شرح التلقينصفحات 1153-1192
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنانز

صفحات 1153-1192

المعهودة.
وقد قدمنا نحن في كتاب الصلاة أن المشهور عندنا في سائر الصلوات اقتصار الإِمام على تسليمة واحدة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في القراءة على الجنازة.
فعندنا أنه لا قراءة فيها وبه قال أبو حنيفة.
وروي عن عمر رضي الله عنه وعن ابنه وعن علي وجابر وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وقال الشافعي: قراءة أم القرآن واجبة في صلاة الجنازة.
ولكنه لم يوجب القراءة سوى مرة واحدة.
وحكى أبو الوليد الباجي أن أشهب يقول بما قاله الشافعي من قراءة أم القرآن مرة واحدة في صلاة الجنازة.
وقال الحسن بن علي يقرأ فيها فاتحة الكتاب ثلاث مرات.
وبه قال ابن سيرين.
وقال الحسن البصري يقرأ بها في كل تكبيرة.
وروي أن المسور بن مخرمة صلى على جنازة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، ورفع بها صوته.
فأما نحن فنستدل بقول ابن مسعود لم يوقت لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولأولا قراءة.
وأيضًا فإنها ركن من أركان الصلاة المعهودة فلم تجب فيها قراءة كسجود التلاوة.
وأما الشافعي فإنه يستدل بالظواهر الواردة بإيجاب فاتحة الكتاب في الصلاة كقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
وصلاة الجنازة داخلة في هذا العموم.
وقد أجيب عن هذا بأنه لا نسلّم لهم إطلاق اسم الصلاة من غير إضافة إلا على الصلاة المعهودة الركوع والسجود.
وأما هذه فإنما يطلق اسم الصلاة بالإضافة فيقال صلاة الجنازة.
والحديث إنما اشتمل على ذكر صلاة مطلقة.
وفي هذا الجواب عندي نظر.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ 1. فأطلق اسم الصلاة، وكذلك وقع مثل هذا في الأخبار.
والإضافة ها هنا ليست إضافة تحقيق للتسمية المطلقة، وإنما هي إضافة تخصيص وتعريف، كما يقال صلاة الجمعة وصلاة الظهر وصلاة النافلة.
ولم تُخرج هذه الإضافة هذه الصلوات عن استحقاق إطلاق التسمية.
وقد اعتمدت الشافعية على ما روي عن ابن عباس 2 أنه جهر

بفاتحة الكتاب.
قال وإنما فعلت هذا لتعلموا أنها سنّة.
وقد أجاب أصحابنا عن هذا بأجوبة أحدها أن الضمير في قوله أنها عائد على صلاة الجنازة لا على القراءة.
فكأنه قال: إن ماجهرت لتستدلوا بجهري على أن الصلاة سنّة إذ لو كانت فرضًا لم أجهر بالقراءة من غير ورود أمر بذلك.
والثاني أنه لم يرد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه أراد سنّة أدى الاجتهاد إليها.
وهذا قد لا يسلمه بعض أهل الأصول القائلين بأن الصاحب إذا أطلق ذكر السنّة فإنما يريد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأجيب عن هذا الأمر بغير هذين الجوابين.
ولكن أضربنا عنه لما فيه من الاستكراه والتعسف.
وقد يعتمد أصحاب الشافعي على أنها صلاة تشتمل على افتتاح وتسليم ووجوب قبلة فاشبهت الصلاة المعهودة في افتقارها إلى قراءة.
وهذا الاستدلال قد يقابل بما قدمناه من استدلالنا على أنها ركن من أركان الصلاة المعهودة فلا تفتقر إلى قراءة كسجود التلاوة.
وقد أنكر بعض أصحاب الشافعي قول من قال يقرأ في كل تكبيرة لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة.
قال: والإجماع على خلافه.
وأما من قال يقرأ فيها ثلاث مرات فلا أعرف له وجهًا أنه يسلك مسلكنا نحن في وجوب القراءة في جل الصلاة في المعروف من مذهبنا.
ألا ترى أنا لا نفسد صلاة الظهر بترك القراءة في ركعة ونفسدها بترك القراءة في ركعتين أو ثلاث.
وإذا كانت الأربع تكبيرات أقيمت مقام أربع ركعات روعيت القراءة في جل هذه الصلاة وجلها ثلاث تكبيرات.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في دعاء الافتتاح والتعوذ.
هل يؤتى به بعد التكبيرة الأولى قبل الفاتحة أم لا؟ وقال الثوري وإسحاق يستحب أن يقال بعد التكبيرة الأولى سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
فوجه إثبات الذكر بعد الفاتحة قياسًا على غيرها من الصلوات على أصلهم، وقياسًا على التأمين.
ووجه نفيه أنها صلاة مبنية على الحذف بدليل حذف الركوع والسجود فوجب أن يحذف منها الذكر المشار إليه وليس كالتامين لأن التأمين لا إطالة فيه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الدعاء فليس بمحدود لأنه لم يرد الشرع بتحديد فيه.
والقصد من هذه الصلاة الدعاء للميت.
ومعاني الأدعية

وصيغها لم يضبطها الشرع في هذا.
وكأن الغرض في الشرع الدعاء له بما يعود بصلاح المعاد إذ لا حاجة له في الدعاء بسواه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أخلصوا بالدعاء 1. قال ابن حبيب: أحب إليّ أن يخص الميت بالدعاء.
قال روي في الدعاء للميت روايات يقرب بعضها من بعض.
وكل ما دعي به من ذلك حسن مجزىء.
فقيل لابن القاسم هل وقت مالك ثناء على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط.
واعتقد بعض الناس أن المذهب على قولين في التحميد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما: سقوطه على مقتضى ظاهر قول ابن القاسم هذا.
والثاني: إثباته لأن مالكًا يستحسن ما ذكره أبو هريرة.
وفيه الثناء على الله والحمد، والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. فوجه إسقاطه أن الأحاديث لم ترد إلا بالدعاء خاصة.
وقد خرّج مسلم حديث عوف بن مالك وليس فيه إلا الدعاء خاصة 2. ووجه إثباته أن الشرع ورد بأنه يبدأ كل ذي بال بالتحميد وفي الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر من يريد الدعاء أن يبتدىء بالحمد لله عَزَّ وَجَلَّ والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يدعو 3. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبي - صلى الله عليه وسلم - 4. فإذا قلنا بالبداية بالتحميد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأشار بعض المتأخرين إلى أنه لا يقتصر فيه على التكبيرة الأولى.
فقال بعضهم واسع أن يقتصر عليه بعد التكبيرة الأولى أو يعاد بعد كل تكبيرة.
وقد قال ابن حبيب يُثني على الله عَزَّ وَجَلَّ ويُصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في التكبيرة الأولى ثم يدعو للميت ثم يدعو له في الثانية.
وإذا كبرت الثالثة: قلت اللهم اغفر لحينا وميتنا.
وذكر ما بعده ثم قال: الله أكبر الرابعة ثم أسلم تسليمة تلقاء وجهي أتيَامَن بها قليلًا أسمع بها نفسي ومن يليني 5. وكان ابن مسعود يذكر الدعاء للميت في

كل تكبيرة.
وكان ابن عمر يدعو لنفسه ولوالديه بعد الرابعة.
وظاهر هذا الذي نقلناه عن ابن حبيب أيضًا في الدعاء للطفل يكبّر في الأولى فيقول ما ذكرناه من الحمد لله والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقط ثم يكبّر الثانية ويقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك وأنت أعلم بما كان عاملًا به وصائرًا إليه.
اللهم جاف الأرض عن جنبيه.
وافسح له في قبره وافتح أبواب السماء لروحه وأبدل له دارًا خيرًا من داره وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار وصيّره إلى رحمتك وجنتك وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفاله إبراهيم واجعله لنا ولوالديه سلفًا وذخرًا وفرطًا وأجرًا.
وأضيف إلى هذا وثقّل به موازينهم، وأعظم به أجورهم.
ولا تحرمنا وإياهم أجره ولا تفتنا بعده.
وظاهر هذا أيضًا أن التحميد لا يعاد بعد التكبيرة الأولى فقد اشتمل على التعوذ للطفل من عذاب النار.
وهكذا قال مالك في المجموعة أنه يسأل له الجنة ويستعاذ له من النار.
وقال بعض أشياخنا إذا كان لا يعذب إلا من كلّف فلا معنى للاستعاذة له من النار.
وعلى طرد هذا الذي قاله شيخنا لا معنى أيضًا في أن يسأل له الجنة.
لأن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد قال: لم يختلف العلماء في أن أطفال المؤمنين في الجنة.
وأما أطفال الكفّار فاختلف فيه 1. فرُوي الله أعلم بما كانوا به عاملين وروي أنهم خدَم لأهل الجنة.
وروي أنهم مع آبائهم.
ولا يقطع هذا إلا بالأخبار المستفيضة.
وهكذا حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في غير كتابه هذا أنه أجمع أن أولاد المؤمنين في الجنة.
فعلى هذا الذي أشار إليه الشيخ أبو محمَّد وغيره من العلماء أن الاتفاق على كونهم في الجنّة يستغني مع ذلك عن السؤال لهم فيها.
لكن القاضي أبا بكر بن الطيب لم يثبت عنده الإجماع، فوقف في أولاد المؤمنين.
وحكى أن من أهل الحق من ذهب إلى ردّ أمرهم إلى الله سبحانه على حسب ما ذهب إليه.
ولكن ذكر حصول الإجماع على عادتهم.
فعلى مذهب هؤلاء يحسن السؤال لهم في الجنة.
وهذا فيمن سوى أولاد النبيين وأما أولاد النبيين، فلا شك فيهم ولا توقف في أمرهم بل الإجماع على كونهم في الجنة.

واختلف المذهب هل يدعى بعد التكبيرة الرابعة.
فكثير من أصحابنا على أنه لا يدعى بعد الرابعة.
قال الشيخ أبو محمَّد قال سحنون يدعو بعد الرابعة كما يدعو بين كل تكبيرتين ثم يسلم.
وفي غير موضع لأصحابنا إذا كبّر الرابعة سلّم.
وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره.
قال ابن حبيب: وروي أن عمر كان يدعو بعد الرابعة لنفسه ولوالديه.
فوجه القول بأنه لا يدعو بعد الرابعة أن التكبيرات الأربع أنزلت منزلة الركعات الأربع، وأنزل الدعاء في الصلاة منزلة القراءة.
وجعل فرضًا فيها كما جعلت القراءة في الصلاة فرضًا.
فكما لا يقرأ بعد الركعة الرابعة في الصلاة فكذلك لا يُدعى بعد التكبيرة الرابعة في الصلاة على الجنازة.
ووجه القول بأنه يدعو أن التكبيرة وإن أنزلت منزلة الركعة فإنه لا يصح أن يليها التسليم الذي هو التحليل من الصلاة كما لا يصح أن يلي التسليم الذي هو التحليل من الصلاة المعهودة الركوع.
فإذا لم يصح أن يلي التسليم التكبير وكان لا بد من فصل بينهما اقتضى ذلك ثبوت الدعاء بعد الرابعة.
ولما قدمنا أن قصد الشرع الدعاء للميت بما يصلح معاده وكانت أنواع الدعاء بذلك شتّى والعبارة عن ذلك كثيرة، كان الواجب ترك المصلي واجتهاده في الدعاء.
لكن نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك دعاء رواه أصحابه يحسن نقله ليُقتفى أثره - صلى الله عليه وسلم -. فروى عرف بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله 1. الخبر كما وقع الحديث.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه إذا وُضعت كبّرتُ.
وحمدت الله تعالى وصليت على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم أقول: اللهم عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به.
اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده 2. قال مالك: هذا أحسن ما سمعت، ودعاء ابن مسعود: فقال: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك.
أنت

خلقته وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه.
الحديث.
قال بعض المتأخرين أستحسن بعد التكبيرة الأولى أن يحمد الله تعالى.
ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد التكبيرة الثانية كما فعل في الأولى ثم يدعو بدعاء أبي هريرة بعد التكبيرة الثالثة يذكر من التحميد والصلاة مثل ما تقدم ويدعو بدعاء ابن مسعود.
ثم إذا كبر الرابعة قال مثل ما تقدم من التحميد والصلاة.
ويقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكَرنا وأنثانا إنك تعلم تقلبنا ومثوانا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان.
اللهم من أحييته منا فاحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإِسلام واسعدنا بلقائك وطيبنا للموت.
واجعل فيه راحتنا.
وقد جمع الشيخ أبو محمَّد دعاءًا جمع فيه ألفاظ هذه الأحاديث وأدخل بعض ألفاظها في بعض وزاد ألفاظًا يسيرة فيها من غيرها، وافتتح التحميد 1 والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالألفاظ المعهودة فيه وذكر أن ما اختاره من التحميد استحسان ابن حبيب وغيره.
وقال لا يقال في المرأة أبدل لها زوجًا خيرًا من زوجها.
إذ قد تكون زوجًا لزوجها في الجنّة مقصورة عليه.
وقد ذكرنا ما قيل في دعاء الطفل فإذا قيل ذلك فيه دعا بعد الرابعة أيضًا على أحد القولين.
وذكر بعض المتأخرين ما ذكرنا أيضًا في الدعاء للطفل.
وقال بعد الرابعة بما قلناة في الدعاء للرجل.
وإذا قلنا بأنه لا يدعو بعد الرابعة.
فذكر ابن حبيب في تعليله لما يقال على الجنازة، أنه إذا كبّر الثالثة وقال اللهم اغفر لحيّنا وميتنا الدعاء... إلى آخره كما ذكرناه: أنه لا يجهر الإِمام ولا من خلفه بشيء من الدعاء.
وأن يسمع ذلك من إلى جنبه فلا بأس.
قال ابن حبيب قال ابن القاسم إذا وإلى الإِمام بين التكبير ولم يَدعُ فليعد الصلاة.
قال ابن حبيب إلا أن يكون بينهما دعاء وإن قل فلا تعاد.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما من فاته بعض تكبير الجنازة فعن مالك فيه روايتان.
إحداهما أنه ينتظر الإِمام حتى يكبّر ويكبّر معه.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد صاحبه.
والثانية أنه يكبّر الآن.
وبه قال الشافعي وأبو

يوسف.
وعن ابن حنبل الروايتان أيضًا.
واختار الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله أن يكبّر إذا أدرك بعد التكبيرة تحميد الله عزّ وجل والصلاة على نبيّه - صلى الله عليه وسلم - والدعاء بما تيسر قبل أن يكبّر الإِمام.
وإن لم يمكنه ذلك، ولو خفف فيه، لم يكبر وانتظر الإِمام.
واعتل بأنه إذا لم يمكنه ذلك فإنه لم يجعل له سوى التكبير من غير دعاء مقصود وهو إذا آخره أتى به بعد فراغ الإِمام من غير دعاء.
فإذا استوت كان التأخير أولى ليقع القضاء بعد فراغ الإِمام.
وتعقب الشيخ أبو الحسن اللخمي هذا بأن قال لا يجري هذا على أصل المدونة لأنه يقول إن فاته بعض التكبير يقضيه بعد سلام الإِمام متواليًا من غير دعاء.
فإذا كان ذلك، كان التكبير وإدراك شيء من الدعاء الآن أولى.
قال: وأما على القول بأنه يصلي على الغائب فإنه يصح أن يمهل حتى يكبّر الإِمام فيكبّر بتكبيره.
فإذا سلم الإِمام قضى ما فاته ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة.
وتعقبُ الشيخ أبي الحسن ابن القابسي في هذا متعقبٌ من وجهين: أحدهما أنه أشار إلى أن الإتيان بالدعاء ليس يقتضي المبادرة إلى التكبير قياسًا على قولهم إن التكبير بعد الفراغ تباعًا.
وهذا لا يلزم لأن المتابعة إنما أمروا بها ها هنا لئلا يدْعى للجنازة بعد رفعها كما يدعى لها وهي موضوعة، فتكون كصلاة على غائب كما أشار إليه.
أو صلاة على جنازة مرَّتين، فاما الآتي والإمام قد سبقه ببعض التكبير فإن الشيخ أبا الحسن إنما اختار إيقاع التكبير إذا أدرك بعده التحميد والصلاة وكثيرًا من الدعاء.
لأنه حينئذ أتى بالمقصود من صلاة الجنازة كلها.
وكأنه كالمقالى للإمام المتأخر بالمتابعة للأمر اليسير.
فكأنه خرج عن الأصل بحصول المقصود في صلاة الجنازة إذا كان لا يدرك من الدعاء إلا ما ليس له بال فليس بمقصود في صلاة الجنازة صار أن أمره حينئذ بإيقاع التكبير، فكأنه أمره بمخالفة الأصل لغير مقصود يحصل ولا ضرورة دعت إلى ذلك، والأصل أن لا يقضي إلا بعد فراغ الإِمام.
وأما التعقب الثاني فإنه أشار إلى تخريج دعاء من فاته بعض التكبير على القول بالصلاة على الغائب وهذا لا يلزم أولئك أن يقولوا به لأنهم إنما أجازوا صلاة تفتتح على غائب وهذه صلاة افتتحها الإِمام على حاضر فحق المأموم أن يحذوَ حَذوَ إمامه ويقص أثره.
ولما كان الدعاء كالقراءة لا يقضى لم يؤمر

المأموم بإيقاعه، ولا يصح أن يأمره باستئناف دعاء كأنه يوقعه إيقاع المنفرد، فيصير كالصلاة على غائب قد صُلي عليه مع مخالفة الإِمام والخروج عن حقيقة فعله.
وسبب الاختلاف في هذه المسألة، هل التكبيرة الأولى تتنزل منزلة تكبيرة الافتتاح أو إنما تتنزل منزلة الركعة؟ فإن قلنا إنها تتنزل منزلة تكبيرة الافتتاح لأنها صلاة لها افتتاح وتسليم فوجب أن يكون افتتاحها تحريمًا كالصلاة المعهودة أمرْنا المأموم أن يكبّر ولا ينتظر كما يكبّر للإحرام في سائر أثناء صلاة الإِمام.
وإن قلنا أنها تحل محل الركعة لأن هذه الأربع تكبيرات أقيمت مقام أربع ركعات لم يكبّر، بل ينتظر.
لأن من فاتته ركعة لا يقضيها حتى يفرغ الإِمام.
وقد قال ابن مزَيْن منتصرًا للقول بأنه ينتظر أنا إذا أمرناه بالتكبير لم نخل 1 أنا نأمره به قضاء عما فات.
وهذا لا يمكن إذ لا يقضي ما فات إلا بعد الفراغ، أو نأمره به اتباعًا دمًا يستقبل، وهذا فيه سبق للإمام وسبقه لا يصح.
وصلاة الجنازة ليس التكبير فيها بإحرام فيؤمر هذا به.
فأنت تراه كيف نبّه على ما قلناه.
وروى أشهب في العتبية يكبّر الآن واحدة ثم يقف عما سبق به كما يحرم بالمكتوبة وقد سبق بتكبير سوى تكبيرة الإحرام فلا يكبّر غيرها.
فإذا سلم الإِمام قضى ما عليه من التكبير تباعًا.
فأنت تراه أيضًا كيف أشار إلى إنزالها منزلة تكبيرة الإحرام خلاف ما أشار إليه ابن مزين.
وإنما قلنا أنه ينتظر ولا يكبّر فقد قال مالك في المجموعة يدعو ولا يكبّر حتى يكبّر الإِمام فيكبّر معه.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: من فاته بعض التكبير فوجد الإِمام قائمًا يدعو فليدخل معه بغير تكبير أحبّ إليّ ثم يكبّر تكبيرة.
فإذا سلّم قضى ما فاته.
وقد قيل يدخل بتكبير.
والأول أحب إلينا.
وحمل بعض أشياخنا هذه الرواية على أنه يدخل بالنية من غير تكبير.
وفي هذانظر.
لأن الدخول في الصلوات بعقد القلب دون فعل يصاحبه لا أصل له، إلا أن يرى الدعاء ها هنا حالًا محلّ التكبير في صحة الدخول به.
وهذا يُطلب تدليل عليه.
وإذا قلنا أنه لا يكبّر بل ينتظر لم يحتج إلى تفصيل.
وإن قلنا أنه يكبّر ولا ينتظر فقد أشار الشيخ أبو الحسن ابن القابسي رحمه الله إلى أنه إذا أتى بعد الرابعة فإنه لا يكبّر إذا لم يدرك

من الصلاة شيئًا.
وإنما يكبّر في إحدى الروايتين إذا أتى قبل الرابعة.
واحتج بأن مالكًا لما سئل عمّن فاته التكبير كله.
هل يكبّر؟ قال: لا أعلمه.
وبأن التكبيرة الرابعة إذا وقعت فإن الصلاة كملت.
فلا معنى لتكبيره بعد الكمال.
فإذا وضح ما قلناه في التكبير والانتظار.
فإنه إذا فرغ قضى ما بقي عليه من التكبير تباعًا.
قال مالك: ولا يدعو.
قال ابن حبيب وإن دعا فبدعاء خفيف إلا أن يتأخر رفعها فيسهل في دعائه إذا قضى التكبير اجتزاء بالتكبيرة التي أحرم بها.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إنما يقضي إذا لم ترفع فإن رفعت بطلت صلاته.
وقال الحسن وأيوب السختياني لا يقضي ما فاته من التكبير.
وروي ذلك عن ابن عمر.
قال الأوزاعي يجزئه ما أتى به مع الإِمام.
ودليلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا 1. وقياسًا على غيرها من الصلوات.
وإن احتج الحسن بأنها تكبيرات متواليات، فإن فأتت لم تقض كتكبيرات العيد، قيل له التكبير في الجنازة فرض وقد أقيم مقام الركعة.
وفي العيد هيئة وسنّة.
فلهذا لم يقض.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما حمل النعش فاختلف الناس.
فقال مالك في المدونة ليس في ذلك شيء مؤقت، احمل إن شئت بعض الجوانب ودع بعضها.
وإن شئت فاحمل وإن شئت فدَع.
وقال ابن حبيب يستحب أن يحمل الرجل الجنازة من جوانب السرير الأربع.
ثم إن شاء حمل أو ترك.
ويبدأ بمقدّم السرير الأيسر وهو يمين الميت فيضعه على منكبه الأيمن ثم يختم بمقدّمة الأيمن وهو يسار الميت.
روي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين.
وكان مالك يوسع ذلك أن يبدأ بما شاء ويحمل كيف شاء أو لا يحمل.
ويحمل بعض جوانبه ويدع بعضًا والفضل فيما ذكرت لك.
قال مالك في المختصر لا بأس يحمل سريره من داخله وخارجه ويبدأ بأي جوانبه شاء.
وقال أشهب في مدونته يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر يريد الأيمن.
ثم المقدم الأيمن 2 ثم المؤخر الأيسر.
وقالت الشافعية في التقدمة بما حكينا عن أصحابنا ثم يبدأ اليسار مقدمة السرير فيجعله على عاتقه الأيمن ثم

يأخذ يسار مؤخره فيجعله على عاتقه الأيمن ثم يأخذ بيمين مقدمة السرير فيجعله على عاتقه الأيسر ثم يأخذ يسار مؤخره فيجعله على عاتقه الأيسر.
وهذا يوافق ظاهر ما حكيناه عن أشهب.
وقال سعيد بن جبير والثوري وأحمد وإسحاق وأيوب السختياني يبدأ بيسار مقدمه ثم بيسار مؤخره ثم بيمين مؤخره ثم بيمين مقدّمه.
وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود.
وهذا يوافق ظاهر ما حكيناه عن ابن حبيب.
وقال الأوزاعي يبدأ بأيهما شاء.
فكأن من ذكرناه من العلماء استحب البداية بما ذكر لأن يمين الميت أفضل من بقية أجزائه.
فلهذا قدمت.
وعلى هذا يليه الرجل اليمين على الشمال.
ثم اختلفوا ها هنا فيما بعد ذلك.
وهو الجانب الأيسر هل يبدأ بمقدمه أو بمؤخره.
فمن اختار البداية بمؤخره، فكأنه أقرب إلى ما هو حائل 1 له.
ومن اختار البداية بمقدمه فلأنها في محاذاة ما ثبت له البداية به وهو اليد اليمنى.
فالأول راعى عن الأقرب والأسهل.
والثاني راعى المقابل.
فإن قيل لِمَ استحب للإنسان أن يحمل الجنازة من الأربع جوانب على ما ذكره ابن حبيب.
قيل اعتل بعض الأشياخ لذلك بأنه لإحراز الأجر يحمل الجوانب الأربع كما 2 بالصلاة والمواراة.
وقد قال أشهب أحبّ إليّ أن يحفن الرجل ثلاث حفنات بيده في قبر الميت عند دفنه.
وإنما ذهب إلى هذا ليحصل له أجر المواراة.
وقد قال ابن مسعود في المدونة احملوا الجنازة من جوانبها الأربع فإنها السنّة.
وإنما تكلم على ما كانت عليه الصحابة رضي الله عنهم من حمل موتاهم بأنفسهم تواضعًا وابتغاءًا للأجر.
فقد حمل سعد بن أبي وقاص جنازة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما.
وحمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسيد بن الحصين رحمهما الله.
وحمل ابن عمر جنازة أبي هريرة رحمهما الله ورضي عنهما.
فأشار هذا الذي حكينا كلامه من الأشياخ إلى أن ابن مسعود أشار إلى حمل الإنسان من سائر الجوانب لأجل ما قلناه.
وقد قدمنا إجازة مالك حمل السرير من داخله وخارجه والبداية بأي الجوانب وأنه لا يحد في ذلك حدًا.
وقالت الشافعية الأفضل في حمل الجنازة أن يجمع بين التربيع والحمل

بين العمودين.
فإن اقتصر على أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل من التربيع.
وقال ابن حنبل التربيع أفضل.
وقال الحسن والنخعي والثوري.
وأبو حنيفة يكره العمل بين العمودين.
وذكر ابن حبيب أن.... 1 قال أحسن من يحمل الجنازة الذي يمشي بين عمودي النعش.
والذي يقول استغفروا له غفر الله لكم.
والذي يقول ارفقوا على نسائكم والذي يمسك النعش من خلفه.
وقال مطرت وابن الماجشون أما الذي يمشي بين يدي عمودي السرير فلا بأس به للغريب والخاص.
ويكره للعامة.
واحتجا يحمل سعد جنازة ابن عوف رضي الله عنهما بين العمودين، وعثمان وزيد بن ثابت لأمهما وعمر لأسيد وابن عمر لأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.
وأما الذي خلف النعش، فإن كان من أهل الميت واحد الأربعة الراتبين 2 تحت النعش فذلك له وإلا فلا.
والدليل على أن العمل بين العمودين لا يكره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل في جنازة سعد بن معاذ بين العمودين وحمل عثمان رضي الله عنه سرير أمه بين العمودين.
وكذلك فعل أبو هريرة بسرير سعد.
وسعد بن أبي وقاص بسرير عبد الرحمن بن عوف.
وهذا يقتضي الجواز.
ورأت الشافعية حجة في الفضل.
واحتج المخالفون بقول ابن مسعود إن أَتبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع وليطوع بعد أو ليذر فإنه من السنّة.
وأجيب عن هذا بان المراد به... 3 الإخبار بجوازه لا كراهة ما سواه.
ورآه ابن حنبل حجة في فضل التربيع.
كما ذكرناه عنه.
وما ذكرناه عن مطرت وابن حبيبَ من التفرقة بين العامة والخاصة إن أراد به العمل.
فهو خلاف ظاهر ما حكيناه عن مالك.
فإذا وضح ما ذكرنا في صفة العمل.
فقد اختلف قول مالك فيمن ليس على وضوء يحمل الجنازة.
فقال ابن القاسم كره له أن يحمل الجنازة لينصرف

إذا بلغت.
ولم ير به في رواية أشهب بأسًا.
قال أشهب: وحمل جنازة الصبي على الأيدي أحب إليّ من الدابة والنعش.
فإن حمل على الدابة لم أرَ به بأسًا.
وكره مالك التحسر على الجنازة.
وقال أيضًا ليس العمل على نزع الأردية في الجنازة.
قال ابن حبيب: وقد استخف ذلك للغريب الخاص.
وقد يفعل في العالم والفاضل الخاص من أصحابه.
وقد رُؤي عبد الله بن عون في جنازة محمَّد بن سيرين في قميص.
وتحسر مصعب وهو أمين في جنازة الأحنف.
وأما صفة المماشاة في الجنازة فإنه قد كره الصحابة أن يتبع الميت بمجمرة.
قال ابن حبيب إنما كره ذلك لئلا يكون تفاؤلًا بالنار.
وقال ويكره الإنذار بالجنازة إذا كان من يقوم بالحمل والدفن.
ونهى عنه ابن مسعود.
فأما خواص أهل الرجل ومن يحزنهم أمره فليؤذنهم.
وإنما يكره إنذار العامة.
وفي العتبية كره مالك أن يؤذن بالجنازة على أبواب الجنازة أو يصاح خلفه أو يستغفر له.
واستحب أن يؤذن بها في الحلق من غير رفع صوت.
وقيل له في أهل البادية يبعثون إلى أهل المحال حولهم ينذرونهم بجنازتهم.
قال إنه ليفعل ذلك في البادية والحاضرة ما لم يكن بعيدًا.
وأما ما يقرب من إنذار الجيران ومن لعله أن يعزيه فلا بأس به.
وسمع ابن جبير قائلًا يقول استغفروا له.
فقال لا غفر الله لك.
ولا يمشي بالجنازة الهوينا.
ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته.
قال النخعي كانوا يقولون انشطوا بها ولا تدبوا بها دبيب اليهود.
قال مالك... 1 الناس الازدحام على حمل جنازة الصالح.
ولقد انكسرت تحت سالم بن عبد الله نعشان وتحت عائشة ثلاثة وذلك حسن ما لم يكن فيه أذى.
ويكره أن يسار راكبًا تقدم عنها أو تأخر عنها.
قال النخعي كانوا يكرهونه.
قال ابن حبيب لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن.
وقال ابن عباس إن سايرها راكبًا تقدمها أو تأخر عنها.
قال النخعي كانوا يكرهونه.
قال ابن حبيب

لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن.
وقال ابن عباس الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله.
قال الشعبي هذا يدل على أنه لا ثواب له.
وقال عبد الله بن رباح الأنصاري للماشي خلف الجنازة قيراطان وللراكب قيراط.
وقد احتج الناس على هؤلاء بأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء 1. ففرق بينهما في السير ولم يفرق بينهما في الثواب.
وهذا الحديث إن احتججنا به فقد سلمنا للثوري ما حكيناه عنه إلا أن يخرج عن هذا الحديث بدليل آخر.
وأما المتقدم أمام الجنازة والتأخر عنها.
فاختلف الناس فيه.
فعندنا أن المشي أمامها للرجال أفضل إذا لم يكونوا ركبانًا، وبه قال الشافعي وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم.
وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق المشي خلف الجنازة أفضل.
وقال الثوري الراكب خلفها والماشي حيث شاء.
وقال أنس بن مالك أنتم متّبعون فكونوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها.
وروي ذلك عن ابن جبير.
وهو قول معاوية بن قرة.
فدليلنا على أن المتقدم أفضل أنه مذهب جماعة من الصحابة.
وذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يمشون أمام الجنازة 2. وهذا الحديث وإن أرسله مالك فقد أسنده سفيان.
ورواه ابن شهاب عن سالم عن أبيه.
وذكر أبو داود هذا الحديث في سننه فزاد فيه ويقولون هو أفضل.
وهذه الزيادة تمنع حمل ذلك على الإباحة مع أن قوله كانوا يشعر بالمداومة ولا يداومون إلا على الأفضل.
والاعتماد على هذا أولى من قول بعض المتأخرين من أصحابنا: إن الإجماع على أن المشي أمامها ليس بمباح يمنع من حمل الخبر على الإباحة.
لأنا قدمنا من قول أنس والثوري وابن جبير وابن قرة يقتضي الإباحة ظاهره.
فلهذا أثرنا الاعتماد على ما زاده أبو داود.
وعلى ما تشعر به المداومة.
واحتج المخالف بقول أبي سعيد الخدري سالت عليّا فقلت

أخبرني عن المشي مع الجنازة يا أبا الحسن.
فقال فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع 1. فقلت أتقول هذا برأيك أم سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأجيب بأن الحديث غير ثابت أو محمول على أن تقدمها إلى موضع الدفن أو بقدر ما لا يكون مصاحبًا لها أيضًا.
وكذلك أيضًا أجيب عن تعلقهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - الجنازة متبوعة ليست متابعة 2 بأنه لم يثبت.
وقد قال فيه أبو داود أنه لا يصح.
فإن قالوا المشي خلفها أشد اعتبارًا لبصره والمشي أمامها تنبيه لمن يقرون عليه.
مع أنهم شفعاء والشفيع يتقدم.
وفيه أيضًا مسارعة إلى الخير.
وأما الراكب فإنه يتأخر عندنا خلفها.
وقالت الشافعية وترك الركوب أولى.
فإن ركب كان أمام الجنازة.
واحتجوا بأن عمر ربي على بغل أمام الجنازة.
قال ابن شعبان: المشاة أمامها والركبان من خلفها والنساء من وراء ذلك.
ولا بأس أن يشهدنها ما لم يكثرن التردد.
ولا توضع على الرقاب حتى يتكامل من يشيّعها.
وقال أيضًا في مختصره لا بأس بشهود النساء الجنائز ما لم يكثرن ركبانًا أو مشاة وقد كنّ يخرجن في حوائجهن يريد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده.
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه تخرج تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك.
وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله ونحو هذا في العتبية ولم يشترط الإكثار.
إلا أنه قال ما أرى بأسًا في الأمر المستنكر.
وقيل يكره خروجهن ولو على الخاص من قرابتهن.
وينبغي للإمام منعهن من ذلك.
وقيل يجوز خروجهن على مثل الزوج والأخ وشبههما.
وبكراهة خروجهن.
قال ابن عمر وابن مسعود وعائشة.
وقد قالت أم عطية نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم

علينا 1. وهذا الذي قلناه في الشواب منهن.
وأما المتجالات فلا معنى لمنعهن.
ولا بأس أن يجلس الماشي قبل أن توضع الجنازة ولا ينزل الراكب حتى توضمع.
وقال مالك لا يكون......... 2 الجنازة في أعقاب النساء لأن حامليها خلفهم رجال.
وقال مالك لا ينصرف في الصلاة عليها إلا لحاجة أو لعلية.
قال ابن القاسم ذلك واسع لحاجة أو لغير حاجة وليست بفريضة.
قال الشيخ أبو محمَّد فريضة تتعين عليه.
قال ابن حبيب لا بأس أن يمشي مع الجنازة ما أحب وينصرف إن شاء قبل أن يصلي عليها.
وقاله جابر بن عبد الله.
والمشهور من مذاهب العلماء أن من مرت به الجنازة لم يؤمر بالقيام إليها.
وروي عن ابن مسعود البدري وأبي سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله وجوب القيام إليها.
قال ابن حنبل إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس.
وتعلق المخالفون بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا رأيتم الجنازة فقدموا ومن تبعها فلا يقعد حتى توضع 3. وأجيبوا عن هذا بأنه منسوخ وسنذكر ناسخه إذا تكلمنا على الجلوس عند الإقبار إن شاء الله.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والصلاة على الجنازة جائزة 4 في كل الأوقات وبعد العصر ما لم تصفر الشمس.
ولا تصلّى عند طلوع الشمس ولا غروبها إلا أن يخشى 5 تغيّرها.

قال الفقيه الإِمام: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: وهما أن يقال: 1 - لِمَ كره الصلاة في الوقت الذي ذكر؟.
2 - وإذا حضرت المكتوبة والجنازة ما الذي يقدّم منهما؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: تجوز الصلاة على الجنازة ليلًا ونهارًا إلا في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
فإن فيها اختلافًا: هل يستثنى من ذلك الجواز أم لا؟ فأطلق أبو مصعب الجواز ولم يستثن.
وقال تجوز الصلاة على الجنازة في الساعات كلها: وبه قال الشافعي.
وقد روي أن أبا هريرة رضي الله عنه صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدران.
وقد صلّى على عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه عند الاصفرار.
وهذا المذهب يظهر مع القول بوجوب صلاة الجنازة.
والظاهر من المذهب استثناء أوقات.
ولكن اختلف المستثنون.
فاستثنى مالك في المدونة ما بعد العصر إذا اصفرت الشمس إلى أن تغرب وما بعد الصبح إلى أن تطلع.
واستثنى ابن الجلاب حين الغروب والطلوع فأجازها في كل وقت إلا عند طلوع الشمس وغروبها.
وفي المختصر لا يصلي عليها عندما تهم الشمس أن تطلع وعندما تهم أن تغرب ويصفر أثرها بالأرض إلا أن يخاف عليها التغيير.
واستثني أبو حنيفة والثوري والحسن الطلوع وعند الاستواء وعند اصفرار الشمس.
وسبب الاختلاف ما بسطناه في كتاب الصلاة لما تكلمنا هنالك على إيقاع الصلوات في هذه الأوقات.
ومما يختص بهذا الموضع حجة لأبي حنيفة.
حديث عقبة بن عامر.
قال ثلاث ساعات نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلى فيهن وأن يقبر فيهن ميت.
وذكر حين الطلوع حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف الشمس للغروب 1. خرجه مسلم.
قال بعضهم فإذا نهانا أن تفسير في هذه الأوقات فالصلاة أولى بالنهي مع عموم الحديث فإنه نهى أن يصلي فيهن وأطلق.
قال أشهب: لا أكراه الصلاة عليها نصف النهار كما لا أكره التنفل حينئذ ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ.
وثبت النهي عند الطلوع وعند الغروب.
وأما استثناؤه مخافة التغيّر لأن ذلك ضرورة تقضي الدفن من غير صلاة.
والصلاة حينئذ أولى.
قال مالك في المختصر: وفي سماع ابن وهب لا يُصلي عليها عند الغروب فإن صلّى عليها من غير مخافة التغير عند الطلوع أو عند الغروب فقال أشهب: لا إعادة عليهم.
قال ابن القاسم: إذا دفنت فلا يعيدوا.

وقد أرخص مالك أن يصلي عليها في هذه الأوقات إن خيف عليها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا حضرت الصلاة المكتوبة وصلاة الجنازة فأما صلاة المغرب فقال مالك: تقدمة صلاة المغرب أصوب فإن قدموها على المغرب فلا بأس.
وأما إن كانت الصلاة الظهر أو العشاء فليبدؤوا بما شاؤوا لكون وقت هاتين الصلاتين واسعًا.
فإذا لم يخرج وقت الاختيار فيهما فلا معنى للنهي عن تقدمة الجنازة.
وأما إذا حضرت الجنازة، والصلاة الصبح أو العصر فليبدؤوا بها قبل الصبح والعصر, لأن التنفل بعدهما مكروه، وهذا كله مع تساوي الأحوال.
فأما إن خيف ذوات وقت الصلاة المكتوبة فإنها تُقدم.
وكذلك تقدم الجنازة إذا خيف فسادها في الموضع الذي خيّرنا بين تقدمتها وتقدمة المكتوبة، وجعلنا تقدمة كل واحدة على صاحبتها جائزة لأن الضرورة ها هنا تقتضي تقدمة الجنازة.
ولا مانع يمنع من تقدمتها.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا تترك الصلاة على مسلم إلا أن أهل الفضل يجتنبون 1 الصلاة على المبتدعة والبغاة.
ويجتنب الإِمام خاصة 2 الصلاة على من قتله في حد.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة ما قال أن المسلم لا تترك الصلاة عليه؟.
2 - ولمَ تجتنب على المبتدعة والبغاة؟.
3 - ولمَ لا يصلي الإِمام على من قتله في حد؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الدليل على الصلاة على كل مسلم فقد ذكر ابن شعبان في مختصره بسنده عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من قال لا إله إلا الله 3. وذكر

أيضًا بسنده عن الحسن بن أبي الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فصل عليه واستغفر له وحسابه على الله.
وقد قيل لعطاء امرأة زنت فحملت ثم استسقطت فماتت.
ورجل شرب خمرًا فغرق فمات.
أيصلي عليهما؟ قال نعم قلت لِمَ ولمْ يستحدثا توبة؟ قال: أذ إليهما حقهما بشهادة أن لا إله إلا الله وحسابهما على الله.
وفي المجموعة عن مالك يصلّى على كل مسلم، ولا يخرجه من حق الإِسلام حدث أحدثه ولا جُرْم أجرمه.
قال ابن حبيب ويصلّى على كل موحّد وإن أسرف على نفسه بالكبائر.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على امرأة ماتت من النفاس من الزنا 1 وفعله ابن عمر.
وقال ابن حبيب وإنما يشفع للمسيء.
قال ابن سيرين ما حزم الله سبحانه على أحد من أهل القبلة إلا ثمانية عشر رجلًا من المنافقين.
قال ابن حبيب وإنما ذلك ليعلم أن الصلاة عليهم لا تترك لجرمهم.
وذكر ابن شعبان في مختصره أنه لا يصلي على من يذكر بالفسق والشرّ.
وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر بخير.
وروى بعض المدنيين عنه أنه قال من ترك الجمعة لم أرغب في الصلاة عليه إذا مات.
وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله، لا تترك الصلاة على أحد من المصلين للقِبلة.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي.
وهذا الذي قاله ابن شعبان عن مالك من النهي عن الصلاة على من يذكر بالفسوق والشر، ظاهر إطلاقه خلاف ما حكيناه من مذاهب الأئمة من الصلاة على كل مسلم.
وإن كان المراد بهذه الرواية نهي الإنسان عن الرغبة في الصلاة على مثل هؤلاء إذا قام بفرض الصلاة عليهم غيره، فذلك غير خارج عن أصل المذهب.
وقد روى ابن وهب عن مالك في الميت يكون معروفًا بالفسق والشر قال لا تُصل عليه واتركه لغيرك.
قال وإنما يرغب في الصلاة على الرجل الذي يذكر عنه الخير.
فعلى هذا يجب أن يحمل ما حكيناه عن ابن شعبان.
ألا ترى قوله وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر فيه خير.
وهذه إشارة إلى مطابقة رواية ابن وهب.
وأما إن

كان المراد بهذه الرواية نهي الكل عن الصلاة على هؤلاء فهذا خلاف مذاهب الأئمة فلا تحمل هذه الرواية عليه، وإن كان ابن شعبان قد روى في مختصره عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من مات وعنده جارية مغنيّة فلا تصلوا عليه 1. وظاهر هذا الحديث إطلاق الرواية التي حسماها ابن شعبان عن مالك في أنه لا يصلي على من يذكر بالفسق والشرّ.
ولكن الحديث يحتمل من التأويل ما تأولنا عليه الرواية.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما المبتدعة كالمعتزلة والخوارج.
فالخلاف بين أهل الأصول في تكفيرهم مشهور.
واختلف فيه قول القاضي ابن الطيب وقد قدمنا في كتاب الصلاة الخلاف في تكفيرهم فلا معنى لإعادته.
فإذا قلنا بتكفيرهم فلا شك في منع الصلاة عليهم.
وإذا قلنا بفسقهم لا بكفرهم جرى الأمر في الصلاة عليهم على ما قدمناه من الصلاة على أهل الشرِّ.
بل هؤلاء أشد للاختلاف في كفرهم، والاتفاق على إيمان أولىك.
وإذا فسقوا بمذهبهم ولم يكفروا حسن ما قاله القاضي من اجتناب أهل الفضل الصلاة عليهم وحسن أن لا يرغب المصلي في الصلاة عليهم إذا أمكنه ترك الصلاة عليهم لغيره.
وقال مالك في المدونة في القدرية والإباضية لا يصلي على موتاهم ولا تُعاد مرضاهم.
وذكر سحنون أن ترك الصلاة على جهة الأدب لهم، وإذا خيف أن يضيّعوا غُسّلوا وصُلى عليهم.
وهذه الطريقة سلكها القاضي ها هنا.
وأما إن تُرك قول مالك في المدونة على ظاهرة أفاده تكفيرهم.
وغير بعيد إجراؤه على ظاهره.
فقد قال مالك في مختصر ابن شعبان فيمن يقول: القرآن مخلوق هو كافر.
وقال في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا يزوجّه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ 2. وهذا يطابق إطلاق قوله في المدونة.
ولكنه قال أيضًا فيمن قال بخلق القرآن يضرب ويسجن حتى يموت.
القاسم في طائفتين من الخوارج الحروريْة والقدرية يقع بينهم قتل فعلى من قرب منهم أن

يواريهم ويغسلهم ويصلي عليهم وذلك استحسان، وليس بواجب.
وكأن هذه الطريقة طريقة من تردّد بين المذهبين، فلم يحزم الصلاة ولم يُوجبها ولكنه استحسنها.
وقد يعتضد من منع الصلاة عليهم بناء على تكفيرهم بظواهر السمع.
فروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: القدرية مجوس هذه الأمة.
فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم 1. وذكر لابن عمر الذين يكذّبون بالقدر فقال ابن عمر: أنا منهم بريء فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلّوا على موتاهم.
وأما الصلاة على البغاة فاختلف الناس فيها.
فعندنا وعند الشافعية أن أهل العدل إذا قتلوا أهل البغي فان أهل البغي يغسلون ويصلّى عليهم.
وقال أبو حنيفة لا يغسلون ولا يصلّي عليهم.
ولنا ما قدمناه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: صلّوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله 2. وأما أبو حنيفة فيقيسهم على الكفار لعلة أنهم باينوا أهل الحق حربًا ودارًا ولا يسلّم له ما قال.
وليست العلّة البينونة بالدار والحرب.
وإنما العلة الكفر.
ويستدل أيضًا بقوله تعالى في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 3. ومن أخبر الباري تعالى بخزيه فلا يكّرم بالصلاة عليهم.
وغيرهم من أصحاب الكبائر لم يخبر بخزيهم فلا تمنع الصلاة عليهم.
ولا يسلّم لهم هذا الاستدلال لأن المقصد بالآية الزجر والردع.
والصلاة على الميت سؤال في الرحمة والغفران له، وبالإِسلام تُمكن الرحمة والمغفرة.
وهذا مسلم، وهو أولى السؤال 4 في المغفرة والرحمة أحوج من غيره.
ويستدل أيضًا بترك علي رضي الله عنه الصلاة على أهل صفيق.
وهذا لا يسلم له لمخالفة من رأى رأية

في الحرب في ذلك.
وقد ترك الصلاة على من قتل معه.
وسنتكلم على حكم من قتل من أهل العدل.
وكذلك عندنا ميتّان اقتتلا ظلمًا فإنه يصلّى على جميعهم.
قال ابن القاسم في قوم ثاروا على خارجي فقُتل أصحاب الخارجي والقائمون عليهم وليس فيهم من أراد نصرة في دين وإنما طلبوا الدنيا، أو فئتين من المسلمين يقع بينهم قتال فإنهم يغسلون ويُصلى عليهم، الظالم منهم والمظلوم، ويدفنون.
وليفعل ذلك بهم الإِمام، ولا يكره عليه أحد.
ومن قتل نفسه غسل وصلّي عليه خلافًا للأوزاعي لقوله: لا يغسل ولا يصلّى عليه.
ركره عمر بن عبد العزيز الصلاة عليه.
ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله 1. وبهذا الحديث أيضًا نردّ على الزهري في قوله أن المرجوم لا يغسل ولا يُصلي عليه.
وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - على الغامدية.
فقال له عمر رضي الله عنه تصلي عليها فقال: نعم لقد ثابت توبة لو قُسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم 2. ولا معنى لقول قتادة أن ولد الزنا لا يغسل ولا يُصلى عليه.
لأن ما قدمناه من عمومات الظواهر حجة عليه، ولأنه كسائر المسلمين ولا ذنب له بزنا أمّه.
وهذا حكم الصلاة على سائر المسلمين وعلى أهل الكبائر منهم وأهل البدع فيهم.
أما من يشك في مذهبه - فذكر ابن حبيب في غريب طرأ إلى بلد ولا يعرف مذهبه أنه لا يُصلى عليه إذا كان بالموضع مسلمون ونصارى لا يغسل ولا يوارى 3 ولا يُستقبل به قبلتنا ولا قبلة غيرنا إلا أن يوجد بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -.... 4 بهيئة المسلمين فليدفن مع المسلمين لأنه لا يكون بها غير مسلم.
فرأى ابن حبيب أن الشك في الاعتقاد لا يمنع الصلاة على من يكون ظاهرًا يغلب على الظن منه الإِسلام.
فالختان لا دلالة فيه لاشتراكه.
ومدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا كانت لا يسكنها إلا المسلمون، صار ذلك ظاهرًا يدل على إسلام من وجد بها فيدفن مع المسلمين كما قال ويصلّى عليه.
وقد رأى ابن وهب

الختان علمَا على الإِسلام.
فقال فيمن وجد ميتاً أنه يجسن على ذكره من فوق الثوب فإن كان مختونًا غسل وصُلي عليه.
وظاهر هذا خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من ترك الاستدلال بالختان لاشتراكه.
فإن قيل إن ابن حبيب إنما لم يستدل في بلد فيه نصارى يختتنون.
وابن وهب استدل..... 1 بفلاة لا أحد بها، قيل إذا علم أصل المشاركة بين أهل المذهبين فلا معنى لوجود المشارك وتجويزه وجوده.
وقد حكى ابن سحنون فيمن لفظه البحر أنه ينظر إلى العلامات.
فإن لم تكن نظر إلى غالب السفّار فإن كان مسلمون صلي عليه ونوي بالدعاء مسلماً فعوّل على العلامة ولم يذكر هل هي ختان أو غيره.
فإن فقدها نظر إلى غالب السفار لإفادة الغالب من الظن ما تفيده العلامة.
والتعويل ها هنا على الغالب كتأويل سحنون عن ابن القاسم في قوله فيمن وجد بفلاة لا يدري مذهبه أنه لا يوارى ولا يصلى عليه.
قال سحنون هذا بفلوات المشركين.
وأما بفلوات المسلمين فإنه يُغسل ويُصلى عليه.
فأنت ترى كيف أشار سحنون إلى اعتبار الغالب كما أشار إليه ابن وهب وإن كان ابن وهب لم يُراع السلكين فيما حكيناه عنه بل أطلق جوابه.
ومراعاة الغالب ها هنا كمراعاة الغالب فيمن وجد ميتاً من المسلمين.
وقد اختلط بغيره من اليهود، فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك.
فقال سحنون يغسل جميعهم ويصلّى عليهم وينوي بالدعاء المسلم.
وبهذا قالت الشافعية.
وقال أشهب لا يُصلى عليهم حتى يعرف المسلم بعينه بخلاف أن يكون الغالبَ المسلمون.
وهكذا قال ابن القاسم: إذا كان الغالب المسلمين فإنه يُصلي عليهم وينوي بالصلاة المسلمون، وبمراعاة الغالب أيضًا، قال أبو حنيفة، وقال سحنون إذا مات رجلان تحت هدم، أحدهما يهودي والآخر مسلم.

ولأحدهما مال لم يعرف المسلم ولا ذو المال.
قال يغسّلان ويكفّنان في ذلك المال.
ويصلّى عليهما والنية للمسلم ويبقى المال موقوفًا.
فأفادت هذه الروايات اضطرابًا في التعويل على الأغلب كما أفادت اضطرابًا في الختان.
لكن الاضطراب فيه يمكن أن يصرف إلى اختلاف في حال.
وهل وجد وجودًا يفيد ظنًا أم لا؟ وأما الاختلاف في الغالب فكأنه تقابل فيه أصلان: أحدهما للمسلم حقًا في الصلاة عليه فلا يسقط مع القدرة عليها.
فإن قلنا بهذا صلي عليهما ونوي المسلم.
والثاني أن مراعاة الأغلب وتعليق الأحكام عليه له أصول في الشريعة.
وقد ثبت الإجماع على أنهم لو كانوا كلهم كفرة لم يصلّ عليهم.
فإن كان جلّهم كذلك أجري الجلّ مجرى الكل.
والخلاف في مراعاة الغالب ها هنا أوقع منه في مراعاة غالب سكان البلد والفلاة والسُفار على ما أشرنا إليه في الروايات.
لأن ها هنا: من يُقطع بتحريم الصلاة عليه اختلط بمن تجب الصلاة عليه، فقد يلحق بباب اختلاط الحلال بالحرام على ما عرف في أصول الفقه.
وإن كان قد قال بعض الناس أن القصد للمسلمين يرفع الحظر.
وتخرج المسألة عن باب اختلاط الحلال بالحرام.
وليس في تلك المسائل قطع بتحريم الصلاة.
لكن فيها تردد بين تحليل وتحريم فيجب أن يرجع إلى الأصل الثابت، قبل حالة الشك.
وإنما نبهنا على هذا لئلا يختلط أصل بأصل.
وقد أفادت الروايات أيضًا اختلافًا في مواراة المشكوك فيه ولا معنى للمنع من ذلك إذا احتيج إليه ولم يقصد به قصدَ العبادة المسلوكة في المسلم.
فأما قول سحنون في المال المشكوك فيه بانهما يكفّنان فيه وتبقى بقية المال موقوفة.
فإن في إطلاق الجواب نظراً.
فإن المال إذا علم أنه لم يخرج عن أيديهما وشك في عين المستحق منهما فنحن نعلم أن أحدهما لا يستحق التكفين منه قطعًا، ونشك في عينه.
فكيف أبيح التكفين فيه لهما، إلا أن ينزله منزلة مال يتداعاه رجلان فحكمه القسمة بينهما.
فينبغي لمن سلك هذا المسلك أن يشترط تساوي الكفنين، ولا يكفن أحدهما على ما يليق به فيقع التفاضل في القسمة، ويجري ورثتهما في الباقي على حكم التداعي فيه.
هكذا مقتضى هذه الطريقة إن كان قصدها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهبنا أن الإِمام لا يصلي على من قتله في حدّ أو قصاص.
وسواء قتلهم الإِمام أو كانوا لصوصًا كابروا قومًا فقتلوهم لأنهم لو رفعوا إلى الإِمام لقتلهم.
وأما من ضربه الإِمام في حدّ فمات من ذلك الضرب فإن الإِمام يصلي عليه لأنه لم يكن حدّه الموت.
وقد يتخرج من الروايات التي حكيناها أن الصلاة على أهل الشرِّ تجتنب ترك الصلاة على هذا.
وقال ابن نافع لا بأس بصلاة الإِمام على من قتله في حد.
وقال ابن حنبل لا يصلي الإِمام..... 1 على الغالّ من الغنيمة.
وظاهر مذهب الشافعي جواز الصلاة عليهم.
وقال محمَّد بن عبد الحكم يصلي الإِمام على المرجوم إن شاء.
واحتج من ذهب إلى جواز صلاة الأئمة على هؤلاء بأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغامدية بعد أن رجمها في الزنا 2. واحتج ابن عبد الحكم لما حكيناه عنه.
بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى على ماعز والغامدية.
وألزمه بعض أشياخنا أن يقول بصلاة الإِمام على من قتله بقوَد أو غيره.
وقد لا يلزمه ذلك إذا كان إنما اقتفى فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على المرجوم ولم يقس عليه.
وأما مالك فإن مذهبه يعلل بأن الحدود إنما تقام زجرًا وردعًا للعصاة.
وإقامتها للأئمة.
فترك الأئمة الصلاة عليهم أشد تحقيقًا لمباينتهم وإنكارًا لفعلهم.
فلهذا خصّ الإِمام بالنهي دون غيره.
فقد اعترف رجل من أسلم بالزنا والإحصان فرُجم ولم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - 3. قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ومن لم تعلم حياته من الأجنة بصراخ أو ما يقوم مقامه من طول المكث 4 لم يغسّل ولم يصلّ عليه.
ولا أعتبار بحركته إذا لم يقارنها طول إقامة.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: أحدهما أن يقال:

1 - لِمَ قال: لا يصلي على السقط حتى يستهل صارخًا؟.
2 - ولمَ لم يجعل الحركة دليلًا على الحياة؟.

الجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس بماذا يكون المولود من المسلمين يستحق الصلاة؟ فقال مالك بأن يستهل صارخًا.
وروي عن الشافعي إذا سقط بعد أربعة أشهر من زمن العمل صلّى عليه.
ومن الناس من قال يُصلي عليه 1. وقال ابن جبير لا يصلى على من لم يبلغ.
فأما مالك فيستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا استهل السِقط صلي عليه 2. وروي أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يصلى على المولود ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة 3. ولأنه إذا ظهر دليل حياته وقطع بأنه حي لحق بالبالغين.
وأجري حكم البالغين عليه في الصلاة كما يجري حكم البالغين عليه في كثير من الأحكام.
فأما المخالف فإنه يستدل بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلّ على ابنه إبراهيم 4. قيل قد روى عبد بن أبي أوفى أنه قد صلى عليه 5 فيمكن أن تحمل روايتهم على أنه لم يصل عليه بنفسه وأمر غيره أن يصلي عليه.
ولا معنى لقوله: أن من لا يبلغ لا ذنب له فاستغني عن الصلاة عليه.
فإن هذا يبطل بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأيضًا فإنها عبادة فيؤمر بها فيمن أذنب ومن لم يذنب.
وأما ذهاب الشافعي إلى اشتراط مضي أربعة أشهر في زمن العمل فيمكن أن يكون تعلقًا منه بظاهر الخبر الوارد بأن الروح ينفخ فيه في هذا المقدار فيلحق حينئذ بالأحياء.
وإذا ثبتت الصلاة عليه، فإن مالكًا سئل عن الصلاة على المنفوس في المنزل فقال: ما علمت ذلك.
قال مطرف كرهه مالك وقد صلى ابن عمر رضي الله عنهما على صبي في جوف داره ثم أرسله إلى المقبرة ولم يتبعه.
قال ابن حبيب أرى ذلك

من عذر لأنه كبُر وضعف بصره.
ولا يغسل السقط إذا لم يصل عليه ولا يحنّط ولا بأس أن يغسل عنه الدم لا كغسل الميت.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصراخ فلا شك في دلالته على الحياة، لاطراد العادة التي لا يصرُخ إلا الحي.
وهذا مقطوع به.
وقد اضطرب المذهب في الحركة والرضاع والعطاس.
فقيل لا يكون ذلك دليلًا على الحياة يقتضي حكم الحي.
فإن 1 أقام يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت.
وإن كان خفيفًا.
واستدل إسماعيل القاضي على نفي دلالة الحركة التي ليست ببينة بأنه قد كان يتحرك في البطن.
واستدل القاضي على ذلك بأن المقتول يتحرك.
وأما العطاس فإن من جعله دلالة على الحياة أجراه مجرى الاستهلال، وزعم أن العادة أطردت بأن ذلك لا يكون إلا من الحي.
ومن أنكر ذلك قال: يمكن أن يكون ريحًا.
وأما الرضاع فلا معنى لإنكار دلالته على الحياة لأنا نعلم علمًا يقينًا أنه محال في العادة أن يرضع الميت، وليس الرضاع من الأفعال التي تكون مترددة بين الطبيعة والاختيار كما قال ابن الماجشون: إن العطاس يكون من الريح والبول من استرخاء المواسك، لأن الرضاع لا يكون إلا مع القصد إليه.
والتشكك في دلالته على الحياة تطرق إلى هدم قواعد علوم ضرورية.
والصواب ما قاله ابن وهب وغيره أنه كالاستهلال، وما أظن من خالفه من أصحابنا يهجم على إنكار دلالة ذلك على الحياة.
لكنه قد يزعم أن هذا الحكم معلق في الشرع بالاستهلال دون ما ضاهاه من الدلالة على الحياة.
وقد يتعلق بما قدمناه من قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا استهل السقط صُلي عليه 2. دليل هذا الخطاب أنه إذا لم يستهل لم يصل عليه.
وهذا يخرج المسألة من النظر الأول إلى نظر آخر.
وأما إن كان المعتمد على ما يقوم مقام الصراخ في الدلالة على الحياة كما أشار إليه عبد الوهاب ها هنا.
فلا شك في كون الرضاع دلالة على الحياة.
وأما إذا لم ينفصل الجنين من البطن لم يعتبر حكمه في الصلاة.
قاله مالك في أم ولد المسلم النصرانية تموت حاملًا منه.
فإن أهل دينها يلونها إذ لا

حرمة لجنينها حتى يُولد.
وإذا وُضح أن الجنين لا حكم له قبل الولادة وإنما له الحكم بعد الولادة إذا استهل فهل ذلك........... 1 وقد تقدم الكلام على القطع لهم بالجنة.
وأما أولاد الكافرين الذين لهم ذمة.
فلا شك أن....... 2 من صلى عليه.
وقيل إن لم يكن معه أبواه ولم يبلغ إلى أن يتدين فإن المسلم إذا اشتراه كان له حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة والقود والمعاقلة.
وقيل إذا ملكه المسلم وليس معه أبواه إن مات بحدثان ذلك لم يصل عليه وإن كان قد طال زمان ملكه وقد تشرعّ بشريعة الإِسلام وتزيى بزي أهله فله حكم الإِسلام في الصلاة والموارثة.
والقود والمعاقلة.
وقيل أما من ولد من أهل الكتاب في ملك مسلم فهو على حكم الإِسلام بخلاف المولود في ملك كافر.
وقيل بعكس هذا.
وسبب هذا الاضطراب أن من لا يعقل لا يتصور فيه إعتقاد الإيمان والكفر 3 كما لا يتصور ذلك فيه استحال إجراء الإيمان أو الكفر من ناحية الاعتقاد.
وإذا استحال ذلك لم يبق إلا تصور الإيمان الحكمي فأي هذين الحكمين يضاف إليه؟ هذا موضع الإشكال فمن استصحب حال التناسل أجراه على حكم الكفر..... 4 بالاتفاق على أولاد أهل الذمة وإن كان للآخر أن يمنعهم من هذا القياس بالمنازعة في التعليل فيرى أن ذلك إنما ثبت لأبناء أهل الذمة بحكم الذمة لا بحكم التناسل والسبي أو المولود عند من لم يعقد له ولا لأبويه ذمة يمنع من إجراء أحكام الإِسلام عليه.
وقد أشار ابن عبدوس إلى هذه الطريقة فقال رواية ابن القاسم أولى لأن لهم حكم الكفر وهو الأكثر والغالب، لأنه قد ولد في دار الكفر مع أبويه فلا ينتقل عنه إلا بالإِسلام من أبيه أو يجيب إلى الإِسلام وقد عقله.
فإن قيل فأنت لا تبيعهم من أهل الذمة ولا تفاديهم بالمال: قلت لا أفعل لأني أجبرهم على الإِسلام إذا لم يكن معهم أحد أبويهم.
وقد قال سحنون يفادون بالمسلم ولا يفادون بالمال.
وقد قال مالك يجبر على

الإِسلام صغار الكتابيين وكفار المجوس.
فأنت ترى ابن عبدوس كيف أشار إلى ما قلناه من استصحاب حكم التناسل غير أنه في أثناء كلامه أشار إلى استصحاب حكم الدار، فإن حكم الدار هو عمدة تعليله، فإنها طريقة من قدمنا قوله من أصحاينا في تفرقة المولود في ملك المسلم أو الكافر.
إلا أن يكون أولئك إنما يعتبرون ملك الكافر حيث كان، وإن كان دار الإِسلام فإن هذا يكون بمعنى آخر، وإنما كان استصحاب حكم التناسل والدار يقتضي جواز بيعهم من أهل الذمة، اعتذر عنه ابن عبدوس بأن منعه بمعنى آخر.
وهو جبرهم على الإِسلام، وبيعهم يمنع من جبرهم إذا عقلوا.
ومن استصحب حال الفطرة الأولى التي أشار الشرع إلى أن أصل الخلق ومبدأه بني عليها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ 1 الآية.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه 2. فأشار إلى أن الأبوين ينقلانه.
ولكن طرد هذا التعليل يقتضي أن لا يعتبر وجود أبويه في حال لا يعقل فيها.
لاستحالة النقل حينئذ إلا أن يتأول أصحاب هذه الطريقة قوله يهودّانه على معنى أنهما يحكمان بمصيره يهوديًا لا على أنهما يعلمانه اليهودية فتصح طريقتهم حينئذ.
ولكن في حمل الحديث على هذا نظر يطول.
وإذا تقرر حكم دين من لم يبلغ، فما حكم انتقال من لم يبلغ عن دينه؟ هذا عندنا فيه قولان.
هل يعتبر انتقاله فاختلف في ولد المسلم يرتد قبل البلوغ فيموت.
هل يصلى عليه أم لا؟ وكذلك ولد الكافر يُسلم قبل البلوغ اختلف هل يعتد بإسلامه أم لا، وهذا فيمن يعقل ما انتقل إليه.
وقد اعتمد من رأى الانتقال مؤثرًا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن عباس رحمه الله كانا معدودين في المسلمين قبل بلوغهما.
ولو أسلم ولد الكافر قبل البلوغ ثم ارتدّ قبل أن يبلغ جبر على الرجوع عن ارتداده، ولم يقتل، ولو بلغ على ذلك.
لأن إسلامه لم يكن بالمجمع عليه.
وقال المغيرة يقتل قبل بلوغه إذا تمادى على ردته.
وقال ابن عبدوس: لم يختلف أصحابنا في قتل أولاد المسلمين إذا ارتدوا وتمادوا على الردة بعد البلوغ.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا يغسّل الشهيد في المعترك ولا يصلّى عليه.
ويدفن في ثيابه.
وكذلك إن حمل جريحًا فمات 1 في الغَمرة.
ويصلّى على كل الشهداء سواه.

قال الفقيه الأمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما المانع من الصلاة على الميت الشهيد؟.
2 - وما الدليل على أن الشهيد لا يغسل ولا يصلّى عليه؟.
3 - ولمَ قيد قوله بالمعترك؟.
4 - وما معنى تنبيهه على دفنه في ثيابه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المانع من الصلاة على الميت نوعان: نقيصة وفضيلة 2. فأما النقيصة فالكفر وقد تكلمنا عليه.... 3. وعدم الاستهلال وقد تكلمنا عليه.
ووجود بعض البدن.
فإن هذا يلحق بباب النقائص وإن لم يكن نقصًا على الحقيقة.
فأما الصلاة على بعض البدن فاختلف الناس فيه فالمشهور عندنا أنه لا يصلى على نصف البدن فدون.
وإنما يصلى على أكثره.
وبه قال أبو حنيفة وقال ابن حبيب يصلّى على عضد يوجد من الميت وينوى به.
وبه قال ابن أبي سلمة والشافعي.
فوجه القول الأول أنه لا يُصلى إلا على أكثر البدن قياسًا على السنّ والظفر ويد السارق.
وأجاب أصحاب الشافعي عن القياس على السنن والظفر بأن الصلاة على ذلك لهم فيها وجهان: وأما يد السارق فإنها منفصلة من حي والحي لا يصلى عليه.
وقد دفن عروة رجله بعد أن غسلها وكفّنها ولم يصل عليها لأنها من حي.
ومن أجل الصلاة على عضو يشترط في النية إن كان صاحب العضو ميتاً.
وقد قال بعض أهل النظر أن سببب الاختلاف في الصلاة على أقل البدن جواز إعادة الصلاة على الميت.
فكانه يرى أنه إذا كان الموجود أقل البدن أمكن أن يكون كثره قد صلى عليه من وجده.

وإذا أمكن ذلك لم يصل على الأقل لأنه يوقع الصلاة في ممنوع وهو الصلاة على الميت مرتين.
ومن أجاز الصلاة على الميت مرتين فلا معنى لمنعه من الصلاة على أقل البدن.
وهذا التخريج عندي للنظر فيه مجال.
لأن هذا الممكن المتوقع إيقاعه في ممنوع يوقع في ممنوع آخر وهو ترك الصلاة على الميت أصلًا لجواز أن يكون لم يصل على الأكثر البدن.
إلا أن يكون هؤلاء رأوا أن الصلاة على الغائب لا تجوز فترتفع معارضة ارتقاب الوقوع في هذا الممنوع الثاني.
ولكن لان قالوا هذا فإنه كالخروج عن التخريج الأول.
ووجه القول بأنه يغسل العضو ويصلي عليه ما رواه عيسى ابن دينار في كتاب ابن مزين بأن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه صلى على رؤوس بالشام.
وألقى الطائر يدًا بمكة فعرفت بالخاتم أنها يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصقى عليها أهل مكة بمحضر من الصحابة.
وأيضًا فإن الصلاة على الغائب إذا ثبتت بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي على ما سنتكلم عليه وهو غائب كله.
كان من غاب أكثره ووجد أقله أحّقَ بالصلاة.
فإذا وضح ما قلناه في الصلاة على بعض البدن، وذهبنا إلى المشهور عندنا في منع الصلاة إلا على الأكثر، فهل يشترط أن يكون الأكثر على بنيته أو لا يشترط ذلك؟ أما إذا كان علي بنيته فلا شك فيه.
وإن كان هذا الأكثر متقطعًا فاختلف قول مالك في غسله والصلاة.
فالإثبات لمَا قدمناه من الأدلة وهو يعمّ المقطع، والصحيح.
ووجه النفي أن غسله لا يمكن لأن فيه زيادة في التمثيل به.
وإذا امتنع الغسل امتنعت الصلاة.
لاذا راعينا الأكثر فما هذا الأكثر؟ قال أشهب في المجموعة في مدونته: إذا وجد البدن بلا رأس ولا أطراف صلى عليه ولا يصلى على الرأس والأطراف قط 1. ولو وجب هذا لوجب أن يُصلى على أصابعه وأسنانه وأنفه.
وإني مع ذلك لا أدري لعل صاحبه حي.
ولو علمت بموته لم أصل على ذلك.
ولو وجد أحد شقيه طولًا مع رأسه أو نصفه عرضًا مع رأسه لم يُصل عليه.
وهكذا قال إذا وجد نصف البدن ومعه الرأس لم يغسل ولم يُكفن ولم يُصل عليه حتى يوجد كثر بدنه.
فظاهر كلام أشهب، هذا أنه لم يعتبر جميع بنية الإنسان، وإنما اعتبر الأكثر في بنية بدنه دون رأسه.
ولا يكاد يتحرر

لهذا وجه في النظر.
وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في مسألة الصلاة على الغائب الذي تحققنا أنه لم يصل عليه فإن المشهور عندنا لا يصلى عليه.
وإذا لم يصل على عضو لغيبة أكثر البدن فاحرى ألا يصلّى على البدن الذي غاب كله.
وأجاز ابن حبيب الصلاة على الغائب ورأى أن غيبته لا تؤثر في إسقاط الصلاة المشروعة.
وبه قال الشافعي فحجة المذهب المشهور عندنا أن الصلاة إنما شرعت على ميت مسلم، وهذا يقتضي وجود الصورة الموصوفة بهذا.
والعضو الواحد والغائب لا يتحقق فيه هذا المعنى.
فلهذا لم يصل عليه.
وقياسًا على من كان بالبلد فإنّ الشرع على إحضاره عند الصلاة.
وقوإنفصل عن هذا بأن من في البلد لا مشقة في إحضاره بخلاف الغائب.
وحجة ابن حبيب والشافعي صلاته - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي.
وقوإنفصل عن هذا أيضًا بانفصالات منها: أن ذلك من خواص النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا ضعيف مع القول بتعدي أفعاله.
ومنها أنه يمكن أن يكون رفع للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رآه فصار كحاضر صلى عليه.
ومنها إنما صلّى عليه حين موته وقبل أن يصلي عليه أحد من قومه بوحي أوحي إليه.
وهذا مفقدد فيمن سواه.
ولهذا لم يصل لما تطاول زمن موته.
وقد قال بعض المتأخرين يمكن أن يكون ابن حبيب إنما رأى الصلاة على الغائب.... 1 وعلى هذا الأسلوب أيضًا يجري الأمر في الصلاة على القبر.
إذا دفن الميت بغير صلاة اختلف المذهب في ذلك على قولين: هل يصلى عليه أم لا؟ واختلف قول مالك فيه.
فإذا قلنا بالنهي عن الصلاة على القبر.
فهل يخرج ليصلى عليه..... 2 أما إذا لم يقع شيء من الدفن فإنه يصلى عليه كما لو كان باقيًا على نعشه.
وأما أذا شرع في دفنه فاختلف فيه على ثلاثة أقوال.
فقيل يمنع إذا هالوا التراب ولا يمنع...... (2) وإهالة التراب من هيئة الدفن.
وقيل لا يمنع وإن أهالوا التراب ما لم يسووا التراب عليه.
وإذا سوي عليه التراب فأتت الصلاة عليه.
وأما إذا كان قد صلي عليه فإن من صلّى

عليه لا تعاد الصلاة عليه.
هذا هو المشهور عن العلماء وأئمة الأمصار.
وحكى أصحاب الشافعي أن لهم فيه وجهين: الجواز والمنع.
وأما من صلى عليه فالمعروف من مذهبنا أنه لا تعاد الصلاة عليه.
قوما تقدم من صلاة من صلى عليه يمنع من إيقاع صلاة أخرى.
وقال الشافعي بل تجوز إعادة الصلاة عليه ممن لم يصل عليه.
وحكى ابن القصار ذلك عن مالك.
وعند الشافعي اضطراب في تحرير هذا المذهب.
هل يجوز ذلك أيضًا أو يجوز لمن لم يصل من أهل الصلاة حين موته.
أو يجوز إذا تُيقن أنه بقي في القبر منه شيء.
أو إنما يجوز إلى شهر.
وأصحاب أبي حنيفة مختلفون أيضًا فيمن دفن بغير صلاة.
فمنهم من يعتبر جواز الصلاة على القبر ثلاثة أيام.
ومنهم من يعتبر أن لا يشك في تغير الميت.
فإن شك في تغيره لم يصل على القبر.
وسبب هذا الاضطراب ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلي... ولم يوقضوه.
فذكر أنه لما أصبح صلى على قبرها وصفّ بهم فاقتضى ظاهر هذا جواز الصلاة على القبر على الجملة.
وإن كان القوم لم يصلوا عليها فهي مسألة اختلاف عندنا.
وإن كانوا قد صلوا عليها فهي مسألة الشافعي والمعروف من مذهبنا فيها... وكان من أنكر الصلاة على القبر ينفصل عن هذا بأن الصلاة للنبي - صلى الله عليه وسلم -... بموتها ليصلي عليها.
فلما لم يعلم بذلك وصلي عليها دونه صارت الصلاة كأنها... وقد نقل الشافعي حديثًا يتضمن أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يختص بالصلاة على الموتى دونهم لكون صلاته رحمة.
وقد قيل أنه - صلى الله عليه وسلم - علل صلاته على القبر يكون القبور مملوءة ظلمة على أهلها وأن الله تعالى ينورها بصلاته.
وهذا التعليل إحالة على غيب فلا يطرد في غيره.
وهو يشبه تعليله في النهي عن تطييب المحرم الذي مات وتعليله في شهداء أحد.
وهذا الجواب شديد 1 يمنع من الاحتجاج بالحديث.
وقد اعتمد على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُصل على قبره.
فلو جازت الصلاة على القبر لما تركه السلف مع شدة عنايتهم بالخير.
وأجيب عن هذا بأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذ قبره مسجداً.
فامتنعوا من الصلاة على قبره لذلك.
وقد أشار سحنون إلى قريب من هذا التعليل فيمن دفن بغير صلاة.
فقال لا يُصلى

عليه لئلا يكون ذريعة إلى الصلاة على القبور.
وقد قيل إن الناس صلوا عليه متفرقين قوماً بعد قوم.
وتوفى - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء.
وهذا التأخير لا يجوز في غيره من الموتى.
وإنما فعل به ذلك - صلى الله عليه وسلم - لما كان الخطاب متوجهًا عليهم بالصلاة عليه على الخصوص لم يجعل أصلًا في صلاتنا.
وقد أنكر بعض أصحابنا قولهم لم تجمع الصلاة.
ورأى أنها قد جمعت عليه.
وقد اعتل من منع الصلاة على القبر إذا صلّي على من فيه بأن الصلاة الأولى فرض والإعادة نفل.
ولا يتنفل بصلاة الجنائز بدليل أن من صلى عليها لا يعيد الصلاة عليها.
وأجيب عن هذا بأن صلاة الفذّ لا يعيدها من فعلها ولم يمنع ذلك من أن يجيء المسجد الواحد بعد الواحد.
واعتل من يمنع الصلاة على القبر بأنها صلاة مفعولة لحق الميت وحقه ينقضي بالصلاة الأولى.
فإذا سقط الحق الذي شرعت العبادة من أجله لم يصح فعل ما شرع لأجل أمر قد سقط.
ولهذا لا يعاد سجود التلاوة لكونها مفعولة لأجل التلاوة.
ولا يُخاطب بالطهارة من لا صلاة عليه.
وأجيب عن هذا بأنه إنما سقط المكتفى به خاصة.
ألا ترى أن المحدث إذا تطهير للصلاة فإنه لا صلاة عليه لأن فَعَل الحق المكتفى به.
وإن كان تجديد الطهارة غير ممنوع بل مشروع 1. وقد خرج بعض أصحاب الشافعي منع الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على اختلافهم في شرط جواز الصلاة على الأربعة الأوجه التي ذكرناها وقالوا إن شترطنا أنه لا يصلي على القبر إلا أن يبقى من الميت شيء في القبر.
فإنا لا نجيز الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لإمكان أن يكون رفع من قبره.
ففي بعض الأخبار أن الأنبياء يرفعون منأ قبورهم أو ما هذا معناه... قالوا وإن قلنا إنه يصلى على قبر كل من كان من أهل الصلاة بعد الموت فإن في الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطرابًا عندي... وقيل بل إن طرد الاشتراط في هذا المذهب... أو يمنع للنهي عن اتخاذ قبره مسجدًا... كالشهادة.
وها نحن نتكلم عليها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في الشهيد الذي قتله العدو في المعترك هل يغسل ويصلّى عليه أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا ويغسّل ولا يصلى عليه.
وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري إلى أنه يغسّل

ويصلى عليه.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يغسّل لكن يصلّى عليه.
فدليلنا عدى نفي الغسل والصلاة حديث شهداء أحد فإنهم لم يغسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صلّى عليهم ولم تحتفل الرواة... ويذكره الصحابة رضوان الله عليهم إلا تنبيهًا على مخالفة الشهيد لغيره من الموتى.
ولا يمكن أن يغسل وسبعون شهيدًا ويخفى غسلهم والصلاة عليهم وما تعلق به المخالف من رواية من روى أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى عليهم فإن الأئمة ضعفوه لا سيما وقد ذكر فيه أنه كان يؤتى بعشرة فيصلي عليهم ومعهم حمزة رضي الله عنهم.
فكانت صلاته على حمزة سبعين صلاة.
وهذا حساب يوهن الخبر لأن الشهداء سبعون.
وإنما يحصل لحمزة سبعون صلاة إذا صلى عليه مع كل عشرة لو كان الشهداء سبعمائة.
وقد قيل لمالك أبَلَغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على حمزة رضي الله عنه سبعين تكبيرة.
فقال لم يبلغني ذلك ولا أنه صلى على أحد من الشهداء.
فإن تعسفوا وحملوا روايتنا على أنه لم يصل عليهم أفرادًا حملنا روايتهم على أنه صلى عليهم بمعنى دعا لهم.
وتأويلنا لخبرهم أقرب من تاويلهم لخبرنا.
فإن رجحوا خبرهم بأنه مثبت، وخبرنا ناف فيمكن أن يكون راويه لم يعلم الصلاة.
أجبنا بأنه محال أن تخفى الصلاة على قتلى أحد مع اشتهار قصتهم وكثرة عددهم.
على أنا أيضًا نُوجه خبرنا بسلامته عن الطعن في راويه.
فإن تعلقوا بما رواه شدّاد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ما هذا يا محمَّد؟ فقال قسمت لك.
فقال ما على هذا تبعتك ولكن أتبعك على أن أرمَى بسهم ها هنا.
وأشار إلى عنقه فأموت فأدخل الجنة.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن تصدق الله يصدقك.
فلبثوا قليلًا ثم نهضوا إلى العدو فحمل ذلك الأعرابي.
وقد أصابه سهم حيث أشار بيده.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أهو هو؟ قالوا نعم يا رسول الله.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق الله فصدقه.
فكفّنه النبي- صلى الله عليه وسلم - وصلى عليه.
وجوابنا عن هذا أن نقول يحتمل أن يكون معنى قوله صلى عليه - صلى الله عليه وسلم - دعا له.
ويحتمل أن يكون مات بعد أن تقضي 1 الحرب على صفة لا تمنع من الصلاة عليه على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
ومما يستدل به أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ 2.

فأثبت الله تعالى لهم حكم الحياة.
والحي لا يغسل ولا يصلى عليه.
وبهذا استدل أصحابنا وأصحاب الشافعي.
وفيه نظر لأن طرده يقتضي أن الشهيد لا يورث كما أن الحي لا يورث.
ولما أجمع على توريث الشهيد دل ذلك على أن المراد بالآية حياة الآخرة، لا حياة الدنيا.
والقصد بها تعظيم الشهادة المثمرة دوام الحياة عند الله سبحانه.
ومما يستدل به أيضًا على أبي حنيفة دون الحسن وابن المسيب موافقته لنا على سقوط الغسل.
وسقوط الغسل يشعر بسقوط الصلاة.
ألا ترى أن الحائض ما لم تغتسل لم تصل.
ومن لم يجد ماءًا ولا تُرابًا لم يُصل على أحد الأقوال عندنا.
وهذا الاستدلال إنما يصفو بعد البيان عن علة ترك الغسل.
واعلم أن للناس فيه ثلاث طرق ذهب بعض الحذاق إلى أنه غير معلل.
وذهب بعضهم إلى أنه معلل.
واختلف هؤلاء في العلة.
فقال.
بعضهم الدماء أثر الشهادة.
وإزالة أثر العبادة لا يحسن.
قالوا وقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى بانهم يحشرون بدمائهم.
وفي هذا إشارة خفيّة إلى أنه يتنرل ذلك عند الله يوم القيامة منزلة الشهادة على القاتل ظلمًا.
ألا ترى أن في الحياة نستدل بتحريك الثوب.
وآثار الضرب بين يدي الحكام على أن المفعول به ذلك مظلوم فكان الدم يوم المحشر مشعر لأهل الجهاد يكون الشهيد قتل مظلومًا.
وقد طعن في هذا التعليل بأنه يقتضي أن يُغسّل من مات في المعترك بالخنق أو بما في معناه من الأسباب التي لا يبقى لها أثر أبدًا أو طعن فيه أيضًا بأنه كان ينبغي أن ينقل إلى التيمم كالميت الذي لا يوجد له ماء، فإنه ييمم.
وقد ينفصل أصحاب هذا التعليل.
عن هذه المطاعن، بأنه لما كان الغالب في الحروب القتل بسفك الدماء لا بغيره من أنواع القتل حكم في الشهيد بهذا الحكم، وغير ملتفت إلى ما يحدث نادرَا.
وهذا كثير في أصول الشريعة.
وقد طعن في هذا التعليل أيضًا، لأنه لم يقصد بذكر دمائهم يوم القيامة إلا قطع وهم من ظن أن غسلهم متعين لما بهم من أذى.
ولم يرد به جعل ذلك علة تمنع من الصلاة.
وقال بعضهم أن العلة كون الشهادة في الشريعة تطهير.
والمطهر يستغني عن التطهير.
وقد يطعن في هذا التعلل أن الصبي مطهر وهو مع ذلك يغسل.
وقد ينفصل عن هذا بأن الصغير وإن كان يطهر من الآثام، فإنه يجوز هنا في هذا

الحكم كما أجرى على حكمه في أحكام كثيرة في الشرع... يرثه المسلم.
وإن كان في سن من لا يتعقل الإِسلام، وما ذاك إلا أنه جرى عليه حكم أبويه.
وقد يطعن في هذا التعليل أيضًا بأن النبوءة من أعظم المراتب.
وقد غُسّل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد تبين من هذا بأن الشهادة لما كانت مما يكتسب كانت سببًا في ترك الطهارة: والصلاة إشعارًا بعظم مرتبتها عند الله تعالى.
وأنها تغني عما سواها يطلبها المسلمون.
والشهادة مما لا يطلب ولا يكتسب 1. فجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرى امتداد هذا الحكم ليتحقق هذا الحكم ويتأكد بإجرائه فيه.
وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم يفرقون بين الطهارة والصلاة بأنه لا معنى لغسله بالماء سوى تطهيره.
والشهادة تغني الميت عن هذا التطهير بالماء.
وأما الصلاة فإنها شفاعة وسؤال في الذمة.
ورحمة الله تعالى لا نهاية لها.
فطلب المزيد منها مرغوب فيه.
فالشهيد وإن كان مرحومًا فلا غناء له عن السؤال له في زيادة الرحمة.
وأما ابن المسيب والحسن القائلان بأن الشهيد يغسل ويصلى عليه، يمكن أن يكونا رأيا حديث قتلى أحد مضطربًا لما قدمناه من اختلاف الرواة فيه.
فعدلا عن القول به.
ويمكن أن يكونا رأياه ثابتًا.
ولكنه مختص بقتلى أحد إما لأن الأصل قصد هذه الأفعال عندهم تاولًا بأنها معللة بعلة تفسد لا يعلم تعديها إلى من سوى قتلى أحد.
لأنه أخبر أنهم يحشرون بدمائهم.
فلا يعدل لهما إلى القطع بأن غيرهم من الشهداء كذلك.
وقد تكلمنا على مثل العلة في غسل المحرم أوتطييبه.
على أنه قد ذكر في بعض الطرق أنه قال فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة الحديث.
فأشار إلى تعدي الحكم.
ويمكن أن يكونا سلكا طريقة رابعة بأن رأيا حديث ترك الصلاة على قتلى أحد منسوخًا.
لأن البخاري روى في كتابه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل موته صلى على قتلى أحد صلاته على الموتى.
فاقتضى ذلك- 2 ترك الصلاة على الشهداء.
فإذا وضح ذلك فقد اتضح ما قدمناه من الاضطراب في التعليل اختلاف الناس في غسل الشهيد الذي لم.
يبلغ الحلم.
فعنده أن حكمه حكم الشهيد الكبير في ترك الغسل والصلاة.
وعند أبي حنيفة أنه

لا أثر للشهادة فيه يوجب سقوط غسله والصلاة عليه.
وأجراه مجرى من لم يستشهد.
كما قدمنا أن أصحابه رأوا أن سقوط الغسل إنما كان لأنه طهارة.
وطهارة الشهادة تغني.
فإذا كان الشهيد ليس من أهل التطهير بقي على حكم الأصل.
ونحن قدمنا الجواب عن هذا فيما قدمناه.
وذكرنا بأن الشرع جاء بإلحاق الصغار بالكبار في كثير من الأحكام.
وقد ذكر في بعض الطرق زملوهم بدمائهم فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة بدم اللون 1 لون الدم وريحه ريح المسك.
أو كما قال يعم كل من يكلم في سبيل الله من الكبار والصغار.
وقد اختلف أصحابنا في الشهيد إذا قتل جنبًا هل يغسل أم لا.
فقال أشهب وابن الماجشون لا يغسل.
وقال أحمد إنه يغسل.
وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي اختلف قوله كذلك.
ورأيت في كتب أصحابه أن الخلاف في ذلك بين أصحابه.
وأكثرهم على أنه لا يغسل.
وقد احتج من قال بغسله بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله.
فقالت زوجته إنه جامع فسمع هيعة فخرج إلى القتال.
وقد ذكر خبر حنظلة على وجه آخر.
وذلك أنه علل المبادرة إلى غسل سعد بن معاذ بأن قال لئلا تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة.
ومن أنكر غسل الشهيد إذا كان جنبًا يجيب عن هذا بأن غسل الملائكة لا يسقط ما تعبدنا نحن به من الغسل.
فلو كان غسله واجبًا لأمرنا به... كأن الشهادة تغني عن الغسل جملة.
وكأنها تنافيه فلا يثبت الغسل كما لا تغتسل الحائض إذا احتلمت وكما لا يطهر الشهيد للشهادة الطهارة الصغرى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما قيد قوله بالمعترك لما وقع من الاضطراب فيمن مات بعد تقضي الحرب.
وتحصيل مذهبنا أنه إن تحقق الموت في المعترك لم يغسل ولم يصل عليه.
وإن كان قد عاش بعد تقضي الحرب مسألة لا إشك الذيها غسل وصلي عليه.
وإن كان فيها إشكال فظاهر المذهب على قولين.
فقال أشهب الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه من مات في المعركة قطعًا.
فأما من حمل إلى أهله فمات فيهم أو حمل فمات في

أيدي الرجال أو بقي في المعركة حتى مات فإنه يغسل ويصلى عليه.
وقال مالك إن عاش يومًا أو أكثر فأكل وشرب أو عاش حياة بينة غسل وصلي عليه.
وقال ابن القصار وإذا عاشر يومًا أو أكثر يأكل، غسل وصلي عليه.
قال سحنون إذا كانت له حياة بينة حتى لا يقل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه.
فنخلص من هذا أن في أشكال الحياة اختلافًا.
فاشهب اعتبرها وأخرجه بها من حكم الشهداء.
وسحنون لم يعتبرها.
وما حكيناه عن مالك وابن القصار يذهب إلى الانتظار به.
لكن ابن القصار لم يجعل مجرد الأكل والشرب علمًا على الحياة ها هنا كما جعله مالك... ويمكن أن يكون مالك رأى مجرد الأكل والشرب كافيًا في إثبات حكم الحياة ها هنا.
ولم يره ابن القصار حتى... الزمن الذي ذكره.
فلعل مالكًا وابن القصار اختلفا في صفة تحقق الإشكال.
وظاهر مذهب الشافعي كظاهر مذهب أشهب.
قال أصحابه إذا مات بعد تقضي الحرب فليس له حكم الشهادة وإن لم يأكل ولم يشرب وصى أو لم يوص.
وقال أبو حنيفة إن خرج من صفة القتلى إلى صفة أهل الدنيا بأن يأكل ويشرب أو أوصى لم يثبت له حكم الشهادة كما ذهب إليه أشهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون.
والظاهر أن سبعين قتيلًا لا يكون موتهم على أسلوب واحد بل يتفاوت زمنه ويختلف حاله.
وهذا يشعر بأنه لا يعتبر الموت قطعًا كما ذكر.
وهذا الاختلاف الذي ذكرناه هو فائدة تقييد القاضي أبي محمَّد بالمعترك وله فائدة ثانية أيضًا وهو ما وقع في المذهب من الاضطراب فيمن قتله العدو في غير معترك.
فقال ابن القاسم إذا أغار أهل الحرب على قرية للمسلمين فدفع المسلمون عن أنفسهم فهم كالشهداء.
وقال في العتبية إن قتلوهم في منازلهم من غير ملاقاة ولا معترك غسلوا وصلي عليهم.
وقال ابن وهب هم كالشهداء في المعترك.
وقال أصبغ سواء ناصبوهم أو قتلوهم مقافصة أو نيامًا كشهداء المعترك قتلوا بسلاح أو غيره.
والصبي والمرأة كالذكر البالغ.
وقال ابن شعبان الشهيد من قتل بأرض الحرب خاصة من الرجال والنساء والصبيان.
فأنت ترى هذا الاضطراب إذا قتلوهم من غير ملاقاة.
فلهذا الاضطراب قيد قوله القاضي1

أبو محمَّد بالمعترك.
وظاهر قول ابن شعبان أصل حكم الشهادة على القتيل بأرض الحرب.
وقد كان قتلى أحد بأرض الإِسلام وكانت الجاهلية هي الزاحفة إليهم.
فإن كان أراد ابن شعبان أرض الحرب التي بها سكنى الكفار.
فحديث قتلى أحد ردّ عليه.
وإن كان أراد موضع المحاربة فليس في الحديث ردّ عليه.
لكنه يكون مذهبه أنه لا يراعي الشهادة في قتلى القرية.
وقد قدمنا الاختلاف فيهم إذا لم يدفعوا عن فنفسهم.
وقد صلي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكان القاتل كافرًا.
فظاهر هذا حجة لمن قال من أصحابنا أن المقتول إذا لم يدفع عن نفسه فليس له حكم الشهيد.
وللآخرين أن يجيبوا على هذا بأن يقولوا أنه رضي الله عنه وإن كان قد أنفدت مقاتله.
فيمكن أن يكون أكل وشرب.
وقد قدمنا أن مالكًا رأى أن الأكل والشرب يرفع حكم الشهادة.
وقد كنا قدمنا اعتذارًا عن ابن المسيب في قوله إن الشهيد في المعترك يغسل ويصلى عليه.
وقلنا لعله رأى حديث قتلى أحد كالمنسوخ لما حكاه البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى قتلى أحد قبل موته فصلى عليهم صلاته على الميت.
فإن كان هذا التأويل صحيحًا كانت الصلاة على عمر رضي الله عنه محققة عمل النسخ الذي ظنّه ابن المسيب.
وقد سئل ابن عمر رحمه الله عن غسل الشهيد فقال قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه وكان شهيدًا.
فلم يتأول ابن عمر الصلاة على أبيه ولم يعتذر عنها بما اعتذرنا به نحن من أنه يمكن أن يكون لما قتل بالمدينة لم يكن له حكم الشهيد وأنه أكل وشرب.
بلَ أضرب عن هذين التأويلين.
وقال ما حكيناه عنه.
وظاهر كلامه يشير إلى النسخ أو إلى تخصيص قتلى أحد بذلك الحكم على حسب مقتضى مذهب ابن المسيب.
وقد قدمنا قول... أو من قتل في غير المعترك كالشهيد.
وإن كان امرأة أو صبيًا.
وقال أشهب فيمن قتل من النساء والولدان في المعترك ممن يقاتل ويدفع عن نفسه فهو كالشهيد.
وأما من قتل من الرجال والنساء والولدان ليس على وجه القت الذيغسلون ويصلى عليهم.
فقوله فيمن قتل على غير وجه القتال هو إحدى الطريقتين اللتين قدمنا تقييد قوله في النساء والولدان بأنهم ممن يدافع عن نفسه.
وقد قال سحنون كل من قتله العدو من صغير أو كبير في معترك أو غير معترك فله حكم الشهداء.
فلم يقيد الصغير بكونه ممن يدافع عن نفسه.
وكذلك المرأة لم يقيدها بذلك.
وقد كنا قدمنا

مذهب أبي حنيفة وأنه لا يرى الشهادة تثبت به.
ولكن ميّز البالغ.
وتكلمنا على سبب الاختلاف في ذلك هناك.
وإذا وضح ما قلناه في الحكم في الشك في حياة الشهيد... وقال أشهب في القوم بأرض العدو يجدون شهيدًا فلا يدرون من قتله يغسل ويصلى عليه.
وقال سحنون إذا رموهم بأحجار أو نار فوجدوا في المعترك من قد مات... حتى يظهر خلاف إن كان وقع بينهم لقاء أو حرب أو مراماة.
فإن كان أشهب قصد الذي حكيناه عنه أنه يصلى على من لم يدر قاتله.
وإن كان هناك لقاء أو مراماة فهو خلاف لما حكيناه عن سحنون.
وقد كان أشهب رأى أن الأصل ثبوت الصلاة على الشهيد.
ونحن على شك في هذه القتلة هل هي مما يسقط الصلاة أم لا؟ بل استصحب الأصل في وجوب الصلاة عليه.
ورأى سحنون أن الغالب أن الإنسان لا يقتله قومه ومن يقاتل معه.
بل الغالب أنه إنما يقتله العدو... القتلة بحكم قاتلها غالبًا.
وأجرى الظن مجرى اليقين في تحقق الشهادة.
هذا إن قصد أشهب أن ما ذكرناه كان اختلافًا محققًا وإن كان لم يتكلم على قتيل واحد وجد من غير ملاقاة ولا مراماة.
فليس بمخالف لقول سحنون.
وقد قال أصحاب الشافعي إذا انكشف الصفان عن رجل مقتول لم يغسل ولم يصل عليه سواء كان به أثر أو لم يكن.
وظاهر هذا كظاهر ما حكيناه عن سحنون.
وقال أبو حنيفة وابن حنبل إن لم يكن له أثر غسل وصلي عليه.
وإن خرج منه دم فإن كان من عينيه أو من أذنيه أو من رقبته لم يغسل.
وان خرج من أنفه أو دبره أو ذكره غسل وصلي عليه.
فكأنهما رأيا مع وجود الأثر يتحقق كونه مقتولًا ومع عدمه يمكن أن يكون مات حتف أنفه فلم تتحقق له الشهادة.
لكن الذي ذكر من تفصيل مخارج الدم لا يظهر لي الآن فيه وجه محقق..

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما نبه على قوله في ثيابه لاختلاف الناس في ذلك.
فنحن وأبو حنيفة لا نرى أنه تبدل ثيابه.
وقالت الشافعية إنه بالخيار إن شاء دفنه في ثيابه وإن شاء دفنه في غيرها تعلقًا منهم بأن صفية بنت عبد المطلب بعثت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بثوبين يكفن فيهما حمزة رضي الله عنه.
فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلًا آخر.
ونحن ننفصل عن هذا بأن

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل