1
قال الفاضي أبو محمَّد رحمه الله: غسل الميت المسلم واجب وصفته كصفة غسل الجنابة.
ويجتهد في تنظيفه وإزالة الأذى عنه على الميسور.
ويستحب الوتر على قدر 2 ما يحتاج إليه، بماء وسدر.
وفي الآخرة كافور.
وتنزع ثيابه وتستر عورته.
وإن احتيج إلى مباشرتها فبخرقة إلا أن يضطر إلى إخراج شيء بيده فيجوز.
ويعصر بطنه (عصرًا خفيفًا) 3 ليخرج ما هنالك من أذى ويرفق به في كل ذلك 4 ولا يزال عنه شيء من خلقته من ظفر أو شعر من عانة أو غيرها.
قال الفقيه الأمام رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة: منها أن يقال:
1 - لِمَ قال غسل الميت المسلم واجب؟.
2 - ولمَ أمر أن يجتهد في تنظيفه؟.
3 - ولمَ استحب الوتر على صفة ما ذكره؟.
4 - وما الحكم في تجريده؟.
5 - ولمَ لم تقلم أظفاره؟.
6 - وهل ينجس بالموت؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في غسل الميت.
فقال ابن أبي زيد هو ستة.
وقال القاضي هو واجب.
فدليل وجوب الغسل قوله - صلى الله عليه وسلم - 1. وهذا أمر مجرده يقتضي الوجوب عند جمهور الفقهاء.
وقال أيضًا (في المحرم) 2 اغسلوه.
وهذا أمر أيضًا بالغسل.
لكن قوله: إن رأيتن في غسل ابنته قد نرى فيه إن هذا الشرط راجع إلى الغسل وأنه معلق بأن يريد ذلك.
وهذا له تعلق بأصول الفقه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: لما كان الغرض بهذا الغسل التنظيف والتأهب للقاء الملكين لتستشعر النفوس أمر المعاد ولقاء الملائكة وذلك مما يجب أن يتأهب له بالتطهر وجبت المبالغة فيه.
ومن صفات الغسل أن يوضأ.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها 3. قال أشهب: وفي ترك الوضوء أيضًا سعة.
وقال أيضًا إن وضىء فحسن.
ووافقنا الشافعي على أن الوضوء مستحب.
وخالف أبو حنيفة فلم يره مستحبًا.
وما ذكرنا من قوله - صلى الله عليه وسلم -. ومواضع الوضوء منها يردّ ما قال.
ويؤمر أن يخص بالانقاء الفم والأنف والإبطان وغيرها.
قال ابن حبيب ويوضأ كما يوضأ الحي، ويدخل الماء في فمه ثلاثًا.
واختلف في محل وضوئه وفي تكريره.
فأما محله فقيل في الغسلة الأولى لأنها الفرض فينبغي أن يكون الوضوء من جملتها.
وقيل في الثانية لأن الأولى فيها تنظيف فينبغي أن يكون الوضوء بعد حصول النظافة.
فأما تكريره فاختلف فيه على القول بأن محله الغسلة الأولى.
فقال أشهب يكرّره.
وأنكره سحنون.
قال بعض المتأخرين ينبغي على القول بالتكرير أن يكون الوضوء الأول غسلة واحدة حتى لا يرفع التكرار في العدد المنهي عنه.
وإذا لم نقل بالتكرار كان الغُسل ثلاثًا.
وقال أشهب إذا عصر بطنه فليأمر من يصب عليه الماء ولا يقطع ما دام ذلك.
ويغسل ما أقبل منه وما أدبر، والخرقة على يده ثم يغسل تلك الخرقة ويغسل يده ويأخذ خرقة أخرى على يده للغسل فيدخلها في فمه لتنظيف أسنانه ويُنَقي أنفه.
وقال الشافعي تستحب المضمضة والاستنشاق في حق الميت، وهو أن يمسح ظاهر أسنانه وباطن شفتيه بخرقة، ويدخل أصابعه في فمه وأنفه فيزيل ما هنالك.
وقال أشهب لا بأس أن ينقي أنفه ويغسل فاه ويمضمض وتركه غير ضيق.
وقال ابن جبير والثوري والنخعي وأبو حنيفة: لا تستحب المضمضة والاستنشاق في حق الميت.
لأن المضمضة إدارة الماء ثم مجّه.
والاستنشاق جذب الماء ثم نثره وذلك لا يصح من الميت.
وأجيبوا عن هذا بأن ما ذكروه هيئة للمضمضة والاستنشاق وتعذّر الهيئة لا يوجب سقوط الفعل.
وما ذكرناه من قوله - صلى الله عليه وسلم - مواضع الوضوء منها يؤكد ما قلناه.
ومن صفات الغسل ما ذكره القاضي أبو محمَّد من عصر بطنه.
وقد ذكرنا قول أشهب أنه يصب الماء حينئذ ولا يقطعه.
وقالت الشافعية يمر يده على بطنه إمرارًا بليغًا في كل غسلة إلا الغسلة الأخيرة.
وقال بعض الناس يمر يده على بطنه إمرارًا خفيفًا.
وقال الثوري يمسح مسحًا رفيقًا بعد الغسلة الأولى.
وقال أحمد يفعل ذلك بعد الغسلة الثانية.
وروي عن الضحاك بن مزاحم أنه وصّى أن لا يُعْصر بطنُه 1. والذي ذهب إليه أولى.
لأنه إذا فعل ذلك خرج ما في بطنه من النجاسة فيؤمن خروج شيء بعد الفراغ من غسله فإن جمهور الفقهاء على أن
غسله لا يعاد وإنما يغسل ذلك الموضع.
لأن الغسل قد صح فلا يبطل بما يحدث كغسل الحي من الجنابة.
ومن الشافعية من قال يغسل ذلك الموضع ويوضا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل.
وهكذا قال أشهب أن الوضوء يعاد، ومنهم من قال يعيد الغسل وهو قول ابن حنبل.
واحتجوا بأن المقصود في حق الميت أن يختم أمره بأكمل طهارة.
وإذا غسل الفرج وهو ممن لا يحق له مسه، لفّ على يده خرقة كثيفة إلا أن يكون بالموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة اليد.
فاختلف في جواز المباشرة.
فأجازها مالك في المدونة للضرورة المقتضية ومنعها ابن حبيب لأن الحي إذا لم يستطع على 1 إزالتها فإنه لا يجوز له أن يوكل غيره على مس فرجه لإزالة النجاسة.
بل يصلي على حاله.
وإذا منع الحي من هذا ولم يسامح في مس عورته، فكذلك الميت بل الحي أحق بالمسامحة لأجل ما تكلفه من الصلاة.
وفي كتاب ابن سحنون يوضع على أحد شقيه للغسل ويُقْلب كذلك.
قال أشهب في المجموعة وإن وضع على شقه الأيمن أو الأيسر، فلا بأس وإن أسندته إلى صدرك أو أمسك لك ولم تُسنده فلا بأس.
قال أشهب وواسع أن يسرّح رأسه أو لا يسرّح.
وقالت الشافعية إذا كانت لحيته ملبدة فيستحب أن تسرح بمشط منفرج الأسنان.
وقال أبو حنيفة يكره ذلك, لأنه يؤدي إلى نتف الشعر.
وأجيب عن هذا بأنه إذا كان المشط واسع الأسنان 2. وأما الضفر فلا أعرّفه.
وقال ابن حبيب لا بأس بضفره.
قالت أم عطية ضفرنا شعر بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث ضفائر ناصيتها وقرنيها وألقينه من خلفها 3. وقال الشافعي بضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويلقى خلفها.
وقال أبو حنيفة لا يضفر بل يلقى بين يديها.
وقال الأوزاعي نحوه.
فأما أبو حنيفة فاتقى من تسريحه للضفر أن ينتف.
وقد تقدم مراعاته لذلك.
قال بعضهم لما كانت المرأة تجعله ثلاثة قرون في حياتها، فكذلك بعد الموت.
وقال ابن القاسم في المجدور ومن غمرته الجراح ومن إذا مس تسلخ فليصب عليه الماء صبًّا ويرفق به.
قاله مالك.
وقال مالك ومن وجد تحت الهدم قد تسلّخ رأسه وعظامه.
والمجدور والمتسلخ فليغسلوا ما لم يتفاحش ذلك منهم.
وإذا لم يوجد من الميت إلا مثل الرأس أو الرجل فلا يغسل.
ولا يغسل إلا ما يُصلّى عليه.
قاله مالك.
وأما الذي يغسل به، فقال في المدونة يغسل بماء وسدر ويجعل في الآخرة
كافور إن تيسر.
وقال ابن حبيب يغسل في الأولى بالماء وحده.
وفي الثانية بغسول بلده إن لم يوجد 1 فإن لم يوجد فبالماء وحده وإن لم يحتج إلى غسل رأسه بغسول لنقائه ترك ثم الثالثة بماء وكافور وجده.
قال أشهب فإن اشتدت مؤنة الكافور ترك.
قال وبالسدر يغسل رأسه ولحيته أحب إليّ.
فإن لم يمكن فغسول أو غيره مما ينقى وواسع بالماء وحده سخنًا وباردًا.
وكذلك لمالك في المختصر قال: ولا بأس بالحرَض والنطرون إن لم يتيسر السدر.
وقالت الشافعية يغسل المرة الأولى بماء وسدر ويجعل في كل ماء قُراح كافورٌ.
فإن لم يفعل وجعل في المرة الأخيرة أجزأه.
وقال أبو حنيفة لا أعرف الكافور ولا السدر.
ودليلنا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأم عطية اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورًا 2. وإن كان غسل الميت الغرض به ما قلناه من التأهب للقاء الملكين لم يراع الماء القراح.
وهو ظاهر الحديث.
مع أن طهارة الحي بالماء المضاف اختلف الناس فيه، فكيف بطهارة الميت.
وفي كتاب ابن شعبان لا يغسل الميت بماء زمزم ولا تغسل به نجاسة.
وإنما يكره غسل الميت بماء الورد والقَرنفل من ناحية السرف.
وإلا فهو جائز إذ لا يغسل ليطهر وهو إكرام للقاء الملكين.
وقال ابن أبي زيد ما ذكره في ماء زمزم لا وجه له عند مالك وأصحابه.
وإن كان يعني بقوله في ماء الورد والقرنفل أنه لا يغسل بغيره.
من الماء القراح، فليس هذا قول أهل المدينة.
وقال بعض أشياخي إنما نهى ابن شعبان عن غسل الميت بماء زمزم لأنه الميت نجسًا.
وذلك الماء لا تزال به النجاسة.
وأهل مكة يتقون الاستنجاء به.
وذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور.
وأما إذا قيل بطهارة الميت فإن الغسل به أولى من الغسل بغيره لما يرجى من بركته.
وغسل ابن عمر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فالأولى صب عليه الماء قراحًا.
والثانية غسل رأسه ولحيته وجسده بالماء والسدر.
بدأ برأسه ولحيته ثم بشقه الأيمن ثم
بالأيسر.
ثم الثالثة بالماء وشيء من الكافور.
قال مثله النخعي إلا أنه قال يبدأ فيوضأ.
قال مالك ويوضأ الصبي إذا غسل.
وقال مالك أيضًا يبدأ الغاسل بالميامن.
وقد ذكرنا عن أشهب أنه قال واسع غسله بالماء وحده سخنًا أو باردًا.
وقالت الشافعية يُكره تسخين الماء إذا لم يكن الزمان باردًا.
وقال أبو حنيفة يستحب تسخينه لأنه أمكن في إزالة الوسخ.
وأجيب عن هذا بأن الماء المسخّن يرخيه.
والمراد ما يقويه ويصلبه.
فلهذا جعل في الماء الكافور والماء البارد يقويّه ويصلبه.
فلهذا كان البارد هو أولى.
هكذا أجاب بعض أصحاب الشافعي.
وفي كتاب ابن شعبان، ولا يؤخر غسل الميت بعد خروج نَفَسه.
قال بعض هذا مخافة أن يتغير أو ينفجر.
ولا حجة في تأخير غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك مأمونًا 1 عليه.
قال ابن حبيب: ولا ينبغي أن يغسل إلا أن يحمل بإثر ذلك.
فإن تأخر حمله بعد الغسل إلى غد فلا يعاد غسله.
وما خرج منه غسُل وما أصاب الكفن منه.
قال أصبغ وغيره.
وروى مثله علي عن مالك في المجموعة فيما يخرج منه بعد الغسل.
قال ابن القاسم إذا غسل بالعشى وكفّن من الغد أجزاه ذلك الغسل.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: المستحب ما ذكره القاضي أبو محمَّد من كون الغسل وترًا.
وأشار إلى تعليقه من العدد بقدر الحاجة.
قال ابن حبيب السنّة أن يكون الغسل وترًا.
قال النخعي غسله وتر وتجميره وتر وكفنه وتر.
وقد تقدم ذكرنا لغسل ابن عمر رضي الله عنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثلاثًا.
قال ابن سيرين يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل خمسًا.
فان خرج منع شيء غسل سبعًا لا يُزاد.
وقال ابن حنبل لا يُزاد على سبع.
وقال ابن المسيب والحسن والنخعي يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا.
وقالت الشافعية 2 وحكوا عن مالك أنه يعتبر الإنقاء ولا يعتبر العدد ولعلهم تعلقوا
بقول مالك في المدونة ليس لغسل الميت حدّ معلوم يغسلون وينقون، ولم يلتفتوا إلى ما حكاه عنه ابن وهب في آخر الباب من استحبابه ثلاثًا أو خمسًا.
وقال أبو حنيفة إن زاد على الخمس لم يستحب الوتر تعلقًا منه بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما زاد على الخمس أو أكثر إن رأيتن 1. ولم يقدر الأكثر بكونه وترًا.
ومحمله عندنا على أن أكثر يكون وترًا على أسلوب ما تقدم ذكر عدد من الغسلات 2. ويؤكد ما قلناه أنه - صلى الله عليه وسلم - نقل من الثلاث إلى الخمس.
فلو كان لا يعتبر الوتر لذكر الرابعة قبل الخامسة.
وأيضًا فإنها طهارة متكررة.
وما تكرر من الطهارات شرع فيه الوتر كالوضوء وغسل الإناء من ولوغ الكلب.
وقوله أكثر من ذلك يقتضي الردّ على من قال: لا يزاد على السبع.
لأنه لمّا قال اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ، ولم يقل ما لم يجاوز السبع، بل أطلق الأكثر.
وإطلاقه يقتضي ألا يكون أكثر محدودًا.
قال ابن حبيب: ولا بأس عند الوباء، وما اشتد على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزأ فيهم بغسلة واحدة بغير وضوء، ويصبّ الماء عليه صبًّا.
ولو نزل الأمر الفظيع الذي يكثر فيه الموتى جدًا.
وموت الغرباء.
فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم.
ويجعل منهم النفر في قبر واحد.
وقاله أصبغ وغيره من أصحاب مالك.
وروي عن الشعبي قال رمسوهم رمسًا.
وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح إذا لم يوجد من يغسل.
لأن الواجب المتفق عليه يسقط بالعجز عنه فكيف بهذا المختلف فيه الذي قدمنا قول الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد رضي الله عنه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المشروع عندنا وعند أبي حنيفة تجريد الميت للغسل ولا يغسل في قميص قياسًا على الحيّ.
وقال الشافعي بل المستحب أن يغسل في قميص لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل في قميص.
وقال سعد ابن أبي وقاص إذا أنا متّ فاصنعوا بي ما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويفارق الحي لأن الحي يتولى غسله بنفسه.
وها هنا يتولى غسله غيره، فغسله في القميص أستر
له.
وقال بعضهم إنما غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - على حسب ما نقل في الآثار 1. فلما خصت غسله بهذا تكريمًا له وتشريفًا صح أن يغسل في القميص وغسالة غيره نجسة على بعض المذاهب، فلا بدّ من التجريد فيها بخلافه - صلى الله عليه وسلم -. وفي كتاب ابن سحنون ينبغي إذا جرّد للغسل ألاّ يطّلع عليه إلا الغاسل ومن يليه وتستر عورته بمئزر.
ويستحب أن يجعل على صدره ووجهه خرقة أخرى.
ويوضع على أحد شقيه للغسل ويقلّب كذلك.
وقد اختلف المذهب عندنا في غسل الرجل الرجل والمرأة المرأة فقيل في غسل الرجل الرجل يجرّد ما سوى العورة وهو قول مالك في المدونة.
وحمله بعض أشياخي على أن المراد بالعورة السوءتان.
وقال ابن حبيب يستر من السرّة إلى الركبة وهذا بناء على أن الفخذ عورة.
وقد قدمنا قول ابن سحنون أنه يستحب أن يجعل على صدره خرقة.
قال بعضهم هذا يحسن فيمن نحل جسمه لقبح منظره حينئذ.
وإذا سترت العورة فليجمع ثوبًا ويجعله هناك ولا يبسطه لأنه يصف.
وأما غسل المرأة المرأة فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر من الرَجل، من السرة إلى الركبة.
وعلى قول ابن سحنون تستر جميع جسدها.
قال ابن شعبان اختلف في غسل الجنب الميتَ.
وإجازته أحبّ إلينا.
وليكثر الغاسل من ذكر الله تعالى.
قال مالك: لا أحبّ للجنب أن يغسل الميت وذلك جائز للحائض.
وأجاز محمَّد بن عبد الحكم للجنب أن يغسله.
وقال ابن شعبان من اغتسل عند الموت لم يكتف بذلك الغسل إن مات.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما تقليم أظفار الميت وحلق عانته ونتف إبطه وقص شاربه فإن ذلك لا يستحب وهل يكره أم لا؟ عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي في القديم أنه يكره.
وقال الشافعي في الجديد لا يكره.
ودليلنا على كراهته أنه جزء من الميت يكره إزالته كالختان.
والختان في حال الحياة آكد مما ذكرناه.
فإذا نهي عن فعله بعد الوفاة مع تأكد الأمر به.
فالنهي
عما انحطت رتبته عن رتبة الختان أولى.
وأما الشافعي فإنه يحتج على الجواز بقوله - صلى الله عليه وسلم -: اصنعوا بميتكم ما تصنعون بعروسكم.
وتأول أصحابنا هذا على أن المراد به ما يفعل بالعروس من الزينة والطيب لا ما يفعله العروس من الاستحداد وتقليم الأظفار, لأنا ما ذكرناه هو أخص بالعروس مما سواه.
وإذا ثبت ما ذكرناه فقد قال أشهب أحب إليّ ألا تحلق له عانة ولا يقلم له ظفر ولينقّ ما بها من وسخ.
وكذلك قال ابن حبيب عن ابن سيرين لا يؤخذ من شعره ولا تقلّم أظفاره إلا أن يكون عند نزول الموت به.
فإذا مات فلا.
وقال سحنون إن كان ذلك لما يتأذى به المريض فلا بأس به وإن كان ليهيّأ للموت فلا يفعل.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف المذهب في الميت هل هو نجس أم لا؟ واختلف فيه قول الشافعي أيضًا.
وقد قال في كتاب الرضاع من المدونة أن ابن المرأة إذا ماتت نجس وهذا يقتضي نجاسة الميت.
واستدل ابن القصار على طهارته بقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 1.
وتكريمه يقتضي ألا يكون نجسًا لأن النجس مهان.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المؤمن لا ينجس 2. وعموم هذا يقتضي طهارته وإن كان ميتًا.
وذكر البخاري عن ابن عباس أنه: قال لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا 3. وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته.
وقيل لعائشة رضي الله عنها أيغتسل غاسل الميّت؟ أوَ أنجاس موتاكم 4 وقبّل النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن مظعون 5. ولو كان نجسًا لما قبّله.
واستدل من قال بنجاسته بقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 6. ولأن
عدم الحياة يقتضي النجاسة.
فأما الآية ففيها ثلاثة أجوبة.
أحدها أنه لا يسلّم وقوع اسم الميتة على الإنسان.
وإنما هي تسمية واقعة على ما مات من الحيوان البهيمي حتف أنفه.
والثاني أنا لو سلمنا وقوع التسمية عليه لم يسلم كون التحريم يقتضي النجاسة لأن المراد بقوله حرمت عليكم الميتة أي أكلها.
وأما النجاسة فلا تفهم من هذا اللفظ.
والثالث أنا لو سلّمنا انطلاق التسمية على الإنسان.
وكان التحريم يفيد النجاسة لخصصنا هذا الظاهر بما قدمناه من الأدلة.
وأما استدلالهم بعدم الحياة فإن مجرّد عدم الحياة لا يقتضي النجاسة.
ألا ترى أن الشاة المذكاة طاهرة مع عدم الحياة، والخشاش طاهر وإن مات حتف أنفه.
وإنما يكون الموت يقتضي النجاسة إذا كان على صفة وشرط.
فإذا كانت العلة ذات أوصاف فلا يثبت الحكم عند انفراد أحد أوصافها.
والإنسان وإن منع أكله حال حياته فإن ذلك لحرمته لا لنجاسته.
وكونه حيًّا يقتضي كونه طاهرًا.
وإذا مات يقتضي هذه الحرمة وأنزل منزلة الحي.
ألا ترى ورود الخبر بأن كسر عظمه ميتًا ككسره حيًّا 1، وهذا تنبيه على بقاء حرمته بعد الموت.
وقد مال بعض أصحابنا البغداديين إلى أنه لو قطع من الميت عضو لكان ذلك العضو طاهرًا لمكان الجملة التي هذا العضو جزء منها.
ظاهره بخلاف لو قطع من الحي عضو فإن ذلك العضو نجس لأن الحي ذو نفس سائلة.
وحياته سبب طهارته فإذا فارق هذا العضو الحياة فارق حكم الطهارة.
والعضو المقطوع من الميت لم يتبّدل حاله ولا فقد ما هو سبب للطهارة فيكون نجسًا.
ورأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ساوى بين الكافر الميّت والمسلم الميت في الطهارة لاستوائهما في كثير من الأحكام المناسبة لهذا المعنى.
وأنت إن تأملت ما استدللنا به على طهارة الميت تجد بعضًا يختص بالمسلم كقوله - صلى الله عليه وسلم -: المؤمن من لا ينجس 2. وما حكيناه عن ابن عباس من قوله: لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا.
فقيد كلامه بالمسلم.
وهذا يشير إلى كون الكافر بخلاف ذلك.
فإذا وضح هذا الاختلاف في نجاسة الميت فقد قال أشهب إذا فرغت من
غسله ونشفته في ثوب.
وقد أمرت قبل ذلك بإجمار ثيابه فقد اختلف في نجاسة هذا الثوب.
فقال سحنون لا ينجس.
وقال محمَّد ابن عبد الحكم ينجس.
وهذا الاختلاف مبني على ما قدمناه من الاختلاف في نجاسته.
وقال ابن شعبان لا يصلي بهذا الثوب حتى يغسل ولا بالماء الذي يصيبه من مائه.
وقال مالك في المختصر يغتسل من غسل ميتًا أحب إليّ.
وقال ابن حبيب لا غسل عليه.
ولا وضوء.
قاله جماعة من الصحابة والتابعين.
وذكر حديث أسماء 1. وقاله مالك وقال: فإن اغتسل من غير إيجاب فحسن.
وقيل إنما يستحب له أن يغتسل لئلا يتوقى ما يصيبه منه فلا يكاد يبالغ في أمره.
فإذا وطن نفسه على الغسل بالغ فيه.
وقال أشهب أحب إليّ أن يغتسل غاسل الميت توقيًا لما عسى أن يصيبه من أذى الميت، فإن لم يفعل ورأى أنه لم يصبه شيء فذلك.
قال ومن أصابه شيء من الماء الذي غسّل به الميت فغسل ذلك واجب من الأول فإن لم يفعل وصلّى ولم يعلم أن ذلك الماء أصابه شيء من أذى الميت فلا شيء عليه.
قال مالك ولا وضوء على من أفضى بيده إلى جسد الميت أو حنّطه أو حمله.
وإن أصاب يده شيء مما يخرج منه غسل ما أصابه فقط.
ومما ينبني على الاختلاف في طهارة الميت الصلاة عليه في المسجد.
فاختلف المذهب عندنا.
فقال مالك في المدونة بالكراهة.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن حبيب لو صلّى على الجنازة في المسجد ما كان ضيقًا لما روي من الصلاة على سهيل فيه 2. وفي مختصر ابن شعبان يكره أن توضع الجنازة في المسجد وينتظر بالصلاة عليها لحاق الناس.
وقال ابن شعبان قال أبو حنيفة لا يصلّى عليها في المسجد.
وإنما كره مالك وأبو حنيفة إدخال الميت المسجد لأنه ميتة توضع في المسجد.
وهذا التعليل الذي علل به ابن شعبان هو باقتضاء المنع أولى منه باقتضاء الكراهة.
وذهب الشافعي إلى أنه لا تكره الصلاة على الجنازة في المسجد وحجته أنه لما مات سعد بن أبي وقاص قالت عائشة
رضي الله عنها: ادخلوه في المسجد لأصلي عليه فأنكروا ذلك.
فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء سهيل وأخيه إلا في المسجد 1. وهكذا رأي غير عائشة رضي الله عنها من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد خرج مسلم أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلن أن يمروا عليهن بجنازة سعد في المسجد فيصلين عليه ففعلوا ووقفوا على حجرهن فصلين عليه فأنكر ذلك بعض الناس فقالت عائشة رضي الله عنها: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد.
واعتذر ابن سحنون عن هذا فقال صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر قد تركه وفعل غيره، حين خرج في النجاشي إلى المصلى، فهذا أخف مع أن حديث سهل منقطع.
قال غيره، وقد قيل كثر الناس في جنازته فضاق بهم الموضع ثم لم يفعله بعد ذلك واستدام الصلاة في المصلى حتى أنكر الناس على عائشة رضي الله عنها ما أمرت به في جنازة سعد.
ومع ذلك فهو ذريعة إلى صرف المسجد إلى غير ما جعل له من الصلاة.
وقد ينفجر فيه الميت أو يخرج منه شيء فترك ذلك أولى من غير وجه، كما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال إسماعيل في مبسوطه لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد إذا احتيج إلى ذلك.
وإنكار الناس قصة سعد يدل على أن الفعل الدائم الصلاة في موضع الجنائز بقرب المسجد.
ولعل الصلاة على سهيل كانت قبل أن يتخذ ذلك الموضع، ولعلهم إنما صلوا على عمر رضي الله عنه في المسجد لأنه أوسع عليهم لكثرة من صلى عليه.
وهذا كله واسع إذا احتيج إليه.
وأما ما حدثنا به عاصم بن علي عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التؤمة عن أبي هريرة قال.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من صلّى على الجنازة في المسجد فلا شيء له 2. فهذا إسناد ضعيف ولا بأس بذلك إذا احتيج إليه.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويغسّل كل واحد من الزوجين صاحبه ولا يغسّل من لا رجعة له عليها.
وفي الرجعة روايتان.
ويغسل الرجل أمته التي
يحل له وطؤها ومدبرّته، وأم ولده.
وكل من كان يستبيحه 1 إلى حين موته.
ويغسل ذوو المحارم بعضهم بعضًا من الرجال والنساء الرجل للرجل والمرأة.
وكذلك المرأة للمرأة والرجل 2. إذا لم يكن من يلي ذلك من الأجانب يغسل الرجل المرأة منهن في ثيابها ولا يغسل الرجل الأجنبية ولا المرأة الأجنبي.
فإن كانوا في سفر ولم يجدوا من يغسل يُمم الرجل وجهه ويداه إلى مرفقيه والمرأة إلى كفيها.
ويستحب الاغتسال من غسل الميت ومن مات له نسيب كافر خلى بينه وبين أهل دينه فإن لم يجد من يكفيه 3 لفه في شيء وواراه ولا يغسله ولا يصلي عليه.
قال الفقيه الإِمام: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال:
1 - لِمَ قال يغسل كل واحد من الزوجين صاحبه؟.
2 - ولمَ اختلف في الرجعية؟.
3 - ولمَ أجاز غسل أمته ومن ذُكر معها؟.
4 - ولمَ أجاز غسل ذوي المحارم بعضهم بعضًا على صفة ما ذكر؟.
5 - ولمَ لَمْ يغسل المسلم نسيبه الكافر؟.
فَالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما غسل المرأة زوجها فجائز من غير خلاف إلا رواية عن ابن حنبل.
ودليل الجماعة ما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وصّى أن تغسله أسماء بنت عميس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير نسائه.
فأما غسل الزوج زوجته فيجوز عندنا وعند الشافعي.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته.
فدليلنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أشتكي فقال: وا رأساه! فقلت بل أنا وا رأساه! فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما عليك لو متّ
لغسلتك وكفنتك وصليت عليك 1. فلولا أنه جائز لما أخبر أنه يفعله.
وأيضًا فقياسًا على غسل الزوجة زوجها.
وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بأنها فرقة تبيح له نكاح أختها فحرم النظر إليها كالمطلقة قبل الدخول.
وقد اختلفت طريقة أصحابنا وأصحاب الشافعي في الانفصال عن هذا.
فانفصل أصحاب الشافعي بأن المطلقة قبل الدخول لا يجوز لها غسله فكذلك لا يجوز له.
وفي مسألتنا يجوز لها غسله فجاز له.
وأصحابنا لا يرون هذا الانفصال لأن أشهب قال: تغسله زوجته وإن لم يبن بها.
قال سحنون وكذلك يغسلها هو.
والتعويل في الانفصال على أصلنا أن أحكام الزوجية باقية بعد الموت بدليل التوارث.
والتوارث في مقتضى حكم الزوجية.
فإذا أشعر التوارث ببقاء حكم الزوجية أجزنا غسل أحدهما صاحبه.
فأما الجمع بين الأختين فإنما يمنع فيما طريقه التلذذ.
فمن نكح امرأة حرم عليه التلذذ بأختها.
والغسل لا تلذذ فيه وإنما بابه باب العبادات.
والنظر فيه إلى المغسول يثمر الاعتبار لا اللذة.
فلهذا أجزنا الغسل لمّا كان ليس موضوعه وموضوع حكم الجمع بين الأختين موضوعًا واحدًا.
وقد كان يجوز له غسلها حال الحياة فانسحب حكمه على ما بعد الموت على ما ذكرناه.
ولهذا قلنا إن لها أن تغسله ولو تزوجت غيره إذا وضعت قبل غسله.
قال ابن حبيب ورآه كجواز غسله لها.
وإن تزوج أختها.
وقد كان قال أحب إليّ ألا يغسلها إذا تزوج أختها.
وليس بحرام.
وقاله أشهب وكرهه ابن القاسم أيضًا في أحد قوليه.
ولو كان الزوج مسلمًا والزوجة نصرانية فليس له غسلها , ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين إذ لا يوثق بها إذا خلت به.
ولو كان الزوجان عبدين لجاز أن يغسل أحدهما صاحبه.
وإذا ظهر بعد الموت ما يمنع من صحة النكاح فإن كان فاسدًا لا يقرَّان عليه كنكاح المَحْرم والشغار، فلا يغسل أحدهما صاحبه.
وكذلك نكاح المريض والمريضة.
ولا يتوارثان فيه لأنه قد قيل عندنا يفسخ النكاح وإن صحّا.
وإن كان النكاح الفاسد مما يفوت بالدخول بأن يكون فساده في صداقة غسلها بعد البناء لا قبله.
وأما ما صح من النكاح ولكن ثبت فيه خيار كوجود عيب بأحدهما يوجب الردّ وما في معنى ذلك فإن ذلك لا يمنع من الغسل.
قاله سحنون.
وأشار بعض الأشياخ إلى تخريج هذا على الاختلاف في القيام بالعيب بعد الموت.
فمن مكّن من أصحابنا من القيام به بعد الموت وكان حكم الغسل موقوفًا على خيار من له الخيار.
فإن اختار ردّ العصمة بالعيب لم يجز له الغسل.
وإن اختار الاستمساك بها لما يكون له في ذلك من فائدة ميراث أو غيره جاز الغسل.
وفي هذا التخريج عندي نظر.
لأن الخيار إذا وقع بردّ العصمة بعد الموت فهل يكون رافعًا لها من حين العقد؟ هذا أصل مختلف فيه.
فيتخرج على هذه الطريقة الاختلاف في هذا الأصل.
إلا أن يحتاط للغسل فيرفع منه الخلاف فلا يباح.
والظاهر من منصوص أصحاب هذه الطريقة أنهم يرون الاختيار إذا وقع بالردّ، فكأن العصمة لم تكن في منع الميراث، وما في معناه من حقوق الزوجية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا وقع الطلاق البائن ثم حدث الموت بعده، فإن غسل أحدهما صاحبه لا يباح، كالأجانب.
ولو كان الطلاق رجعيًا ثم حدث الموتُ ففي المدونة المنع من الغسل.
وفي المبسوط إجازة الغسل.
وفي كتاب أبي الفرج روى ابن نافع عن مالك في المطلقة واحدة يموت زوجها قبل الرجعة أنها تغسله، وبالمنع قال الشافعي في الطلاق، ولم يبح للزوج غسلها فيه.
فمن أجاز اعتل بالتوارث وهو يشعر ببقاء حكم الزوجية كما كنا قدمنا.
وأشار أبو إسحاق إلى هذا وأن التوارث أباح من 1 الرؤية في حال الحياة.
وقد أجبنا عن هذا بأن المطلقة في المرض ترث، وإن كان الطلاق بائنًا.
ثم الغسل لا يجوز.
فلا اعتبار بالتوارث.
وإنما الاعتبار بإباحة الوطء.
وانسحاب إباحته.
والمطلقة الرجعية محرّمة الوطء وسنتكلم على الخلاف في تحريم الطلاق للوطء في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا وضح ما قلنا في حكم الزوجين فإنا إذا أجزنا غسل أحدهما صاحبه فإنه يستر عورة المغسول.
وأجاز ابن حبيب أن يغسل أحد الزوجين صاحبه والمغسول منهما عريان من غير ضرورة.
وفي كتاب ابن سحنون قال أشهب ويغسل أحد الزوجين صاحبه مجرّدًا.
قال سحنون يعني ستر عورته.
وهو قول أصحابنا.
وإذا أجزنا للمرأة غسل زوجها فقال ابن الماجشون لها أن تجففه وتكفنه ولا تحنطه إذ هي حادّ، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملًا، أو يكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل ولا تمس بالطيب إلا الميت.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل السيد أمته ومن في معناها كأم الولد والمدبرة فإنه جائز.
وقال أبو حنيفة لا يجوز، ويعتل بما قدمناه من جواز وطء الأخت.
والتفرقة بين حكم جمع الأختين ها هنا وبين جواز الغسل، قد تقدم الكلام عليه.
ولا يغسل مكاتبته ولا المعتق بعضها ولا المعتقة إلى أجل.
ومن له فيها شرك ولا كل من لا يحل له وطؤها.
وأما غسل الأمة سيدها فإنه يجوز عندنا وكذلك أم ولده ومدبّرته.
قال الشافعي: أم الولد على أحد الوجهين عنده.
وقال في الوجه الآخر لا يجوز.
وبه قال أبو حنيفة.
ويعتل لهذا القول بأنها تعتق بموته، فصارت أجنبية منه.
وقد قدمنا نحن الانفصال عن مثل هذا.
وإذا وضح ما قلناه في غسل مَن الوطءُ بينهما مباح، فهل يقضي بذلك لمن طلبه منهما؟ قال سحنون يقضى للزوج بغسل زوجته ولا يقضى لها على أوليائه.
وللامة غسل زوجها العبد وإن ولدت منه وللعبد غسل زوجته حرّة ويأذن له السيد في غسلها فيقضي له بذلك.
وإنما فرق سحنون بين القضاء للزوج بغسل زوجته وبين القضاء لها لمعنى نبه عليه في لفظ روايته.
وذلك لأن الرجل له أولياء يغسلونه.
فلو قضينا لزوجته لأسقطنا حق الأولياء في ذلك.
وأما المرأة فلا يغسلها أولياؤها.
وإذا كان غسلها موكولًا إلى النساء لم يكن في القضاء للزوج بغسلها إسقاط حق أحد.
فلهذا قُضي له.
وهذا معنى قول سحنون لا يقضى لها على أوليائه.
وهذا تنبيه منه على أن الزوج لو لم يكن له ولي لوجب
القضاء لها بغسله.
كما يقضى له بغسلها لاستوائه ها هنا, لأنه ليس هناك حق أحد يسقط.
ولهذا قال أيضًا بأنه يقضى للزوج إذا كان عبدًا.
وأذن له سيده وكانت زوجته حرة لأن القضاء ها هنا على النساء لا على الأولياء.
فلو كانت زوجته أمة لم يقض له لأن القضاء بذلك ها هنا على الولي الذي هو السيد.
ومال بعض أشياخنا إلى كون الزوج أحق من السيد استثقالًا لاطلاع سيدها عليها لمّا ماتت وهي في عصمة زوج.
وكذلك أيضًا ما ذكرنا من أن سحنون لم يقض للأمة بغسل زوجها العبد، فإنما ذلك لحق سيده.
ولو كان مالك العبد امرأة قدّم أولياؤه كابنه وأخيه على زوجته.
فإن لم يكن له أولياء قضي ها هنا لزوجته إذ ليس في القضاء ها هنا إسقاط حق لأحد.
وهذه طريقة سحنون.
وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن كل واحد من الزوجين أولى بغسل صاحبه.
قال أبو محمَّد هو أولى من قول سحنون.
وقال بعض أشياخنا لكونها أستر لزوجها.
وقد تنكشف عورته للولي إذا غسله فكان الأولى تقدمة الزوجة على الأولياء.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا مات الميت ولم يوجد رجل يغسله ولكن وجدت امرأة، أو ماتت امرأة ولم توجد امرأة تغسلها ولكن وجد رجل، فلا يخلو الموجود: إما أن يكون لا رحم بينه وبين الميت أو بينهما رحم.
فإن كان لا رحم بينهما، فعندنا أن حكم الميت أن يُيمم.
فإن كان رجلًا يُمم إلى المرفقين.
وإن كانت امرأة يُممت إلى كوعيها.
وبالتيمم على الجملة، قال ابن المسيب وأبو حنيفة وابن حنبل.
وقال قتادة والزهري والنخعي يُجعل عليها ثوب ويصبّ الماء من تحت الثوب ويمرّ الغاسل يده عليها بخرقة.
وقال الحسن وإسحاق يصب عليها الماء من فوق الثوب.
وقال الأوزاعي لا تُيمم ولا تُغسل.
وروي ذلك عند ابن عمر.
وللشافعية وجهان: أحدهما ما قاله ابن المسيب.
والثاني ما قاله قتادة.
واختار بعضهم مذهب الأوزاعي واحتج له بأن التيمم مباشرة من ليس بمحرم له.
والغسل يتعذر لأنه يحتاج فيه إلى النظر إلى المواضع التي لا يصل إليها الماء.
ولو وجد من جنس من يغسل من هو كافر، فهل يمكن من الغسل أم لا؟ فقيل يعلّم الكافر الغسل ليغسل الرجل.
وتعلّم الكافرة الغسل لتغسل المرأة.
قاله مالك.
وقال أشهب لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وُصف لهما.
ولا يؤتمن على ذلك كافر.
وقال سحنون يدَعوا 1 الكافر يغسل وكذلك الكافرة، ثم يحتاطون بالتيمم فيهما.
وإن كان بين الميت والغاسل رحم فاختلف في ذلك.
ففي المدونة في المرأة يغسلها من فِوق الثوب.
وفي الرجل يغسلنه ويسترنه.
واختلف قول ابن القاسم فقال يغسلنه من فوق الثوب.
وقال يسترن عورته.
وظاهر هذا تجريده للغسل.
وهكذا قال عيسى بن دينار ينزع ثوبه وتستر عورته.
وفي المختصر إذا مات وليس معه إلا أمه أو ابنته أو أخته فلا بأس أن يغسلنه ما لم يطلعن علي عورته.
فإن كانت امرأة معها أبوها أو أخوها أو ابنها ولا نساء معها فلا بأس أن يغسلها في درعها.
ولا يطلع على عورتها.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون أحب إليّ في أمه وأخته أن ييممها وكذلك المرأة في ابنها.
قال سحنون لا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا.
وقول مالك: أحب إليّ ولو فعل ذلك لرجوت أن يكون واسعًا.
وذكر في المجموعة أن المرأة يغسلها ذو المحارم منها من فوق الثوب وأن مالكًا أنكر ذلك في رواية ابن غانم.
واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للسائل عن الاستئذان على أمّه: أتحب أن تراها عريانة 2. قال أشهب فإن غسلها من فوق الثوب فواسع.
قاله مالك ولكن أكرهه للتعرض أن يضع يده على ما لا يصح مسه من جسدها وعورتها.
ولكن ييممها إلى المرفقين.
وكذلك المرأة تكون في ذوي محرم منها فتيممه أحب إليّ، وإن غسلته رجوت سعته.
وكذلك ذكر ابن حبيب أن ذا المحرم إذا لم يجد الماء يممها إلى المرافق وإنما يُمم إلى الكوعين الأجنبي وجد الماء أو لم يجد.
وأن ذا المحرم إذا غسلها صبّ الماء من تحت الثوب ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتلت عورتها ولكن يجافيه ما قَدَر.
وسبب هذا الخلاف الموازنة بين الاطلاع على ما الأصلُ منع الاطلاع عليه، وبين ترك ما تُعبدنا به من غسل الميت.
فلما اتضح عندنا شدة المنع من الاطلاع على الأجنبية كان الحكم التيمم.
ولما كان ذو المحرم يؤمن تلذذه
بالنظر كان أخفض رتبة للأمن عليه.
فجعلنا له الغسل على صفة ما ذكرنا من الغسل للمرأة من فوق الثوب.
وللرجل على القولين عندنا هل من فوق ثوب أو مجردًا مستور العورة؟ وقد قال مالك لا أرى أن يغسل الرجل أم امرأته ولكن ييممها، ففرق ها هنا بين التحريم تحريم نسب أو تحريم صهر.
لأن النفوس قد يوجد في بعضها منازعة إلى التلذذ بالصهر، ولا يوجد ذلك فيها في النسب المحرم.
وكان قد قال أشهب في المبسوط رأيًا أنه لا يكاد ينفك مع الغسل من الاطلاع على ما لا يجوز الاطلاع عليه.
فقالا بالتيمم ورأيا 1 أن مباشرة ما لا يباشر بالتيمم 2 من تركه الغسل (2).
ولأجل هذا الذي نبهنا عليه أجزنا غسل من لا يستلذها.
يقول مالك لا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين وابن سبع.
ويغسل الرجل الصبية الصغيرة إذا احتاج إلى ذلك.
قال ابن حبيب تغسل المرأة الصبي ابن سبع ونحوه إلا الصغيرة 3 جدًا.
قاله مالك وأصحابه.
وقال أشهب إذا كان يشتهى مثلها فلا يغسلها الرجل.
وذلك 4 يتقي منها مثل ما يتقى من الصبي.
قال ابن مزين قال ابن القاسم لا يغسلوها 5 وإن صغرت جدًا.
وروي عن مالك إجازة غسل المرأة لابن تسع سنين.
وقال الشافعي يجوز للمرأة غسل الصغير.
ولم يُحدّ السنن, وقاله أصحابه.
والذي يجيء على هذا المذهب أن لا يكون مميّزًا.
وقال الحسن إذا كان فطيمًا أو فوقه شيئًا.
وقال الأوزاعي أربع سنين أو خمس.
وقال إسحاق ثلاث إلى خمس.
وقال أبو حنيفة ما لم يتكلم.
وحكم الصبية عند الشافعي، حكم الصبي.
قال أصحابه فيما حكيناه من الأقوال أنه كمذهبهم إلا قول مالك 6. وإن كان أبو حنيفة أراد بالكلام الزمن المعتاد فهو أيضًا موافق لما ذهب إليه.
وإن أراد به على الإطلاق فليس بصحيح, لأن الكلام قد يتأخر.
وأنت ترى إجازة العلماء غسل المرأة الصبي والرجل الصبية وإن لم يكن بينهما رحم.
وما ذاك إلا للأمن من الشهوة.
وقد نبه بعض أصحابنا كما ذكرناه، وهو يؤكد عندك ما اعتللنا به.
وأنه مقصد المختلفين في ذلك.
ولو اقتصر على التيمم حيث ذكرنا الاقتصار عليه ثم وجدنا الغاسل فذكر سحنون في نساء يممن رجلًا إلى المرفقين وصفين عليه صفًا واحدًا أفذاذًا ثم جاء رجل قبل أن يدفن قال لا يغسل ولا يصلى عليه ثانية.
وقد أجزنا ما فعل النساء في وقت يجوز لهن ذلك.
ولو غُسل ودُفن بلا صلاة لم أرَ بذلك بأسًا
والأول أحبّ إليّ.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المشرك إذا لم يكن له قريب مشرك يتولى أمره وله قريب من المسلمين فلا خفاء بأنه لا يصلي عليه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 1. وأما غسله إياه فمنعه مالك، وأجازه الشافعي.
فأما مالك فإنه قاسه على الصلاة.
فإذا كان لا يصلي عليه فلا يغسله.
وأما الشافعي فإنه يرى أن المقصود من الصلاة الدعاء بالمغفرة والرحمة.
وذلك لا يحصل للكافرين.
فلا فائدة في طلب ما يعلم أنه لا يحصل.
وأما الغسل فالمقصود منه التنظيف، وذلك يحصل.
فلهذا فُعِل.
ويحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليًّا بأن يغسل أباه أبا طالب وأمره بدفنه.
وكان مات كافرًا 2. وقال مالك في ذمّي مات وليس معه أحد من أهل دينه أنه يوارى فإن له ذمة.
وقال في المسلم يموت أبوه الكافر لا يغسله ولا يتبعه ولا يدفنه إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه.
قال أشهب ولا يستقبل به متعمدًا قبلة أحد.
وقال ربيعة في المدونة في كافر بين مسلمين يوارونه ولا يستقبلون به القبلة ولا قبلتهم.
قال ابن القاسم وأشهب إن مات المسلم فلا يوكل إلى ابنه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره.
قال أشهب: فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه.
قال مالك ولا يعزّى المسلم بأبيه الكافر لقوله تعالى: {مَا لَكُمْ
مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} 1. فمنعهم الميراث وقد أسلموا حتى يهاجروا.
وقال ابن حبيب لا يحمل المسلم نعش الكافر ولا يحمل الكافر نعش المسلم.
ولا بأس أن يقوم على قبره وأن يحفره وأن يطرح عليه التراب.
ولو مات لمسلم كافر يلزمه أمره مثل الأبوين والأخ وشبه ذلك فلا بأس أن يحضره ويلي أمره ويكفنه حتى يخرجه ويبرأ به إلى أهل ذمته.
فإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه فإن خشي ذلك فليتقدمهم إلى قبره.
وإن لم يخش ضيعته وأحب أن يحضر دفنه فليتقدم أمام جنازته معتزلًا منه، وممن يحمله.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذِن في ذلك أن يتقدم أمام جنازته 2. قال مالك إذا خشي عليها الضيعة تقدمها ولا يدخلها قبرها إلا ألا يجد من يكفيه ذلك.
وفي كتاب ابن سحنون يعزى الذمي في وليه إن كان له جوار.
يقال له أخلف الله لك المصيبة وجزاه أفضل ما جوزي أحد من أهل دينه.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والكفن والحنوط من رأس المال ويستحب في الكفن الوتر والبياض.
ويجوز فيه اللبيس.
ويجوز في الحنوط المسك والكافور وكل الطيب.
ويُعتمد به مفاصله ومواضع السجود 3 منه.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة: منها أن يقال:
1 - ما حكم الكفن؟.
2 - وما قدره؟.
3 - وما المختار منه؟.
4 - ومن يلزمه التكفين؟.
5 - وما حكم الحنوط؟.
6 - وهل يحنّط المحرم؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: التكفين عندنا واجب.
وقد اشتهر في الشرع العمل به، ومضى المسلمون عليه.
ولأن ستر العورة واجب في حق الحي.
وحرمة الميت كحرمة الحي.
فإذا لم يمكنه سترها سترناها نحن.
وإذا ثبت وجوبه فإنه يقدم على حق الوارث وعلى حق الغريم أيضًا.
قال مالك في المختصر وغيره: والكفن والحنوط من رأس المال.
قال والرّهن أولى من الكفن والكفن أولى من الدين.
قال طاوس في مؤنة الميت إن كان له مال كثير، فمن رأس ماله.
وإن كان قليلًا فمن ثلثه.
قال .. 1. الدليل على أن الكفن من رأس المال أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة فكفن فيها 2.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي وقص به بعيره: كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما 3 ولم يسأل عن قلته 4. وقياسًا على المفلس الحيّ فإنه تقدم كسوته على ديونه.
وقال المخالف ما زاد على ستر العورة ليس بواجب.
فكان من الثلث.
ينتقض بالحي.
وأما تقدمة حق المرتهن فلأن الميت، وإن تعلق له حق بأن يكفن من ماله، فإن ما رهنه من ثيابه قد تعلق به حق المرتهن قبل تعلق حق الميت بالتكفين.
ورضي الراهن بإسقاط حقه فيما رهنه حتى يفتكه.
فلهذا قدّم المرتهن.
وأما تقدمة الكفن على الغريم فلأن الحي إذا فُلّس لم يكن للغرماء نزع ثيابه عنه التي لا بدّ له منها.
فإذا كان من حقه بقاء لباسه في حال الحياة، وإن أفلس فكذلك في حال الموت.
فإذا ثبت وجوب التكفين فهل يتكرر وجوبه إذا تكررت الحاجة إليه بأن ينبش فيسرق كفنه؟ فاختلف في ذلك.
فقال مالك في المبسوط يتجدد له كفن.
وقال ابن القاسم في العتبية على ورثته أن يكفنوه من بقية تركته.
فإن كان عليه
دين محيط فالكفن الثاني أولى.
قال أصبغ: لا يلزم ورثته أن يكفنوه ثانية في بقية ماله إلا أن يشاؤوا ويحتسب فيه محتسب.
قال سحنون إذا كان بحِدْثان دفنه ولم يقسم ماله فليكفن ثانية من رأس ماله.
وإن كان قسم ماله فليس ذلك على ورثته، وإن كان أوصى بثلثه لم يجدّد كفنه من ثلثه ولا غيره.
قال سحنون أيضًا ليس على الورثة أن يكفنوه.
قال الشيخ أبو الحسن: لا بد من ستر عورته.
وإذا خيف نبشه كانت حراسته من رأس المال.
قال أبو العلاء البصري لو نبش فأكله السبع وبقي كفنه لكان للورثة.
وإذا كان لهم ها هنا كان عليهم أن يعيدوا الكفن إذا سرق.
فوجه القول بإعادة التكفين أن الكفن من حقوق الميت متعلق بماله وإنما حق الورثة فيما فضل عن ذلك .. 1. كان حق الميت في التكفين مقدمًا على حق الوارث ولم يتعين حقه في كفن بعينه بل من حقه الستر من ماله وجب إعادة التكفين.
لأن حقه لم يكن معلقًا بذلك الكفن المسروق خاصة، حتى تكون مصيبته منه.
ووجه القول بسقوط إعادة التكفين أن حقه يقوم على الوارث بقدر الكفن.
فإذا كُفن فقد وصل إليه حقه وصار ما فضل عن ذلك يخلص للوارث، فلا يلزم أن يكفنه من حق قد خلص إليه.
وقد كان الميت قبض حقه منه فجائحته بعد القبض منه.
ووجه القول الثالث أن قسمة المال تمييز حق الوارث من حق الميت.
فإذا يتميز الحقان لم يلزم الوارث أن يكفن الميت من حق قد يتميز.
ولو كان قد أوصى بالثلث لم يلزم أيضًا إعادة كفنه.
وإن كان الثلث على ملك الميت لم يخرج لأنه بالقسمة قد خلص للموصى لهم وتميّز فلا يلزم التكفين منه بعد خلوصه لأهله.
وإذا كفن الميّت ثانية ثم وجد الكفن الأول فهو ميراث.
قال محمَّد بن عبد الحكم إلا أن يكون على الميت دين فيكون للغرماء.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما عدد ما يكفن فيه فقد قال عيسى في شرح ابن مزين يجبر الغرماء والورثة على ثلاثة أثواب من مال الميت.
وإن قالوا تكون غليظة لم يكن ذلك لهم إذا كانت لا تشبهه.
وهذا الذي قاله
عيسى في جبر الغرماء على ثلاثة أثواب لا يقتضيه النظر إلا أن تجري بذلك عادة يعلم أن الغرماء دخلوا عليها.
فلعله رأى أن العادة اطردت بذلك ففرضه له.
ولم يفرض له ما يترك حال الحياة في الفلس.
وفي المدونة أحبُّ إليّ أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب إلا أن لا يوجد ذلك.
ويستحب أن يكون الكفن وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا.
قال بعض أشياخنا لا أرى أن يجاوز السبع لأنه في معنى السرف.
قال مالك ليس في كفن الميت حدّ.
والوتر أحب إلينا ولا بأس أن يكفن الميت في غير ثوب.
وهكذا عنه في المختصر والمجموعة.
وروى أيضًا عنه ثوبان أحبّ إلينا من ثوب.
يعني أن الواحد وإن كان وترًا فإنه يصف.
والاثنان إذا كان شفعًا فهما أستر.
وقال في المختصر كفّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب.
وكفّن النبي - صلى الله عليه وسلم - الشهداء يوم أُحد اثنين في ثوب.
وكفّن ابن عمر ابنه في خمسة أثواب.
وكفّن أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ثوب فيه مشْق.
وذكر أشهب أن أبا بكر رضي الله عنه كفّن في ثوبين.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه كفّن في ثلاثة.
وقال أشهب لا يكفن رجلان في ثوب إلا من ضرورة وقال لا بأس بالكفن في ثوب الرجل للمرأة.
ولا أحبّ أن يقصر في 1 ثوبين للرجل لمن وجد.
لأن الثوب الواحد يصف ما تحته قال ابن القاسم الوتر أحبّ إلى مالك في الكفن وإن لم يوجد للمرأة إلا ثوبان لفّت فيهما.
وكذلك من لم يبلغ من صبي أو صبية فالوتر أحب إلى مالك فيه.
قال أشهب وسحنون هذا فيمن راهق.
وأما الصغير فالخرقة تكفيه.
وإذا أوصى أن يكفّن في سرف أو أوصى بمثل ذلك في حنوطه وإقباره فلا يجوز في رأس المال إلا ما يجوز مثله لو لم يوص.
قاله أشهب وابن القاسم.
قال مالك لا يجوز من ذلك إلا ما يكفّن فيه مثله.
قال سحنون في الموصي أن يكفّن في سرف يجعل قدر القصد في رأس ماله، والزائد في الثلث.
قال ابن شعبان وقد قيل الزائد على قدر .. 2. رأس المال وهو ممنوع من إخراجها منه.
فهل يخرج الثلث أم لا إذا كانت الوصية مما تجوز؛ وهذا فيه من التنازع ما يذكر في
موضعه إن شاء الله تعالى.
قال سحنون فيمن أوصى أن يكفّن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة ثوبًا آخر فذلك له ويجعل إذا كان في التركة محمل ذلك.
قال ابن شعبان إذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة الزيادة بغير ممالاة من جميعهم.
قال سحنون في غريب لا يعرف له أهل مات عن دينار أو دينارين لا بأس في مثل هذا اليسير أن يجعل كله في كفنه وحنوطه وقبره.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: خرّج مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمران يحسّن كفن الميّت 1. قال ابن حنبل القصد في الكفن أحبّ إليّ من المغالاة فيه.
ورُوي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
قال أشهب في 2 الخلَق والجديد سواء.
وليس على أحد غسله إذا لم يخف نجاسة، وواسع في البرود.
والبياض أحب إلينا.
قال ابن حبيب أحب إلى مالك في التكفين خمسة أثواب تعد فيها العمامة والمئزر والقميص ويلف في ثوبين.
وذلك في المرأة ألزم لأنها تحتاج إلى مئزر وتشد بعصايب تشد من حقويها إلى ركبتيها ودرع وخمار وثوبين تدرج فيهما.
قال ابن حبيب وثوبان أحب إلينا من ثوب يعني لأنهما أستر.
وثلاثة أحب إلينا من أربعة يعني لكونها وترًا.
قال ابن شعبان والمرأة في عدة أثواب الكفن أكثر من الرجال.
وأقله لها خمسة وأكثره سبعة.
ولا ينقص الرجل الذي يجد من ثلاثة.
ويكفن في مثل هيئته في حياته إن تشاح الورثة.
وهذا الذي أشار ابن شعبان من اعتبار حال هيئته عند تشاح الورثة ظاهره خلاف ما كنا قدمناه في السؤال الذي قدمنا قبل هذا عن عيسى من إجباره الورثة على ثلاثة أبواب.
قال ابن حبيب: ويستحب للرجل أن يوصى أن يكفن في أثوابه التي شهد فيها الجماعات والصلوات.
وثوبي إحرامه إن حج رجاء بركة ذلك فقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته حقوه 3. وقال أشعرنها إياه.
وأعطى ثوبه الذي يلي جلده إلى ولد عبد الله بن أبي بن سلول يكفّن فيه
أباه 1. وأوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفّن في جبة صوف شهد فيها بدرًا.
والعلماء يحبون البياض في الكفن والحَبَر مستحب لمن قوي عليه.
ورُوي نحوه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ورُوي أنه - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب فقيل إنها بيض.
وقيل إن أحدها حبرة.
والمستحب في لون الكفن البياض.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم فإنها من خير ثيابكم 2. واختلف المذهب في المعصفر فكرهه في المدونة لأنه تغيير لون بما ليس بطيب.
قال عنه ابن وهب: كره التكفين في الخزّ والمعصفر إلا أن لا يوجد غيره.
قال عنه ابن القاسم في الرجل والمرأة قال عنه علي لا بأس بالمعصفر والمزعفر للرجال والنساء.
وقد كُفن أبو بكر رضي الله عنه في ثوب مصبوغ أمرهم بغسله.
فإما أن يكون أراد بغسله تطهيره أو ذهاب لونه.
وأما الكفن في الحرير فكرهه في المدونة في الأكفان.
وظاهره أنه كرهه للرجال والنساء.
وكأنه رأى، أنه وإن كان جائزًا للنساء حال الحياة، فإنه إنما جاز لموضع الزينة.
وذلك المعنى معدوم حال الموت ويصير من ناحية السرف لأن مصيره إلى المهنة والصديد.
وفي سماع ابن وهب قيل لمالك فالرجل الميت يكفن في الثوب فيه الحرير قال ما يعجبني فإن فعل فأرجو أن يكون في سعة.
فكأنه أشارها هنا إلى خفة الكراهة للرجال حال الموت لمّا كانت العبادة ساقطة بالموت.
وفرّق ابن حبيب بين الرجال والنساء.
فأجازه للنساء خاصة.
ولا بأس أن تكفّن المرأة في الحرير والخزّ والمعصفر المفدم، 3 وما جاز لها لبسه.
وللرجل لبسه في الحياة، فالكفن له أولها فيه مباح ما لم يُرد بذلك السمعة والنفخ 4 لأنه ليس في محل ذلك.
قال ابن القاسم في العتبية تكفّن المرأة في الورس والزعفران.
وكره مالك المعصفر إن وجد غيره.
وأما العلم
الحرير ففي المجموعة لا يكره العلم الحرير في الكفن.
قال أصبغ في العتبية لا يكفن في الحرير رجل ولا إمرأة إلا أن لا يوجد غيره ولا يلبس الرجل ما سداه حرير، وإن كان قلنسوة.
ويحنث بلباسها الحالف ألا يلبس حريرًا.
وقال ابن حبيب لا بأس في كفن الرجل بالعلم الحرير.
وأما الخزّ فقال مالك في المدونة يكره في أكفان الرجال والنساء الخزّ والمعصفر.
وقد سمعت عنه أنه يَكره الحرير محضًا في الأكفان.
قال ابن القاسم وكذلك الخزّ لأن سداه الحرير.
فقال مالك لا يكفّن فيه إلا أن يضطر إليه.
وعنه في المجموعة أنه كره التكفين فيه إلا أن يوجد غيره.
قال عنه ابن القاسم في الرجل والمرأة.
قال بعض أشياخنا الخزّ الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير لأن سداه وطعمته حرير وليس كالذي يعمل بالمشرق.
وقال عبد الوهاب يجوز لباس الخز وقد لبسه السلف وكرهه مالك لأجل السرف.
وأما تعميم الميت فقال في المدونة: والرجل أحب إليّ أن يُعمم.
قال فقلت له كيف يعمم أكما يعمم الحي؟ قال: لا أدري.
إلا أنه من شأن الميت عندنا أن يعمم.
وحكى عنه ابن شعبان في مختصره: ويعمم الميت من الرجال، والنساء يخمرن.
وهكذا قال ابن حبيب استحب مالك أن يعمم الميت وتخمر الميتة.
قال مطرف ... 1 ويكون منها قدر ذراع يغطي بها وجهه.
وكذلك يترك من خمار الميتة لذلك.
وقيل لابن القاسم في العتبية أيجعل في الكفن عمامة أو قميص ويؤزر الميت؟ قال أحب إليّ في كفن الميت ثلاثة أثواب لا يُجعل فيها قميص ولا عمامة ولا مئزر.
ولكن يدرج فيهن إدراجًا.
وكذلك كفن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما تقميص الميت فقد استحب مالك في هذا الذي نقلناه عنه أن لا يقمص.
وفي الواضحة أنه يقمص.
وقد قدمنا قول ابن حبيب أحب إلى مالك في الكفن خمسة أثواب تُعد فيها العمامة والمئزر والقميص.
وباستحباب تقميصه قال أبو حنيفة.
وحكى ابن القصار عن مالك والشافعي أنه مكروه.
ورأيت بعض أصحاب الشافعي يعبّر عن مذهبهم بأنه لا يستحب القميص ولا العمامة للميت.
وهذه العبارة إنما تتضمن نفي الاستحباب لا الكراهة.
فدليل الكراهة قول عائشة
رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفّن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة 1. ولأن أفضل أحوال الحي حالة الإحرام لا يلبس المخيط فينبغي أن يشته الميت به في اللباس.
ولأن القميص إنما يُراد للزينة والحرمة والميت ليس من أهل ذلك فليس في تقميصه فائدة.
واحتج من يستحب بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في قميصه 2. وانفصل عنه الآخرون بأن رواية عائشة رضي الله عنها أولى لأنها أعلم بهذا.
وأيضًا فيمكن أن يكون قد فتق القميص حتى صار كالرداء.
قال بعض أشياخنا لا يقتصر في الكفن على قميص دون المدرج.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا كان الميت لا مال له ولا لهُ من تلزمه نفقته فكفنه في بيت المال.
وإن تعذر الوصول إلى بيت المال فكفنه على جميع المسلمين.
وإن كان الميت مليًّا فكفنه من ماله إذ لا يلزم أحد أن ينفق عليه إذا كان ذا مال، إلا أن يكون الميت زوجة فإن المذهب اختلف فيها.
فإن كان تلزم الزوج نفقتها في ملئها فقال مالك يقضي على الزوج بتكفينها وإن كانت ملية.
ورُوي عنه أيضًا أنها إن كانت مليّة.
فذلك في مالها، وأن يلزم الزوج إذا كانت فقيرة.
وقيل ليس على زوجها تكفينها وإن كانت فقيرة قاله سحنون.
وروي عنه أيضًا أنه استحسن أن يكفنها الزوج إن كانت فقيرة.
واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال بعضهم كفن المرأة في مالها وبه قال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل.
وقال بعضهم بل في مال الزوج فيحتج من أسقط الكفن عن الزوج بأن النفقة في مقابلة التمكين من الاستمتاع وذلك يزول بالموت.
وأما العبد فإنه يلزم سيده أن يكفنه، وإن كان قد سقط الملك بالموت.
لأن ذلك من الحقوق التابعة للملك وقد كان الملك، فوجب الإنفاق.
فهذا الحكم ينسحب على العبد حال الموت حتى تنقضي المؤن اللازمة في الميت.
وبهذا المعنى يقدح فيما قدمنا بتعليل من علل سقوط الكفن عن الزوج بسقوط التمكين من الاستمتاع.
لأن النفقة تجب للعبد بحق الملك ثم الملك يزول بالموت.
ومع هذا لم تزل عن السيد المطالبة بالكفن.
وأما من يلزم الإنفاق من الأقارب كالولد والأب فاختلف المذهب في تكفينهم هل يتْبع وجوب الانفاق عليهم أو لا؟ فقيل ذلك تابع للانفاق.
وإلى هذا ذهب ابن الماجشون.
وإليه نحا ابن القاسم.
وقيل لا يتبع ذلك الانفاق.
وقال أصبغ لا يلزمه ذلك إلا في عبيده.
وصوّب ابن حبيب القول الأول.
واعتل بأنه كما لا ينقطع حقه بموته من ماله في كفن نفسه، فكذلك في حق من تلزمه نفقته إذا ماتوا.
وقال سحنون لا يلزم التكفين إلا في عبيده وإن كانوا كُفارًا.
هذا في القياس.
وأما في الاستحسان فيلزمه في الولد الصغار وللبنات الأبكار، وأما الزوجة والأبوان فلا.
وجميع ما قدمناه في الكفن بحكم الإنفاق في محل الدفن حتى يوارى كحكمه.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: ذكر ابن حبيب في الواضحة ونحوه لأشهب في المجموعة أن الميت عند فراغ غسده ينشّف بدنه في ثوب وعورته مستورة.
وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترًا.
فإن أجمرت شفعًا فلا حرج 1 ثم يبسط الثوب الأعلى.
فقال أشهب اللفافة التي هي أوسع أكفانه ثم الأوسع فالأوسع من باقيها.
قال ابن حبيب فيُذرّ على الأول من الحنوط ثم على الذي يليه.
هكذا إلى أن يلي جسده فيُذّر عليه أيضًا.
قال أشهب وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه والكافور فواسع.
قال ابن حبيب ثم يجعل الكافور على مساجده من وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه ويجعل منه في عينيه وفي فمه وأذنيه ومرفقيه وإبطيه ورفغيه.
وعلى القطن الذي يجعل بين فخذيه لئلا يسيل منه شيء ويشد بخرقة إلى حجزة مئزره.
وهذا الذي قاله ابن حبيب من جعل الكافور على مساجده لعله خصها بذلك إكرامًا لها لما كانت هي الأعضاء المتقرب بها إلى الله سبحانه.
فمواضع الحنوط خمسة على ظاهر جسد الميت، وفيما بين أكفانه لا فوق كفنه وعلى مساجده السبع الجبهة والأنف والركبتين وأطراف أصابع الرجلين ذكره في شرح ابن مزين.
وفي منافذ الوجه التسعة العينين والأذنين والفم والمنخرين وفي المغابن وفي الأرفاغ وهو كل موضع
يجتمع فيه نحو الإبطين ومراجع الركبتين وهي المغابن.
وهو قول عطاء.
فإن لم يحمل جميع هذه المواضع الخمس، فالبداية عند ابن القاسم بالمساجد السبع ذكره عنه ابن مزين.
فان كثر فعلى جسده وبين الأكفان.
ولم يزد على ذلك.
قال سحنون ويسدّ دبره بقطنة فيها ذريرة ويبالغ فيه برفق.
قال ابن حبيب وتسد مسام رأسه بقطن عليه كافور نحو أذنيه ومنخريه، ثم يعطف بالثوب الذي يلي جسده بضم الأيمن إلى الأيسر ثم الأيمن عليه.
كما يلتحف في حياته.
وقاله أشهب في المجموعة.
قال وإن عطف الأيمن أو لا فلا بأس ويفعل هكذا في كل ثوب.
ويجعل عليه الحنوط إلا الثوب الأخير فلا يجعل على ظاهر كفنه حنوط ثم يشد الثوب عند رأسه وعند رجليه.
فإذا ألحدته في القبر حللته.
قال أشهب إن تركت عقده فلا بأس ما لم تنبتر أكفانه.
وفي كتاب ابن شعبان ويخاط الكفن على الميت ولا يترك بغير خياطة.
قال أشهب في المجموعة: وتكفن المرأة نحو ذلك وليُغط رأسها كما يُغطّى بالدفن.
قال مالك ولا بأس أن يحنّط بالمسك والعنبر، وما يتطيب الحي.
ولْيَل تحنيط المحرم وغيره محرم 1. وليغط رأسه كما يغطى بالدفن.
قال ابن شعبان في مختصره: أجمع الناس أنه لا بأس أن يعني بالمسك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يم حنط به.
وأوصى به علي ابن أبي طالب في حنوطه 2 ولم يكرهه أحد غير الحسن وعطاء ومجاهد.
وأجازه للمحرم من أجاز تحنيطه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة والأوزاعي أن الموت يقطع حكم الإحرام فيخمر رأس الميت ويطيب وبه قال ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما.
وقال الشافعي لا ينقطع حكم الإحرام بالموت فلا يلبس المخيط ولا تشد عليه أكفانه ولا يخمّر رأسه ولا يطيب.
روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.
فدليلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: خمّروا وجوه
موتاكم ولا تشبهوا باليهود 1. وهذا على عمومه.
ولأن الميت انقطع التكليف عنه وتكليفه لا يصح فلا معنى لبقاء حكم الإحرام لانقطاع التكليف.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث 2. ذكرها ولم يذكر فيها الإحرام.
وهذا تنبيه على صحة ما قال من انقطاع حكم العمل.
مع أن ظاهر الحديث يوجب انقطاع حكم الإحرام بعموم ما ذكر فيه من الانقطاع سوى ما استثناه.
ألا ترى أن المحرم إذا مات لا يطاف به ولا يفعل بجسده مناسك الحج.
وإنما ذلك لاستحالة تكليفه وانقطاع العبادة عنه.
فإذا لم يفعل به مناسك الحج دل ذلك على سقوط حكم الإحرام.
وقد نبهت عائشة رضي الله عنها على ذلك فقالت: إنما هو جسد فاصنعوا بالمحرم كما تصنعون بموتاكم.
فأما المخالف فإنه يستدل بما روي أن محرمًا خرّ من بعير فوقص فمات.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا 3. وأجيب عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر في هذا معنى أشار به إلى أنه هو العلة في أن لا يطيب ولا يخمر رأسه.
وهذا المعنى هو من الغيوب التي لا نعلمها نحن فيما سوى هذا المحرم فنقيس سائر المحرمين عليه.
وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أوحى إليه بأن هذا المحرم يبعث ملبيًا.
فمن أين نعلم نحن أن غيره من المحرمين يبعث كذلك.
ولا يمكن جزم القول بأن مراده - صلى الله عليه وسلم - أنه يبعث ملبيًا لأجل إحرامه.
فيكون كل محرم يبعث ملبيًا لمشاركته هذا في الإحرام.
لأنه يمكن أن يكون خص هذا المحرم بذلك إكرامًا له وتشريفًا.
وإذا احتمل ذلك، لم يكن جعل الإحرام علمًا على البعثة ملبيًا في حق كل محرم.
وقد اعتمدت الشافعية على أن الإحرام لما كان من العبادات التي يدخل الإنسان فيها بفعله وبفعل غيره لم تبطل بالموت كالإيمان.
ألا ترى أن الإيمان يحكم به للولد بإيمان أبيه.
فلا ينقطع حكم
الإيمان عن الصبي بموته.
فكذلك الإحرام لما كان يدخل الصبي فيه بإحرام وليه لم ينقطع بالموت.
ولا يُقاس الإحرام على غيره من العبادات.
وهذا الذي قالوه يرده ما قدمنا الإشارة إليه من أن حكم الإحرام لو بقي بعد الموت ولم ينقطع لأجل كونه عبادة يدخل فيها بفعل غيره، لوجب أن يطاف بالميت ويسعى كما يطاف بالصبي ويسعى.
فلما أجمع على أن الميت لا يفعل به ذلك دلّ على انقطاع حكم الإحرام، وأشعر بفساد ما قالوه.
وأما الأحكام المتعلقة بالصبي بعد الموت فإنما هي عبادات تعبدنا نحن بها أن نفعل به ما كنا نفعل بأبيه.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: الصلاة على الميت واجبة وهي من فروض الكفايات لا تجزي إلا بطهارة كسائر الصلوات.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: وهما أن يقال:
1 - ما الدليل على أنها واجبة من فروض الكفايات؟.
2 - ولمَ نبّه على افتقارها إلى الطهارة؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما مالك فقد قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي رحمه الله لم أجد له فيها نصًا.
وحكى ابن الجلاب أن مالكًا قال: انها واحمة وأما ................. 1. وقد قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي قوله فيمن تيمم لمكتوبة فصلاها أنه يتنفل بذلك التيمم ويصلي به على الجنازة يقتضي أن صلاة الجنازة غير واجبة.
لأن مالكًا والجماعة لم يروا الجمع بين فريضتين بتيمم واحد.
وقال غيره من المتأخرين قوله في المدونة في باب سجود القرآن: ألا ترى أن الجنازة يُصلى عليها بعد العصر ما لم تصفر الشمس، يقتضي أنها ليست بواجبة لإلحاقه إياها بسجود القرآن.
وأنكر بعض الأشياخ هذا الاستنباط.
وتال إن القائلين بوجوب صلاة الجنازة لا يرونها فرضًا على الأعيان وإنما يرونها فرضًا على الكفاية فليست بواجبة في حق كل أحد.
فلما صارت ساقطة في حق كل أحد إذا قام بها من يكفي ألحقت بالنوافل في جواز صلاتها بتيمم الفريضة وجوازها في الوقت المشار إليه.
وهذا يمنع من
استنباط ما يستنبطه الآخرون.
لا سيما وقد قيل في المذهب بجواز الجمع بين صلاتين بتيمم واحد.
وهذا الكلام على ما يضاف إلى مالك نصًا واستنباطًا.
وأما أصحابه فإنهم اختلفوا فقال أشهب واجب على الناس الصلاة على موتاهم.
وحكى ابن المواز عن ابن عبد الحكم أنه قال: هي فرض وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ 1. وقال سحنون يعني فرضًا يحملها بعضهم عن بعض، فمن حضرها قام به فإن لم يحضروا جميعًا كانوا تاركين للفرض.
وقال أصبغ الصلاة على الموتى سنة واجبة.
ونقل بعض المتأخرين في تصنيفه عن أصبغ أنه قال: إنها سنة ولم ينقل عنه واجبة.
وقد استدل ابن عبد الحكم على الوجوب بما حكيناه عنه من إشارته إلى الاعتماد على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية.
وتعقب عليه الاستدلال أبو الحسن اللخمي فقال هذا: النهي عن الشيء أمر بضده إن كان له أضداد.
فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين والندبُ والوجوب، فليس لنا أن تحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم وأنهم لا يسعهم ترك ذلك.
وهذا الذي قاله رحمه الله هفوة لا يقع فيها حاذق بعلم الأصول.
وإن كان رحمه الله ليس بخائض في علم الأصول.
ولكن تعلق بحفظه منها ألفاظ ربما صرفها في غير مواضعها.
ولقد كنت خاطبته على مواضع منها رأيته انحرف فيها عن أغراض أهلها فربما أظهر قبولًا لذلك، وربما استثقله.
ولقد جمع في هذا الكلام بين حقائق مختلفة ساقها مساق الحقيقة الواحدة.
فقال النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ضدًا واحدًا وليس كذلك إذا كان ذا أضداد.
وقد صدق فيما قال لأنه إذا كان ضد واحد، وكان الخطاب أمرًا، كان ذلك نهيًا تعين الأمر في الضد الواحد وإن كان ذا أضداد كان الأمر بواحد منها لا بعينه.
ولكنه مثل الضد الواحد بالفطر والصوم.
فلما كان الفطر والصوم ضدين كان الأمر بأحدهما نهيًا عن الآخر والنهي عن أحدهما هو الأمر بالآخر.
ومثل ذي الأضداد يكون النهي عن الشيء ضده الإباحة، لذلك الشيء أو الندب إليه أو
الوجوب له.
فأنت تراه كيف مثل الأضداد مرة بالأفعال المأمور بها، ومرة بنفس الأوامر والنواهي.
وليس هو سياقة الحاذق بالأصول ولكن مقصده مفهوم.
وتحقيق العبارة عنه أن تقول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد وعن سائر أضداده إذا كان ذا أضداد.
والنهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ذا ضد واحد.
وبأحد أضداده إذا كان ذا أضداد.
فالنهي عن الصلاة على الكفار أمر بأحد التروك المضادة للصلاة عليهم لأن الصلاة عليهم ترك لأمور كثيرة تكون كلها أضدادًا للصلاة عليهم.
واحد هذه الأضداد الصلاة على المؤمنين لأنا إنما نجعل النهي عن الشيء أمرًا بأحد أضداده لا بعينه.
فلا يمكن مع هذا تعيين الأمر بالصلاة على المؤمنين لأجل هذا النهي.
فأنت ترى كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده لا مدخل له في الاستدلال على هذه المسألة، ولكن إنما سلك فيها إجراءها على باب دليل الخطاب، وهكذا افتتح الشيخ أبو محمَّد في نوادره باب وجوب الصلاة على الجنازة.
فقال اختلف في الصلاة على الجنازة.
فقيل فريضة يحملها من قام بها لقول الله تعالى،: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
فدل ذلك أنه مأمور بالصلاة على غيرهم.
وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين.
وهذا الذي قاله الشيخ أبو محمَّد.
وأشار إلى أنه قول جماعة من البغداديين طريقة يحسن أن تسلك.
ولكن أيضًا تفتقر إلى تحرير.
والذي أشار إليه أبو الحسن اللخمي ولكن لم يسقه مساقه ولم تبلغه نهايته.
وبيانه أن الله سبحانه إذا قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 1. فهذا الخطاب يدل على أن المؤمنين بخلاف الكافرين لأنه إذا قال: لا تصلّ على الكافرين لكفرهم دل على أن المؤمنين بخلافهم لا ينهى عن الصلاة عليهم ولكن إذا لم ينه عن الصلاة عليهم فما يكون حكم الصلاة عليهم؟ يمكن أن تكون الصلاة عليهم مباحة أو مندوبة أو واجبة.
لأن هذه الثلاثة أحكام كل واحد منها مخالف للنهي ويحصل بإثباته دليل الخطاب فلا يتعين في الدليل الأمر كما أشار إليه الشيخ أبو محمَّد والبغداديون أيضًا.
وهذا الذي أشار إليه أبو الحسن أن ينبه عليه ولكنه ساقه
مساقًا متنافرًا كما نبهنا عليه، ولكن للشيخ أبي محمَّد أن يقول الإباحة، وإن كانت أحد أضداد النهي.
ويصح حمل دليل الخطاب عليها فإن الإجماع قد منع من ذلك إذ لم يقل أحدٌ أن الصلاة على المؤمنين مباحة.
فإذا امتنع تقدير هذا القسم بالاتفاق انحصر دليل الخطاب في الندب والوجوب وكلاهما مأمور به فاسْتَتَبَّ المراد.
وهذا نهاية ما يقال في هذه الآية.
وتحرير كلام من تكلم عليها من المتأخرين مع أنا لا نُخْلي كلام الشيخ أبي محمَّد من تعقب عليه.
وذلك لأن الإباحة إذا ارتفعت بالاتفاق لم تحسن الإشارة إلى أنها ارتفعت بحكم دليل على حسب ما اقتضاه كلامه.
وأيضًا فإن مراده أن دليل الخطاب يقتضي وجوبها.
وقد قدمنا أن الدليل متردد بين الوجوب والندب، إلا أن يقول بأن النهي لا دليل له إلا الأمر خاصة ولا يكون دليله الإباحة، كما أراد الشيخ أبو الحسن ونبه عليه.
وقد ثبت أن النهي ها هنا على التحريم فليكن دليله أمرًا على الوجوب.
وهذا يفتقر إلى نظر آخر في أحكام دليل الخطاب وحقيقته عند مثبته وأحكام الإباحة والنواهي وغير ذلك مما لا يمكن بسطه.
ولكن قد أوردنا ما يتعلق بكلام هذين الرجلين وكررنا عليهما ما قالاه.
وقد يستدل على الوجوب بما وقع في ذلك من أوامر وأفعال على القول بإفادة ظواهر هذه الأشياء للوجوب.
وقد استدل بعض أصحابنا على نفي الوجوب بأن صلاة الجنازة ركن من أركان الصلاة فليس ما انفرد، واجبًا قياسًا على سجود التلاوة 1.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال أيضًا: نبّه على افتقار صلاة الجنازة إلى طهارة لما في ذلك من الخلاف.
فقد ذهب الشافعي والطبري إلى أنها لا تفتقر إلى طهارة لما رأياها لا ركوع فيها ولا سجود.
فكأنهما استشعرا من عدم الركوع والسجود كونها خارجة عن الصلاة، وإذا خرجت عن الصلاة لم تفتقر إلى طهارة.
لأن الشرع إنما جاء باشتراط الطهارة في الصلوات، والمقصود من صلاة الجنازة الدعاء.
ولأجله شرعت، والدعاء لا يفتقر إلى طهارة.
ودليل أئمة الأمصار على افتقارها إلى طهارة أن الشرع أمر بالطهارة للصلاة.
قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ 2. وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا
صلاة إلا بطهور 1. وصلاة الجنازة لا شك في تسميتها صلاة وذلك في الشرع أكثر من أن يحتاج إلى الاستشهاد.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ 2. ووقع في الآثار من إطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - اسم الصلاة عليها ما لا يخفى.
وكذلك يقول الصحابة صلّى على فلان وصَلِّ على فلان.
وإذا ثبت تسميتها صلاة دخلت فيما قدمناه من العمومات والظواهر.
وأيضًا فإنها تفتقر إلى تكبير وتسليم واستقبال قبلة.
فلو كان لها حكم الدعاء المحض لم تفتقر إلى تكبيروتسليم، واستقبال قبلة.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: يكبّر فيها أربع تكبيرات يدعو بين التكبيرات من غير قراءة بأم 3 القرآن ولا غيرها , وليس فيها إلا الاجتهاد في الدعاء 4.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما الدليل على أن التكبير أربع؟.
2 - وهل يُتابَع الإِمام إذا زاد عليه؟.
3 - وهل يقرأ بأم القرآن أم لا؟.
4 - وهل الدعاء محدود أم لا؟.
5 - وهل ينتظر من فاته تكبير الإِمام أم لا؟.
6 - وكيف صفة نقل الميت إلى الصلاة؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في عدد التكبيرات لصلاة الجنازة.
فالمشهور من مذاهب العلماء أربع تكبيرات.
وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو هريرة والبراء وغيرهم رضي الله عنهم.
وقال ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهما يكبّر
ثلاثًا وهو قول جابر بن زيد وابن سيرين.
قال ابن سيرين: إنما كان التكبير ثلاثًا فزادوا واحدة.
وقال ابن مسعود كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعًا وسبعًا وخمسًا وأربعًا فكبّروا ما كبّر الإِمام 1.
وقال الحسن ما كبّر الإِمام ولا يزاد على سبع.
وقال زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان يكبّر خمسًا.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كبّر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا وكبّر على سهل بن حنيف ستًا وكان بدريًا ورُوي عنه أنه يكبر على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا.
وقال أحمد لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع.
وقال بكر بن عبد الله لا يزاد على سبع ولا ينقص من ثلاث ودليلنا الحديث الثابت في صلاته - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي قال: فخرج والناس معه إلى المصلى فصف بهم وكبّر عليه أربع تكبيرات 2. وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه كبّر على عثمان بن مظعون أربع تكبيرات 3.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الملائكة صلّت على آدم فكبّرت أربعًا وقالت هذه سنتكم يا بني آدم (4)؟.
والتعلق بما رواه مسلم عن زيد بن أرقم أنه كبّر على جنازة خمسًا 4. فقيل له! فقال: كان - صلى الله عليه وسلم - يكبّرها لكثرة رواتها وأنها متأخرة.
وقد قال عبد العزيز ابن أبي سلمة كل تكبيرة من صلاة الجنازة كركعة من الصلاة وأكبر الفرائض أربع ركعات فاختار على الجنازة أربع تكبيرات.
وقال ابن حبيب وغيره قد كبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي أربعًا.
وكذلك على قبر
السوداء 1 ثم استقر فعله على أربع ومضى به عمل الصحابة رضي الله عنهم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الإِمام فإنه إذا نقص من الأربع تكبيرات لم تصح صلاته.
فإذا انفصل عن الصلاة على ثلاث تكبيرات، وبَعُد ذلك أعاد الصلاة.
وكان ما ذكرناه من الخلاف في كون التكبير ثلاثًا شاذ لا يراعى.
قال ابن حبيب: إذا ترك بعض التكبير جهلًا أو نسيانًا، فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت فأتم ببقية التكبير مع الناس ثم سلم.
وإن تطاول ذلك لم تدفن 2 ابتدأ عليها الصلاة.
وإذا دفنت تركت ولم تكشف.
ولا تعاد الصلاة عليها.
ولمالك في العتبية نحوه.
وأما إن زاد الإِمام في التكبير فكبّر خمسًا فإنه وإن أخطأ، فالصلاة جائزة ولكن لا يتابعه المأموم في الزيادة لأنها ليست بصواب.
وقال أحمد وإسحاق يتابعه إلى سبع.
فإذا ثبت أنه لا يتابعه لما قلناه فهل يقطع المأموم أو ينتظره حتى يسقم فيسلم بسلامه؟ اختلف قول مالك في ذلك فقال يقطع المأموم بعد الرابعة واختاره ابن القاسم.
وقال أيضًا: يسكت فإذا كبّر الخامسة سلّم بسلامه واختاره أشهب ومطرف وابن الماجشون.
وبالقول الأول قال أبو حنيفة.
وبالثاني قال الشافعي.
فوجه القول بالقطع أن الإِمام إذا خرج من الرابعة إلى الخامسة فقد خرج من الصواب إلى الخطإ.
فإذا لم تجب متابعته على الخطإ أشعر ذلك بخروجه عن حكم الإمامة لأن المأموم إنما يُراد ليتابع، وإذا خرج عن حكم الإمامة لم يلزم المأموم انتظار من ليس بإمام له.
ووجه القول بأنه ينتظره أنه بقي من هذه الصلاة ركن من أركانها وهو التسليم.
والإمام مصيب فيه، وعلى المأموم اتباعه إذا لم يخطئ.
فإذا أخطأ لم تلهمه متابعته في الخطإ.
ولزمه أن ينتظره ليتابعه فيما هو مصيب فيه وهو السلام.
ولو أن المأموم فاته بعض التكبير فهل يتبع الإِمام في هذه الخامسة معتدًا بها قضاء ما فاته؟ اختلف المذهب في ذلك.
فقال أصبغ إذا فاته تكبيرتان، والإمام يكئر خمسًا فليكبّر معه الثالثة ويحتسب بالخامسة، فإذا سلّم الإِمام كبّر واحدة.
وقال أشهب لا يكبّر معه الخامسة وإن كبّرها معه فلا يعتدّ بها وليقض كل ما فاته.
وعندي أن سبب هذا الخلاف أن المأموم إنما ينهى عن اتباعه في الخامسة لئلا يكون مخطئًا كخطإ الإِمام.
فإذا كان المأموم قد بقيت عليه تكبيرة حتى تكون خامسته رابعة، فإن إيقاع هذه التكبيرة الإِمام فيها مخطئ، والمأموم مصيب ولكن القصد فيها مختلف.
الإِمام يقصد بها خامسة وهي خطأ.
والمأموم يقصد بها رابعة وهي صواب.
واختلاف المقصود مع التساوي في سورة الاتباع، هل يمنع من الاتباع أم لا؟ كنا قدمنا في كتاب الصلاة بسط الخلاف في هذا الأصل، وسبب الخلاف فيه.
وتكلمنا على الشاك هلى صلى ثلاثًا أم أربعًا.
وأتى بركعة ليكمل على اليقين، هل يأتم به فيها من دخل معه في الصلاة أم لا؛ وهذا من ذلك.
إلا أن الخامسة يعد الإِمام فيها مخطئًا ولا يعد في ركعة الإكمال مخطئًا.
فمن هذه الجهة قد يقع الافتراق.
وإذا وضح ما قلناه في عدد التكبير، وفي حكم الزيادة عليه والنقص منه، فهل يرفع المصلي يديه في تكبير الجنازة أم لا؟ اختلف المذهب في ذلك.
فرُوي عن مالك استحباب الرفع في كل تكبيرة.
وبه قال الشافعي ورُوي عنه الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى.
وبه قال أبو حنيفة.
وحكى ابن شعبان في مختصره عن ابن القاسم أنه قال: "حضرت مالكًا غير مرة لا يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ولا غيرها.
ولا ترفع اليدان في التكبير على الجنازة.
وقال بالمذكور في مختصر عبد الله.
قال ابن شعبان وممن قال برفع الأيدي في كل تكبيرة، عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكان عبد الله ابنه يفعله.
وقاله القاسم بن محمَّد وعمر بن عبد العزيز وعروة وعطاء وموسى بن نعيم والزهري، ويحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، وأحمد بن حنبل، وحدثنا محمَّد بن أحمد.
وذكر السند عن عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى على الجنازة يكبّر
أربعًا ويرفع في أول تكبيرة ولا يرفعهما حتى يخرج من صلاته 1. وذكر أيضًا حديثًا أسنده عن ابن عمر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كبّر على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة، وكبّر أربعًا 2. وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه لم يكن يرفع للأولى.
قال أبو محمَّد والمعروف عن ابن القاسم أنه يرفع يديه في الأولى بخلاف ما ذكر عنه ابن حبيب.
وإذا ثبت ما قلناه في عدد التكبير والرفع فيه.
فما حكم التسليم؟ قال مالك في الأمام يسلم واحدة ويسمع نفسه ومن يليه ويسلّم من خلفه في أنفسهم فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس.
ومحمل قوله في أنفسهم على أنهم ناطقون بذلك.
وروي عنه أيضًا أن الإِمام يُسِرّ.
وروي عن مالك أنه يردّ على الإِمام من سمع سلامه.
وقال ابن حبيب عنه ليس عليهم ردّ السلام على الإِمام.
وقال أشهب في مدونته يسلّم الإِمام تسليمتين عن يمينه وعن شماله.
ويسلّم القوم كذلك.
وقال بعض أشياخنا الأولى أن يكون السلام ها هنا كما يكون في غير هذه الصلاة فيردّ المأموم على الإِمام، وعلى من على شماله.
لأن ردّ التحية فرض يردّ عليهما بعد التسليمة التي يخرج بها من الصلاة.
فوجه القول بجهر سلامه وهو ظاهر مذهب ابن عمر قياسًا على غيرها من الصلوات.
ووجه القول بإحفائه أن صلاة الجنازة ركن جرّد من الصلاة المعهودة فلم يجهر فيه بالسلام كسجود التلاوة.
وعلى هذه الطريقة يعرف المأمومون انقضاء الصلاة بانصراف الإِمام.
ووجه القول بردّ المأموم على الإِمام القياس على الصلاة المعهودة.
ووجه القول بنفي الرد أن الإِمام لا يثبت بعد انقضاء الصلاة ليردّ عليه بخلاف الصلاة المعهودة.
وأشار بعض المتأخرين إلى أنه يمكن أن يجري هذا الخلاف على الاختلاف في إجهار الإِمام وإسراره.
فإن قلنا بإجهاره اقتضى ذلك ردّ السلام عليه.
وإن قلنا بإسراره لم يردّ عليه.
وبما قيل من أن الإِمام يسلّم قال جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
وقال الشافعي يسلم تسليمتين واحدة عن يمينه وأخرى عن يساره قياسًا على الصلوات