأس الشّهر، هضمت عنك منها مائة، فإنّ ذلك جائز لازم لهما.
لكن إن تأخّر عن الشهر بالأمر البعيد، فإنّ الوضيعة لا تلزم، لأنّها معلّقة بشرط، والشّرط ها هنا قد فقد بالتآخير الكثير.
لكن لو أتى بها بعد الأجل بالقرب كاليوم، فإن مطرّفًا حكى عن مالك أنّ الوضيعة لازمة.
كمن أتى بأضحية أسلم إليه فيها بعد أيّام الإضحى بيوم، فإنّ من له السلم لا مقال له.
ولو أتى بها بعد أيّام الأضاحي بزمن بعيد، لم تلزم.
وذهب أصبغ وغيره إلى أنّ الوضيعة لا تلزم، وإن أتى بالدّين بقرب الأجل الذي أجل له في الهضيمة.
وكذلك على هذا الأسلوب جرى الخلاف بينه وبين مالك إذا أتى بالدّين ناقصًا منه مقدار مَا لا بال له، فإنّ مالكًا رضي الله عنه ألزم الوضيعة، وأصبغ لم يلزمها.
والّذي قاله أصبغ هو الأصل على مقتضى اللّفظ الّذي وقع بينهما.
والّذي قاله مالك جنح فيه إلى مراعاة القصود دون الألفاظ.
والقصد في مثل هذا أن لا يمطل بالحقّ عن الأجل الّذي أجل له مطلًا كثيرًا، ولا ينقص عن مقدار الدّين أيضًا نقصًا كبيرًا.
ولو صحّ أنّ هذا القصد عليه وقعت الهضيمة وهو مرادهما باللّفظ، لم يختلف في ذلك كما لو صرّحا به.
وقد أشار الشّيخ أبو إسحاق إلى تعقّب ما قال مطرت في الأضاحي.
وقال: فإنّ الإتيان بها بعد اليوم الواحد من أيّام الأضاحي هو أولى بأن لا يلزم من له السلم، لكون اللّحم حينئذٍ لا يراد ولا يرغب في شرائه.
وإذا بعد الزّمن، عادت الرّغبة فيه.
وأشار إلى أنّ القياس كون السلم المعلّق بالذمّة لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة حكمه؛ لأنه لو عقد على أنّه ينحلّ لطروّ تغيّر في الزّمن، لفسد العقد.
كما لو وقع السلم في الشدّة فأتى المسلم إليه بالطّعام في الرّخاء، (فإن تلوّن هذه الحالة وكون الطّعام في زمن الرّخاء لا تعظم الرّغبة فيه) 1.

وهذا الَّذي أشار إليه من الاستدلال بتلوّن الحال بالشّدّة والرّخاء كنّا قدّمنا في كتاب الصّرف ذكره لما تكلمنا على من باع بدراهم فقطعت، هل يلزم البائع قبولها وإن فسدت أو لا يلزمه ذلك؟ وذكرت مذهب شيخنا أبي محمّد عبد الحميد وأنّه كان يرى الرّجوع إلى القيمة أولى.
وكون شيخنا أبي الحسن المعروف باللّخمي أنكر هذا المذهب، واحتجّ بأنّه يلزمه عليه بطلان السلم إذا وقع في زمن الشّدّة ثم حلّ الأجل في زمن الرخاء، وأتى به المسلم إليه.
وأنّي خاطبته على ذلك، وأشرف إلى المنع من هذا الاستدلال لكون السلم إنّما يجوز بشرط أن يكون إلى أجل تختلف الأسواق فيه.
فمبنى جوازه على مراعاة اختلاف الأسواق.
فلو جعلنا اختلافها مفسدًا له لكنا تناقضنا.
وإذا اصطلح أحد الخصمين مع صاحبه على أنه إن لم يوافه يوم كذا إلى المحاكمة فكراء دابّته عليه فلم يوافه، فإنّ هذا الشّرط لازم.
وهذا الّذي قيل ها هنا بناء على أنّ من أدخل رجل أبو عده في خسارة، فإن ذلك يلزمه.
وقد تقدّم بيان هذا في غير هذا الموضع.

تم والحمد لله كثيرًا

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل