والقول الثاني: أنه يقبل منه إذا زعم أنه أراد نصف المائة وزيادة دينار واحد عليها.
وكذلك لو أقر بجُلّ ألف دينار، لقبل منه عند هؤلاء تفسيره لذلك بأنه أراد خمس مائة وزيادة دينار واحد.
وذكر ابن سحنون عن رجل من أصحابنا ناظر أباه سحنونًا في المسألة، وذهب إلى أنه يقبل منه في قوله: جل المائة، ما فسر قوله به ولم يحدّ ذلك بِحَذً فيما حكاه عنه.
وهذا الاختلاف لا حدّ له ولا سبب سوى إسناده لما ذكرناه مرارًا من النظر في المعتاد في إطلاق هذا اللقظ، فالذين قالوا: يحمل على ثلثي المائة فأكثر، قدروا أن الثلث في حيز القليل، فإذا سقط من المائة فالثلثان الباقيان هما جلها وأكثرها.
والذين قالوا: يحمل على نصف الجملة وزيادة دينار واحد عليها، اعتقدوا أن هذا المقدار من المائة يطلق عليبما اسم الجُل والأكثر.
وهذا بعيد في عرف الاستعمال عندنا.
وعلى هذا النوع من الاختلاف أجروا الاستثناء المجمل أيضًا في هذه الجملة، وهو أن يقول: له عندي مائة دينار إلا شيئًا، أو مائة دينار إلا قليلًا.
فإن القولين المذكورين قبلت 1 في هذه المسألة وهي إلزامه ثلثا 2 المائة فأكثر، أو نصفها وزيادة واحد، وتصديقه فيما فسّر به.
هكذا ذكر ابن سحنون عن الذي ناظر أباه في المسألة.
وذهب إليه أحمد بن ميسر فقال: إذا قال: له عندي عشرة إلا شيئًا، قبل منه ما يدعيه أنه أراد من مقدار ما استثناه.
وذكر عبد الملك في هذه المسألة معنىً أشرنا إليه في حكم الاستثناء الذي
قدمناه، وقال: قوله: إلا شيئًا، يصرف إلى لحسن 1 في الكلام، فإذا قال: له عندي مائة إلا شيئًا، أسقط من المائة تسعة، وإذا قال: ألف إلا شيئًا، أسقط من الألف تسعة وتسعون.
وأشار في هذا إلى أن الاستثناء إنما يحصل بالكسور كقوله تعالى: ﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ 2 قال: ولا تجد أحدًا يعبر عن الألف بألف إلا مائة، بل هو يقول: تسع مائة.
وذكر أيضًا أنه قال: له عندي ألف وشيئًا 3، ومات قبل أن يفسر ذلك، فإن ذلك الشيء ساقط لا حكم له لجهلنا بما أراد به من الأجناس والمقادير.
وهذا أيضًا توجيه الخلاف فيه على حسب ما تقدم.
وإذا قال رجل: لزيد عندي نيف وخمسون دينارًا.
لكان القول قولَه فيما أراد بالنيف، فيقبل ما ادعاه وكثر 4 حتى لو قال: أردت بالنيف جزءًا من الدينار لصدق.
وإذا قال: له عندي بضع عشرة درهمًا.
فإن مالكًا نصّ على أن البضع يحمل على ثلاثة دراهم، وهي أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم، ورآه منطلقًا على الثلاثة إلى التسعة.
وقد اختلف الناس وأهل اللغة في هذه التسمية فبعض أهل اللغة صار إلى ما حكيناه عن مالك، وبعضهم صار إلى أنه إنما يطلق على الواحد إلى الخمسة.
وقد ذكرنا هذا في كتابنا المترجم بالمعلم.
وهذا الذي ذكرناه في الإقرار المحتمل المتردد بين أعداد كاليضع، فإنه 5 شك المقِر في مقدار البضع الذي عليه وشك المقَر له في هذا المقدار أيضًا، فإنه
يقضى بالأقل، ويسقط ما زاد على ذلك، لكون الأقل متيقنًا، وما زاد عليه مشكوك فيه، فلم تثبت في الذمة غرامة بالشك.
والقول الآخر أنه يقسَم المشكوك فيه بين المقِر والمقَر لهما 1 لتساويهما في الشك في ثبوته ونفيه.
ولو أيقن أحدهما وشك الآخر، لكان القول قول الموقِن منهما، سواء كان المقِرَّ أو المقَرَّ له.
وأختلف في تحليف الموقن على ما ادعاه ما دام المقِر حيًا، فلو مات قبل أن يسأل عما أراده لم يصدق المقر له، لجواز أن يكون المقر لو بقي حيّا لفسر ما أراد فيبْقى الأمر على ما حكيناه من الأخذ من تركته الأقل خاصة، أو يؤخذ الأقل ويُقسَم ما شك فيه.
ولو وقع الإقرار 2 منهما في الأجناس لا في المقدار مثل أن يقول: لزيد علي ألف، فإن المقر يسأل عن هذا الألف: ما هي من الأجناس؟ فيقبل قوله في الجنس الذي أراد هل هو دينار أو دراهم أو طعام أو ثياب؟ لكن لو عطف على هذا الإبهام عددًا للسرج 3 فيه بالجنس مثل أن يقول: له عليّ 4 ألف درهم، فإن هذه المسألة مما اختلف الناس فيها:
فذهب الشافعي إلى أنه يقبل قوله في بيان الجنس الذي أجمل، ولا يكون ما أجمل 5 عليه تفسيرًا للعدد المجمل، سواء كان ما عطف على المجمل مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد، كالدنانير والدراهم والطعام [أ] وغير ذلك مما 6
يوزن أو يكال أو يعد، وإلى هذا ذهب ابن القصار من أصحابنا.
وذهب أبو ثور ومحمد بن عبد 1 الحسن أنه يقضى عليه فيما أجمل بجنس ما عطف عليه من المفسر، سواء كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد أو لا يقدر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد فإنه يكون تفسيرًا لما أجمل قبله من العدد، مثل أن يقول: له عليّ ألف ودرهم، أو: ألف وقفيز قمح، أو: وألف أقفزة قمح.
وإن مال: ألف ورمانة، كانت الألف رمانًا.
بخلاف أن يقول: له عنبي ألف وثوب، أو: ألف وعبد، فإنه لا تكون الألف ثيابًا ولا عبيدًا، وإنما يُقضى فيها بما يفسره من الأجناس.
وإلى هذا ذهب سحنون، وكأنه رأى أن ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد مما يثبت في الذمة بغير عقد معاوضة، (فإنه إذا ذكر وكان مقدر لكون ما تقدم في ذمة المقر أيضًا لكونه يستقر مثله في الذمة بالاستهلاك وإن لم يكن ذلك عن معاوضة) 2. وإذا قال: ألف وثوب، لم يكن ذكر الثوب تفسيرًا للألف لأن من استهلك ثوبًا فإنما تلزمه قيمته، ولا تعمر ذمته بمثله، فلم يحسن أن يكون 3 ذكره تفسيرا لما تقدم من اللفظ المجمل.
وهذا الذي يعول عليه أصحاب هذا المذهب من أصحاب أبي حنيفة استدلال لا يتضح تعلقه بما نحن فيه، بل تجد العرب تعطف الشيء على مثله وعلى خلافه، فتقول رأيت زيدًا ومحمدًا من غير الهتفات في هذا العطف إلى ما يقدر أو لا يقدر.
ولكن أضطرب أصحاب الشافعي في فرع من فروع هذا الباب وهو إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهمًا.
هل يقبل قوله في تصير الألف في هذه المسألة، أو تكون هذه المسألة بخلاف ما تقدم، ولا يقبل
تفسيره لما أجمل من العدد، لكونه أراد ما بعد حرف العطف بل سقط عليه إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، لكون الألف دراهمَ أيضًا.
وكذلك إذا قال: ألف وخمسون درهمًا تكون الألف دراهم أيضًا.
فذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنه يقبل تفسيره لما أجمل، ورأى ألاّ فرق بين قوله: ألف ودرهم، وبين قوله: له ألف وثلاثة دراهم أو ألف وخمسون درهمًا.
ورأى أبو إسحاق وغيره من أصحاب الشافعي، وهو المشهور من مذهب الشافعية، أن هذه المسألة بخلاف ما ذكرناه من أخواتها لأنه إذا قال: له ألف درهم فقد ذكر بعد حرف العطف وهو الواو لفظة أفادت زيادة على العدد المتقدم، فكان ذلك هو المراد بها وقصرها على هذه الإفادة خاصة.
وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، كانت الألف والثلاثة من قبيل المجمل في سائر الإجمال 1 وقوله "دراهم" 2 وقوله "درهم" لفظ فيه بيان الجنس، ولكنه ما أفاد زيادة في العدد، فتصرف إفادته إلى أنه أراد بيان جنس ما تقدم من الجملتين اللتين هما الألف والثلاثة أو الألف وخمسون.
وأيضًا فإن الإعراب يختلف فيهما: فإذا قال: له عندي ألف درهم ودرهم، بالرفع، فبالرفع فكذلك 3 معطوف على قوله 4:. وإذا كان معطوفًا عليه حتى استحق إعرابَه، لم يستحق بيان الجنس.
وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، فذكر الدراهم ها هنا ليس معطوفًا على إعراب الألف التي في مجملة فكانت تفسيرًا لها.
وذكر ابن القصار من أصحابنا هذه المسألة وكأنه تردد بين المذهبين: مذهب الاصطخري الذي حكيناه، ومذهب أبي إسحاق وكأنه مال إلى مذهب أبي إسحاق.
والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:
إذا قال رجل: لزيد عندي من مائة درهم إلى عشرة دراهم، أو من درهم إلى مائة درهم، فبدأ بأقل العدد فجعل الغاية أكثر منه، أو عكس ذلك فقال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم واحد، فإنه لم يختلف المذهب عندنا، فيما علمت، في أن حرف ابتداء الغاية يقتضي دخول البداية في النهاية، فالدرهم الأول، في قوله: له عندي من درهم إلى عشرة دراهم، داخل في الإقرار ولازم للمقِر، كما يلزم الدرهم الثاني والثالث إلى التاسع.
وإنما اختلف المذهب إلزامه ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر، فاختلف في ذلك قول سحنون رضي الله عنه، فقال بإسقاطه، في أحد قوليه، ولم يلزم المقرَّ إلا تسعة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال مرة أخرى بل يلزم المقر الدرهم العاشر فيقضي عليه بعشرة دراهم كلها.
وجعل ما بعد الغاية داخلًا في الجملة، كما جعل أهل المذهب الدرهم المذكور بعد حرف ابتداء الغاية لازمًا داخلًا في الجملة.
وهذا 1 إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم، يلزمه الدرهم العاشر إلى بقية الجملة ويختلف في الدرهم الذي جعله غاية: هل يدخل في الإقرار فتلزمه العشرة دراهم أو لا يدخل في الإقرار فتلزمه تسعة دراهم؟
وكذلك لو اختلف نوع ما بدأ به المقر وما جعله غاية، مثل أن يقول: له عندي من درهم إلى دينار، ينبغي أن يجري على ما أصلناه لك من هذا الاختلاف.
ومقتضاه أن يلزمه الدرهم ويختلف في الدينار.
وإلى هذا أشار محمَّد بن عبد الحكم في رده على أبي حنيفة، فقال: إنه يقول: إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى عشرة دنانير، إنه تلزمه العشرة دراهم وتسعة دنانير، فقال ابن عبد الحكم: هذه مناقضة، والإشارة إلى أنه إذا كان مذهبه أن ما بعد حرف الغاية غير داخل في الإقرار فإنه ساقط، فكذلك يجب أن تسقط العشرة
دنانير كلها؛ لأن ابن سحنون أجرى اختلاف قول أبيه، فيما حكيناه عنه، في قول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة، إنه يلزمه التسعة، واختلف قوله في الدرهم العاشر، فيمن 1 قال: له عندي مائتا كُرّ حنطة إلى كر شعير، إن الحنطة تلزمه من غير خلاف، وأما الشعير الذي جعله غاية فإنه يلزمه جميعه على أحد قولي سحنون، وعلى القول الآخر يلزمه كر 2 القمح ويحط من كر الشعير قفيز شعير، وهذه منه إشارة إلى أنه وإن اختلف النوع فلا بد أن يسقط مما ذكر بعد حرف الغاية شيئًا حتى يُجري على الأصل مقتضى حرف الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيه، وكان 3 الكرُّ: له أجزاء يحط منها جزءًا واحدًا وهو قفيز.
وهكذا ذكر عن أبي حنيفة فيمن قال: له عندي مائتا كر حنطة وكر شعير، أنه يَلزمه كل الحنطة والشعير، لكنه يحط من الشعير مقدار ما ذكرناه وهو قفيز.
وقال محمَّد بن عبد الحكم: إنما يجب أن يقضى عليه بفضل ما بين كر الحنطة وكر الشعير.
وهذا الذي قاله هو مقتضى اللفظ في حكم اللغة، وهو الذي ذكره من التفريع في هذه المسألة ظاهر المذهب عنده أنه بني قول الإنسان: لزيد عندي مائتا درهم إلا 4 عشرة دراهم وبين قوله: عندي من درهم إلى عشرة دراهم، إلى 5 حكم الغايتين حكم واحد يثبت الدرهم ويختلف في الدرهم العاشر المذكور بعد حرف الغاية.
لكن ظاهر مذهب الشافعية التفريق بين العبارتين إذا قال: له عندي مائتا درهم إلى عشرة فإنما تلزمه ثمانية دراهم وهو جملة ما بين المبدأ والمنتهى.
وإذا قال: له عندي من درهم إلى عشرة، قالوا: فيه قولان: أحدهما أنه تلزمه ثمانية، مثل ما قالوا في العبارة الأولى.
والقول الثاني، عندهم، وهو الصحيح في مذهبهم: إلزامه تسعة دراهم، كأحد قولي سحنون عندنا.
ومذهب 1 أبي حنيفة.
فلم يختلف القول عندهم في مذهبهم في هذه المسألة أن ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر.
وإنما اختلف القول عندهم في ما بعد حرف ابتداء الغاية وهو الدرهم الأول فيثبت أو يسقط، فأما الدرهم العاشر فإنما حكوا القول بإلزامه عند محمَّد بن الحسن.
والذي حكوا عن ابن الحسن هو أحد قولي سحنون عندنا كما ذكرناه.
واعلم أن المذهب عندنا في هذا الأصل على مسلكين:
أحدهما صرف هذا اللفظ إلى يقين القائل بما ذكره لا إلى الشك فيما قاله، فيجري الأمر فيه على هذه الطريقة كما بيناه.
والمسلك الثاني صرف ذلك إلى أن القائل أشعر تشككه فيما قال، وهو مذهب محمَّد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز.
قال محمَّد بن عبد الحكم قال: لو قال قائل: في هذا الشيء من رطل إلى رطل ونصف، لكان الرطل متيقنأونصف الرطل مشكوكًا فيه.
وقد قال النبي عليه السلام في مخرجه إلى بدر: "القوم ما بين سبع مائة إلى ثمان مائة" 2.
وهكذا قال ابن المواز فيمن قال: لفلان عندىِ (مائتي عشرة دراهم إلا عشوين درهمًا) 3: إن هذا المقر إن رجع عن شكه وأيقن بسقوط العشرة الثانية قُبِل ذلك منه، ولم يلزمه إلا العشرة الأولى، ولكنه يحلف إن ادعى المقَر له تحقيق استحقاقه عليه عشوين دينارًا 4، وأقا إن كان المقر له لا يحقق ماله عنده، وإنما يطلب بمقتضى إقراره، فإنه لا يمين على المقر إذا قال: تيقنت ما
كنت شاكًا فيه، وتحققت سقوط العشرة.
فلو تمادى على شكه في العشرة الثانية وتيقن المقر له بكونه يستحقها عليه لأخذها، على اختلاف في يمينه.
ومذهب ابن المواز ألاّ يمين عليه كما قدمناه عنه فيما سلف.
فإذا ثبت أن مذهب هذين الرجلين من أصحابنا حمل هذه العبارة على الشك من المقِر فيجري الأمر فيها على ما قدمنا بسطه من كون المقر له إذا كان موقنًا أخذ بيمين أو بغير يمين على الخلاف، هل يسقط الشك ولا يكون له حكم، إذ لا تعمر الذمم بالشك وتُقسَم بأن المقر والمقر له لتساويهما في هذا بين كون هذا ثابتًا أو ساقطًا.
وقد ذكر ابن المواز فيمق قال: فلان سلفني ما بين خمسين دينارًا 1، أن هذا المقر إن زعم أن شكه ارتفع، وتحقق.
أنه ليس له قبله أكثر من خمسين دينار ان ذلك يقبل منه ولا يمين عليه، إلا أن يحقق عليه الدعوى المقر له في هذه الزيادة على الخمسين فيحلف له، وإن تمادى على شكه وأيقن بثبوتها المقر له أخذها من غير يمين.
قال: وإن امتنع هذا المقر من الإقرار بهذه العشرة الزائدة والتصريح بالإنكار لها فإني أجبره على الإقرار أو الإنكار، قال: وقال لي عبد الملك: إنه يحبس حتى يقر أو ينكر.
قال: وهذا صواب لأن مالكًا قال هذا: فيمن ادُّعِي عليه شيء ولم يقر ولم ينكر.
قال ابن المواز: لكن الاستحسان عندي أن يحلف أنه ما وقف على اليمين عليها إلا لشكه، لم نغرمه العشرة الزائدة على الخمسين.
وعارضه الشيخ أبو إسحاق على هذا الذي ذهب إليه، وقال: إذا كان لا بد له من غرامة هذه العشرة الزائدة على الخمسين فما فائدة تحليفه على أنه إنما وقف عنها لكونه شاكًا؟
وهذا الذي اعترض به اعتراض صحيح إذ اليمين إنما تجب إذا كانت
طالبها 1 مفيدة وللمطلوب بها مدافعة عنه حقًا.
وهذا إذا كان لا بد ميط الغرامة واليمين لا يفيد في هذه الغرامة فلا معنى لها.
ولكن إن بنَيْنا هذه المسألة على أحد القولين في أن المقر له إذا أيقن بهذه العشرهَ أنه يستحقها، وتمادى المقر على شكه، أن المقر له لا يأخذها إلا بيمينه، أفادت هذه اليمين التي استحبها ابن المواز لكون المقر له يتهم المقر في إظهار الشك نطقًا بلسانه، وكونه في باطنه غير شاك، بل يعرف ثبوت هذه العشرة عليه، فيقول: المقر له فائدة في استحلافه على كونه شاكًا وأنه وقف عن ذلك لأجل شكه لأنه متى صَرّح بالإقرار أخَذْتُ هذه العشرة من غير يمين أَحْلِفُها، وإذا صرح بالإنكار طلبتُه باليمين.
لكن قد يقال في هذا: إذا صرح بالإنكار فلزمته اليمين، فله ردها عليه، فإن لم يحلف لم يستحق شيئًا، فلم يتحقق لك في يمينه على شكه فائدة واضحة، إلا أن يقال: قد لا يختار التصريح فزَدّ اليمين عليه، بخلاف يمين تجب عليه من غير أن يكون له ردها عليه.
فهذا مما ينظر فيه.
وقد أشار الشيخ أبو إسحاق إلى ظاهر الموازية كون الشك في مثل هذا على قول هل يسقط المشكوك فيه ولا يجب إلا المتيقَن لكون براءة الذمة هي الأصل، أو يُقسَم المشكوك فيه نصفين فتقسم هذه العشرة الزائدة على الخمسين، نصفين إذا شكا جميعًا: المقر والمقر له.
وقد أفادت هذه المسألة أيضًا كون ابن المواز يذهب إلى أن ما بعد حرف الغاية داخل فيها لقوله: نغرمه الستين كلها.
والجواب عن السؤال الخاص عشر أن يقال: إذا أقر بعدد لم يصرح به ولكنه كنّى حسنه، فلا يخلو من أن يكون قرنه بتفسيره، أو لم يقرنه يتفسيره.
فإن لم يقرنه بتفسيره رُجع في تفسيره إليه.
فإذا قال: له عندي كذا، فهو كقوله: له عندي شيء، أو: له عندي واحد، فيقال له بتن ما الذي له عندك مما ينطلق عليه اسم شيء، أو اسم واحد.
فيقبل ذلك منه.
فإذا قال: له عندي كذا، فسره بثوب واحد، قبل ذلك منه.
وإن قال: له عندي كذا، ولم يكرر هذا اللفظ، أو كرره مرة، أو مرتين وهو في تكريره مكرر له بحرف عطف أو بغير حرف عطف، فإن ظاهر ما نص عليه محمَّد بن عبد الحكم من أصحابنا، وغيره من البغداديين المالكيهّ، استفادة المراد بهذه الكناية من إعراب ما وقع بعدها من التفسير.
فإذا قال: له عندي كذا دراهم، قضي عليه بأقل الجمع وهي ثلاثة دراهم، على ما تقدم بيانه قبل هذا.
وإن كان قال: كذا درهمًا، فظاهر مقتضى الإعراب إلزامه عشرين درهمًا لأن العشرة وما انخفض عنها إلى أقل الجمع لا يقال فيه "درهم" وإنما يقال فيه "دراهم"، وكذلك تسعة دراهم، وثمانية دزاهم، إلى ثلاثة دراهم.
وما زاد على العشرة فهو عدد مركّب من قولك: أحد عشر إلى تسعة عشر فينتصب ما بعدها من التفسير كما قاله النحاة، فإذا بلغت إلى عشرين قلت: عشرين درهمًا، وقضيته.
فصار مقتضى الإعراب في دوله له عندي كذا درهمًا، إلزامه عشرين درهمأوذلك أقل ما ينتصب عليه قوله: درهمًا، موحد الأعداد الغير مركبة.
وإن قال: له كذا درهمٍ، بالخفض، فقد قال ابن القصار: لا إعراب فيه نصًا، وذكر أنه يحتمل أن يراد بهذا اللفظ "درهمًا" لأنه إذا ذكر الدرهم موحدًا باللفظ فإنما يطلق على: "جزء من درهم" و"ربع درهم"، فإذا كان هذا الجزء أقل ما ينطلق ما فسر بهذا الإعراب لم يجب أن يتحرى فيه أقل ما ينطلق عليه.
إلى هذا أشار ابن القصار.
ولما رأى بعضَ أصحاب الشافعي احتجوا على مذهبهم في إلغاء حكم الإعرأب وإلزام الناطق بكذا درهمًا واحدًا، فقال: لا خلاف بيننا وبينهم.
يشير إلى من خالف الشافعي، بأنه إذا قال: له كذا درهمٍ، أنه لا يلزمه مائة درهم،
وكان مقتضى الإعراب إلزامَه مائة درهم؛ لأن النطق بـ"درهمٍ" بالخفض، تفسير لعدد كنّى عنه أقل 1 مائة درهم، وما قصر عن المائة درهم إنما ينطق به بالنصب، فيقال: تسعون درهمًا وثمانون درهمًا.
ولما أشار ابن القصار إلى مافعة 2 هذا الحجاج فإنه لا يسلم حمل هذا اللفظ على مائة درهم لاحتمال أن تكون عبارة عن بعض درهم، فقال: إن بعض النحاة قال لي: إن هذا اللفظ يحمل على مائة درهم.
هكذا حكى عن بعض النحاة، وأهل اللغة.
ولكنه أشار إلى أنه لا يسلم ذلك.
وذكر الطحاوي أيضًا عن بعض العلماء أنه يحمل ذلك على مائة درهم.
هكذا مقتضى حكم إعراب الدرهم بالنصب والخفض.
وأمّا لو قاله بالرفع فإني لا أعرف أنا فيه نصًا، ويمكن أن يكون يحمل على درهم واحد، ويكون خبرًا عن مراده بكذا، فكأنه قال: له عندي كذا وهو درهم.
فيكون الرفع إخبارًا عن 3 المقِر عنْ مراده بقوله "كذا".
وقد ذكر سيبويه في كتابه أصل هذه المسألة فقال: إنها من الألفاظ المبهمة، والكناية عن العدد كقولهم: قال: كيت وكيت 4، كناية عن الحديث، وكذلك ذيت وذيت (1).
وذكر عن الخليل أن "كذا" يحلّ محل القول كالعدد وذكر بعض أئمة النحاة أن الكاف ها هنا للتشبيه واللى إلا فاصلة بينها وبين الجنس المذكور بعدها، فينتصب ذلك على التمييز في قولهم: كذا وكذا درهمًا، كقوله: أحد وعشرين درهمًا.
وإن "كذا" لَمَا يدل بمجرده على عدد، وإنما يدل عليه الجنس الذي يبيِّن، واختلاف إعرابه أوجب اختلاف العدد على ما ذكرناه وما سنذكره.
فقال: إذا أعرب بالرفع، فقال: له عندي كذا وكذا درهمٌ، فإن اللازم فيه درهم واحد، لكونه لا يدل على عدد معلوم، فاقتصر على دلالة النطق بدرهم، وهو اسم مفرد فلا يلزم المقِرَّ أكثرُ منه.
ولو نصب لزمه أقل عدد يُنصَب بعده الدرهمُ المفردُ، وذلك، على ما قلنا نحن، عشرون درهمًا.
هذا إذا أفرد هذا اللفظ فقال: كذا، مرةً واحدة.
وأمّا إن كرره فقال: له عندي كذا وكذا، فهو محمول، عندنا وعند أبي حنيفة، على أحد عشر درهماً، لأن أوّل عدد منصوب في المركبات من الأعداد هو أحد عشر درهمًا، فلا يقضى إلا بما أفاده الإعراب يقينًا، وما زاد عليه مما يشك فيه، لم يقض به على هذا المقر.
ولم يختلف قول الشافعي في هذا أنه يلزمه درهم واحد.
فأما نحن فبينّا وجه قولنا وقول أبي حنيفة، وصرفنا ما يستفاد من ذلك إلى مقتضى النطق باللسان العربي، قال تعالى: ﴿أنزلناه حكمًا عربيًا﴾ 1 وأضاث الأحكام إلى لسان العرب.
فأفا الشافعي يعتمد 2 على أن مجرد القول: له عندي كذا، لا يفيد جنسًا ولا عددًا معلومًا أكثر من واحد، فعلى المقر بيان جنس هذا الواحد لا أكثر.
فإذا ثبت أن مجرد القول "كذا" إنما يفيد واحدًا، وتفسيره بالدرهم يفيد بيان جنس هذا الواحد لا أكثر من ذلك، ولم يفد زيادة عدد ولا يقضى 3 منه، صارت لفظة "كذا" إنما تفيد واحدًا، ولفظة الدرهم إنما تفيد بيان جنس هذا
الواحد.
فإذا كرر "كذا" مرتين، وكانت الأولى منهما إنما تفيد واحدًا، فالثانية كذلك، وتكون مؤكدة لها.
وإذا صلحت أن تكون مؤكدة للواحدة، لم يقض عليه بزائد على ذلك بالشك والاحتمال، والعرف يُؤكد الشيء بلفظه فتقول:
جاء زيد زيد، وتقول: الطريق الطريق، احذرْ احذر، إلى غير ذلك مما اشتهر في لسانهم.
فهذا معتمد الشافعية في هذه المسألة.
وقد صار بعضهم وهو أبو إسحاق إلى اتباع مذهبهم في هذا، وهو إلزام المقر درهمًا واحدًا إذا كانت المقر عامّيًا لا يعرف مقتضى الإعراب، فإن كان غير عامي عَدَل عن مذهبهم وألزَم المقِرَّ ما قلناه أحد عشر درهمًا.
ولم يذهب إلى هذا التفصيل سواه.
وأما إن كرر ذلك بحرف العطف فقال: له عندي كذا وكذا درهم.
فإنه حكي عن الشافعي ما ظاهره أنه اختلف قوله، فقال مرة: يلزمه درهمان وقال مرة: يلزمه درهم واحد.
فمن أصحابنا من سلم أنه اختلف قوله في ذلك، ومنهم من لم يسلم ذلك، وتأول عليه أنه إنما قال بإلزام درهمين إذا أعرب بالنصب، فقال: كذا وكذا درهمًا؛ لأنه لا يحسن التأكيد مع دخول حرف العطف، وإنما يقع التأكيد مع عدم حرف العطف فإذا قال: كذا كذا، بغير واو، حسن أن تكون "كذا" الثانية مؤكدة لـ"كذا" الأولى كما بيناه.
فإذا دخل حرف العطف فقال: كذا وكذا، ارتفع حكم التأكيد، وحمل قوله "كذا" على درهم، وقوله بعد ذلك: وكذا، على درهم آخر.
فأما إن رفَع الدرهم، فإنما يلزمه درهم واحد، لأنه كالقائل: له عندي كذا وكذا، وهو درهم، فأخبر عن نفسه أن مراده ب "كذا وكذا" درهمٌ واحد؛ لأنه يجوز أن يكون أراد بقوله أولًا "كذا" نصفَ درهم، وقوله بعد ذلك بـ"كذا" نصف درهم فأخبر عن الجميع فقال: وهو درهم، وإذا احتمل ذلك لم يقض عليه بأكثر منه.
ومنهم من صرف اختلاف قول الشافعي إلى اختلاف حالين، لا اختلاف إعرابين، فقال: إذا لم يكن للمقر نية صرف ذلك إلى درهمين لأنه مقتضى ظاهر الإعراب، على حسب ما بيناه، فإن زعم أنه أراد درهمًا واحدًا صدّق في ذلك لأنه لم يخالف نصًا، وإنما خالف ظاهرًا محتملا.
ومذهبنا نحن ومذهب أبي حنيفة إلزامه في قوله: كذا وكذا درهمًا، أحد وعشرون 1 درهمًا، لأن ذلك أول عدد مركب يعطف فيه
الثاني على الأول، فقال: أحد وعشرون 1 دينارًا، وما زاد على ذلك، وإن كان يقال، فإنه مشكوك فلا تعمر الذمم بالشك.
وذكر عن أبي يوسف أنه ألزمه في هذا أحد عشر درهمًا، وعن محمَّد بن الحسن أنه ألزمه، في أحد قوليه في هذا، عشرون درهمًا.
وهذه المذاهب لا تسند إلى أصل، وإنما تسند إلى ما بيّنّا ما حدّه من جهة الآحاد أو من جهة الاعتياد.
والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال:
إذا ذكر عددًا مشتملًا على جنسين ولم ينسب بعضها إلى بعض مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار ودراهم، أو مائة ذهب وفضة أو مائة قمح وشعير، إلى غير ذلك مما اختلف أجناسه وأنواعه، فإن مذهبنا قبول قول المقِرّ في تقدير كل جنس من هذا العدد، فيصدّق إن قال: الدراهم تسعون والدنانير.
عشرة.
وكذلك إن قال: القمح عشرة أقفزة والشعير تسعون قفيزًا.
وذهب أهل العراق إلى أنه يقضى عليه بالتَّسوية بين الجنسين، فتكون الدنانير خمسين والدراهم خمسين.
وكذلك.
يكون القمح خمسين قفيزًا والشعير خمسين قفيزًا.
ورأى (1) أن هذا مقتضى هذه العبارة، وأن عطف أحد الجنسين على الآخر يوجب الشريك 2 في المساؤاة في المقدار، وفروا 3 على هذا الأصل حتى محوا 4 عقود النكاحات والبياعات، وإن أطلق بهذا اللفظ مثل أن يقول: تزوجتك بمائة قفيز قمح أو (4) شعير أو مائة ذهب أو (4) فضة، أو يعتك هذا العبد بمائة قفيز قمحًا أوشعيرًا، فإن النكاح والبيع ينعقدان على الصحة، وإن لم يبين حين العقد مقدار كل واحد من الجنسين.
ومذهبنا نحن أن هذا لا يوجب التشريك في المساواة في المقدار.
وإنما يوجحت التشريك في المساواة في الإعراب، فيرجع إلى تفسير المقر ويصدّق في بيان ما أراد.
ولو وقع بهذا عقد نكاح أو بيع لكانا فاسدين فسخا لكون مقدار كل جنس لا يعرف من هذه العبارة فصار العقد وقع بثمن مجهول.
لكن ابن المواز أشار إلى سلوك طريقة أهل العراق إذا مات المقِر ولم يبيّن، فقال في مريض أوصى بأن لفلان مائة ذهب وفضة.
فإنه يجبر على أن يبين المقادير، فإذا مات قبل أن يبين كان القول قول ورثته، كما كان القول قوله.
وإن لم يعلموا المقدار الذي أراد الموصي، وعلم ذلك المقَرّ له قبلت دعواه من غير يمين عليه، إذ لا أحد يدافع دعواه بيقين.
وإن لم يعلم ذلك لا من جهة الورثة ولا من جهة المقر له حُمِل ذلك على التسوية، وقُضي للمقَر له في مال اليتيم 1 بخمسين ذهباً وبخمسين فضة.
وهذا الذي أشار إليه ابن المواز بَناهُ على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما أن المشكوك فيه في الإقرارات يقسم نصفين، كمالٍ يدعيه رجلان على القول الآخر، إنما يقضى بما يتيقن من حق له في الإقرار.
وقد ناقض ابن سحنون ومحمد بن عبد الحكم أهل العراق وقالا: هم يسملمون لنا أن من قال: لزيد عندي ثلاثة أثواب، وذكر أن القول قول المقر في مقدار كل واحد من الجنسين فيلزمهم أن يقولوا بما قلنا: إن القول قول المقر في تقدير الأجناس.
وهذا عندي لا يلزمهم؛ لأن هذا العدد إن قضي فيه بالتنصيف قصرت العبارة وخرجت عن مقتضاها، ويكون القضاء بثوب ونصف من كل واحد من
الخمسين 1 وهو قد قال: ثلاثة أثواب، وهذه العبارة تقتضي أن يكون كل ثوب كَاملًا فلا يلزمهم ما ألزمهم أصحابنا في هذا السؤال.
هذا حكم إجمال الأجناس مع تساوي العدد.
وكذلك لو كثرت الأجناس فقال: له عندي مائة قفيز من قمح وشعير وأرُز وسمسم، لقبل منه بيان مقدار كل جنس عندنا، ولم يقبل منه ذلك عند أهل العراق.
ولكن إذا ذكر أربعة أجناس قضي عليه بخمسة وعشرين قفيزًا من كل جنس حتى تكمل المائة.
ولو وقع ها هنا استثناء مع ذكره جنسين لكانت المسألة على قولين.
مثل أن يقول: له عندي قفيزان قمحًا وشعيرًا إلا ربع قفيز فإنه:
قيل: يحط ربع قفيز بالسوية بين القمح والشعير، فيسقط من المكيلة ثمن قفيز قمح وثمن قفيز شعير، ويوكل إلى أمانته بيان مقدار ما يقدره في باقي الجنسين.
وقيل: بل يوكل إليه التقدير في الاستثناء والمستثنى منه.
وهذا يقوى على القول يأنّ الاستثناء إذا تعقب الجمل صلح أن يكون عائدًا لجميعها.
هذا إذا أقر بعدد من جنسين والإقرار لرجل واحد.
وأما إن كان الإقرار بجنس واحد لرجلين، مثل أن يقول: لزيد وعمرو عندي ألف درهم.
فإن المذهب أن يكون ذلك بينهما نصفين على المساواة.
ولو عاد بعد ذلك وقال: لزيد من هذه الألف ست مائة درهم ولعمرو أربع مائة درهم، لقبل ذلك منه، وقضي عليه بغرامة المائة الزائدة على النصف لمن أقر له بهالأولم يحطّ للآخر من النصف شيئًا.
وكأن أصحابنا رأوا أن ظاهر هذه العبارة الواقعة يُلازم التمليك، وعطف الثاني على الأول يُوجب التسوية.
وهذا أيضًا قد يناقضنا به أهل العراق ويقولون: هلاّ قلتم: إنه يقبل قول المقر في بيان مالك ل واحد من الرجلين.
والتحقيق في هذا يقتضي المساواة.
بين السؤالين إلا أن يكون عرف الاستعمال فرق بينهما فيصار إليه.
وتقدم بيان مذهبنا في مقتضى قول القائل: شريكي في هذه الدار فلان، هل يحمل على المساواة أم لا؟
وهذا كله إذا وقع الإقرار مطلقًا، ثم بعد حين بيّن المقادير.
وأمّا إن كان البيان متصلًا من غير صُمات مثل أن يقول: لزيد عندي مائة ذهب وفضة ثلثاها فضة، فإن ذلك يقبل منه بغير خلاف.
وكذلك إذا قال: لزيد وعمرو ألف درهم ثلثاها لزيد، فإن ذلك يقبل منه بغير خلاف.
والجواب عن السؤال السابع عشر أن يقال:
إذا أقر بدنانير أو دراهم وقيد إقراره بوزنها وسكّتها وغير ذلك من صفاتها، فإنه لا يؤخذ بغير ذلك، إلا أن يبهون إقراره قد 1 فيه كونها في ذمته ثمنًا للبيع فيخالفه المقَر له فيما قتد به من سكة أو وزن فإن ذلك ينتقل حكمه إلى ما قدمناه في كتاب البيوع من اختلاف المتبايعين في الثمن الذي تبايعا به.
وإذا ادعى أحدهما ما لا يشبه كونه ثمنًا للمبيع المذكور فإن ذلك، مع قيام السلعة، جار على القولين المذكورين في كتاب البيوع.
وأما إن قيد ذلك يكون ما أقرّ به في ذمته من مرض 1 فإن ذلك يقبل منه إذا قيد ذلك بما يقرضه الناس بعضهم لبعض.
وأما إن قيد بما الغالب أنه لا يقرضه الناس بعضهم لبعض فقد ذكر ابن سحنون فيمن أقرّ بفلوس وقيدها بأنها الفلوس الكاسدة، وقد ذكر المقر أنجها من قرض فإن أهل العراق وأصحابنا اختلفوا، فقال بعضهم من هؤلاء وهؤلاء: لا يقبل ذلك من المقر، وقال بعضهم: بل يقبل ذلك من المقر.
فأطلق هؤلاء قبول الإقرار ولم يشترطوا فيه كون القرض مِمّا يشبه أو لا يشبه.
وهذا لأن الأصل براءة الذمة للمقر، والقرض ليس بمعاوضة تجري العوائد بضبطها بأجناس وصفات، ولهذا قبل ذلك منه.
ولو وصل الإقرارَ بقوله: وديعة، ثم ذكر بعد ذلك أنها زيوف وبهارج لقبل ذلك منه، بخلاف لو قيد الإقرار بكونها غصبًا ثم ذكر أنها زيوف أو بهارج فإنه لا يقبلَ ذلك منه.
واعتل ابن سحنون بأن المقر بغصب الدنانير ذكر وجهًا يوجبها في ذمته، بخلاف المقر بوديعة لأن الأصل براءة ذمة المودعَ مما أقر به، والأصل في الغصب وغيره من قرض أو بيع كون ما أقر به في الذمة، فلهذا يقبل من المقر بالوديعة ما فسر إقراره به من كون الدنانير المودعة من الدنانير الزائفة أو البهارج، ولا يقبل قوله إن فسرها رُصاصًا أو ستوقة.
وحكى عن أبيه أنه لا فرق في هذه الأوصاف من قول المقر: إنها ستوقة أو رصاص أو زيوف أو بهارج، إلا أن يصفها بما لا ينطلق عليه اسم دراهم، مثل أن يقول: إنها رصاص محض غير مخلوط بفضة، فإن ذلك لا يقبل منه لإبطاله حقيقة الاسم الذي أقر به.
ولو كان تقييد المقر بما أقر به غيرَ متصل بإقراره، بل بعد فَتْرة، فزعم أن الدنانير التي أقر بها زيوفًا أو بهارج أو ناقصة عن الوزن المعتاد في البلد الذي أقر به، فإن ذلك لا يقبل منه لكونه عاري الذمة، فيستصحب براءة ذمته وعُرُوّها عن المطالب فلا يثبت عليه إلا بأمر لا إشك الذيه، على حسب ما حكيناه مما
ذكره عن أبيه، ما لم يقيده 1 إقراره بما يبطل الحقيقة التي أقر بها.
لكن ذكر محمَّد بن عبد الحكم أنه إذا أقر بدراهم وديعة ثم قال: هي مغشوشة، فإنه اختلف قول ابن القاسم: هل يقبل ذلك منه أم لا؟ ولعله أراد في القول: لم يقبل ذلك منه إن الدراهم المغشوشة لا ينطلق عليها تسمية دراهم، فيكون ذلك موافقا لما ذكرناه عن سحنون.
ولو أقر بدنانير بلد، ثم بعد ذلك نسبها إلى سكة بلد آخر، لم يقبل ذلك منه، بل يحمل إقراره بأن المقَرّ عليه كذا وكذا، على أن المراد به سكة اليلد الذي أقر وهو به..
ولو قال: لفلان عندي دينار في منزل.
ثم مات المقر، لحمل إقراره على دينار جيّد.
ولو قال: له دينار في منزل لا أعرف هل هو جيد أم دنيء ولا أعرف وزنه.
ثم مات، لم يتضمن إقراره إلا أقل فا ينطلق عليه تسمية دينار.
ومما يلحق بهذا النوع من دعواه تخصيص العام لو كانت للمقر أجناس الديون على رجل فقال: الدين الذي لي على فلان هو لفلان، ثم بعد ذلك إنما أردت أحد الأجناس الذي لي عليه، وله عليه دنانير ودراهم وطعام وعروض، فقال: إنما أردت الدراهم أو الطعام، فإن ذلك لا يقبل منه.
وهذا إنما يحسن على قول بعض أهل الأصول:.
إن العموم ظاهر قوي في الاستيعاب والشمول، فيكون المقر على هذه الطريقة قد ادعى ما يبطل ما هو الظاهر من كلامه، ومقتضى إقراره.
وهذا أيضًا بناء على أن الألف والسلام ها هنا تقتضي الإيعاب على ما ذكرناه فيما أمليناه في كتاب الأصول.
ولو كان من عليه الدين مقرًا لرجل: أن من له الدين أقر له عنده بأن هذا الدين له أو أنه أمره بدفعه إليه، وصاحب الدين غائب، لم يثبت إقراره بما ذكر عنه من عليه الدين، فإن في جبى على دفع ذلك لهذا الذي أقر أنه له قولين:
فذهب ابن المواز وابن عبد الحكم أنه لا يجبر على ذلك، ولا يلزمه الدفع إلى من أقر له بالدين الذي عليه، لأن ذلك لا يبرئه.
وذهب محمَّد بن سحنون إلى أن القاضي يجبر هذا المقر على دفع هذا المال الذي عليه.
وإن كان الغائب الذي نه الدين بوثيقة وإشهاد إذا قدم فأنكر ما حكم عنه من عليه الدين فإنه يصدق ويطالب الغريم بدينه، والقول قوله فيه: إني لم أقر عندك ولم آمرك به، وكأنه رأى من عليه الدين معترفًا أن الذي عليه قد استحق هذا الذي أقر له تملكه، فلا يحل له أن يمنع رجلًا ملكه، لجواز أن يأتي رجل آخر فيظلمه ويغرمه مئل ذلك.
والجواب عن السؤال الثامن عشر أن يقال:
أما المجاوبة بنعم، فهو صريح في الإقرار، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 1. وكذلك المجاوبة ببلى، قال الله تعالبى.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 3. ولكنها تستعمل في إنكار البقاء 4 فيكون إنكار البقاء (4) إثباتًا، ولهذا قال بعض النحاة: لو كان جوابهم لله سبحانه لما قال لهم: ألست بربكم، فقالوا: نعم، لكان ذلك كفرًا، وكأنهم صدقوا بقولهم "نعم" أنه ليس بربهم.
وكذلك قول "أجل" فإنها بمعنى نعم، فإذا قال إنسان لآخر: لي عندك مائة دينار، فأجابه بأن قال له: أجل، كان ذلك إقرارًا بالمائة دينار.
وكذلك قوله:
نعم.
وكذلك إن قال له: أليس لي عندك مائة دينار؟ فقال: بلى.
فهو إقرار بها.
ولو أجابه على قوله: أعطني مائة دينار التي لي عندك، فقال له مجاوبًا عن هذا: سأعطيكها، سأبعثها إليك، وسأدفعها إليك، وليست عندي مهيأة كلها.
فإن هذا إقرار بها.
ولو قال له: اجلس فأزن 1، أو فاتزّنها.، أو قال له: فأنقدها أو انتقدْها 2، فإن المذهب على قولين في هذه الألفاظ:
فمذهب سحنون إن هذا إقرار بها.
ومذهب ابن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار بها، واعتلّ بأنه لم يضف ذلك إلى نفسه، وإنما قال: اتزن أو اتزنها، وليس بتصريح بمن يزنها له.
لكن لو قال: اتزنها منِّي، أو اتزن منّي، أو تنقد مني، لكان ذلك اعترافًا لإضافة هذا الفعل إليه.
وذكر عن أصحاب أبي حنيفة أنهم يفرقون بين ذكر ضمير يعود إليها، وبين ألاّ يذكر ضميرًا.
فيجعلون ذلك إقرارًا إذا قال: أتزنها.
ولم يجعلوه إقرارًا إذا قال: أتزن، أو إذا قال: أنتقد.
وذكر ابن سحنون فيمن قال لآخر؛ غصبتني هذا الغلام، فادفعه إليّ، فقال: غدًا.
قال: أقر له به، في إجماعهم.
وهذا يرد على أصحاب أبي حنيفة فيما ذكرناه عنهم من أنهم إذا تقاضى غريمه فقال له: اتزن؟ أنه لا يلزمه بهذا القول شيء.
قال: فكذا يجب على قوله "غدًا" ألا يكون إقرارًا حتى يقول غدًا أدفعهُ إليك.
ولو قال زيد لعمرو: أخبر بكرا بكذا، أن له على ألف دينار، أو قال 3:
له ذلك أو أعلمه بذلك.
لكان هذا إقرارًا على ما ذكره ابن سحنون في كتابه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أخبرْ بكرا، أو أعلمْ بكرا، أو قم 1 لبكر: إن لي عليك ألف دينار، وقال: نعم، فإن هذا إقرار.
وأما إن قال زيد لعمرو: لا تخبر بكرا أن له عليَّ مائة دينار، لكان في هذا قولان:
أحدهما أن هذا (1) لبكر بالمائة دينار وكأنه أقر بها ونهى عمرًا عن إظهار هذا الإقرار وأمره بإخفائه وكتمانه.
والقول الآخر إنه ليس بإقرار.
فكأن من ذهب إلى هذا ورأى أن هذا القول لا يضمن 2 أكثر من النهي عن أن يحكي عنه هذا لكونه ليس بصدق، أو نهى عن ذكره لغرض آخر لا لكونه حقًا أمره بكتمانه عنه.
وكذلك لو قال زيد لعمرو: أعطني لجام دابتي أو سرجها، أو اعطني باب داري، أو ثوب غلامي، فقال: نعم.
فإن في ذلك على 3 قولين: هل يتضمن قوله "نعم" الإقرار بكونه سلمه ملك الدابة، وملك الدار، وملك العبد 4 ولم يسلم له ذلك، وإنما سكت عن إنكار إضافة هذا الملك له.
ومما يلحق بهذا الذي ذكرنا الاختلاف فيه السكوتُ عن إنكار الدعوى.
فقد وقع في العتبية عن ابن القاسم فيمن قال لرجل: لِمَ سَكنت فلانًا في دارك، هل بإجارة أو باطلًا؟ فقال: باطلا.
والساكن يسمع ذلك فلا ينكره، فإنه لا يكون ذلك منه تسليمًا لكون الدار ملكًا للقائل: أسكنتُه باطلا، لأنه قد يعتذر بأن
يقال: ظننت أنه يداعبه، ويحلف.
وقال أيضًا فيمن سئل عند موته: هل لأحد عندك شيء؟ قال: لي 1، قيل له: ولامرأتك؟ قال: لا.
والمرأة تسمع لا تذكر حقها.
فإنها تحلف أن حقها عليه ولا يضرها سكوتها.
وذكر فيمن أتى إلى رجل جالس في جماعة فقال: اشهدوا أن لي على هذا الجالس مع هؤلاء مائة دينار، وانصرف، إن سكوت المدعى عليه بهذا يكون كالإقرار بها.
وقد ذكرنا في كتاب التفليس إذا شاهد رجل تركة رجل تقسم بين ورثته، وتقضى منها الديون التي عليه، ولم يطلب دينًا فإن سكوته عن ذلك كالإقرار بسقوط دعواه عن الميت وسقوط حقه.
وكذلك الحكم في ميت ترك ولدين: أحدهما مسلم والآخر نصراني، فزعم كل واحد منهما أن أباه مات على دينه، وجُهِل حال الأب، لكنه صُلّي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والولد النصراني لا ينكر ذلك فإن هذا تسليم في كون أبيه مات مسلمًا.
وكذلك إذا قال الزوج لزوجته المطلقة: راجعتك، فسكتت عن إنكار ذلك، ثم بعد ذلك زعمت أن عدّتها انقضت قبل قول الزوج: راجعتك، فإن ذلك لا يقبل منها، وسكوتها عن إنكار قوله كالتصديق له أن عدتها لم تنقض.
وكذلك قال سحنون في موص قال، عند موته، بأن جاريتي هذه تعتق بعد موته، والجارية تسمع ذلك ولا تنكره، فلما أن مات زعمت أنها حرة في الأصل، فإن ذلك لا يقبل منها.
فهذه مسائل جعل السكوت فيها عن الإنكار كالنطق بالتصديق.
وما ذكرناه من ترك إنكار المدعى عليه بمائة دينار قولَ المدعي: اشهدوا عليه بها، أن ذلك كالتصديق للدعوى، ممكن أن يقدر هذا أن العادة في مثل
هذا مع ذكر الإشهاد أنه لا يشبه السكوت عن إنكار هذا.
وبالجملة فقد ذكرنا ما وقع في هذا وأضربنا عن ذكر ما سواه من أمثاله.
والتحقيق فيه الالتفات إلى قرائن الأحوال، فمتى دلت على كون السكوت مصدقاَّ قَضي بذلك عليه، وإن دلت على كونه منكرًا لم يقض عليه بالتصديق، وإن أشكل الأمر لم يقض عليه بالتصديق مع الاشكال والاحتمال، وقد يستظهر عليه باليمين على صدقه فيما لا يعتذر به من سكوته إذا أدى الاجتهاد لتحليفه.
وهذا هو المعتمد في الفتوى في هذا الأصل وفي غيره عندي، وعند بعض أشياخي المحققين.
وأما الإقرار على جهة الاستفهام ففيه قولان: مثل أن يقول زيد لعمرو: أَلَكَ عندي مائة دينار؟، فيقول المسؤول: نعم، فيرجع المستفهم عن استفهامه وينكر كونها عليه، فمذهب محمَّد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن ذلك لا يكون كالتصريح بالإقرار بالمائة دينار.
وذهب ابن سحنون أن ذلك إقرار بها.
وكأن ابن سحنون قدّر أن استفهامه كالشك في كونها في ذمته، لمن استفهمه عنها، والمسؤول عن ذلك يحقق أنها له قِبَل المستفِهم، فكان من حقه طلبه بها.
وكأن من لم يجعل ذلك إقرارأ قدر أن الشاك قد يرتفع شكه ويعود إلى اليقين، فيصدق في ارتفاع شكه، ويحلف على ذلك.
ولو قال: لك عندي مائة دينار ولم أقضك إياها؟ على جهة الاستفهام له، فإنه يطالَب بالمائة دينار من غير اختلاف، لأنه إذا أقر بها ثم ادعى قضاءها لم يصدق، فأحرى إذا لم يدع القضاء بل شك فيه ألاَيبرَأ مما أقر به.
قال ابن المواز: ويقضى بها للمقر من غير يمين لأن المستفهِم لمْ يدّع القضاء وإنما شك فيه، والمقَر له موقن بأنه لم يأخذ من المقِر شيئًا.
وذكر ابن سحنون أن رجلًا قال لآخر: أليس قد أقضيتني أمس ألف
درهم فقال الطالب: بلى أو نعم، ثم جحد المقِر، فالمال يلزمه.
وسوَّى ها هنا بين الجواب بنعم وببلى، وقد ذكر بعض أئمة النحاة أن الجواب بنعم في حرف النفي بخلاف الجواب ببلى، فقال في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾: لو قالوا "نعم" بدل قولهم "بلى" لكفروا.
وقد قدمنا هذا.
وساوى ابن سحنون ها هنا في الجواب في قوله: أليس لي عليك ألف درهم، بين أن يقول السؤول "بلى" أو "نعم".
وهذا.
خلاف ما ذكرناه عن بعض النحاة، وكان بعض النحاة أجراها مجرى الإنكار للقول، فإذا قال:
"ألست بربكم" فوقع الاستفهام على حرفٍ نَفَى به أن يكون ربهم؛ فإذا قالوا "نعم" فقد صدّقوا النفي وكفروا.
وإذا قالوا "بلى" فقد أنكروا النفي، وإكذاب النفي إثبات.
فعلى مقتضى هذا يكون الجواب في مسألة ابن سحنون إذا قال الطالب "نعم" فقد أقر بأنه لا يستحق قِبَل المستفهم، وإذا قال "بلى" فقد أثبت بأنه يستحق قبله ألف درهم لأنه نفى ما نفاه المقر وإذا نفى النفي كان مثبتًا كما بينّا.
وقد ذكر محمَّد بن عبد الحكم في هذه المسألة: أن المستفهم لا يلزمه شيء.
قال ابن عبد الحكم: ويحلف المقر.
وقد يقع المجاوبة عن القول ما 1 يشكل أيضًا مثل لو قال رجل لآخر: أقرضتك ألف درهم، فقال: لا أعود لها، فهو إقرار فيما ذكر ابن سحنون.
ولو قال: غصبتني مائة، فأجابه: ما غصبت قبلها، فقال سحنون 2: هو إقرار بها.
ولو قال: أقرضتك مائة، فقال: ما استقرضت من أحد بعدك أو غيرك أو قبلك.
فذكر ابن سحنون أنه إقرار، وذكر عن أبيه سحنون، وعن أهل العراق أنه ليس بإقرار.
وكذلك لو أجابه: لا أعود لها، فإنه إقرار عند ابن سحنون وليس بإقرار عند أبيه سحنون.
وقال ابن عبد الحكم: لو قال اقضني المائة التي لي عليك،
فقال: إن أخرتني بها سنة أقررت لك بها.
فليس بإقرار، ويحلف.
وكذلك لو
قال: إن صالحتني عنها أقررت لك، فليسر هذا أيضًا بإقرار.
وقد قدمنا ما تضبط به هذه الأجوبة وما يستدل على المراد به من قرائن الأحوال ومن سياق الخطاب.
والجواب عن السؤال التاسع عشر أن يقال:
قد تقرر أحكام سقوط الخيار في عقود البياعات.
وأمّا اشتراطه في الإقرار مثل أن يقول: لزيد عندي ألف درهم على أني بالخيار.
فإن ابن سحنون ذكر أن في هذا قولين:
أحدهما: أن هذا الاشتراط يقع وهو ثابت.
والآخر: أنه ساقط لا تأثير له.
ولكنه نقل الأول نقلًا يدل على الاتفاق في ثبوت الدين الذي أقر به، وإنما صرف الخلاف هل يؤخذ المقِر بالدين الذي أقر به حالاّ ولا ينفعه قوله: على أني بالخيار ثلاثة أيام، أو تكون الثلاثة الأيام كالأجل المضروب لقضاء الدين، فلا يؤخذ به إلا بعد انقضاء الثلاثة أيام، كما لو قال: له عندي ألف درهم، إلى أجل سماه، فإنه لا يؤخذ به إلا بعد انقضاء الأجل باتفاق، وإن كان بعض من شذّ من أصحاب الشافعي خرج فيه قولين عندهم في أن المقر بأن لزيد عليه مائة درهم إلى سنة، فإنه لا يقبل في دعوى التأجيل.
وأنكر هذا التخريج بعض حذاق أصحاب الشافعي.
وإنما دعانا إلى صرف ما حكاه ابن سحنون من الاختلاف إلى كونه اختلافًا: هل يؤخذ بما أقر به حالّا أو يكون شرط الخيار ينفعه في تأجيله مقدارَ الأيام التي ذكر أن له الخيار فيها.
وذلك أنه قال في المسألة قولان:
أحدهما: أن ذلك يكون كالأجل المضروب فإن بانقضاء الأجل يلزمه ما
أقر به.
ولم يقل: إن لم يرجع عن إقراره، ولا قال أيضًا: إن لم يختر سقوط هذا الدين عنه.
واتبع ابن سحنون الخلاف الذي ذكرناه بمُثُل لا يحسن الخلاف فيها، مثل أن يقول: له عليّ ألف درهم غصبتها، أو كانت وديعة استهلكتها.
فإنّ شرط الخيار في هذا غير لازم ولا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه أسند الجواب إلى سبب يلزمه به الإقرار من غير خيار له في ذلك بإجماع.
ولم.
يصرح ابن سحنون بذكر الخلاف في هذا المثال، وإنما أبرزه عقيب المسألة الأولي التي ذكرناها عنه إيرادًا قد يسبق إلى قارئ كلامه تصور الخلاف في هذه المسألة أيضًا.
وكذلك أيضًا عطف على هذا الإقرار بالكفالة بشرط الخيار مثل أن يقول: تكفلت لزيد بمائة دينار على أني بالخيار.
فذكر أن المكفول له إن صدقه في اشتراط الخيار كان له الخيار فيما أقر به بين أن يتمادى على التزام الكفالة أو يرجع عنها.
فإن أنكر المكفول له شرط الخيار وادّعى أنه تكفل من غير شرط، فإن من شرط دعوى الخيار ها هنا لا تقبل.
وهذا الذي ذكره ابن سحنون في هذه المسألة لا وجه له عندي، إلا أن يجريه على أصل ابن القاسم فيمن أقر ببيع وزعم أنه اشترط الخيار فيه، فإن ابن القاسم يرى أن القول قول من ادعى رفع الخيار، وأنه يشترط بين المتبايعين.
فإن كان أراد هذه الطريقة (فلها ذكر وجه وإن لم يرده فيما أعلم له وجهًا على أصل هذا المذهب) 1.
وقد أَتْبع كلامه على هذه المسألة بما يدفعنا بما ظننا به.
وذلك أنه قال: ولو ادعى البائع أنه باع على الخيار لم يصدق.
وهذا الذي ذكر في البيع هو مذهب ابن سحنون كما حكيناه، فكأنه بهذا يشير إلى التفرقة بين دعوى الخيار في الكفالله ودعوى الخيار في البيع.
وهذا لا يظهر عندي للتفرقة فيه وجه واضح، ولو صرف بصرف الخيار إلى الرجوع عما أقر به فلا يختلف أن ذلك اشتراط ساقط، مثل أن يقول لرجل: قتلت ابنك، أو استهلكت مالك، وأنا
بالخيار في رجوعي عن إقراري.
فإن هذا الاشتراط ساقط، لأن الإقرار إخبار عن أمر لازم سبق وجوبَه التصريحُ بالإقرار له، وما تقضّى لا يُقدّر الآن موجوداً حتى يُخيَّر الإنسان فيه.
فهذه النكتة توضح طريق الصواب في هذه المسائل، فإن صرف الخيار إلى الرجوع عن الإقرار (في حقوق إلى الخلق لا ينفع إلى حقوق الخالق ينفع اشتراطه) 1 إذا كان ذلك مما يجوز فيه الخيار.
وعندنا أن اشتراط الخيار في الكفالة يجوز.
ومنعه أصحاب الشافعي ورأوا اشتراط الخيار في الكفالة باطلاً.
فلو قال: أتكفل بما لزيد على عمرو على أني بالخيار.
لكانت هذه الكفالة ساقطة ذهاباً منهم إلى أن الخيار عذر وإنما رخص في اشتراطه في البياعات لمسيس الحاجة إليه لكون المشتري يفتقر إلى اختيار ما اشتراه والمشورة في بيعه، وكذلك البائع قد يفتقر إلى المشورة في ثمنه، فرُخّص لكل واحد منهما اشتراط الخيار لأجل هذه الضرورة، ولا ضرورة في اشتراط الخيار في الكفالة إذا كانت لا يرجع بها على المكفول لكون ذلك كالهبة منه والواهب لا ضرورة به إلى اشتراط الخيار.
وقد قدمنا أن مذهبنا جواز اشتراط الخيار في الكفالة.
وإليه ذهب أبو حنيفة، ورأى أن البياعات إذا جاز اشتراط الخيار فيها عن كونها عقود معاوضة والغرر يجب أن ينفى عن عقود المعاوضة، فأحرى أن يجوز اشتراط الخيار فيما لا معاوضة فيه.
وإن وقع الاختلاف بين الكفيل والمكفول له هل وقعت الكفالة بشرط الخيار أم لا؟ فإن لأصحاب الشافعي في هذا قولين:
أحدهما: تصديق من ادعى وقوعها بغير شرط.
والثاني: تصديق المُكفِّل في أنه اشترط الخيار.
وقد قدمنا نحن في كتاب البيوع الكلام على اختلاف المتبايعين في مثل هذا المعنى، وعلى اختلافهما في دعوى الخيار في عقود البيع.
وبالحملة فإن المقر بشيء إذا وصل قولَه بصفة لا تحل 1 الصفة إمّا أن تكون تقييدًا ببعض أوصافه، أو رفعًا لبعض عدد جملته، أو رفعًا للكلية من الجهة التي منها ثبت أو دفعا له بالكلية من غير الجهة التي منها ثبت.
فمثال الصانة في الإقرار بتقييد بعض أوصافه قول الإنسان: لزيد عندي مائة دينار من سكة كذا.
فإن هذا لا يختلف في قبول هذا التقييد منه.
ومثل رفع بعض عدد الجملة كقوله: له عندي مائة دينار إلا عشرة، أو استثنى أكثر العدد كقوله: له عندي مائة إلا تسع وتسعون.
ومثال رفع الجملة من الجهة التي فنها ثبت الإقرار كقوله: عندي ألف درهم إلا ألف درهم، وأنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.
فإن الاتفاق على أن الاستثناء في الطلاق لا ينفع لكونه رفع جملة ما أثبت، فيصير الكلام متناقضًا غير مقيد.
وكذلك في استثناء جملة المال.
وإن كان الإقرار يرفع الكل من غير جهة ثبوته مثل قوله: له عندي مائة دينار قبضتها 2 له.
فإن أصحاب الشافعي صرحوا بأن مذهبهم على قولين في هذا.
وعندنا أنه لا يقبل دعواه القضاء من غير خلاف منصوص.
وإن كان بعض الأشياخ حاول تخريج خلاف فيه على أصل أشهب، وتردد في ذلك.
وقد تقدم كلامنا عليه.
وكذلك عند أصحاب الشافعي قولان منصوصان أيضًا فيمن قال: له عندي مائة درهم من ثمن خمر أو خنزير.
فإن هذا كله باب واحد عندهم، وهو يرفع جملة ما أقر به من غير جهة ثبوته.
وهذه المسائل قد تكلمنا نحن عليها وعلى أصولها في كتاب البيوع.
والجواب عن السؤال العشرون أن يقال:
لا يخلو المقر بعدد إذا كرر الإقرار: إما أن يكرره بمثل العدد الأول، أو بخلافه.
فإن كرره بمثل العدد الأول، مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار، يقول هذا يوم السبت، ثم يصبح فيقول: لزيد عندي مائة درهم 1 فهل يحمل هذا على تكرير العدد فيلزم بمائتي دينار: المائة الأولى التي أقر بها يوم السبت والثانية التي أقر بها يوم الأحد، أو يلزمه مائة واحدة، ويلزم 2 التكرير على التأكيد؟
عندنا أنه يحمل على التأكيد دون التعديد إذا زعم المقر أن ذلك مراده.
ولم يقع في المذهب عندنا تصريح بخلاف هذا القول.
وقد أشار ابن سحنون إلى ما ذكرناه من اتفاق أهل مذهبنا على هذا، وهو الذي ينصره البغداديون من أصحابنا ويضيفونه إلى مالك رحمه الله تعالى.
وإن كان قد ذكر ابن سحنون ما رمز به إلى أن هذا مختلف فيه عندنا فقال، في غير كتاب الإقرار من كتابه،:
اضطرب قول مالك في هذا وآخر قوله: إنه إنما تلزمه مائة دينار واحدة، وحمل 3 على التكرير على قصد التأكيد لا على قصد التجديد.
وهذا الذي أشار إليه ابن سحنون من اضطراب قول مالك يقتضي أنه أشار مرة إلى حمل ذلك على التعديد وإن المقر تلزمه مائتان، وهو مذهب أبي حنيفة.
لكن أبا حنيفة استثنى في مذهبه نوعأواحدًا من الإقرار وهو أن يقع التكرير في مجلس الحكم، مثل رجل أشهد على نفسه يوم السبت بأن لزيد قِبَله مائة دينار، ثم رفعه زيد إلى القاضي فأقر عند القاضي بمائة دينار، ثم زعم أنه إنما أراد بما أقر به المائة التي كان أشهد بها.
فإن أبا حنيفة صدق المقِر في هذا
النوع من الإقرار خاصة، وحمل ما سواه من تكرار الإقرار على أن المراد به عددان اثنان، ولم يصدقه في قصد التكرير إلى التأكيد.
وصاحباه محمَّد وأبو يوسف صارا إلى ما صرنا إليه، وخالفاه في مذهبه هذا.
وهو إنما استثنى هذه المسألة من الإقرارات استحسانًا، وإلا فهو يسلم أن القياس أن تجري مجرى أخواتها.
وكأنه رأى أنه مضطر إلى الاعتراف بين يدي القاضي لما سأله المَاضي، فصارت ضرورة إلى ذلك، وإكرامه 1 على أن يجيب عن السؤال كقرينة حال تصدقه في أنه إنما أقر بما تقدم إشهاده به.
ونحن لا نفرق بين سائر المجالس في هذا سواء كانت عند الحاكم أو عند غيره، بناءً على أن الأصول تقتضي حمل كل لفظة على فائدة مجدَّدة، وعلى هذا أتى لسان العرب أنها إنما تتكلم بالكلام المفيد ولا تجدد كلمة واحدة إلا لفائدة مجَدّدة.
وهذا يقتضي أن قوله: يوم السبت مائة دينار، يفيد عمارة ذمته بمائة دينار، ثم قوله بعد ذلك:
لزيد عندي مائة دينار تفيد مائة أخرى، وإلا لو أفادت الأولى بعينها لم تكن لهذه اللفظة فائدة.
وهذه المسألة تنظر إلى اختلاف أهل الأصول في تكرير الأمر بالفعل الواحد، مثل أن يقول الباري سبحانه لرجل "صلّ صلّ" فإن الأصوليين مختلفون هل يحمل ذلك على صلاتين، أو صلاة واحدة ويكون التكرير للتأكيد.
ومنهم من وقف بين هذين.
المذهبين ورأى أن هذا اللفظ محتمل لهما.
وكذلك إذا قال لزوجته: أنت طالق طالق، وأشهد رجلين على قوله لها: إنها طالق.
ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، ثم أشهد آخر بمثل هذا اللفظ، فإن ذلك يحمل على ثلاثة تطليقات.
وقد اختلف إشارات أهل المذهب إلى هذا الذي ذكرناه في مسألة الطلاق: هل يجري تكرير الإقرار بالمال مجرى التكرير بالطلاق أم لا؟ فظاهر ما أشار إليه ابن القاسم أنهما شيئان وحكمهما واحد.
وأشار ابن القصار إلى خلاف
هذا الرأي، ورأى أن الطلاق، وإن حمل.
على التعديد، فإن الإقرار بالمال لا يجب حمله على التعديد.
واعتل بأن الطلاق إيقاع لا إخبار، والإقرار بالمال إخبار، والإخبار يصلح فيه التعديد والتأكيد.
وإذا احتمل ذلك لم يلزم التعديد بأمر محتمل.
والطلاق إيقاع، وحكم الإيقاع يقتضي التعديد.
وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك فيمن أشهد رجلًا بأن قال: امرأتي طالق، ثم آخر، ثم آخر، فإنه يصدق في دعواه إرادة التأكيد.
وبعض أشياخي يميل إلى ما ذكره ابن القاسم، ويرى أن قوله: أنت طالق ليس بإيقاع بل هو كالإخبار، والمراد بقوله: أنت طالق أي أنت ذات طلاق.
هكذا يقول أهل اللغة إن قول الرجل: امرأتي طالق، المراد به أنها ذات طلاق كما قالوا: رجل لابن، أي ذو لبن، رجل تأمر، أي ذو تمر.
وهذا، إذا ثبت عن اللغة صار الطلاق معنى الإخبار، فلم يفترق الحكم كما أشار إليه ابن القاسم.
وهكذا على ما ذكرناه عن ابن القصار يجري القول في تكرير الأمر بفعل واحد، فإن قوله "صلّ" يقتضي إيقاع الفعل، وكذلك قوله الثاني، فلا بد من إيقاعين بخلاف قوله: له عندي مائة دينار، ثم بعد ذلك قال: له عندي مائه دينار.
والجواب عن السؤال الحادي والعشرين أن يقال:
قد قدمنا في صدر كتاب الإقرار جملة، منها يؤخذ حكم هذه المسألة وأخواتها.
وذكرنا أن الألفاظ الواقعة من المقر تؤخذ معرفة معناها من اللغة أو عرف الاستعمال.
وهكذا الأمر ها هنا في البراءة، إذا وقعت، فإنه يعتبر لفظ الذي أبرأ هل هو تصريح في سائر المطالب أو محتمل؟
فما كان تصريحًا لم يصدق في دعواه خلافَ ما اقتضاه النصر والتصريح.
وما كان محتملًا فالقول قوله فيه وفيما أراد بما قال.
فإذا قال رجل: مالي قِبَل زيد حق.
فإن ذلك يحمل على أنه أبرأه من سائر
الحقوق، وكانت الديون في ذمته أو أمانة عنده.
وإذا قال: مالي عنده حق، فالأمر عندنا كذلك يحمل على 1 هذا القول على الإبراء من الديون والأمانات كقوله: مالي قبله حق.
وإن قال: مالي عليه حق.
فاختلف سحنون واينه في هذه المسألة.
فرأى سحنون أن هذا الإبراء يعمّ سائر المطالب، ديونًا كانت أو أمانات، وحكمها حكم اللفظين المتقدمين، وهي قوله "قِبَله" أو "عنده".
ورأى محمَّد ابنه أن ذلك إنما يحمل على ما كان مضمونًا كالديون والعواري المضمونة.
وعندي أن سحنونًا إنما عول على أن لفظة "على" تقتضي ما وجب؛ والذي يجب هو المضمونات والوديعة والقراض، يلزم 2 ردها.
فصار ردها لما أن كان واجبًا على الإنسان دخل ذلك في قوله: "لي عليه".
ورأى ابن سحنون أن هذا اللفظ إنما ينصرف إلى نفس المال لا إلى رده، فقيس 3 الوديعة ليست على المودَع، وإن كأنه عليه أن يردّها.
فوجب عنده حمل هذا القول على الديون والمضمونات، دون ما سوى ذلك من الأمانات كالوديعة والقراض.
ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن سحنون في أن قوله: "لي عليه" إنما يحمل على الديون دون الأمانات.
وخالفَنا في قوله: "لي عنده"، فحمَله على الأمانات خاصة، وهذا الذي دعاه إلى التفرقة بين قوله "لي عنده" و"لي عليه" فحمل قوله: لي عنده، على الأمانات، وحمله قولَه: لي عليه، على
المضمونات، إنما رأى لفظة "عندي" لا يشار بها إلا إلى معتن، والديون غير وعندنا أنه يشار بها إلى ما كان حاضرًا عند المطلوب، وإلى ما كان في ذمته.
والحق في هذا اتباع ما قدمناه من الالتفات من المراد بهذه الألفاظ في حكم اللغة أو في حكم الاستعمال أو عرف التخاطب.
والجواب عن السؤال الثاني والعشرين أن يقال:
كان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع إقرار المريض بحق لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، مع هذه المسألة وهي إقرار أحد الورثة بوارث، لأنها إقرارات تتضمن سقوط من ثبت له حق.
ولكنا لما كنا توخينا ترتيب المدونة تكلمنا على إقرار المريض لأحد ورثته، وإقرار المفلس لغريم، فمِما أمليناه من كتاب التفليس والمديان.
وكذلك ما تقدم كلامنا على إقرار أحد الورثة بدين على الميت الموروث.
فاعلم أن إقرار الوارث بوارث آخر، لا يخلو هذا الإقرار من أن يكون يمَطابق عليه جميع الورثة، وهم واحد أو جماعة، أو مختلفون فيه: فمنهم المصدق للمقر بزيادة وارث يدخل معهم، ومنهم المكذب.
وإحدى الصُّوَر في ذلك أن يموت رجل ويخلف ابنين، فيقول أحد الابنين لرجل آخر إنه ابن لأبيهما وإنه أخوهما، ويخالفه في ذلك الابن الآخر.
فهذا يتعلق به حكمان:
أحدهما: ثبوت نسب هذا الطارئ الذي أقرّ له أحد الولدين بحكم 1
بكونه ابنا للميت، كما أن الولدين الثابتي النسب أباه 1 جميعًا.
والحكم الثاني: مشاركة المقَرّ له لهذا المقِر ما في يده من المال الذي أخذه بالميراث.
فأفا إثبات النسب حتى يُقضى بكونه ابنًا للميت فلا سبيل إليه، ولا خلاف وأمّا المشاركة في المال للمقر فذلك مما اختلف الناس فيه.
فمنع ذلك الشافعي وأصحابه وبه قال ابن سيرين.
ولم يختلفوا في هذا.
وأثبت المشاركة مالك وأبو حنيفة.
وبذلك قال عثمان البتي وابن أبي ليلى.
وينبغي أن نستفتح النظر في هذه المسألة، بأن نلحظها بكونها من المعاوضات المشكلات عند بعض الحذاق من أئمة أهل النظر.
والنكتة التي وقع الإشكال بسببها أن إقرار أحد الولدين يكون هذا الرجل الثالث ابن أبيهما إقرار بلفظ وبمعنى واحد وهو ثبوت النسب.
وأمّا الحكم الآخر، وهو المشاركة في الميراث للمقر، فهو فرع عن ثبوت النسب، وكأنّ النسب مقدمة ونتيجتها الميراث.
فإذا كان النسب مما لا يجري أو 2 لا يقبل التبعيض حتى يكون نسبا من جهة وليس بنسب من جهة أخرى، ويبطل ثبوت النسب بهذا الإقرار باتفاق، وجب أن يبطل ما تفرع عنه وكان نتيجة له.
ولا شك في أن بطلان الأصل يبطل به الفرع.
وكذلك بطلان المقدمة ييطل النتيجة.
وهذا أصل مقرر معقول.
ومقتضاه صحة ما قال الشافعي من أن هذا المقر لا يُنزع من يده شيء مما ورث للمقَر له، لبطلان ثبوت نسب هذا المقر
له، وهذا يقتضي بطلان ما تفرع عنه وهو الميراث.
فهذا المعنى هو الذي يلحظه من صَار إلى مذهب الشافعي.
فأمّا من صار إلى مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة فإنهم يلحظون المسألة من جهة أخرى.
وذلك أنه قد تقرر أيضًا في أصول الشرع أن من أقر على نفسه أُخِذ بما أقر به بغير خلاف، ومن أقر على غيره لبم يؤخذ الغير بإقرار هذا عنه.
فإذن حكم كل واحد من هذين الإقرارين متفق عليه، فيجب أن يجري الإقرار الواحد الذي يتعلق به حكمان مجراهما لو انفرد كل واحد منهما وتجرد عن صاحبه، فلا يقتضي ثبوتَ النسب لأنه إقرار على الغير.
وهذا المقر إنما قال: إن أبي وَلَدَ هذا، فذلك إقرار على أبيه فلا ينفذ إقراره على غيره.
وقد تضمن هذا الإقرار أنه معترف بأن هذا المقَر له يستحق مشاركته في ما في يده، وذلك إقرار منه على نفسه، فوجب أن يقضى عليه به، كما لو انفرد هذا الإقرار.
فكأن المذهب أعطى كل واحد من الإقرارين المرتبطين حكمَه لو انفرد دون ما قُرِن به.
والمذهب الأول بناه على أن الإقرارين المرتبطين إذا بطل أحدهما بطل ما اقترن به مما لا يصح إلا بصحته.
فهذا سيب الإشكال لما أريناك..
وصور الشافعي هذه النكتة بصورة أخرى فقال: إذا قُضي على المقر بحق عليه، لأجل هذا الإقرار، وجب أيضًا أن يقضى بمالَه من حق تضمنه هذا الإقرار.
والمراد بهذه الإشارة أن إقراره هذا إذا ألزمه ذلك أن يسلم يعض ما في يده فيجب أيضًا أن يقضى له بأخذ ما في يد غيره بمقتضى هذا الإقرار، حتى إذا مات المقَر له وله أخوة ثابِتُو النسب فيجب أن يشاركهم هذا المقر فيما في أيديهم من المال الذي ورثوه عن هذا المقر له.
وليس لأحد أن يورّث رجلًا بالنسب وله نسب ثابت يقتضي رفع حكم هذا الإقرار.
ويرجح مذهبه من صار إليه 1 تبعيض هذا الإقرار، وأعطى كل واحد من
الإقرارين حكم نفسه، لو انفرد، بمُثلُ يقر بها فيقول: لو قال رجل لزوجته: طلقتك على مائة دينار التزمتِها.
فأنكرتْ المرأة ذلك، فإن الطلاق واقع، والمال ساقط.
فقد تبعّض هذا الإقرار، وهو شيء واحد، فسقط منه دعواه على غيره.
بالمائة دينار، وثبت منه إقراره على نفسه بالطلاق.
وكذلك يجب ثبوت المشاركة في الميراث للمقر وإن سقط النسب.
وكذلك في العتق لو أقر بالعتق وادعى على العبد بأنه أعتقه على مال.
وكذلك لو أقر بأنه باع عبدًا من رجل سلمه إليه فأعتقه مشتريه وأنكر المدعى عليه الشراء والعتق، فإن العتق لا يرد (للاعتراف ومالك) 1 العبد بأنه صار حرًا وذلك إقرار على نفسه، ولا يقبل قوله في دعواه البيع لأنه إقرار على غيره ودعوى عليه.
وكذلك لو أقر بأنه ضمن لرجل دينًا له على رجل فأنكر المدعى عليه بالدين أن يكون عليه دين، فإنّ الضمان لا يِسقط، عن 2 بعض من صار إلى هذه الطريقة.
وكذلك لو أقر لامرأة بأنها أخت له فإن نسبها لا يثبت من أبيه لكونه إقرارًا على غيره، ولكن هذا النسب وإن سقط فإن التحريم ثابت عليه، ولا يحل له أن يتزوجها طردًا للأصل فإنه يؤخذ بإقراره على نفسه ولا يؤخذ غيره بإقراره عليه.
فقد علم: التحريم إنما يثبت في هذه المرأة فرعًا عن ثبوت النسب، والنسب لم يثبت وهو أصل التحريم، والفرع عنه وهو التحريم ثابت، فكذلك يجب أن يكون الحكم في إقرار أحد الولدين بولد ثالث.
وكذلك لو ادعى رجل على رجل أنه اشترى منه شِقصًا في دار فأنكر المدعى عليه الشراء، فطلب الشفيع الشفعة بمقتضى إقرار المدعي أن ملكه انتقل
انتقالًا يوجب الشفعة، (فيطلب دعواه على المشتري وثبت عليه الشفعة) 1 لكون ذلك إقرارًا على نفسه بحق الشفيع، على رأي بعض أصحاب الشافعي، وهو الأصح عندهم في هذه المسألة.
وإن كان أبو العباس بن سُريج من الشافعية طرد الأصل، وأسقط الشفعة ها هنا فلا تلزمه مناقضة.
وكذلك طرد الأصل من الشافعية القاضي حسين فلم يحرم على المقر المرأة التي أقر بأنها أخته، فرد إقراره بنسبها، فتبع ذلك التحريم فلم تلزمه.
واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذه المناقضات بهذه المسائل بأن الطلاق والعتاق (يجوز أن يغير عوضًا) 2، ويثبتان.
فصار العوض فيهما غير مرتبي بالطلاق كارتباط الميراث بالنسب.
فإذا لم يثبت الارتباط في الطلاق والعتاق مع العقد، صار المقر بالطلاق والعتاق مدعيًا في مال ليس من شرطه أن يرتبط بغيره.
وكذلك دعواه على رجل أنه اشترى منه عبدًا فأعتقه، فإنه أقر بأن هذا المشتَرَى قد أتلفه مشتريه بالعتق، والتألف لا سبيل إلى رده، بخلاف الولد أقر بثالث فإنه لم يتضمن إقرارخ أمر به قد تلف.
ومسألة الشفعة يعتذر عنها من أصحاب الشافعي من قال بثبوتها بأن المقصود في دعوى البائع حصول الثمن وإلا فمالك الشقص قد أقر أنه خرج من يده، فإذا دفع له الشفيع الثمن حصل على غرضه فلا وجه لمنع الشفيع من الشفعة.
ونحن، وإن قلنا بسقوط الشفعة، فإنا نعتذر أيضًا على المناقضة بها وبما ذهبنا إليه من مشاركة المقر له بالنسب للمقر فيها بيده بأن المدعي لبيع النصيب إذا حكم القاضي باستحلاف المدعى عليه، فقد حكم بإبطال الدعوى، وإذا حكم بإبطال هذه الدعوى سقطت الشفعة المبنية على الدعوى، ألا ترى أن الولد لو قال لرجل: أنت ابن أبينا.
ومعلوم ضرورة أن الرجل المشار إليه بأنه أخوهم
أسن من أبيهم وأمهم، فإن هذا الإقرار باطل ولا تجب مشاركة المقر للمقر له لتبيّن كذبه، والحكم بإبطال إقراره ودعواه.
وقد أشار في المدونة إلى هذا التعليل في اختلاف المتبايعين في ثمن الشقص إذا تحالفا وتفاسخا، فإن الشفع لا يأخذ بالشفعة وإن دفع الثمن الذي ادعاه البائع.
وأشار إلى أن التحالف يوجب رد البيع وما قُضِي برده فلا شفعة فيه.
وممّا يرجح به مذهبه من قال بالمشاركة أيضًا أن من ادعى على رجل بدنانير أنه غصبه إياها، وقال المدعى عليه: بل هي وديعة عندي فخذها، فإنه يقضى عليه بتسليمها لمدعي الغصب، وإن كان مدعي الغصب قد أبطل الجهة والسبب الذي أوجب على المدعى عليه التسليم.
ومما يعتمدون عليه أيضًا أن القضاء برد السبب 1 حكم في الظاهر.
وإذا كان المقر يعلم قطعًا صحة ما أقر به لكونه عاين الولادة.
وهذا الباطن لو صار ظاهرأوخرج إلى الوجود لوجبت المشاركة في الميراث بإجماع الأمة.
فإذا كان
يعلم صدقه باطنًا قطعًا.
فصدقه بقطع منه على وجوب المشاركة، لم يسقط وما وجب وجوبًا قطعيًا، لما اقتضاه الحكم الظاهر الذي يعتقد مَنِ المال في يده أنه حكم باطل.
وقد أشار بعض حذاق الأئمة النظار، إلى كشف سرّ من هذه الأسرار، وهو أن مجرد السبب (1) وإن قطع عليه، أنه لا يوجب بمجرده التوارث حتى تنضم إليه الموالاة التي يقتضيها السبب (1). ألا ترى أن الأخ الكافر لا يرث أخاه المسلم، وإن كان يُعلم قطعًا أنهما أخوان، لأن اختلاف الدينين أوجب التقاطع.
وكذلك العبد المملوك لا يرث أباه، لاستحقاق سيده جملة منافعه، فصار ذلك كالمعدوم في حق أبيه، والعدم لا يتصور فيه موالاة.
وكذلك لو كان أبوه عبدًا قد خلع رقُّه الموالاةَ، فلم يكن للنسب تأثير في وجوب الميراث.