فاشتراطه البينة في المدونة لينتفي بإقامتها وشهادتها عن هذا المشتري الذي ردَّ بالعيب هذه اليمين التي يطلبها القضاة على جهة الإستظهار بحق الغائب.
وإنَّما يجب استظهارًا لأن الغائب لم يدع ذلك، فيجب كما تجب اليمين في الدعوى المحقَّقة.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنَّها لا يطلب فيها التحليف في المسجد.
بل يستحلف في مكانه لكون هذه اليمين لم تطلب، والذي طلبت من أجله لم يدعها.
وأراه يطرد هذا في دعوى القضاء، ولا يكتفي بإيقاعها في غير المسجد.
لكون القضاء للديون أمرًا يتكرَّر ويكثر، فالإستظهار عليه باليمين يتأكد.
بخلاف فساد العقد، فإن الغالب عقود الصحَّة بين المسلمين.
ولهذا كان القول قول مدَّعي الصحَّة.
وقد كنَّا قدَّمنا في كتاب السلم أنَّ الإختلاف في الصحَّة والفساد إذا أدَّى إلى الإختلاف في الثمن، فإنَّه لا يكون القول قول مدعي الصحَّة على الإطلاق.
وها هنا قد ذكر الأشياخ أنَّ اشتراطه في المدوَّنة إقامة البيَّنة، إنَّما اشترط ذلك لنفي اليمين لكون القول قول مدَّعي الصحة، مع جواز أن يأتي البائع فيدَّعي فسادًا في العقد يتضمَّن اختلافًا في الثمن، فلا يكون القول قول المشتري فيه.
لكن هذا أمر نادر لم يدعه البائع، فيتعلَّق به الحكم مع ندوره، وكون من له حق فيه لم يدعه ولا طلب به، هذا العذر عندي عن ما 1 يقدح به في التعليل الذي ذكره.
وأمَّا الإشتراط الثاني وهو أمره المشتري بإقامة البيَّنة على أن البيع لم يقع على البراءة من العيوب في هذا العبد الذي مثَّل به في السؤال.
وبيع البراءة يجوز في الرقيق أيضًا.
فإنَّه أيضًا إنَّما اشترط ذلك عند الأشياخ لينفي اليمين التي تجب على جهة الإستظهار لحق الغائب.
إذ لو كان البائع حاضرًا، وزعم المشتري أنَّه لم يبره من العيوب ولا عقد معه على ذلك، وقال البائع: بل عقدت معك على
ذلك، قالقول قول المشتري في تمكينه من القيام بالعيب إذا ظهر، لكن مع يمينه على بطلان دعوى البائع إبراءه من العيوب.
فاشتراطه أيضًا إقامة البينة ها هنا لنفي هذه اليمين التي تجب للإستظهار بها، كما قدَّمناه في الشرط.
لكن الفضل بن سلمة أكَّد وجوب اليمين في هذا الشرط الثاني، ورآه بخلاف الأوَّل لأجل أنَّ البينة التي حضرت العقد إذا شهدت بصحَّته، فلا يؤثر قول المشتري:
إنَّ الفساد كان بعد العقد، والبينة إذا حضرت العقد عاريًا من اشتراط البراءة من العيوب، فإنَّ دعوى المشتري أنَّه قد أبرأه من العيوب يؤثر في وجوب اليمين، فلهذا كان اشتراط طلب اليمين في هذا الوجه آكد منه عنده في الوجه الأوَّل.
وأمَّا اشتراط كون المشتري نقد الثمن، فإن هذا ليس لأجل الإستظهار باليمين على الإطلاق، بل يتفصَّل القول فيه، فتعتبر العادة في دفع الثمن، هل جرت بانتقاده حتَّى لو حضر البائع فادَّعى أنَّه لم ينقده، لم يصدق لكونه قد أطال المقام مع المشتري قبل أن يغيب.
فإنَّ اشتراط طلب اليمين ها هنا، مع كون المشتري مصدقًا في دفع الثمن إنَّما هو استظهار مخافة أن يحضر البائع فيدَّعي ذلك، على حسب ما قلَّمناه في الشرطين المتقدمين.
وأمَّا إن كانت العادة تأخير الثمن إلى حين قيام المشتري بالعيب، فإنَّه لا يصدق في أنه دفع الثمن.
ولو حضر البائع فأنكر القبض لصدق، إلاَّ أن يثبت المشتري البينة بأنَّه دفع، فاشتراطه البيَّنة في هذا الوجه الثالث تكون تارة لأجل نفي اليمين وتارة لتقبل دعواه.
وهذا خلاف ما يقضى به في مكتر اكترى جمال رجل ثم هرب فطلب
الجمَّال أن يكريها عليه، فتكون الزّيادة للهارب المكتري، ويكون النّقص عليه يتبع به، فإنّه ها هنا إن كانت العادة تأخير النّقد فإنّ الجمّال مصدّق أنّه لم يقبض الكراء، لكون المكتري الهارب لو حضر فادّعى دفع الكراء لم يصدّق، بل صدّق الجمال لكون العادة تؤكّد صحّة قوله.
[ولو كانت العادة ها هنا 1 النّقد، لم
يقف القضاء، لكون الجمال ادّعى لم يقبض، وذلك خلاف العادة، لكون المكتري الهارب لم يدّع ما اقتضته العادة من النّقد ويحلف مع العادة الّتي هي مقام شاهد، فتصحّ دعواه فلا يمنع كون العادة في الكراء النّقد القضاء للجمّال بمقتضى دعواه.
وإن خالف العادة لكون العادة لم تحضر أحد يحلف معها.] وفي مسألة العيب إِذا كانت العادة النّقد، فالمشتري الّذي يردّ بالعيب حاضر يحلف معها.
وأمّا المسألة الثّانية، فإنّه ذكر في المدوّنة أنّ المشتري إِذا أدعى أنّ هذا العبد الّذي اشتراه كان البيع فيه فاسدًا، وأثبت ذلك، والعبد لم يفت، فإنّ القاضي يفسخ البيع، ويبيع العبد في الثّمن، على حسب ما قدّمناه في بيع القاضي للغائب.
وإن نقص ذلك عمّا وجب للمشتري على البائع اتّبع المشتري البائعَ به.
والقاضي إنّما يبيع هذا العبد لكون البائع لا مال له يقضى منه سواه.
ولكونه أمثل ما يباع على الغائب، أو لخوف موت العبد أو إباقه، لكون هذا العبد الّذي اشتري شراء فاسدًا لو فات في يد المشتري لقضى القاضي بإيقافه في يد المشتري، وألزمه قيمته يوم قبضه، ويقاصّ عن البائع الغائب بهذه القيمة، ويحاسب المشتري بماله على الغائب وعليه، ويترادّان الفضل متى ما تلاقيا.
وقد عارض الأشياخ ما أشار ها هنا من إبقاء الفضلة في ذمّة المشتري شراء فاسدًا إِذا فات المبيع في يديه.
وإشارته في الرّدّ بالعيب إلى كون الفضلة توقف للغائب وأشار ابن أبي زمنين وغيره إلى أنّ البائع غاب وصارت القيمة له دينًا على المشتري لسبب فساد بيعه وما دخل فيه.
والسلطان لا يقتضي ديون الغائب إِذا لم يُفقَد لكونه غاب، وهو راضٍ بذمّة من هي في ذمّته، فلانظر للقاضي في ذلك.
بخلاف لو جنى رجلًا على مال غائب، فإن القاضي يطالب الجاني لكون صاحب المال لم يرضَ بما فعل الجاني ولا يبقى ما وجب عليه في ذمّته بلا نظر.
وطعن بعضهم في هذا الفرق بأن قال: البائع بيعا فاسدًا لم ينصرف عن
رضا يكون هذه القيمة في ذمّة المشتري، وإنّما انصرف على أن لا مطالبة بينهما.
فيكون للقاضي النّظر في هذا الفاضل للغائب، لكونه لم ينصرف عن رضا ببقائه في ذمّة المشتري.
وأشار إلى أنّ الفرق كون الرّدّ بالعيب ينقض البيع من أصله، فإِذا انتقض بردّ المشتري بالعَيب، صار المشتري والبائع كأنّهما لم يتعاملا قطّ، فينظر القاضي في مال الغائب.
وهاهنا في البيع الفاسد العبد المعيب الّذي تعاملا فيه لم يرجع إلى ملك البائع، وإنّما تغيّرت المعاملة في مقدار الثّمن، فيجب بقاء الفضلة في ذمّة المشتري.
والتّحقيق عندي في هذا أنّ المشتري لهذا الّذي باعه القاضي إن لم يكن هو المشتري الأوّل، أبقي فاضل الثّمن في ذمّته إن كانت مأمونة.
ولم ينبغ له أنْ يخرج ذلك إلى أمانة يكون معرّضًا للضيّاع.
وإن خاف على ما في الذّمّة وأمن على الثّمن إِذا أوقفه في أمانة، فإنّه يوقفه.
وكذلك لو باعه مِمّن اشتراه وقام فيه بفساد أو عيب، فإنّه يبقى الثّمن في ذمته إن كانت مأمونة.
وإن كان بقاؤه فيها غررًا يعلم أنّ الغائب لو حضر ما رضي به، فإنّه يخرجه من ذمّته.
وكذلك لو فات ولزمت المشتري القيمة، فإنّه يفعل في الفضلة ما هو الأصلح للغائب، إِذا علم أنّ الغائب لم يرض بخلافه.
وذكر في المدوّنة في مسألة أخرى وهي مكاتب باع عبدًا فردّ عليه بالعيب بعد أن عجز.
فذكر في المدوّنة أنّه يكون محجورًا عليه، فيكون النّظر في العبد المردود لسيّده.
وقا أبو سعيد بن أخي هشام: بل يعود العبد المكاتب إلى ما كان عليه قبلُ، فإن كان قبل الكتابة مأذونًا له في التّجارة، بقي بعد العجز على هذا الإذن.
وإن كان محجورًا عليه، بقي بعد العجز على ما كان عليه قبل الكتابة من الحجر.
فكأنّ من قدّر أنّ الكتابة كالمخرجة له من الملك في التّقدير، والعجزُ يصيّره كملك مبتدإ مستأنف، جعله بنفس العجز محجورًا عليه.
ومن رأى أنّ حكم الملك باق عليه، فإِذا عجز لم ينقله هذا الّذي أكّد حالته بعد الكتابة عمّا
كان عليه قبل الكتابة من إطلاق يده في التّجارة.
وقد وقع أيضًا اضطراب في كونه منتزعَ المال إِذا عجز.
فقال في المكاتب: إِذا باع عبدًا ثمّ عجز، وردّ العبد بعيب بعد عجزه، فبيع وفضلت منه فضلة، أنّها للمكاتب.
وهذا يشير إلى أنّه لا يكون منتزع المال بالعجز.
وقال أيضًا: إِذا عجز، فماله لسيّده.
وهذا يشير إلى أنّ العجز انتزل ماله وردّه إلى سيّده.
وقد تُؤؤَّل قوله: فهو له.
أنّ له إطلاق التصرّف فيه لعبده أو الحجر عليه.
وقال أيضًا في أمّ ولد مكاتب نصرانيّ أسلمت: إنّها توقف.
فإن عجز المكاتب، بيعت عليه، وإن كان العجز يصيّر ماله منتزعًا, لأنّها صارت للسيّد الأعلى وهو مسلم، ولا تباع عليه.
وقال أيضًا في مكاتب كاتب عبده فعجز المكاتب الأعلى، فإن المكاتب الأسفل يؤدي إلى السيّد الأعلى.
وهذا قد يفهم من ظاهره أنّه انتزاع أو حجر.
وهذا يبسط في موضعه إن شاء اللهُ تعالى.
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله: وإِذا نما المبيع عند المشتري ثمّ أراد ردّه بعيب، فلا يخلو النّماء أن يكون منفعة أو غلّة أو عينًا.
فإن كان منفعة أو غلّة، كان له 1. ولا يلزمه شيء لأجله؛ لأنّ لهُ الخراجَ بالضّمان.
وإن كان عينًا فلا يخلو أنّ يكون ولادة أو نتاجًا أو غيره.
ففي الولادة والنتاج يردّهما مع الأمّهات.
وأمّا غير ذلك، فيختلف:.
فأمّا ثمرة النّخل فلا يردّها مع الأصل إِذا حدثت عنده.
فإن كان ابتاع الأصل وفيه ثمر، فإن كانت لم توّبز، لم يردّها.
وإن كانت مأبورة، ففيه خلاف.
وكذلك في صوف الغنم.
فأمّا الألبان والأسمان 2 فلا يُرَدّ شيء منه.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل أربع مسائل: أحدها أن يقال: 1 - هل يردّ الغلّة مع المبيع؟ 2 - وهل لها قسط من الثّمن إن كانت موجودة حين البيع؟ 3 - ومتى تكون غلّة لا يردّها؟ 4 - وهل يضمن المشتري ما يجبُ ردّه منها.
فالجواب عن السؤال الأوّل أنّ يقال: قرّرنا أنّ المبيع المعيب، إِذا ردّ بالعيب، يتغيّر إلى زيادة أو إلى نقصان.
والزّيادة تكون غير متميّزة كالسمن، وما في معناه مِمّا ذكرناه.
وتكون متميّزة كاغتلال الحيوان، على اختلاف أنواعه من نتاج أو ثمار أو استخدام، أو غير ذلك من ضروب الإغتلال.
وأمّا إن كان الإغتلال ليس بعين قائمة متميّزة في الوجود، كاستخدام الدّيار والحيوان أو إجارة هذا الإستخدام، فإنّه غير واجب ردُّه مع المعيب عند سائر فقهاء الأمصار كأبي حنيفة ومالك والشّافعي وغيرهم.
حتّى أنّ كثيرًا من العلماء ينكر وجود خلاف.
فقال الشّيخ أبو بكر الأبهري: لا خلاف بين أهل العلم، أن هذا الإغتلال للمشتري ولا يردّه إِذا ردّه بالعب.
وقال ابن الجهم: إِذا أجّر العبد بإجارة كثيرة، أو أزوج الأمة بصداق قليل أو كثير، ثمّ ردّ بالعيب، فإنّه لا يردّ ما أخذ من إجارة أو صداق.
وقال: لا خلاف بين النّاس في هذا.
وهكذا ذكر ابن داوود أيضًا لا خلاف بين العلماء في هذا.
فأنت ترى تطابق هؤلاء على نقل الإجماع لاشتهار هذا المذهب بين العلماء.
لكن رأيتا الجوزيّ ذكر أنّ شريحا وعبد الله 1 ابن حسن العنبريّ ذهبا إلى أنّ الغلّة يردّها المشتري أيّ نوع كانت.
وأمّا إن كانت الغلّة مِمّا يتميّز، كالولد للأمّة والمواشي أو الثّمرة للأشجار، فإنّ الشّافعي ألحق هذا النّوع بحكم هذا النّوع الّذي قدمناه، وذكر اتّفاق العلماء عليه عند من نقلنا عنه ذلك، وقضى بالولد والثّمر للمشتري وإن
ردّ بالعيب، ورأى أن ذلك لا يمنعه من الرّدّ بالعيب.
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ ذلك كلّه للمشتري، كما قال الشّافعي، ولكنّه خالفه في ردّ المبيع بالعيب، ورأى أنّ المشتري لا يمكن من الرّدّ، وإنّما له قيمة العيب، وتبقى الغلّة له.
وذهب مالك إلى تفصيل القول في هذا، فرأى أنّ النّتاج ليس بغلّة، ولا يمنع الرَّدَّ، بل يجب ردّه مع ردّ الأمّ.
لكن يطالب بردّ نقص إن حدث بسبب النّتاج على ما تقدّم بيانه.
وأمّا الثّمرة فإنّها تكون للمشتري ولا يمنع من الرّدّ.
فحصل من هذا أنّ الثّمرة تكون للمشتري غلّة عند الثّلاث الأئمّة.
ولكن انفرد أبو حنيفة بكونها مانعة من الرّدّ للمبيع، وألحقها بما يفيت المبيع.
وأمّا الولد فإنّ مالكًا انفرد بردّه، على حسب ما قدّمناه.
واختلف الآخران في كونه مانعًا للمشتري من الرّدّ، على حسب ما قدّمناه.
هذا جملة المذاهب المذكورة في هذا جملة وتفصيلًا.
وسبب الإختلاف في هذا النّظر في حديث اشتهر وهو قوله عليه السلام: "الخرج بالضّمان" 1. وقد ذكر سبب الاختلاف هذا الحديث، وهو أنّ رجلًا حاكم آخر عند النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عبد اشتراه، فلمّا ردّة المشتري بالعيب، قال البائع:
يا رسول الله، يردّ الغلّة.
فقال عليه السلام: "الخراج بالضّمان".
وقد خرّج هذا الحديث أبو داوود.
وخرّجه التّرمذي.
وهو حسن السند.
وفي بعض الرّوايات "الغلّة بالضّمان".
وقد تخاصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى بردّ الغلّة على البائع.
فدخل عليه عروة فأخبره أنّ عائشة أخبرت عن النبيّ عليه الصلاة والسلام في مثل هذا أنّه قال: "الخراج بالضّمان".
فردّ عمر قضيّته وقضى للمشتري بالخراج.
فمن ذهب إلى أنّ الغلّة تردّ أيّ نوع كانت، رأى أنّ هذا الحدث كقضيّة في عين لا تتعدّى إلاّ بدليل.
ومن رأى أنّ الغلّة لا تردّ، وإن كان الّذي اغتلّ
غاصِبًا يضمن بالغصب، رأى أنّ قوله: "الخراج بالضّمان" عموم خرج على سبب، والألف والّام للجنس، فوجب التّعميم، لكون كلّ خراج يكون لمن عليه الضّمان.
وقد قال جماعة من أهل الأصول: إنّ العموم إِذا خرج على سبب، لم يقتصر على سببه بل تعدّى.
ومن رأى أنّ الغاصب يردّ الغلّة، خصّ هذا العموم بقوله: ليس لِعرْقٍ ظالم حقّ 1. والغاصب ظالم، فلا حقّ له.
ويحمل الحديث على ضمان ضمن بالملك كمشتر ردّ بالعيب بعد أن كان مالكًا، بخلاف الضّمان بالتّعدّي، أو يحمل الحديث على مثل السبب الّذي خرج عليه وهو ضمان ما ملك، كالمبيع المعيب الّذي لو شاء المشتري لم يردّ على بائعه.
وقد أشار ابن داوود إلى هذا بأنّ النّظر يقتضيه، وإنّ لم يردْ الخبر، لأجل أنّ المشتري إنّما اغتلّ ما ملك، ولو شاء لم ينقض البيع فيه، وهو لم يشترِ الغلّة ولا أخذها وهي في ملك البائع.
فيجب ردّها على البائع.
وهذه الإشارة الّتي أشرنا إليه لها تعلّق بأصل آخر قد ينشأ الخلاف منه أيضًا في هذه المسألة، وهو النّظر في كون الرّدّ بالعيب هل يقدّر أنّه فسخ للبيع من أصله ونقض للملك، حتّى كأنّه لم ينتقل عن البائع، فتكون الغلّة له أيّ نوع كانت.
ومذهب الشّافعيّة أنّه رفع له الآن.
وأشياخنا يقودون بأنّ المذهب عندنا عدى قولين، هل الرّدّ بالعيب نقض للبيع من أصله؟ أو كابتداء بيع الآن؟ ويخرّجون هذا من مسائل إحداها الاختلاف المشهور في مسألة من اشترى أمة على المواضعة، ثمّ ردّها.
بعيب بعد خروجها من المواضعة، هل يجب أيضًا على المشتري مواضعتها كما وجب له ذلك على البائع منه لكونه بائعًا؟ وإن قلنا: إنّ ذلك رفع للبيع من أصله، فإنه لم يبع فلا عليه المواضعة.
وإن جاء بها البائع عن قربها حتّى يستبريء.
وقد يقال في هذا: إنّما وجبت لأنّه أخذها من بائعها وهي فارغة من الولد، فعلبه أن
يردّها كما أخذها، سواء قيل: إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع أو رفع له من أصله.
فمن يذهب إلى أنّه ردّ له من أصله، يقول: لو كان كابتداء بيع لوجبت الشّفعة للشّريك إِذا ردّ المشتري بالعيب.
فلمّا لم تجب له، دلّ على أنّ ذلك نقض للبيع من أصله، ولا شفعة للشّريك إِذا لم يبع.
ومن يذهب إلى أنّه كابتداء بيع الآن يقول: لو اشترى أمة بعبد فأعتق الأمَة ثمّ استحقّ العبد، فإنّ الّذي استحقّ العبد منه ليس له نقض العتق، وإنّما له قيمة الأمة المعتقة.
وكذلك لو ردّها بعيب لم يكن له نقض العتق.
فهذا سبب الخلاف من جهة الخبر والنّظر.
وأمّا ما حكيناه من الإختلاف في الولد، هل هو غلّة فيمسَك، وإن ردّت الأمّ كما قاله الشّافعي؟ أو يُرَدّ معها؟ فإنّا كنّا قدّمنا في هذا الكتاب الكلام على هذه المسألة، وذكرنا استقراء الشيخ أبي القاسم السيوري، رحمه الله، كون الولد غلّة من قوله في المدوّنة في هذا الكتاب: إنّ المشتري يجبر به عيب النّكاح.
وبسطنا القول في ذلك بما يغني عن إعادته.
وبعض أصحابنا يشير إلى أنّ هذا الولد لا يطلق عليه في العرف اسم غلّة ولا يدخل في قوله: "الخراج بالضّمان" 1 أو قوله: "الغلّة بالضّمان" (1).
وأيضًا فإنّ حكم الولد كحكم أمه، ألا ترى أنّ ولد المكاتبة مكاتب، والمعتقة إلى أجل معتق إلى أجل، وكذلك ولد المدبّرة.
وهذا يقتضي كون الولد كعضو من أعضائها.
فإِذا وجب، ردّها، رُدّ الولد الّذي هو كعضو من أعضائها.
ولا ينقض هذا بولد المستأجرة، فإنّ من استأجر أمة لا يكون له حق في استخدام ولدها, لأنّه لم يملك الرّقبة، فيكون الولد تابعًا للرّقبة، وإنّما ملك المنافع، والولد ليس تبعًا للمنافع.
وأمّا سبب الإختلاف بين الشَافعي وأبي حنيفة في كون النّتاج أو الثّمر يكونان للمشتري، ولكنّهما يمنعان من الرّدّ عند أبي حنيفة، ولا يمنعان منه عند الشّافعي، فلأجل أنّ أبا حنيفة والشّافعي قد قدّمنا عنهما أنّ من اشترى سلعة
واطلّع على عيب، وقد حدث عنده عيب، فإنّهما يريان أنّه لا يمكن من الرّدّ، ولو ردّ ما نقص العيب الّذي حدث عنده، خلافًا لما ذهب إليه مالك، رضي الله عنه عنه، ويريان هذا فوتًا، كما يراه مالك في الموت والعتق، وتلف الأعضاء المقصودة من الأمة.
وقدّر أبو حنيفة أنّ الأصل وجوب ردّ الغلّة، لما قدّمناه عنه من أنّه يرى الرّدّ بالعيب نقضًا له من أصله.
وقد منع الخبر وهو قوله عليه السلام: الخراج بالضّمان 1 من ردّ الغلّة الّتي يجب ردّها على البائع.
فصار هذا المنع بالشّرع كعيب حدث عند المشتري إِذا.
ردّ المبيع لم يردّه على ما هو عليه، بل الاغتلال خسارة تلحق البائع.
ورأى الشّافعي أنّ هذا الإختلاف لا يقدّر أنّه كالنّقص الّذي وافق أبا حنيفة على أنّه يمنع من الرّدّ، فإِذا كان قد ردّ الأمة على ما هي عليه، لم تتغيّر بعد أخذ ولدها.
وكذلك الشّجرة لم تتغيّر بعد أن جنى المشتري ثمرتها، فإنّ ذلك لا مضرّة فيه على البائع، ولا نقص يلحقه في ردّ المبيع عليه، وقد ردّه على حسب ما أخذه، فلهذا لم يكن هذا كعيب حدث منع من الرّدّ.
والجواب عن السؤال الثّاني أنّ يقال:
قد علم أنّ هذه الغلّة تكون لها أصول حالة تكون معدومة عند العقد وعند الرّدّ.
وهذه الحالة الّتي تقدّم الكلام عليها، وذكرنا حكم الولد والثّمر وغير ذلك من الاستغلال.
فإِذا اشترى أمة لا حمل بها فحملت عنده ووضعت الولد، فحكمه في الرّدّ ما قدّمناه عن فقهاء الأمصار.
وكذلك لو اشترى غنمًا لا صوف عليها فنبت صوفها وكمل وجزّه، أو كانت لا لبن فيها فاحتلبه ثم ردّها، فإنّ ذلك كلّه غلّة فلا تردّ.
وأمّا إن اشتراها وفيها ثمر قد أبر، أو على الغنم صوف قد كمل وتمّ، فإنّ في هذا قولين: ذهب ابن القاسم إلى أنّ لها حصّة من الثّمن، وتقدّر مبيعة مع أصولها.
فإِذا ردّ النّخل ردّ معها الثّمرة.
ولو كان قد جرّها إِذا كانت عينها
قائمة، وإن فاتت ردّ مثلها.
ولم يوجب مع فوتها إمضاءها بحصّتها من الثّمن.
كما رأى فيمن اشترى ثوبين أحدهما تبع للآخر ففات الأدنى، فإنّه إِذا ردّ الأعلى بالغيب مضى الأدنى بحصّته من الثّمن ولم يلزم ردّ قيمته بدل عينه.
بخلاف ما ذكره في الموّازيّة من أنّه يردّ قيمته بدل عينه، على حسب ما قدّمناه عن ابن الموّاز فيمن ردّ شاة بعيب وقد جزّ صوفها وفات، فإنّه يردّ وزنه أو قيمته إن لم يعرف وزنه.
وإنّما خالف ابن القاسم أصله في هذا لما أشرنا إليه من كون الثّمرة إِذا بيعت قبل الزهو على التبقية حرم ذلك وفسد العقد، ولو أمضاها بحصّتها كما فعل في الثوب الأدنى إِذا فات، لأمكن أنّ يكونا متعاقدين تواطآ على بيع الثّمر خاصة قبل زهوه بشرط التبقية، وأظهرا إضافة بيع الشّجرة إليها ليردّ بالعيب إِذا حصلا غرضهما من بيع الثّمر قبل الزّهوّ بشرط التّبقيَة.
وأجرى ذلك مجرى بياعات الآجال الّتي ظاهرها حلال وباطنها ربّما تصوّر فيه معاقدة على الحرام.
واستبعد بعض أشياخنا التّهمة في مثل هذا لأجل كون الرّدّ بالعيب سببه من جهة أحد المتعاقدين.
وظاهر المذهب أنّهما لا يتّهمان إلاّ فيما دخلا فيه مدخلًا واحدًا.
وبياعات الآجال دخلا فيها مدخلًا واحدًا أوّلأ وآخرًا.
ألا ترى أنّه قال في التّفليس: إِذا اشترى نخلًا قد أبرت ثمرتها واشترطها المشتري وجدّها وفاتت، إنّما تمضي بحصّتها من الثّمن.
كما قال في الثّوب الأدنى إِذا فات لما بعدت التّهمة عنده، في أن يتواطآ على أنّ يبيع الثّمرة مفردة بشرط التبقية، لعلّ المشتري أن يفلس فيمضي البيع فيها بحصّتها من الثّمن إِذا شاء.
وذهب أشهب إلى أنّه لا حصّة لها من الثّمن، فإِذا فاتت وقد اشتراها وهي مؤبّرة، فإنّه إِذا ردّ النّخيل بالعيب، استرجع جميع الثّمن.
وكذلك إِذا اشترى الصوف وقد تمّ، فإنّه إِذا جزّه كان غلّة للمشتري فارتجع جميع الثّمن.
وكأن ابن القاسم قدّر أنّ الثّمرة إِذا كانت مؤبّرة يرغب فيها ويشحّ عليها.
فلهذا لم تكن مع إطلاق العقد للمشتري على ما ورد الحديث به.
وقدّر أشهب أنّها في حكم التبع، ولا حصة للأتباع من الثّمن، ولهذا منع بيعها بشرط التّبقية إِذا بيعت
مفردة، وإِذا بيعت مع شجرها جاز ذلك لكونها تبعًا، فلو كان لها حصّة من الثّمن، لم يجز ذلك.
ولو كانت بيعت تبعًا لأصولها كما يجوز بيعها مفرده.
والمعتبر في هذا الالتفات إلى العوائد، هل جرت بأنّها مقصودة لها حصّة من الثّمن أو في حكم المطروح الّذي لا حصّة له من الثّمن؟
ولو كان في الشّاة لبن حين العقد فاحتلبه ثمّ ردّها بالعيب، لم يردّه.
قال: لأنّ أمره خفيف.
فأشار إلى ما قلناه وأنّه هو المعتبر عنده.
ففرّق بين الصوف إِذا تمّ، واللّبن.
وسنتكلّم على هذا إِذا تكلّمنا على حكم المصرّاة، إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في الموّازيّة عن أشهب ما يقتضي كون الثّمرة وإن لم تؤبّر لها حصّة من الثّمن.
وهذا نقيض ما حكيناه عنه من كونها لا حصّة لها من الثّمن وإن كانت مأبورة والمعروف من مذهبه ومذهب أصحاب مالك كونها لا حصّة لها من الثّمن إِذا كانت لم تؤبّر حين العقد.
والجواب عن السؤال الثألث أن يقال: إِذا اشترى الشّجر ولا ثمر فيها فأثمرت عنده فردّ الشّجر بالعيب وقد جدّت الثّمرة، فإنها تكون غلّة في الرّدّ بالعيب، وفي أربع مسائل أخرى، منها ردّها في التّفليس، وفي الأخذ بالشّفعة، وفي الإستحقاق وفي البيع الفاسد.
فأمّا إن لم تفارق الثّمرة أصولها فإنّ الحكم في هذه الخمس مسائل مختلف.
فالمشهور في المذهب أنّها لا تردّ أصولها إِذا أزهت، وإن لم تجد ولم
تيبس، في الرّدّ بالعيب وفي البيع الفاسد.
وأمّا الشّفعة والإستحقاق فيردّ، وإن أزهت ما لم تيبس.
فإِذا يبست، لم يجب ردّها وإن كان لم يجدّها.
وفي التّفليس تردّ ولو يبست ما لم يجدها.
وقد اختلف في هذه المسائل، وقيل: إنّ الإبار فوت فيها, ولا تردّ إِذا أبرت، كما لا تردّ إِذا جدّت.
وكان أشياخي، رحمهم الله، يرون أنّه لا يتحقّق فرق يقتضي اختلاف هذه الأجوبة في الخمس مسائل.
وأنّه يضاف إلى المذهب أنّ الفوت في جميعها الزّهو كما قيل في الرّدّ بالعيب والبيع الفاسد.
ويقال في جميعها: إنّما الفوت اليبس كما قيل في الشّفعة والإستحقاق.
ويقال في جميعها إنّما لفوت جدّها، كما قيل في التّفليس.
وأمّا الإبار فمذهب انفرد وقع في المذهب من غير تخريج.
ومدار هذا الإختلاف اعتبار انطلاق هذه التّسمية عليها، وهي كونها غلّة، هل بالإبار، لكون الخبر الوارد اقتضى الإشارة إلى أنّ الثّمرة تكون مقصودة، ولهذا لم تخرج عن ملك البائع إلاّ باشتراط.
وكذلك يجب أن تكون للمشتري إِذا ردّ بالعيب.
أو يقال إنّما المقصود طيبها وزهوّها، فحينئذٍ تباع تبعًا عامًّا وتؤْكل تفكهًا.
فإِذا صارت إلى هذه الحالة تحقّق كونها غلّة.
أو يقال: إنّها لا تدّخر إلاّ إِذا يبست، ولا تتّخذ قوتًا إلاّ حينئذٍ، فلا تكون غلّة إلاّ باليبس.
أو يقال: ما دامت لم تفارق الشّجر، فكأنّها جزء منها يجب ردّها معها، كسائر أجزاء الشّجر.
وإِذا قلت إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع اقتضى أنّها لا تردّ إِذا أبرت لكون الّذي يردّها كبائع لها.
وكذلك إِذا سلكنا هذه الطّريقة في الشّفعة والإستحقاق، لا يتصوّر فيه هذا.
وكذلك البيع الفاسد فهذه النّكتة المعتبرة في هذا الفصل وهو الوقت الّذي تكون فيه غلّة.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا ضمان المشتري لهذه الغلّة إِذا وجب عليه ردّها، فإنّه ساقط إِذا لم يجدها وكان هلاكها في شجرها بأمر من الله سبحانه، فإنّه إِذا اشتراها، وهي مأبورة، فاشترط الثّمرة أنّه يجب ردّها عند ابن القاسم، وإن جدها لكونها عنده لها حصّة من الثّمن، على حسب ما قدّمناه.
ومقتضى هذا أنّ يكون المشتري ضامنًا لها ,لكونها مبيعة فاتت في يد مشتريها بأمر من الله تعالى، وهو لم يجدّها يقتضي ألا حصّة لها من الثّمن.
خلاف ما
حيكناه عنه من قوله: إنّه يجب عليه ردّها إِذا فاتت لكونها لها حصّة من الثّمن، خلافًا لما ذهب إليه أشهب.
واعتذر بعضهم عن هذا بأنّه إنّما لم يضمنها لكونها غير مقبوضة للمشتري.
ولهذا منع أن يشتري النّخل المؤبّرة بطعام تكون الثّمرة يتأخّر قبضها, ولا يجوز التّأخير في بيع الطّعام بالطّعام.
وعورض هذا الاعتذار بأنّ هذا يقتضي أنّ يرجع المشتري على البائع بثمنها لكونه ضامنًا لها, ولو هلكت هذه الثّمرة بأمر من الله سبحانه بعد أن جدها البائع لضمنها لكونه قد حصل فيها القبض عن البائع.
وعورض هذا أيضًا بأئها إِذا كان لا حصّة لها من الثّمن، لم يعد ضمان المشتري لها، بل يقضَى له بارتجاع جميع الثّمن إِذا ردّ الشّجر.
وقد قال بعض المتأخّرين: لو اشتراها بعد أنّ أزهت لضمنها، وإنّ لم تفارق الشّجر إِذا هلكت بأمر من الله تعالى.
يتبيّن وجهه إِذا تكلّمنا على أحكام الجوائح في الثّمار.
وكذلك مال العبد إِذا اشترطه المشتري، فإنّه إِذا ردّه بالعيب، ردّ معه ماله ولو اكتسبه العبد من غير خراجه.
ولو هلك وهو بيد العبد لم يضمنه المشتري بل يقضي له بارتجاع جميع الثّمن.
ولو هلك هذا المال بعد انتزاعه لضمنه المشتري لأجل انتزاعه له واستبداده بملكه.
وقد كان حصوله على جهة المعاوضة.
وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى ما قلناه من كون مال العبد، وإنّ اشترط، لا حصّة له من الثّمن.
ولهذا جاز اشتراطه.
وإن كان المال مجهولًا وإن كان فيه عبد أبق لمّا لم يقدّر أنّ في الثّمن الّذي بذله المشتري معاوضة على هذا العبد الاَبق الّذي في جملة مال العبد.
وإن كان قد وقع في الموّازيّة لمالك: إِذا كان في مال العبد جارية حامل، فإنّ البيع جائز.
وإن كان ولدها إِذا وضع يبقى للبائع، ولا يدخل في الاشتراط.
لأنّ المشتري إنّما اشترط ما يملك العبد وولده ليس بملك له.
ووقف ابن الموّاز في هذا السؤال.
ولعلّه يفرّق بينه وبين جواز اشتراط ماله وإن كان فيه آبق.
لأنّ الآبق الظّاهر عدمه، فلا يقصد إلى بذل ثمنٍ
منه.
وهذه الجارية الحامل معينة ولها حصّة من الثّمن، ولا يجوز بيع أمة استثثى البائع جنينها.
مع كون هذا العقد انعقد على تفرقة أم وولدها في الملك.
وهكذا ذكر ابن الموّاز أنّه لو كان في مال العبد جارية رهنها سيّده، فإنّه يجوز هذا البيع.
وإن كانت هذه الجارية لا تقبض إلاّ إلى أجل، وهو حين افتكاك السيّد الّذي رهنها لها.
فإِذا افتكّها عادت لعبده.
ولا يجوز بيع جارية معيّنة تقبض إلى أجل.
ولعلّنا أن نبسط هذا في كلامنا على حكم مال العبد، وكونه مالكًا له أو غير مالك.
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله: والعيوب الموجبة للرّدّ هي ما أثّرت نقصًا في المبيع أو في الثّمن أو في التّصرّف أو خوفًا في العاقبة.
ومن ذلك نقصان الأعضاء، كالعمى والعَوَر والقطع والضَّلَع والزّمانة والخصى والإفضاء، ونقصان الأحكام كالجنون والجذام والبرص والعسر والزّعر وبياض الشّعر والإباق والزّنى والسرق والبخر، والزّوج والولد في العبد والأمة 1 والحمل والدّين.
ومن هذه العيوب ما يعمّ، ومنها ما يخصّ الرّائعة المرتفعة 2 المتّخذة للوطء، وذلك بحسب ما يعلم في العادة.
وزواله بعد الرّدّ مسقط للرّدّ، إلاّ أن يكون مِمّا تبقى علاقته كالزّوجة والزّوج والإستدانة في سفه، وما أشبه ذلك أو 3 مِمّا لا يؤمن عوده.
قال الإِمام رحمه الله يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - بِمَ يستدلّ على كون النّقص عيبًا على الجملة؟
2 - وما تفصيل القول فيه في الحيوان من جهة نقص من ناحية الجبلّة ومن ناحية الأحوال؟
3 - وما تفصيل العيوب في غير الحيوان؟ 4 - وما حكم ما لا يعلم عيبه إلاّ بعد نقض هيئته؟ 5 - وما حكم عيب لا يثبت إلاّ بالشرط.
فالجواب عن السؤال أنّ يقال: أشار القاضي أبو محمّد في هذا الكتاب إلى طرق الإستدلال على حقائق العيب وذكر ما حكيناه.
ولكن قد يتداخل ما نوّعه لأنّه ذكر نقص المبيع، وهو إِذا انتقصَ في نفسه انتقصَ ثمنه.
وكذلك نقصه التّصرّف أو من تخوّف العاقبة.
كلّ ذلك يرجع إلى نقص في الثّمن.
وهذه الحقيقة الّتي يعوّل عليها المحقّقون من أهل المذهب.
فكلّ ما نقّص من ثمن المبيع إِذا اطّلع عليه حين العقد، فإنّه إِذا خفي من المشتري، حين العقد، كان له القيام به.
لأنّا لو فرضنا أنّه يشتري عبدًا فوجده قد قطعت أنملته، ولم يعلم بذلك، فمانّ الأنملة جزء من أجزائه يقابل مقدارها من أجزاء الثّمن.
وهو لم يأخذ عوض هذا الجزء من الثّمن، فكان له في هذا المقدار ألّذي دفعه ولم يأخذ عوضه مقال.
وهذا واضح ولا يلتفت فيه إلى تنويع النّقص وتعداده من أيّ جهة كان.
لكن إنّما يشكل ها هنا لو اطلع في المبيع على وصف يكرهه النّاس، ولكن لا يحطّون من الثّمن لأجله شيئًا لو علموه، حين العقد، فإنّ هذا قد قال في المدوّنة في كتاب كراء الدّور والأرضين، في ثوب وجد فيه عيب خفيف لا يُنقص من الثّمن، فإنّه لا يردّ به، د ان اعتقد كونه عيبًا، كعبد يباع وبه عيب خفيف، كالكيّ اليسير الّذي لا يحطّ من الثّمن، فإنّه لا يردّ به العيب، وإن كان عند النّخاسين عيبًا.
وقال ابن الموّاز: كلّ ما يكرهه النّاس فهو عيب، إِذا اطّلع عليه، يوجب الرّدّ.
فأطلق هذا من غير اعتبار يكون هذا الّذي ذكره ينقص من الثّمن.
فظاهر هذا أنّ المسألة على قولين إن لم يحمل قول ابن الموّاز على ما يكرهه النّاس، فإنّه ينقص من الثّمن، ويكون ذكره كراهيّة النّاس له تغنيه عن ذكر كونه ناقصًا للثّمن, لأنّ الغالب فيما يكرهه النّاس أنّه ينقص من الثّمن، لا سيما
إِذا علم أنّه يثني عزيمة المشتري عن الشّراء أنْ لو اطّلع عليه عند العقد.
ويكاد ألاّ يتصوّر هذا 1 في صور نادرة.
فلو قلنا: إنّ من اشترى مقطعًا قد تهتّكت حواشيه، وهو يعلم أنّه لا ينتفع به إلاَّ إِذا فصل، وحواشيه تخرج في التفّصيل وتطرح.
فإذا قد يستثقل وتضعف العزيمة، ولكنّه قد لا يحطّ من الثّمن شيئًا.
أو ما اشتراه من المسائل الّتي يحكي فيها خلافًا.
ويشير إلى تعلّقه بهذا الأصل.
لكن لو كان هذا الّذي ذكره من حال المبيع لا يعلم بل يكرهه قوم دون قوم.
فإنّ من يعلم أنّه من الصنف الّذي يكرهونه ولهم غرض في ترك شرائه، ويقفون عنه، وينقصون من ثمنه لو اطّلعوا على حالته الآن حين العقد، يكون لهم الرّدّ.
وأمّا من يعلم أنّه لا يكره هذه الحالة من المبيع، بل له غرض فيها، فإنّه لا مقال له.
وهكذا كان بعض أشياخي يرى فيمن اشترى عبدًا فاطّلع على أنّه صقلبيّ أو اشترى جارية فاطّلع على أنّها مغنيّة، وهو مِمّن لا يرغب في صقلبيّ ولا مغنية، فإن له الرّدّ بذلك، لكون الصقلبيّ يضعف عن العمل، والمغنيّة لا تستخدم.
فإن كان ممن يرغب في ذلك، فلا يكون في حقّه عيبًا يوجب الرّدّ.
وإنّما يبقى النّظر عندي في هذه أنّ من اشتراها وهو من قوم يرغبون في ذلك، قد يقول: قد احتاج إلى بيعها فلا يشتريها منّي القوم الّذي لا يرغبون فيها، ويشتريها من يرغب فيها فيقف عنها أيضًا من لا يرغب فيها.
وقد ذكر أبو حامد الاسفراييني إختلافًا عندهم فيمن اشترى جارية ثيّبًا فإِذا هي بكرٌ، أو اشترى جارية جَعْدة الشّعر فإِذا هي سَبْطة الشّعر.
فذكر عن بعض أصحاب الشّافعي أنّه يذهب إلى أنّ له الرّدّ إن اطّلع على أنّ الحال أفضل من الحال الّتي دخل عليها.
قال أبو حامد: وهذا غلط لأنّه يقدر على أنّ يبيعها بأكثر من الثّمن الّذي اشتراها به، فأنت تراه كيف أشار إلى تمكّن المشتري من البيع بغير خسارة.
وهذا هو المعتبر في حقائق العيوب.
والجواب عن السؤال الثّانى أنّ يقال: أمّا النّقص في الرّقيق من ناحية الخلق، فإنّ العمى والعور والصُّفرة في العين والبياض عيوب توجب الرّدّ.
وكذلك الصمم والبكم ما لم يكن صغيرًا لا يتبيّن بكمه.
وأمّا سقوط الأسنان فإنّ المذهب اتّفق على سقوط ضرسين عيب يوجب الرّدّ، سواء كان ذلك في عليّ الرّقيق أو وخشه, لأنّ ذلك يمنع من مضغ الغليظ، وتكسير الصّلب، وسرعة الأكل.
وأمّا ضرس واحد فعيب في العلِيّة، وليس بعيب في الوخش، إلاّ أن يكون في مقدم الفم، فإنّه يقبّح منظرته.
وهذا الّذي حكيناه، من اتّفاق أو اختلاف، المعتمد فيه على ما قدّمناه من اعتبار كون ذلك ينقص من الثّمن أو لا ينقص منه، ولكنّه يكره.
وأمّا العمل فعيب في العليات.
وأمّا الوخش من الخدم فاختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن القاسم أنّ ذلك عيب، وروى عنه أشهب أنّه ليس بعيب.
وقال الشّيخ أبو بكر ابن عبد الرّحمان: محمل هذا عندي على أنّ هذه الحامل من العجم اللّائي جلبن، وأمّا لو كانت من الخدم المقيمات بالبلد لكان عيباَّ, لأنّ هذا العمل لا يخلو أنْ يكون عن زنى أو عن تزويج، وزنى الأمة عيب يوجب ردّها، وكذلك كونها ذات زوج.
وهذا الّذي قاله صحيح.
وإنّما يبقى النّظر فيه إِذا كان من زوج ولكنّ الزّوج طلّق أو مات، فإنّ طلاقه لا يرفع العيب.
وأمّا موت الزّوج ففي كونه رافعًا للعيب اختلاف سنذكره.
وأمّا كون الأمة زلاّء صغيرة الكفل والرّدف، فإنّه ذكر في المدوّنة أنّه ليس بعيب.
واختلف في تعليل ذلك.
فأشار ابن حبيب إلى أنّ العلّة في ذلك كونه لا يخفى.
وطعن في هذا بعض المتأخّرين بأنّ هذا التّأويل لا يليق بما قاله في المدوّنة, لأنه قال: ليس هذا بعيب.
ولو كان إنّما عوّل على أنّه لا يخفى، لكان الجواب أنّ يقول: لا قيام له به، ولم يُجب بأن يقول هذا ليس بعيب.
وتأوّله كثير من المتأخّرين على أنّ المراد به أنّ هذا النّقص ليس بفاحش ولا خارج عن
العادة.
ولو كان نقصًا خارجًا عن العادة لوجب الرّدّ.
وفي كتاب ابن الموّاز إشارة إلى هذا التّعليل.
وذكر أيضاَّ أَنّ المشتري إِذا اطّلع على أنّها صغيرة الصّدر، فإنّه لا ردّ له إلاّ أنّ يكون فاحشًا.
وهذا الّذي أشار إليه يعضد تأويل هؤلاء الّذين تأوّلوا مثل هذا في أرداف الأمة وصغرها.
وأمّا وجود الشّيب في شعر الرّائعة وهو كثير، فإنّه عيب بغير خلاف.
وأمّا القليل من الشّيب فظاهر الأمرانّ المذهب على قولين، أحدهما: وجوب الرّدّ بالشّيب في الجارية العلية قولًا مطلقًا من غير تقييد.
والقول الثّاني: اشتراط كون الشّيب كثيرًا.
وهذا أيضًا إنّما يعتبر فيه ما قدّمناه من كون هذا ينقص من الثّمن.
والوخش ليس الشّيب بعيب فيهنّ، إذ لم ينقص من الثّمن.
وأمّا كون الجارية مستحاضة، فإنّه عيب في العلي والوَخْش لكونه يضعف البدن ويسقم، وربّما أدّى لاجتناب الأمة إِذا كانت للوطء.
وأمّا ارتفاع الدّم، والجارية في سنّ من تحيض، فإنّ ابن حبيب ذكر أنّ الإستحاضة إِذا كانت تعرض للأمة بعد مدّة، فإنّ على البائع أنّ يبيّن ذلك.
فإن لم يبيّنه، كان للمشتري أن يردّ.
وأمّا ارتفاع الدّم مرة بعد مرّة فلا على البائع بيانه.
واعتذر بعض المتأخّرين عقا ذكره، في المدوّنة مِمّا ظاهره اختلاف الجواب في تأخيره شهرين بأنّ قال في أحد اللّفظين: تأخير الحيض في استبرائها، والمراد به تأخّره بعد انقضاء مدّة الإستبراء.
وقال في اللّفظ الآخر: تأخّر شهرين من يوم الشّراء، فشهر من تاريخ مدّة الشّراء هو أمر الإستبراء المنتظر، والشّهر الثّاني هو الزائد على المعتاد.
وقد ذكر في كتاب ابن الموّاز ما ظاهره الاضطراب في التّحديد في الشّهر وفي أكثر منه وذكر أنّ الطّول أربعة أشهر.
وذكر أيضًا أنه إِذا مضى ثلاثة أشهر نظر إليها القوابل، فإنّ قلن لا حمل بها ساغ للمشتري وطؤها، وإن شاء استمك بها.
وإن تمادى تأخر الدم، كان له الرّدّ لما يلحقه من الضّرر إِذا أراد البيع.
وذكر ابن شعبان عن مالك والمغيرة
وابن دينار أنّه إِذا مضى خمسة وأربعون يومًا مكّن البائع من الفسخ، إن أراده، لما يلحقه من الضّرر في الانتظار.
ومدار هذا كلّه على ما أشار إليه في المدوّنة من اعتبار حصول الضّرر.
فإنّه إِذا حصل، كان للمشتري مقال في فسخ البيع لأنه لم يشتر إلاّ ما ينفعه لا ما يضرّه.
وممّا يعدّ عيبًا أيضًا من ناحية الفرج هو أنّ يكون العبد والأمة يبولان في الفراش.
فإنّه إِذا كان ذلك، وهما من الصّغر بحيث لا يستنكر ذلك فيهما، فلا مقال للمشتري.
وإن بلغا السنّ الّذي يستنكر ذلك فيه، ويثبت أنّ ذلك كان عند البائع قبل عقد البيع، فللمشتري الرّدّ.
وإن لم يثبت ذلك، فإنّ محمَّد بن عبد الحكم لم يرَ له تأثيرًا لجواز أن يكون العبد أو الأمة كرها من اشتراهما فتعمدا البول في الفراش ليردّهما.
والظاهر من المذهب أنّ هذا من التّجويز البعيد الّذي لا يسقط الحقوق.
فذكر ابن حبيب أنّه ينبغي إن توقف على يد امرأة أو رجل له امرأة، فإن نظرت إلى الفراش لمّا أصبح وهو مبلول وأخبرت بذلك، فإنّه يوجب على البائع اليمين لثبوت هذا اللّطخ، وإن لم يثبت هذا اللّطخ، فلا يمين عليه.
وإن كان المشتري هو المحاول إثبات هذا عند القاضي، فإنّه لا يقبل فيه إلاّ شهادة عدلين أبصرا ذلك.
وأمّا الخَنَث في الذّكرَان والفحولة في النّسوان، فإنّ في المدوّنة أنّ ذلك عيب يردّ به العبد والأمة.
وشرط في الأمة أن تشتهر بذلك.
لكن ابن حبيب فسّر هذا العيب المجمل في كتابه، فذكر أنّ مالكًا إنّما يجعله عيبًا إِذا كان الذّكر يؤتى، والأنثى فحْلَة لشرار النّساء.
وأمّا التأنيث من جهة التكسر في المعاطف والنّظر والنّطق، فإنّ هذا ليس بعيب يردّ به.
وقد حمل الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد قول ابن حبيب هذا على أنّه مخالف لمذهب المدوّنة، وأشار إلى أنّه لا يشترط في المدوّنة كون المخنّث يؤتى، والجارية تراضع 1 النّساء.
وخالفه بعض المتأخّرين في هذا التّأويل.
وأشار إلى كون ابن حبيب مفسرًا لما أجمله في المدوّنة لا مخالفًا فيها.
ورد الشّيخ أبو عمران قول ابن حبيب بأنّه قد اشترط في المدوّنة كون الأمة اشتهرت بذلك، ولو كان المراد بذلك حصول الجماع بين الذّكرين أو الأنثيين، لكان وقوع ذلك مرة واحدة عيبًا لا يحتاج فيه إلى التّكرار.
وإنّما قيّد في الأمة بالاشتهار لكون فحولتها لا تضعف شيئًا من أعمالها, لكن اشتهارها بهذا نقص وعيب.
وقد جاء في الحديث أنها ملعونة 1، فإنّه يستدلّ بخنثه في حركاته وألفاظه على ضعف قوتّه وعمله.
والضّعف عيب وإن لم يشتهر.
وأمّا البكارة والثّيوبة فإنّها لا يلزم البائع بيانها.
ولا يردّ المشتري بالثيّوبة إِذا لم تشترط في أصل العقد، إلاّ أنّ تكون الأمة في سنّ من لا تقتضي 2، فإنّ ذلك يقوم مقام الاشتراط أيضًا، ويكون للمشتري الرّدّ بالثّيوبة.
ولو قال المنادي عليها: إنّها تزعم أنّها بكر، فإن ذلك يقوم مقام الاشتراط لكونها بكرًا، ولا يلزم البائع أنّ يبيّن أنّها ثيّب، ولا يمكن المشتري من الرّدّ عليه إِذا باع مطلقًا.
وهذا عندي إنّما يتّجه إِذا كانت الثيّوبة أمرًا غالبًا فيحمل الإطلاق عليه، ويظنّ أنّ المشتري عليه دخل.
لكن ذكر في الرّواية أنّ المشتري لو قال للبائع: أبكر هي أم ثيّب؟ فقال: لا علم لي، فإنّه يصحّ البيع ولا يردّها بالثيّوبة.
ولم يرَ هذا تخاطرًا وعقدًا 3 بيعًا على صفة مجهولة لم يُحِطْ بها المتبايعان، والثّمن يختلف باختلافهما.
فهذا مِمّا يتعقّب جواز العقد عليه إلاّ أن يعتذّر عن هذا بأنه أمر يعسر الكشف عنه وتدعو الضّرورة إلى عقد البيع عليه مع الجهالة به، فيكون في هذا نظر.
ولعلّنا أن نبسطه في الكلام على العيوب الباطنة، كعيب الخشب، وشبهها.
وأمّا العَسَر وهو الّذي لا يعمل إلاّ بيساره، فإنّه عيب.
وأمّا الأضْبط وهو الّذي يعمل بكلتا يديه، فإنّه ليس بعيب إلاّ أن يُنتَقَصَ عمل اليمين منه عن
المعتاد لأجل مشاركة الشّمال لها في القوّة، فيكون ذلك عيبًا.
هكذا وقع في الرّواية، ولم يلتفت فيها إلى جبران نقص اليمين بقوّة اليسرى، ولا جبر هذا بهذا.
هذا القول في تفصيل النّقص والعيب من ناحية الجبلّة والطّبيعة.
وأمّا من ناحية الأحوال، فإنّ الأمة والعبد إِذا اطّلع على كونهما سرقا أو شربا الخمر، فإنّ ذلك عيب يوجد الرّدّ للمشتري إِذا طلبه.
وأمّا الاطّلاع على أنّ الأمة زنت، فإنّه عيب أيضًا يوجب الرّدّ.
وأمّا الاطّلاع على كون العبد قد زنى، فعندنا أنّه عيب فيه.
"وخالف في ذلك الشّافعي ورأى أنّ هذا لا يؤثّر في ثمن العبد، ويؤثّر في ثمن الأمة وفي الغرض منها لكونها قد تقبّل وتضاجع.
وأجيب عن هذا بأنّ العبد قد يناجيه سيّده، ويضطّر إلى ذلك، فيتأذّى من رائحته فيحطّ ذلك ثمنه 1 ".
وكذلك الزّوج عندنا للأمة والزّوجة للعبد عيب لا سيما في الأمة مع كون ذلك يمنع مشتريها من الاستمتاع.
وبهذا ردّ أصحابنا على الشّافعي إنكاره كون ذلك عيبًا فيها.
ولو وقع الطلاق قبل أن يقوم المشتري بهذا العيب ما ارتفع حكم العيب لكون العبد أو الأمة يتوقّع حنين كلّ واحد منهما إلى من كانت بينه وبين زوجته ومن كان سكنًا له وصار بينهما مودّة ورحمة.
والعيب إِذا زال وتتوقّع عودته، فإنّه كما لم يزل.
لكن لو مات أحد الزّوجين، لكان في ارتفاع العيب قولان.
أحدهما لا يرتفع قياسًا على الطّلاق بفساد الطّبع كالألفة للزّوجة، فيعسر استقامة العبد أو الأمة من فقد ذلك.
والقول الآخر أنّ العيب يرتفع لأنّ الموت يوجب الإياس من حنين بعضهما إلى بعض.
وقد وقع في الرّواية فيمن اشترى أمة وهي في عدّة من طلاق لم يعلم به حتى انقضت العدّة، فإنّه عيب قد ارتفع بانقضائها.
ومحمل هذا على أنّه علم بالزّوجيّة والطّلاق وظنّ أنّ العدّة قد فرغت، ولو كان يعلم 2 بالزّوجيّة، لم
يرتفع العيب كما بيّناه، وذكر في الطّلاق أنّه لا يرفع العيب.
وقد يقال هذا أيضًا على أنّه لو اطلّع على ذلك وهي في أوّل العدّة، فيطول انتظاره لتحليلها له.
وأمّا لو كان بعد شهر وبقي من العدّة شهر آخر وهو مقدار استبرائها بحكم الشراء، فإنه لا مقال له.
وأمّا وجود أقارب قريبة جدًّا كالوالدين والبنين، فإنّ ذلك عيب يردّ به المشتري إذا لم يعلم به حين العقد، لكون هذه القرابة القريبة تستدعي الألفة والانقطاع للآباء والبنين وإسعافهم ولو بما في يد العبد أو الأمة من قوت وذلك يضرّ بسيّده.
وأمّا إن كانت القرابة بعيدة كالعمومة وبنيها، فإنّ ذلك ليس بعيب لفقد العلّة الّتي أشرنا إليها في هذا.
هكذا وقع في الرّواية، وينبغي أنّ يرجع فيه إلى العادة في أمثالهم.
وأمّا الأجداد فلم يلحقوا إلاّ 1 بالآباء.
لكن بعض المتأخّرين مال إلى أنّ الجدّة للأمّ في حنين ولد ابنتها إليها، فقد يفسده، وفي ذلك على سيّده ضرر.
ولو مات أحد من هذه القرابة القريبة قبل الرّدّ بالعيب لارتفع القيام به.
وأمّا إنّ وجد في أباء الأمة أو العبد مجذومًا، فإنّه عيب يوجب الرّدّ لكونه تبقى غائلته في النّسل.
وقد يكون الجذام من فساد في النّطف فيعدي ذلك في النّسل.
وأمّا الجنون فيردّ به العبد والأمة، وإن كان أحد من الآباء، وذلك لفساد في الطّباع بأن يكون حكمه حكم الجذام إِذا وجد بأحد الآباء.
وأمّا إن كان من مسّ الجنّ، فإنّ ذلك لا يخشى منه على النّسل.
وأمّا إن كانت الأمة أو العبد أولاد زنى، ذكرًا أو أنثى، من العلية، يرد بذلك لكونه نقصًا فيهم.
واختلف في الوخش هل ذلك عيب فيهم أم لا؟ وأمّا إن وجد أحد آبائه أسود، فإنّه ليس بعيب في الوخش.
واختلف في العليّة هل هو عيب لما يتوقّع من خروج الولد أسود.
وقد أشار عليه السلام في الحديث إلى هذا المعنى،
فقال: لعلّ عرقًا نزعه 1. أو ليس بعيب لكون ذلك مِمّا لا ينقص من الثّمن.
وأمّا إن وجد العبد أغلف والأمة غير مخفوضة، فإن كان ذلك في رقيق العجم المجلوب، ولم تطل إقامته عندنا، فإنّ ذلك ليس بعيب لكون المشتري على ذلك دخل، وإن كانوا مِمّن طالت إقامتهم عندنا، أو ولدوا عند المسلمين، فاختلف فيه هل هو عيب أم لا في الوخش؟ وأمّا العلي هو عيب فيه.
ولو ثبت أنّ الأمة ادّعت على سيّدها أنه أولدها وأنّها حرّة، فإن ذلك عيب، للمشتري أن يردّ المبيع لأجله.
لكون ذكرها لهذا مما يشكّك في وطئها وغشيانها واستباحتها.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا العيوب فيما سوى الحيوان، فإنّه إمّا أن يكون دارًا أو ثيابًا أو ما في معناهما من السلع.
فأمّا إن كان في دار، فإنّه قال في المدوّنة، فيمن اشترى دارًا فوجد بحائط منها صدعًا إنّه إن كان يخاف على الدّار أن تنهدم بسببه كان له الرّدّ به، وإن كان لا يخاف ذلك، فلا ردّ له.
ووقف في الجواب عن 2 هذا.
لكن ابن الموّاز ذكر أنّه لا يردّ به، ولكن يرجع بقيمة العيب إِذا كان يسيرا.
قال: وكذلك في كلّ عيب.
وهذا الّذي ذكره ابن الموّاز هو الظّاهر المراد بما أطلقه في المدوّنة ..
لكن ذكر في كتاب القسم من المدوّنة أنّ أحد الشريكين إِذا اطّلع فيما صار له بالأقسام في الرّبع على عيب يسير، فإنّه يقضى له بقيمته.
وقد أكثر المتأخّرون القول في الفرق بين الدّيار وما سواها من المبيعات الّتي كان الحكم فيها أنّه لا يقضى له بقيمة العيب مع القيام يسيرًا كان أو كثيرًا، وإنّما يقضى بالرّدّ أو الإمساك.
فقيل: لمّا كانت الدّيار المراد بها القنية والسكنى لا الإدارات والتّجارة لم لويؤثر العيب اليسير في عينها تأثيرًا يوجب الرّدّ.
لكن يوجب ردّ ما نقص من الثّمن لئلاّ يكون البائع أمسك جزءًا من الثّمن من غير أن
يدفع عوضه.
وقُدِح في هذا بأنّ هذا التّعليل يقضي بأن لا يأخذ قيمة العيب، وقد أشرنا نحن إلى الإعتذار عن هذا الإلزام.
وقيل: إنّما الفرق أنّ الدّيار لا يحاط بعيوبها اليسيرة، فصار ذلك عذرًا في المنع من ردّها.
وقد قدح في هذا أيضًا بأنّ الرّقيق يكتم عيبه حتّى لا يكاد يحاط به، ثمّ مع هذالم يمنع هذا من ردّه.
وقيل أيضًا: الفرق أنّ الدّيار لا يكاد تخلو من عيب يسير.
فلو قضى بالرّدّ لأجل العيب اليسير مع كونها لا تنفكّ عنه، لكان في ذلك ضرر بالمتبايعين.
وقدح في هذا أيضًا بأنّه يقضي بأن لا يرجع بقيمة العيب.
وهذا أيضًا يجاب عنه بمثل ما قدّمنا من الإشارة إليه.
وقيل أيضًا: الفرق أنّ الدّيار لا تباع في الأسواق غالبًا ويعرض فيها، كما يعرض سائر السلع، فلو قضينا فيها بالرّدّ بعيب يسير، لأضرّ ذلك بالبائع لكونه لا يجد بيعها كما يبيع السلع الّتي لا يطول السوق بها، ويضرّ ذلك بالمشتري لكونه لا يتأتّى له شراء مثلها على الفور.
وقيلّ إنّ العيب اليسير منها يجري مجرى استحقاق اليسير منها لكونها ذات أجزاء، والدّار إِذا استحقّ منها الثّلث فأكثر، وجب ردّها، وإن كان أقلّ من ذلك، لم يجب للمشتري ردّ ما لم يستحقّ.
وهذا أيضًا يقدح فيه بأنّ العيب اليسير فيها قد يسري إلى بقيّتها، بخلاف استحقاق ثوب من ثياب كثيرة.
على أنّ بعضهم لم يعتبر في الاستحقاق الثّلث، وإنّما اعتبر ما يضرّ.
ووكّد قياسهما على الاستحقاق قوم آخرون بان أحد جدرانها الأربع الجنوب والشمال والغربي والشرقي لو استحقّ، لم يكن به للمشتري مقال.
وكذلك ينبغي أن يكون العيب اليسير.
وهذا أيضًا مِمّا لا يستقلّ بنفسه.
بل
يعارض بما في استحقاق أحد جدرانها الأربع.
وإن سلم ذلك فلكون المشتري لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه.
وقيل أيضًا: إنّما الفرق كون الدّار يصلح عيبها بأن توقع 1 حتّى تعود كما كانت أوّلًا قبل أن تفسد، فصار العيب يقدَر على رفعه، فلم يوجب الرّدّ، ولكن أوجب القيمة, لأنّ العيب لا يرفع إلاّ بخسارة.
وألزم على هذا أن يكون الثّوب لا يردّ بالعيب لكون الرتق يرفع فساده كما يرفع الترّقيع لِمَا انثلم من الدّار فسادها.
فقد صار إلى هذا بعض المتأخّرين ورأى أنّ المقاطع لا ترد بالعيب اليسر.
وهذا الّذي ذهب إليه هذا خلاف أصول المذهب وقواعده.
فأنت ترى ما ذكروه من هذه الفروق الستّه وما قدح به فيها.
والنّكتة الّتي يحوم عليها الجميع اعتبار الضّرر بالعيب وحصوله، والنّظر في مقداره فيما يخفّ ويكثر.
وقد ذهب بعض الأندلسيين إلى أنّها تردّ بالعيب اليسير كما تردّ سائر السلع.
ورأى أنْ لا فرق بين الدّيار والعروض في التّمكين من ردّها بالعيب اليسير.
وهذا هو مقتضى القياس والظّواهر.
وإنّما سلك الآخرون ذلك لما أشرنا إليه من اختلاف أحوال المبيعات في حكم الضّرر بالعيب ومقداره.
وإذا تقرّر أنّها لا تردّ بالعيب اليسير، فما مقدار هذا اليسير؟ قال بعض الأشياخ هو ما كان لا يأتي على معظم الثّمن.
فإِذا أتى على معظم الثّمن، كان ذلك عيبًا كثيرًا يوجب الرّدّ.
وقال بعضم: اليسير فيه ما نقص عن الثّلث.
وأشار بعضهم إلى اعتبار كون العيب شاملًا لسائر الدّار من جهة التأثير والقصد كبطلان بئرها بطلانًا لا ينصلح، أو ما جلها، أو سقوفها أو قناتها.
ورأى أنّ ما كان كذلك يوجب الرّدّ لأنّه كعيب استولى على الكلّ.
والجواب عن السؤال الرّابع أنّ يقال: أمّا ما لا يمكن الإطّلاع على باطنه إلاّ بعد نقض هيئته، كخشب اشتريت فنُشِرت، فوجد باطنها عفِنًا أو مسوّسًا.
أو جوزًا وقثّاء وشبه ذلك، فكسر فوجد باطنها فاسدًا.
أو جلودًا لم يظهر ما فيها
إلاَّ بعد دبغ أو قطع، فإنّ عن مالك في تمكين المشتري من الرّدّ بهذا العيب روايتان.
وكذلك للشّافعي في ذلك قولان.
وبإثبات الرّدّ قال أبو حنيفة.
والمشهور عن مالك وأصحابه ألاّ ردّ بهذا العيب.
لكن حكى القرويون عنه روايتين.
وكذلك قال الأبهري: إنّ المدنيين من أصحاب مالك رووا عنه إثبات الرّدّ بهذا العيب، منهم المغيرة وغيره.
وذكر ابن حبيب أنّ هذا إنّما يمنع به الرّدّ إِذا كان عيبًا في أصل الخلقة.
وأمّا إِذا كان حدث بعد الصحّة وسلامة الخلقة، كعفن وشبهه حدث بعد الصحّة لسبب اقتضاه، فإنّه يجب به الرّدّ.
وحمل بعض الأشياخ هذا على أنّه قول ثالث في المذهب.
وما أراه كذلك لأنّ ابن حبيب أشار إلى أنّ هذا الّذي حدث مِمّا يعلمه قوم ويجهله آخرون، والكلام في هذه المسألة إنّما صوّرناه فيما يستوي المتبايعان في الجهل به ولا يمكن أحد معرفته، لا سيما وهذا الحادث بعد الصحّة ربّما كان عن سبب يعلمه البائع، مثل وضعه الخشب في مكان يظنّ من جهة العادة أنّه يفسدها.
فإِذا تحقّقت الخلاف في هذا فسببه أنّ من نفى الرّدّ بهذا، قال: لم يزل الأمر جاريًا في سائر الأمصار على مرور الأعصار ببيع الدّيار مع كون باطن بنيانها مستورًا عن عين النّاظر لها.
وقد يكون بحجر مكسور أو صحيح ولا ينكر هذا منكر.
فاقتضى هذا وقوع العقد على ظواهر الأمور دون بواطنها.
وهذا الاعتلال قد يجاب عنه بأنّ هذا غرر غير مقصود، ولا يقدر على رفعه.
ولو اطّلع على أنّ البناء الباطن بخلاف ما جرت به العادة مِمّا يعلم أنّه لا يدخل عليه المشتري لكان له بذلك مقال.
وقد ذكر ابن الموّاز عن مالك إشارة إلى قريب من هذا المعنى.
فذكر عنه أنّه قال: هذا الأمر ثابت، عليه يدخل البائع والمشتري، والتبايع على ذلك وقع.
وهذه منه إشارة إلى أنّ هذا العقد وقع بالبراءة من هذا العيب الباطن، وسومح فيه بالبراءة للضّرورة إلى ذلك، وكونه غررًا غير مقصود.
وأمّا من أثبت الرّدّ، فإنّه يقول: مطلق العقد يقتضي سلامة المبيع من
العيب، وإن لم يشترط السلامة.
فإِذا لم يوجد الخشب أو الجوز سالمًا، فقد وجب له أنّ يردّ.
فيكون الإطّلاع عليه حال العقد لا يرفع حقّ المشتري فيما ثبت له مِمّا دخل عليه من سلامة المبيع، كما لو اشترط سلامته.
وقد ورد الشّرع بالرّدّ بعيب التّصرية مع كون المشتري لا يعلم التّصرية حال العقد.
ويجاب عن هذا بأن التّصرية علمها البائع ودلس بها، ويمكن أنْ يعلمها غيره حين العقد.
فلم يكن كمبيع لا يمكن أن يعلم عيبه حال العقد أحد المتبايعين.
وقد وقع في الموّازيّة لأشهب وغيره: أنّ ما يمكن اختباره والاطّلاع على عيبه حال العقد، كالجوزة والجوزتين وقثاءة واحدة أو قثّاءتين، فإن هذا يردّ به إذا وجد باطنه رديّا.
وهذا وإن أطلق مالك الجواب في كون القثّاء لا تردّ إِذا وجدت مرّة، فطرْد ما قدّمناه من التّعليل يقتضي إِذا أمكن العلم بباطن القثاءة الواحدة والعدد اليسير من القثاء قبل أن يُقطع، مثل أن يذاق باطنه بشيء يدخل فيه، وتختبر الجوزة والجوزتان إختبارًا يعرف به حالهما قبل الكسر.
وأمّا الأحمال من القثاء وما لا يمكن اختبار جميعه، ففي الموّازية أيضًا أنّه لا يردّ به إلاَّ أنّ يكون كلّه مرًّا أو أكثره.
فإنّ العمل إِذا كان كلّه مرًّا لا يكاد يخفى ذلك على بائعه.
وأمّا البيض فإنّه يردّ بالعيب إِذا اطّلع عليه بعد أن كسر، لكونه مِمّا يعلم فساد باطنه قبل كسره.
وهذه المبيعات الّتي ذكرنا أنّها لا تردّ بالعيب الباطن لازمة للمشتري كسرت أو لم تكسر.
وما ذكرنا من أنّه يردّ بالعيب الباطن، فإنّ المشتري لا مطالبة عليه في كسره إن كان البائع مدلّسأوله الرّدّ بالعيب، إلاّ أن يقطع ما يقطع أو ينحت من العود ما ينحت ويصير في حكم الفائت، فإنّه لا يردّه وإنّما له قيمة العيب على ما قدّمنا ذكره.
لكن 1 فيمن قطع ثوبًا، دلّس البائع بعيبه، قطعًا لا يقطع عليه مثله، كقطعه تبابين.
وأمّا إن كان البائع غير مدلّس، فإنّ للمشتري أن يرد المبيع،
ويردّ ما نقصه القطع.
وإن كان ذلك بيضأوكسره ثمّ اطّلع بعد كسره على عيبه، فإنه يقضى له بقيمة العيب، ويعدّ ذلك كفوت المبيع.
هذا إِذا كان مِمّا يسوغ بيعه، وأمّا إن كان فساده من جهة أنّه صار كالميتة لا يؤكل، فإنّ البائع يردّ الثقن كلّه.
والجواب عن السؤال الخامس أنّ يقال: قد ذكرنا حكم العيوب الّتي تتضمّن السلامة منها إطلاق العقد.
فأمّا ما لا يتضمّنه إطلاق العقد، لكنّه اشترط في أصل العقد، فإنّه متى وافق المبيع شرط المشتري فواضح ألاّ مقال له.
وإن خالف المبيع شرطه، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام.
أحدها: أن يجد المبيع على صفة هي أدنى مِمّا اشترط، كعبد بيع على أنّه من قبيلة، فوجد من قبيلة أخسّ منها وأقلّ ثمنًا، فإنّ هذا للمشتري الرّدّ به.
وإن وجد المبيع على صفة هي أفضل وأعلى ثمنًا مِمّا اشترط، فإنّه لا مقال له، إلاّ أن يتبيّن له غرض فيما اشترطه، فإنّه من حقّه الرّدّ، وإن كان المبيع على صفة هي أعلى مِمّا اشترط، مثل أنّ يشتري أمة نصرانيّة فوجدها مسلمة، فإنّه لا ردّ له، لكون المسلمة أفضل من النّصرانية.
إلاّ أن يعتلّ المشتري أنّه إنّما اشترط كونها نصرانيّة لكونه أراد أن يزوّجها عبدًا له نصرانيًّا، فإنّ هذا إِذا علم صحّة عذره كان الرّدّ له.
وكذلك إِذا اعتذر أنّه سبقت منه يمين ألا يملك مسلمة.
وأمّا لو اشترط صفة فوجد المبيع على صفة أخرى لا يتّضح تفاوت ما بينهما في الجودة والدّناءة، ولكنّ الصفتين متقاربتان تقاربًا تختلف أغراض النّاس فيه، فإنّ له الرّدّ بذلك.
وقد مثل في الرواية هذا برجل اشترى أمة على أنّها خراسانيّة، فوجدها بربريّة أو على أنّها بربريّة فأصابها خراسانيّة، أنّ له الرّدّ بذلك لأجل اختلاف أغراض النّاس في هذين الجنسين.
ومثل أيضًا في الرّواية اختلاف الجنسين بأمة بربريّة أو صقلبية.
فذكر أنّ من شرط صقلبية فوجدها بربريّة لا ردّ له، لكون البربريّة عنده أفضل.
قال: إلاّ أن يكون اشترط ذلك لما يخاف من حريّة البربريّة وسرقتهنّ، فإنّ هذا عذر له يوجب له الرّدّ.
وقد اختلف النّقلة في قوله: وحرّيتهنّ.
فقال سحنون: وحرّيتهن معنى سرقتهنّ أنهنّ يسرقن وهنّ أحرار.
وهذا التّأويل يكون مؤكّدًا لرّواية من روى وحرّيتهنّ.
وقد قيل للشّيخ أبي بكر بن عبد الرّحمان: إن النّصرانيّة عند أهل صقليّة أعلى ثمنًا من المسلمة.
فقال: إِذا اشترط كونها نصرانيّة فوجدها مسلمة والأمر كذلك عندهم، فإنّ له الرّدّ، وأنا أستعظم أن أجعل الإِسلامَ عيبًا.
وهذا الّذي قاله طرد ما قدّمناه من الرّواية في أنّ من وجد أفضل من شرطه لا ردّ له إلاّ أن يكون له غرض فيما اشترط.
وقد ذكر في المدوّنة أنّ مالكًا سئل عن رجل اشترى أمة ليتخّذها أمّ ولد فوجدها عربيّة، فأراد ردّها، واعتلّ بأنّه إِذا أعتقها جرّ العرب ولاءها, ولم يكن ولاؤها لولده.
فلم يرَ له مالك هذا يوجب الدّدّ ولم يعذره به.
واعتذر المتأخّرون عن قوله: جرّ العرب ولاءها، فقالوا: المراد به ميراثها، وأخذ ما تترك من مال.
وأمّا الولاء فلم يجرّه عن العتق أحد، إلاّ في بعض الصّور الّذي نذكر في كتاب الولاء.
واختلف المتأوّلون فيما اعتلّ به السائل لمالك، فقال المغامي: مراد السائل أنّها إِذا كانت عربيّة، فإنّها تنسب للقبيلة الّتي هي منها، وتشتهر بذلك حتّى يندرس كون هذا الّذي أعتقها يستحق ولاءها.
وقال بعض الأشياخ: إنّما المراد أنّ الغالب وجود عاصب لها يرثها بالنّسب، والنّسب مقدم على الولاء، لكون العربيّة يحتفظ على نسبها ويعلم أصلها، بخلاف العجميّات اللاّتي لا يعرف لهنّ جدود أسلاف.
وقيل أيضًا إنّ مراد السائل أنّه يعلم أنّ لها عاصبًا جهل أمره فلا تورث بالولاء، ويتصدّق بمالها كما يتصدّق باللّقطة الّتي جهل مالكها، واعتقد السائل غلطًا منه أنّ هذا هو الحكم، فردّ عليه مالك غلطه وأخبره أنّ هذا ليس بعذر.
إلى هذا أشار بعض المتأخّرين.
ولكن لو كان هذا هو مراد السائل، لوجا ذلك في العجميّات أيضًا لأنّه يعرف أنّ العجميّة لا بدّ لها من عاصب، ولكنّه مجهول أيضًا.
وإن افترق الحال يكون العجميّة لا يرجى العثور على عاصبها ويرجى ذلك في العربيّة.
وقد سئل يحيى بن عمر عن قرشيّ تزوّج أمة رجل من العجم واستولدها، وأعتق سيّدها ولدها، فقال يبيح بن عمر: ينسب هذا الولد إلى قريش كأنّه ما مسه رقّ قطّ.
وأحتجّ بما نقلناه عن مالك في المدوّنة، فأشار بهذا القول إلى أنّه لا يكون للمعتق ولاء إِذا كان المعتَق عربيًّا.
فإنّ هذا قد صرّح به بعض الأندلسيّين، فقال: مالك وأصحابه مجمعون على أنّ من أعتق عربيًّا، فإنّه لا ولاء له بعتقه، إلاّ أشهب فإنّه قال: الولاء للمعتق اتّباعًا لعموم قوله عليه السلام: "الولاء لمن أعتق" 1. ولم يفرّق بين كون المعتق عربيًّا أو أعجميًّا.
وذكر ابن شفاعة: أنّ فقهاء الأمصار مجمعون على أنّ الولاء للمعتق، وأنّ أهل العلم لم يختلفوا في أنّ الجاهليّة كانت تسبي بعضها بعضًا.
وقد سبي زيد بن حارثة واشترته خديجة ووهبته للنبيّ فأعتقه، فكان ولاؤه له - صلى الله عليه وسلم -. وسبت الرّوم صهيب بن سنان فاشتراه أبو بكر رضي الله عنه فأعتقه، فكان ولاؤه له.
وهذا الّذي ذكرناه من الخلاف يقتضي ظاهر الشّرع كون الولاء للمعتق، وإن كان المعتَق عربيًّا.
ولا معنى لهذه التّفرقة بين كونه عربيًّا أو أعجميًّا، إلاّ أن يقال: لا بدّ للعربي من عاصب يعلم، فلا ينقطع الولاء ها هنا لوجود نسب هو مقدّم في الشرع عليه.
وقد كنّا أشرنا إلى أنّ العيب يردّ به وإن لم يشترط السلامة منه في أصل العقد.
لكون ذلك كالمشترط في العرف عند المتعاقدين.
وأمّا تعيين جنس دون جنس، فلا يتضمّنه إطلاق العقد.
وإنّما يبقى النّظر في دلالة العرف عليه.
وقد كنّا قدّمنا الرّواية فيمن اشترط كون الأمة نصرانيّة فوجدها مسلمة، فإنّ ذلك لا ردّ له به، لكون ما وجد أفضل مِمّا اشترط، إلاّ أن يتميّز غرض المشترط بدليل شاهد الحال.
وذكرنا أيضًا أنّ إطلاق العقد على الأمة لا يتضمّن بكارة أو ثيوبة، ولا ردّ له إِذا وجد الأمة ثيّبًا، وقد وقع العقد مطلقًا.
لكن وقع في الرّواية أنّه من اشترى سمنًا فوجد سمن بقر، فقال: إنّما أردت سمن غنم، أنّه يردّ ذلك لكون سمن الغنم أطيب.
وهذا الّذي قاله كأنّه يشير إلى خلاف ما قدّمناه, لأنّه لم يجعل الثيّوبة عيبًا مع كون البكارة أفضل، وجعل كون السمن سمن بقر يقتضي الرّدّ إِذا كان سمن الغنم عندهم على مقتضى عرفهم أفضل.
لكن قد يقال في هذا: إنّ الثّيوبة هي الغالب، وعليها يدخل المتعاقدان، ألا ترى أنّه لو كانت الأمة من صغر السنّ بحيث ما 1 الظّاهر من حالها البكارة، أنّ للمشتري مقالاَ إِذا وجد ثيبًا.
وأمّا السمن فلعلّه اعتقد أنّ سمن الغنم هو الغالب عندهم وعليه دخل المشتري، فلهذا جعل له الرّدّ.
ووقع أيضًا في الرّوايات فيمن اشعرى، قلنسوة سوداء، فوجدها ركبت من ثوب ملبوس، أنّه لا مقال له إلاّ أن تكون ركبت من ثوب خلق.
وقال، فيمن اشترى جبّة ركبت من ثوب لُبِس أسمر ثمّ بُيض، وركبت منه الجبّة، إنّ هذا عيب.
وهذا أيضًا أشار بعض الأشياخ إلى أنّه اختلاف قول، ويمكن أن يكون العذر عن هذا أنّ القلانس تركب عندهم غالبًا من ثياب ملبوسة ولا تركب الجبّة والثّوب من ثياب ملبوسة.
وهكذا أيضًا قال، فيمن وجد قلنسوة حشوها صوف أو قطن جديد وقديم: إنّه لا يردّ المشتري بذلك إِذا لم تكن رفيعة.
وهذا أيضًا لكون العادة تقتضي عندهم حشو الدنية بمثل هذا، بخلاف الرّفيعة.
وهذا يشير إلى ما أصّلناه من اعتبار النّطق المشترط به صفة في البيع أو عرف يقوم مقام النّطق.
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله؛ ولا يجوز لبائع السلعة المبيعة أن يكتم عيبها لأنّ ذلك غشّ.
ولا يقبل دعوى المبتاع إن بان 2 بالسلعة عيبًا دون أن
يأتي ببيّنة بمشاهدته 1 إن كان مشاهدًا أو بالبيّنة إن كان غير مشاهد.
ثمّ لا يخلو أن يكون مِمّا لا يحدث عند المشتري أو يكون مِمّا لا 2 يعلم أنّه لم يكن عند البائع.
والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه.
أو يكون محتملًا، فالقول قول البائع مع يمينه، إلاَّ أن ينكل فيحلف.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - لم حرم على البائع أن يكتم عيبًا بالمبيع؟
2 - وما حكم التّداعي في العيوب؟
3 - وما صفة اليمين في التّداعي؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا الدّلالة على منع التّدليس.
وتكلّمنا على قوله عليه السلام: "من غشنا فليس منّا" 3. وذكر ما قيل في تأويل هذا الحديث من أقوال كثيرة.
والغشّ هو كتمان العيب، والتّدليس، والتغرير بالمشتري فيه.
وذلك مِمّا لا ينحصر.
لكن منه أمور ظاهرة لا يحتاج إلى تبيينها، ومنه ما يفتقر إلى تبيينه.
مثل ما وقع في الرّواية من منع الفّرايين من أن يُتَرِّبوا وجوه الأفْرية ليتزيّن ويستر ذلك عيوبها.
وهذا التّحسين ربّما اعتقد المشتري أنّه صفة ثابتة لها في الأصل غير مصنوعة.
وربّما اعتقد أنّ ذلك لا يستر عيبًا فيرغب المشتري، فهذا من الغشّ.
لكنّ البيع إِذا وقع والمشتري عالم بأنّه قد ترّبها بائعها، فلا ردّ له.
وقال ابن الموّاز: إلاّ أن يكون اطّلع على عيب، فإن لم يكن علم بأنّها مترّبة، فله الرّدّ قبل أن يطّلع على عيب.
وهذا الّذي قاله تمكينه من الرّدّ قبل ظهور عيب يوجب الرّدّ إِذا لم يعلم بكونها مترّبة، إنّما صار إليه لأجل أنّ المشتري يكره التّمسك بها مع كونه يجوّز
عيوبًا سترت عنه، وستظهر له في ثاني حال.
وأمّا إطلاق الرّواية بأنّه إِذا علم بالتّتريب فلا ردّ له، فإنما ذلك إنّما صار إليه لأجل هذا العيب الّذي تخشى عاقبته.
لكن استدرك ابن الموّاز في هذه الرواية أنّ له الرّدّ بعيب يَظْهَر يمكن أن يكون رأى أنّ ذلك، وإن دخل عليه المشتري، كالبراءة من العيب، والبراءة من العيوب في العروض لا تصحّ، ولا يصح العقد على أنّ المشتري لا قيام له بالعيب متى ظهر له.
وهذا وإن 1 لم يكن البائع عالمًا بالعيب.
وأمّا إِذا كان عالمًا به، فلا تصحّ البراءة منه ومن سائر العيوب على الإجمال.
ومن الغشّ أيضًا خلط طعام جيّد برديء، كخلط تمر جيّد برديء، أو عسل جيّد برديء، أو لحم هزيل بسمين.
ويُنهَى الجزّار عن خلط اللّحم الجيّد بالرّديء.
وإن نقص له ذلك.
فإن اشترى مشترِ منهم على ذلك، فإنّ البيع ماضٍ فيما قلّ كأرطال يسيرة، وأمّا أرطال كثيرة كعشرين أو ثلاثين، فإنّ ذلك لا يجوز حتّى يعلم مقدار السمين من الهزيل.
وإنّما فرّق بين اليسير والكثير في هذا لأن اليسير يفرز حميده ورديه، ويعلم فيه أحدهما من الآخر على جهة التّخمين، بخلاف ما كثر من ذلك.
ويتصدّق بما قلّ من لحم أو طعام إِذا كان يسيرًا عقوبة في المال مع الأدب.
بخلاف الكثير الّذي يشتدّ الضّرر بإتلافه على صاحبه ويباع عليه مِمّن يؤمن أن يدلّس به، ويعاقب من غشّ بضرب أو حبس أو إخراج من السوق إِذا كان معتادًا لذلك.
وقد قال مالك في الموّازيّة فيمن يفجُر في السوق ينبغي أن يُخرج، فهو أشدّ عليه من الضّرب.
والتّحقيق في هذا صرف العقوبة إلى الاجتهاد في جنسها ومقدارها لاختلاف موقعها في العصاة.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: لا يخلو العيب من أن يكون
مشكوكًا فيه أو متحقّقًا.
والشّك فيه على قسمين:
أحدهما: أن يشكّ في وجوده وحصوله.
والثّاني: أن يتحقّق وجوده ويشكّ في زمن ابتداء وجوده.
وإن كان متحقّقًا، فلا يخلو من قسمين:
أحدهما: أن يتحقّق كونه عند البائع أو عند المشتري.
فأمّا إِذا كان الشّكّ في وجوده وحصوله، فإنّه لا يقضى للمشتري بردّ المبيع، لكون البيع أصله الانعقاد، واتّفق المتبايعان على لزومه وثبوت الثّمن على المشتري، وانتقال ملك المبيع إليه.
فعلى من يّدعي حلّ هذا المنعقد عليه إثبات ما يحلّه والمشكوك فيه غير ثابت.
وقد قال ابن الموّاز لا يردّ المبيع بالعيب إلاّ أن يجتمع عليه رجلان عدلان من أهل البصر والمعرفة، أوامرأتان فيما لا يطّلع عليه إلاّ النّساء، كعيوب الفرج والحمل وشبهه، فإنّ امرأتين تقومان مقام رجلين للضرورة إليهما.
ومن يعلم علمه، وقرأ كتبه، وصحب علماءه، فإنّ هذا ينبغي أيضًا أن يتطلّب فيه ثبوته بشهادة من كان عدلًا عارفًا بهذه الأدواء الّتي لا يعرفها إلاّ الأطبّاء.
فإن لم يوجد من يعرف هذا إلاّ من ليس بعدل من أهل الإِسلام أو من غيرهم من اليهود والنّصارى اكتفى بهم في هذا .... 1. ومن هذه الطّريق تقبل للضّرورة إليه كما تقبل شهادة الصبيان في الجرإح للضّرورة إليها.
ولو اختلف الشّهود فقال عدلان: هذا عيب ينقص الثّمن، وأكذبهما اَخران، فإنّ هذا التّكاذب يسقط الشّهادتين ويعود العيب غير ثابت، فلا يجب به الرّدّ.
وكذلك لو اشترط المشتري جنسًا اختلف فيه الشّهود، هل هو من المشترَط أم لا؟ فإنّه لا يلزم ردّ البيع لهذا الاختلاف.
فمحمل هذا على أنّ
المشتري قبض المبيع مصدّقًا للبائع أنّه من الجنس الّذي اشترط.
فيكون البائع هو المدّعي والمّدعي إلزام المشتري البيع، فلا يصدق إلاَّ بإثبات.
وأمّا لو قبضه مصدّقًا للبائع أنّه على الصّفة الّتي اشترط، لكان المشتري ها هنا هو المدّعي، والمدّعي لحلّ منعقد يكون عليه الإثبات.
وقد قدح في هذا الّذي أصّلناه بأنّ اختلاف الشّهادة والشّكّ في حصول العيب عيب، د ان لم يكن العيب متحقّقًا، لكون النّاس يجتنبون في المبيع ما التبس أمره ويقفون عن شرائه.
وقد كنّا قدّمنا أنّ الأمة إِذا ادّعت أن سيّدها أَوْلَدها أو أعتقها, ولم يثبت لها ذلك، وباعها سيّدها مِمّن لا يعلم دعواها هذه، أنّ ذلك عيب، لكون النّاس يجتنبون شراء ما وقع فيه هذا الشّكّ والالتباس.
ولكن العذر عن هذا أنّ هذه الشّكوك حدثت بعد انعقاد العقود وانبرامها فلم يؤثّر في المنعقد شكّ حدث بعد انعقاده بخلاف شكّ يحدث ويثبت حصوله بعد 1 انعقاد البيع.
وأمّا العيب 2 من ناحية زمن العيب، فإنّ البائع والمشتري لو اختلفا في زمن عقد البيع في المحرّم.
مثل أن يقول البائع: لم يكن في المحرّم انعقاد البيع، ويقول المشتري: بل كان انعقاد البيع فيه، فإنّ أصبغ ذكر أنّ القول قول البائع، لأنّ المشتري يدّعي تاريخًا يوجب نقض البيع المنعقد.
وساوى بين أن يكون المشتري نقد الثّمن أو لم ينقده.
وأشار إلى المسألة الّتي اختلف فيها ابن القاسم في أحد الثّوبين إِذا فات، وردّ الآخر بالعيب، واختلفا في قيمة الفائت.
وقد ذكرنا مذهب ابن القاسم في التّفرقة فيها بين أن يكون البائع انتقد الثّمن أو لم ينتقده.
وهذا الأصل في اختلاف التّواريخ الّتي يختلف الضمان باختلافها مختلف فيه، سنتكلّم عليه في اختلافهما في العهدة وغيرها.
وإذا تقرّر هذا، فإنّ العيب المشكوك فيه وإن لم يوجب الرّدّ، فإنّه يوجب
تحليف البائع أنّ هذا العيب لم يكن عنده، لأجل هذه الشّبهة الّتي وقعت في النّفس من إشكال الأمر على الشهود، وتجويزهم قدم العيب وحدوثه.
وليس كلّ شكّ يوجب تحليف المدّعى عليه.
لكن لمّا كان هذا الشّكّ له مستند حاصل مشاهد وهو العيب، قويت هذه الشّبهة حتّى أوجبت اليمين على البائع مع هذا الشّكّ.
ولو كان المشتري قاطعًا بأنّه لم يحدث عنده والبائع قاطع بأنّه لم يحدث عنده، لخرجت اليمين ها هنا عن تعلّقهما بالشّكوك ووجبت اتّباعًا للأصول في الدّعاوي.
ألا ترى أنّ من شكّ: هل له عند رجل مال، فإنّه لا يستحلفه بالشّكّ، ولا يمكن من خصومته، لمّا لم يكن لهذا الشّكّ مستند ولا شبهة يستند إليها.
ولو كان عليه دين فشكّ.
هلا قضاه أم لا؛ فإنّ تمكينه من تحليف من له الدّين فيه اختلاف في المذهب.
فكأنّ من نفى اليمين عن صاحب الدّين يرى أن شكّ الغريم في قضاء الدّين لا مستند له، ولا شبهة توجب تعلّق اليمين لمن له الدّين.
ومن أوجب على من له الدّين يمينًا رأى أنّ الشّكّ في قضاء الدّين يصيّر الدّين مشكوكًا في ثبوته في ذمّة الغريم، وصاحب الدّين يقطع أنّه لم يقضه شيئًا، وأنّ الدّين ثابت، فيكون القول قول الطّالب ها هنا ولكن مع يمينه لحصول شكّ في عمارة ذمّة الغريم.
وهذه مسائل كما ترى تارة يقوى مستند الشّكّ، وتارة يضعف فيسقط اليمين.
ومن احتاط للأقدار ألاّ ستهضم 1 بالاستحلاف بالتّجويز والشّكّ أسقط اليمين.
ومن نظر لصيانة الأموال على أربابها أوجب اليمين.
ألا ترى أنّ رجلًا لو اشترى عبدًا فزنى عنده أو أبق، وحقّق الدّعوى على بائع العبد، أنّ ذلك كان عنده لم يُعلم به حين العقد المشتريَ، وإنّما استفاد علمه الآن وثبت أنّ العبد أبق عند المشتري أو زنى، فإنّ البائع يحلف ها هنا من غير خلاف لوجود العيب المشاهد.
وهو سبب تستند إليه الدّعوى وقارنه تحقيق الدّعوى على البائع.
وأمّا
لو لم يأبق عند المشتري ولا زنى، ولا حقّق الدّعوى على البائع بأنّ ذلك كان عنده، ولا أسند هذه الدّعوى أنّ ذلك كان عند البائع إلى خبر مخبر، فإنّه ها هنا لا يستحلف البائع بغير خلاف، إذ هذا التّجويز لا مستند له أصلًا وهو مِمّا يتكرّر ويتعدّد أجناسه، فسقطت لما فيها من الإضرار بالبائعين مع كونها لا مستند لها.
ولو أنّه قال: أخبرني مخبر بهذا أنّه كان عندك هذا العيب، ولم يدّعِ المشتري أنّه رآه منه وهو عنده ولا حدث عند المشتري، ولكن إنّما عوّل في الدّعوى على خبر مخبر، فإنّ هذا يوجب استحلاف البائع على أصل ابن القاسم، ولا يوجب استحلافه على أصل أشهب على حسب ما اختلف ابن القاسم وأشهب في المشتري إِذا قام بعيب، فقال البائع للمشتري: تحلف لي أنّك ما رأيته، أو ما رضيته، أو ما سوقت بالمبيع مع علمك بالعيب.
فإنّ ابن القاسم قال في هذا: لا يلزم المشتري يمينًا، إلاّ أن يزعم البائع أن مخبرًا أخبره عن المشتري بهذا، فيحلف المشتري حينئذٍ على هذا.
وذكر ابن أبي زمنين عن مشائخه زيادة شرط آخر وهو أن يحلف البائع: لقد أخبره مخبر.
وأسقط أشهب اليمين في هذا, ولو زعم البائع أنّ مخبرًا أخبره.
فكأنّ ابن القاسم رأى أنّه إِذا لم تستند هذه الدّعوى إلى قطع ولا إلى ظنّ من ناحية الأخبار، صارت ضربًا من التّجويز الّذي لا مستند له ولم يلزم به يمين.
فإِذا ذكر أنّ مخبرًا أخبره، صار للدّعوى مستند وهو ظنّ المدّعي، فكان لهذا التّجويز تأثير لاستناده إلى ظنّ.
ومن اشترط من المشائخ الّذين أشرنا إليهم استحلاف البائع أنّ مخبرًا أخبره أراد تقوية الظّنّ لئلاّ يكون البائع كذب في قوله: أخبرني مخبر صدق.
فلو سمّى المخبر وأحال على رجل بعينه، لاستغنى عن هذا اليمين.
وبالجملة إن هذا اختلاف في حال، هل للأخبار والمخبر ها هنا شبهة ولطخ يستند إليه هذا الشّكّ أم لا؟
ولو ذكر أنّ المخبرين جماعة يقع له العلم بخبرهم حتّى يكون من حقّ
المشتري أن يردّ اليمين على البائع الّذي أدّعى أنّ المشتري رضي بالعيب.
فتعلّقت اليمين ها هنا على من ردّها على البائع الّذي يحاول استحلافه على هذه الدّعوى.
ولو ثبت إباق العبد عند المشتري ولم يثبت أنّه كان عند البائع، ولكن المشتري استدلّ بهذا أنّه ما كان عنده إلاّ وكان عند البائع، فإنّ في تمكينه من تحليف البائع اختلافًا.
وهو أيضًا راجح إلى ما قلناه.
فمن رأى أنّ حصول العيب عند المشتري وثبوت ذلك مستند لهذا التّجويز، مكّن المشتري من استحلاف البائع.
ومن لم يرَ ذلك مستندًا اقتصر على تجويز المشتري في دعواه على البائع، لم يستحلف البائع قياسًا على ما قدّمنا في مثل هذا.
ولو كان الإباق لم يثبته كونه عند المشتري ولا عند البائع، ولكن المشتري زعم أنّه كان عنده، واستدلّ بذلك على كونه كان عند البائع، لكان أيضًا في صفة استحلاف البائع خلاف.
وهذا القسم دون الّذي قبله, لأنّ السبب الّذي يستند إليه ثبت في القسم الّذي قبل هذا بالبيّنة، فهذا القسم الآخر لم يثبت إلاّ باقتصار المشتري على الدّعوى.
ولو قال العبد: إنّي زنيت أو سرقت وأنا عند مولاي.
لاستحلف البائع، لكون قول العبد لطخًا.
وهو أيضًا أضعف من الأقسام الّتي تقدّمته.
فإِذا تقرّر حكم العيب المشكوك فيه وأنّ القول قول البائع لكون البيع منعقدًا، والمشتري يدّعي سببًا يحلّه، فإنّه لو كان بالمبيع مع هذا العيب المشكوك فيه عيب ثبت قدمه عند البائع، فإنّ هذا العيب القديم يوجب حلّ هذا البيع المنعقد.
فيكون القول قول المشتري في هذا العيب المشكوك فيه: إنّه لم يحدث عندي.
لأنّ لمّا انحلّ بالعيب القديم، صار البائع مدّعيًا على المشتري غرامة تلزمه له، وهو أن يردّ قيمة هذا العيب الّذي زعم البائع أنّه حدث عند المشتري، والأصل براءة ذمّة المشتري، وقد قدّمنا استصحاب الأصل، وهو ما
اتّفق المتبايعان هو الّذي تسند الأحكام إليه 1.
فإِذا كان العيب المشكوك فيه منفردًا، استصحبنا حال انعقاد البيع، فلا يصدّق المشتري في حلّه وردّه.
وإِذا وجب ردّ البيع بالعيب القديم، استصحبنا براءة ذمّة المشتري من غرامة، فيكون هو المصدّق فيما ينفيها عنه.
ولو كان بالمبيع ثلاثة عيوب: عيب ثبت قدمه عند البائع، وعيب ثبت حدوثه عند المشتري، وعيب شكّ فيه هل هو حدث عند البائع أو عند المشتري، لبدأنا باستعلام ما عند المشتري.
فإن اختار الرّدّ بالعيب القديم، فقد انحلّ البيع.
فيكون القول قوله في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا لكونه بريء الذّمّة من الغرامة، فيردّ العبد ولا يردّ معه قيمة نقص.
وإن اختار المشتري التمسّك بالمبيع وأخذ قيمة العيب كان القول قول البائع في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا أيضًا لبراءة ذمّته من غرامة.
والمشتري لم يثبت له عليه إلاّ غرامة عيب واحد، والآخر الذي هو مشكوك فيه لم يثبت ما يوجب على البائع غرامته، فلهذا صدق فيه.
وإِذا ادّعى المشتري على أنّه دلّس عليه بالعيب وقد اشترى ثوبًا فقطعه أو أحدث فيه ما يوجب ردّ قيمة النّقص مِمّا يسقط عنه لو ثبت تدليس البائع، فإنّ القول قول البائع أنّه لم يدلّس، أو أنّه أنسي ذكر العيب عند عقد البيع، لكون الأصل عدم علمه.
فيستصحب هذا الأصل على ما قرّرناه.
لكن اشترط في المّوازيّة في 2 استحلاف البائع على هذا لأنّه لا يقضى للمشتري إلاّ إِذا اختار أن يردّ المبيع بالعيب، فيلزمه ردّ ما نقص، فيحلف البائع