بسم الله الرحمن الرحيم صلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كتاب الرد بالعيب
قال القاضي أبو محمَّد رضي الله عنه: ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر 1 بها عيب يوجب الرد، فهو بالخيار بين أن يرد ويرجع بالثمن، شاء البائع أو أبى، أو يمسك، ولا شيء له: أرش ولا غيره، إلاَّ أن يبذل له البائع الأرش.
ولا يلزم في الأرش بذله ولا أخذه بالتراضي 2 ما دام رد العين ممكنًا.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما الدليل على تحريم البيع بالعيب؟ 2 - وهل يمنع التدليس من صحَّة البيع؟ 3 - وما حكم العيب إذا اطلع عليه المشتري؟ 4 - وهل تختلف العقود في الرد بالعيب؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: أمَّا الغش والتدليس في البياعات فمحرَّم.
والدليل عليه من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة.
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
3 فإذا باع سلعة وكتم ما بها، فقد أخذ ما زاد من الثمن،
وهي سليمة، على ثمنها معيبة.
وفي الصحيح أنَّه عليه السلام قال: "لا تصرُّوا الإبل" 1 الحديث.
فنهى عن التصرية، وهي ترك اللبن في الضرع ليعظم جرمه في العين، فيعتقد المشتري أنَّ ذلك عادتها في الحلاب، فيزيد في الثمن لأجل هذا التدليس.
وقد خرج مسلم في صحيحه أنَّه عليه السلام مرَّ بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنال أصابعه بلل، فقال: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله أصابته السماء، فقال: هلاَّ جعلتموه على وجه الصبرة حتَّى يراه الناس، من غشَّ فليس منَّا.
2 وقد ذكر في الحديث أنَّه أوحي إليه: بأن أدخل يدك فيها، فبالغ - صلى الله عليه وسلم - في التغليظ في المنع من الغش حتَّى أورد كلامًا ظاهره إخراج الغاش من الدين.
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، وهو قوله عليه السلام: "من غشَّنا فليس منَّا" على خمسة أقوال.
فمنهم من قال: المراد به أنَّ من غشَّ فليس على ديننا.
قال ابن داوود: هذا غلط لأنَّ الغاش ليس بكافر.
وهذا الذي قدح به ابن داوود في هذا التأويل بعض الناس إلى أن حمل الحديث على أنَّ المراد به: من غشَّنا مستحلا لغشنا، وهذا لا شكَّ أنَّه يكفر به الغاش؛ لأنَّ استحلال ذلك مع أنَّ الشرع حرَّمه تكذيب للشرع، ومن كذَّب الشرع فهو كافر.
وكان يقال في المذاكرة، فيصير هذا الإستدراك قولًا ثانيًا.
وقد قيل: إنَّه ليس مثلنا.
وطعن ابن داوود في هذا التأويل، وقال: النبي عليه السلام لا مثل له.
هذا الذي طعن به ضعيف، لأنَّه صدق في أن النبي لا مثل له منا في نبوَّته وعصمته وشرفه عند الله تعالى، وليس المراد بقول هؤلاء:
ليس مثلنا في ذلك، وإنَّما المراد ليس مثلنا في تحريم ما يحرم وتحليل ما يحل والكف عن المحرَّمات.
وقيل: المراد ليس منا في فعلنا وسنَّتنا.
وأنكر ابن داوود هذا أيضًا، وقال: الغش غير الغاش، وإنَّما ذكر في الحديث الغاش لا فعل الغاش.
وهذا
أيضًا قد يجاب عنه، قد يراد بهذا التأويل: الكناية عن الغاش.
وقيل المراد: ليس هو على مثل فعلنا وسنَّتنا.
وهذا الذي اختاره ابن داوود لأجل ما قدَّمه من القدح في التأويلات التي ذكرناها.
وقد ذكر ابن حبيب من أصحاب مالك أنَّ المراد ليس مثلنا ولا على سنتنا.
فأنت ترى ابن حبيب كيف استسهل الجمع بين تأويلين مما قدمنا، وهما نفي المثلية والإتباع على الفعل، فدلَّ على أنَّ المراد بهذين متقارب.
وإنَّما المقصود ليس على سنَّتنا ولا متبع لنا.
كما حكي في الكتاب العزيز عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
1
ومعلوم أنَّ مراد إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: "فإنَّه مني لما أي على سنَّتي وطريقتي وهديي.
وكذلك قوله عليه السلام: "من غشَّ فليس منَّا" المراد به على سنتنا وهدينا.
ومما يدل أيضًا على تحريم التدليس ما رواه عقبة ابن عامر الجهني أنَّه عليه السلام قال: "لا يحل لمسلم أن يبيع من أخيه بيعابه عيب إلاَّ أن يبينه" 2. وقال أيضًا عليه السلام في المتبايعين: "إن صدقا وبيَّنا بورك لها وإن سكتا وكتما محقت بركة بيعهما" 3. وأمَّا الإجماع فليس بين المسلمين خلاف في تحريم الغش والتدليس في البياعات.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا ثبت تحريم الغش والتدليس في البياعات لأجل ما قدَّمناه من الأدلَّة، فإن البيع إذا وقع على ذلك لم يمنع من صحَّته وانعقاده.
ولا يكون البيع فاسدًا يفسخ وإن رضي به المتبايعان.
هذا مذهب فقهاء الأمصار.
ومن الناس من ذهب إلى أنَّ البيع يفسد بذلك، وقرَّر أن التدليس لما ورد
الشرع بتحريمه، صار البائع قد عقد بيعًا منهيًا عنه محرمًا عليه.
والنهي يدل على فساد المنهي عنه عند بعض أهل الأصول.
وهذه الطريقة التي استند إليها من صار إلى هذا المذهب.
وقد أجيب عن هذا بأنَّ النَّهي إنَّما يدل على فساد المنهي عنه إذا كان النهي لحق الله تعالى، وأمَّا إذا كان لحق الخلق، فإنَّه لا يدل على فساد العقد، والنهي عن التدليس لحق الخلق وكون المشتري لا يحل ظلمه وأخذ ماله بالباطل، فلم يقتض هذا النهي فساد العقد.
وهذا الذي ذكرناه عن ذهاب أصحاب هذه الطريقة إلى اعتبار النهي، هل يتعلَّق بحق الله سبحانه أو بحق الخلق؟ قد ينتقض عليهم بغاصب غصب سلعة فباعها فأراد ربها لما مكن منها أن يجيز البيع، فإنَّ المشهور عندنا من المذهب أنَّ ذلك له.
وحكى ابن شعبان قولًا ثانيًا: أنَّه يفسخ، ولا يمكن رب السلعة المغصوبة من إجازة البيع.
وهذا لأن هؤلاء اعتقدوا أنَّ هذا إذا اشتراه منه كان منهيًا عنه، اقتضى ذلك فساد العقد.
ولكن قد يقال في هذا: إنَّ الغصب لو علم به المشتري لم يمكن رب السلعة من إجازة ذلك وإمضائه، لكون المشتري قد دخل على غرر وهو ترقب إمضاء رب السلعة للبيع أو رده، كما قيل في أحد القولين عندنا في هذا.
والعيب لو علم به المشتري ولم يكن 1 فعل البائع منهيًا عنه إذا علم أنَّ المشتري قد علم به، ولا يتعلَّق بعقده خيار لغيره، فيكون العقد فيه غرر.
ومن آكد ما يدل على أنَّ التدليس لا يمنع من صحَّة البيع حديث النهي عن التصرية فإنَّه عليه السلام قال: "لا تصروا الإبل فمن اشتراها فهو بخير النظرين إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يردها وصاعا من تمر" 2 الحديث المشهور.
فنصَّ ها هنا على أنَّ المشتري له الإستمساك بالبيع الذي دلس البائع فيه بالعيب.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: حكم المبيع إذا اطلع فيه على عيب فخير المشتى بين الرضا بالمبيع معيبًا ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد المبيع ويأخذ جميع الثمن على ما اقتضاه حديث المصراة.
وسنعتذر عن ذكر الصالح في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأيضًا فإن المشتري لا يلزمه أن يأخذ معيبا، وقد نقد الثمن في سليم من العيب, لأنَّ ذلك تجارة لم يرض بها.
وكذلك لا يلزم المشتري إذا بذل البائع له قيمة العيب قبول ذلك منه لأنَّه لم يرض إلاَّ بشراء سليم من العيب.
وكذلك أيضًا لا يجبر البائع على دفع قيمة العيب لأنَّه لم يرض أن يبيع إلاَّ بالثمن الذي أخذه فلا يلزمه البيع بأقل منه.
فإن قيل: قد قلتم في استحقاق الأقل من المبيع إذا كان جملة عدد: إنَّ البيع منعقد في الأكثر، ويرجع المشتري بما استحق، فهلاَّ كان حكم العيب كذلك, لأنَّه جزء ذهب من المبيع كما ذهب الجزء بالاستحاق؟ قيل: استحقاق ثوب من عشرة أثواب لا يعيب الثياب الباقية ولا يزهد في المقصود منها.
وإذا اشترى ثوبًا فوجد قطعًا أو خرقًا، فإنَّ ذلك الجزء الذاهب، وإن اختص بمحله، فإنَّه يسري إلى جملة الثوب، وكأنَّ العيب وجد في كل جزء منه، فصار المقصود من المبيع لم يحصل، فأشبه استحقاق الأكثر من العدد في المبيع.
فإذا علم أنَّ الحكم مع قيام المبيع وكونه لم يتغيَّر تخيير المشتري من الرد وأخذ الثمن، أو يتمسك بالمبيع ولا شيء له، فإنَّ التراضي على أخذ الأرش وهو قيمة العيب جائز.
قال القاضي أبو محمَّد في غير هذا: خلافًا لمن منعه.
والذي أشار إليه بأنَّه معه هو الشافعي, لأنَّه منع من ذلك.
منع من أخذ عوض عما ثبت للشفيع عن إسقاطه ما له من التخيير في الأخذ بالشفعة أو إسقاطها على مالًا يأخذه, لأنَّه يقدر أنَّ التخيير المستحق في مثل هذا ليس بمال فيصح أن يعاوض عنه بمال.
وخالفه ابن شريح من أصحابه فاجاز التراضي على أخذ الأرش، كما يجوز الترانحي على إسقاط القصاص، لكون ذلك مما يرجع إلى م الذي بعض الأحوال.
وهذا الذي أشار إليه القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا من أنَّ مذهبنا جواز التراضي على أخذ الأرش، ومذهب غيرنا المنع منه، يجب عندي أن يفصل القول فيه إذا قصد إلى حكايته المذهب.
فيقال: إن علم المتبايعان بمقدار قيمة العيب قبل التراضي به، فإنَّ هذا لا يمنع، ولا يتصوَّر فيه وجه يوجب المنع منه، لارتفاع الجهالة مع هذا التراضي، ويقدر أنَّهما استأنفا عقدا ثانيا بثمن معلوم.
وأمَّا إن تراضيا على الرجوع بقيمة العيب، وهما غير عارفين بقيمته، فإنَّ هذا يجري عندي على القولين في مسألة استحقاق أكثر الصفقة المبيعة، كمشتري عشر ثباب استحق منها ثمانية، فإنَّ المشهور من المذهب منع المشتري من الاستمساك بالثوبين الباقيين بمقدار حصتهما، لكون ذلك كابتداء عقد بثمن مجهول.
وأجاز له لك في كتاب ابن حبيب وكذلك التراضي بأخذ الأرش مع كون المشتري قادرًا على أن يرد المبيع المعيب ويسترجع الثمن المعلوم الذي دفع، فعدوله عن ذلك، كاستئناف عقد بثمن مجهول، فبمنع على المذهب المشهور.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: العقود ثلاثة
1 - عقد معاوضة مبني على المكايسة كالبيع المحض، فهذا يثبت فيه الرد بالعيب.
2 - وعقد طريقه الصلة المحضة كالهبة والصدقة، وهذا لا يتصوَّر فيه حكم الرد بالعيب، إذ لا عوض له يرتجعه بالرد بالعيب.
وعقد ظاهرة المكارمة وباطنه المعاوضة كالهبة المقصود بها طلب المكافأة، فهذا نبسط القول فيه في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى.
وحكى القاضي إسماعيل، رضي الله عنه عبد الملك ابن الماجشون أنَّ الموهوب لا يرد الهبة بالعيب.
وقاله المغيرة إلاَّ في العيب المفسد.
وكأنَّ من ذهب إلى هذا يقدر أنَّ الموهوب إنَّما قبل الهبة ليبذل أكثر من قيمتها، فإذا لم يكن قصد الموهوب المكافأة بالقيمة بل بأكثر منها, لم يكن له مقال, لأنَّ سبب وجوب الرد بالعيب ما يؤدي إلى الانتقاص ممَّا دخل عليه المشتري.
قال القاضي أبو محمَّد.
رضي الله عنه: وحدوث عيب عند المشتري ليس
بفوت يمنع الرد.
وهو بالخيار.
إن شاء رده وما نقصه العيب عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ الأرش.
قال الإِمام رحمه الله يتعلَّق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما أقسام العيوب الحادثة عند المشتري؟
2 - وما حكم كل قسم منها؟
3 - وما وجه إسقاط مطالبة المشري بالعيب اليسير إذا حدث عنده؟
4 - وما الدليل على ما ذكره القاضي أبو محمَّد من تخيير المشتري؟
5 - وهل بي سقط التخيير بإسقاط البائع طلب قيمة العيب الحادث؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: العيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام:
عيب يسير ومثله في المدونة بالحمى والصداع والرمد والكي والدماميل.
وأشار إلى كل عيب محتقر لا يؤثر كبير نقص في، الثمن.
وقد خولف في أحد ما مثل به وهو الحمى.
فرأى سحنون أئَّها ليست من العيوب اليسيرة التي يعفى عنها.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنَّ مراد ابن القاسم الحمَّى اللطيفة التي يقرب زوالها وانقشاعها.
وكذلك الرمد يختلف حاله.
وذهب ابن كنانة إلى التوقف عن الرد للمبيع حتَّى ينكشف حال المرض، هل يموت العبد أو يفيق؟ وهو اختيار بعض أشياخي فيما ذكره ابن القاسم في المدونة في الرمد والحمى.
وفي رواية ابن القاسم أنَّ المرض لا يمنع من الرد إلاَّ أن يكون مخوفا.
وبالجملة فإنَّ مرجع الاختلاف والاضطراب في هذه المسائل راجع إلى ما يغلب على ظن الفقيه: من كون العيب الحادث يبطل الغرض المقصود فيمنع من الرد ويوجب قيمة العيب، أو لا يبطل الغرض المقصود فيثبت الخيار بين الرد وغرامة قيمة العيب الحادث، أو التمسك وأخذ قيمة العيب القديم، فيما غلب على ظنه من هذه الأحوال حكم للعيب بحكم ما قيل فيها.
1
والجواب كن السؤال الثاني أن يقال: أمَا العيب اليسير الحادث عند المشتري، فالحكم أن يعفى، ولا يلزم المشتري غرامته إذا اختار الرد.
وأمَّا العيب الذي ينقص من الثمن مما له مقدار وبال، ولكنَّه لا يبطل الغرض المقصود من المبيع، فإنَّ مذهب مالك رضي النه عنه أنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد المبيع وقيمة العيب الحادث عنده، أو يتمسَّك ويأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنَّ المشتري لا حقَّ له في رد المبيع، وإنَّما حقه أخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع.
وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد كما قاله مالك وإن 1 رد ما نقص عنده، لكنَّه إن أمسك، لم يأخذ قيمة العيب خلافًا لما حكيناه عن مالك رضي الله عنه.
وذكر الطحاوي أنَّه قد خالف بعض من تقدَّم ومن تأخَّر في حكم العيب الحادث، فقال عطاء: لا عهدة بعد الموت.
وقال محمَّد بن شجاع: لا مطالبة للمشتري بالعيب القديم قال: وهو القياس, لأنَّ العيب ليس بمثمون، ولو كان مثمونًا لأخذ قيمة العيب مع قيام المبيع.
فأشار إلى أنَّ الحكم الرد بالعيب القديم.
ولكن إذا رد المبيع على البائع، على حسب ما أخذه منه، فإذا لم يمكنه ذلك، لم يمكن من رده، وإذا لم يمكن من رده، بطل حقه في القيام به.
وهذه جملة المذاهب في هذا القسم.
وأمَّا حكم العيب الذي يبطل الغرض المقصود فإنِّه يمنع من الرد، لكون الرد لعين المبيع يكون في معنى المستحيل.
وإذا امتنع، كان من حقه أن يطلب ثمن الجزء الذي عاوض عليه ولم يدفعه البائع.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا وجه العفو للمشتري عن غرامة
العيب اليسير الحادث عنده، فإنَّ الأبهري أشار إلى أن هذا الحكم إنَّما يختص بعيب حدث عنده لا يؤثر نقصًا بشرط أن يكون النقص يسيرًا.
وقال بعض المتأخرين: إنَّما كان الأمر هكذا لأنَّ العيب من جهة البائع.
فإن كان عالمًا به، فقد دلس وفعل ما لا يحل، وظلم والظالم أحق أن يحمل عليه.
فإن لم يعلم، فإنَّه مفرط.
إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، والمفرط كالمتعمد في هذا المعنى، مع كون الغالب حدوث هذه العيوب اليسيرة، فيقدر البائع كالعاقد على أن يتجاوز عن المشتري فيها.
ومال بعض المتأخرين إلى أن لا يعفى للبائع عن العيب اليسير إذا اطلع عليه المشتري، ولا فرق بين البائع والمشتري في هذا.
وقد أشرنا نحن إلى ما قيل من الفرق بينهما من كون البائع مدلسًا ومفرطًا، فوجب أن يحمل عليه.
ومال بعض أشياخي إلى أنَّه لا يصفح للمشتري عن ذلك إذا لم يكن البائع مدلسًا، لأنَّه يرى المدلس ظالمًا يحمل عليه بخلاف من لا يدلس.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أمَّا ما ذكرناه عن محمَّد بن شجاع فقد وجَّهناه.
وأمَّا ما ذكرناه عن أبي ثور فإنَّه يحتج بحديث المصراة.
وقد قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إمَّا أمسكها أو رد وصاعًا من تمر" 1 الحديث المشهور.
فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع.
والإنفصال عن هذا الذي قال أنَّ الذي احتلبه المشتري ليس كالعيب الحادث عنده، وإنَّما هو لبن فيه حق البائع، وهو ما كان حين العقد، وفيه حق للمشتري، وهو ما كان بعد العقد، لا يتميَّز هذا من هذا، فجعل عليه السلام عوض اللبن الذي من حق البائع مع الشاة.
فأفاته قبل الرد.
وأمَّا سبب الخلاف بين مالك والشافعي فإنه يلتفت فيه إلى تغليب أحد الضررين.
فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغيَّر، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع.
وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم 1 عوض النقص لأنَّه لم يدخل على ذلك.
فإذا تقابل الضرران، رُجِّحَ أحدهما على الآخر.
فرجَّح مالك جنبة المشتري بما قدَّمناه من كون البائع متعمدًا للتدليس أو مفرطًا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه.
ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه، ألا ترى أنَّ العنين إذا ضرب له الأجل فقال: وطئت.
وقالت المرأة: لم يطأ، فإن مالكًا لا يصدقها, لمَّا كانت تحاول فسخ العقد والزوج يحاول استدامته.
وأجيب عن هذا التشبيه بأنَّ الزوج إذا قال: وطئت، فإنَّه لم يسلم العيب الذي ترد به المرأة النكاح.
ومسئلتنا في عيب اتفق عليه المتبايعان.
ألا ترى أنَّ الزوج إذا طلق وقال: كنت ارتجعت، فإنه لا يصدق، وإن كان يدعي ما يستديم العقد، لمَّا كان الطلاق وانقضاء العدَّة قد ثبت، وهو يحاول رفع ما ثبت من ذلك.
وأمَّا حديث المصراة، فإنَّ المخالف يقول فيه: ما فعله المشتري إنَّما هو استعلام العيب.
والحادث المفتقر إليه في استعلام العيب لا يؤثر بخلاف ما حدث مما لاتعلَّق له بالكشف عن العيب.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا حاول المشتري الذي حدث عنده عيب رد المبيع لعيب قديم، فلا قدرة للبائع أن يصده عن ذلك.
وإن حاول
التمسك بالمبيع ومطالبة البائع بقيمة العيب القديم فقال البائع: أنا أحط عنك قيمة العيب الحادث عندك، فلا يكون لك الخيار إلاَّ في التمسك، ولا مطالبة لك علي أوتردَّ علىَّ ولا شيء على ولا شيء عليك.
كما لو اطلعت على عيب كان عندي ولم يحدث عندك عيب، فإنَّك لا تمكن من مطالبتي بقيمة العيب.
فإسقاط غرامة العيب الحادث عندك يصيره كما لم يحدث عندك فإنَّه يمكن من ذلك في المشهور من المذهب.
وحكى ابن مزين عن عيسى ابن دينار أنَّه لا يقبل هذا من البائع، بل يبقى المشتري على خياره بين أن يردَّ ويأخذ ما نقص أو يمسك ويأخذ قيمة العيب.
ولم يقدر أنَّ علَّة إثبات التخيير للمشتري ما توجَّه عليه من غرامة.
ألا ترى أنَّه قد قيل في إحدى الروايتين في الحيوان الهزيل إذا سمن: إنَّه يرده، إن شاء، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب وإن لم تتوتجَّه عليه غرامة.
وهذا التشبيه ضعيف لأنَّ الخسارة للسمن كالغرامة لأخذ قيمة العيب.
وقد قال بعض الأشياخ إنَّ مذهب عيسى يقتضي تمكين المشتري من المطالبة بقيمة العيب وإن لم يحدث عنده عيب لأنَّ البائع لمّا أسقط عن المشتري غرامة ما حديث عنده، صار كمن لم يحدث عنده شيء.
وهذا قد ينفصل عنه بأنَّ تخير المشتري حق له قد ثبت، وإن كانت علَّته الغرامة التي تلحقه مرتفعة، فرفع الغرامة بعد أن استقرَّ حكمها كما قيل في المسائل التي ترتفع عللها ولا يرتفع حكمها على ما سيبسط في أصول الفقه.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب قبل هذا: فإن فات، لم يكن له إلاَّ الأرش.
والفوت هو ما لا يمكن الرد معه إمَّا لتلف المبيع كالموت والزمانة والهرم الذي لا يبقى معه انتفاع به، وإمَّا لتلف الملك كالعتق والتدبير والاستيلاد والكتابة، وفي بيعه خلاف.
والصحيح أنَّه فوت يوجب الأرش.
والإباق فوت.
قال الإِمام رحمه الله يتعلَّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا.
منها أن يقال:
1 - ما أقسام التغير الحادث عند المشتري على التفصيل.
2 - ما يتوقَّع
منها مثل تغير الأسواق.3 - والاختلاف بنقص.
مثل تغيرها بزيادة؟ 4 - ومثل تغير البدن بزيادة ومثل تغيره بنقص أو زيادة؟ 5 - ومثل ولادة الأمة؟ 1 6 - وما الحكم في تلف الملك بالبيع؟ 7 - وما حكم المعيب إذا عاد إلى يد مشتريه؟ 8 - وما حكم تكرار البيع فيه بتدليس وغير تدليس؟ 9 - وما حكم المشتري إذا باع بعض المبيع؟ 10 - وما حكم وطء الأمة المبيعة؟ 11 - وما حكم رهن العبد المعيب وإجارته؟ 12 - وما حكم العيب في بعض الصفقة؟
فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: التغيير الحادث عند المشتري على قسمين: تغيير من ناحية القيمة، وتغيير من ناحية العين والتغيير من ناحية القيمة على قسمين: زيادة من ناحية القيمة، وزيادة من ناحية الجسم.
والتي من ناحية القيمة على قسمين أيضًا: زيادة من ناحية السوق، وزيادة من ناحية لا تشاهد في الجسم.
ولكل واحد من هذه الأقسام حكم وفروع يسيرة.
فأمَّا حكم الزيادة من ناحية القيمة، فإنه لم يختلف عندنا في أنَّها لا تأثير لها.
ولا تغير ما قلناه في حكم العيب المطلع عليه من كون المشتري بالخيار إمَّا أن يتمسَّك ولا شيء له، وإمَّا أن يرد ولا شيء عليه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمَّا التغيير من ناحية السوق، فقد ذكرنا أنَّه لا تأثير له.
ومال بعض الأشياخ إلى اعتباره.
وقد اعتبر أهل المذهب في البيع الفاسد تغيير السوق وجعله أهل المذهب فوتًا يمنع من فسخ البيع الفاسد.
وما ذلك إلاَّ لأجل الضرر اللاحق بالفسخ، لكون السوق إذا زاد، أضرَّ بالمشتري فسخ البيع، وإذا نقص، أضرَّ ذلك بالبائع لكونه ترجع إليه سلعته وهو يخسر فيها.
فجعل حوالة الأسواق فوتًا على الإطلاق، لمَّا تساوى هذا الضرر بين البائع والمشتري، فعدل بينهما بأن جعل تغير السوق بزيادة أو نقص فوتًا في حقهما جميعًا.
وكان مقتضى التعليل الذي أشرنا إليه أن يكون الفوت في حق
المشتري إذا زادت الأسواق وفي حق البائع خاصة إذا نقصت الأسواق.
لكن لما تساوى الإمكان في الزيادة والنقصان من الطرفين جميعًا جعل ذلك حكمًا عامًا.
وقد أشار المتقدمون إلى الفرق بين البيع الفاسد والرد بالعيب، فإنَّ البيع الفاسد دخل فيه المتعاقدان، ولا مزية لأحدهما فيه على الآخر.
والعيب من جهة البائع؛ لأنِّه إن تعمَّد، كان مدلسًا.
وإن لم يتعقَّد، كان مقصرًا إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، فلم يكن لاعتبار التدليس من غير جهته معنى، مع كونه مدلسًا أو مقصرًا.
وإذا لم يعتبر ذلك من جهته، لم يعتبر أيضًا من المشتري زيادة السوق عدل أبي نهما.
وأمَّا إن كان تغير القيمة ليس من ناحية السوق لأمر أثر في البدن لحدوث سرقة العبد أو زناه أو إباقه عند المشتري، فإن هذا وإن نقص من ثمنه، فقد قال ابن حبيب: لا مطالبة على المشتري إذا ردَّ بالعيب بقيمة هذا العيب الحادث عنده.
وأنكر أشياخنا مذهبه هذا ورأوه خلاف الأصول.
وحاول بعضهم إثبات خلاف في هذا، فأشار ما رآه 1 ابن القاسم في المستخرجة من أن مشتري جارية اطلع فيها على عيب بعد أن أزوجها وولدت، أنَّه إن اختار ردَّها بالعيب، لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده، وقدر هذا المتأول أنَّه إنَّما قال ذلك لكون عيب النكاح نقصًا في القية لم يؤثر في العين، فأشبه حوالة السوق.
وهذا عندي قد يعتذر عنه بأنَّه ذكر في الرواية أنَّ الأمة ولدت، ويمكن أن يكون ولدها جبر عيب النكاح ومحا أثر نقصه، فلم يتوجه لأجل ذلك على المشتري غرامة، كما سنحكيه عن المدونة بعد هذا في جبر عيب النكاح بقيمة الولد.
وإنَّما يبعد هذا التأول الذي تأولناه كونه لم يقيد الجواب كما قيَّده في المدونة باعتبار قيمة الولد، هل يجبر عيب النكاح؟ فلهذا أطلق الجواب ولم يقيده.
وقد روى محمَّد ابن صدقة في المدنية عن مالك فيمن اشترى أمة فأزوجها ثُمَّ اطلع على عيب، أنَّه له أخذ قيمة العيب أو ردَّا مع ما نقص النكاح.
وهذا الذي قاله هو أصل
المذهب لمَّا لم يكن ها هنا ولد حادث يجبر به.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا تغير القيمة بزيادة من ناحية السوق، فقد تكلَّمنا عليه.
وأمَّا تغيرها بزيادة من ناحية تعلم صناعات، فإنَّ المشهور من المذهب أن من اشترى عبدًا فعلَّمه صناعة زاد بها ثمنه، أو جارية علَّمها صناعة زاد بها ثمنها، فإنَّ المشتري إذا اطلع على عيب لم يكن له أخذ قيمة العيب لأجل هذه الزيادة، بل يخير بين الرد ولا شيء عليه 1 أو الإستمساك ولا شيء له.
هذا هو المنصوص في المذهب.
وحاول الأشياخ فيه تخريج خلاف.
فقال بعضهم: قد وقع في الموّازيّة فيمن اشترى عبدًا فأعتقه وعليه دين فردَّ السلطان عتقه وباعه عليه في الدين، ثم أيسر المديان ثم أعسر، فاطلع المشتري من السلطان على عيب قديم كان عند البائع، أنَّ للمشتري أخذ قيمة العيب, لأنَّه إن ردَّه بالعيب أعتق على المديان المبيع عليه العبد لأجل ما حدث له من اليسر.
وإذا أعتق عليه وقد صار معسرًا، لم يجد مشتريه عنده ما يأخذ منه الثمن، فكان تخوف هذه الخسارة عذرًا له يوجب له أخذ قيمة العيب.
وكذلك خسارة ما أنفق عليه المشتري من أجرة في تعليم صناعة.
وهذا يجاب عنه بأن يقال: العذر في مسألة ابن الموّاز كون المشتري لمَّا اختار الرد تضمَّن الردَّ المطالبة بالثمن، وهذا لا يجد ثمنًا، فلم يلزمه تسليم المثمون من غير أخذ ثمنه.
وما أنفق من أجرة في تعليم صنعة لا تعلق له بالرد ولا بالثمن، فلهذا لم يكن للمشتري فيه مقال.
وحاول بعض أشياخي أن يخرج خلافًا في المسألة مما وقع في المبسوط من أنَّ من تزوَّج امرأة، وأصدقها خادما، وعلمتها صناعة أن فيها أجرة، فطلقها الزوج قبل البناء ووجب له ارتجاع نصف الأمة، أنَّه يجب عليه غرم نصف الأجرة، فلمَّا أوجب على الزوج غرامة ما أنفقته الزوجة التي هي مشترية 2 للأمة، فكذلك يجب أيضًا للمشتري عبدا فردَّه بعيب أن يكون له مقال فيما أنفق.
وهذا الذي قاله شيخنا فيه نظر أيضًا عندي، لأنَّه قد قيل في أحد القولين: إنَّ الزوجة إذا اغتلت الجارية، التي هي الصداق، ثمَّ طلَّقها الزوج، أنه يرجع عليه ابن صف ما أغتلت، لأجل أنَّه يقدر أن نصف الصداق لم ينتقل عن ملكه، وإئَّما يستقر لها ملك جميعه إذا دخل بها.
والمشتري المطلع على عيب لا يرد الغلَّة باتفاق لكون ملكه مستقرًا.
فهذا التعقب الذي يظهر لي في التخريجين جميعًا.
وإن كان ما ذكرته من التعقب على تخريج شيخي أظهر من التعقب الآخر على غيره.
وأشار بعض الأشياخ أنَّ هذا ينبني على ما ذكره ابن حبيب من كون الإباق الحادث عند المشتري لا مطالبة عليه بقيمته لكونه عيبًا لم يؤثر في الخلق بل في الأخلاق.
فكذلك المطالبة في هذه الزيادة لا تجب لكونها ليست بزيادة في الجسم.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا اشترى حيوانًا عبدًا أو دابَّة وهو سمين فهزل أو عجف، أو هزيل أو أعجف فسمن، فإنَّ المذهب اضطرب في ذلك.
فذكر ابن حبيب أنَّ ذلك فوت.
وذكر عن مالك أنَّ ذلك ليس بفوت.
وذكر عن ابن القاسم أنَّه يرى الهز الذي ذلك فوتًا ولا يرى السمن فوتًا.
وفي الموّازية أنَّه إذا عجفت الدابة التي اشتراها، فإنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقص العجف، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب.
وفي الموّازية أيضًا أنَّ الأمة إذا سمنت يردها ولا شيء له أو يمسكها ولا شيء له.
وذهب ابن مسلمة إلى أنَّ العجف فوت يوجب أخذ قيمة العيب ولا يمكن المشتري من الرد.
وكذلك ذكر في المدونة في صغير كبر أو كبير هرم، أنَّ ذلك
فوت والحكم فيه أخذ قيمة العيب.
وذكر أيضًا أنَّه بالخيار في الصغير إذا كبر بين أن يرده ولا شىء له، أو يمسكه ويأخذ قيمة العيب.
وذكر أيضًا في الهرم أنَّه يرده ويرد ما نقص.
وذكر في الموازية أنَّ من اشترى أمة مريضة فصحَّت، أو هزيلة فسمنت، أو سمينة فهزلت، أنَّ ذلك لا تأثير له، وهو بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد.
وجميع هذا يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة، هل هذه الأمور تؤثر تأثيرًا يغير المقصود، ويصير المبيع كأنَّه ليس بالعين المبيعة، فيكون ذلك فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب، أو لا يكون ذلك تغييرًا مؤثرًا فيسقط حكمه، أو مؤثرًا تأثيرًا له بال لم يغيو المقصود فيكون بالخيار.
وقد علم أنَّ المذهب أنَّ تكليف المشتري غرامة قيمة عيب حدث عنده عذر له وإضرار به يوجب له أخذ قيمة العيب.
وأمَّا خسارته سمنا أو إنفاقًا على صغير كبر، فإنَّ هذا فيه الإضطراب الذي حكيناه.
وقد ذهب بعض الأشياخ إلى أنَّ ما يؤدي من قبالة السلطان على شراء ما يشترى، أنَّ ذلك عذر للمشتري يوجب له أخذ قيمة العيب إذا شاء.
وخرَّجه بعض الأشياخ على ما قدمناه من أداء إجارة على تعليم العبد صناعة.
وقد قيل في الغاصب إذا نقل ما أدى عليه ثمنًا من طعام وشبهه، فإن ذلك يوجب له حقًا في أن لا يؤخذ منه عين الطعام، على ما سنبيِّنه في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى.
وهكذا قال بعض الأشياخ إنَّه إذا حمل سلعة ثقيلة اشتراها وأدَّى في العمل إجارة، أنَّ ذلك يوجب تمكينه من أخذ قيمة العيب إذا شاء ذلك، لئلاَّ يخسر ما أدَّاه من أجرة العمل.
وبعض أشياخي يخرج فيه اختلافًا على حسب ما ذكرناه.
وقد روى أبو قرة
عن مالك فيمن اشترى سلعة فنقلها وأدَّى في نقلها أجرة، أن له أخذ قيمة العيب من البائع، إذ القيمة 1 بالموضع الذي نقلها إليه.
وعلى هذا الكلام في تغير البدن بنقص.
فالمشهور من المذهب أنَّ الشلل والعمى ومصير العبد مقعدًا ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب.
بل المشتري بالخيار بين أن يرد ويردَّ ما نقص، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب.
ورأى ابن مسلمة أنَّ هذا فوت يمنع الرد ويوجب أخذ قيمة العيب.
وكذلك رأى قطع ذنب البغلة المركوبة أو الفرس المركوب.
وهذا كلّه اختلاف في شهادة بعادة.
والمعتبر ما قدَّمناه من ذهاب المقصود بالمبيع أو بقائه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اشترى أمة فأزوجها، ثُمَّ اطلع على عيب قديم، قد تقدَّم كلامنا على العيب من ناحية نقص النكاح، وأشرنا إلى ماوقع من الإضطراب عليه، وأن بعض المتأخرين أشار إلى إسقاط الغرامة عن المشتري لأجل عيب النكاح؛ لأنَّه رآه كعيب من ناحية الأخلاق.
وقد قدَّمنا عن ابن حبيب أنَّه لا يرى ما حدث من عيب من ناحية الخلق، لا من ناحية الخلْق، يوجب على المتشري غرامة.
ويتعلَّق هذا التأويل بما وقع في المستخرجة من رواية ابن القاسم فيمن أزوج أمة فولدت ثمَّ اطلع على عيب قديم، أنَّ له أن يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له.
وقلنا نحن: يحتمل أن يكون مراد ابن القاسم أنَّ الوالد يجبر عيب النكاح.
ألا ترى أنَّه قد وقع لمالك في المدوّنة أنَّ المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويرد ما نقص.
ولكن هذا الذي وقع في المدنية أنَّ الأمة ولدت.
وأجاب عن ذلك على مقتضى الأصل.
وحاول بعض الأشياخ تخريج قول على النقيض من هذا، وقال: إنَّما لم يجعل في المدوّنة إنكاح الأمة فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب ويمنع من الرد مع ما نقص بناء على
قوله إنَّ العمى والشلل والقطع ليس بفوت يمنع من الرد.
وقد ذكرنا عن ابن مسلمة أنَّه يرى ذلك فوتًا يمنع من الرد ويوجب أخذ قيمة العيب.
وينبغي أن يكون إنكاح الأمة كذلك لأنَّه يتلف المقصود منها, لا سيَّما إن كانت سريَّة, لأنَّ الغرض من السريَّة وطؤها، وقد امتنع لسبب التزويج.
وإن كانت من الوخش فتردّد الزوج إلى دار سيدها يقتضي التمكين من وطئها مما يعظم الضرر فيه، فوجب أن يكون ذلك فوتًا.
فأنت ترى كيف بالغ بعضهم في تحقيره حتَّى لم يجعل له تاثيرًا، وبالغ بعضهم في تعظيمه حتَّى جعله فوتًا يمنع من الرد.
فإذا تقرَّر هذا وثبت أنَّ المشهور من المذهب تمكين المشتري من رد الأمَّة وما نقص منها عيب النكاح، فإنَّها إن كانت ولدت من هذا النكاح فردَّها على سيدها بالعيب القديم فإنَّه لا يمكن البائع الذي ردَّت عليه من فسخ هذا النكاح لكونه عقد بوجه جائز.
ولكنَّه في المدونة اعتبر قيمة الولد، هل في قيمته ما يجبر به عيب النكاح؟ فيرتفع هذا العيب ويكون المشتري بالخيار بين أن يردَّها بالعيب القديم ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له، كما لو لم يحدث عنده عيب.
وذكر سحنون في المدونة أنَّ غيره لا يجبر عيب النكاح بقيمة الولد، كما لا يجبره بالنماء الحادث فيها.
وقد اشتهر عن الشيخ أبي القاسم السيوري أنَّه كان يذهب إلى أنَّ الولد غلة، كاللبن والصوف.
وإذا كان كذلك كان الولد للمشتري.
ويعتضد بهذا الذي وقع في المدوّنة من قوله إنَّ المشتري يجبر به عيب النكاح.
فلولا أنَّه له كما تكون الغلات ما جبر به ما لزمه من عيب النكاح، وأدَّاه في غرامة وجبت للبائع عليه.
وهذا الذي يشير إليه مما يصعب الانفصال عنه من ناحية الفقه.
لكن من ناحية ما يؤدي إليه من تناقض في الرواية يسهل الانفصال عنه.
وذلك أنَّه في هذه الرواية أوجب رد الولد وجبر به عيب النكاح.
وعيب النكاح إنَّما يلزم فيه قيمة، ولا يلزم فيه أن يدفع المشتري عرضًا بغير اختياره.
ولا يلزم البائع أيضًا قبول عرض عن دنانير وجبت له على المشتري إلاَّ باختياره.
وها هنا جعل الحكم ردّ عين الولد، وهذا يقتضي أنَّه أنزل الولد
منزلة بعض أعضائها، فلهذا أوجب ردَّه معها.
وبعض أعضائها لا يكون غلة، ألا ترى أنَّ ولد المدبرة مدبر والمعتقة معتق والمكاتبة مكاتب وولد الأمة عبد وإن كان أبوه حرًا.
وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكم أحد أعضائها.
وأيضًا فإنَّه أوجب رد الولد وإن كانت قيمته أضعاف ما لزم المشتري من قيمة عيب النكاح.
فلو كان الولد للمشتري كما تكون الغلة له، لم يخرج من يده ما فضل من قيمة عيب النكاح.
وقد اعتذر بعض أشياخي عن هذه الرواية بأنَّه إنَّما راعى نفي الضرر.
فإذا رجع إلى البائع مثل ما دفع من غير خسارة عليه، لم يكن له مقال.
فإذا لحقته خسارة، كان له مقال.
كما قيل فيمن باع عبدًا ثمَّ اطَّلع على عيب قديم وقد أخذ في العبد مثل الثمن الذي يرجع به على البائع لو ردَّ عليه بالعيب: أنَّه لا مقال له.
وهذا الإعتذار يلزمه على مقتضاه أن يجبر عيب النكاح بنماء الجارية في بدنها حتَّى يكون هذا النماء يزيد في قيمتها ما يجبر به عيب النكاح، لكون الضرر أيضًا قد ارتفع على حسب ما ارتفع بجبران الولد قيمة عيبها.
والذي يظهر لي من الاعتذار طريقة أخرى، لولا أنَّه وقع أيضًا في الرواية ما يعارضها.
وذلك أنَّ الولد إذا أخذه البائع، وهو زيادة على ما كان باعه، فإنَّ هذه الزيادة لولا هذا النقص الذي هو عيب النكاح لم يحصل البائع 1. فمن البعيد أن يأخذ زيادة ويرضى بها ويقدر أنَّها لم تكن إلاَّ على ملكه ثمَّ يطلب عوض جنايتها وما كان سببًا في وجودها، فإنَّ هذا كالمتناقض.
وهذا عذر واضح.
ولكن مقتضاه ألاَّ يجبر الولد عيبًا آخر حدث بالمشتري ليس هو عيب النكاح.
وقد وقع في الموازية أنَّه يجبر به عيبًا آخر حدث عنده ليس هو عيب النكاح.
فإن لم نقل بهذا الذي ذكر ابن المواز كان اعتذارًا عما وقع في هذه الرواية اعتذارًا صحيحًا.
وهذا الذي ذكره من العذر يكون انفصالًا عمَّا احتجَّ به أشهب على ابن القاسم من مباينته الولد على النماء كجزء من جسمها حسًا وحقيقة، فهو كأحد أعضائها, ولم يكن من أمر طلب البائع أن يعطي عوضه.
وهذا الذي ناقض به أشهب ابن القاسم قد وقع في رواية أيضًا التزامه.
وذكر في كتاب الوديعة من المدونة أنَّ ابن القاسم روى عن مالك أنَّه يجبر عيب النكاح بزيادة قيمتها.
وحملوا ذلك على أنَّ المراد زيادة قيمتها من ناحية نماء بدنها.
وهكذا رواه ابن شعبان في مختصره عن مالك.
ولا يلزم على هذا المذهب أن يجبر عيب النكاح بزيادة سوقها من ناحية انتقال الأسعار لا من ناحية نماء البدن, لأنَّ التقويم إنَّما يكون في العيوب أخذًا لقيمتها أو ردًا معتبرًا يوم الصفقة، وما كانت تساوي حينئذ يوم العقد، فلا معنى لاعتبار زيادة السوق بعد ذلك في جبران عيب النكاح.
وإذا قلت بمذهب ابن القاسم في جبران عيب النكاح بقيمة الولد، فإنَّ صفة هذا الجبر أن يقال: ما قيمة هذه الأمة يوم الصفقة وهي سالمة؟ فيقال: مائة دينار.
ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانون.
ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس وعيب النكاح على أنَّ معها ولدها.
فإن قيل: ثمانون، فقد علمنا أنَّ النكاح لم يؤثر نقصًا لأجل الولد.
وإن قيل: قيمتها سبعون، فقد علمنا أنَّه أثر نقصًا، فيطالب بمقدار هذا النقص الذي كان عن النكاح بنسبته من الثمن على حسب ما يأتي بيانه في تقويم العيوب إن شاء الله تعالى.
ولمَّا ذكرنا عن الشيخ أبي القاسم السيوري ما انفرد به عن أهل المذهب من كون الولد غلة عنده.
وذكرنا تعلقه بما وقع في هذه المسألة، فلنذكر تعلقه بما وقع في مسألة أخرى.
وذلك أنَّه ذكر ابن الموّاز عن مالك أنَّه إذا باع أمة فأزوجها المشتري فولدت عنده فباع الولد، أنَّ البائع، إذ فلس هذا المشتري، فأراد ارتجاع ما باع 1، فإنَّه يأخذ الأمة ولا مطالبة له بما أخذ المشتري في ثمن
ولدها.
قال: لأنَّ الولد غلَّة، بخلاف أن يرد الأمة بعيب وقد باع ولدها، فإنَّه يرد ما أخذ من ثمن ولدها.
فأنت تراه كيف نصَّ ها هنا على أنَّ الولد غلة، ولكنَّه لم يطرد هذا في رد الأمَّة بعيب.
وكان مقتضى هذا الذي قال أيضًا ألا يرد أيضًا ثمن الولد إذا باعه ورد أمَّه بعيب.
وقد حاول بعض المتأخرين اعتذارًا عن هذا بأنَّ من مُكّن من الرد بالعيب فإنَّه له أخذ جميع الثمن.
فإذا كان قادرًا على أن يردَّ هذه الأمة ويأخذ جميع الثمن، فإنَّه يحاسب بما أخذ من ثمن الولد، لأنَّ هذا الردَّ والنقص باختياره.
وفي التفليس البائع هو المختار لرد هذا البيع وارتجاع الأمَّة، فلا يحاسب المشتري بما أخذ في ولدها.
وهذا الفرق كما تراه لا يروح 1 ما أشرنا إليه من المناقضة الذي يقتضيها الولد بأنَّ الولد غلة.
وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ الأصل في التفليس ألاَّ يرد البائع ما عقده على نفسه من البيع.
لكن أوجب الخروج عن هذا الأصل ورود الحديث بذلك، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - (من أدرك ماله بعينه فهو أحق به) 2 الحديث المشهور.
فلعل استحقاق البائع رد المبيع في التفليس يكون ما باعه باقيًا بعينه.
والولد إذا بيع فليس هو عين ما باعه البائع.
ولو قرَّر أنَّه كعضو من أمه.
فهذا العضو ليس ما نصًا 3 ولا موجود، فبقي حكمه على مقتضى الأصل، لكون الحديث الناقل عن هذا ليس دليل الخطاب فيه إلاَّ أنَّ للبائع حقا إذا لم يكن ما باع موجودًا، ورد الولد إذا بيعت أمُه أو ردَّ ثمنه، لم يرد حديث يمنع من رد ثمن الولد.
فلمَّا وجب عين رد الولد (3)، وجب رد ثمنه.
وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ البائع ليس له في التفليس أن يحاص
بثمن الأم وثمن الولد إذا اختار الحصاص, لأنَّه ليس له إلاَّ ثمن واحد وهو ثمن الأمة.
فلمَّا لم يكن له إذا اختار الحصاص المحاصة بثمنه، فكذلك لا يكون له إذا اختار ترك الحصى وجعل 1 ما عقد من البيع أن يطالب بثمن الولد.
هذه الفروق التي يمكن أن يقال في هذا.
ولكن التحقيق يقتضي إذا قيل: إنَّ الولد غلة، أن يكون الحكم ألاَّ يرد الولد في عيب ولا تدليس، وإن كان قائمًا بعينه، فأحرى ألاَّ يرد ثمنه.
وإن قيل: إنّه ليس بغلة، بل كعضو منها، أن يكون يرد الولد في الجميع، وإذا وجب رد عينه، وجب رد ثمنه.
ويتضح وجوب الثمن في الرد بالعيب وفي التفليس قد يقال فيه ما أشرنا إليه من الفروق، وجميعها لا يكاد يسلم من مناقضة وممانعة فلمَّا كان ما ذكرناه عن كتاب ابن الموّاز من أوضح ما يتعلَّق به الشيخ أبو القاسم السيوري لذكره أنَّ الولد غلَّة، دعا هذا بعض أشياخي إلى أن قال: لم يرد أنَّه غلَّة على الحقيقة في سائر أحكام الغلة، ولكنه أراد أن الأمة إذا ردَّها في التفليس بعينها قدَّر كأنَّ الولد لم يكن لمَّا رجعت بعينها على كمالها، كما لو أصابتها موضحة فأخذ أرش الموضحة وردَّها على بائعها ولم تشنها الموضحة، ولا نقصتها، فإنَّه لا يرد ما أخذ من أرش الموضحة لمَّا ردَّ عين المبيع سالمة.
ومقتضى هذا الذي قال شيخنا من التعليل ألاَّ يرد الولد، وإن كان باقيًا، لكونه إذا ردَّ أمَّه دونه فقد ردَّها على الكمال، فلا يجب رد الولد، وهو قد جعل قولهم: إنَّ الولد يرد، فغير ماح أن يستقرَّ من هذا الذي قالوه في ثمن الولد كون الولد غلَّة.
فإذا تقرَّر هذا، فإنَّ هذا الولد إذا كان قائمًا هو وأمه لم ينص على خلاف في المذهب في أنه يرد مع أمه، إلاَّ ما أشرنا إلى ما خرَّجه الشيخ أبوالقاسم السيوري.
وقد أشار غيره إلى تخريجه مما رواه عبد الرحمان ابن دينار عن ابن كنانة فيمن اشترى أمة حاملًا فولدت فأخذ ولدها، أنَّه إذا لم يختر أخذ قيمة العيب واختار ردَّها، أنَّه يرد معها ما نقص من ثمنها لأجل ما كان يرجى من
ولادتها.
فلم يعتبر كون الولد كعضو منها استحقَّ البائع عليه رده بعينه، فإذا أتلفه، كانت عليه قيمته، بل راعى ما يكون من النقص من ناحية ما يرجو من ولادتها.
وأشار أيضًا إلى إجرائه على الخلاف في السمن، وقد تقدَّم ذكرنا الخلاف فيه لمَّا كان السمن غير متفصل من الأمة، والولد كأنَّه غير منفصل منها لمَّا لم تَجز التفرقة بينهما.
وهذا الولد لو مات وبقيت أمه، لكان الحكم تخيير المشتري في رد أمه وما نقصها النكاح، أو التمسك وأخذ قيمة العيب، ويقدر الولد كأنَّه لم يخلق.
وهذا أيضًا قد يقال فيه إذا قدَّرتموه كعضو من أعضائها وجزء منها, ولهذا أوجبتم رده بعينه على البائع.
فإذا مات وهو في يد المشتري، اقتضى ذلك أيضًا أن يرد قيمته كما يرد قيمة يدها لو شلَّت عنده.
قيل: اليد إذا شلت عنده، وجب رد قيمتها إذا اختار الرد لأنَّ لها حصَّة من أصل الثمن.
فلو ماتت الأم خاصَّة وبقي الولد وحده، فالظاهر أنَّ المذهب على قولين: مذهب ابن القاسم أنَّ الواجب قيمة العيب، ومذهب أشهب أنَّ البائع مخيَّر بين أن يعطي قيمة العيب أو يمنع من ذلك، ويخيَّر المشتري بين أن يتمسَّك بالولد ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد عليه الولد ويرد البائع جميع الثمن.
فكأن ابن القاسم قدَّر أنَّ الولد في حكم التبع وكجزء منها، فإذا ذهب المتبوع وهو الأم، صار التابع وهو الولد في حكم الذاهب أيضًا، ووجوده كلا وجود، ولو ماتا جميعًا، لكان الحكم أخذ قيمة العيب.
وكذلك إذا ماتت الأم وقدَّرنا أنَّ الولد الباقي كالميت بحكم كونه تبعًا لأمه.
وكأنَّ أشهب قدَّر أنَّه كمبيع ذهب بعض أجزائه عند المشتري وبقيت منه أجزاء، فتكون الأجزاء الباقية إذا رضي البائع بها، يأخذها على أن يغرم المشتري قيمة ما ذهب عنده، كان ذلك من حقه إلا أن يشاء المشتري التمسك بها, ولا يرد عمَّا قلناه من كون المذهب المشهور أنَّ البائع إذا أسقط عن المشتري غرامة ما ذهب عنده، صار المبيع كأئَّه لم يذهب عند المشتري منه
شيء، فإنَّما يكون له أن يقبل بجميع الثمن أو يرد ويأخذ جميع الثمن.
وقد كنَّا حكينا عن عيسى أنَّه لم يمكن البائع من هذا، وأبقى المشتري على خياره في أن يأخذ قيمة العيب.
فإن قيل: فإلكم ذكرتم عن أشهب أنَّه يرى بتمكين البائع من أن يؤدي قيمة العيب، فإن لم يفعل مُكن إذًا من ارتجاع الولد وردَّ جميع الثمن، إلاَّ أن يرضى المشتري بالتمسك.
والحكم في عيب حدث عند المشتري أن يكون هو المبدَّأ بالتخيير، ولا يبدأ البائع بأن يعطي قيمة العيب.
وفي مسألة الولد بدأ أشهب بتخيير البائع.
قيل: إنَّ الفوت ربَّما كان في حق البائع والمشتري إذا لم يمكن رد العين، كمن اشترى أمة فاطَّلع على عيب بها بعد موتها، فليس إلاَّ قيمة العيب.
وقد يكون الفوت في حقِّ المشتري خاصَّة، كمن اشترى أمة فشلت يدها عنده، فيكون المشتري مخيرًا بين أن يقدرها كالفائتة ويأخذ قيمة العيب، أو يقدرها كمن لم تفت فيردها ويرد معها ما نقص العيب الحادث عنده على ما سننبه عليه بعد هذا.
فيمكن أن يكون أشهب قدَّر هذا كالفوت في حقَّ البائع خاصَّة.
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنَّ ابن القاسم غير مخالف لأشهب في هذه المسألة.
واعتقد هذا لأجل أنَّه قد أورد في المدونة في باب بعد هذه المسألة، فقال: يأخذ المشتري قيمة العيب إلاَّ أن يشاء البائع أن يسترد الولد خاصَّة ويرد جميع الثمن، فيعود التخيير للمشتري في أن يقبل منه هذا، أو يتمسك بالولد ولا مطالبة له بقيمة العيب.
فقدَّر هذا أن الجواب الأوَّل وقع مطلقًا ووقع بعد ذلك مقيدًا، فيجب رد المطلق إلى المقيد.
وأنكر غيره من المتأخرين هذا الإعتقاد، وقال: قد قال سحنون عقيب هذا: هذا مذهب أشهب.
وهذا ينفي إضافة هذا المذهب لابن القاسم.
وأجاب غيره عن هذا بأنَّ المراد بقوله: هذا مذهب أشهب.
أي إنَّ هذا الذي قاله ابن القاسم مثل مذهب أشهب.
ولو بيعت الأم دون الولد لجرى الأم فيها على هذا الذي ذكرناه من اختلاف ابن القاسم وأشهب.
فعلى طريقة ابن القاسم الذاهب إلى أن الولد الباقي كالمعدوم، إذا عدمت هي يكون الحكم في هذا كالحكم لو باعاهما جميعًا، الأم والولد، فإنه لا مقال له.
وعلى مذهب أشهب الذي يراه كجزء ذهب من المبيع، وهي جزء آخر، إن باعها بأقلَّ من الثمن وأراد البائع أن يرد الثمن كله ويسترجع الولد، كان ذلك له إن يشأ المشتري أن يستمسك بالولد ولا مطالبة له بالعيب.
وأمَّا إن باع الولد خاصَّة فإنَّ له ردَّ أمه بالعيب، ويقدر أنَّه لمَّا ردَّ أمَّه بالعيب، انتقض العقد الذي كان بينهما، وإذا انتقض في الولد.
ولا سبيل إلى نقض عقد المشتري فيه، فوجب أن يطالبه أن يردَّ الثمن الذي أخذ فيه.
وقال أصبغ بأن يرد من ثمن الولد قيمته، وكأنَّه باعه مع أمِّه مولودًا.
وكأنَّه قدَّر أنَّ ردَّ قيمته كرد عينه، وما كان من نماء أو زيادة فله.
ولو قتلت الأم دون الولد، لجرى الأمر فيها أيضًا على هذا الذي بيَّناه من الإختلاف في كون الولد كالعدم، وإن كان باقيًا أو يقدر كبعض من المبيع بقي وذهب بعض آخر.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: أمَّا إذا فات المبيع المعيب ببيع المشتري له، فإنَّه إن باعه عالمًا بعيبه، فلا خفاء يكون ذلك رضي منه بالعيب وإسقاطًا لحقه في القيام به.
وأمَّا إن باعه، وهو لم يطلع على العيب، فإنَّ المذهب في هذا على روايات.
أحدها ما روي عن مالك، رضي الله عنه، من كون المشتري لا مقال له إذا باع.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم واعتلَّ بأنَّ المشتري إن كان علم بالعيب قبل أن يبيع، فقد رضي به، وإن كان لم يعلم، فإنَّه لم يحط من أجله من الثمن.
فإذا لم يلحقه ضرر من ناحية العيب في الغبن لأنِّها خرجت من يده، ولا في الثمن لأنَّه لم يبخس، لأجل العيب، منه شيء سقط مقاله.
وهذا اختيار ابن الموّاز أيضًا.
وبه قال الشافعي.
واختلف أصحابه في تعليل هذا.
فقال بعضهم:
إنَّما قال هذا لأجل أنَّ المشتري قد استدرك الظلامة.
وهذا إشارة إلى ما ذكرناه
من تعليل ابن القاسم من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب شيء.
وقال بعضهم: إنَّما العلَّة في ذلك كون المشتري لم ييأس من الرد لجواز أن يرجع المبيع إليه فيرده على بائعه.
وروي عن مالك أنَّ المشتري يعتبر ما حصل في يده من الثمن، فإن كان الذي حصل له مثل الثمن الذي دفع فأكثر، فلا مقال له، لأنَّه لم يبع وقضينا له بالرد، لم يكن له سوى الرجوع بالثمن.
والذي يقضى له بالرجوع به قد حصل في يديه.
فكأنَّه ردَّ بالعيب وارتجع الثمن.
وإن كان الثمن الذي باع به أقل مما اشتراه هو به، كان البائع مخيرًا بين أن يكمل له الثمن.
فإذا أكمله له، سقط مقاله لأجل ما قدَّمناه.
وإن لم يكمله له أعطاه قيمة العيب من الثمن الذي قبض منه, لأنَّه يقول قد فاتت العين المبيعة المعيبة ولا قدرة لك على ردها، فلا يكون لك إلاَّ قيمة العيب، كما لو ماتت في يدك.
وهذا أيضًا فيه إشارة ممَّا كنَّا قلَّمناه من كون الفوت يقدَّر في حق البائع خاصَّة.
فإن شاء البائع ها هنا أن يجعل ما باعه المشتري كالفائت أعطى قيمة العيب.
وإن شاء أن يجعله كالقائم، أكمل له بقيَّة الثمن.
هذا مذهب أشهب، وهو اختيار ابن حبيب.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يقضي للمشتري بقيمة العيب.
وقدَّر أن ذلك كالفوت في حقَّهما جميعًا كالحكم في الموت.
وهو اختيار محمَّد ابن عبد الحكم وأضاف ذلك إلى موطإ مالك، فقال: قد قال مالك في موطئه: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت.
وهذا المذهب هو اختيار أبي محمَّد عبد الوهاب.
فقد ينفصل عن تعليل ابن القاسم بأنَّ المشتري الأوَّل يمكن أن يكون غير البائع، أو حال السوق بزيادة، فرأى المشتري العيب فحطَّ لأجله من الثمن ولم يعلم المشتري الأول أنَّ الذي اشترى منه حطَّ من الثمن شيئًا لأجل عيب رآه، ولو كان المبيع سالمًا لبذل له المشتري أكثر ممَّا عقده عليه من الثمن.
فالضرر لم ينتف عن المشتري.
وبهذا أيضًا يتعقَّب مذهب أشهب من اعتباره
حصول الثمن موفرًا في يد المشتري الأوَّل، لأنَّه يقول: إنَّ ما حصل في يدي مثل ما دفعت للبائع لأجل معرفتي بالتجارة وبالأسواق وبزيادتها وجهل الذي باع مني بذلك.
فلا يحسب له هذه الزيادة، وسببها لم يكن منه، بل إنَّما كان مني.
فهذا يقتضي كون البيع فوتًا يوجب قيمة العيب.
وإذا وضح مأخذ مذهب ابن القاسم وهو كون المشثري الذي باع هذا المبيع لم يلحقه ضرر من جهة العيب، فيقال على هذا التعليل: إنَّه متى لحقه الضرر، كان له القيام بالعيب، مثل أن يفوت المبيع عند المشتري الثاني فيرجع على المشتري الأوَّل بقيمة العيب، فيصير المشتري الأوَّل قد لحقه الضرر من ناحية العيب، فيكون له أن يطالب البائع بما غرم له, لأنَّه إذا طالبه بما غرم، ارتفع الضرر عنه.
إلاَّ أن يكون قيمة العيب من الثمن الذي اشترى به الأوَّل أقل مقدارًا من هذا الذي أخذه المشتري الثاني من المشتري الأوَّل، فيكون من حق البائع أن يغرم له هذا, ولا يلزم أن يعطيه ما غرم هو، لأنَّه قد يكون حال السوق بزيادة أو غبن المشتري منه.
فكانت قيمة العيب من الثمن الثاني أكثر من قيمة العيب من الثمن الأوَّل.
قال ابن الموّاز إلاَّ أن يكون إكمال الثمن أقل من هذين فلا يلزم البائع إلاَّ إكمال الثمن؛ لأنَّه إذا أكمله سقط مقال المشتري لأرتفاع الضرر عنه لأجل العيب.
وإن الثمن لو عاد إليه كما دفعه، لم يبخسه العيب شيئًا.
فلهذا قلنا: إن البائع عليه الأقل من ثلاثة أشياء.
إمَّا ما غرمه المشتري منه، أو قيمة العيب من الثمن الذي قبض، أو ما بقي على المشتري من خسارة من الذي دفع البائع.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنَّ هذا التخيير بين هذه الوجوه الثلاثة هو مذهب ابن القاسم.
وأشار غيره إلى أنَّ ذلك إنَّما يستقيم على مذهب أشهب الذي قدَّمناه عنه.
واحتجَّ هذا المتأوَّل بما وقع في العتبيَّه لابن القاسم فيمن اشترى عبدًا به عيب فباعه ثمَّ علم بالعيب وقد حدث عند المشتري عيب اختار أن يغرم البائع منه وهو المشتري الأوَّل قية العيب، أنَّ هذا المشتري الأوَّل إذا غرم للمشتري الآخر قيمة العيب رجع هذا الأوسط على الأوَّل بقيمة العيب.
فلم يلتفت إلى ما كان بين الأوسط والآخر.
وهو أيضًا لا يعتبر تغير الأسواق في
مثل هذا إذا قام المشتري بالعيب بعد أن باع وهو لم يعلم به.
ألا تراه يقول، فيمن اشترى عبدًا به عيب لم يعلم به فقتل العبد في يديه فأخذ من القاتل قيمة العبد، فإنَّه يرجع بقيمة العيب على من باع.
ولم يلتفت إلى القيمة المأخوذة في القتل، هل مثل الثمن فأكثر، فلا يكون له مطالبة بقيمة العيب لحصول الثمن الذي دفعه في يديه موفرًا.
خلافًا لأشهب الذاهب في هذا إلى أنَّ القيمة المأخوذة عن القتل إذا كانت مثل الثمن فأكثر، فلا رجوع للمشتري بقيمة العيب، طردًا لأصله الذي قدَّمناه عنه.
وبعض أشياخي الذي حمل ما ذكره ابن الموّاز من التخيير بين الثلاثة أوجه يعد ما قاله ابن القاسم في مسألة القتل كالمناقض لما ذكره ابن المواز من التخيير في الأوجه الثلاثة.
وقد يؤكد في نفسه ما تأوَّله على ابن المواز من أنه ساق ما ذكره من التخيير عن ابن القاسم كونه يذهب فيمن باع ولم يعلم بالعيب إلى مذهب ابن القاسم في أنَّ المشتري لا مقال له لما قدَّمناه من التعليل.
وقد نقل ها هنا أنَّ ابن القاسم إنَّما يذهب إلى سقوط مقال المشتري إذا لم ينله ضرر من جهة هذا العيب.
فإذا ناله الضرر بأن خوصم فيه وحوكم وأغرمه المشتري منه قيمة هذا العيب، فقد انتقض في هذا الجزء المبيع لمَّا أخذت قيمته فيما بين المشتري الأوَّل والثاني.
فكذلك انتقض البيع في هذا الجزء وفيما بين المشتري الأوَّل والبائع الأول الذي 1 منه، فيرجع بالقيمة على حسب ما ذكره في العتبيَّة كما قدَّمناه عنه.
أو يعود الأمر إلى التخيير لأجل ما ذكرناه من التعليل لكل وجه من الأوجه الثلاثة المخيَّر فيها.
وذكرت عن بعض أشياخي أنَّه ناقض ابن القاسم في مسألة القتل بما ذكره ابن المواز من التخيير بين الأوجه الثلاثة.
وأنَّ مقتضى التخيير فيها أنَّ المشتري إذا حصل في يديه مثل الثمن فأكثر، فلا مقال له.
وكنت قدَّمت عن الشافعيَّة اختلافًا في تعليل ما ذهبوا إليه من كون
المشتري إذا باع فلم يعلم بالعيب، فإنَّه لا مقال له، أنَّ منهم من قال: العلَّة في ذلك كون المشتري استدرك الظلامة.
وأشار بهذا إلى ما بسطه ابن القاسم من التعليل من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب.
ومنهم من علَّل بأنَّه لم يويس من رد المبيع المعيب، فإذا أمكن رده على المشتري الذي باعه، لم يمكن الآن من القيام بالعيب.
بخلاف عتق المشتري للعبد المعيب لأنَّ العتق يقتضي الإياس من الرد.
فقد يقال أيضًا على هذا التعليل: إنَّ القتل يقتضي الإياس من الرد بخلاف الطلب بقيمة العيب والعبد قائم لم يفت.
وعلى هذا الأسلوب من التعليل يجري الأمر في هذا المشتري إذا باع وهو عالم بالعيب معتقدًا أنه حدث عنده، ثمَّ علم أنَّه كان عند البائع، فإنَّ له مطالبة الذي باع منه بقيمة العيب من الثمن الذي دفعه أو إكمال الثمن.
وسقط الوجه الثالث لكونه لم يغرم لمن يشتري منه شيئًا إذا باع وبين العيب.
وكذلك إن وكَّل وكيلًا على البيع فباع الوكيل وبيَّن العيب معتقدًا أنَّ الذي وكَّله حدث العيب عنده، فإنَّ التخيير الذي ذكرنا ها هنا مأخوذ ممَّا تقدَّم بيانه.
ولو توجَّه للمشتري الآخر على المشتري الطلب بقيمة العيب لفوت المبيع في يديه فألفاه مفلسًا فأراد أن يرجع بما وجب له على البائع الأوَّل إذا كان هو الأقل 1 من الثلاثة الأوجه التي يجب للمشتري الأوَّل على من باع منه، فقيل يمكن من ذلك.
كما يمكن من ذلك لو استحقَّ المبيع من يديه لكون البائع الأوَّل غريمًا لغريمه، فما وجب له على غريمه كان له أخذه، إذا فقد غريمه، من غريم غريمه.
وقيل لا يمكن من ذلك.
لأنَّ هذا الوجوب لم يتيقَّن لإمكان أن يكون المشتري الأوَّل راضيًا بالعيب.
وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا اشترى معيبًا باعه قبل أن يعلم بالعيب ثُمَّ عاد إليه، فإنَّ هذا ممَّا اختلف الناس فيه.
فذكر الطحاوي أنَّ أبا حنيفة لم يمكنه من رد هذا المعيب على من باعه،
ولو ردَّه عليه المشترى منه بعيب.
وذكر عن أبي يوسف أنَّه يمكن من رده على الذي باعه منه إذا ردَّ عليه بعيب.
واختار الطحاوي ألاَّ يمكن من الرد إلاَّ أن يرجع إليه باختياره من غير أمر وجب عليه، فإنَّه يمكن من الرد.
والمذهب عندنا تمكينه من الرد على أي حال، عاد ذلك إليه بعسب ردَّ به عليه أو بميراث أو هبة.
وتردَّد بعض المتأخرين من الأشياخ في النظر في هذا لأجل أنَّ ابن القاسم إنَّما علَّل منع من اشترى معيبًا، ثُمَّ باعه قبل أن يعلم بالعيب، من القيام بالعيب، لكونه لم يلحقه ضرر من أجل هذا العيب، ولا بخس في الثمن لأجله شيئًا على حسب ما قدَّمنا بيانه.
ومقتضى هذا ألاَّ يمكن من الردِّ إذا اشتراه لأنَّ هذا ملك مستأنف والبيع الأوَّل باق على حاله لم يلحقه فيه ضرر لأجل العيب.
فأشار إلى التردد ما بين المذهب وما حكيناه عن أبي حنيفة.
فإذا تقرَّر أنَّ المذهب تمكينه من الردِّ إذا اشتراه، فإنَّ ابن حبيب ذكر أنَّه لا يمكن من الرد إذا اشتراه بشرط إن لم يكن خاصم فيه قبل أن يشتريه، فحكم القاضي عليه بمذهب ابن القاسم وأنَّه لا مقال له لانتفاء الضرر عنه كما بيناه.
فأمَّا إن خاصم فقضي عليه بأن لا مقال له، فإنَّه إن اشتراه، لن يمكن من الرد لكون القضيَّة نفذت بسقوط حقه في هذا.
وأنكر الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا فقال: هذا بعيد من أصولهم.
فإن قيل: لم قال الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا بعيد من أصولهم، وقد ذكر في المدوّنة في نكاح فسد لكونه انعقد بغير ولي فرفع إلى قاض يرى جوازه فأقرَّه، أنَّ هذا الحكم لا يفسخه غيره.
وقدَّر أنَّ الترك ها هنا والإقدار على الفعل كاستئناف فعل؟ قيل: القاضي إذا حكم بإجازة هذا النكاح، فإنَّه قضى بذلك قضيَّة مؤبَّدة غير معلقة بشرط ولا علَّة.
والقاضي إذا قضى بمنع هذا من المطالبة
بالعيب، فإنَّما ذلك لكون رد المبيع المعيب لا يمكنه، فإذا أمكنه ذلك، سقط الحكم لكونه معلقًا بشرط وعلَّة، فإذا زال ذلك، زال الحكم.
وقد قال في المدونة: لا يمكن من خصام من باع منه، فإن اشتراه فله الرد.
وقد يقتضي هذا أنَّ له الرد، وإن اشتراه عالمًا بالعيب مع كونه لما اشتراه عالمًا بالعيب مسقطًا لحقه في القيام به على هذا الذي اشتراه غير عالم بالعيب.
ولو كان هذا المبيع المعيب باعه من اشتراه فتداولته الأملاك فاشتراه مشتريه الأوَّل من مشتريه الآخر، فقد ذكر في المدوَّنة أنَّ لهذا الذي اشتراه أولًا ممن اشتراه آخرًا، أن يرد، على من اشتراه منه آخرًا.
ووقع في بعض روايات المدوَّنة: له أن يرد عليه.
وظاهر هذا الضمير عند بعض المتأخرين أنَّه يعود على من اشتراه منه أولًا.
وقد تعقب هو وغيره من الأشياخ رده على الأوَّل بأن ردَّه على الآخر يتضح ما قرَّرناه.
وردَّه على الأوَّل إنَّما يتضح لو وقع التراد من واحد على آخر حتى ينتهي الأمر إلى هذا المشتري الأوَّل.
فإذا انتهى إليه لحقه الضرر، فكان من حقِّه الرد.
فإذا لم يقع التراد وعلم أنَّ في هؤلاء الجماعة المشترين من مراده ترك الرد إذا كان من حسن النظر له عند نفسه ألاَّ يرد لخسارة تلحقه في ذلك، ومنهم من يختار الرد لكون الرد أنفع.
وهذا الإمكان لو خرج إلى الوجود وخرج أحدهم بأنَّه قد التزم هذا المبيع المعيب بعينه وقطع التراجع حتَّى لا يصل الرد إلى المشتري الأوَّل، لسقط حق المقال في هذا العيب لكون المبيع لم يرجع إليه على حسب ما قدَّمناه من مذهب ابن القاسم.
وهذا يقتضي ألاَّ يمكن من
الرد على الأوَّل.
وقد رأى بعض أشياخي أنَّ هذا قد يجيء على القولين في مسألة كتاب البيوع الفاسدة.
وهي إذا اشترى سلعة شراء فاسدًا ثمَّ باعها بيعًا صحيحًا ثمَّ اشتراها، أن في ذلك قولين، أحدهما: قد ارتفع حكم الفوت لمَّا عادت السلعة إلى يديه ولم يحل سوقها، فيقدر كأنَّها لم تخرج من يديه.
والقول الآخر: إنَّ
ذلك يمنع من الرد لاختلاف الأملاك واختلاف العهد.
فكذلك ينبغي عنده أن يخرج الخلاف ها هنا.
وهذا التخريج عندي فيه نظر.
وذلك أنَّ الفسخ في البيع الفاسد حق لله سبحانه لا يسقط تراضي 1 المتبايعين على إسقاطه.
والرد بالعيب يجوز الرضى به، ويسقط الحق إذا رضي مشتريه به.
وقد ذكرنا إمكان رضي أحد هؤلاء الجماعة به، وإذا رضي به سقط مقال من كان قبله، فيسقط مقال المشتري الأوَّل لأجل هذا على حسب ما ذكرنا أنَّ بعض المتأخرين نَّبه عليه، مع كون هذه المسألة متصورة في التراجع ما بين ثلاثة أشخاص في البيع الفاسد.
ونحن نذكر حكم التراجع بينهم في العيب، وهو أنَّ يشتري رجل سلعة معيبة ثُمَّ يبيعها قبل علمه بالعيب ويبيعها أيضًا من اشتراها منه من رجل آخر، فإنَّ هذا المشتري الآخر له أن يرد على الأوسط.
فإذا ردَّ عليه كان الأوسط 2 أن يرد على الأوَّل إذا لم يعلم بالعيب قبل أن يبيعها, لأنَّه إذا علم به ودلس به على المشتري الآخر، صار رضي منه بالعيب، وإذا لم يعلم، لم يكن راضيًا بالعيب، فكان له الرد على من باع منه وهو الآخر، وله الرد على الأوَّل لرجوع السلعة إليه، على حسب ما قدَّمناه وذكرنا اختلاف الناس فيه، لكون المبيع لمَّا انتقض البيع فيه بينه وبين الآخر، صار كأنَّه لم يبع، وهو إذا لم يبع فظهر له عيب قام به.
وإذا تداولت السلعة أملاك كثيرة، أمكن أن يكون أحدهم لا يختار نقض البيع على حسب ما نبَّهنا عليه ممَّا تعقَّبه قوم من الأشياخ على المذهب.
ولو أنَّ هذا الأوسط اشتراه من الآخر بأكثر من الثمن الذي باعه، فإنَّه إذا اختار ردَّه على الأوَّل لم يكن له مطالبة الآخر بشيء, لأنَّه لمَّا كان قادرًا على الرد عليه واسترجاع ما زاد عنده من الثمن فعدل عن ذلك إلى الرجوع إلى الأوَّل، فكأنَّه رضي بإمضاء البيع من الآخر.
ولو تصوَّرت مسألة في رجلين بأن كانت عند رجل سلعة فباعها من رجل ثمَّ اشتراها منه فظهر فيها عيب قديم لم يعلما به، فإنَّ هذا المشتري الذي كان هو البائع الأوَّل من حقه أن يردها على هذا الذي اشتراها منه، لكن إذا كان الثمنان في البيعتين متساويين، 1 فلا فائدة في هذا التراد, لأنَّه إذا باعها الأوَّل بعشرة ثُمَّ اشتراها من مشتريها منه بعشرة فردَّها بالعيب على هذا المشتري الآخر وطالبه بعشرة، كان من حق هذا أيضًا أن يردها عليه ويطالبه بعشرة، فيتقاصان وتبقى السلعة في يد من هي في يديه الآن وهو البائع الأوَّل.
ولو كان اشتراها البائع الأوَّل بأقل من الثمن الذي باعها به، لكان من حق هذا البائع الثاني أن يطالبه ببقيَّة الثمن الذي دفع إليه, لأن من حقه لمَّا ظهر العيب أن يرد عليه وقد صارت السلعة قد ردَّت إليه بالشراء، أو كأنَّها ردَّت إليه بالعيب 2 وإذا ردَّت إليه بالعيب، طولب بالثمن.
وقد حاول بعض أشياخي أن يخرج في هذا اختلافًا من اختلاف عبد الملك وابن القاسم في امرأة خالعت زوجها بمال دفعته إليه، فبعد الخلع ظهر لها أنَّ بالزوج عيبًا يوجب لها الخروج من عصمته وردَّ نكاحه بهذا العيب.
فقال ابن الماجشون لها أن ترجع عليه بما دفعته إليه.
وقال ابن القاسم لا رجوع لها عليه.
وسبب هذا الاختلاف أنَّ ابن الماجشون يرى أنَّها لمَّا أرادت التخلص منه، ولم تقدر عليه إلاَّ ببذل عوض في ظاهر الأمر، وكانت في باطنه قادرة عليه من غير دفع عوض، كان لها ارتجاع ما دفعت من العوض، لأنَّها لو علمت بالحكم وأنَّها قادرة على التخلص، لم تبذل له عوضًا على ذلك.
ورأى ابن القاسم أنَّها لمَّا دفعت ذلك باختيارها، مع إمكان رضاها بالعيب، لم يكن لها ارتجاع ما دفعت.
فكذلك ها هنا لا يختار أن يكون هذا البائع الآخر لمَّا رضي أن يعيدها على بائعها بخسارة، وهو قادر على ألاَّ يخسر ويرد عليه بالعيب ويأخذ
جميع ما دفع إليه من غير خسارة، فإنَّه لا يمكن من طلب هذه الخسارة، كما لا تمكن المختلعة من طلب ما خسرت بسبب الخلع.
ويقدَّر على هذا المذهب أنَّ رجوعها بحكم الشراء ملك ثان محقق يستأنف من غير خلاف، وردَّها بالعيب إعادة لها على الملك الأول على أحد الطريقتين عندنا في كون الرد بالعيب نقضًا من أصله.
وقد كنَّا أشرنا إلى ما قاله المخالف في أن اشتراءها لا يوجب تمكينه من الرد بالعيب، وما أشار إليه قوم من الأشياخ في تصحيح هذا المذهب وترددهم فيه.
لكن قد يقال عندي في الاعتذار عن ابن القاسم: إنَّ طريقة الأعواض في الخلع بخلاف طريقة الأعواض في البيع، ألا ترى أنَّها لو خالعت بخمر أو خنزير فأبطلنا ذلك ونقضناه أو بغير ذلك ممَّا يتملَّك ويجب نقضه، فإنَّا إذا نقضنا هذه المعاوضة لم ترد إلى الزوج، مع علمنا بأنَّه إنَّما ترك سبيلها وباع منها منافع بضعها بما بذلته له، ثُمَّ مع هذا حكم عليه برد ما أخذه عوضًا عن ذلك، ولم يمكَّن هو من ارتجاع ما دفعه عوضًا عن ذلك لحرمة الفرج، ولكون الطلاق إذا وقع وبانت الزوجة، لم يحل التراضي على التراجع واستباحة الوطء من غير شروطه الشرعيَّه.
ولو تصوَّر مثل هذا في البيع المحض بأن باع إنسان عبده بخمر أو خنزير أو بجنين في بطن أمِّه فنقضنا البيع، ورددنا ما في يديه، لكان من حقِّه أن يرتجع عبده الذي عاوض به عن هذا.
وكأنَّ هذه الحقوق ماليَّه إبطال أحد العوضين إبطال للآخر.
1 والخلع ليس من الحقوق المالية المحضة، ولهذا أجيز وأمضي عقده بغرر وما 2 لا يجوز في عقود البياعات.
فهذا يمكن أن يكون انفصالًا عمَّا ألزمه بعض أشياخي.
وهذا الذي صوَّرناه في مسألة العيب من ترادد هذا البيع ما بين هذين الرجلين محمله على أنَّ العيب تحقَّق قدمه.
ولو كان مشكوكًا فيه هل هو قديم
كان عند البائع الأوَّل أو حدث عند المشتري، لجرت فروع هذا على ما سنؤصله في حكم العيب المشكوك فيه.
وهو أنَّ العيب ربَّما أوجب ردَّ المبيع بعينه أو طلب بعض الثمن، وكلا الأمرين لا يثبت إلاَّ بيقين، وأمَّا مع الشك، فلا تجب غرامة ولا ينتقض عقد بيع.
فمن طلب غرامة أو طلب نقض بيع، فهو المدعي وعليه البيِّنة، والآخر مدَّعى عليه فالقول قوله مع يمينه.
ولهذا قال ابن الموّاز في هذه المسألة: إذا كان العيب مشكوكًا فيه، واشترى السلعة البائع الأوَّل بأقَّل، فالقول قوله في أنَّ العيب لم يكن عنده, لأنَّ المشتري منه يقول له: العيب كان عندك، فمن حقي أن أردَّ السلعة عليك، وها هي في يديك، فادفع إليَّ بقيَّة الثمن.
ولو اشتراها على هذا الذي ذكره ابن الموّاز بأكثر ممَّا باعها به، لكان هو الطالب لردها على البائع الآخر ليستردَّ منه ما زاده على الثمن بعد أن دفعه راضيًا به، ونحن على شك هل العيب كان عنده أو عند هذا المطلوب؟ فالقول قول المطلوب أيضًا لأنَّه تلزمه 1 غرامة بالشك.
وهذا إذا كان الطلب في تقديم أحدهما للآخر.
وأمَّا إن تصوَّر الطلب منهما جميعًا، هذا في غرامة مال واسترجاعه، وهذا في حل عقد، فإنَّهما يحلفان جميعًا لما قلَّمناه من أنَّ الغرامة لا تكون بالشك، ولا ينحل أيضًا العقد بالشك.
ولو صوَّرنا الشك في هذا العيب في ثلاثة أحوال، وهي إمكان كونه عند البائع الأوَّل قبل أن يبيعه، أو عنده بعد أن اشتراه، أو حدث عند المشتري منه، وكان الاشتراء بأقل من الثمن، تحالفا جميعًا على حسب ما صوَّرناه.
وكذلك لو كان بأكثر، فإنَّه يجري على ما قدَّمناه من كون المخاصمة في طلب غرامة أو حل عقد أو فيهما جميعًا.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا اشترى عبدًا آبقًا دلس البائع بإباقه فباعه المشتري، وهو لا يعلم بإباقه، فأبق عند الثالث فهلك بسبب إباقه، فها هنا حكم التبعيض المختلف بأنَّ البيعة الأولى التي دلس فيها بالإباق يجب على بائعها رد الثمن الذي قبض، والبيعة الثانية لم يدلس بائعها، فتجب قيمة العيب بهلاك المبيع.
فها هنا اختلف المذهب في هذا، لمَّا اجتمع هذان الأمران المختلف حكمهما.
فالأصل أن يرجع الثالث على الثاني بقيمة العيب, لأنَّ الأوسط الذي باع من الثالث لم يدلَّس فإنَّما عليه قيمة العيب.
والأوَّل حكمه مع الثاني إذا وجب له القيام عليه أن يأخذ منه جميع الثمن.
هذا حكم كل واحد مع صاحبه على الإنفراد.
فإذا اجتمع الثلاثة أشخاص، فقال ابن القاسم يؤخذ جميع الثمن من الأوَّل فيدفع إلى الثالث، إلاَّ أن يزيد هذا الثمن المقبوض من الأوَّل على ما دفعه الثاني من الثمن وعقد به، فإنَّ هذه الزيادة تكون للأوسط، لكون الآخر قد رجع إليه جميع الثمن الذي دفع، فالزيادة عليه لا حقَّ له فيها.
أو يكون الثمن الذي يأخذ الأوَّل نقص عن قيمة العيب من الثمن الذي دفعه الثالث، فإنَّ من حق الثالث أن يرجع بتمام قيمة العيب على الأوسط الذي باع منه.
كما كان ذلك من حقه لو انفرد.
فكأنَّ ابن القاسم قدَّر في هذا أنَّ الثالث، وإن لم يدلس عليه من باشره بالبيع، فإنَّ المدلس على من باع منه يقدَّر مدلسًا عليه.
وحكم من دلس عليه ها هنا أن يرجع بجميع الثمن.
ويؤكد عنده كون الأول كالمدلس على الثالث، أنَّ الثالث يقول له: لو أعلمت الأوسط الذي باع مني بالإباق لأعلمني به، فلم أشتر هذا العبد منه، وإن لم يعلمني به، كان به مدلسًا علي، فأنت سبب في إتلاف الثمن علي.
ومتلف الشيء بسبب يقتضيه بلا بدٍ كمتلفه بمباشرة، فلهذا قضي على البائع الأوَّل برد الثمن كلِّه وإعطاء الثالث ما لم يكن أكثر مما دفع الثالث أو أقلَّ من قيمة عيبه من ثمنه.
وذكر أصبغ أنَّ الثمن إذا أخذ من الأوَّل، دفع منه إلى الثالث قيمة العيب الذي يستحقه على الثاني لو انفرد به، وسلَّم.
بقيته إلى الأوسط.
فإما أخذ جميعه
من الأوَّل، كما قدَّمناه من التعليل، وإما اقتصاره، في هذه الرواية على ألاَّ يعطى منه الثالث إلاَّ قيمة العيب خاصَّة.
فلأجل أنَّ الثالث لم يدلس عليه من باع منه، ولا يقدَّر أنَّ الأول كالمدلس عليه, لأنَّه وإنْ كان كالسبب في هذا، فإنَّ السبب إذا ضعف لا يؤثر، وإذا قوي أثَّر.
وهو فيما بين الأوَّل والثاني.
فلهذا وجب رد الأوَّل على الثاني ما قبض منه وهو ضعيف فيما بين الأوَّل والثالث، فلهذا لم يجب أن يرد على الثالث جميع ما دفع.
واختار ابن الموّاز مذهبًا ثالثًا وهو كون الأوَّل لم يضر الثاني بتدليس، فصار تدليسه لا تأثير له، على حسب ما علَّلناه في مذهب ابن القاسم فيمن باع عبدًا معيبًا فباعه مشتريه قبل أن يعلم بالعيب ثمَّ علم به، فإنَّه لا رجوع له على من باع منه، لكون هذا العيب لم يلحق المشتري منه ضرر لمَّا باع، على حسب ما قدَّمنا بيانه، فكذلك ها هنا لمَّا باع الأوسط ولم يبخس لأجل العيب شيء فيسقط حكم التدليس فيما بينه وبين البائع.
وهذا الأوسط لمَّا باع هو غير مدلس أيضًا.
فالتدليس لا يتصوَّر ها هنا.
لكن كنَّا قدَّمنا في المسألة التي مثلنا بها ها هنا فيمن باع عبدًا اشتراه معيبًا أنه لا مقال له عند ابن القاسم ألاَّ 1 يفوت العبد في يد مشتريه الثاني، فإنَّ المشتري الأوَّل إذا رجع عليه المشتري الآخر بقيمة العيب رجع هو أيضًا على من باع منه بما غرم من ذلك للحوق الضرر له بهذه الغرامة، أو بإكمال الثمن الذي دفعه أو قيمة العيب من الثمن الذي دفعه أيضًا، يرجع بالأقل من هذه الثلاثة أوجه على حسب ما قدَّمنا بيانه وتعليله.
وكذلك يجب أن يكون للثالث أن يرجع ها هنا على الأوَّل المدلس بما كان يرجع به عليه الثاني إذ طالبه الثالث بالواجب في هذا، وهو الأقل ممَّا يغرمه الأوَّل للثالث ممَّا غرم الثالث، أو إكمال رأس ماله أو قيمة العيب من ثمنه.
وكأنَّ ابن المواز قدَّر أنَّ حكم التدليس قد ارتفع لما بيَّناه، فلا يكون للأوسط في العيب مقال، إلاَّ أن يلحقه ضرر منه.
فإذا لحقه الضرر أزيح ذلك الضرر بما يدفعه، وهو أحد هذه الوجوه الثلاثة.
ويقدح في المذهبين المتقدمين اللذين تضمَّنا إيجاب غرامة الأوَّل وجميع ما قبض، بأنَّ هذا الأوسط قد أخذ عوضًا عن هذا العبد الذي دلس عليه ودفع إليه جميع ما هو عوض إلاَّ الجزء الذي دلس به؛ لأنَّ ماله رجوع بقيمة ذلك.
وأمَّا أن يجتمع له أخذ عوض ما اشتراه ودلس عليه به بالرجوع بثمنه، فإنَّ هذا خلاف مقتضى الأصول وخارج عمَّا يجب في أحكام التدليس.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: إذا اشترى عبدًا به عيب فباع نصفه قبل أن يعلم بعيبه، فإنَّ هذا النصف المبيع يجري حكم العيب فيه على ما قدَّمناه من الإختلاف في بيع ما بيع قبل أن يعلم بعيبه.
فمذهب ابن القاسم أن لا مقال له فيه.
ومذهب أشهب أنَّه يرجع بالأقل ممَّا نقص قبضه فيه كما دفعه فيه أو قيمة نصف العيب في هذا النصف، وعلى المذهب الثالث يرجع بقيمة العيب على الإطلاق.
وأمَّا النصف الثاني يبدَّأ بالتخيير فيه بين أن يدفع نصف قيمة العيب المختص بهذا النصف الباقي، فيسقط مقال المشتري فيه، أو يقبله من المشتري بعيب الشركة والتبعيض الذي ذكره، فيكون المشتري مخير أبي ن أن يقبل هذا النصف بجميع الثمن، أو يرده ويأخذ نصف الثمن.
وكأنَّه يرى أن حكم الفوت إذا أوجب التخيير جعل التخيير في جنبة من لحقه الضرر.
فإذا كان المشتري هو الذي يلحقه الضرر بغرامة تلزمه إذا ردَّ لكونه حدث عنده نقص، كان مخير أبي ن الرد والإمساك وأخذ قيمة العيب.
وإن كان الضرر في الرد يختص بالبائع.
كان البائع هو المبدَّأ بالخيار، فله أن يعطي نصف قيمة العيب ويمنع المشتري من الرد لأجل ما يلحقه من الضرر.
ولو قضينا للبائع بهذا فدفع نصف قيمة العيب ثمَّ ردَّ هذا النصف المبيع على المشتري الأوَّل الذي باعه، فإنَّ الأشياخ اختلفوا إذا دّعا 1 أحدهما إلى نقض هذا الحكم ورد نصف قيمة العيب، وتخيير المشتري بين أن يقبل بجميع الثمن أو يرد.
فمنهم من ذهب إلى أن ذلك حكم مضى ولا يرد.
ومنهم من
ذهب إلى أنَّ هذا حكم إنَّما أمضي لعلة وهو ضرر البائع بالتبعيض، فإذا ارتفعت العلَّة، وجب ارتفاع هذا الحكم الذي تعلق بها.
وأشار بعضهم إلى أنَّ هذا نحو ما قدَّمناه من الاختلاف.
وما حكيناه عن ابن حبيب من كون القاضي إذا منع المشتري لمَّا باع من القيام بالعيب ثمَّ استرجع المبيع، أنَّه لا يرده.
وذكرنا عن الشيخ أبي محمَّد ابن أبي زيد قال: هذا بعيد من أصولهم، فكذلك ها هنا.
وقد يقال: بل هذه المسألة آكد، لأجل أنَّ الذي ذكرناه ممَّا استبعده الشيخ أبو محمَّد كأنَّه قضيَّة وقعت بإقرأر وترك، وهذه وقعت لغرامة وفعل فيجب أن تكون آكد.
ولو أنَّ المشتري لهذا العبد لم يبع نصفه ولكن تصدَّق بالنصف، فإنَّ هذا النصف المتصدق به يجب للمتصدق أخذ قيمة عيب هذا النصف كما لو تصدَّق بجميع العبد.
وأمَّا النصف الآخر فإنَّه يحكم فيه بما ذكرناه من تخيير البائع بين أن يعطي قيمة نصف العيب المختص بهذا النصف، أو يمتنع فيخيَّر المشتري بين رده وقبوله لأجل ما قدَّمناه من التعليل هكذا.
وروى عيسى عن ابن القاسم وقال عيسى عنه أيضًا: إنَّ للبائع التخيير إليه إذا زاد الثمن زيادة بينة، قال: أنا أختار أن نبيع نصف قيمة العيب في النصف المتصدق به.
كأنَّه قدَّر أنَّ هذا البائع لمَّا باع، وهو يعلم أنَّ المشتري منه يمكن أن يبيع كلَّ المبيع أو يبيع نصفه بأن التراضي بعيب التبعيض، فلا يقدم في التخيير.
وأما الفوت من ناحية الصدقة، فإنَّه لا يختلف فيه أنَّ من اشترى عبدًا ثمَّ تصدَّق به أو وهبه، فإنَّ له قيمة العيب لكونه خرج عن ملكه ولا يمكن رده، مع كونه لم يستدرك الظلامة بأن أخذ عن العيب ولا عن جهة العبد عوضًا.
وقد تتوزع في الهبة لو كانت من المشتري لهذا العبد المعيب على ولد له يمكن اعتصار هذه الهبة منه، فقيل: ليس له أخذ قيمة العيب لما كان قادرًا على ارتجاع العبد إلى ملكه من غير اختيار الموهوب، فكأنَّه على هذا التقدير لم يخرج عن يده ولا عن ملكه.
والعبد إذا لم يخرج عن يده ولا تغيَّر في نفسه، فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب.
إلى هذا ذهب الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب.