شرح التلقينصفحات 272-311

كتاب الحجر والتفليس

صفحات 272-311

الاختيارية، لكون الجناية بغير اختيار المجني عليه، كما لو جنى العبد المرتهَن.
فإن أرش الجناية أحق برقبته من الذي هو في يده رهنًا وإنما كان هذا كذلك لأن المرتهِن تعلق حقه بذمة سيد العبد لا بعين العبد، وتعلق أيضًا بعين العبد بكونه فعل ما في ثمنه على الغرماء، وأصحاب الجناية لم يتعلق لهم حق بذمة سيّد العبد، وإنما تعلق حقهم بعين رقبته، فقدموا على المرتهِن الذي إن أسقط حقه في عين العبد بقي حقه في ذمة سيّده.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد علم أن إقرار المريض لمن يتهم بتْوليج ماله، وصرفه عن ورثته إليه مردود، ولا يقبل منه، على ما سنذكرهُ جملة وتفصيلًا في كتاب المديان إن شاء الله تعالى.
لكن يتعلق ببعض مسائله المحاصّة التي يتبدل حكمها.
فمِن ذلك إقرار المريض بدين لأحد ورثته ولرجل أجنبي لا يتهم في الإقرار له.
مثل أن يقول في مرضه، ولا يرثه إلا ولدان.
أحد ولديَّ عندي 1 مائة دينار ولفلانَ رجل آخر أجنبي، عندي مائة دينار ولم يترك سوى مائة دينار، فإن الولد المقَرَّ له يحاصّ الأجنبي، لكون الأجنبي لم يثبت دينه إلا بإقرار هذا المريض، ولو لم يقرّبه له لم يثبت له شيء.
وكذلك إنما ثبت الدين لأحد ولديه بإقرار أبيه المريض.
فقد ساوى هذا الولد الأجنبيَّ في طريق ثبوت دينهما، ولا يتهم المريض في إقراره لولده في حق الأجنبي، لأنه لو شاء لم يقرّ للأجنبي، فإذا 2 تساويهما في طريق ثبوت دينهما وجب أن يتحاصا في هذه المائة، فيقتسمانها نصفين، كأن التهمة إذا ارتفعت من جهة الولد 3 الأجنبي فإنها لا ترتفع من جهة المقَرّ له من الولدين مع أخيه، لأن أباهما يتهم أن يؤثر أحد ولديه بميراث ماله على الولد الآخر، على ما ينظر في كتاب المديان.
فإذا تطرّقت التهمة من جهة إيثار

الأب لأحد ولديه 1 الآخر كان من حق الولد الذي لم يقر له أبوه بشيء أن يشارك أخاه في الخمسين دينارًا التي وقعت له في محاصة الأجنبي فيقسمها معه نصفين حتى يستوفى ما ترك أبوهما، وترتفع التهمة بذلك، ويصير ما أخذه الأجنبي كأنه ليس بتركة لأبيهما.
فإذا (قُضي بهذا وقف القضاء ما هذا) 2 عن ابن القاسم، وصارت التركة مقسومة على هذه النسبة، للأجنبي خمسون دينارًا، والخمسون الباقية بين الولدين نصفين 3: للولد المقرّ له بالمائة دينار الدين، وللولد الآخر الذي لم يقر له بشيء.
فكأن ابن القاسم قدْر أنّ ما أخذه الأجنبي كجائحة طرأت على بعض التركة فيما 4 بقي بعد الجائحة يقسمه الورثة على فرائض الله سبحانه، ويكون ما أخذه الأجنبي لا يختص بأحد الولدين، وكذلك ما أخذه أحد الولدين الذي لم يقرّ له، يكون ذلك جائحة مختصة بأخيه الذي أخذ منه نصف ما في يديه بحكم التوارث، ولا علاقة بين الأجنبي وبينهما في هذا التوارث فلا يكون عليه من هذه الجائحة التي طرأت على الولد الذي قاسمه نصيب.
وخالف أشهب في هذا، ورأى أن الولد الذي لم يقرّ له بشيء إذا أخذ من أخيه نصف الخمسين دينارًا عاد الآخر المأخوذ من دينه يقول للأجنبي: أنا وأنت سيان فيما ترك أبي، لأني وإياك قد تساوينا في مقدار الدين الذي لنا عليه، وتساوينا في طريق ثبوته، وهو إقرار الأب، والغريمان إذا استحقا تركة ميت استحقاقًا متساويًا فلا يفضل أحدهما على الآخر بشيء، ويكون ما ذهب من التركة بينهما جائحة، وما يبقى فلهما.
وكأن مشاركةَ الولد، الذي لم يقر له لأخيه، حكمٌ (مستدلًا من) 5 سابق المقاسمة لهذه التركة، فيكون مصاب ذلك

على الغريمين جميعًا فإذا أخذ من يد المقرّ له نصف ما في يديه عاد على الأجنبي فأخذ منه نصف الخمسة وعشرين التي أخذها منه أخوه، فإذا صارت أيضًا في يد هذا الآخر المقرّ له قال له أخوه الذي لم يقرّ له: أنت لا تختص من مال أبي بشيء دوني، لما قدمناه، فإذا كان الحكم المساواة بيني وبينك، فهذه الإثنا عشر دينارًا ونصف التي رجعت بها على الأجنبي كمال طرأ لأبي لا يستحقه أحد إلا بالميراث ولا وراث إلا أنا وأنت فتقاسمني فيها فإذا أخذ منه نصف الإثني عشر ونصفٍ عاد أيضًا هذا الوارث المقرّ له يقول للأجنبي: من حقي أن تساويني أيضًا في قسمة التركة بحكم الدين، كما هو من حق أخي أن يساوينى في الميراث، وقد أخذ مني ستة دنانير وربعًا، فذلك كجائحة لا أختص أنها بها، فعليك نصفها: ثلاثة وثمن.
فإذا أخذ منه ثلاثة وثمنًا رجع هذا الأخ، الذي لم يقرّ له، على أخيه بنصفها وذلك دينار ونصف وستة حبات.
فإذا أخذ ذلك رجع الأخ المقرّ له على الأجنبي بنصفها وذلك ثلاثة أرباعه وثلاث حبات.
هكذا حتى لا يبقى في يد الأجنبي زيادة على ما يحصل الأخ المقرّ له.
هكذا قال أشهب.
وقال بعض الأشياخ: لابدَّ أن يبقى كسر لطيف.
وهذا الذي قاله صحيح، ولكنه إذا عمل على حساب ذلك على ما أريناك وجب اعتدال الكل في هذه المائة دينار، فيقسمها هؤلاء الرجال الثلاثة أثلاثًا: فيأخذ الأجنبي ثلث المائة، ويأخذ الولدان ثلثيها: أحدهما بحكم الدين والآخر بحكم الميراث الذي أوجب له الرجوع على أخيه وأوجب لأخيه الرجوع على الأجنبي.
فإذا ثبت وجوب المساواة بين 1 ووجوب المساواة بين أحد الولدين مع الأجنبي، وصح قسمة التركة بينهم أثلاثًا لأنه إذا كانت ثلاثة أعداد ساوى الأول منهما الثاني، وساوى الثاني الثالث فكلها متساوية والذي قاله بعض الأشياخ لابدَّ أن يبقى شيء هذا الذي أشار

إليه بأنه يبقى في يد الأجنبي هو جزء لا يتجزأ ولا يتميز بميزان ولا تقدير، ولا يصح القضاء به لعدم تمييزه، ولا فائدة في ذكره.
ولو كان المريض، الذي أقرَّ ما ذكرناه، ترك ثلاثة أولاد لقسمت تركته أرباعًا، لكون الولدين 1 لم يقرّ لهما الأب يجب لهما أن يقاسما أخاهما الذي أخذ نصف التركة بحكم الدين، فيرثانه ميراثًا متساويًا، فيكون ذلك بين الأولاد الثلاثة أثلاثًا، ثم يرجع الولد على الأجنبي بنصف ما أخذ منه على النسبة التي ذكرناها فلا يزال التراجع دائرًا بين الولدين وأخيهما والآخر المأخوذ منه ما أخذ مع الأجنبي حتى يقع الاعتدال بين الجميع.
لكن أشهب لم يطرد هذا الأصل في الرجوع من جهة ثانية، وذلك أنه قد ثبت أَلَّا ميراث إلاَّ بعد قضاء الدين.
وكان مقتضى هذا إذا قيل: إن الأخ الذي لم يقرّ له يرجع على أخيه في المسألة الأولى بنصف ما أخذ؛ أن يُمَكّن الأجنبي أيضًا من الرجوع على هذا الأخ الذي لم يقرّ له فيأخذ من أخيه حتى يكمل دينه، إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
وأشهب لم يمكن الأجنبي من هذا، ولا أوجب له رجوعًا على الأخ الذي لم يقرّ له بمال أخيه، لأنه لو أوجب له ذلك لعاد الأخ المقرّ له يقاسم الأجنبي في هذا الذي بيده، فإذا قاسمه عاد الأخ الذي لم يقرّ له إلى مشاركة أخيه فيذهب إلى إحالة وعدم الوقف عند غاية.
وهذا الذي قاله يدع وابن القاسم إلى ما ذهب من المنع من هذا التراجع الدائر مرارًا.
ولو فرضت هذه المسألة على حالها، وأضفنا إليها ثبوت مائة دينار على الميت فإنك قد علمت من هذه المسألة وجوب المساواة بين الأجنبي الذي لا بينة له وبين الوارث في المحاصة بالدين، وعلمت وجوب المساواة فيما بين الوارثين.

فلتعلم أن الدين إذا كان ببيّنة مع 1 تركة الميت أن 2 تورث إلا بعد قضاء الدين، فصار ها هنا في هذه المسألة زيادة هذا الوجه، وهو كون الوارث المقرّ له حكمه أن يساوي الأجنبي في قسمة الدين لكونهما ثبت دينهما بطريقة واحدة وهي الإقرار.
وحكم الأجنبي أن يساوي من له البينة وإن لم يكن له هو بينة فقد صارت الثلاثة أشخاص حكم أحدهما أن يساوي الآخر وهما الأجنبيان، وحكم أحد الأجنبيين أن يساوي الوارث ولكن حكم الوراث ألا يساوي من له الدين بالبينة وإن كان يساوي من ساواه وهو الأجنبي الذي لا بينة 3. فهاهنا ذكر ابن المواز أن الواجب في هذه المسألة إخراج الولد واطّراحه، وقسمة المائة دينار التي تركها الميت ما بين الأجنبيين خاصة.
لكن من له البينة يمنع الوارث من أن يرث ويمنعه أيضًا إقرار أبيه له، فصار من هذه الجهة كالعدم، فتقسم التركة بين الأجنبيين، لأجل هذا قال ابن المواز.
وقال غيره (فيهما فمن له رأي) 4 إن الأجنبيين إذا اقتسما المائة نصفين، رجع الأخ الذي لم يقرّ له وبقية الورثة سواه على الولد المقرّ له فقاسموه، رجع 5 بما أخذ منه على من له الدين بالبينة حتى يساويه في خسارة ما أخذ منه، فإذا رجع إليه وساواه رجع بقية الورثة على هذا الذي أخذ من الذي له البينة فأخذوا أيضًا حقه 6 من الميراث.
هكذا أبدًا حتى لا يبقى في يد الوارث شيء.
وأنكر إذا وقعت المحاصة، فإن المحاصة إنما تكون بأن يضرب الولد المقر له بجميع الدين الذي يقر له به ويضرب أخوه بمقدار ما بقي له، ويكون الوارث لا يبقى في يده شيء لأجل حق من له البينة في كونه يمنعه من الميراث.
ومن يعود

الإقرار له فهو يحاص بجميع ما أُقِرَّ له به ومن سواه يحاص بمقدار ما أبقي له.
والقولان جميعًا يتفقان في كون هذا الوراث لا يأخذ شيئًا.
لكن يختلف القولان في الأجنبيين: فعلى ما ذكر ابن المواز يتساويان في قسمة هذه المائة، وعلى ما ذكره غيره لا يتساويان، ويكون الذي يأخذه من له البينة أكثر مما يأخذ الذي لا بينة له.
وقد وقع تنازع في المخرج على مذهب ابن القاسم الذي قدمناه في المسألة الأولى: فأشار الشيخ أبو إسحاق إلى أن الذي يتخرج على مذهب ابن القاسم ما ذكره ابن المواز من إسقاط الوارث المقرّ له، وقسمة التركة نصفين بين الأجنبيين إذا قسما التركة نصفين، فأخذ كل واحد منهما خمسين دينارًا، عاد الولد الذي 1 له فأخذ من الأجنبي نصف الخمسين وهو خمسة وعشرون.
فإذا أخذها عاد الأجنبي الذي له البينة فانتزعها من يده لكونه من حقه أن يمنعه الميراث، ويمنعه من نفوذ إقرار أبيه له.
فإذا صارت هذه الخمسة وعشرون دينارًا في يد الذي له الدين بالبينة شاركه فيها الأجنبي الذي لا بينة 2 واقتسماها نصفين، وعاد المال كله بينهما نصفين، ولم يتكرر التراجع وإنما يقع مرة واحدة، على حسب ما فعل في المسألة الأولى، أن الأخ الذي لم يقرّ له إذا أخذ من يد أخيه شيئًا لم يرجع على الأجنبي ذلك 3 حتى يقل تكرار التراجع ودورانه.
واستبعدها هنا أن يذهب أشهب في المسألة إلى تكرير التراجع ودورانه لأن من حق من له البينة أن يأخذ كل ما يحصل من يد الولد ثم يشاركه فيه الأجنبي الذي لا بينة له ثم يشارك الأجنبي الوارث فلا يقف ذلك إلى غاية.

ورأى بعض أشياخي أن مقتضى قول ابن القاسم في هذا أن تقسم التركة بين الأجنبي الذي لا بينة له والأجنبي الذي له بينة، فما أخذه الأجنبي الذي لا بينة له قاسمه فيه الوارث، ثم يقاسم الوارث بقية الورثة، ويقف الأمر ها هنا ولا يكون تراجع، ولا يرجع الأجنبي على من له البينة مما أخذ منه.
وأشار شيخي هذا أيضًا إلى أن الصواب، على مقتضى القياس في المسألة الأولى التي قدمناها وهي إقرار الأب للأجنبي بدين، ولأحد الولدين، أنْ يرد إقرار الوارث 1 على الجملة ويستبد الأجنبي بالتركة، لأن هذا الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جهة أن الأب أوقعه لإيثار أحد الولدين على الآخر بالميراث، فمقتضى هذا إذا بطل في حق الولد (منع الوارث) 2 أن يبطل في حق الأجنبي مع الوارث المقر له لأن هذه التهمة حقيقتها أن يظن بالأب أنه كذب في الإقرار وقصد إلى إيثار أحد ولديه على الآخر.. وإذا كان الإقرار كذبًا لم يتصور إنفاذه في حق الأجنبي أيضًا وكأن أهل المذهب رأوا أن هذه التهمة تتصور من جهة دون جهة فلا يرد الإقرار من الجهة التي تصورت فيها التهمة دون الجهة الأخرى.
وقد اختلف المذهب في إقرار المريض لزوجته، ورثته بنت وعصبة، هل يرد هذا الإقرار لكونه يتّهم من جهة العصبة؟ أو يمضي؟ لكونه لا يتهم من جهة ابنته، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ويمكن عندي أن يخرج في هذه المسألة قول آخر، وهو كون الأجنبي الذي له الدين ببينة يحاص الأجنبي بالدّين المقر به للوارث ويستبد صاحب البينة به لأنه هو الذي انفرد برد الإقرار والمنع من نفوذه.
وأما الأجنبي الذي لا بينة له فلا قدرة له في هذا الإقرار في حق هذا الوارث، وذلك أنه قد اختلف في مسألة

المشتركة إذا كان فيها جَدّ، ووجب أن يشارك الإخوةُ الأشقاءُ فيها الإخوة للأم في الثلث المفروض لهم، فقد قيل: إن الجد يأخذ ما ينوب الإخوة للأم في هذه المشاركة، لكونه هو الذي انفرد عنهم، لمنعهم من الميراث وحجبهم، والإخوة الأشقاء لا قدرة لهم على حجبهم، فلا يشاركون الجد في هذا الذي يختص بالإخوة للأم على أحد قولين.
فهذا مما ينظر فيه.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ذكره ابن المواز في رجل مات ووارثه زوجة وأخوهُ، وتركته مائة وخمسون دينارًا، ولزوجته عليه بإقراره مائة دينار، فأقرت الزوجة لرجل بأن له على زوجها المتوفَّى مائة دينار، فإن إقرارها تؤخذ به في نفسهالأولا يؤخذ به أخ الميت الوارث معها.
فمقتضى قولها أَنَّ الأخ لا يرث معها شيئًا لكون التركة مائة وخمسون والدين مائتا دينار.
فالحكم، على مقتضى قولها، أن تقسم المائة وخمسون دينارًا نصفين بينها وبين من أقرت بأن له الدين على زوجها، فيحصل في يدها من التركة خمسة وسبعون دينارًا، وهي قد أخذت من التركة مائة دينار قضاء عن دينها، وبقي خمسون دينارًا، ترث ربعها اثني عشر دينارًا ونصفًا ويرث الأخ الباقي من الخمسين وذلك سبعة وثلاثون دينارًا ونصف.
هذا مقتضى الحكم في حق الأخ، فتلزم المرأة أن تنتزع عما فضل في يدها مما تقول: إنه زائد على ما استحقته، وذلك ما زاد على الخمسة وسبعين دينارًا، وهذا الزائد خمسة وعشرون دينار إتمام المائة التي أخذتها في الدين، واثنى عشر ونصفا هو ميراثها الذي تقول فيه: إني لأستحق تراثه، فيحصل لهذا الذي أقرت له الزوجة سبعة وثلاثون دينارًا ونصف، ويبقى من حقه، على مقتضى قولها، سبعة وثلاثون دينارًا ونصف، وهي التي في يد الأخ فتقول للمقرّ له: بقية حقك في يد هذا الوارث ظلمك فيه، وأنا أخذت إلا ما ينوبني في الحصاص وهو خمسة وسبعون، ولك أنت مثلها، فسبعة وثلاثون ونصف أخذتها من يدي، ولك عند الأخ مثلها فذلك خمسة وسبعون مثل الذي أخذت أنا.

ولو طرأ غريم آخو سواهما، له مائة دينار ببينة، لانتزع ما في يدي الرجل الذي أقرت له المرأة وكان أحق به مما أخذ بإقرار أحد الورثة له.
فإذا أخذ ذلك من يده قالت له الزوجة: بقية حقك وهو سبعة وثلاثون ونصف في يد الأخ الوارث فاطلبْه بهذا، فإذا أخذتَها منه تساوينا في قسمة التركة، ففي يدي خمسة وسبعون وفي يدك نصفها وهو الذي أخذت من الرجل الذي أقررت له أنا، والنصف الآخر تأخر 1 من الوارث، ثم يعود الرجل الذي أقرت له المرأة إلى المرأة فيقول لها: مقتضى قولك أنا ثلاثة غرماء لنا على التركة ثلاثمائة دينار، والتركة مائة وخمسون فيستحق كل غريم نصف دينه وأنت أحد الغرماء في يدك خمسة وسبعون دينارًا وليس لك بالحصاص، على قولك، سوى خمسين دينارًا.
فيقضى عليها بأن تعطيه الخمسة وعشرين دينارًا الزائدة على ما ينوبها في الحصاص.
هذا إذا كان دين المرأة ببينة.
وأما إن كان بغير بينة فإن الطارئ الذي له البينة يأخذ دينه كله ويقضى له من التركة بمائة دينار ويبقى في يد الزوجة خمسون دينارًا بقية التركة، ولا يلزمها أن تدفع لمن أقرت له بالدين شيئًا لأن مقتضى قولها إن التركة عليها ثلاثة غرماء لكل غريم خمسون وهي ليس في يدها أكثر من حقها في الحصاص وهو خمسون دينارًا، فتقول لما 2 أقرت له: صاحب المائة ظلمك وأخذ حقك.
وممّا يلحق بهذا السؤال ما ذكره ابن المواز في شريكين متفاوضين فلسا وفي أيديهما ألف دينار ومائتا دينار، وعليهما دين من تجارهما وهو ألف دينار، لكن أحدهما عليه لزوجته صَدَاق مائة 3 دينار، فإن ما في أيديهما يقسم نصفين فيكون في يد كل واحد منهما ستمائة دينار لكن على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر سبع مائة دينار: منها مائتا دينار في صداق زوجته، فإذا تحاص

غرماؤه الست مائة دينار التي في يديه ناب الزوجة من ذلك مائة دينار وخمسة أسباع مائة دينار فيقضى لها بها ويقضى لغرمائه الآخرين بأربعمائة وسبعمائة 1 دينار لأن العاجز 2، مما عليه من السبع مائة، مائة، فينوب كلَّ مائة ما 3 في يديه من الانتقاص سبعُها، ثم يقال للشريك الذي لا صداق عليه: سلمْ من الستمائة التي في يده 4 خمسمائة دينار، وهي المختصة بك من الدين ويبقى من الدين في يديه 5 مائة دينار، يقول له الغرماء الذين عاملوه وعاملوا شريكه أنت حميل على شريكك، وقد بقى 6 من ديننا عليه خمسة أسباع مائة دينار فبقبضها من المائة التي في يدك حتى تكمل جميع ديننا منك ومنه.
فإذا أيسر شريكه قضى ما أدّى عنه وهو خمسة أسباع مائة دينار، ودفع إلى زوجته ما بقي لها عليه وهي سبعا المائة دينار.
ومما يلحق بما نحن فيه ما ذكر في المدونة: من عبد له على سيده دين، ففلس السيد، فإن عبده لا يحاص غرمَاءه بالدين الذي له على سيده، لأنه وما في يديه لسيده، فلو حاصهم فقصُر ما في يد سيده عن حقوقهم لبيع لهم في دينهم، ويأخذون مثله ما أخذ من سيده، لكن لو كان على العبد غرماء يستحقون قِبَله ديونًا، لكان من حقهم أن يطالبوه بالحصاص لغرماء سيده، لكونهم يستحقون ما في يده، وقد دفع بعضه إلى سيده، فكأنهم هم الذين دفعوه لسيده وصاروا من جملة غرماء السيد، ولو وجب بين العبد لغرماء سيده فإن الأشياخ اختلفوا في ثمن هذا العبد: هل يختص بثمنه غرماء سيده أو يدخل معهم في المحاصة غرماء العبد فذهب الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد إلى أنه يدخل غرماء

العبد في المحاصة في ثمنه مع غرماء سيده، لأنه لما بيع وصار ثمنًا، قدّر هذا الثمن من جملة ما في يد السيد من المال الذي يتحاص فيه غرماء السيد وغرماء العبد.
وهكذا وقع في الموازية عبد ضمن عن سيده لرجل مائة دينار، ففلّس العبد، يحاصّ الحميل غرماؤه فنابه خمسون دينارًا، ويرجع على السيد ببقية دينه الخمسين دينارًا، فإذا فلس العبد وجب لغرمائه أن يرجعوا على سيده بما أدى عنه بالضمان، وإذا فلس السيد واحتيج إلى بيع العبد دخل في ثمنه غرماء العبد وغرماء السيد.
وهذا مثل ما ذهب إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد وقال الشيخ أبو القاسم بن شبلون: لا يدخل غرماء العبد في ثمنه.
وقدّر أنّهم لم يعاملوه على أن يأخذ 1 دينهم من ثمن رقبته، لأن ذلك مختص بسيده.
وإنما عاملوه على ما في يديه من المال، فإذا استوفوه لم يكن لهم حق في الرقبة، فاحتُجَّ عليه بما ذكرناه بالموازية، فقال: ظاهر المدونة خلافه، لأنه إنما ذكر أن العبد إذا بيع كان ذلك لغرماء السيد، ولم يذكر غرماء العبد.
وينبغي أن تعلم أن العبد إذا بيع وعليه دين كان ثمنه ناقصًا عن كونه يباع بلا دين.
ولهذا قلنا: من اشترى عبدًا فاطلع على أن عليه دينًا فإنه عيبٌ، له أن يرد العبد به.
وإذا بيع هذا العبد وعليه دين، فإنه يباع على التنقيص فإن الدين إذا كان كثيرًا كان العيب له مقدار كثير من ثمنه، وإذا كان يسيرًا كان مقدار العيب من ثمنه يسيرًا فيجب أن يبين مقدار هذا العيب، ولا يبين ذلك إلا ببيان مقدار الدين الذي عليه ومقدار الدين الذي عليه، وإن بُيِّنَ، لا يعلم منه مقدار ما يسقط عن العبد من الدين الذي عليه إذا حاص غرماء سيده.
فينظر في الطريق إلى معرفة ما يسقط عنه، ولا طريق إلى معرفة ذلك برفع الجهالة بمقدار ما يسقط عنه من الدين إلا بأن تجمع الديون التي على السيد كلها، وينسب دين العبد منها، فإن نودي عليه، قيل بكم يشترى هذا العبد؟ على أنه يحط من الدين الذي عليه بمقدار نسبة الدين الذي له على

سيده من ديون الغرماء، مثل أن يكون على سيده دين للعبد، وهو عشرون دينارًا، أو 1 لرجل أجنبي على السيد عشرون دينارًا، وعلى العبد لرجل دين عشرون دينارًا، فقد علم من هذا أنه يقع عليه في المحاصة نصف الثمن الذي يشترى به، فإذا قال رجل: عليَّ فيه عشرون دينارًا، وقد علم المشتري ما للعبد وما عليه، قدر ما ينوبه بالمحاصة لغرماء سيده، فقد علم أنه إذا بيع منه بعشرين دينارًا يحط عنه من دينه نصفه وهو عشرة دنانير، وبيع العبد على أنه مديان بعشرة دنانير.
وإن قال رجل آخر: أنا أشتريه بثلاثين دينارًا علم أيضًا أن العبد يجب له في الحصاص مثل ثمن نصف ثمنه وهو خمسة عشر دينارًا، تحط من دينه، ويبقى عليه من الدين خمسة دنانير، فيباع العبد على أنه مديان بخمسة دنانير إذا بيع بثلاثين، وإن بيع بعشرين بيع على أنه مديان بعشرة دنانير.
فهذا معنى التنقيص كلما زاد ثمنه نقص من مقدار الدين الذي عليه فينقص العيب.
ولو قال رجل آخر: أنا أشتريه بأربعين دينارًا.
علم أنه ينوبه في الحصاص مثل نصف ثمنه وهو عشرون دينارًا وهي مبلغ ما عليه من الدين، فيباع على أن لا دين عليه.
ولو قال رجل: أنا أشتريه بخمسين دينارًا، لم يستحق العبد من الخمسة وعشرين التي هي نصف ثمنه سوى عشرين دينارًا يأخذها غريمه، والخمسة دنانير الزائدة على ما عليه من الدين -وهو عشرون دينارًا- تعود مالًا للسيد، لا حق للعبد ولا لغرمائه فيها فيقضى بها للسيد.
فيتحصل من هذا أن العبد إذا ضرب بدينه مع غرماء سيده فإنما يستحق مقدار ما ينوبه في الحصاص إذا كان مثلَ الدين الذي عليه أو أقل منه.
فإن كان أكثر من ذلك سقط ما زاد على الدين الذي عليه، واختص بذلك غرماء سيده،

لأنا قدمنا أنه إنما يضرب مع غرماء سيده إذا كان عليه دين، فإذا لم يكن عليه دين لم يضرب بدينه الذي له على سيده فإذا نابه في الحصاص في ثمنه أكثر من الدين الذي عليه صار ما زاد على الدين الذي عليه كمحاولة أن يضرب مع غرماء سيده ولا دين عليه لأحد.
وهكذا لو كان على سيده ألف دينار لعشرة رجال العبدُ أحدهم، لكل واحد منهم مائة دينار، فإنه ينادى عليه فيقال: من يشتري هذا العبد على أن عشر ثمنه يسقط من الدين الذي عليه وهو المائة دينار.
وهكذا يباع على هذه التسمية التي بيناها.
ومما يلحق بما نحن فيه من تبدل المحاصة ما ذكره في المدونة فيمن ارتهن زرعًا لم يبد صلاحه، ففلس الراهن ولم يُقدَر على بيع الزرع لكونه لم يبد صلاحه، فكان من حق مرتهن الزرع أن يحاص الغرماء بدينه مخافة أن يهلك الزرع، ولم يكن حاصهم، فلم يجد مرجعًا على الغريم وينفرد غرماؤه بماله دون هذا، فإنه إذا حاصهم وأخذ ما نابه في الحصاص، فطاب الزرع.
فوجب بيعه في دينه، فإذا بيع أخذ ثمنه الذي هو أحق به من سائر الغرماء، لكون من بيده الرهن أحق بثمن الرهن من سائر الغرماء، فإذا أخذ ثمن الزرع سقط ذلك من دينه، وتبين من ذلك أنه حاصّ الغرماء بأكثر مما يجب له التي كانت بمائة دينار حقها أن تكون بخمسين دينارًا لسقوط خمسين منها فأخذ المرتهن ثمن الزرع فينظر ما ينوبه في المحاصة لو كانت بخمسين دينارًا فيمسكه مما أخذه في المحاصة ويرد ما فضل عن ذلك إلى الغرماء، ويصير ما رده عليهم كمال طرأ للغريم فيتحاصُّ فيه جميع غرمائه.
هذا حكم المحاصة الأولى على الجملة.
وقال يحيى بن عمر: وإذا وقع لكل غريم نصف حقه نظر فيما بقي من دين هذا المرتهن بعد ما قبض من ثمن الزرع، فأمْسك مما وقع له في الحصاص نصفه (ومن نصفه) 1. وهذا نحو ما ذكرناه على الجملة لأنه أخذ في المحاصة شيئًا، فلما

ثبت أنه حاص بصفقته أمسك الذي كشف العيب 1 أن المحاصة به كانت تجب، ورد ما سواه.
ولو وفَّى ثمن الزرع جميع دينه لرد جميع ما أخذ في المحاصة.
وعلى هذا لا سلفت 2 يجرى حكم المحاصة بصداق المرأة قبل البناء بها، فلو تزوج رجل امرأة بمائة دينار ففلس، فإنها تضرب بجميع صداقها مع غرماء زوجها، وهذا لم يذكر فيه خلاف منصوص في المذهب، وهو واضح على القول بأن الصداق وجب كله بالعقد.
وأما على القول بأنه مترقب كله أو مترقب نصفه: فلعلَّ من ذهب إلى هذين المذهبين يرى أن الضرورة تدعو إلى المحاصة بجميعه لئلا يبني الزوج بزوجته فيستقر وجوبه إجماعًا، فلا تجد ما تأخذ منه صداقها.
فإذا حاصت بالمائة دينار ثم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يتبين لنا أن المحاصة التي كانت بالمائة أنها حقها أن تكون بخمسين دينارًا لسقوط نصف الصداق، فينظر لو حاصت بخمسين دينارًا أن الذي ينوبها في المحاصة فتمسكه مما أخذت، وترد ما فضل عنه للزوج يتحاص فيه جميع غرمائه بما بقي لهم، وهم على حسب ما قلناه في مسألة مرتهن الزرع إذا حاص ثم بيع وأخذ ثمنه.
ولو كان الزوج دفع إليها من صداقها نقده وهو خمسون دينارًا، وبقيت خمسون دينارًا مهرًا ففلس، فإنها تحاص بما بقي لها من صداقها وهو خمسون، فتأخذ ما ينوبها من المحاصة بها.
فإن طلقها الزوج بعد ذلك فقد علمنا أن الطلاق يسقط عنه نصف جميع الصداق نقده ومهره.
فالخمسون دينارًا التي قبضتها من النقد سقط حقها في نصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا، فيجب رد ذلك إلى غرماء الزوج، ويصير ذلك كمالٍ طرأ عليه له وتبين أن المحاصة إنما كانت تجب لها بخمسة وعشرين دينارًا فهو الذي يستحقها 3، ويضرب فيما بقي لها من نصف صداقها وهو الخمسة والعشرين المهر الباقي في ذمة الزوج في

الخمسة والعشرين التي ردت وفي مال المفلس.
ولو صورنا المسألة في أن الزوج كان بيده مائة دينار وعليه لرجل خمسون دينارًا، فدفع من المائة دينار التي بيده الخمسين النقد، وبقي لزوجته عليه الخمسون المهرّ، ففلّس، فإن الزوجة يجب أن ترد خمسة وعشرين دينارًا من النقد، ويضرب في مال المفلس بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الذي بقي لها على الزوج، ويضرب الرجل الذي له على الزوج بخمسين دينارًا جميع دينه، فيستحق ثلثيْ مال المفلس، وتستحق الزوجة ثلثه، وجملة مال المفلس الخمسون دينارًا الباقية في يديه بعد ما نقد الزوجة ثلثَها، والغريمَ الآخرَ ثلثيها، وفي يد المرأة خمسة وعشرون التي أمسكتها من النقد، وخمسة وعشرون التي وجب لها ردها، وهي إذا ردّتها رجعت تأخذها من الخمسة وسبعين مالِ المفلس، وهي ثلث الخمسة والسبعين جملةِ مالِ المفلس، فلا يرجع شيء، والغريم الآخر بأخذ الخمسين دينارًا فاعتدلا في قسمة مال الغريم لما كان دينهما سواءً: لهما 1 خمسون، ولها خمسون، فإذا استمسكت بالخمسين وأخذ الغريم الآخر الخمسين التي في يد المفلس، فذلك مقتضى الحصاص.
ولو نقدها الخمسين دينارًا وبقي المهر خمسون دينارًا فطلقها، ثم بعد الطلاق فلس، فمذهب ابن القاسم أن الجواب الذي قدمناه فيما إذا وقع الطلاق بعد التفليس وهو الحكم فيما إذا وقع الطلاق قبل التفليس وإنها إنما تستحق من الخمسين دينارًا النقد التي قبضت خمسة وعشرين دينارًا.
ومذهب ابن المواز أنها استحقت جميعها.
وقدّر ابن المواز أنه لما طلقها قبل أن يفلس وقد علم وعلمت أن نصف الصداق واجب عليه، وفي يده نصفه، فهما كالراضيين (سا) 2 حملة الخمسين

دينارًا النقد عوضًا عن حق جميع حق المرأة فينصف الصداق نقده ومهره كأنها كالمحاسبة والمقاصة.
ورأى ابن القاسم أن ذلك محتمل لما ذكر ابن المواز، ويحتمل أن يكون إنما أبقياها على موجب الحكم في قصها 1 على النقد والمهر فلا يسقط موجب الحكم الشرعي بأمر محتمل.
وهذا يلتفت فيه عندي من 2 العوائد وما يفهم من قرائن الأحوال، وإليه يرجع الخلاف.
ولو كانت المرأة هي التي فلست وقد نقدها الزوج خمسين دينارًا أو بقي عليه المهر ثم فلست، فإن الحكم أيضًا ما قدمناه من كون الخمسين التي نقدها وجب له عليها أن ترد نصفها لسقوطه بالطلاق قبل البناء، ويجب لها عليه أن تطالبه بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الباقي في ذمته إذا حلَّ فيضرب الزوج مع غرمائها بخمسة وعشرين دينارًا نصف المهر الذي بقي عليها إن فلس، أو يطالبوه بها إن كان مليئًا وقد وقع لأصبغ ما يقتضي أن الزوج لا يحاص غرماءها بالخمسة والعشرين دينارًا التي وجب عليها أن تردها إليه، فقال، فيمن دفعت له زوجته مالًا على ألا يتزوج عليها ففلس وتزوج عليها، فإنها لا تحاص غرماءَهُ بما وجب لها عليه أن يرده عليها مما أعطته على ألا يتزوج، وقدّر أن بنفس التزويج وجب عليه رد مالها إليها، فصار ذلك كدين عاملته به بعد أن فلّس وما حدث من الدين بعد التفليس فإنه لا يحاص مستحقة الغرماء الذين فلّس لهم، فكذلك يقدر في المسألة التي ذكرناها أن بطلاق الزوج لها وجب له أن يرجع عليه ابن صف ما نقدها، وذلك بعد أن فلست، فصار ذلك أيضًا كدين عاملها به بعد أن فلست.
وهذا يتصور الخلاف فيه عندي من الخلاف المذكور في مسألة المدونة إذا طلقها وقد أصدقها حيوانًا فاعْتلته قبل الطلاق، فقيل: لا ترد من الغلة شيئًا، وكأن حق الزوج في نصف الصداق إنما وجب له حين الطلاق،

وقبل ذلك كان لا يستحق في الصداق شيئًا فلا تكون له غلة فيما مضى قبل الطلاق.
وقيل له نصف الغلة، وكأن الطلاق كشف لنا أن المرأة ما كانت تستحق إلا نصف الصداق، وكأنها اغتلت نصفه وهو مال الزوج، وهذا كما قدمناه مرارًا في أحكام المرتقبات: هل تقدر كأنها لم تزل حاصلة في مبدأ الأمر، وإنما يقدر حصول ما كان مترقبًا حصوله حين وجد وحصل؟.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: الدين يقضى عندنا من دية المديان إذا مات مقتولًا وكان القتل خطأ، لأن الدية، وإن كان إنما استقر وجوبها بعد موته، فهي مال من ماله، وسببها كان في حياته، فكأنه اكتسبها في حياته؛ وأيضًا فإنها عوض نفسه التي كانت تسعى في الكسب لغرمائه، وكان لغرمائه حق فيها، ويقدمون على الورثة بما ذكرناه من كونها مستحقة في حياته لكونها عوض ذمته التي أفاتها القاتل على غرمائه.
وكذلك لو كان القتل عمدًا ورضي ورثته بأخذ الدية، أو تراضى بها ورثته والقاتل، فإن غرماءه أحق به من ورثته للعلة التي قدمناها.
ولو عما عن دمه بعد أن جرح الجرح الذي مات منه، والقتل خطأ، لكان عفوه عن الدية لا يجوز إذا رده الغرماء.
ولو لم يكن عليه دين لكان لورثته أن يردوا إن 1 زاد علي ثلثه مما عما عنه.
ولو كان القتل عمدًا لجاز عفوه ولم يكن لغرمائه أن يردوا عفوه لأن الواجبب له القصاص، وإنما تثبت الدية بالتراضي على رواية ابن القاسم، والدم الذي استحقه لا منفعة في إراقته لغرمائه، ولا يلحقهم ضرر بعفوه، فمضى عفوه فيه.
وقد كنا قدمنا الكلام على هذا، وأشرنا إلى ما يتخرج فيه على مذهب أشهب القائل إن لولاة المقتول أن يجبروا القاتل على الدية.

وكذلك لو لم يعف المقتول عمدًا، ولكن عما الورثة على الدية وعلى الميت دين، فإن عفوهم جائز على غرماء الميت على ما قدمناه.
وكذلك لو عما الوارث، وعليه في نفسه دين، لم يكن لغرمائه أيضًا أن يردوا عفوه.
وهذا الذي ذكرناه في دم استحقت إراقته فعفا من يستحقها.
وأما إذا بطل القصاص وانتقل الحكم إلى الدية، بأن يترك المقتول ولدين فيعفو أحدهما عن الدم بغير عوض، فإن القصاص ها هنا لا يمكن لأن الثاني من الولدين الذي لم يعف إنما يستحق نصف الدّم وإتلاف نصف النفس مما لا يتميز حقه فيه من حق أخيه ولا ينقسم، فإذا بطل حقه في إراقة الدم عاد ذلك مالًا استحقه الذي لم يعف، فلا يمكّن حينئذٍ هذا الذي لم يعف من إسقاط نصيبه من الدية لكون نصيبه من الدم قد امتنع إراقته فصار حقه منحصرًا في الدية وذلك كمالٍ ورثه عن أبيه مما اكتسبه أبوه، فليس له أن يهبه ويبطل حق غرمائه فيه.
ولو كان على هذا الذي لم يعف دينٌ قد أحاط بنصيبه من الدية 1 على أبيه دين لكان غرماء أبيه أحق بنصيبه من الدية من غرمائه في نفسه، لما قدمناه من كون الدية عوضًا عن النفس التي كانت تسعى لغرمائها.
فإن قيل: هلّا قلتم هذا فيما يورث عن الميت بحق الولاء: إن غرماء المعتق أحق بولاء العبد المعتق الذي مات بعد موت سيده الذي أعتقه لكون الولاء إنما يستحق بسبب تقدم في حياة المعتق وهو الإعتاق، فيكون غرماء المعتق أحق به من ورثته قبل 2 العبد المعتق إذا مات سيده والعبد حي فإن كسب العبد ملك لا يقدر أحد على انتزاعه منه، وقد يموت عن ورثة يستحقونه دون ورثة سيده، والدية لم يستقر ملكها لأحد دون القتيل ولا يتبدل حكمها ولا تعلق بشرط كما تعلق الولاء بشرط ألَّا يكون العبد المعتق ورثته أحرار.
وأيضًا

فإن ما يؤخذ بالولاء ليس بعوض لذمة المعتق، ولا عامله الغرماء على أن يعتق فيأخذون ديتهم من ولاء العتيق إذا مات، وقد يموت فقيرًا أو يموت غنيًا وله ورثة أحرار يستحقون ميراثه دون ورثة سيده لو كان حيًا.
وهذا يفرق بين كون الدين يؤخذ من التركة ولا يؤخذ مما يورث بالولاء.
فإذا تمهدت هذه الأصول، فاعلم بعدها: أن الدية إذ أخذت بعد موت الميت، وقلنا: إن الدين يؤخذ منها فلو ترك رجل مائة دينار، وعليه دين مثلها، وقد قتل عمدًا، فوجب في ديته ألف دينار، وكان أولياء الدم ولَديْن له، فعفا أحدهما عن نصيبه من الدم على أن يأخذ ديته، فإن حقه في الدم وفي الدية قد سقط، وبقي حق أخيه الذي لم يعف، وقد استحق خمسمائة دينار 1 ونصف الدية.
وقد قررنا أن الدية تؤدى في الدين، فإن الغرماء أحق بها من الورثة، فيتحصل من هذا أن الميت ترك ستمائة دينار التي فرضنا أنه مات وهي تحت يده، والخمسمائة دينار التي فرضنا أنها طرأت بعد موته، وهي نصف الدية، فصارت تركته ستمائة دينار.
ولكن حكم التوارث فيها يختلف بالمائة التي تركها مالًا له قبل موته، وتورث عليه إن لم يكن عليه دين، (وإن لم يكن عليه دين) 2. وإن كان عليه دين يستغرقها دفعت كلها في الدين، والدية يأخذها الورثة أيضًا إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين يستغرقها دفعت كلها في الدين، والدية يأخذها الورثة أيضًا إن لم يكن دين، وإن كان عليه دين يستغرقها أدى جميعها في الدين.
فيجب على هذا أن تكون المائة دينار التي عليه دين مفضوضة على الستمائة دينار التي ترك، فينوب كل مائة من الستمائة دينار سدس هذه المائة التي تركها، يخرج منها سدسها في الدين ستة عشر إلا ثلثًا

والخمسمائة المأخوذة في الدين يخرج منها من كل مائة سدسها، ويرث ما بقي من الدية الولد الذي لم يعف، ولا يأخذ الذي عما من ذلك شيئًا.
وأما المائة التي تركها الميت: فإذا أخرج منها ما حظها 1 من الدين وهو سدسها، ورث ما بقي منها وهو خمسة أسداسها على فرائض الله سبحانه، يقسم ذلك بين الولدين نصفين، فتكون القسمة اثني عشر جزءًا من أحد عشر جزءًا للولد الذي لم يعف، لأن له في خاصته خمسمائة دينار نصف الدية وله خمسون دينارًا نصف المائة التي ترك أبوهما.
فإذا كان له في خاصته خمسمائة وخمسون جعل الجزء خمسين دينارًا، فكان له أحد عشر جزءًا كل جزء خمسون دينارًا، وكان لأخيه الذي عما جزء واحد، وهو خمسون دينارًا، فعليه في الخمسين التي تنوبه نصف سدس الدين، جزءًا من اثنى عشر جزءًا وذلك ثمانية وثلث، وتبقى له إحدى وأربعون وثلثان.
وعلى هذا يصح للآخر بعد الدين بسبب الدية والميراث أربعمائة وثمانية وخمسون وثلث.
إلى هذا ذهب ابن القاسم في هذه المسألة على ما ذكره في العتبية والموازية، وذكره ابن سحنون عن أبيه، وعن أشهب.
ولو كان الدين خمسمائة، وخلف الميت خمسمائة، فإن الدين قال ابن القاسم مأخوذ من التركة ومن الدية يقسم بينهما نصفين، فيخرج نصفه من الدية ونصفه من التركة، ويقسم ما بقي منها بين الورثة نصفين ويؤخذ نصفها من الخمسمائة نصف الدية وتبقى مائتان وخمسون الباقية نصف الدية للولد الذي لم يعف، لا يشاركه فيها أخوه الذي عفا.
وهكذا قال أشهب وسحنون فيمن قتل عمدًا، وله ابنان، وترك ألف درهم، فعفا أحد الولدين عن نصيبه وأخذ الآخر نصيبه من الدية، وهو ستة

آلاف درهم، فإنها تضم إلى الألف التركة ثم يفضّ الدين على ذلك كله، فيما وقع للألف التي تركها خرج منها وكان باقيها بينهما، ويرجع ذلك إلى إخراج الدين من الجملة وقسم على أربعة عشر سهمًا: للذي عما سَهْمٌ والباقي للآخر.
وهذا الذي قالاه في تلخيص هذا الحساب وبسطه إلى أجزاء تخرج إلى ما أخرجه الحساب الأول الذي ذكر فيه الفض للدين على الجملتين: الجملة المتروكة والجملة المأخوذة في الدين، فلا فرق بين أن يأخذ من كل ألف سبعها حتى يكمل الدين، أو يضم المال بعضه إلى بعض فيخرج الدين جميعه بالسوية، فالذي يبقى، بعد إخراج الدين، يقسم على أربعة عشر جزءًا لأن هذه التركة لو لم يكن على الميت دين لكان للولد الذي لم يعف نصف الألف التي ترك أبوه ولا أكثر من ذلك، وهو خمسمائة، ونصفها الآخر وهو نصف مائة للولد الذي عما، والستة آلاف المأخوذة من الدية يختص بها الولد الذي لم يعف.
فقد صار للولد الذي لم يعف ستة آلاف وخمسمائة، فإذا قسطت ذلك إلى أن تجعل كل جزء خمسمائة، لأجل أن حق الولد الذي عفا خمسمائة، صارت التجزئة أربعة 1 جزء كل جزء خمسمائة، يأخذها الذي عما، وما بقي وهو ثلاثة عشر جزءًا، كل جزء خمسمائة يأخذه الذي لم يعف، فيحصل له لو لم يكن على التركة دين ثلاثة عشر جزءًا، كل جزء خمسمائة فيترك ستة آلاف وخمسمائة ويحصل للذي عما جزء واحد وهو خمسمائة.
فإذا كان على التركة دين أخرج الدين من الجميع، وقسم ما بقي على نسبة ما يستحقه كل واحد من الإبنين فالذي يستحقه العافي نصف سبع المال، والذي يستحقه الذي لم يعف ستة أسباع المال ونصف سبع.
وهكذا قالا: لو كان على الميت دين في هذه وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة، وأوصى لرجل بألف درهم فإنه يؤدى نصف السبعة آلاف في الدين، فيقسم على الألف التي تركها نصفها، ونصفها الباقي فيه تكون

الوصايا في ثلثه، لأن الوصايا لا تدخل إلا فيما علم به الميت، يأخذ الموصى له ثلث الخمسمائة، وما بقي من المال كله يكون بين الولدين على عشرين جزءًا، للذي عما جزء وهو نصف العشر، والذي لم يعف تسعة عشر سهمًا.
وهذا الذي قالاه أيضًا يعرف صحة حسابه مما قدمناه، وذلك أن الستة آلاف المأخوذة في الدية كمالٍ طرأ للميت لم يعلم به لأن ولده إنما عفا عن الدم وصيره مالًا بعد موت أبيه، فلا تدخل الوصايا فيه، وإنما تكون الوصايا فيما تركه وعلم به في حياته، وهو لم يعلم بأنه يرثه عنه سوى الألف درهم التي تركها، وكانت تحت يده في حياته، وقد خرج نصفها في الدين كما خرج نصف الستة آلاف المأخوذة في الدية في الدين أيضًا، فصارت التركة ثلاثة آلاف، وهي نصف ما أخذ في الدية، وخمسمائة وهي نصف الألف المتروكة ميراثًا، تكون ثلاثة آلاف وخمسمائة قضيت في الدين، فإنما تكون الوصايا في الخمسمائة التي بقيت بعد قضاء الدين من الألف الذي ترك، وهو لا يستحق أن يوصي بأكثر من الثلث، وكان ثلث ما ترك يورث عنه وهو مائة وسبعة وستون درهمًا غير ثلث درهم وتبقى ثلثا هذه الخمسمائة يرثه الولدان نصفين العافي والذي لم يعف، فيكون لكل واحد من هذه الخمسمائة سبعة وستين غير ثلث فيصيب العافي من هذا المال كنصيب الموصى له، لأن الوصية عادت إلى ثلث المال، (والثلث يقتسمانه) 1 الولدان وتبقى الثلاثة آلاف التي هي نصف المأخوذ من الدية يختص بها الذي لم يعف، فيسقط 2 هذا المال الذي بقي بعد قضاء الدين، فوجدنا خمسمائة منه تقسم أثلاثًا، وهو سبعة أجزاء، كل جزء خمسمائة، فتضرب السبعة أجزاء في ثلاثة، لذكرنا الثلث الموصى له وهو ثلث الخمسمائة، فينتهى ذلك إلى أحدٍ وعشرين جزءًا، وقد خرج منها جزء الموصى له بالألف، والذي عدا يستحق مثل ما استحق.
وإذا أسقطنا من الواحد وعشرين جزءًا

نصيب الموصى له بقيت عشرون جزءًا، للذي عما جزء واحد منها؛ وهو نصف العشر، فأخذ مثل ما أخذ الموصى له.
ولكن نسبة ما أخذ الموصى له ثلث السبع، ونسبة ما أخذه أحد الوارثين بعد إخراج الوصية نصف العشر، ومقدار ما أخذه واحد على ما بينّا.
فهذا بسط ما ذكره أشهب وسحنون في هذه المسألة.
ولو ترك عبدًا يساوي ألف درهم وعليه، ألف درهم دينًا، فباعه القاضي في الدين، ثم عما أحد الولدين، وأخذ الآخر نصف الدية ستة آلاف، فليرجع عليه أخوه بنصف سبعها، وذلك أربع مائة درهم وثمانية وعشرون وأربعة أسباع درهم.
ولو لم يقم الغريم حتى قبض الابن الستة آلاف، فأخذ منها الغريم ألفًا، فإن العبد بين الولدين نصفين 1، والخمسة آلاف الباقية للأخ الذي لم يعف، ويرجع الذي لم يعف على الذي عفا بنصف الدين الذي هو ألف درهم، وهو أحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم، فإن أداها وإلا بيع من نصيبه من العبد بقدر ذلك.
وهذا أيضًا يعرف مما قدمناه.
وإنما كثرنا المال ليرسخ تصوره في النفس.
ولو ترك أبوه زوجة فعفا الابن وأخذ دية أبيه اثنى عشر ألف درهم، وترك الميت عبدًا يساوي ألف درهم، وعليه دين ألف درهم: فللمرأة ثمن ذلك كله: من العبد ومن الدية، وعليه 2 ثمن الدين، وللابن سبعة أثمان التركة من عبد ودية فهكذا يقسم الدين عليهما والميراث.
ولو ترك ابنا وابنة وزوجة في هذا السؤال، فعفا الابن عن الدم: فإنه تدخل في ذلك الابنة والزوجة بالميراث، وما على الميت من دين يقضى من الدية ومن المال المتروك، وما بقي يقسم على الفرائض.
وهنا 3 تعرف أصوله

من كتاب الديات، وأن من له العفو إذا عما واستحق شيئًا دخل فيه من الورثة من لا مدخل له في العفو.
ولو وهب المريض عبده لرجل وقيمته ألف درهم، ولا مال له غيره، ثم قتل العبد المريض وله ابنان، فإنما للموصى له ثلث العبد، فإذا قتل سيده فإن شاء الورثة قتله قتلوه، وإن استحيوه على أفي يكون لهم فضت الدية على العبد: ثلثا الدية على ثلثي الورثة فيسقط 1 ذلك، وثلث الدية على ثلث العبد فيخير الموصى له بين الفدية بثلث الدية أو يسلمه.
وتفريع ما وقع في الروايات في هذه المسألة يعرف من كتاب الديات والجنايات.
ومما يلحق بما نحن فيه ما ذكره ابن المواز فيمن قتل عمدًا وترك مدبَّرًا قيمته مائَة دينار، ولم يترك سواه، ولا دين عليه، فعفا أحد الوارثين عن الدم وأخذ الذي لم يعف نصف الدية، فإن العبد يعتق جميعه، ويكون خمسة أسداس مائة دينار، بين الولدين نصفين للعافي والآخر للذي لم يعف.
وهذا الذي ذكره مأخوذ مما قدمناه من فض الدين الذي يكون على المقتول عمدًا في مثل هذه المسألة بين ما ترك من مال علم به، وبين ما أخذه أحد ولديه من ديته، فما ناب المالَ الذي مات وهو على ملكه أخرج في الدين، وما بقي من هذا المال الذي مات عنه كان بين الولدين نصفين، ويكون الذي لم يعف عن الدم ينفرد بما أخذ من الدية بعد إخراج ما وقع على ما أخذ من الدية من الدين، وبعد الفض عليهما فالمدبَّر ها هنا حكمه حكم الدين.
فقد صار الميت في هذه المسألة ترك ستمائة دينار، وهي التي قوّمنا بها المدبر، وخمسمائة هي المأخوذة في نصف الدية، والمدبر يعتق في المال الذي مات عنه الميت وعلم به، وفي المال الذي طرأ بعد موته ولم يعلم به.
وقبض 2 قيمته على هذه الستمائة دينار، فينوب ما يختص به في نفسه سدس القيمة، وهي سبعة

عشر دينارًا غير ثلث، فيعتق ذلك على الولد 1 جميعًا، ويعتق خمسة أسداسه من الخمسمائة دينار التي أخذها الولد الذي لم يعف.
فإذا عتقت عليه كمل عتق جميعه بعد أن كان استحق الولد العافي نصف خمسة أسداسه التي اعتقناها في نصف الدية، فيكون يرجع بقيمة نصف هذه الخمسة أسداس التي أعتقت فيما أخذ أخوه، وصار ذلك كعتق من أحد الشركاء فإن نصيب صاحبه يعتق ويرجع بقيمته على شريكه المعتق ويجزئه ذلك بعد بسط الحساب أن الميت كأنه توفي وترك ستمائة دينار منها خمسمائة دينار ينفرد بميراثها أحد ولديه، ومنها مائة وهي قيمة المدبر يرثها الولدان جميعًا.
فقد صار للذي لم يعف من هذا المال خمسمائة دينار وخمسون، وصار للذي عما خمسون دينارًا.
فإذا نصفنا الخمسمائة تقابل في التجزئة بها الجزء الذي ورثه العافي، صارت عشرة أجزاء كل جزء خمسون دينارًا، وله جزء آخر وهو خمسون دينارًا وهي نصف قيمة المدبر، فصار له أحد عشر جزءًا ولأخيه العافي جزء واحد وهو خمسون دينارًا، فيقسمان ما بقي من المال بعد إخراج المدبّر كله، وذلك خمسمائة دينار على اثنى عشر جزءًا، واحد منها وهو نصف سدسها للذي عما، وهو أحد وأربعون دينارًا ونصف دينارٍ وسدسه، وللذي لم يعف مثل ذلك أحد عشر مرةً، وذلك أربعمائة دينار وثمانية وخمسون دينار (ونصف) 2 وثلث فقد تحمل قسمة الخمسمائة دينار على هذه النسبة وهذا الحساب.
قال ابن المواز: وقد قيل: لا يكون للذي عما إلا جزء من سبعة عشر جزءًا، والذي لم يعف ستة عشر جزءًا؛ وذلك لأن ثلث المدبر معتق على كل حال، فكأن الميت لم يتركه، وإنما ترك ثلثيه، وقيمة ثلثيه ست وستون دينارًا وثلثا دينار، فهي الموروثة للذي عما وهو ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث، وللذي لم يعف الثلث الباقي وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث أيضًا، فيحتاج في هذا إلى بسط 3

الخمسمائة دينار التي أخذت من الدية أثلاثًا، لأجل أن نصيب الأخ الذي عما ثلاثمائة دينار فتصير الخمسمائة المأخوذة في الدية إذا بسطت 1 أثلاثًا خمسة عشر ثلثا، كل ثلث منها وهو ثلث مائة دينار.
ولهذا الذي لم يعف زيادة على ذلك ثلث المائة التي يستحقها في المدبّر، فصار له ستة عشر جزءًا لكل جزء منها ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار، وللذي عما جزء واحد وهو ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث.
فإذا أعتق العبد من هذه الجملة التي هي ستمائة اقتسما الباقي على سبعة عشر سهمًا، للذي عما من ذلك سبُع واحد، وهو تسع وعشرون دينار ونصف غير سبْعِ حبَّات على التقريب، وللذي لم يعف مثل ذلك ستة عشر مرة.
فيبلغ ذلك كله خمسمائة دينار الباقية بعد عتق المدبر.
وهذا القول الذي ذكره محمَّد أشار إلى رده بأن قال: الأول أحب إليَّ، ألا ترى لوكانت قيمة العبد مائة وخمسون، وعلى السيد خمسون، لكان ينبغي فيما وصفتُ لك ألا يحاصّ إلا بخمسين ثلث قيمة العبد وكذلك يكتفى أن لو كان عليه دين يحيط بالمدير ألَّا يكون له شيء.
وهذا القول الذي حكاه وأشار إلى ضعفه هو الذي ينبغي أن يكون جاريًا على أصل ابن القاسم القائل بأن المدبر إذا ترك سيده مالًا علم به، ومال طرأ له لم يعلم به، فإنه يُبَدَّأُ بعتقه من المال الذي علم به، فلو استوعب ثلثه ثلث المال الذي علم به، وكان الميت أوصى بوصايا، فإنها تبطل، ولا يؤخذ من المال الذي لم يعلم به، ويعتق ثلثا المدبر في المال الذي لم يعلم به الميت، وهي خمسمائة ويكون للعافي جزء من سبعة عشر جزءًا دينارًا على ما بيناه بعد في إخراج جميع المدبر وإمضاء العتق في جملته.
وأما عبد الملك، فإنه يقول: إن المدبر يعتق فيما علم به وما لم يعلم، فما فضل من المال الذي علم به دخلت فيه الوصايا، وما فضل من المال الذي لم يعلم به لم تدخل فيه الوصايا.

وأما الدين، فالأصل فيه أن يكون شائعًا في جميع المال الذي علم به للميت والذي طرأ بعد موته.
والخلاف في هذا يبعد، ولم أقف فيه على نصّ صريح في كونه يبدأ في أخذه بإخراجه من الذي علم به.
لكن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد قال في نوادره: روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن قتل عمدًا وترك مائة، وعليه مائة دينار، وأوصى بوصايا، فعفا عن القاتل على الدية، قال: يقضى الدين من المائة التي علم بها، وتبقى الدية لورثته، وتبطل الوصايا ونبه على هذه الرواية بأن قال: انظر 1 فيها غير هذا، والمسألة الأولى في الذي عليه دين ولم يوص بشيء فعفا واحد من البنين بذلك على هذا، فأشار إلى ما كنا قدمناه في صدر هذه المسائل من كون المقتول عمدًا إن ترك مائة دينار وعليه مائة دينار وعفا أحد الولدين فإن الدين يفضّ على أحد المالين، فما ناب المائة التي تركها ميراثًا عنه أخرج لصاحب الدين، وقسم الولدان بقيتها، فكأنه يشير إلى أن هذا يقتضى أيضًا توزيع الدين في هذه المسألة التي رواها عيسى عن ابن القاسم على ما علم به وهي المائة المتروكة، وعلى ما لم يعلم به وهو المأخوذ في الدية.
فيجب إذا خرج من الميت 2 المتروكة ما نالها من الدين، أن تكون الوصايا في ثلث ما بقي منها مما يقسمه الولدان ميراثًا بينهما.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن قول ابن المواز ها هنا لو كان عليه دين يستغرق المدبر يجب ألاّ يحاص بشيء، يقتضي أن المدبر إنما يدخل فيما علم به، فإذا أحاط بالمدبر امتنع أن يكون للذي عما به حصاص لكونه لا يرث من الخمسمائة المأخوذة في الدية شيئًا، وإنما يرث في المدبر، والمدبر وجب رد عتقه بالدين الذي يختص إخراجه بالمدبر، وإنما يعتق من جهة أخرى: من كونه

يدخل فيما لم يعلم به، والذي لم يعلم به الميت من هذه الدية لا مدخل للعافي فيه.
واستبعد مع هذا التأويل لهذه الرواية، وقال: ينبغي ألاّ يختلف في كون الدين يكون شائعًا فيما علم به وما لم يعلم به.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن له مدبر قيمته مائة دينار ولا دين عليه، فيقال للذي عما كم يكون لك من المدبر لو لم تكن دية؟ فيقول: ثلثه.
فيقال له: فالمدبر يستتم عتقه في الخمسمائة دينار، فيتم عتقه كله، وترجع أنت على أخيك بمثل ما يكون لك من المدبر، وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث، ولا يكون ذلك كالدين.
يفضّ على المالين كما قال من قال، وذلك خطأ ولا يكون الذي عما أحسن حالًا لأن العافي عن العمد لم يعف عن مال ولذلك لم يضمن الدين.
وأما إن كان خطأ فليس لأحد عفو حتى يجمع الدين ثم يخرج ثلث ما بقي للمدبر والوصايا.
فأشار في هذه الرواية إلى أنه لا يفض المدبر على المالين بخلاف الدين الذي يجب فضه.
فأشار بهذا إلى أن الخلاف إنما يحسن في فض عتق المدبر على المالين.
وأما الدين فلا يحسن الخلاف في كونه مفضوضًا على المالين.
ومن ترك ثلاثة بنين له على أحدهم مائة دينار، وترك مائتين، وأوصى بمائة، ففي التركة ثلاثمائة، فللوصاية منها مائة، والمائتان بين البنين: لكل ابن ثلاثمائة 1 فالذي عليه المائة عنده أكثر من حقه فاقتسم ما حضر بين الولدين والموصى له على سبعة للموصى له ثلاثة، ولكل ابن ممن لا دين عليه سهمان ثم يتبع جميعهم الولد الذي عليه المائة بثلث المائة فما قبضوا منه قسموه على سبعة.

وقال محمَّد يأخذ الموصى له ثلث المائتين، ويقسم ما بقي على الثلاثة، فما صار للمديان رجع فيه صاحب الثلاثة ثلاثة أسباعه والوارثان بأربعة أسباعه.
وهذا الذي ذكره من القسمة على سبعة لأجل أن الموصى له [له] ثلاثة أثلاث من كل مائة ثلث وكل واحد من الأولاد له في المائتين ثلثا مائة فلهذا تكون القسمة على جزءين: لكل ولد جزءان، وللموصى له ثلاث أجزاء.
ولعلنا أن نذكر المسألة، والإشارة إلى ما قاله ابن المواز في غير هذا الموضع.

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: وتحل الديون المؤجلة بفلسه، ولا يحل مالَه من دين مؤجل والميت كالمفلس في ذلك كله.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما الدليل على حلول الدين المؤجل بالموت؟.
2 - وما الدليل على حلوله بالتفليس؟.
3 - وهل يحل قولًا مطلقًا أو باختيار من له الحق؟.
4 - وهل تحل الديون المؤجلة إذا كانت معرضة للبطلان؟.
5 - وما الدليل على أن ما للمفلس من دين لا يحل لأجل تفليسه.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: إذا مات من عليه دين طلبت تركته بالديون كلها، وإن كانت مؤجلة لم تحلّ آجالها.
وهذا قول عامّة العلماء وخالف في هذا الزهري والحسن البصري

وعمرو بن دينار.
وكان هؤلاء يتعلقون بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 1 وقوله عليه السلام: "المؤمنون عند شروطهم" 2. وإذا عقد بيع بثمن مؤجل لم تلزم المطالبة به إلا عند أجله، لأنه مقتضى الوفاء بالعقد وكذلك أيضًا هو كالشرط في الثمن فيجب أن يوفى بالشرط.
وكأن الجمهور يرون أن البائع إنما عقد على ذمة يشق بها، فإذا خربت وذهب عين المطالَب بالمال كان مقتضى العقد أيضًا لا يخرج ماله ويخرج ويعرض به التلف، وأيضًا فإن التركة لم تخل من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تعقل التركة عن الغرماء لحق 3 الورثة.
أو يمكّن الورثة من قسمتها.
أو يمكن الغرماء من أخذ حقوقهم منها.
4 بباطل أنها تعقل على الورثة 5 على الغرماء لأن في ذلك ضررًا على الجميع.
أما الغرماء، فلكون ديونهم إنما تؤخذ مما ترك الميت وتعلق حقهم بأعيان ما ترك، فإذا أوقفناهُ فهو معرض للتلف والهلاك، فلا يجدون مرجعًا بديْنهم والدية 6 التي كانت حقوقهم متعلقة بها قد بطلت بالكلية ويلحق أيضًا الورثة ضرر يمنعهم التصرف فيما ورثوه من غير فائدة لهم في ذلك ولا للغرماء مع كون الميت قد قال - صلى الله عليه وسلم -: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" 7،

وفي تأخير دفعه للغرماء إضرار بالجميع: بالميت والغرماء والورثة.
فوجب لأجل هذا أن تحل الديون.
وإن قلنا: إن الورثة يمكنون من قسمته، فإن هذا أيضًا إضرار يختص بالغرماء، لكونهم قد لا يجدون ما يرجعون فيه بدينهم إذا تصرف الورثة في مال غيرهم وأكلوه، وهذه إضرار بين لغرماء 1. فلم يبق إلا تمكين الغرماء من أخذ حقوقهم منه، ويقسم الورثة ما فضل عن الدين، فتعمّ هذه المنفعة الغرماء والورثة، وذلك أولى مما يضُرُّ بالغرماء والورثة.

فالجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمَّا المفلس إذا حكم بتفليسه والحجر عليه في ماله، فإن ديونه المؤجلة تحل عند مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال مرة: تحل.
وقال مرة أخرى: زعم بعض المفتيين إنها تحل، وأشار إلى مالك، ورأى هو أنها لا تحل.
والصحيح عند أصحابه أنها لا تحل.
ولنا في أحد قوليه إن الموت يقتضي حلول الديون الآجلة لخرابة ذمة المديان، وكذلك يجب أن يكون التفليس لخراب ذمة المديان أيضًا، وحدوث حالة غير 2 الذمة، وتعلق فيها حق في المال.
وأيضًا فإن المعاملة تقع على الذمة وتقع على أعيان المال، فإذا كان ذهاب الذمة بالكلية التي تقع المعاملة عليها توجب حلول الديون المؤجلة، فكذلك إذا ذهب الأعيان، وبقي الغريم فقيرًا، وحكم بتفليسه والحجر عليه، ويجاب عن هذا بأن المال لو ذهب من يده قبل أن يُحجر عليه لما وجب حال 3 الديون المؤجلة فكذلك إذا ذهب ووقع الحجر عليه، إذ لا تأثير للحجر ها هنا.

كما أن الشافعي أجاب أيضًا عن قياس الفلس على الموت بأن الذمة في الموت خربت خرابًا لا يرجى بعده أن تُعمّر، وفي التفليس، وإن خربت، فإنها ترجى بعد ذلك عمارتها بإفادة المفلَّس مالًا من ميراث أوْ حلة 1 أو سعي بسعاية ومعاملات يحدثها.
واعتمد من ذهب إلى أنه لا تحل الديون المؤجلة بالفلس على أن التأجيل في ثمن المبيعات له حصة من الثمن.
ومعلوم قطعًا أن ما يشترى على أن يوزن 2 ثمنه إلى أجل يكون الثمن فيه أوفر من الثمن لو بيع على النقد فإذا قلنا بحلول الديون المؤجلة أفضى ذلك إلى إلزام المشتري ثمنًا لم يأخذ العوض عنه وهو التأجيل.
وهذا أقوى ما يعتمد عليه المخالف.
وأجيب عن هذا بأنه إنما يدفع الضرر إذا لم يقابله ضرر آخر، ولهذا قلنا إن البائع أحق بسلعته إذا وقع التفليس، وما ذلك إلا لنفي الضرر عنه.
وهاهنا إذا رفعنا الضرر عن المشتري بكونه لا يحل الدين المؤجل لَحِق البائعَ ضرر في كون مال المفلس يقسمه من سواه من الغرماء، وإذا حل الأجل لم يجد مرجعًا، والضرر لا يدفع بالضرر من جانب، وكون البائع أحق بسلعته في التفليس لدفع الضرر.
وقد يتصور فيه ضرر بالغرماء، وسنتكلم على وجه كونه أحق بسلعته في التفليس بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم الكلام على أن الديون إذا كانت كلها مؤجلة لم يجب التفليس، لكون الطالبين لم يستحقوا المطالبة، وإن كان بعضها حالّة وبعضها مؤجلة، والذي في يد الغريم لا يفي بالحقوق الحالة فإنه يفلس في حق من حل دينه ومن لم يحل.
وتحل الديون المؤجلة وإن بقي في دينه 3 بعد قضاء الديون الحالة ما

يرجى منه أن يقضي دين أصحاب الحقوق المؤجلة لم يفلس في حقهم.
وبسطنا القول في ذلك.
وتنازع المتأخرون إذا كان ما في يديه مقدار الحقوق الحالة لا أكثر.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: إذا فلس المديان وعليه دين من عروض أسلم إليه فيها إلى أجل، فإن الأجل يبطل، وتقع المحاصة بالعروض على أنها حلت على المفلس، وهنا يتضح إذا طلب مستحقها في الذمة أن يحاص بها على الحلول.
فأمّا إذا أبى ذلك وقال: لا أطلب الحكم بكونها حالة.
وقال من هي عليه: قد حكم الشرع بحلول ما على المفلس فلا أؤخرها في ذمتي طلبًا للبراءة منها.
كما لو حل الأجل المشروط (وقال من هي عليه: الدين لم يستحق ذلك عليه خذه لا براءة منه) 1، وقال مستحق الدين: لا آخذه فإنه يجبر على أخذه، فإن ابن القاسم ذكر في العتبية أن مستحق العروض المؤجلة في الذمة يجبر على أخذها إذا أراد من هي عليه البراءة منها لما فلس.
وعارض بعض أشياخي هذا ورأى أن التعجيل لها قبل أجلها بمقتضى حكم التفليس إنما ذلك لنفي الضرر عن مستحقها في الذمة، مخافة أن تؤخر إلى أجلها فلا يجد مستحقها عند غريمه مالًا يرجع عليه فيه بها، لكونه من سواه من الغرماء قد أخذوا جميع ما في يديه، فإذا رضي هو بهذا الضرر بقي الحكم على ما كان عليه من التأجيل في أصل المعاملة.
وكأنه يشير إلى أن هذه القضية بالحلول معللة بعلة فإذا زالت العلة ارتفع حكمها.
وقد كنا قدمنا عن أصبغ أنه يقول فيمن كان غائبًا ماله إنه إذا فلس حلت الديون المؤجلة واستتم تفليسه، وذكرنا معارضة بعض الأشياخ في هذا،

وقولهم: إن أصحاب الديون المؤجلة إذا ذهبوا إلى موضع به المال فإن القياس: لا يمكنون من أخذ ما بقي لهم حتى يحل الأجل، و 1 ارتفاع العلة التي أوجبت لهم الحصاص لما كان المال غائبًا.
وهذا خلاف؛ فظاهر 2 كلام أصبغ، وكأن أصبغ رأى أن الحكم إذا وقع لم يرتفع لارتفاع عليته.
وكذلك في المبسوط لابن نافع أنه إذا مات من عليه الدين المؤجل، فقال ورثته: نأتوا 3 الحميل موسر يضمن عنا الدين إلى أجله، وتقسم التركة.
فإنهم لا يمكنون من ذلك.
وكأنه رأى أن حلول الدين بالموت ضربة لازم فلا يتغير الحكم فيه بزوال علته.
وهذا مطابق لما حكيناه عن ابن القاسم أيضًا من كون طلب العروض في المفلس إذا أراد بقاءها في الذمة فإنه لا يمكّن من ذلك.
وعارض أيضًا هذا كما عارض ابن القاسم فيما حكيناه عنه.
وكأنَّ وجه ما وقع في المبسوط أن من له الدين إنما عامل على ذمة معينة، فالتحويل عنها لا يجب عليه، كما لا يجبر من له الدين.
فدخل 4 على أن يتحول به على رجل آخر.

الجواب عن السؤال الرابع أن يقال: اختلف الأشياخ المتأخرون في الديون إذا كانت من أكرية وهي مؤجلة ففلس المكتري، فهل يحل ما عليه من الكراء أم لا؟ وكثر النزاع بين الحذاق في هذا، ووقفت على تأليف جرى بينهم في هذا.
فكأن بعض أشياخي رأى أن ظاهر المدونة يقتضي حلول الدين، وتعلق بما وقع في المدونة من قوله: إذا فلس مكتري المائة 5 فإن صاحب الدابة أولى

بالمتاع من الغرماء، ويباع للغرماء منافع الدابة.
وظاهر هذا تعجيل حقه في الكراء إذ لا يصح أن يباع للغرماء منافع يأخذونها ويبقى هو طالبًا للكراء من ثمن المبتاعُ 1 إذا بيع للغرماء بعد انقضاء المسافة.
وقال أيضًا فيمن اكترى أرضًا فزرعها ثم فلس: إنه يحاص الغرماء بالكراء.
وظاهر هذا تعجيل الكراء له وإن لم يحل.
وذكر لي بعض أشياخي أن القاضي أبا محمَّد عبد الوهاب وقع له في خلال كلامه في شرح الرسالة أن الدين يحل ها هنا.
وكذلك ذكر لي عن المبسوط.
ولم أقف أنا على هذا في هذين الكتابين فيما أذكر الآن.
لكن عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين لأنه اختلف المذهب فيمن أكرى دارًا خمس سنين بمائة دينار قبضها، فذهب حول بعد قبضها: هل يزكي جميعها كما يزكي ما في يديه من مال لا يخشى استحقاقه عليه أو لا يزكّي سوى عشرين دينارًا، وهي التي تنوب العام الذي تقضّى، ولا يخشى أن يردها على دافعها وما سواها من السنين الأربع الباقية لا يزكيها الآن، لكون الرابع 2 المكترى قد ينهدم فيبطل الكراء، فيجب عليه ردّه.
وهذا مبني على اختلاف في الطوارىء النادرة، هل يلتفت إليها وتعتبر [في] الأحكام أم لا؟.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أما المفلس فلا تحل ديونه المؤجلة لأجل ما حل عليه من ديون هي عليه مؤجلة.
وهذا لا خلاف فيه لكون: أن من له عليهم الدين لم تتغير ذمّتهم التي عاملهم عليها، فيكون له مقال في حلولها، ولكن تباع لغرمائه 3 حال كما يجوز البيع في مثلها.
ولو كانت مما لا تباع أصلًا على حال كطعام أسلم فيه، فإنه

يؤخر إلى أن يحل الأجل فيقضى منه حق الغرماء.
وهذا قد يقال فيه هلا باعه القاضي برأس ماله بمعنى التولية أنه ينظر فيمن يتولاه برأس المال، فيكون ذلك من حق الغرماء ليستعجلوا دينهم.
وهذا يقال فيه: إن التولية قد يتضرر منها وأيضًا فإن السلم إنما يقع ليرتفق المسلم إليه بالثمن المعجل ويرتفق المسلم بالرخص وما يرجوه من حوالة الأسواق في التأخير فإذا قضينا في التولية برأس المال بطل غرض المسلم وأضررنا به في فقد الربح.
ولو كان في يد أحد الغرماء رهن بيديه 1 المؤجل لحل دينه؛ لأنه يرتفع عنه الضرر ويثق بتوصله إلى حقه لأجل الرهن الذي في يده.
فكأن الذمة لم تتغير، بخلاف سواه من الغرماء الذين لا رهن في أيديهم.

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: وتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس يختلف: فمنهم من يتعلق حقه بمال معين.
ومنهم من يتعلق حقه شائعًا في جميع ماله.
فالأول كالبائع يجد عين سلعته على حالها لم تفت، فله الخيار بين أخذها بالثمن الذي باعها به أو تركها والحصاص.
فإن كان قبض بعض الثمن رده وأخذها.
وفي الموت لا رجوع له، بخلاف الفلس، وهو والغرماء أسوة.
والثاني هم سائر الغرماء الذين لا يعرفون أعيان أموالهم، فيستوون في المحاصة.
ثم قال: والصناع إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فأخبرهم 2 فهم أحق بها

في الموت 1. وكذلك مستأجر الأرض للزرع يكون ريّها أحق بالزرع، والسكنى 2.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها: أن يقال: 1 - ما الدليل على كون البائع أحق في الفلس، وأسوة في الموت؟.
2 - وهل تعلق حق غير مشتريها بها يمنع كون بائعها أحقّ أم لا؟.
3 - وما العقود التي يكون صاحب السلعة أحق بها؟.
4 - وما حكم العيب الحادث عند المفلس أو الولد الحادث عنده؟.
5 - وما حكم الثمرة الحادثة عند المشتري؟.
6 - وما حكم ما يضيفه المشتري في التفليس إلى المبيع؟.
7 - وما الحكم في كون البائع قبض بعض الثمن وبقي بعضه؟.
8 - وما حكم التفليس في شراء المنافع؟.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في تعذر استيفاء ثمن السلع المبيعة: هل يوجب للبائع حقًا في فسخ العقد أم لا؟، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب للبائع حقًا في فسخ البيع لا في فلس المشتري ولا في موته، وبه قال النخعي والحسن البصري.

وذهب الشافعي إلى أنه يوجب للبائع حقًا في فسخ البيع إذا كان المبيع قائم العين سواء فلس المشتري أو مات، وبه قال من الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.
ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق.
وذهب مالك إلى التفرقة بين الفلس والموت على حسب ما ذكره القاضي أبو محمَّد، فجعله في الفلس أحق بعين سلعته، وفي الموت أسوة مع الغرماء.
والذي يجب النظر فيه في سبب هذا الخلاف يتبع ما وقع من الآثار وذكر تأويلاتها والترجيح بين ما يؤوّل فيها، ثم النظر في طريق الاعتبار.
فأما الآثار فينبغي أن تعلم أن مدار الحديث الذي تعلق به العلماء في هذا على أبي هريرة، وإن كان قد روى نافع عن ابن عمر والحسن عن سمرة بن جندب نحو ما روي عن أبي هريرة، فخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باع من ثمنه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أُسْوة الغرماء" 1. وأتبع ذلك أيضًا ما رواه يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره" 2. وقد اختلف الرواة في النقل عن أبي هريرة لهذا الحديث فأظهرُها في النقل في النقل ما رواه مالك عن طريق يحيى بن سعيد بإضافة المال إلى رجل منكّر لم يذكر فيه صفة انتقال المتاع إلى من هو بيده.

لكن خرج مسلم في كتابه "فصاحبه الذي باعه أحق به" 1 فبيّن في هذه الرواية صفة كون المتاع في يد المفلس، وأنه مبيع.
وفي بعض الطرق عن أبي هريرة في صفة المتاع في يده فروى عنه قال: "إذا أفلس رجل أو مات فصاحب المتاع أحق به" (3). وهذه رواية للشافعي عمّن حدثه بهذا الحديث 2. لأجل هذا الذي رواه لم يفرق بين المفلس والموت كما صنع مالك.
ولأجل رواية مالك في موطئه ما رواه عن ابن هشام من التفرقة بين الفلس والموت ذهب إلى ما حكيناه عنه من التفرقة.
لكن أصحابنا طعنوا فيما رواه الشافعي وأشاروا إلى القدح في صحته، وأنه لم يثبت عند أهل الحديث.
وأصحاب الشافعي قدحوا أيضًا فيما تعلق به مالك مما رواه عن ابن شهاب بكونه حديثًا مرسلًا لأن أبا بكر بن عبد الرحمن لم يسمع من النبي عليه السلام.
ومذهب الشافعي ترك الأخذ بالمراسيل إلاَّ مراسيل ابن المسيب.
وأجيبوا عن هذا الطعن بأن المالكية والحنفية يقولون بالمراسيل فلا يمنعهم من التعلق بهذا الحديث كونه مرسلًا.
على أنه، وإن كان مرسلًا في أكثر الروايات وأظهرها، فقد رواه عبد الرحمن عن مالك مسندًا عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
وإذا أرسل أكثر الرواة حديثًا وأسنده بعضهم قُبِل المسند وأُخذ به، كما تقبل زيادة العدل في حديث على جماعة رووه، على خلاف بين الأصوليين في هذا الإنفراد: هل يوجب التوقف عن القبول أم لا؟ وهكذا يطعن فيما عول عليه الشافعي في الزيادة التي رواها من قوله: "إذا فلس الرجل أو مات" فإن ذكر الموت ساقط في أكثر الروايات فقبوله ممن انفرد به من الرواة جار على الخلاف الذي ذكرناه بين أهل الأصول.

هذا تحقيق القول فيما ورد من الآثار والإشارة إلى ما يقبل منها وما لا يقبل على اختلاف أهل الأصول.
وأما القدح فيها فقدل بعضهم إن الذي رواه مالك في الموطإ من قوله عقيب ذكر الفلس ((وإن مات الذي ابتاعه فالبائع أسوة الغرماء)) ليس من كلام النبيِّ عليه الصلاة والسلام وإنما هو رأي وهو مذهب أبي بكر بن عبد الرحمن الراوي عطفه على ما رواه عن النبيَّ عليه الصلاة والسلام في المفلس.
وهذا طعن لا ينبغي التشاغل به لأن الراوي إذا قال: قال النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأورد جملًا عطف بعضها على بعض فإن جميعها يحمل على أنه من كلام النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
ولو توقف عن بعض الجمل لأجل تجويز كون الواو للاستئناف أو حرف العطف وأنه من كلام الراوي لبطل أكثر أحكام الشريعة المأخوذة من السنن.
وتعويل هؤلاء على ذكر الموت عقيب ذكر الفلس ساقط في أكثر الروايات لا تلتفت إليه أيضًا، لكون الزيادة من الراوي العدل تقبل على الأصح من مذاهب أهل الأصول.
فلو كان القدح من هذه الجملة لكان راجعًا لما قدمناه من كون القوادح الأُوَلِ المختلف فيها.
وأما حمل ذلك على أنه فتوى من الراوي خلطها بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا ينبغي أيضًا أن يضاف إلى الأئمة الرواة العدول لأن فيه تدليسًا وتلبيسًا في أحكام الشرع، وتغريرًا بمن يأخذ بالحديث المروي، ولا يستحيل 1 خلافه كما يستحيل (1) مخالفة مذهب الراوي، وقد يرى نفسه أفقه منه، وهذا مما لا ينبغي التشاغل به، وإن كان الشافعي من كبار الأئمة طرق إلى هذا الحديث الاحتمال من هذه الجهة لجواز أن يكون من كلام الراوي.
وحاول أبو حامد الإسفرايني تصحيح هذا الذي أشار إليه الشافعي بأن قال: أظن أني رأيت في بعض الروايات: قال أبو بكر: فإن مَات فهو أسوة

جارٍ التحميل