خارجةً عن الأصول؛ واعتذرنا عنها بأنها.
إنما حسن إخراجها عن الأصول لإسنادها إلى يمين النفي، لئلا يلحقه ضرر بتكرير اليمين، فاقتضى هذا كون اليمين على الإثبات تبعًا، ومستندةً إلى تمييز النفي، ومن المستنكر أن يبدأ بالتابع على المتبوع.
وأمّا ما احتج به الاصطخري من بداية الله سبحانه في اللعان بالزوج فقد ينفصل عنه عندي بأن اللعان فيه اختلاف: هل هو قائم مقام الشهادات، ولهذا كرر أربع مرات حتى يكون كأربعة شهود على الزنا، أو قائم مقام الأيمان؟ وإن قلنا: إنه قائم مقام الأيمان، فقد يقال في هذا: إن اللعان إنما ورد به الشرع لحفظ الإنساب، وكون الزوج لا يلحق به ولد ليس من ظهره.
وإذا كان لهذا شُرعَ، وهو مقصود الشرع، فالزوجة كالمدعية على الزوج إلحاق نسب به، وهو ينكره، فلهذا بُدِّىء لكونه مدعىً عليه في النسب.
فلم تخرج هذه المسألة عن الأصول.
هذا الذي يظهر لي، وللنظر في هذا مجال، ولعلنا أن نبسط هذا عند كلامنا على قذف الزوج، ولعانه لنفي الحد لا لنفي النسب، فإن هذا الوجه إذا قيل بأحد القولين فيه تطلبنا انفصالًا آخر عمّا قاله الاصطخري.
أو يقال: إن المقصود في الشرع ما ذكرناه من نفي النسب، وهذا الوجه الذي هو نفي الحد تبع له.
وأما الوجه الثاني وهو الكلام على من يبدأ باليمين من هذين المتبايعين المختلفين، فإن المذهب عندنا على قولين: بدّأ في المدونة البائع باليمين: وفي كتاب تضمين الصناع من المدونة تبدية ورثة المشتري باليمين إذا تجاهلا هم ورثة 1 البائع الثمن.
وهكذا بدّأ في المستخرجة باليمين إذا اختلف هو والبائع في الثمن.
وبتبدئة المشتري قال أبو حنيفة.
والمشهور عن الشافعي تبدية البائع، وهكذا ذكر الشافعي في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار السلم أن البائع، وهو المسلم إليه، يبدأ.
وهكذا ذكر في اختلاف السيد مع عبده في الكتابة أن السيد يبدأ باليمين.
لكن ذكر في اختلاف الزوجين في مقدار الصداق أن الزوج يبدأ.
فبعض أصحابه أضاف إليه قولًا آخر في اختلاف المتبايعين أن المشتري يبدأ باليمين، كما حكينا ذلك على أحد القولين في المذهب عندناة وبعضهم منع من هذا الاستقراء وقال: بأن الشافعي إنما بدأ البائع لأنهما إذا تحالفا رجعت سلعته إليه، فكان أوْلى بالتبدية لرجوع المبيع إليه، والزوجان إذا اختلفا في مقدار الصداق وتحالفا فإن الزوج يقضى عليه بصداق المثل ويبقى البضع له كما بقيت السلعة للبائع بعد التحالف.
وهذا فرق يصح على أصلهم، ولو كانوا يقولون بمذهبنا أنهما إذا اختلفا في مقدار الصداق قبل الدخول تحالفا وتفاسخا النكاحَ، ويبقى البضع على ملك المرأة، على حسب ما كان قبل عقد النكاح، لكان هذا الاستقراء صحيحًا.
وقد وقع للشافعي كلام ذهب بعض أصحابه إلى أنه قول ثالث في هذه المسألة وهو قوله: إن استحلف الحاكم البائع قيل للمشتري: أتقبل منه أم تحلف؟ وإن بدأ بالمشتري قيل للبائع: أتقبل منه أم تحلف؟
وقال بعض أصحابه: هذا لا ينبغي أن يكون يجعل له قولًا ثالثًا؛ لأنه يمكن أن يكون أراد أن يحكم 1 الحاكم بتبدية البائع، وهو مذهبه، قيل للمشتري؛ كذا.
أو حكم بتبدية المشتري، لما كان ذلك مذهبه، قيل للبائع: كذا.
فأنت ترى أن الشافعي ينسب إليه بعض أصحابه ثلاثة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، وتخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما.
وبعض أصحابه ينكر أن يكون له إلا قول واحد، وهو تبدية البائع.
وهذا الذي ينسب إليه بعض أصحابه من تخيير الحاكم يضارع ما ذهب إليه أشياخي من أن الصحيح في هذا أن يقرع بينهما مَن الذي يبدأ منهما؛ لأن
الشافعي إنما ذهب إلى تخيير الحاكم، على ما نسب إليه بعض أصحابه، لكون البائع والمشتري لا مزية لأحدهما على الآخر توجب تبديته.
وكذلك رأى أشياخي أن كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، وليس أحدهما أحق بالتبدية من الآخر، فوجب تخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما.
ورأى أشياخي أن صرف ذلك إلى القرعة أطيب لنفوسهما، وأقرب إلى ما ورد به الشرع في مثل هذا من القرعة في العتق، لما عتق أحد الصحابة ستة أعبد له.
الحديثَ المشهور 1.
فتلخص من هذا أن في المسألة أربعة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، والتخيير، على رأي من ذكرناه، والقرعة على رأي أشياخي.
فأمّا من ذهب إلى التعبدية بالبائع فإنه يرتجح جَنْبة البائع بظاهر الحديث وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، أو يترادان" 2 وظاهر الحديث قبول قول البائع من غير يمين، ومن كان قوله هو المقبول هو المبدأ.
وإنما أثبتنا اليمين بظواهر أُخَر في هذا الخبر وغيره.
وأيضًا فلأن البائع أقدم ملكًا، ومن كان ملكه أقدم وأسبق كان جانبه أوضح.
وأيضًا فإنهما إذا تحالفا رجعت السلعة إلى يد البائع، على حسب ما كانت عليه قبل البيع، ورجوعها إليه بعد التحالف: يشعر بأن جانبه أقوى من جانب المشتري لرجوعها إليه دونه.
وأما من ذهب إلى تبدية المشتري فإنه يرى أن الأصل قبول قوله لكونه مدعى عليه زيادة ثمن بعد إقرار البائع له بانتقال الملك إليه، وإذا اتفقا على انتقال الملك إليه واختلفا في المستحق في ذمة المشتري، فقال البائع: بعتك بعشرة.
وقال المشتري: بل بخمسة.
صارت الخمسة الزائدة كمال انفرد بالدعوى فيه البائع دون المشتري، فيصدق المدعى عليه.
ولهذا ذهب أبو ثور
إلى تصديق المشتري على حسب ما كنا قدمناه 1 لذكره عنه.
لكن فقهاء الأمصار لم يساعدوه على هذا المذهب لأجل ورود الخبر الذي قدمناه.
وإذا كان الأصل قبول قول المشتري أشعر ذلك بأنه أقوى جنبة من البائع، فاستحق لأجل هذا الترجيح أن يقدم على البائع.
ويجيب هؤلاء عن ترجيح جنبة البائع يكون ما له أسبق، بأن المشتري متفق على انتقال الملك إليه، فكان أيضًا أرجح من هذه الجهة.
ويجيبون، عن ترجيح البائع يكون السلعة ترجع إلى ملكه، بإن المشتري أيضًا يبقى الثمن عن 2 ملكه.
فإذا كانت الترجيحات قد تعارضت على ما أريناك استوت 3 مزية البائع والمشتري، فلم يكن أحدهما أحق بالتبدية من صاحبه، فوجب تخيير الحاكم أو القرعة، كما ذهب إليه أشياخي.
فهذا تلخيص المذاهب في هذه المسألة وضبطها وبيان منشأ الخلاف فيها.
وأمّا الوجه الثالث، وهو حكم النكول فلا يخلو من أن ينفرد البائع بالنكول، أو ينفرد المشتري، أو يجتمعان عليه، والسلعة في جميع هذه الأقسام قائمة أو فائتة.
فأمّا انفراد أحدهما بالنكول فإنه يوجب تصديق الحالف، والقضاء له بما حلف عليه بائِعًا كان أو مشتريًا.
وأما اجتماعهما على النكول، والسلغة قائمة، فإن ابن القاسم ذهب إلى أن البيع يفسخ، كما يفسخ إذا تحالفا، إذ لا فرق بين أن يتحالفا فيستويان لأجل اليمين، أو ينكلا فيستويان لأجل النكول، وقد شرع الشرع بأن تساويهما يوجب رجوعهما إلى ما كانا عليه قبل العقد، لكونهما إذا تحالفا تفاسخا، فهكذا يكون حكمهما إذا تناكلا.
وإلى هذا ذهب شريح.
وذكر ابن حبيب أنهما إذا تناكلا كان القول قول البائع؛ ورأى أنه لما كان مقدما على المشتري باليمين عاد الأمر عند نكولهما جميعًا إلى تصديق من بدئ باليمين، كرجل ادعى على رجل بمال، فإن المدعى عليه المبدأُ باليمين على نفي دعوى المدعي، فإن حلف برىء من دعوى المدير، وإن نكل وحلف المدعي استحق ما ادعاه.
وإن لم يحلف المدعي سقطت دعواه، وبرىء منها المدعى عليه، كما يبرأ لو حلف اليمين التي بدّأناه فيها.
وهذا لا يلزم.
وليس هذه القاعدة تطرب إلا إذا كانت اليمين التي بدأت بها أحد الخصمين يفيده إيقاعها بطلان دعوى صاحبه واستحقاقه لما حلف عليه.
والمدعى عليه بمال إذا حلف فقد استقر بيمينه الحكم له ببراءته مما ادعاه عليه الآخر، ولا قدرة للآخر على مقاومة هذه اليمين وردها.
والبائع إذا خالف المشتري في الثمن، وبدأناه باليمين، فإنه لا يستحق بيمينه على المشتري ما ادعاه وحلف عليه؛ لأن للمشتري أن يقاوم يمينَه ويردها، بأن يحلف على صحة ما يقول فتسقط يمين البائع التي يحاول بها استحقاق شيء عليه، فلهذا كان المدعى عليه بمال إذا نكل ونكل المدعي عاد التصديق إليه في كونه بريئًا من الدعوى؛ لأنه لو حلف لاستحق براءته من الدعوى، ولم يقدر المدعي على مدافعته عن هذه البراءة.
فإذا نكل هو والمدعي عاد الحكم إلى ما يحكم به لو حلف اليمين التي بدأنا به فيها.
وكذلك من أقام شاهدًا بمال له على رجل، ونكل عن اليمين مع شاهده، وطلب يمين المشهود عليه، فنكل أيضًا عن اليمين، فإن الطالب يستحق هذا المال من غير مطالبته بيمين؛ لأنه لو حلف أوَّلًا مع شاهده لاستقر له هذا الم الذي ذمة المطلوب، فإذا نكل ونكل المطلوب استحق الحق، وحكم له بالحكم الذي حكم له به لو حلف اليمين التي بدّأناه بهما.
فقد اتضح مخالفة تبدية البائع المخالفِ للمشتري في الثمن باليمين، وهو الذي حكيناه من رواية ابن حبيب من كون البائع يقبل قوله، هل مراده أنه يقبل قوله ويأخذ ما ادعاه من الثمن من غير أن يحلف، أو لا يأخذه إلا بعد اليمين عليه؟ الذي يشير إليه أشياخنا أجمعون: أنه يأخذ الثمن من غير يمين.
وقال أبو الوليد الباجي: لا بد من يمينه؛ جنوحًا منه إلى الطريقة التي ردَدْنا بها ما حكاه ابن حبيب لأجل أن اليمين التي عرضت على البائع أوَّلًا لو أوقعها لم يستحق بها على المشتري الثمن الذي يدعيه، بل أمرها مترقَّب هل يحلف المشتري فلا تفيده يمينه شيئًا، ولأجل ترقب عدم هذه الفائدة 1 يقع التشاح في من يبدأ باليمين؛ لأن كل واحد من المتبايعين قد يريد أن يؤخر رجاءَ أن ينكل صاحبه فيحلف هو يمينًا تفيده تصديقه والقضاءَ له بمضمون ما يدعيه.
وإذا كانت هذه اليمين يترقب رفع حكمها بيمين المشتري لم يلحق باليمين التي يستقر الحكم بإيقاعها ولا يترقب ارتفاعه.
وإذا كانت لو أُوقعت لم توجب على المشتري غرامة ما يدعيه موقعها، فكذلك إذا نكل عنها ذلك أَوَّلًا لا توجب على المشتري غرامة ما يدعيه الناكل؛ لأن إيقاعها آكد في تصديقه من النكول عنها، فإذا لم يستفد لإيقاعها غرامة المشتري ما يدعيه لم يستفد بالنكول عنها.
وهذه الطريقة التي سلك أبو الوليد الباجي مقتضية 2 من الطريق الذي رددنا به قول ابن حبيب.
فإذا حمل على ابن حبيب مخالفة هذه الطريقة التي نبهنا عليها، وحمل عليه أنه يُجري الدعاوي كلها مجرى واحدًا فيحكم بتصديق المبدّأ باليمين، ولا فرق بين يمين توقع يترقب رفع حكمها، أو يمين توقع لا يترقب رفع حكمها، اقتضى هذا أن يصذق البائع إذا تناكلا جميعًا، من غير أن يطلب منه يمين، على حسب ما صورناه في مدع ومدعى عليه تناكلا، أو رجل قام له شاهد فنكل عن اليمين هو والمطلوب.
ولو لم يسلك هذه الطريقة ويُجري هذه الدعاوى مجرى واحدًا في حكم النكول لوجب عليه أن يقول بما قاله ابن القاسم: إن البيع يرد، لأجل ما نبهنا عليه من الفرق بين هذه الدعوى وغيرها من الدعاوي.
وقد كنا ذكرنا لك قبل هذا اختلاف أصحاب الشافعي في
يمين البائع والمشتري، هل يطلب من كل واحد منهما يمين على النفي إذا نكلا عنها جميعًا طلب من كل واحد منهما يمين على الإثبات، على حسب ما بيناه فيما تقدم.
فعلى هذه الطريقة يصح ما قاله أبو الوليد الباجي، ولكن تكون صورة اليمين الأولى أن يحلف كل واحد فنهما على النفي فإذا تناكلا استُحلفا بعد ذلك على الإثبات، على حسب بيناه فيما تقدم.
وما أحد من أهل المذهب يقول ها هنا بتكرير اليمين على البائع، وقد قدمنا أن البائع إنما أضاف إلى يمين النفي يمين الإثبات لأجل ما يتوقعه من الضرر بتكرير اليمين إذا نكل المشتري.
فإذا كانت العلة عند أهل المذهب في استحلافه على الإثبات قبل نكول المدعى عليه رفع الضرر عنه بتكرير اليمين عليه من الحرص على تقليل الأيمان ما أمكن، كانت هذه العلة تنقض على أبي الوليد قولَه؛ لأنه إذا طلبه باليمين بعد تناكلهما جميعًا صار تكرير اليمين على الإثبات بعد أن قدمها مخافة ألا يتكرر عليه، وهذا كالمناقض، وإن ما لاح لأبي الوليد ما قدمناه من كون هذه اليمين مترقب ارتفاعها فلا توجب غرامة لو أوقعت فأحرى أن لا توجب غرامة إذا لي توقع ونكل عنها.
وقد بينا عزْوَ أهل المذهب في تقدمتهم هذه اليمين، وأن العلة عندهم خوف التكرار، وأن الحالف لما وجب أن يقدم في يمين النفي أُسند إليه يمين الإثبات فصار ذلك كجزء من يمين النفي وصار بمعنى واحد.
وإذا كانت يمين النفي تفيده البراءة، وهذه اليمين التي أسندت إليها تفيده الإثبات، واستحقاق الطلب بحكم إسنادها إلى يمين النفي، وجب أن يجري مجرى الأيمان التي لو أوقعت لم يقدر على رفعها بيمين أخرى.
وهذا الذي قلناه في رد ما ذهب إليه أبو الوليد الباجي واضح لمن تأمله.
وقد قدمنا أن مراعاة الأشبه مع قيام السلعة فيه الاختلاف الذي ذكرناه.
وأمّا مع فوتها فإنه لا خلاف فيه عندنا أنه يراعَى دعوى الأشبه، فإذا فاتت السلعة في يد المشتري صُدق في مقدار الثمن إن ادعى ما يشبه، فإن ادعى ما لا يشبه صُدق البائع في مبلغ الثمن الذي ادعى، إن ادعى أيضًا ما يشبه.
فإن ادعيا جميعًا، البائع والمشتري، ما لا يشبه، تحالفا وقضي على المشتري بالقيمة، وتكون
القيمة بدلًا من العين يجب ردها إذا كانت قائمة وادعيا ما لا يشبه، وقد تحالفا وتناكلا.
ولو ادعيا جميعًا ما لا يشبه، مع فوت السلعة، ونكل أحدهما عن اليمين ولم ينكل الآخر، يقضى للحالف منهما بما ادعاه وإن كان ذلك مِمَّا لا يشبه، ذكر ذلك ابن مزين عن مالك.
ووجهه أن الناكل قَدَر أن يحلف، وينفي عن نفسه طلب الآخر، فلما نكل عن اليمين ومكّن الآخر منها صار كالراضي بما ادعاه الحالف، وإن كانت دعوى الحالف لا تشبه.
ولو نكلا جميعًا عن اليمين، مع فوت السلعة في يد المشتري، وقد ادعيا ما لا يشبه، فإن الواجب على مقتضى الأصول التي قررناها القضاء بقيمتها.
ورأى ابن أبي زمنين أنه يتخرج في ذلك من الخلاف بما كنا قدمناه من تناكل المتبايعين، والسلعة قائمة، أن ابن القاسم يقضي بنقض البيع، وابن حبيب ذكر عن مالك أن البائع يصدق لكونه قد استحق أن يبدّأ به قياسًا على سائر الدعاوي في تصديق المبدّأ باليمين على حسب ما كنا بسطنا القول فيه، ودفعنا ابن حبيب عن قياسه على سائر الدعاوي لكون اليمين ها هنا التي بدَّأنا بها يترقب دفعها بيمين الآخر، فكذلك يجب ها هنا إذا تناكلا مع فوت السلعة وقد ادعيا ما لا يشبه أن يكون الواجب ردَّ القيمة بدل العين، على مذهب ابن القاسم، ويكون الواجب تصديق المشتري المبدإ باليمين مع فوت السلعة ها هنا، على ما حكاه ابن حبيب.
وهذا التخريج مما يفتقر إلى بسط؛ لأنه إذا ادّعيا ما يشبه، والسلعة قائمة، استحق البائع أن يبدّأ باليمين، لظاهر الحديث على حسب ما قدمناه.
فإن ادعى ما لا يشبه فقد صارت دعواه مدفوعة بكونه ادعى ما لا يشبه، ولم يستحق أن يحلف على هذه الدعوى التي لا تشبه، وهذا مما يفتقر إلى بسط.
وأما الوجه الرابع وهو بيان زمن الفسخ إذا تحالفا، فإنه اختلف فيه عندنا: هل يقع الفسخ بنفس التحالف، كما ذهب إليه سحنون، أوْ لاَ يقع إلا بحكم، لقول ابن القاسم: إذا تحالفالأولم يحكم بالفسخ فللمشتري قبولها بما ادعاه البائع.
وبعض أشياخي يحكي قولًا ثالثًا وهو وقوع الفسخ بتراضيهما عليه.
وفائدة هذا الاختلاف تمكين أحد المتبايعين من الرجوع إلى تصديق صاحبه، وإلزامه موجب ما ادعاه.
فإذا قيل: إن الفسخ يقع بنفس التحالف لم يكن للمشتري أن يقبل السلعة بما قال البائع، ولا للبائع أن يُلزِم المشتري السلعَة بما قال المشتري.
وإن قلنا: إن الفسخ لا يقع إلا بحكم، كان للبائع أن يرجع إلى تصديق المشتري، وللمشتري أن يرجع إلى تصديق البائع ما لم يقع الحكم بالفسخ، أو يتراضيا به على القول الثالث الذي أشار إليه بعض أشياخي.
وقد أشار بعض المتأخرين في مقتضى ظاهر كلامه على هذه المسألة التي أبقى كل رواية على ظاهرها، فقال: إذا تحالفا كان للمشتري أن يقبل بما قال البائع قبل وقوع الحكم على مذهب ابن القاسم.
وأشار إلى أن المشتري إنما كان له ذلك لقوة جنبته، ولظاهر الخبر الذي نذكره.
وحكى عن محمَّد بن عبد الحكم أنه يقول: للبائع بعد التحالف أن يرجع إلى تصديق المشتري، على حسب ما حكاه عنه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في نوادره، وأشار إلى أن البائع كان له الخيار، قبل أن يحلف، في إلزام المشتري البيع بما ادعاه، فلا يسقط هذا الخيار الثابت له بتحالفهما.
والذي عليه الحذاق من أصحابنا وأصحاب الشافعي أن هذه الفائدة التي أشرنا إليها تطّرد في البائع والمشتري.
فإن قلنا: إن الفسخ يقع بنفس التحالف كان ذلك في حق البائع والمشتري، وإن قلنا: لا يقع حتى يقع بحكم الحاكم به، كان ذلك في حق البائع والمشتري أيضًا، ووجه هذا: أن الاختلاف للتنازع في ظاهر الخبر وطرق العبرة فأما الخبر فإنه قال عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان ولا بينة لكل واحد منهما والسلعة قائمة تحالفا وترادا" 1 فأمر بالترادد، وأمْره بذلك يقتضي الوجوب، والرد هو النقض للعقد، فلولا أنه منتقض بنفس التحالف لما أوجب النقض.
ويجيب الآخرون عن هذا بأن المراد به أنهما يستأنفان بعد التحالف والفسخِ ردَّ السلعة وردَّ الثمن، ويستدلون على ما
يقولون بالرواية الأخرى: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وللمبتاع الخيار" 1 فقد جعل المشتري بالخيار بعد التحالف.
وهكذا نص الشافعي فقال: "إذا تحالفا فللمبتاع أن يقبل بما قال البائع.
ولعل هذا الذي 2 عن بعض المتأخرين الذي أشرنا به حتى قال ما ظاهره يقع الفسخ بعد التحالف على البائع دون المشتري.
وبعض أصحاب الشافعي يذهب إلى أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد فتفتقر إلى حكم، كالطلاق بالعنة، وعدم النفقة.
وبعضهم يرى أنه يقع الفسخ بعد التحالف بفسخ أحدهما، كابرد بالعيب؛ لأن هذا العقد دخل فيه نقض، لكون البائع ممنوعًا من الثمن، وكون المشتري ممنوعًا من البيع، فصار ذلك كالعيب الموجود فيما حصل في يد كل واحد من المتبايعين، (والعيب إذا وقع على صفة ما ذكرناه بل يكتفي في نقض بالبيع بفسخ من يده السلعة المعينة) 3. ومن ذهب من أصحابنا إلى وقوع الفسخ بنفس التحالف قاس على اللعان الذي يقع بنفس تلاعن الزوجين، وهو أيمان كهذه الإيمان الواقعة بين المتبايعين.
ويحتج أيضًا بأن البائع لما حلف فقد حقق صدقه بيمينه، فكذلك المشتري حقق صدقه بيمينه، فصار من 4 الثمن مجهولأوجهالة الثمن توجب فسخ البيع.
وهذا الاستدلال لا يصح لأن كل واحد منهما لو أقام البينة على صحة ما يدعيه لتحقق صدقه بما يقيم من البينة، ثم مع هذا لا تكون إقامة البينة المقتضية صدقه توجب جهل الثمن المقتضي فسخ البيع، وهذا واضح.
وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يشير إلى رفع الخلاف الواقع عندنا ويقول: لو قام 5
المشتري والبائع قبل يمينهما إنا إنما نحلف لتنتفي الريبة عن أنفسنا، ونزيل الشك في صدقنا؛ فإنه لا ينفسخ الييع بنفس التحالف الواقع على هذا.
ولو قدما أنهما يتحالفان لينفسخ البيع لا نفسخ بنفس التحالف 1 (فعلى كل واحد من المذهبين صرف كل منهما إلى ما لا يليق بمذهبه) 2.
وأمّا الوجه الخامس، وهو بيان حكم الفسخ إذا وقع ها هنا، هل يقع ظاهرًا وباطنًا أو ظاهرًا خاصة، ففيه اختلاف.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا.
وزاد بعضهم مذهبًا ثالثًا فيه وهو أن البائع إن كان ظالمًا وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن، لأجل أنه يعتقد أن السلعة التي رجعت إليه بعد التحالف هو في إمساكها عن مشتريها منه ظالم غاصب، لكون المشتري ممكن 3 له من الثمن الذي يعلم أنه باع به، فلم يقبله منه، ومسك سلعته غصبًا وتعديًا، والغاصب لا يحل له التصرف فيما غصب.
وإن كان البائع مظلومًا انفسخ البيع في الظاهر والباطن لكون البائع قد مُنع من الثمن، ولا يلزمه تسليم سلعته بغير ثمن، وقد ردها المشترى عليه، فصار بردها كناقض حقه في عقدها، فتعود إلى ملك البائع ظاهرًا وباطنا.
وفائدة هذا الخلاف أن الفسخ إن وقع في الظاهر والباطن حل للبائع التصرف فيها بما شاء من وطء وعتق وبيع وغير ذلك.
وإن وقع في الظاهر خاصة لم يحل للبائع التصرف فيها بعتق ولا وطء؛ لأنه وطء لملك غيره، وعتق لملك غيره، وهو يقول: لي قِبَل المشتري دين منعني منه، وقد عثرت له على سلعة، فلا يمكّن من أخذها عوض دينه، لكن يمكن من بيعها في الدين الذي له عليه.
فإن سَوِيَتْ مثلَ الثمن الذي له عليه فلا كلام، وإن سويت أقل من ذلك ففي 4 بقية الثمن دينًا له عليه، وإن سويت أكثر من ذلك رد الفضلة عليه.
وبين أصحاب الشافعي اختلاف: هل يبيع ذلك بنفسه، لأجل تعذر الرفع للحكام في مثل هذا، أو يتولى الحاكم البيع عليه؟ والأشبه بظاهر مذهبنا نحن أن نرفع للحاكم فيتولى البيع عليه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد أشرنا إلى العذر في تقدمة الكلام على حكم الاختلاف في الكمية قبل الكلام على الاختلاف في الماهية.
فاعلم أن المتبايعين إذا اختلفا في ماهية المبيع، فقال المسلم: أسلمت إليك في بُرّ، وقال المسلم إليه: بل أسلمت في تمرْ أو قال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير، فإن مالكا رضي الله عنه ذهب إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولو كان اختلافهما عند حلول أجل السلم.
وذكر أبو الفرج في الحاوي عن مالك رضي الله عنه مثل ما ذكرناه ها هنا.
وذكر أن عبد الملك قال: إنهما لا يتحالفان لأنهما اتفقا على جنس واحد، إذا كان اختلافهما ما بين حنطة وشعير.
وتقييده نقل الخلاف عن عبد الملك في أحد المثالين اللذين مثلنا بهما بقوله: وقال عبد الملك إذا اختلفا، فقال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير.
ولم يحك ذلك عنه إذا اختلفا في تمر وحنطة، مع تعليله ما ذهب إليه: بأن اختلافهما في قمح أو شعير اتفاق منهما على جنس واحد يقتضي أنه لا يخالف مالكًا رحمه الله فيما ذهب إليه إذا اختلفا في جنسين متباينين كبُرّ وتمرْ.
والتحالف والتفاسخ في اختلافهما في جنسين لم يختلف فيه أحد من أصحاب مالك رضي الله عنه لكن شيخنا أبا محمَّد عبد الحميد يخرج في هذا اختلافًا من قوله في المدونة، في صبّاغ صبغ لرجل ثوبًا أسود، فقال صاحب الثوب: إنما أمرتك أن تصبغه أحمر أن القول قول الصباغ، ولم يقل: يتحالفان ويتفاسخان، مع كون محصول اختلافهما أن الصباغ يقول: إنما بعتك نيلا، وهو الذي صبغتُ به ثوبك، ويقول صاحب الثوب: إنما اشتريت منك عُصفُرًا أمرتك أن تصبغ به ثوبي.
وهذا الذي ذكره في المدونة، في مسألة الصباغ، يوجب أن يكون اختلاف المسلم والمسلم إليه في برّ أو تمر، يصدّق المسلم إليه فيما ذكر أنه عليه.
وهذا الذي خرجه رحمه الله فيه نظر، وذلك أن الصباغ لما أسلم إليه الثوب وأمر بصبغه صار مؤتمنًا على ما يفعل فيه، مصدق فيما ادعاه من الصِّباغ، كما صدق في أحد القولين مالك المشتريَ في مبلغ ثمن السلعة، إذا سلمها البائع إليه.
وعلّل ذلك بأنه اؤتمن على ما دفع إليه، مع كون صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديًا قد يوجب عليه غرامة قيمة الثوب، والأصل براءة ذمته، فلم يقبل قول صاحب الثوب في دعواه دينًا في ذمة المشتري كما لم تقبل دعواه، على الرواية المشهورة، إذا فاتت السلعة ووجب على المشتري غرامة الثمن في إلزام المشتري غرامة ما يدعيه عليه؛ وكما قيل، في الوكيل إذا قال: أمرتني أن أشتري لك تمرًا، وقد فعلت.
وقال الموكل: بل برّا... إنه لا يصدف الموكِّل لأنه يدعي إيجاب غرامة على الوكيل، والأصل براءة ذمته، على ما سيرد بيانه في كتاب الوكالات.
وأما عبد الملك فإنه إنما استلوح ما ذهب إليه، في اختلاف المتبايعين، في هل كان السلم في قمح أو شعير؛ فإنما صار إلى ذلك لأنه لما رأى أن التفاضل بين القمح والشعير لا يجوز، استشعر من ذلك أنهما كصنف واحد اختلف المسلم والمسلم إليه هل عقد السلم على جيد ذلك الصنف أو رديئه، ولا معنى لاعتبار حكم الربا ها هنا لأن عِلل الربا غيرُ علل التداعي.
وإنما وجب التحالف والتفاسخ في الجنسين لأن المتبايعين لم يقر أحدهما بما ادعاه عليه الآخر من انتقال الملك فإذا قال المسلم: أسلمت إليك في برّ، وقال المسلم إليه: بل في تمر.
وقال: بعتك هذه الجارية بمائة دينار.
وقال الآخر: بل اشتريتها بمائة قفيز بر.
فصاحب الجارية يدعي أن ثمنها دنانير أو عَرْض غير البر، والمشتري لم يقرّ له بذلك، فصار بمنزلة رجل قال لآخر: بعت منّي ثوبك، ويقول صاحبه: لم أبعه، فإن القول قول المدعَى عليه البيعُ
إجماعًا.
فقوله في مسألتنا: وكذلك المشتري يدعي على البائع ما لم يقر له به، فإذا قال البائع: بعت جاريتي منك بثوبك، وقال المشتري: بل بعبد.
وهكذا فإن البائع لم يقز له بانتقال الملك عن الجارية إلا بشرط أن يعطيه ثوبه عوضها، فلا يلزم نقل ملكه بجنس أمر 1 غير الجنس الذي أقر بأنه إنما باع به.
وإذا اختلف الجنسان فلم 2 يقع اتفاق في نقل الملك، ولا على انعقاد البيع؛ بخلاف الاختلاف في مقدار الثمن فإنهما اتفقا على جنسه وعلى مبلني مّا منه، وانفرد البائع بطلب غرامة المشتري زيادة على المبلغ الذي اتفقا على جنسه واستحقاق البائع له.
وكذلك في السلم إذا قال المسلم: أسلمت إليك في تمر.
فإنه يدعي على المسلم إليه أنه باع منه تمرًا، فلا تقبل دعواه، ويدعي المسلم إليه أنه اشترى منه برًّا فلا تقبل دعواه.
وإذا تقرر أن المذهب التحالف والتفاسخ في هذا، فسواء قيام السلعة فيه وفوتهما، لأجل ما بيناه من كون هذين المتبايعين لم يتفقا على جنس، ولا على انتقال ملك، لبهن يجب رد القيمة ها هنا مع فوت السلعة المقبوضة.
وقد قال في المدونة: إذا قال بعتك جاريتي بمائة دينار، وقال المشتري: بل اشتريتها منك بخمسين دينارًا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن فاتت الجارية قضي على المشتري بقيمتها يوم قبضها.
وتنازع الأشياخ في هذه اللفظة هل هي متأولة أم لا؟ فذهب ابن شبلون إلى إبقائها على ظاهرها، ورأى أن القيمة التي يقضى بها، في هذا الاختلاف، يعتبر فيها يوم القبض، سواء كان التنازع في جارية أو عرض آخر سواها.
ورأى الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن القيمة إنما تعتبر يوم العقد، لكن الجارية لما كانت فيها المواضعة أشار فيها إلى يوم القبض، وهو خروجها من المواضعة، وإن تقدم العقد أيامًا.
وإلى هذا التأويل ذهب الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمن،
وذكر أنه ناظره الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في مجلس الشيخ أبي الحسن بن القابسي رضي الله عنهم في هذه المسألة.
وسبب هذا التنازع الذي وقع بين هؤلاء الأشياخ أنه قد تقرر أن البيع الصحيح إذا وجب رد العرض فيه، وقد فات، فإنما تعتبر فيه القيمة يوم العقد؛ لأن يوم العقد تحقق انتقال الملك، فيطلب قيمة الملك الذي انتقل إليه إذا لم يقدر على رده لفوته.
وتقرر أيضًا أن البيع الفاسد لما كان لا يجب إمضاؤه بل يجب نقضه ورده، ولم يتقرر فيه انتقال الملك انتقالًا محققًا، فاعتبر فيه يوم القبض ووضع اليد عليه، فاعتبر فيه قيمة ما وضَع عليه يده يوم وضعه يدَه وقبضه له.
فقد رأى الشيخ أبو القاسم بن شبلون أن هذين المتبايعين لما اختلفا في جنسين تضمن ذلك كون الملك لم ينتقل على حسب ما صورناه أو لا، وإذا لم يتحقق انتقاله اعتبر فيه يوم القبض كالبيع الفاسد.
ورأى الشيخ أبو محمَّد أنه لما كان عقدًا لا فساد فيه، ولو رجع أحدهما إلى تصديق الآخر لم يمنع من ذلك ونفذ البيع بينهما، اعتبرَ في القيمة يوم العقد كما يعتير في العقد الصحيح.
وإذا تقرر أن الحكم في اختلاف المتبايعين في جنسين التحالفُ والتفاسخ، فإنه لو حلف أحدهما ونكل الآخر، لكان الحالف يقضى له بما حلف عليه.
لكن اعتبر الأشياخ ها هنا حق الله سبحانه فيما نهى عنه من أحكام الربا، وبيع الطعام قبل قبضه وما كان في معنى ذلك، فأَمَروا المقضيَّ عليه أن يتحيَّل على تخليصه 1 من الربا وما في معناه مما حرم.
وإذا 2 اختلفا في قمح وشعير، والمكيلة فيهما سواء، وقد حل الأجل، فإنه إذا كان الحالف مَن له السلم قضي له بما حلف عليه، وحلّ للآخر أن يعطيه أن 3 يقول: إنه لا يستحقه لأن المبادلة في مثل هذا، قمحًا بشعير كيلًا واحدًا، سائغ.
ولو كان
اختلافهما في هذين الجنسين، والمكيلة مختلفة، فزعم المسلم أنه أسلم في مائة قفيز قمحًا-.
وقال المسلم إليه: بل في مائتي قفيز شعيرًا، فإنه إذا حلف المسلم كان على المسلم إليه أن يخرج من ذمته الشعير، الذي يزعم أنه هو الذي له عليه، ويبيعَه ويشتري بثمنه قمحًا فيسلّمه للمخالف عليه.
فإن تخلص، فيما باع، من خسارة أو ربح فلا كلام، وإن لم يوفّ ثمنُ الشعير الذي باعه بالقمح الذي يزعم أنه عليه أُمر أن يُكمل للحالف ما بقي له من القمح.
وإن باع الشعير بزيادة على ما يشترى له به القمح، وُوقِفَتْ هذه الزيادة حتى يطلبها مستحقها، فإن لم يطلبها، وسلمها 1 تُصدِّق بها عنه.
وقد قدمنا في كتاب السلم الأول ما يجوز أخذه عن الأطعمة المسلم فيها إذا حل الأجل، وإذا لم يحل، فمن هناك تعلم ما يجوز له أن يدفعه للحالف وما لا يجوز له أن يدفعه فيؤمر ببيعه، على حسب ما فصلناه.
وراعى الأشياخ في هذا حق الله سبحانه في التخليص 2 من الربا وغيره مما يحرم في هذه المعاوضات وَالمبادلات، ولم يلتفتوا إلى النظر في العهدة، وكون ما علم المسلم إليه إذا بيع فقد يضيع الثمن فيتكلف خسارة أخرى، وكذلك إذا حلف المسلم إليه ونكل المسلم أمر المسلم أيضًا يأن لا يأخذ ما حلف عليه المسلم إليه بل يبيعه ليتخلص من الربا، ويشتري بثمنه ما يدعيه، على حسب ما فصلناه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
المعروف من المذهب أن اختلاف المتبايعين في كيفية المسلم فيه، بأن يقول المسلم: أسلمت إليك في مائة قفيز قمحًا طيبًا من جنس كذا.
ويقول المسلم إليه: بل دنيئًا.
وقد اتفقا في جنس القمح، أنهما يجري أمرهما على ما قدمناه من اختلافهما في الكمية، بأن يقول أحدهما: بعتك ثوبي هذا بعشرة
دراهم.
ويقول الآخر: بل بتسعة دراهم.
وجميع ما جرى من اختلاف الروايات عن مالك مما بيناه هناك، يجري ها هنا.
لكن ربما وقع إشك الذي بعض المسائل: هل يعود اختلافهما إلى جنسين، أو إلى صفة الجنس الواحد، كما كنا قدمنا مذهب مالك وعبد الملك، في اختلافها في قمح وشعير، أن مالكا ذهب إلى التحالف والتفاسخ، لكون الشعير 1 ها هنا جنسين.
وذهب عبد الملك إلى أنهما كجنس واحد، واختلفا في جودته أو دناءته.
وكذلك اختلف أصحابنا أيضًا في اختلاف المتبايعين في سمراء ومحمولة، فذهب ابن حبيب إلى أن هذا الاختلاف يعود إلى اختلاف في صفة المسلم فيه فكأن من قال: أسلمت في سمراء، قال: أسلمت في قمح جيّد؛ ومن قال: إِنما السلمَ على محمولة؛ قال: إنما أسلم إليّ في قمح دنيء.
وقد كنا قدمنا عنه أنه يقول في السلم الفاسد إذا فسخ: لا بأس أن يأخذ محمولة من سمراء.
وهذا قد يشير به إلى أنهما كصنفين، إن كان يمنع بعد الفسخ أخذ الصنف بعينه الذي وقع الفسخ فيه.
وذهب فضل بن سلمة إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وحمل بعض الأشياخ عليه أنه يرى هذا الاختلاف كاختلاف في جنسين، ويمكن أن يكون سلك في هذا طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في الاختلاف في مقدار الثمن، وإن فات المبيع.
ونقل هذا عن فضل بن سلمة بكلام يوهم أنه كذلك يقول: لو كان اختلافهما: هل وقع السلم في سمراء جيدة أو وَسَطة؛ وهذا النقل إنما يصح على ما أشرنا إليه بأنه سلك طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في مقدار الثمن وإن فات المبيع.
ولو كان اختلاف المتبايعين، وقد وقع السلم في الخيل، هل وقع عقد السلم على ذُكْرانِها أو إناثهلالكان هذا اختلافًا في جنسين، لكون الأنثى تراد للنسل، والذكر لا يراد له.
ولو كان هذا الاختلاف في بغال، لكان اختلافهما
في الذكررية والأنوثية اختلافًا في الصفة والجودة والدناءة؛ لأن الأنثى لا تراد للنسل.
وهذا ينحصر الفقه فيه إلى مقتضى العوائد، وما يتعارف الناس في مثل هذا.
وإنما ذكرنا هذا لأنه أنموذج لهذه المسائل.
وبالله التوفيق.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أن كل معنى يؤدي إلى الاختلاف في المثمن حكمه حكم الاختلاف في الثمن.
قال: وذلك كاختلاف المتبايعين في الأجل، واشتراط.
رهن، أو حميل، أو يقول: أحدهما اشترطت الخيار، ويقول الآخر: أنا اشترطت الخيار دونك، أو عقدنا البيع بتْلا.
وهذا الذي مثل به فيما 1 يؤدي إلى الاختلاف في الثمن الصحيح.
لكن قوله: في اختلافهما في شرط الخيار، ووقوع البيع بتلا، مما يفتقر إلى تحقيق، وهو النظر فيما يختاره مدعي الخيار، هل الإمضاء؟ فيوافق دعوى من يدعي البتل، فلا يفتقر إلى يمين، أو يختار رد البيع، فيختلف هل يكون القول قولَه، أو قولَ من يدعي البتل، على ما يدعي.
سيبسط الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن اختلاف المتبايعين في الأجل، لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتفقا على أن البيع وقع إلى أجل محدود، واختلف في هذا الأجل، هل تقضّى أم لا؟ و 2 يختلفان في مقدار الأجل، هل شهر أو شهران؟ أو يختلفان في نَفيه أصلًا، أو ثبوته، فيقول البائع: بعت على أن آخذ الثمن حالًا.
ويقول المشتري: بل إلى شهر.
فأمّا القسم الأول، وهو اتفاقهما على مدة الأجل واختلافهما هل تقضّى أم لا؛ فإن القول فيه قول من أنكر تقضّيَه؛ لأنا نعلم أن هذا الاختلاف بينهما يرجع
إلى الاختلاف في زمن العقد متى كان؟ ولو اتفقا على زمن العقد؛ لأنكرت العقول عليهما اختلافهما في تقضيه؛ فإذا قال البائع: وقع العقد في أول يوم من شهر شعبان، والثمن يحل إلى شهرين.
وقال المشتري: بل إني أدفع إليك الثمن بعوإنقضاء شوال.
مع موافقته له على أن البيع انعقد إلى شهرين.
عُلِم أنه كَذَب في قوله: إن الأجل لم ينقضِ إذا استهل هلال شوال.
وإن قال البائع: وقع العقد في أول شعبان والأجل شهران.
وقال المشتري: بل في أول رمضان والأجل شهران.
كان القول قولَ المشتري؛ لأن الأصل أن لا معاملة.. بينهما فيما مضى من غيرهما 1، فهما باقيان على هذا الأصل مستصحبان له، حتى يثبت أنهما تعاقدا هذا البيع في زمن معلوم، ببينة، أو بإقرار، فيزول حكم استصحاب الحال.
وأما القسم الثاني، وهو أن يختلفا في مقدار الأجل مع اتفاقهما على ثبوته واشتراطه في أصل العقد على الجملة؛ فإن هذا الحكمُ فيه كالحكم في الاختلاف في الثمن، يجري فيه من الاختلاف ما قدمناه من الروايات عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
فيتحالفان إذا كانت السلعة في يد البائع، وإن فاتت بالقبض جرى ذلك على الاختلاف هل القبض فوت فيصدّق المشتري، كما روى ابن وهب في هذه المسألة بعينها في اختلافهما في الثمن؛ ويراعى في الفوت مع القبض أن يَبِينَ بالسلعة، أو يتغير سوقها أو ذاتها، على ما مضى بيانه، فيصدق المشتري في مقدار الأجل مع حصول الفوت، على الاختلاف المذكور فيه، أن ادعى ما يشبه.
وهذا لم يختلف فيه المذهب، وكذلك مذهب الشافعي أجرى هذه المسألة على حكم الاختلاف في الثمن.
وخالف في ذلك أبو حنيفة: أن التحالف والتفاسخ مختص بالاختلاف في الثمن، وأما هذه الصفات الملحقة بالعقد التي لا تثبت فيه إلا باشتراط القول، فالقول قول من نفاها لكون حقيقة البيع لغةً وشرعًا تحصل، وإن لم يشترط أجل
أو ضمين أو رهن، فمن ادعى تغير هذه الحقيقة وإضافة شرط إليها لم يقبل قوله، وكان الأصل أن يصدق المشتري في مقدار الثمن، على حسب ما كنا قدمناه.
لكن ورد الخبر المتقدم ذكره وبيانه، فنقلنا عن مقتضى هذا الأصل والقياس، فلا يبعد ما اقتضاه الخبر.
نجيب عن هذا بأن قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع وللمبتاع الخيار" 1 يقتضي عمومه إجراء هذا الحكم في سائر الاختلافات، على اختلاف أنواعها، إلا ما خصه دليل.
وإن زعموا أن هذا اللفظ مجمل لا يحتج به، قلنا: بل هو عموم.
فإن قالوا: هو عموم من جهة المعنى لا من جهة الصيغة؛ لأنه لم يقل: كل مختلفين في أمر أو في حكم، أو في شيء، فيدعَى العموم في هذه اللفظة التي هي: أمر أو شيء أو حكم؛ ولكنه لما قال: "إذا اختلف المتبايعان" ولم يذكر ما اختلفا فيه نصًّا ولا عمومًا، صار من ناحية العموم في المعاني.
قيل لهم: جماعةٌ من الفقهاء يقولون بالعموم في المعنى كما يقولون به في الصيغ.
فإن قالوا: مرور الزمن ليس بثمن ولا في معنى الثمن، فلا يجب إلحاقه بالاختلاف في الثمن.
قيل لهم: الصبر على المشتري حتى ينقضي الأجل هو الذي له رخصة 2 من الثمن.
فالاختلاف في الأجل اختلاف في هذه الحصة، فجرى الحكم على الاختلاف في الثمن.
وإن قالوا: لو ادعى البائع شرط البراءة من العيوب حين العقد، لم يتحالفا، وكان البائع مدعيًا؛ فكذلك الأجل، إذا ادعاه المشتري.
فأما بعض أصحابنا فأشار إلى الفرق أن الأصل في الشرع القيام بالعيوب، وهو من مقتضى العقد، فمن ادعى خلاف هذا الأصل وخلاف مقتضى العقد، كان عليه الإثبات.
وبعض أصحاب الشافعي يرى أن دعوى الشرط بالبراءة من العيوب الباطنة في الحيوان التي يجوز اشتراط البراءة منهلالو اختلفا فيه لتحالفا كما يتحالفان في الاختلاف في الأجل.
وأما القسم الثالث، وهو دعوى البائع انعقاد البيع على كون الثمن حالًا، ودعوى المشتري أنه إلى شهر.
فإنه ذكر في تضمين الصناع من المدونة أنهما يتحالفان مع قيام السلعة؛ وإن فاتت صدق البائع في دعواه الحلول.
وفي رواية غير يحيى تصديق المشتري مع الفوت.
وذكر في كتاب الوكالات وكتاب الرهن من المدونة تصديق المشتري مع الفوت، إذا ادعى حدًا قريبًا لا يتهم فيه.
وهكذا قال ابن القاسم في كتاب الرهن: إنه يقبل قول البائع في دعوى الحلول.
وقد قدمنا لك اختلاف المذهب في مراعاة دعوى الشبه إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة.
وأما مع الفوت فيراعى دعوى الشبه، فكأن من صدق البائع في الحلول رأى أن من ادعى الحلول هو الذي ادعى ما يشبه فيصدّق، ومن لم يصدق رأى أن البيع يكون حالأوإلى أجل فيجري الأمر فيه على الاختلاف في الثمن مع فوت السلعة.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد قدمنا أن اشتراط تعيين المكان الذي يقبض فيه السلم ليس بشرط في صحة عقد السلم.
فإن اتفق المتبايعان على أنه اشترط في العقد القبض في بلد بعينه، فإنه يقضى على من عليه السلم بتسليمه في البلد الذي وقع فيه 1 العقد، على ما قدمنا بيانه.
وإن اتفقا على أن العقد وقع على شرط تعيين بلد، واختلفا في البلد المشترط، فلا يخلو أن يدعي أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، أو يدعي كل واحد منهما اشتراط بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد.
وإن ادعى أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، وكان ذلك بقرب زمن العقد، تحالفا وتفاسخا؛ لأن (الاختلاف في مقدار الأجل) 2 على حسب ما بيناه.
ويجري في ذلك من الخلاف جميع ما قدمناه في أنواع الفوت، ومراعاة دعوى الشبه مع عدم الفوت؛ والاختلاف في ذلك لأجل أن مدعي موضع العقد ادعى ما يشبه، فإن وقع الفوت بطول الزمن، على المذهب المشهور المذكور في المدونة، صُدّق من ادعى موضع العقد، إن كان هو المسلم إليه، من غير خلاف عندنا.
وإن كان مدعى موضع العقد المسلم، ففيه قولان: ففي المدونة أنه يصدَّق.
وذهبَ سحنون إلى أنه إنما يصدق الغارم، وهو الذي عليه السلم، وإن كان مدعيًا لغير بلد العقد.
وسبب هذا الاختلاف في هذا الوجه دون ما قبله، أنه إذا ادعى المسلم إليه موضع العقد، وهو الغارم، فقد قوي جانبه من وجهين: أحدهما: كونه غارمًا، والغارم هو المدعى عليه.
والثاني: كونه ادعى ما يشبه، ودعوى ما يشبه توجب تصديق من ادعاه ها هنا.
فصار له ترجيحان، حتى إذا كان مدعي بلد العقد المسلمَ افترق هذان الترجيحان، فترجح جنبة المسلم إليه بكونه غارمًا، وتترجح جنبة المسلم بكونه ادعى ما يشبه وهو موضع العقد، فحسن ها هنا الخلاف؛ فرجح في المدونة المسلم لأجل انفراده بدعوى الشبه، ورجح سحنون المسلم إليه بكونه غارمًا.
وإن ادعى كل واحد منهما انعقاد السلم على القبض ببلد غير بلد العقد فإن المشهور من المذهب أن القول قول الغارم إذا ادعيا جميعًا من البلاد ما يشبه أن يُشترط قبض المسلم فيه.
وذهب أبو الفرج في الحاوي إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
فمن ذهب إلى أن القول قول الغارم رجح جانبه بكونه غارمًا، ومع الفوت يصدق الغارم.
وأما أبو الفرج فيمكن، عندي، أن يكون ذهب في هذا إلى طريقة أشهب، وهي التحالف والتفاسخ مع فوت المبيع، وهذا إذا ادعى كل واحد منهما بلدًا يشبه أن يشترط قبض السلم فيه، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
ولا يمكن أن يقال ها هنا ما قلناه في اختلافهما في مقدار المكيلة المسلم فيها، إذا ادعيا جميعًا ما لا يشبه فيها: إنهما يحملان على الوسط من سلم الناس،
على أحد القولين، كما قدمنا ذكر هذا، وذكْرَ الخلاف فيه لأجل أن البلاد كثيرةٌ، وكلُ بلد منها حكمه في نفسه يشبه اشتراط قبض المسلم فيه، كحكم بلد آخر في محاذاته، أو قريبًا منه.
والمكيلة مقدار الأسعار فيها معلوم، فإذا رُدَّ إلى الوسط من أسعارها حُملا على أمر معلوم.
وقد تقدم بيان هذا.
وقد قيل في الآجال: إذا تداعيا فيها ما لا يشبه، كما قيل في اختلاف الأمكنة التي لا يشبه القبض فيهالأولكن المعروف في اختلافهما في الأجل أن يحملا على الوسط من الأجل، لكون الأثمان يستدل بها من جهة الأسعار على مقدار الأجل، ويعرف الوسط منها.
ولو اتفقا على أنهما اشترطا بلدًا معينًا، وتراضيا عند حلول الأجل على قبض الطعام ببلد آخر تلاقيا به، فإن اشترط قابض الطعام أن يأخذ مع المكيلة التي له على الذي عليه السلم زيادةَ دراهم أو عرض، فإن ذلك لا يجوز، لكونه بيعَ الطعام قبل قبضه لما باع المكيلة التي له في الذمة بمثلها وزيادة دراهم، أو عرض عليها، مع التفاضل بين الطعامين، مع تقدير النساء في بيع هذين الطعامين، وهو مسافة ما بين البلدين.
وإن تراضيا على المكيلة مجردة من زيادة عليها، فإن ابن المواز وابن حبيب ذكرا إجازة ذلك.
وذكر أبو القاسم بن الكاتب أن الأشبه أنه لا يجوز، لكون اختلاف مسافة البلدين، وأسعارهما كزيادة مقبوضة مع الطعام الذي أخذ ببلد غير البلد الذي تعاقدا على القبض فيه، فلهذا امتنع في اشتراط قرض الطعام أن يدفعه مسلفه في غير البلد الذي قبضه فيه، لما تقرر من كون العمل في المسافة التي بين البلدين كزيادة مشترطة في السلف.
وإن لم يحل الأجل فلا يجوز التراضي بأخذ ذلك ببلد آخر، لكون التهمة ها هنا في حصول الزيادة متأكدة لكون الأجل لم يحل، ولم يلزم المسلم إليه أن يدفع السلم، فكأنه إنما يطوع لأجل حمل مؤونة المسافة.
وذكر بعض الأشياخ أنه لا فرق بين حلول الأجل وكونه قد حل، وقد نبهنا على الفرق بتأكد التهمة إذا لم يحل الأجل، وضعفها إذا حل.
ومما يلحق بالكلام على اختلاف المتبايعين في مكان القبض اختلافهما في جنس المكيلة.
فقد ذكر ابن حبيب أنهما إذا اتفقا على أن العقد وقع على مائة قفيز قمحًالأولم يشترط كل واحد منهما عيار بلد بعينه، إنهما يحملان على المكيلة التي يُكتال بها بالبلد الذي وقع العقد به.
وإن قال المسلم: بل شرطت مكيلة بلدي، وقال المسلم إليه: بل مكيلة بلدي.
فإن القول قول الغارم وهو الذي عليه السلم، وهذا لأجل أن هذا، الاختلاف يفضي بهما إلى اختلاف في مقدار المسلم فيه، هل هو مائة قفيز أو تسعون قفيزًا.
وقد قدمنا أن القول قول الذي عليه السلم إذا وقع الاختلاف بعد زمن العقد.
وكان بعض أشياخي يرى حملها على مكيلة البلد الذي اشترط قبض الطعام فيه، وهذا لأجل أنه يراه مقتضى العرف والعادة، وبالجملة فالمسألة راجعة إلى ما بسطنا القول فيه في اختلافهما في مقدار المسلم فيه.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
اختلاف المتبايعين في التسليم على وجهين:
أحدهما: أن يختلفا من الذي يبدأ بتسليم ما عنده.
والثاني: أن يختلفا: هل وقع التسليم أو لم يقع.
فأمّا الوجه الأول، وهو تشاحهما فيمن يبدأ بالتسليم فإن هذه المسألة لا أعرف فيها نصًّا جليًّا لمالك ولا لمن تقدم من أصحابه.
لكن أبا حنيفة ذهب إلى أن المشتري يُجبر أن يبدأ بتسليم الثمن، فبعد تسليمه إياه يستحق قبض السلعة المبيعة.
وذهب الشافعي في الأظهر من كلامه إلى أن البائع يجبر على أن يبدأ بتسليم السلعة، فإذا أسلمها استحق قبض الثمن.. ومن أصحاب الشافعي من يضيف إليه قولين آخرين: أحدهما أنه لا يرى جبر هذا ولا هذالأولكن يُعرِض الحاكم عن النظر بينهما، كأنهما لم يتبايعا، ويمنعهما من التشاجر والتخاصم.
حتى إذا تطوع أحدهما بأن يبدأ بالتسليم وسلّم ما عنده قضى على الآخر بتسليم ما عنده.
والثاني: أن الحاكم يقبض الثمن والمثمون، ثم يسلم لكل واحد منهما ما يستحقه، ولا يبالي بمن يبدأ به منهما.
وأبو حامد الإسفراييني تردد في هذا النقل: هل ثبتت عن الشافعي هذه الثلاثة مذاهب أو لا يثبت عنه إلا البداية بجبر البائع على التسليم؟ وتردد في هذا الاحتمال كلام الشافعي.
فقد صار الخلاف بين هذين الإمامين هل يبدأ بالمشتري ويجبر على التسليم كما قاله أبو حنيفة، أو يبدأ بالبائع فيجبر على التسليم كما قال الشافعي في المذهب الذي اتُّفق على إضافته إليه؟ وأما مذهبنا نحن فإن ابن القصار قال: الذي يقْوَى في نفسي جبر المشتري على البداية بتسليم الثمن أو إعراض الحاكم عنهما، كما قال الشافعي في أحد أقواله، ومال إلى أن البداية بجبر المشتري، كما قاله أبو حنيفة أقوى.
وأما شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله، فإنه كان يرى أن المذهب عندنا على قولين:
أحدهما: البداية بجبر المشتري على التسليم، كما قاله أبو حنيفة.
ويخرج هذا من كون الزوج مجبورًا عندنا على دفع الصداق قبل أن تمكنه المرأة من نفسها، وهو المشتري لمنافع البضع.
ويخرج ما قاله الشافعي من البداية بجبر البائع على التسليم، من قوله في المدونة: إذا اختلف المكتري وصاحب الدابة في تعجيل الكراء وتأخيره ولم يكن بينهما شرط ولا عادة، فإنه يقضى على المكتري أن يدفع لصاحب الدابة بقدر ما سار.
وهذا يقتضي البداية بالبائع في دفع السلعة، قبل أن يقبض الثمن الذي هو الكراء.
ونازع في هذا شيخنا أبو الحسن اللخمي فقال: إن المكتري ها هنا إنما لم يلزم بتعجيل الكراء قبل أن يركب، لأجل أنه لا يمكن أن يقسط الكراء على كل خطوة، لما في ذلك من الحرج والجهل بحقيقة التقسيط وأقل ما يقسط
الكراء على يوم يوم، يلزم المكتري أن يدفع نقدًا عند طلوع الشمس ويتأخر قبض العوض عنه إلى آخر النهار.
بخلاف إذا كان العقد على سلعة معينة يمكن تسليمها، وقبض الثمن بعد تسليمها في الحال، من غير تراخ، فإنا إذا أجبرنا المشتري على البداية بالنقد، على مذهب من ذهب إلى هذا، لم يكن في ذلك ضرر ولا إسقاط للمساواة بين البائع والمبتاع.
بخلاف جبر المكتري على دفع كراءٍ وعوضُه يتأخر قبضه.
وهذا هو مدافعة لشيخنا أبي محمَّد عن استقرائه 1، فيه نظر.
ولشيخنا أن يقول: إذا جعلت في هذه المسألة خصوصًا دون غيرها من عقود البياعات، لأجل أن المشتري إذا أجبرناه على الوزن تأخر قبض عوض ما يوزن، وهذا لا سبيل إليه، فهلا عكستم هذا؟ وقيل أيضًا: لا يلزم ربَّ الدابة أن يقطع بالمكتري مسافة يوم، وما قطعه في أول النهار يتأخر قصد عوضه، فهذا التعليل - لما وقع في المدونة، ينقلب كما بيناه، وإذا انقلب عدل عنه إلى أن العلة في هذا كون البائع يبدأ بالتسليم في هذا وفي غيره، لأجل العلل التي نذكرها في توجيه هذا المذهب.
ويذكر هذا أنه قد تقرر أن من باع سلعة بثمن إلى أجل فإنه ليس له حبس السلعة حتى يحِلَّ الأجل ويَقبض الثمن؛ لأنه لم يدخل على ذلك، لأجل 2 ما رضي به من التأجيل وقد أخذ عوض الصبر، فالثمن فيه زيادة على بيع النقود، فكذلك ها هنا المكتري قد علم أن ما اشتراه من المنافع لا يقبض دفعة واحدة بل يقبض شيئًا فشيئًا، فليس من حقه قبض الكراء حتى يفرغ آجال المشتري من المنافع.
وهذا يولد ضعف الاعتماد على ما أشار إليه شيخنا أبو الحسن من الفرق لما أريناك من كون النظر يقتضي البداية بتقديم المشتري في دفع الكراء قياسًا على بيع سلعة بثمن إلى أجل، فإن المؤجل يتأخر والمنقود يبدأ بتسليمه.
وقد أشار أبو الحسن المعروف باللخمي إلى طريقة أخرى فقال: إن المحتبسة بالثمن، إنما وقع الخلاف في ضمان البائع لها، وأن المبيع مما لا يغاب عليه، كعبد أو دابة، لأجل أن البيع يختلف فيه، هل هو مجرد العقد، أو البيعُ التقابضُ بعد العقد؛ فإن قلنا: إن البيع مجرد العقد كان الضمان من المشتري، لكونه (لم يقبض) 1. وإن قلنا: إنه التقابض لم يضمن المشتري ما احتبسه البائع من الثمن، لكونه لم يقبضه.
فمتى قلنا: إن البيع هو مجرد العقد جبر البائع على تسليم السلعة، لحصول حقيقة البيع فيها، ثم يجبر المشتري على إخراج الثمن الذي وقع العقد عليه في ذمته.
وإن قلنا: إن العقد هو التقابض حسن في ذلك ما قدمناه من الاختلاف بمن يبدأ بالتسليم، ويرى أن المتبايعين لا مزية لأحدهما على الآخر، وإذا لم يترجح أحدهما على الآخر ولم يكن له عليه مزية لم يتقدم أحدهما على صاحبه، ويؤمران بأن يخرج المشتري الثمن العين من ذمته فينقد ويوزن، ثم يمد يده به إلى البائع، ويمد البائع سلعته ويتقابضان معًا.
وهذا الذي ذكره هو النظر الصحيح إذا لم يكن لأحدهما على الآخر مزية ولا ترجيح، لكن يبعد تصور ذلك وخروجه إلى الوجود؛ لأنهما إذا تلاقت أيديهما فقد لا تمكن المساواة في التقابض في أضيق زمن، وقد يقول أحدهما: أزل يدك عن ثوبك قبل أن أزيل يدي عن كيسي.
ويقول الآخر: بل أنت تزيل يدك عن كيسك قبلُ.
وتصوّر تقابضهما معًا من غير سبق بحركة من الحركات في التسليم يبعد.
ولكن إذا بعُد هذا ولم يتصور، وثبت الأمر به لأحدهما على الآخر، كانت القرعة أَوْلى، كما قدمناه في اقتراع المختلفين في اليمين: من يبدأ منهما؟ ولكنه مع هذا قال: ولو كان المبيع عقارًا فأخلاه من شواغله بائعه، ورفع يده عنه، لكان برفع يده يستحق قبض الثمن.
وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن رفع يده عنه تمكينَ المشتري من قبضه، فإن
لم يمكنه فإنه لم يرفع يده، وإن مكّنه فقد برأ 1 بالتسليم، وهو غاية المقدور عليه في تسليم العقار وما لا ينتقل.
واختار أنه لو كان التعاقد على سلعة بسلعة لم يكن بدّ من تقابضهما معًا، إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
وقد أشار أبو حامد الإسفراييني إلى هذا الذي أشار إليه شيخنا من التفرقة بين أن يكون بيع السلعة بعين أو بسلعة أخرى، فقال: إذا كان المبيع سلعة بسلعة فإنه لا يتصور فيه ما حكيناه عن الشافعي من البداية بالبائع؛ لأن كل واحد من هذين بائع، لكن إنما يتصور فيه القولان الآخران، وهما إعراض الحاكم عن النظر ليهما، أو قبض العوضين منهما، على حسب ما بيناه من مذهب الشافعي.
واعلم أن مدار الخلاف في هذه المسألة على اعتبار ترجيح أحد المتبايعين على الآخر، فإن لم يكن ترجيح فليس إلا التقابض معًا كما قاله شيخنا أبو الحسن إن أمكن ذلك، على بعد إمكانه، أو القرعة بينهما.
وإن ترجّح أحدهما على الآخر قضي له على الآخر، فمن ذهب إلى ترجيح جنبة البائع وقضى له على المشتري بأن يبدأ المشتري بالدفع إليه يقول بأن البائع يقول: من حقنا أن تساويَ بيننا، وسلعتي المبيعة قد تعينت، وها أنا أسلمها، وما في الذمة من الثمن لم يتعين، وإن عينه في يده فله إبداله فلا يتعين إلا بتسليمه إليّ.
وهذا يقتضي ما ذهب إليه أبو حنيفة من البداية بالمشتري في التسليم.
ومن رجّح جنبة المشتري جبر البائع على التسليم أوَّلًا، ويقول: إن المشتري يزعم أن السلعة التي اشترى قد ملكها، وتعين حقه في عَينٍ معينة، وحق البائع عليه شيء في الذمة لم يتعين، فلا يؤخر عنه قبض ما تعين حقه فيه، فإذا لم يؤخر عنه قبض ما تعين حقه، وجب أن يبدَّأ بالبائع، ويقضَى على
المشتري بالثمن الذي لم يتعين حين العقد.
وأما من ذهب إلى إعراض الحاكم عنهما، فإنه يرى أنه لما لم يترجح جانب أحدهما على الآخر لم يصح القضاء لهذا على هذا، فأبقاهما على المشاركة، ومنعهما من المشاجرة، كما لو ادعى رجل على آخر بدين فنكل المدعَى عليه عن اليمين، وردها على المدعي فنكل، فإنهما يتشاركان، ويمنعهما الحاكم من المشاجرة والخصام 1.
وعلى هذا الأسلوب جرى من ذهب إلى قبض الحاكم منهما الأعواض، ثم تولّي الدفع أوَّلًا لمن شاء منهما، لكون أحدهما لا مزية له على الآخر.
فصرف الخيار إلى الحاكم بعد قبضه ما في أيديهما جميعًا حتى يتساويا في الدفع إليه، ثم يخير هو فيمن يبدأ به.
هذا بيان اختلافهما فيمن يبدأ بالتسليم منهما.
وأما لو اختلفا: هل وقع التسليم والقبض أو لم يقعا، فإنه لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن ينكر المشتري تسليم البائع السلعة المبيعة إليه؛ أو ينكر البائع قبض ثمن ما باعه.
فأما إن أنكر المشتري قبض السلعة المبيعة، فإن القول قوله، إذا لم يقع إشهاد بينهما على كون الثمن في ذمة المشتري؛ لأن على البائع التمكين من المبيع وتسليمه لمشتريه.
والأصل كونه غيرَ فاعل لهذا، فإذا زعم أنه قد فعله فعليه إثباتٌ.
وأما إن وقع الإشهاد على المشتري بالثمن، فإن في ذلك قولين: المشهور منهما أن البائع مصدق في دفع السلعة.
وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أن البائع لا يصدق في دفع السلعة.
وهو ظاهر مذهب ابن أبي ليلى.
وهذا الذي قاله محمَّد بن عبد الحكم هو طرف التعليل الذي قدمناه؛ لأنا ذكرنا أن على البائع التمكينَ من المبيع والتسليم له.
وإن ادعى أنه فعله فعليه
إثبات ذلك.
وهذا التعليل جار في كون المشتري قد أُشهد عليه الثمنُ، على حسب ما هو جار في 1 إذا لم يشهد عليه بالثمن.
ومن ذهب إلى تصديق البائع يعتلُّ بأن الظاهر في العادة أن المشتري لا يسامِح بالإشهاد على عمارة ذمته بالثمن، وكونه مطلوبًا به، إلا وقد قبض السلعة التي هي عوض ما أشهد به على نفسه.
فأصحاب هذا المذهب إنما انتقلوا على هذا الأصل الذي قررناه لأجل اعتقادهم كون العادة ما ذكرناه، ولم تثبت عند الآخرين هذه العادة، فأبقوا الحكم على الأصل الذي قدمناه.
وإذا قرر هؤلاء أن التسليم يصدَّق فيه البائع ها هنا، إذا وقع الإشهاد على المشتري بالثمن، لدلالة العادة على صدقه، فإن في المستخرجة تصديقَه في ذلك، ويحلف على أنه سلم السلعة، إذا كان هذا التنازع بفور البيع.
وأما إن أخر المشتري طلب السلعة حتى طال، أو حلّ أجل الثمن، فإنه لا يمين على البائع، وقدّر أن المشتري إذا لم يطلب السلعة المبيعة، إلا بعد طول زمن وقت 2 العقد، فإنه تبين كذبه في أنه لم يقبضها واتضحت العادة الدالة على كذبه فوق اتضاحها إذا أشهد على نفسه بالثمن وطلب السلعة بفور البيع.
وهكذا ذكر ابن حبيب عن مالك وأصحابه في إشهاد البائع على نفسه بقبض الثمن، ثم عاد يطلبه، واعتذر عن الإشهاد على نفسه بقبض الثمن؛ لأنه وثق بالمشتري أنه لا يمنعه إياه ولا يجحده، أنه لا يمين على المشتري لكون البائع ادعى ما أكذبته فيه البينة التي شهدت على إقراره بقبض الثمن.
لكن ابن حبيب رأى اليمين على المشتري إذا ظهر سبب أو تهمة، وإن كان البائع قد أشهد على نفسه بقبض الثمن، لإمكان صحة ما اعتذر به عن ثقته بالمشتري مع وجود سبب أو تهمة تؤكد صحة اعتذاره.
وفي الموازية وإلزام المشتري اليمين على دعوة البائع؛ وكأنه قدر اعتذاره يشبه ويليق.
هذا حكم إنكار المشتري قبض السلعة المبيعة.
وأما إنكار البائع قبض الثمن، فإن الأصل في هذا المعتمد عليه ما كنا أشرنا إليه من استصحاب الحال، وكون ذمة المشتري عامرة بدين وهو الثمن، والأصل أنه لم يدفعه، ولا خلت ذمته منه، فإن ادعى أنه قد دفعه فعليه إثبات ذلك.
لكن أيضًا اتفق المذهب ها هنا على اعتبار حكم العادة، فصدق المشتري فيما العادة التبايع فيه بالنقد في الأسواق، كالخبز والزيت والبقل، وغير ذلك مما يباع على النقد.
فإذا تسلم المشتري المبيع، وبأن به، صدق في دفع الثمن بشهادة العادة له بصدقه، وأنه لا يمكّنه البائع من فراقه بعد القبض للمبيع إلا وقد دفع إليه الثمن.
وهذا لم يختلف فيه المذهب لاتضاح العادة الدالة عليه.
لكن اختلف ابن أبي زمنين ويحيى بن عمر في هذا الجنس الذي يباع فيه قليله بالنقد، لو اشترى منه الكثير هل يصدق المشتري في دفع الثمن، كما صدق في القليل أم لا؟ فذهب ابن أبي زمنين إلى تصديقه.
وذهب يبيح ابن عمر إلى أنه لا يصدق.
وهذا منهما اختلاف في شهادة بعادة فلو اتضحت العادة، بأن الكثير من الخبز والزيت والبقل لا يباع إلا بالنقد، كما يباع القليل من ذلك، لما اختلفا فيه.
وأمّا ما سوى هذا مما يباع على غير النقد، فإن القول قول البائع أنه لم يقبض الثمن، لما قدمناه من كون ذمة المشتري عامرة بالثمن، ولا بينة له على البراءة، ولا عادة تشهد وتصدقه، فوجب مطالبته بإثبات ما ادعاه من البراءة من الثمن المتقرر في ذمته، وهذا ما لم يطل الزمن بعد العقد طولًا تشهد العادة بكذب البائع في أنه لم يقبض الثمن، فيصدق حينئذ المشتري لشهادة العادة له.
والتحقيق أن هذا الطول غير محدود ولا مقدر إلا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات، ومن اختلاف أجناس التجارات.
وإن كان ابن حبيب ذكر عن مالك أن الحيوان والعقار بخلاف البَزّ وغيره مما يباع على التقاضي.
فرأى أن العام والعامين في الحيوان والرقيق طول يشهد بصدق المشتري في دفع الثمن.
وذكر عن ابن القاسم أنه ساوى بين العقار والحيوان والبز، ورأى أن البائع مصدق في أنه لم يقبض الثمن وإن طال الزمان، إلا أن يطول طولًا كثيرًا لا يجوز البيع إليه، فإنه لا يصدق البائع حينئذ.
وهذا كله مداره على ما قدمناه من اعتبار العوائد فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات فيه إذا كانت العادة في بعض البلاد بخلاف مقتضى هذه الروايات لأنها مبنية على شهادة بعادة وهذا واضح.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: لها 1 اختلاف المتبايعين في الأحكام بأن يدعي أحد المتبايعين صحة العقد، ويدير الآخر فساده.
فإنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة على الإطلاق.
ولم يفرق بين كون هذا الاختلاف يتضمن اختلافًا في الثمن أوْ لا يتضمنه، بل ذكر، في اختلافهما في السلم هل ضربا له أجلًا أم لا؟ وهل تأخر قبض رأس المال أو تقدم بشرط أم لا؟ أن القول قول مدعي الصحة.
وحمل الأشياخ ما وقع في المدونة على أن هذا الاختلاف لم يتضمن اختلافًا في الثمن، وإنما وقع بينهما اختلاف في صحة العقد أو فساده خاصة، مثل أن يقول أحدهما: عقدنا البيع يوم الجمعة والإمام يخطب، أو ما في معنى ذلك مما لا ينصرف الاختلاف فيه إلى الثمن.
ونوقضوا في هذا بأنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة وإن اختلفا: هل تأخر رأس مال السلم بشرط أو لا؛ وهذا يتضمن كونهما مختلفين في الثمن لأن اشتراط تأخير رأس المال يخالف اشتراط انتقاده في مقدار الثمن.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن هذه المسألة تحمل على أن اختلافهما في هذا وقع بعد أن فاتت السلعة، ونحن إنما قلنا أن القول قول مدعي الصحة لأنه ادعى
الأشبه؛ لأن الغالب في بياعات المسلمين الصحة، ومن ادعى الأشبه من المتبايعين صدّق مع فوت السلعة من غير خلاف، كما قدمناه قبل هذا في موضعه.
وإنما اختلف المذهب في تصديق مدعي الأشبه مع قيام السلعة، فالأكثر على أنه لا يصدق، بل يتحالفان ويتفاسخان.
وقال عبد الملك بن الماجشون: بل يصدق من ادعى الأشبه.
واختلف هذان 1 هل اشترطا في عقد السلم تأخير رأس المال أو لم يشترطاه، وإنما وقع عند حلول الأجل، وحلول الأجل في المسلم جرى مجرى الفوت في السلع المعينة، كما قدمناه.
وأما لو كان اختلافهما في هذا في فور عقد السلم لتحالفا وتفاسخا، على حسب ما قدمناه من إيجاب التحالف والتفاسخ مع قيام السلعة عند من لا يراعي الأشبه.
وأمّا من يراعيه فسواء عنده قيام السلعة وفوتها.
وهذا الذي ذكروه هو مقتضى أصل المذهب في الاختلاف في الثمن تصريحًا أو ضمنًا، على حسب ما قدمناه في موضعه، ونبهنا عليه من كون مراعاة دعوى الأشبه تجب مع فوت السلعة من غير خلاف.
واختلف فيها مع قيام السلعة.
وإذا اتضح أن العلة في تصديق مدعي الصحة كونه ادعى الأشبه، لأجل أن البياعات الصحيحة هي الغالب في بياعات المسلمين فقد كان شيخنا رحمه الله يذهب في هذا إلى أن بعض أجناس البياعات لو غلب على المتعاملين فيها الفساد لصدق مدعيه.
ونستشهد على هذا بأنه قد صدق الزوجة، إذا أرخى الزوج عليها الستر، أنه وطئهالأولو كان ذلك في نهار رمضان الذي لا يحل الوطء فيه، لمّا كان الغالب كون الستر لا يرخى على الزوجة إلا وهو مبادر إليها وإلى جماعها.
وهكذا قيل في المغارسة إذا غلب على أهلها التعاقد على الفساد أنه
يصدق من ادعاه.
وهذا الذي قاله صحيح على مقتضى أصل المذهب الذي قررناه مرارًا من الاستشهاد بالعوائد.
وقد نص ابن المواز على أنهما إذا اختلفا في الصحة والفساد، وفي مقدار الثمن، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا هو الذي قدمناه عن المشهور من المذهب أنه لا يراعي دعوى الأشبه في الاختلاف في الثمن مع قيام السلعة، فأجراهما ابن المواز ها هنا على حكم الاختلاف في مقدار الثمن خاصة، مع اتفاقهما على صحة العقد، مع كون دعوى الأشبه لا تعتبر كما بيناه.
وقد وقع بين الأشياخ تنازع في هذا الذي قاله ابن المواز، فبعضهم رأى أنه مذهب صحيح، وهو البخاري على أصل المذهب، وهو الذي يدل على صحة عموم الحديث، وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع" الحديث الذي تقدم ذكره مرارًا.
ولم يفرق في هذا الحديث بين كون أحدهما ادعى مع هذا صحة أو فسادًا بل ذكر البداية بالبائع عمومًا.
وخالفه غيره في هذا، ورأى أن أصول الشرع تقتضي الطرد عن الأيمان عند التخاصم والتحاكم، ما أمكن، لئلا يكون من ألزمناه اليمين كاذبًا، فيحمله على الإثم.
فإذا كان البائع المخالف من الثمن هو مدعي الفساد وجب أن يبدأ به، أخذًا بعموم الحديث.
فإن حلف استحلف المشتري وانفسخ البيع بتحالفهما، وإن بدّأ بالبائع المدعي للفساد، على ظاهر الحديث، فنكل، حلف المشتري وصح البيع بالثمن الذي ذكر، ولم يفسخ.
وإن نكلا جميعًا فسخ البيع على حسب ما قدمناه في بيان حكم تناكلهما جميعًا.
وأمّا إذا كان البائع هو مدعي الصحة والمشتري هو مدعي الفساد، فإنا نبدأ ها هنا بالمشتري لأنه إن حلف فسخ البيع بمجرد يمينه من غير مطالبة للبائع باليمين؛ لأنه لو طلبناه بها فحلف فلم يفده إلا فسخ البيع، وفسخ البيع قد ثبت بيمين المشتري عليه، فلا يحسن إذا حلف المشتري المدعي للفساد أن يطالب البائع بيمين لا تفيد شيئًا، ويدعى إلى ما هو لغو غير مفيد، وقد يكون فيه آثمًا إن كان كاذبًا.
فلما تصور ها هنا أن البداية بمدعى الفساد، بائعًا كان أو مشتريًا،
يقتضي ألا يحلف سواه، إذا كان ذلك أولى من البداية بيمين من ادعى، استحلفنا غيره.
وهذا الذي نصره الشيخ أبو إسحاق.
ورأى غيره أن الأولى البداية بمدعي الصحة؛ لأنه قد ينكل عن اليمين فلا يحلف، فينفسخ البيع، حلف مدعي الفساد أو نكل، فيكون نكول مدعي الصحة مقتضيًا إسقاط اليمين عن الآخر، يحصل من هذا تقليل الأيمان كما قدمناه.
ولكن قدرها الشيخ أبو إسحاق من جهة وقوع اليمين مِمَنْ بدأنا به.
وقدرها غيره بنكول من بدأنا به، فحصل التقليل من الأيمان، ولكن هل بيمين أحدهما أو بنكوله؟ هذا الذي وقع فيه التنازع.
فصل ألحقناه لأجل ما توخيناه من الجري على ترتيب المدونة، وهو الكلام على الوكالة على السلم.
ثم الكلام على تعدي الوكيل.
وكانت الرتبة تقتضي تأخير هذا الكلام إلى كتاب الوكالات حق ذكرنا عذرنا في تقدمته ها هنا.
والكلام في الوكالات على السلم يشتمل على ستة أسئلة منها أن يقال:
- من المطلوب برأس مال السلم: الوكيل أم الموكل؟
- وهل يصح عقد السلم على كون الثمن مترددًا بين ذمة الوكيل والموكل؟
- وهل يجوز توكيل من ليس بمسلم؟
- وهل يباح للوكيل أن يسلم لنفسه أو لمن يتهم فيه؟
- وهل يتقيد مطلق الوكالة بالعادة؟
- وهل للوكيل أن يوكل غيره؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الوكالة على السلم جائزة، كما تجوز في سائر عقود المعاوضات ثم لا يخلو الوكيل من أن يصرح بأنه وكيل على العقد خاصة والثمن مطلوب به الموكِّل، أو يصرح بأن الثمن عليه، أوْ لا يصرّح بأحد الوجهين.
فإن صرح بأحد الوجهين قضي بموجب تصريحه من براءته من الثمن أن اشترط البراءة منه، أو إلزامه إياه إن اشترط التزامه.
كذلك المسلم فيه الذي
وكِّل على عقْدِه.
هكذا ينقسم الأمر في الوكالة على المعاملة بالنقد، فإنه إن وكل على بيع سلعة كان له قبض ثمنها، وإن وكل على شرائها، وأخبر البائع أنه وكيل لغيره، فإن ابن المواز رأى أن مجرد إخباره بأنه وكيل لغيره، أو أنه اشترى السلعة لغيره لا تسقط عنه المطالبة بالثمن.
وذكر أنه إذا قال البائع 1: فلان بعثني لأشتري له هذه السلعة منك.
فإن هذا لا يبرىء الوكيل من الثمن.
قال: لأنه يقول له البائع: أنت مشترٍ منّي، ولا أبالي هل شراؤك لنفسك أو لغيرك.
وذكر في المبسوط عن مالك: أنه إذا وجد البائع الدراهم زيوفا أنه لا يلزمه بدَلُها، وإنما يطالب بالمال الموكّلَ، إذا كان قد أخبر الوكيلُ البائعَ أنه إنما اشترى لغيره.
وهذا يقتضي عند بعض أشياخنا أن المذهب على قولين في مطالبة الوكيل بالثمن إذا لم يصرح بالتزامه ولا بالبراءة منه.
ورأى أن هذا الاختلاف ينبني على الاختلاف في البيع هل هو العقد بمجرده أو هو التقابضُ العِوَضِيُّ.
وعلى هذا أجرى اختلاف قول مالك في ضمان العبد المحتبس بالثمن، هل يضمنه المشتري؛ لأن البيع هو العقد، وقد حصل، أو لا يضمنه؛ لأن البيع هو القبض، وهو لم يحصل.
فكذلك يختلف في مطالبة الوكيل بالثمن.
فإذا قيل: إن البيع هو العقد، فقد نجز ما وكِّل عليه، وفرغ منه؛ لأنه إنما وكّل على البيع، وقد حصل.
وإن قلنا: إن البيع هو التقابض، فإن الوكيل يُطلب بالثمن؛ لأنه لا يحصل ما وكل عليه وعَقَده إلا بالتقابض.
وهو 2 الذي أسند إليه هذا الاختلاف في المحتبسة بالثمن في هذه المسألة لا يستقيم، إذا اعتبر بحقائق الأصول.
وسنبسط الكلام على هذا عند كلامنا على المحتبسة بالثمن، وذكرنا لما ذكره الشيخ أبو الحسن بن القابسي رحمه الله من كون الخلاف فيها مبنيًا على ضمان الحيوان، وما لا يغاب عليه في الرهبان، ولما ذكره غيره من الأشياخ من كون الخلاف في ذلك مبنيًا على مراعاة مضي قدر التسليم بعد زمن العقد.
ولكن
الضابط: الحقيقة في هذا أن الأصل براءة الذمة، ولا تعمر إلا بدليل يوجب تعميرها.
وقد علمت أن الطرفين اللذين ذكرناهما، وهما اشتراط الوكيل البراءة من الثمن أو التزامه له، متفق عليهما، ويبقى النظر فيما بين هذين الطرفين، فإن كانت العبارة الصادرة من الوكيل: بعثني إليك فلان لتبيع منه، فإن هذا يقتضي أنه غير مطلوب بالثمن، لكونه قد 1 أسند البيع إلى الموكِّل.
وإن عبر عن هذا بأنه قال: بعثني لأشتري منك.
كان مطلوبًا بالثمن؛ لأنه قد يراد بهذه العبارة أنه دلّنِي على الشراء منك لنفسي.
فلا يسقط عنه ما يوجبه مقتضى العقد من مطالبة المشتري بالثمن.
وإن كانت العبارة: لأشتري له؛ أو ما في معنى هذا، كان هذا على القولين المذكررين عن كتاب ابن المواز، وعن المبسوط.
على أنا إذا قلنا: إن الخلاف في هذا يستند إلى النظر في البيع، هل هو التعاقد أو التقابض، كان ما وقع في المبسوط خلافًا لما وقع في الموازية.
وإن قلنا: إنّه يلتفت في هذا إلى العرف والمقاصد، أمكن أن يقال: إنه إذا وكِّل على شراء بالنقد، فقد دفع إليه النقد على مقتضى غالب العادة، فلا يصدق في أنه لم يدفع إليه.
وإذا دفع النقد، وظهر فيه زيوف يمكن أن لا يكون علم بها، فإنه قد ادعى من هذا ما يمكن والبدل لم يقتضه حكم العقد في غالب العادة.
ولو أنكر المسلم قبض الثمن والعقدَ، فإنه يحلف ويبرأ، ويسقط عنه السلم.
واختلف في غرامة الوكيل الثمنَ الذي دفعه بغير إشهاد حتى جحده القابض، فقيل: يغرم؛ لأنه كمتلف رأس المال على من وكله.
وقيل: لا غرامة عليه.
وقد علم أنه لو شرط له أن لا يدفع إلا ببينة، فدفع بغير بينة، أنه ضامن، لتعَدِّيه ما أَذِن له فيه.
ولو شرط أنه يدفع بغير إشهاد لم يضمن لرِضا رَبِّ المال له بذلك.
فإذا لم يشترط أحدَ الوجهين فعلى ماذا يحمل أمر الوكيل منهما، هذا منشأ الخلاف.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا شرط المسلم في العقد أن الموكّل إن لم يُقرّ بالوكالة.
فالوكيل ضامن المسلّم فيه، ومطلوب به.. فإن هذا أجازه ابن القاسم في المدونة، ومنعه سحنون ورآه غررًا، ومنعه أشهب ورآه دينًا بدين.
وقد علم أن الغرر في العقود ممنوع.
وكذلك الدين بالدين.
ولكن وقع النزاع في تصور الغرر في هذا العقد.
فرأى ابن القاسم أنه لا غرر فيه فأجازه، وإن كان المسلم فيه مترددًا بين.
ذمتين لا يدري المسلم من يطلب منهما، كما أجيز البيع على الحميل والبائع يجهل مَن المطلوب بالثمن هل المشتري إن كان حين الطلب غنيًا أو الحميل إن كان المشتري حين الطلب فقيرًا.
ورأى سحنون أن هذا غرر وتخاطر في العقد، لكون دافع رأس مال السلم لا يدري أيّ الذمتين يطلب: أذمة الوكيل أم الموكل؟ ويعلم أن المسلّم فيه لم يستقر حين العقد في ذمة معلومة بل يتردد استقراره ما بين ذمتين، وهذا غرر ظاهر.
ولا يُنقض هذا بإجازة البيع على الحميل، لأجل أن المشتري مطلوب بالثمن، وهو مستقر في ذمته، وإن طرأ عليه فقر فإن ذلك لا يسقط الطلب عن ذمته متى أَيْسر.
ولا يبرىء فقرُه ذمتَه من الثمن.
لكن أخذ الحميل تقوية لذمة المشتري أو زيادة في الثقة بها.
والثمن لم يتردد في استقراره في ذمة المشتري في كل الأحوال، حين العقد وبعده، بخلاف البيع باشتراط حميل.
ومن الأشياخ من يشير إلى طريقة أخرى وهي المساواة بين تردد الثمن بين ذمتين كما صورناه في مسألتنا، وفي مسألة اشتراط الحميل.
فإن مسألتنا هذه ذكر في الكتاب أن المأمور قال: إن فلانا أمرني.
وكلامه محمول على الصدق، وأكد تصديقه بالتزام المبيع في ذمته إن جحد الآمر، وجحود الآمر بعد إقراره أم رنا در، والنوادر لا تراعى في العقود، وإمكان جحوده بعد إقراره كإمكان فقر الغريم بعد ملائه حتى يفتقر إلى طلب الحميل، والعقود لا يراعى فيها من الغرر
ما ليس بمقصود.
وما صور من غرر في مسألة الحميل، وتردد الثمن بين ذمتين.
الغرر في المسألتين غير مقصود، وإنما القصد، بما اشترط فيهما، التوثقة، فلم يمنع ذلك كما لم يمنع الرهبان.
وأمّا ما أشار إليه أشهب في تعليله من منع تردد الثمن بين ذمتين، فإن ذلك دين بدين، فإنه يقدِّر أن المبيع استقر في ذمة الآمر على مقتضى قول الوكيل، وتصديقه فيما قال، فيكون بجحوده يقتضي نقل ما في ذمته إلى ذمة الوكيل، وبيع الدين الذي عليه بدين يصير على الوكيل.
وهذا أيضًا قد يجاب عنه بما قدمناه من كون القصد ها هنا التوثقة وتأكيد ما في الذمة، لا التخاطر، ولا بيع ذمة بذمة.
قد استقر الدين في الأولى ثم عاوض عنها ذمة أخرى.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرر في الشرع جواز التوكيل والاستنابة فيما يجوز النيابة فيه.
لكن قد يعرض عارض يمنع من الاستنابة التي هي جائزة في الأصل على الإطلاق، وذلك بأن تتضمن الوكالة الوقوع في فعل حرام، أو كونَ الغالب الوقوع فيه، ولهذا يصح الرجوع.
ولهذا يمنع من أن يوكل المسلم النصراني على بيع أو شراء يغيب عليه، لكون النصراني وغيره من الكفار يستحلون في شرائهم ما لا يستحله المسلم الموكل لهم.
ولهذا ينهى المسلم أن يقارض ذميًا، لكونه يُتخوف منه أن يعامل بالربا، وما لا تحل المعاوضة به.
وقد قال ابن المواز: إن نزل هذا تصدّق المسلم بالربح.
وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يخلّص فيما يتخوف من الحرام أن يكون فعله النصراني من الربا، (إلا من رأى نقض ما فعل وإن لم يعلم من عامله تصدق بالربح لكون الربح هو الحرام) 1 قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ 2، وأما لو وقع الوكيل الذمي أو المقارض الذمي في المعاوضة
بخمر أو خنزير وأتى الموكِّلَ بأثمان ذلك فإنه يتصدق بجميع ما أتى به؛ لأن العوض كله ثمن خمر وخنزير وذلك حرام.
وفي الربا إنما الحرام الزيادة، وهي التي تسمى ربا، فإذا تصدق بها ارتفع حقيقة الربا.
لكن لو كان الذمي عاوض بهذا عن علم بتحريمه على المسلم، وأن المسلم الذي وكّله لم يرد ذلك منه ولا أذن له فيه، فإنه يكون متعديًا على مال حلال أعطاه إياه المسلم، فأتلفه عليه بمال حرام، تجب الصدقة به، فيغرم للمسلم ما أتلف عليه من ذلك.
وقد منع في المدونة من توكيل الذمي على تقاضي الديون.
وما ذاك إلا أنه قد يُغلظ على المسلمين الذين وُكِّل عليهم في التقاضى، ويستعلي عليهم، قصدًا لإذلالهم، ولا يجوز للمسلم أن يُعينه على ذلك.
وقد ذكر في المدونة أنه ليس لسيد العبد الذمي أن يمنعه من شرب الخمر، وبيعها، والذهاب إلى الكنيسة؛ لأن ذلك من دينه، وقد أقره على دينه، فيقره على أحكامه لما أقره عليه.
وقد عارض الأشياخ ما وقع في الكتاب من قوله: لا يمنع عبده بيع الخمر وشراءها بأن السيد له أن يمنع عبده النصراني والمسلم عن التجارة في المباحات، وأن يبيعها أو يشتريها، ويحجِّر عليه ذلك، فكيف به إذا أراد التحجير عليه في المحرمات كبيع الخمر وشرائها.
وقد اعتذر بعضهم عن هذا بأن المراد بالعبد ها هنا المكاتب؛ لأن المكاتب لا يقدر سيده على منعه من التَّجْر في ماله، ولا التحجير عليه، ما دام مكاتبًا، فالمباح والمحرم في حق المكاتب النصراني سواءٌ في كون سيده ليس له أن يحجِّر عليه في ذلك.
وقال بعضهم: بل المراد، بما وقع في الكتاب، في المال اليسير الذي يعطيه سيده إياه لقوله: وليرفّه به نفسه.
فإن هذا يصير في حكم ما لا حق للسيد فيه، وما لا حق للسيد فيه ليس له أن يحجّر عليه فيه..
وهذا الاعتذار والاعتذار الأول يرجعان إلى معنى واحد وهو حمل المسألة على مال ليس من حق السيد أن يحجر عليه فيه.
لكن اختلفوا في التمثيل