شرح التلقينصفحات 970-1009
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التجارة إلى أرض الحرب

صفحات 970-1009

الأرحام.
وإنْ قصر جميعهم عن الأمّ في شدّة العطف على الصغير، والحنين والجزع من فراقه، ومن سواها يتفاوتون في هذا المعنى، وليس تقصيرهم عن الأم في الجملة بالذي يسقط حقّهم في الجمع لأجل ما يلحقهم من الضرر.
ورأى الشافعي أنّ الجدّة تكاد تقارب الأمّ في المعنى الذي أشرنا إليه من الحنان وشدّة النزوع إلى الولد، فوجب أن تُلحق بالأمّ في هذا الحكم، ولا يلحق من سواها من الأقارب لما علم من جهة العادة أنّ الخالة والعمّة والأخ والأخت لا يلحقون في هذا المعنى بالأم والجدّة.
ورأى بعض أهل المدينة أنه يتضح في العادة مساواة الأب للأم في هذا المعنى لكون الولد كعضو من كل واحد منهما.
ويلحق الأب بالأمّ في هذا.
وبالجملة فإنّه لا يشكّ في اختلاف طبقات الأقارب في هذا المعنى.
ولا يتضح في الخالة والعمّة والعمّ والخال من شدة الضّرر ويتّضح في الأبوين والجدّة.
وإنّمّا يتضح القياس مع المساواة في معنى العلّة.
ومن ذكرناه من عمة أو خالة لا يساوي في هذا المعنى الأبوين والجدّة.
هذا إذا قلنا بأن المنع من التفرقة بين الأمّ وولدها في البيع حقّ للأم على ما ذكر ابن عبد الحكم في مختصره من أنّ الأئم إذا رضيت بالتفرقة بينها وبين ولدها لم يمنع سيّدها من أن يفرّق بينهما في البيع.
وإن قلنا: إنّ المنع من التفرقة إنما يعتبر في حق الولد في هذا، كما قاله ابن الموّاز عن مالك: إنه لا.
يفرّق بين الأمّ وولدها في البيع ولو رضيت الأمّ بذلك.
وقع النّظر فيما قاله أبو حنيفة فإن الولد إذا بيع وحده، وهرب مشتريه وهو صغير لا يجد من يربيه، فإنّه يلحق به الضّرر الشديد من أن يفرّق بينه وبين خالته أو عمّته.
ويجري هذا مجرى التفرقة في الأحرار.
فإنّ الحضانة للخالات، وإن كره الأب ذلك، إذا لم تكن أمّ ولا جتة، ولكن المذهب أن حكم الحضانة في الأحرار خلاف حكمها في المماليك لما يلحق المالك من الضّرر في ماله بأنْ لا يبيعه كيف يختار من جمع أو تفرقة.
والحضانة في الأحرار هل ذلك حقّ للولد أو للأمّ؟ ففي المدوّنة أنّ المرأة

إذا خالعت زوجها على أن تسلّم حقها في الحضانة، فإنّ ذلك خلع جائز، ويلزم ما رضيت به.
وهذا مبنيّ على أنّ الحضانة حقّ للأمّ، ومن رضي 1 بإسقاط الأمّ حقها في الحضانة باطل 2 بناء منه على أنّ الحضانة حقّ للولد.
وإذا خالعت على إسقاط حقّ غيرها لم يلزم ذلك إذ ليس لأحد أن يسقط حقّ غيره لمنفعة نفسه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمّا حدّ التفرقة فقد اختلف فيه.
فالمشهور عن مالك وابن القاسم أنّ حدّ ذلك استغناء الولد عن أقه، والعلمُ على ذلك الإثغار.
ما لم يعجّل على الصّغير أو الصّغيرة.
وهذا الاستغناء قال فيه مالك: هو أن يستغني عن أمّه في شرابه وطعامه وقيامه ومنامه.
وهذا يحتمل أن يبنى على التّعليلين جميعًا.
وإن كان الأظهر منهما إسناد هذا الحكم إلى حقّ الولد في التّربية.
لأن من لم يثُغِر، ولم يعقل ما يُؤمر به ويُنهى عنه، ويهتدي إلى ما يحفظ به حياته ويدبّر به نفسه، مفتقر إلى من يقوم به في ذلك.
فلوْ ترك الرّضيع والقريب العهد بالفطام إلى تدبير نفسه وغذائه لهلك، لأنّه لا يحسن كيفيّة التغذّي ولا أوقاته ولا صفة تناوله وإحضاره.
ويحتمل أيضًا أن يقال: ما دامت حاجته شديدة إلى أمّه، كانت في رحمته والعطف عليه أشدّ منها في ذلك إذا استغنى عنها.
ولهذا كبار الأولاد لا يلحق نفس الأمّ في نزعهم منها ما يلحقها في صغير لا يعقل محتاج إلى تربيتها.
فيكون من هذه الجهة الحكم مستندًا لحنانها ورحمتها.
ولكنّه يختلف باختلاف السنين.
وحدّهُ اللّيث بعشر سنين.
ورأى أن ذلك علَمًا على الاستغناء عن أمّه.
وإلى هذا أشار في كتاب ابن الموّاز فقال: يفرّق بين الأمّ وولدها إذا استغتى عنها وختن وصار يؤمر بالصّلاة ويؤدّب عليها، وفارق أسنان اللّبن.
فذكره التأديب للصّلاة وإدخاله المكتب والختان يشير إلى أنّ ذلك كلّه هو علم على الاستغناء عن أمّه.
وذكر في ذلك أدبه على القملاة وهو إنّما يؤدّب عليها إذا بلغ عشر سنين.

وقال ابن حبيب: يفترق بينهما إذا بلغ سبع سنين.
وهذا كلّه تحويم على اعتبار استغناء الولد عن أمّه وبلوغه إلى حال يستقلّ بها في نفسه.
وروى ابن غانم عن مالك أنّه (لا يفرّق) بينهما قبل البلوغ، ولا تجوز التّفرقة عنده إلاّ إذا بلغ الاحتلام.
وهذا المذهب أيضًا يمكن (أن) يكون مبنيًّا على اعتبار استغناء الولد عن أمّه.
ورأى في هذه الرّواية أن من قصر عن شنّ الاحتلام فإنّه مفتقر إلى تربية أمّه.
وهذا كلّه استشهاد بالعوائد.
وما أببد في هذه الرواية عن مقتضى العادة فإن لم يبلغ يشتدّ حنانُ أنه إليه ولا يكاد يستغني (عنها) كل الاستغناء.
وإن كان المراهق في العادة أشدّ استقلالًا بنفسه وأقرب إلى الاستغناء عنها من ابن سبع سنين ونحوها.
وإلى هذا كان يميل بعض أشياخي.
وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أنه لا يفرّق بين الأمٌ وولدها طول ما عاشا.
وهذا المذهب بعيد غير مستند لما أسندنا إليه المذاهب المتقدّمة، لأنّه لا يشكّ عاقل في أن ابن خمسين سنة مستغن عن أمّه، وأنها إذا كانت قد بلغت إلى الهرم فإنّها هي المحتاجة إليه.
ولكنّه ذهب إلى عموم الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من فرّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة" 1. ولا شكّ أنّ عموم هذا يقتضي منع التفرقة.
وأن حبّ الأمّ الولد لا يذهب وإن طعن الولد في السنّ.

والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: اختلف المذهب على قولين في النّهي عن التّفرقة.
هل ذلك من حق الله سبحانه فيما حرّم الله وحلّله، أو من حقّ المخلوقين التي نهى الباري سبحانه عنها لرفع ضرر عنهم، أو ما في معناه، فذكر ابن حبيب أنّ من قَول مالك

وأصحابه أن بيع التّفرقة يُفسخ.
حكى ذلك مطلقًا من غير تقييد.
وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب فقال: إنه باطل 1 الخمر، ويفسخ ولو رضيا بالجمع بينهما.
والمشهور من المذهب أن المقصود بهذا النهي رفع الضرر عن المخلوقين، على الاختلاف الذي قدّمناه.
هل ذلك مقصود به رفع الضرر عن الأمّ في أن لا تولّه عن ولدها، فإذا رضيت بالتفرقة صحّ البيع ولم يمنع.
أو المقصود بالنّهي ودفع 2 الضرر عن الولد في أن لا يفقد رفق أمّه به وحياطتها، على حسب ما قدّمنا ذكر الخلاف في ذلك وتوجيهه.
وإذا قلنا: إنّه من حقوق الخلق فإنّ البيع لا يجب فسخه إذا وجدنا سبيلًا إلى إزالة السّبب الذي وقع النّهي لأجله وهو رفع الضّرر، وذلك بأن يرضى من في يده الأم أن يبيعها مِمّن صار في يده الولد بما يتّفقان عليه من ثمن، أو يرضى من في يده الولد أن يبيعه ممن في يده الأم بثمن يتفقان عليه.
وإن لم يتراضيا بذلك، فالمذهب على قولين: هل يعدل إلى الفسخ إذا لم يوجد سبيل إلى رفع سبب النّهي وهو مذهب ابن القاسم، أو يباع الولد وأمّه من رجل واحد فيزول سبب النّهي؟ وهو اختيار ابن الموّاز.
فكأنّ ابن القاسم رأى أنّ رفع سبب النّهي إنّما يتصوّر بوجه واحد.
وهو أن يتراضى مالك الأمّ ومالك الولد بأن يبيع أحدهما ما في يده من الآخر.
وأمّا بيعهما عليهما جميعًا فإنّ ذلك يوقع في نهي شرعي وهو جمع السلعتين لمالكين في البيع، وهو يرى المنع من ذلك، فلا يُصلَح منهي عنه بالوقوع في منهي عنه آخر.
وكأنّ ابن الموّاز رأى جواز جمع السلعتين في البيع لمالكين، كما ذهب إليه أشهب، ورأى أن ركوب مذهب أشهب في هذا أخفّ من فسخ البيع.
وقد أشار ابن الموّاز في احتجاجه لما ذهب إليه في هذا بأن ذلك كبيع المسلم المصحف من النصرانيّ.
وابن القاسم يرى أن

البيع لا يفسخ، وأنّه يباع على الثصرانيّ ما اشتراه من ذلك، فيحصل بالبيع عليه رفع السّبب الذي لأجله وقع النهي.
وينفصل ابن القاسم عن هذا بما أشرنا إليه من توجيه قوله بأنّ بيع المصحف على النّصراني لا يركب فيه نهي آخر، وبيع الولد وأمّه مجموعين وهما لمالكين يركب فيه نهي آخر وهو بيع سلعتين لمالكين.
فهذا الانفصال عما أشار إليه ابن الموّاز منَ الحجة عليه.
وقد ناقضه أصبغ بما ذكره ابن الموّاز عن ابن القاسم فيمن عنده أثم وولدها، فباع أحدهما من رجل، وتصدّق بالآخر على رجل آخر، فإنّهما يباعان عليهما من رجل واحد.
فقال أصبغ: هذا رجوع منه عن الفسخ.
والانفصال أيضًا عن هذا أنّه إذا رجع إلى الفسخ فيمن باع ولدًا دون أمّه، أو أُمًّا دون ولدها، فإنّ من فسخ عليه البيع وأخذ منه ما اشتراه يرجع بعوضه وهو الثمن الذي دفع فيه، فلا يلحقه من ذلك كبير مضرّة في إبطال ملكه بالكلية.
وإذا راعينا في الهبة جمع السّلعتين، وأنّ ذلك لا يجوز، وفسخنا الهبة أبطلنا حقّ الموهوب له بغير عوض يأخذه.
وهذا من الضّرر البيّن الذي يقتضي أن العدول عنه إلى ما هو أخفّ أوْلى، وهو جمع السّلعتين، ويقدّر أن الهبة لما وقعت ها هنا وفسخنا إبطال الملك بالكلية، صار ذلك كالفوت فيها، ونحن نذهب في بيع التّفرقة إلى أنّ الفسخ إذا وجب بعد أن فات البيع بحوَالة أسواق فإن البيع لا يفسخ لأجل الضّرر في فسخه بحوالة السّوق، ولكن تجب فيه القيمة لفساد العقد، أو يمضي بالثمن إذا قلنا: إن فساد هذا لحق الله سبحانه في النّهي عن هذا العقد، مع كون الثمن والمثمون جائزين لا غرر فيهما، كبيع الجمعة وشبه ذلك، وهو مذهب ابن عبدوس في بيع التّفرقة إذا انفسخ إمّا بكبر الولد، أو بحوَالة السّوق، فإثه يمضي بالثمن إذا كبر، ويمضي أيضًا بالثمن إذا حال السّوق، ويجبرانِ على الجمع بين الأمّ وولدها، على حسب ما قدّمناه في البيع عليهما.
ولو قلنا بما ذهب إليه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب من وجوب الفسخ

في بيع التفرقة، وإنْ جمعَا بينهما، لتمكن 1 أيضًا على هذا التعليل الذي ذكرناه أن نقول ها هنا: إنّ الهبة لا تفسخ، لكن يحكم بالجمع بينهما، لكون الهبة ها هنا في معنى بيع فاسد، ولا يفسخ بعد فوته.
ويمكن أيضًا أن يذهب إلى ردّ الهبة.
فهذا مِمّا ينظر على أصله.
فيستخلص من هذا أن بيع التفرقة إذا وقع المذهب فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: فسخ البيع على كل حال.
والثاني: إمضاؤه على كل حال، وإزالة سبب النّهي بالبيع عليهما إن لم يتراضيا بالجمع طوعًا منهما.
والثالثة: أنّهما إن تراضيا بالجمع لم يفسخ البيع.
وإن لم يتراضيا به فسخ البيع، على حسب ما فضلناه من هذه المذاهب وتعليلها.
وبعض أشياخي يشير إلى القَدح فيما وجّهنا به مذهب ابن القاسم بأنّه يمكن إزالة لبسبب النّهي أيضًا في جمع السّلعتين لمالكين في عقد واحد بأن تقوّم الأم ويقوَّم الولد، ثم تباعان جميعًا، ويقسم الثمن على نسبة القيمتين.
فيصير كل واحد من المالكين لم يعقد البيع إلاّ وهو يعلم ما ينويه من الثّمن الذي بذله مشترياه وقد كنّا نحن أشرنا إلى هذا في كتاب البيوع الفاسدة، وتكلمنا على ما يتعلّق به.
وهكذا أيضًا يقصد ما ذكرناه من الخلاف على وجه دون وجه بأن يقول: بأنّ العاقدين لبيع التفرقة إنْ علمًا أن الشرع يجبرهما على الجمع أو يبيع الأمّ والولد عليهما، صارا قد عقدا على غرر، وهو تجويز أن يصحّ ما اشتراه المشتري، أو لا يصح 2 بثمن يباع به عليه وذلك غرر وخطر.
والبائع أيضًا يجوز أن تؤخذ الأمّ من يده فتباع عليه، فيصير قد خاطر في هذا العقد.
وهذا يتّضح معه فساد البيع ووجوب فسخه على كلّ حال.
ولو علم بذلك أحدهما وجهل به الآخر، يجري على الخلاف في علم

أحد المتبايعين بفساد العقد، هل يفسد ذلك العقد، كما لو علمًا جميعًا، أو لا يفسده.
بخلاف أن يدخلا جميعًا على العلم بفساد العقد وتحريمه؟ وهذا الذي أشار إليه ينبغي أن يتحقّق تصوّره بأنهّما دخلا على علم بذلك، وهما يلتفتان إلى ما يمّضي به القاضي عليهما في هذا.
وأمّا لو عقدًا وهما يعتقدان أنّ ذلك لا يقدر على فسخه عليهما، وصمّما على أنّ الغرر في ذلك لا يمكن إلاّ أن يقعا فيه، لكان هذا مِمّا يمنع من اتّضاح تصوّر الطريقة الّتي أشار إليها.
وكان أيضًا يرى أنّهما إذا جهلًا جميعًا التحريم ووجوب إنفاذ البيع الذي عقداه، أن يباع عليهما، فإنّ لكل واحد فيما عقد على نفسه لمَا طرأ عليه من عيب بعد العقد، وهو كون المشتري مجبورًا على أن يخرج من يده ما اشتراه والبائع مجبور على أن يبيع غير الذي رضي يبيعه.
وهذا أيضًا مَمّا ينظر فيه، لأنّهما إذا استويا في الجهل بهذا الحكم، ودخلا على تأبيد ملك كل واحد منهما، فإنّ هذا يصير كعيب اطّلع عليه بعد العقد، والبائع والمبتاع يستويان في الجهل به، فصار ذلك كعيب وجد في باطن خشبة باعها، يعلم العيب إلاّ بعد كسرها، لكن هذا العيب الموجود في باطن الخشبة يستوي النّاس كلّهم في الجهل به، وهذا الذي ذكره في بيع التّفرقة وإن جهله هذان فإنه يعلمه غيرهما من النَّاس، فيجب الردّ به.
لكن لأجل أن سبب هذا العيب لم يكن من البائع خاصّة بل هو والمشتري سيان فيه، يجب النّظر فيه من هذه الجهة، فقد يظهر أنّ ذلك كعيب لم يدخل عليه المشتري، ولو علم به لم يدخل عليه، فيكون له بذلك مقال.
وقد ذكر ابن سحنون أنّ رجلًا سأل سحنونًا في رجل باع مملوكتين له، وفي ملكه أمّهما، وإحدى البنتين المبيعتين بلغت حدّ التّفرقة، والأخرى لم تبلغ حدّ التّفرقة؟ فأجابه سحنون بأنّ الصّغيرة إذا لم تكن وجه الصفقة مضى البيع في الكبيرة وجمع بين الأم وابنتها الصغيرة في ملك واحد.
وإن كانت الصغيرة فسخ البيع فيها.

وهذا الذي قاله في إمضاء البيع بناء على أنّ ذلك حقّ للمخلوق، ولا يجب فسخه إذا زال سبب النّهي برفع الضّرر.
وأمّا إذا قلنا بالقول الآخر، أنّ ذلك إنّما نهيَ عنه لحقّ الله سبحانه، فإنّ البيع يجب فسخه على كل حال، فإنّ هذا العقد يكون كصفقة جمعت حلالًا وحرامًا فحرامه العقد على الصغيرة دون أمّها، وحلاله العقد على الكبيرة دون أمّها فيفسخ الجميع، كمن باع زق خمر وثوبًا صفقة واحدة، فإن جميع العقد يفسخ على المشهور من المذهب، وعلى الطريق الأخرى يفسخ منه الحرام خاصّة، على حسب ما ذكرنا فيه فيما مضى في غير هذا الكتاب.
وإذا كانت الصغيرة أيضًا جُلّ الصفقة، وقلنا بإنّ ذلك إنّما نهي عنه لحق المخلوق، وجب فسخ الجميع، إذ لا يمكن المشتري من الاستمساك بأقل الصفقة بما ينوبه من الثمن، وهو مجهول على مذهب المدوّنة لا على مذهب ابن حبيب الذي أجاز ذلك.

والجواب عن السّؤال الخامس أن يقال: إن كانت الأمة بيد رجل وولدها بيد رجل آخر، وعلم أنّ ذلك بأيديهما عن بيع، أو جهل، أو هبة 1، فإنّ الحكم أن يجمع بينهما في ملك واحد لكون ذلك أحوط في رفع الضّرر، لأنّهما إذا لم يكونا لمالك واحد، وجمعا في حوز أحد المالكين، فيمكن أن يريد مَن هما في حوزه التصرف، والسّفر بملكه ليحصل له ذلك، ولا يعينه الآخر عليه حتى يرجع ملكه إلى حوزه وتحت يده.
وقد يفلس أحدهما فيُضطرّ إلى أنْ يباع عليه ملكه، فإنْ بيعَ منفردًا كان ذلك تفرقة، وإن بيع مجموعًا مع ملك الآخر كان ذلك جمع سلعتين، فكان الأولى أن يجمعا في ملك واحد ليكون ذلك احتياطًا لحقّ الأمّ وولدها في ألاّ يفرّق بينهما.
وأمّا إن كانا في أيديهما من غير عوض، كهبة أو صدقة، أو كان أحدهما بعوض والآخر بغير عوض، ففيه اختلاف في المذهب: قال ابن الموّاز: اختلف

قول مالك في الهبة للأم أو ولدها هل يجيران على الجمع بينهما في ملك، أو يكتفى بأن يجمع بينهما في حوز أحد المالكين.
وذكر ابن حبيب أنه إن كان المالكان شملهما واحد ومسكنهما واحد، كالزّوجة والزوج والولد والأب وشبههما، فإنّ الجمع في حوز واحد يكتفى به.
فإن لم يكن شملهما واحدًا فلا بدّ أن تجمع الأمّ وولدها في ملك واحد.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن الهبة لمّا كان طريقها المعروف حسن الخلاف فيها، هل هي كالبيع أو كالعتق؟ وقد اتفق في العتق على أنه إنّما يجمع بينهما فيه في حوز واحد.
كما اختلف فيمن وهب عبدًا هل يتْبع العبد ماله كالعتق أوْ لا يتبعه كالبيع؟ وهذا الذي أشار إليه لا يتضح لأجل أنّ الإنسان إذا كان له أمّ وولدها فأعتق أحدهما فإن العتق يستحيل معه البيع في الشّرع.
فلمّا استحال معه البيع في الشرع استَحال طلب المالكين بأن يجمعا بينهما فيما يستحيل في الشّرع تصوّره وفعله وهو بيع العتيق، والهبة لا يستحيل في الشّرع بيعها.
وقد ذكر ابن الموّاز عن ابن القاسم فيمن عنده أمّ وولدها فباع أحدهما وتصدّق بالآخر، فإته يجب أن يجتمعا في ملك أحدهما أو يباعا عليهما، فقال بعض المتأخّرين: إذا بدأ بالبيع قبل الهبة جرى ذلك على أحكام البياعات في أن يجمعا في ملك، ولو بدأ بالهبة ثم بعد ذلك باع يجري على أحكام الهبات.
لأنّه إذا بدأ بالبيع فلا فرق بين أن يهب بعد ذلك أو يبقى في ملكه مَن سوى ما باع.
وإذا بدأ بالهبة فكذلك أيضًا لا فرق بين أن يبيع الآخر أو يبقيه في ملكه.
وليس فيما ذكره ابن الموّاز تصريح بالتّرتيب الذي أشار إليه هذا المتأخّر.
وقد كنّا قدّمنا في غير هذا الكتاب اختلافًا فيمن وهب طفلًا رضيعا وعنده أمّه هل يكون الرّضاع على الموهوب له الولد إذا حلف أنّه لم يرد التزام رضاع أمّه له، أو يجبر على أن يمكن الطفل من رضاع أمه؟ وكذلك اختلف في الحوز في الهبة: هل يكون ذلك بحوز الولد والأمّ

جميعًا أو يكون بحوز الولد خاصّة، وإن كان قد أساء في التفرقة بينهما؟ وذكر ابن حبيب أنّه يصحّ الحوز للولد، وإن كان في يد الواهب مع الأمّ، إذا أشهد بالهبة وقام الموهوب بمؤونة الطفل، وأشار إلى المؤونة الزائدة على رضاعه.
وقال بعض المتأخّرين لا يجبر الواهب على التمكين من الأمّ ليصح الحوز لجواز أن يرضع الولد غيرها.
ويجبر على تسليم الشجرة إذا وهب ثمرها ليصح الحوز، لكون الثمرة تستمدّ من الشجرة دون غيرها.
وأمّا إذا أعتق أحدهما فإنه يكتفى ها هنا بأن يجمعا في حوز واحد، لكون الشّرع أحال بيع العتيق منهما، فإذا استحال بيعه وملكه بعد عتقه استحال أن يجمع بينهما في ملك واحد لأنّ ذلك لا يتصوّر إلاَّ بعد إبطال العتق وهو لا يبطل إذا ثبت واستقرّ.
ولو أعتق سُرِّيّة يضرّ بمثلها العتق لم يُردَّ العتق لكونه قربة شرعيّة يحيل الشّرع استرقاق العتيق، بخلاف أن يوصي بعتقها، عند من رأى أنّ من حقّها إبطال الوصيّة إذا أضرّ ذلك بها.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا كان لرجل أمةٌ ولها ولد صغير في ملكه، فإنّه لا يجوز له أن يفرّق بينهما في البيع، كما تقدّم، ويجوز له أن يفرّق بينهما بالعتق.
فإن أعتق الولد دون أمّه نفذ عتقه فيه، وأمران لا يفرّق بينه وبين أمّه.
فإن أراد بيع أمّه وحدها مكّن من ذلك، وشُرِط على مشتريها منه أن يبقى الولد على حسب ما كان عنده من كونه لا يفرّق بينه وبين أمّه.
وإن كان في هذا بعض تحجير فإن الضرورة دعت إلى العفو عنه في هذا العقد لما أوجبه الشرع من الجمع بينهما.
ويشترط عليه نفقة هذا الولد مدّة معلومة.
فذكر في كتاب البيوع الفاسدة أنّ أمدها سنة.
وذكر ابن الموّاز أن أمدها الإثغار، وهو الحدّ الذي إذا بلغ إليه الولد جازت التفرقة بينه وبين أمّه في البيع.
وأنّ هذا الولد إذا مات كان من حقّ بائع الأم أن يأتي بمن ينفق عليه مشتري الأمّ النفقة الّتي اشترطت عليه في هذا الولد الذي مات ليكون ذلك أرفع للمغرر في ثمن هذه الأمة، إذ لا يدري

هل يموت الولد بعد سنة من شراء أمّه فلا يخسر مشتري أمّه سوى نفقة عام أو بعد خمس سنين يخسر نفقة خمسة أعوام، والثمن يختلف باختلاف الإنفاق في هذه المدّة.
فإذا التزم مشتري الأمّ الإنفاق في هذه المدّة، عاش الولد أو مات، ارتفع بهذا الغرر الذي أشرنا إليه.
ويشترط عليه أنّه إن سافر بالأمّ سافر بولدها العتيق معها، وكانت مؤنة سفره من كراء أو إنفاق على مشتري أمّه.
وقد ذكر ابن الموّاز من أعتق صغيرًا لا يقدر أن يسعى على نفسه فإنّ نفقته لازمة لمعتقه.
وكان الأصل في هذا أن يكون على سائر المسلمين إن لم يجد 1 بيت مال ينفق منها (1) على مثله، كما يجب في لقيط لا يعرف له أب يُطلَب بالنفقة، لكن هذا المعتق لما انفرد بعلم هذا واختصّ به، وفعل السّبب الذي يؤدّي إلى إضاعة هذا الصغير، وهو عتقه، تعينت المواساة عليه.
إذ مطالبة سائر النّاس بها قد يتعذّر ولا يوجد من يتكلّفها فيؤدّي ذلك لهلاك الصغير.
فإذا كانت النّفقة عليه إذا أعتقه فإنّه.
إذا باع أمة اشترط على مشتريها من الإنفاق مثل الذي كان عليه، لكون هذا أحوط للولد وأرفق به من أن يطالب رجلًا 2 باعها بنفقة ولدها كل حين.
وقد يلحق الولدَ من ذلك ضرر وتضييع، فكان الأولى اشتراط ذلك على من ينفق على أمّه.
وكذلك لو أعتق مالك الأمة وولدها الأم خاصّة، فإنّ من حقّها أن يكون في تربيتها، إن كان لا خدمة فيه، وإن كان لسيده به شيء من الانتفاع مكّن من ألانتفاع به ويأوي بعد ذلك إلى أمّه.
وإن سَافر سيّده به تبعته أمّه لكونها حرّهّ لا حكم عليها لأحد.
وأما إذا كاتب السيّد أحدهما فإن ذلك ليس بتفرقة، فإن احتاج إلى بيع من لم يكاتبه منهما فلا يمكّن من ذلك، إلاّ أن يبيع من يبيع الرّقيق منهما كتابة

المكاتب منهما.
فإذا فعل ذلك ارتفع ما يترقّب من التّفرقة، لأنّ هذا المكاتب إذا عجز عن أداء الكتابة لمشتريها كان رقيقًا لمشتريها مع الآخر الذي اشتراه مع الكتابة، وإن أدّى الكتابة صار حرًّا ناجزًا، والعتق ليس بتفرقة، ونحْن نجيز أن يبيع أحدهما لمن يعتقه، ولكن نبيّن لمشتري الكتابة أنّه إذا أدّاها وصار حرّا بأدائها فإنّه لا يفرّق بينهما حتى يبلغ الولد حدّ التّفرقة.
وكذلك إن أعتق أحدهما إلى أجل، فإنّ العتق لا يردّ ولا يمكن من بيع من لم يعتقه منهما بانفرداه.
لكن هل يمكّن من بيعه مع بيع الخدمة التي له في المعتق إلى أجل إذا تساوى أجلهما وأجل حدّ التّفرقة.
هذا مِمّا تردّد فيه بعض الأشياخ لأجل أنّه يمكن أن يمرض المعتق إلى أجل مرضًا يوجب فسخ الإجارة، فيبطل عقدها، ويرجع إلى سيده يستخدمه وينفرد بحوزه دون المرقوق منهما، فيصير ذلك تفرقة.
لكن هذا من النوادر والطوارىء ومراعاة النوادر لا تجب في إحدى الطّريقتين.
وإلى هذا مال بعض أشياخي.
ولو كان أمد التّفرقة ينقضي قبل انقضاء أجل الخدمة في المعتق إلى أجل لم يلزم السيّد أن يبيع ما زاد من الخدمة على أمد التفرقة، لأن ذلك لا سبب يوجبه من انفراد السيّد به، لكون التفرقة قد حلّت له بالأثغار.
وأمّا إنْ دبر السيّد أحدهما فإنّ ذلك ليس بتفرقة، ولكنّه لا يمكن من بيع الذي لم يدبره منفردًا ولا مجموعًا مع خدمة المدبّر.
أمّا المنع من بيعه منفردًا فإنّه تفرقة بين الأمّ وولدها، وأنه لا يجوز.
وأمّا منعه من بيعه مع خدمة المدبّر، فإنّ خدمة المدبّر لا يجوز بيعها على انفرادها لكون أمدها مجهولًا لتعلّقها بحياة السيد، وأجل انقطاع حياته لا يعلمه المخلوقون، ولو علموه لأمكن أن يَكون يموت مديانًا يردّ الدّين عتق العبد الذي دبّره.
وإذا منعناه من بيع من لم يدبره منهما، ومات، وعليه دين، وقد دبّر أحدهما، فإذا كان مثلًا هو الولدَ، والأمّ لم يدبرها، بيعت في الدّين.
فإن عتق الولد المدبر فيما بقي من ثمنها بعد قضاء الدّين أي بقيت منه بقيّة في قيمة نفسه فإنه.
يكون حرًّا ولا يفرق بينه وبين أمّه،

ويؤمر مشتريها بأنْ لا يفرّق بينهما.
ولو كان الدّين إذا قضي لم يجب عتق جميع الولد، لكون التركة تقصر عن جميعه، فإنه يباع من كل واحد منهما جزء مثل ما يباع من الآخر مبلغ الجزء.
ويكون مبلغ هذا الجزء جميع الدّين لئلا يفرّق بينهما في البيع.
فإذا سقط من له دين عتق من الولد ثلث ما بقي ثم يجري ما بقي مِن الرقّ على أحكام التّفرقة الّتي قدّمناها.
وأنّ لنصراني أمًّا وولدها فدبر الولد وأسلمت الأمّ فإن البيع يمتنع لأجل كون الولد مدبّرًا.
فتؤاجر الأمّ، ويكون ولدها معها، حتى يبلغ حدّ التّفرقة، فتباع الأمّ على النّصراني.
وبهذا يتعلّق به حكم تدبير النصرانيّ وسنذكره في موضعه إن شاء الله.
وإذا تقرّر هذا فالشركة في الأمّ والولد ليست كانفراد كل واحد منهما بملك رجل واحد.
ولهذا قال مالك: إن مات وله أمّ وولدها يجوز أن يبقى الولد وأمّه على حكم الشركة بين الورثة فإن أراد أن ينفرد كل واحد منهما بالملك تقاوما أو باعا بيعًا ينفرد كل واحد.
منهما فيه بالملك، أو يصيِّران ملك الأمّ وولدها إلى رجل واحد، ولا يجزيهما أن يقسماهما، ويبقيانهما في حوز واحد.
قال ابن حبيب: ولو فعلوا ذلك لفسخت القسمة.
وهذا الذي قيل في هذا مبنيّ على ما قدّمناه من كون التفرقة إذا كانت عن بجع فإنّه لا يجوز الاقتصَار على الجمع بينهما في حوز، إذ القسمة بينهما كالبيع.
وأمّا لو انفرد أحد رجلين يملك أحد هذين الشخصين واشترك هو وآخر في الأمّ أو في ابنهما، فإنّ ظاهر المذهب في هذا على قَولين.
وقد قال ابن القاسم: إذا كانت أمّة بين شريكين ولها ولد يشتركان فيه أيضًا، فدبره أحدهما، فإنهما يتقاومانه فإن صار بالقرعة إلى من لم يدبره كان رقيقًا له.
وهذا منه إشارة إلى جواز الانفراد بملك الولد وبقاء المشاركة في الأم.
واعترض سحنون هذا، وأشار إلى إنكاره؛ لأنّ انفراد أحد الرجلين بملك أحد الشخصين تفرقة بينه وبين أمّه.
ورأى ابن القاسم أنّ الذي انفرد بملكه له نصيب في أمّه، ولو طرأ على

شريكه دين لبيع جميع الأمّ بحقّ الشريك.
في أن لا يباع النصيب منفردًا يبخس ثمنه.
وإذا بيع جميعًا فقد اشتمل البيع على نصيب الذي انفرد بملك الولد وإذا بيع نصيبه فيها عليه أضيف إلى هذا النصيب في المبيع الولد الذي انفرد بملكه.

والجواب عن السؤال السّابع أن يقال: أما تعلق حق في نقل الملك لأحد الشخصين، إما الولد أو الأمّ، فإنه يتصوّر فيه جناية أحدهما جناية توجب على سيده أن يفديه بأرش الجناية أو يسلّمه للمجني عليه.
فإذا فداه سيده بقيت الأمّ وولدها على ما كانا عليه.
وإن أسلمه سيده فلا بدّ أن يجمع بين الأمّ وولدها في ملك واحد، بأن يشتري أحدهما من الآخر، أو يبيعان جميعًا صفقة واحدة، على قول من أجاز جمع السّلعتين لمالكين، أو على أنّ كل واحد منهما يقوّم ما في يديه منهما، حتى يكون كل واحد منهما على علم بمقدار ما يستحقه من ثمنهما.
وأمّا إن لم يتبايعا ولا قوّم كل واحد منهما ما في يديه، وقلنا بالمنع من جمع سلعتين فإنّه ها هنا قد يستخف من أجل الضرورة الدّاعية إليه إذا امتنعا، واحتاج القاضي إلى بيعهما عليهما، على حسب ما تقدمت الإشارة من كون تَوجيه 1 الأحكام بخلاف ما لا توجبه مع تعذّر التقويم الذي يرفع هذا الغرر في الثّمن الذي تقدّمت الإشارة إليه.
وكذلك لو اطّلع من اشتراهما جميعًا على عيب بأحدهما فأراد ردّه، فإنّه يردّ الآخر معه، لآنّه إذا كان العيب في الأتم وحدها أو في الولد وحده، فلا بدّ إذا ردّه بالعيب من ردّ الآخر معه، لأن ردّ المعيب خاصّة إلى ملك بائعه يتضمّن التّفرقة بين الأمّ وولدها وذلك ممنوع شرعًا، ويصيّر هذا كمن اشترى زوجين لا يفترقان، إمّا خفّيْن أو نعلين، فإنّه إذا أصاب بأحد النّعلين عيبًا فإنّه لا يردّه وحده لكونه وحده لا كبير ثمن له بالإضافة إلى ثمنه إذا بيع مع صاحبه.
فوجب ردّ السّالم من النعلين مع المعيب لأجْل البَخْس.
فكذلك يجب في الأمّ وولدها لأجل الشرع.
وكذلك لو أن رجلًا مَلَك أمًّا بانفرادها فباعها بالخيار، ثم اشترى بائعها

ولدها بَتْلًا بغير خيار، فإنه ذكر في المدونة: أن الأمّة المبيعة بالخيار، إن كان الخيار فيها للبائع فإنه يُنْهَى عن إمضاء البيع فيها بعد أن اشترى ولدها؛ لأنه إذا أمضى البيع مع قدرته على أن يردّه صار كمبتدىء بيع أمة وأبقى 1 ولدها على ملكه.
فإن ركب النهي، وأمضى البيع، فإن إمضاءَه يُرَدّة إلا أن يجمعا بين الأم وولدها في ملك واحد.
فإن كان الخيار في الأم المبيعة للمشتري، فإن له إمضاء الشراء، ويجبران على أن يجمعاهما في ملك أحدهما، ويبيعانهما من رجل واحد.
وقد أشير إلى معارضة هذه التفرقة، من كون الخيار للبائع أو للمشتري، بأنه 2 لا ينبغي أن يُفرَّق بينهما على الطريقتين المعروفتين في المذهب في عقود الخيار إذا أمضيتْ، هل يكون العقد إنما انبرم وانعقد في زمن الإمضاء، فيكون البائع منهيًا عن إمضاء العقد إذا كان الخيار له، لكونه عقدًا لِبَيع على أمة وحدها، وعنده ولدها.
وكذلك يجب أن يكون المشتري منهيًا عن إمضاء الشراء، لكونه عَقَد الشراءَ في أمة وولدها ساق على ملك البائع.
وإن قلنا بالطريقة الاّخرى: إن عقود الخيار إذا أُمضيتْ قدِّرتْ أنها لم تزل ماضية من حين عقد الخيار، وجب، على هذا، أن يجوز إمضاء العقد للبائع والمشتري، لأن كل واحد منهما، إذا أمضى عقدًا، كان جائزًا أن يتبتل حين عقد بالخيار، لكون الولد حينئذ لم يكن في ملك بائع الأمهّ بالخيار.
وأشير أيضًا إلى مناقضة ابن القاسم في قوله: إذا كان الخيار للمشتري فإنهما يجبران على أن يجمعاهما في ملك أحدهما أو يبيعانهما من رجل واحد.
فقد سامح في جمع 3 السلعتين ها هنا لمالكين.
وقد قدمنا عنه، فيما سلف، أنه يرى الفسخ أولى من الوقوع في جمع السلعتين.

وقد اعتُذِر عنه في هذه التفرقة بأن البائع، لما اشترى الولد بعد أن باع الأمّ على الخيار فيها للمشتري، أتُّهِم فيها على أنه قصد بها إبطال حق المشتري في الخيار في الأم، فلم يمكّن من إبطال حقه في الخيار، وأن تُرَدَّ الأمة التي باعها منه إلى يديه؛ ويمنعه من إمضاء الشراء فيها على حسب ما يقتضيه ما كان له من الخيار فيها.
وهذه التهمة لا تتصور إذا كان الخيار في الأمة للبائع؛ لأنه قادر على ردّها إلى ملكه، سواء اشترى ولدها أو لم يشتره.
فلما تصورت التهمة في شأن شراء الولد إذ كان الخيار في الأمّ للمشتري، واتُّهم أنه قصد إلى إبطال حق المشتري منع ما قصد إليه ومضى البيع على ما كان عليه.
وكذلك يعتذر عنه بإجازته ها هنا جمع السلعتين في البيع إذا كان الخيار للمشتري، لأجل ما كنّا أشرنا إليه من الضرورة إلى الوقوع في مثل هذا إذا مكّنّا المشتري من إمضاء الشراء.
كما لو وجدنا أمًّا في يد رجل وولدها في يد آخر، فإنّا نجمعهما في البيع عليهما، إذا لم يعلم هل هما في أيْدِيهما ببيع فنفسخه، أو بغير ذلك مما لا يصحّ فسخه.
وكذلك لو كانا في أيديهما ببيع، وفات المبيع بحوالة أسواق، فإنّا نبيعه عليهما لما امتنع الفسخ بحوالة الأسواق، إذ لا يمكن جمعهما إلا كذلك.
فكان ابن القاسم يلجىء إلى الفسخ هربًا من جمع السلعتين، إلا أن تدعو الضرورة إلى جمعهما في البيع فيستخفه لأجل الحاجة إليه.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: قد تقدم في غير هذا الكتاب الكلام على ملك أهل الحرب ما في أيديهم، وأنّا نستبيح أموالهم بالشرع إذا قدرنا عليها.
وأشرنا في هذا الكتاب إلى هذا المعنى لما تكلمنا على مراباة أهل الحرب ووطء نسائهم.
وبالجملة ملكهم ناقص عند من قال: إنهم مالكون لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ 1. وهذه

الإضافة تقتضي ملكهم لما أضيف إليهم من أرض ومال.
لكن الملك لما كان لنا انتزاعه من أيديهم بالقهر صار ملكًا ناقصًا.
وأما أهل الذمة الذين ضربت عليهم الجزية فإنا لا نستبيح أموالهم ما داموا لم ينقضوا العهد، ويؤدّون الجزية.
فلو أن أحدًا منهم عنده أمة وولدها فأراد أن يفرق بينهما في البيع، فإنه يُنهَى المسلم عن الشراء منه، لكون التفرقة في ديننا لا تجوز.
لكن لو كان الجميع نَصارى، سيدهما البائع، والمشتري منه، والأم وولدها، فإنه إن كانت التفرقة عندهم لا تجوز، كان من حقنا، إذا طلبت الأم المنع من التفرقة، أن نمنَعهم من ذلك؛ لأنه من التظالم، ونحن مأمورون بأن نكف ظلم بعضهم عن بعض.
لكن لو كافي ذلك في دينهم سائغًا لكان للنظر في هذا مجال.
وبعض أشياخي يطلق القول بمنعهم من ذلك غير ملتفت للتفصيل الذي فصلناه.
ولو أن نصرانيًا له أمة نصرانية أزوَجها من عبد له نصراني، فأسلمت الأمة ولها وَلد من زوجها، فإنه يباع معها لأجل حقها في المنع من التفرقة بينها وبين ولدها، وإن كان الولد على دين أبيه في المشهور عندنا من المذهب.
وقيل: إنه يتبع أمه في الإِسلام.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، لكون الإِسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقد قيل: إنه لا يكون مسلما بإسلام أبيه، وإنما يكون مسلمًا بإسلام أمه.
واعتبر من ذهب إلى هذا الأمَ في الدين كما اعتبرها الجميع في الرق والحرية؛ فإن الولد لا يتبع أباه في الرق والحرية، وإنما يتبع في هذا أمه.
ولو أن رجلًا اشترى أمة، واشترى عبدُه، المأذون له في التجارة، ولدَ هذه الأمة، فإنا لا نجيز ذلك، وإن كان السيد قادرًا على انتزل ما اشتراه عبده، حتى يكونا كأنهما في ملك واحد، لأن فن مذهبنا أن العبد مالك حتى ينتزع السيد ما في يديه، فإذا لم ينتزع ما في يديه أُجْرِيَ على أحكام المالكيْن.

وقد يطرأ على العبد ديْن فيجب بيع ما اشتراه من ولد أو أمّ في الدين الذي عليه؛ فيكون بيع ذلك تفرقة.
فإن فعلا، واشترى السيد الأمة، والعبا ولدَها، أُمِرا أن يجمعا بينهما في ملك أحدهما، أو يبيعاهما من رجل واحد.
وإن لم يفعلا فسخ البيع.
وقد عورض هذا أيضًا بأنه إذا جاز لهما أن يبيعاهما جميعًا فلا وجه لفسخ البيع، بل الواجب أن يبيع ذلك القاضي عليهما، كما أمرا أن يفعلا.
وأصل ابن القاسم أنه إذا قُدِر على تحصيل المقصود من رفع ضرر التفرقة بالجمع في ملك واحد فلا يعدل عنه إلى الفسخ، كبيع المصحف من نصراني.
وهذا الذي اعترض به بعض حذاق الأشياخ قد يعتذر عنه عندي بأن البيع إذا كان من العبد وسيّده بالتراضي منهما، صار ذلك كانتزاع ما في يد العبد من ولد أو أمّ؛ وكأنه لما أمَرَ عبدَه أن يبيع ما في يده مع ما في يد سيده انتزع حق العبد في إقرار ملكه على ما في يديه منهما، وهو إذا انتزعه ثم باعهما بعد الانتزاع، لم يتصور في ذلك جمع السلعتين لمالكين، بل هما ها هنا كمالك واحد.
وإذا قررنا أن أمره لعبده، ورضاه له بأن يبيع ما في يديه وما في يد السيد، يقدّر كالانتزاع لم يكن ذلك كبيع حاكم يجمع سلعتين لمالكين، ويبتدىء ذلك اختيارًا منه من غير رضي المالكين.
هذا مما ينظر فيه.

قال القاضي أبو محمَّد رضي الله عنه: والتصْرِيَة عيب.
وإذا علم المبتاع بعد أن حلبها فله الخيار بين إمساكها أو ردها مع صاع من تمر.

قال الشيخ الإِمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما التصرية في اللغة؟ 2 - وما الدليل على النهي عنها؟

3 - وهل التصرية عيب يوجب الردّ؟ 4 - وهل يفسد العقد أم لا؟ 5 - وما حكم اللبن المحلوب منها؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: التصرية في اللغة الجمعُ.
ومنه قوله تعالى: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ 1 أي في جماعة من النساء.
وتقول العرب: صَرّيت الماء في الحوض، وصَرَيته، إذا جمعته.
والصَّراة مكان يجتمع فيه الماء سُمِّي هذا المكان بذلك لاجتماع المياه إليه.
فالمصراة مأخوذة من هذا, وليست مأخوذة من الصَّرار، ولو أخذت من الصرار لسُميتْ مصرورة.
وكذلك المجمّلة 2 هي التي جمع لبنها في ضروعها 3، أيضًا.
ومنه قولهم: أتيت فلانًا وهو في محفل عظيم، أي في جماعة كبيرة.
وهكذا وردت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في بعضها حكم من اشترى مصرّاة، وفي بعضها حكم من اشترى محفّلة.
والمراد باللفظين معنى واحد.
وقد ذكرنا أن العرب تقول: صريت الماء في الحوض، بتشديد الراء وتخفيفها.
فإذا نهيت الناس عن المّصرية على لغة التشديد في الراء قلت: لا تُصرُّوا الإبلَ؛ كما تقول في النهي للناس، إذا أخذته من حلّ عن الحرم: لا تحلوا الحرم.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أما الدليل على منع التصرية فقوله - صلى الله عليه وسلم -، فيما رواه أبو هريرة فيه: "لا تصروا الغنم والإبل.
فمن اشتراها بعد ذلك فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها،

إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر" الحديث المشهور، على حسب ما وقع في الموطأ 1 والبخاري 2 ومسلم 3، وغيرهم ممن لم يشترط الصحيح 4 ومن جهة المعنى: إن الغش والتدليس ممنوع في الشرع.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا" 5. وهذا إذا أتى لناقته فربط أخلاف الناقة بخيط، يومًا أو يومين، حتى يكثر لبنها، ويمتلىء 6 ضرعها، وينتفخ ويعظم في النظر، قاصدًا بذلك التغرير للمشتري، ليعتقد أن الناقة التي ساوم فيها، هكذا يكون ضرعها كل يوم لكثرة لبنها، فيزيد البائع في ثمنها، اعتقادًا منه أنها تحلب كل يوم مقدارًا كثيرًا فوق ما اعتيد منها من الحلاب.
والتغرير بالمسلم في إتلاف ملكه لا يجوز، وإن لم يقارنه بيع ولا معاوضة، فكيف به في عقود المعاوضة.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال.: إذا تقرر النهي عن التصرية، فإن ذلك إذا وقع، وبيعت المصراة، فقد اختلف الناس في ذلك.
فأكثر العلماء على أنه عيب وتدليس يوجب للمشتري مقالًا.
وبه قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة إلى أن التصرية ليست بعيب ولا تدليس، ولا مقال للمشتري فيها.

وذكر ابن القصار من أصحابنا هذا المذهب عن أبي حنيفة، وقال: إنّ أصحابنا والشافعية يحكون عن أصحابه أنهم ينكرون هذا.
وهكذا ذكر أبو حامد أن أصحابه ينكرونه.
والذي حكيناه عنه هو الذي وقفت عليه في نقل المتأخرين من حذاق أصحابه، ويذكرون أن أبا يوسف خالفه وذهب إلى أن للمشتري في ذلك مقالًا؛ وأن محمدًا بن الحسن أحدَ أصحابه موافقُه على هذا المذهب الذي حكيناه عنه.
أن يقال: إذا تقرّر تحريم بيع المصراة، فإنه إذا وقع لم يفسد العقد، وإن كان منهيًّا عنه؛ لأنه عليه السلام قال: "إذا رضيها أمسكها"، والعقد الفاسد ليس للمشتري أن يتمسك به.
فإن قيل: فإنه منهي عنه، والنهي يدلّ على فساد المنهى عنه.
فمثل هذا ما 1 اختلف فيه أهل الأصول.
فمن قال منهم: إن النهي لا يدل على فساد المنهى عنه، قولًا مطلقًا؛ فلا يلزمه أن يُفسِد بيع التصرية.
ومن قال: إنه يدل على فساد المنهى عنه، فإنه يقول: إن هذا النهي لا يدلّ على الفساد.
فإن قيل: قد قال القزويني من أصحاب مالك، وابن الجهم في بيع النجش: إنه يفسخ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه.
والنهي عن النجش لحق المخلوقين.
قيل: إن هذا إنما يقال على مقتضي ما يوجبه الدليل على الجملة، عند من ذهب إلى أن النهي يدلّ على فساد المنهي عنه على الإطلاق، ما لم يقم على إمضاء البيع دليل، وها هنا قد قام على إمضائه دليل، وهو ما قارن النهي عنه من إمضائه إذا اختار المشتري التمسك بالمصراة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - "فإن رضيها أمسكها".

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا تقرر النهي عن التصرية فإن ذلك إذا وقع وبيعت المصراة، فقد اختلف الناس في ذلك.

فأكثر العلماء على أنه عيب وتدليس، يوجب لِلمشتري مقالًا وبه قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة إلى أن التصرية ليست بعيب ولا تدليس، ولا مقال لِلمشتري فيها.
وذكر ابن القصار، من أصحابنا، هذا المذهب عن أبي حنيفة.
قال: إن أصحابنا والشافعية يحكون عن أصحابه أنهم ينكرون هذا.
وهكذا ذكر أبو حامد أن أصحابه ينكرونه.
والذي حكيناه عنه هو الذي وقفت عليه في نقل المتأخرين من حذاق أصحابه.
ويذكرون أن أبا يوسف خالفه، وذهب إلى أن للمشتري في ذلك مقالًا.
وأن محمدًا بن الحسن أحد أصحابه موافقُه على هذا المذهب الذي حكيناه عنه.
فمن ذهب إلى أن ذلك عيب يوجب للمشتري مقالًا، فإن الأكثر منهم على أن لِلْمشتري أن يقبل المصراة بهذا العيب ولا شيء له.
أو يردها ويأخذ الثمن.
وبذلك قال مالك والشافعي.
وذكر الطحاوي عن عيسى بن أبان أنه قال: كان الحكم في من دلس بعيب ألاّ يعطى الثمن، لما كانت العقوبة في الأموال، فعوقب هذا بحرمان الثمن.
ثم نسخ هذا برد المبيع ويرجع بالثمن.
لكن هذا لما كان اللبن الذي كان بالضرع لم يقدر على ردّه لاختلاطه بما يحدث من اللبن عند المشتري، وجب أن يعدل عن الرد للبيع لما تعذر ردّ المبيع بعينه لأجل ما ذكرناه، إلى أن يأخذ قيمة العيب.
وهكذا مذهب أحمد بن حنبل أن المقال في هذا العيب، الذي هو التصرية، في طلب المشتري للبائع بقيمة العيب ألا يرد المصراة.
والمذهب، الذي أشرنا إلى أن أصحاب أبي حنيفة ينكرون ما حكيناه، ينسبون إليه أن ذلك عيب، ولكنه لا يوجب الرد لتصرف المشتري في المبيع وانتقاصه.
وقد كنا قدمنا، في كتاب الرد بالعيب، أن من مذهبه أن النقص

الحادث عند المشتري يمنع من الردّ 1 يوجب قيمة العيب.
فأما ذهاب أبي حنيفة إلى أن ذلك ليس بعيب ولا تدليس، فإنه يعتمد فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن مجرّد العقد على المبيع المعيب يوجب للمشتري الرد، والحديث الوارد في المصراة ذكر فيه أن للمشتري الردّ بعد أن يحلبها.
فاقتضى هذا أنه لا يجب الرد بنفس العقد، بل بأمر حدث بعد العقد.
وهو خلاف الأصول.
والوجه الثاني أن اللبن لا قسط له من الثمن.
ولو كان له قسط لم يجز بيع الشاة التي في ضرعها لبن، لأنه عليه السلام نهى عن بيع اللبن في الضروع 2. وإذا لم يكن له قسط من الثمن لم يتصوّر التدليس بأمر لا حصة له من الثمن.
والوجه الثالث أن البائع للمصراة لم يشترط كونها تحلب كل يوم مقدارًا كثيرًا فظهر أن الأمر بخلافه، وقصارى ما فيه أنه سكت عن بيان بعض أوصاف المبيع، ومجرد هذا لا يوجب للمشتري مقالًا، والدرك ها هنا على المشتري في اعتقاد الغلط، فلا يوجب له ذلك دركًا على البائع، كما لو باع جارية وهي ثيّب، فقال المتشري: ظننتها بكرًا؛ فإن ظنه لا يوجب له ردها، كما تقدم بيانه في كتاب الرد بالعيب.
وكذلك لو سمّن رجل شاته أو بعيرهُ فظن المشتري أنها حامل، فإنه لا يردّها لظنه ذلك.
وكذلك لو كان الضرع كثير اللحم، وظنه المشترى كثير اللبن.
فإذا كانت هذه الظنون لا توجب للمشتري مقالًا على البائع فكذلك التصرية، يظن المشتري أن المصراة كثيرة اللبن.
وكذلك لو باع غلامًا في ثوبه أثر المداد، وبيده الدواة والقلم، فإذا به أمّيّ.

فأما الوجه الأول فغير مسلَّم؛ لأن عيب التصرية إنما أوجبه العقد، ولكن هذا عيب لم يطلع عليه المشتري إلا بعد العقد والحلاب، فلهذا تأخر الردّ به.
ولو ثبت أنها مصراة قبل الحلاب، وأن لينها ينقص عن مقدار ما صُرّيت به لكان للمشتري ردّها وإن لم يحلبها.
وأما الوجه الثاني، وهو كون اللبن لا حصة له من الثمن، فإن من اشترى شاة لبونًا، يعلم بمقتضى العادة أن ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم قسطًا أقلُّ من ثمنها إذا كانت تحلب كل يوم أضعاف ذلك.
فإذا علم أن المشتري يزيد في ثمنها بزيادة لبنها، كان له مقال في الردّ بعيب ينقص من الثمن.
ونهيه عليه السلام عن بيع اللبن في الضرع محمول على أنه باعه مفردًا، وهو لا يعلم مبلغه، فيكون المبيع مجهولًا.
وأما إذا باعه وباع الشاهّ، ولبنُها الذي في ضرعها تبع لها، فإن ذلك ليس بغرر، لكونه تبعًا لمبيع معلوم كبعض أجزائه.
ألا ترى أن بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية لا يجوز، لما فيه من الغرر.
فلو بيعت النخل وفيها تمر لم يَزْهُ، لجاز ذلك لكون الثمرة ها هنا تبعًا للنخل.
ولو باع الجنين منفردًا في بطْن أمه، لم يجز ذلك.
ولو باع أمه حاملًا لجاز ذلك.
فلا تقاس أحكام التوابع على أحكام المتبوعات.
وأما الوجه الثالث الموجب لتخيير المشتري في المصراة كون البائع غش ودلّس، وفعل ما لا يحلّ، وغرر بالمشتري تغريرًا أتلف عليه به بعض ماله.
والذي سمّن شاته فعل ما هو مباح له، ولم يقصد التغرير بالمشتري، فيعاقب بالردّ عليه، كما عوقب من ظلم وغرّ.
وأما من باع غلامًا في ثوبه أثر المداد، وبيده القلم والدواة، فإن أبا حامد الإسفرائيني تردد في هذا، هل يقال: للمشتري مقال في ردّهِ إذا كان أمّيّا، أو يقال: لا مقال له، لكون المشتري عوّل على أمر محتمل يمكن عنده أن يكون غلامًا لكاتب يحمل دواته وقلمه.
فعلى المشتري الدرك إذا عوّل على أمر

محتمل وبالجملة فإنه إذا لم يفعل البائع فعلًا محرمًا عليه، ولا غرر بالمشتري، ولا قصد التدليس عليه، وعوّل المشتري على أمر محتمل حتى يكون مدعيًا في ماظن، فإنه لا مقال له.
ولو ثبت أنه عوّل على أمر تقتضيه العوائد، وهو الذي يعتقد فيه هو وغيره من الناس، فكشف الغيب أن الأمر خلاف ما عقد عليه، وتحقق أنه لو كُشِف الباطن ما دخل عليه هو ولا غيره من الناس، فإنه إنّما عقد على المعتاد، فإن هذا مما يوجب له مقالًا، على تفاصيل تعلم مما تقدم في غير هذا الكتاب من أحكام البيوع والعيوب وغير ذلك.
هذا عمدة أبي حنيفة والانفصال عنها.. وأما دليلنا عليه، وهو الحديث الصحيح الذي قدمناه، فإنهم يجيبون عنه بطريقين، أحدهما الطعن في النقل.
والثاني مخالفة الأصول.
فأما الطعن في النقل، فإن بعضهم تجاسر، وقال بالتوقيف 1 في حديث أبي هريرة.
ونسب ذلك إلى إبراهيم النخعي.
وهذا تجاسر عظيم على صاحب مشهور من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه خلق من أبناء المهاجرين والأنصار، وروى عنه الأئمة من الفقهاء والمحدثين.
وقد قال أبو العباس بن سريج مستعظمًا لهذا الطعن: مثل من قال هذا كمن رأى في ثوبه نجاسة فغسلها بالبول.
لأن الطاعن بهذا لما عدل 2 على ردّ حديث وحكم نص النبي - صلى الله عليه وسلم - طعن في راوي الحديث من الصحابة رضي الله عنهم.
وقد رأيت أبا زيد الدبوسي، وهو من حذاق أصحاب أبي حنيفة، تلطف في هذا الطعن، وقال: أحاديث أبي هريرة تردّ بالقياس الصحيح.
وهذا الذي أشار إليه من تقدمة القياس على خبر الواحد مسألة مشهورة في أصول الفقه، ذكرنا حكمها في كتابنا المترجم بـ"كشف المحصول من برهان

الأصول".
ولكنها إنما ذكرها العلماء في أصول الفقه ذكرًا مطلقًا غير مختص بخبر صاحب بعينه مُسمَّى.
ولكن ما ذكرهُ أبو زيد قد يَفهم بعضُ من يقف عليه التعريض بطريقة القادحين الذين ذكرناهم، والله أعلم بما أراد.
وأيضًا فإن ابن عمر روى الحديث، وإن كان بلفظ مخالف لِلفظ الذي ذكرناه من رواية أبي هريرة فتأكد 1 صحة النقل.
وطعنوا أيضًا في الحديث باختلاف الرواة في متنه.
ففي بعضها أنه "يردّ صاعًا من تمر".
وفي بعضها أنّه "يرد صاعًا من ثمر لا سمراء".
وفي رواية ابن عمر في من اشترى مُحَفّلة، فذكر الحديث، وقال: "يردّ مثل أو مثلي لبنها قمحًا".
وهذا الاضطراب يوجب ضعف الحديث.
وهذا الطعن، أيضًا، غير مسلَّم، لأن جميع الرواة اتفقوا على أن في الحديث إثبات الردّ للشاة إذا شاء.
واختلافهم في ما يرد مع الشاة عوضًا عن اللبن مسألة أخرى، وحكم آخر لا يتعدى إلى الحكم الذي اتفقوا عليه، وهو وجوب الرد.
وطعنوا في الحديث من جهة مخالفته الأصول؛ فإنه يتضمن رد عوض اللبن صاعًا من تمرة واللبن يختلف بالقلة والكثرة، والأصول تقتضي بأن من أتلف قليلًا يغرم مقداره، ومن أتلف كثيرًا يغرم مقداره، وهذا الحديث قد سَوَّى بين القليل والكثير في الغرامة.
والانفصال عنه أن الموضحة ديتها خمسون دينارًا على أهل الذهب، كانت الموضحة كبيرة أو صغيرة، ولم يُستنكر في الشرع هذا، فكذلك تقدير عوض الببن بصاع تمر.
ومذهبه أيضًا في العبد إذا قتل، فإنه يغرم ديته وهي عشرة آلاف درهم إلا عشرة دراهم.
فسوّى إذ أبي ن العبد العظيم القيمة والعبد الخسيس القيمة في هذا

التقدير لما اقتضاه الشرع والدليل.
وقد قال جماعة ممن تقدم وتأخر من العلماء، من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم: إن اللبن الذي كان في الضرع عند العقد يجب ردّه مع الشاة ولكنه يختلط به ما حدث في الضرع في ملك المشترى، وهو غلة، والغلات لا ترد إذا ردَّ المبيع بالعيب، والذي كان في الضرع ليس بغلة، بل هو كالمبيع في حكم التبع، فيجب ردّه.
فلما لم يتميز من اللبن ما يجب رده مما لا يجب ردّه، رفع عليه السلام الخلاف والتشاجر والخضام والتداعي بأن جعل عوض اللبن الذي كان بالضرع حين العقد أمرا محدودًا كالقيمة له، وقدره بجنس غير جنسه ليسلم من التفاضل بين لبن ولبن صار عوضًا عن اللبن الأول.
وهكذا 1 كما قضى - صلى الله عليه وسلم - في غرة الجنين بعبد أو وليدة 2، ولم يفرق بين كون الجنين ذكرًا أو أنثى، مع اختلاف دية الذكر والأنثى.
وكذلك - صلى الله عليه وسلم - قصد بهذا التحديد والتعويض رفع التشاجر والخصام في الأجنة، هل هم ذكران أو إناث.
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: تأويل الحديث أن البائع اشترط كون هذه الناقة تحلب أقساطًا معلومة، فظهر أنه لم يصدق، وأنها تحلب أقل مما شرط، فلهذا كان له الرد لأجل فساد البيع؛ لأن البيع والشرط إذا اقترنا في العقد أفسد الشرط العقد إذا كان في معنى هذا الشرط.
وهذا الذي قاله تعسف عظيم، وإبطال للأحاديث والظواهر، لأن النبي عليه السلام لم يذكر، لما ذكر حكم المصراة، أن المشتري اشترط مقدارًا من اللبن معلومًا.
ولو ساغ أن يضاف إلى لفظ.
النبي عليه السلام ما لم يقله، ولم يذكره السائل ولا هو من المشكلات الظاهرة والمحتملات القريبة، لأمكن أن يدعى في كل حديث زيادة فيه بما قد يمكن.
وأيضًا فإن البيع الفاسد يجب فسخه، وإن لم يرض المشتري، ولا يسوغ

له التمسك به.
وها هنا قد قال - صلى الله عليه وسلم - في المشتري: "إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها".
والبيع الفاسد لا يقال فيه: إن شاء المشتري أمسكه؛ بل للقاضي ردّه وفسخ عقده.
وأيضًا فقد قال في بعض طرق الحديث: "إنه بالخيار بعد ثلاث" والبيع الفاسد يفسخ في الحال ولا يؤخر إلى يوم ولا ثلاث.
وأشار أبو حنيفة إلى رده من ناحية مخالفة الأصول؛ فإن الأصل في المبيع المعيب إذا حدث به نقص يمنع من الرد بالعيب لأجل ما حدث عند المشتري من النقص.
وها هنا قد أوجب ردّ الشاة المصراة مع نقصها بالحلاب.
والانفصال عن هذا بأن هذا النقص لا يعرف العيب إلا به.
كما لو اشترى ثوبًا مطويًّا فنشره فانتقص بالنشر كَمَادُه؛ فإن هذا لا يمنع من الردّ لكون المشتري لا يعلم العيب إلا باختبار المبيع، واختباره ها هن ابن شر الثوب المطوي.
وكمن اشترى قثاء فكسره فوجده مُرًّا.
على ما تقدم ذكره في كتاب العيوب، لما تكلمنا على العيوب الباطنة التي لا تعلم إلا بعد البيع.
وذكر أصحاب أبي حنيفة أيضًا أن الأصل في المتلفات المكيلة القضاء بأمثالها؛ وها هنا لم يردّ اللبن ولا مثلة بلْ ردّ عوضه تَمرًا، وهذا خلاف الأصول.
والانفصال عن هذا ما تقدم من كون هذا شُرع لِرفع النزاع؛ واللبن إذا حلب غُيّر عن الحال الذي كان عليه في الضرع، ونقله إلى حالة أخرى؛ فلهذا لم يُردّ بعينه، ولا ردّ مثله، لكون ما في الضرع مجهولًا، والمجهول إنما تغرم قيمته.
وأشار الطحاوي إلى ثبوت حديث المصراة.
ورواه منسوخًا بنهيه عن الدين بالدين.
وهذا تعسف في التأويل، في دعوى النسخ بهذا.
وإذا كان قد ساهمه في هذه الطريقة أشهب من أصحاب مالك، وأشار إلى كونه منسوخًا بقوله عليه السلام: "الخراج بالضمان".
وهو الذي أشار إليه أشهب في المدونة وغيرها، وضعّف حديث المصراة من أجله، وذكر أن مالكًا ضعفه، وهكذا قال ابن شعبان في مختصره: إن حديث المصراة ليس في الموطأ، ولا بالثابت.

يشير إلى أنه لم يتوطّأ على العمل 1، ولا يثبت الأخذ به.
لا يستقل 2 حجة في رد حديث المصراة، ومالك الذي أشار إلى ضعفه هو الذي رواه.
ورواه غيره من أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم وغيرهما.
وقوله: الخراج بالضمان؛ عام في المصراة وغيرها، فلا ينسخ العام الخاص، بل المعروف عند أهل الأصول من الفقهاء تخصيص الحديث العام بالحديث الخاص.
والنسخ إنما يكون مع مناقضة حديث بحديث، مع أن المناقضة أيضًا تفتقر إلى علم التاريخ حتى يكون الأخير منهما ناسخًا للأوّل، وهذا كله يعسر وجوده في حديث المصراة وحديث: الخراج بالضمان.
وإذا ثبت النهي عن تصرية الإبل والغنم بالنص عليها، فالبقر كذلك لأن لبنها فوق لبن الغنم ودون لبن الإبل، فهما كالمنبهان على الوسط الذي بينهما.
وقد وقع في رواية ابن عمر العبارة عن هذا بقوله: "من اشترى محفلة" والمراد ما حُفِّل اللبن في ضرعها تسمى محفلة.
ومنه قوله: مَحْفَل من الناس، أي جمع كبير.
والبقرة التي يجمع لبنها في ضرعها تسمى محفلة.
وأما لو كانت التصرية في غير الأنعام، كالحمير، فإنه ينهى عنه.
وللمشتري مقال إذا اطلع عليه، لكون زيادة لبنها يزيد في ثمنها لأجل تغذية ولدها.
وهكذا لو حُفّلت جارية بأن حبس لبنها، فإن ذلك أيضًا من التصرية المنهي عنها.
كذا ذكر أصحاب الشافعي في هذين السؤالين.
والذي قالوه يجب أن يُسلَم إذا علم أن اللبن في الجواري وفي الأتانة مما يزاد في الثمن لأجله.
وإن

كان هذا مما لا يلتفت الناس إليه، ولا يعرجون عليه على حال، فإنه لا يسلم ما قالوه، ولكن إذا كان الأمر على هذا فلا يقع أحد في التصرية والاشتغال بها، لكونه لا يفيد في غالب الأمر.

"والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا تقرر تحريم بيع المصراة، فإنه إذا وقع لم يفسخ العقد، وإن كان منهيًا عنه؛ لأنه عليه السلام قال: إنه إذا رضيها أمسكها؛ والعقد الفاسد ليس للمشتري التمسك به.
فإن قيل: فإنه بيع منهى عنه، والنهي يدل 1 على فساد المنهي عنه قولًا مطلقًا، فلا يلزم أن يفسد بيعْ التصرية.
ومن قال: إنه يدل على فساد المنهي عنه؛ فإنه يقول: إن هذا النهي راجع لحق المخلوقين في أَلَّا يُدلَّس عليهم، ومثل هذا النهي لا يدل على الفساد.
فإن قيل: قد قال القزويني، من أصحاب مالك، وابن الجهم، في بيع النجش: إنه يفسخ، لنهيه عليه السلام عنه؛ والنهي عن بيع النجش لحق المخلوقين.
قيل: هذا إنما يقال على مقتضى ما يوجبه الدليل على الجملة عند من ذهب إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه على الإطلاق، ما لم يقم على إمضاء البيع دليل، وهو ما قارن النهي عنه من إمضائه إذا اختار المشتري التمسك بالمصرّاة، وهو قوله عليه السلام: "فإن رضيها أمسكها"، 2.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اختلف الناس في حكمها إذا حلب لبنها.
فكنا ذكرنا عن أبي حنيفة أنه ذكر عنه أنه كان يرى التصرية ليست بعيب يوجب للمشتري مقالًا، فهذا لا يوجب على المشتري في اللبن شيئًا.
وجُلّ العلماء على أن لبن المصراة للبائع، لكونه قد جمع في ضروعها حين العقد، وهو مبيع معها، فوجب أن يكون للبائع.
وإنما يكون، للمشتري ما حدث من اللبن في ضروعها بعد عقد الشراء وبعد أن صارت إليه، لأنه خراج، والخراج بالضمان.

ولكن إذا كان اللبن الذي صُرّيتْ به للبائع، فهل يجب رده بعينه أم لا، إذا قام المشتري بعيب التصرية بفور حلاب أم لا؟ ذهب بعض أشياخي إلى أنه يرد بعينه، ولا يلزم المشتري عوضه، تمرًا ولا غيره، لارتفاع العلة ها هنا، التي من.
أجلها ورد الحديث برد عوضه صاع تمر، وهو اختلاطه بملك المشتري اختلاطًا لا يتميز معه ما لبائعها من اللبن وما لمشتريها منه فقضى بردّ الصالح عوضًا عمّا لا يتميّز.
وإذا ردّت بعيب التصرية لما حلبت بفور العقد، ارتفعت هذه العلة التي هي الاختلاط فوجب رد اللبن بعينه.
وظاهر كلام من تقدم من العلماء خلاف هذا، لكون اللبن إذا حلب غيّره الهواء، فكأنه ليس هو اللبن بعينه الذي كان في الضرع، فلهذا لم يردّ.
وهكذا ظاهر المدونة، لأنه ذكر فيها أنهما لو تراضيا برد اللبن بعينه، ما جاز ذلك لأن التمر وجب في ذمة المشتري.
فإذا تراضيا برد اللبن وقعا في بيع صاع التمر قبل قبضه 1. ولو كان الأمر كما أشار إليه بعض أشياخي لم يحرم ذلك عليهما، لكون المشتري أسقط حقه في ما اختلط، وإذا أسقط حقه وقبله الآخر منه فلا وجه للمنع.
إلا أن يقال: إن الواجب في الشرع رد صاع من التمر لا عين اللبن؛ فيتصور حينئذ فيه المنع من بيع الطعام قبل.
قبضه.
وقد أشار شيخنا إلى حمل ما في المدونة على أنه لم يرُدّ المصراة بفور العقد.
والذي ذكرناه يبعد تأويله هذا.
وهكذا أشار إلى حمل ما وقع لمالك في مختصر ابن شعبان، لما أشار إلى ضعف العمل بحديث المصراة بأن قال: له اللبن بما علف؛ إلى حمل هذا على أراد 2 ما حدث من اللبن في ملك المشتري الذي كان عن علفه، والذي نبهنا عليه من كون تغير اللبن إذا حلب يقتضي إبقاء الروايات على ظاهرها.

فلو ردت الشاة بعيب آخر، غير عيب التصرية، فإن ابن المواز ذكر أنه لا يرد عوض ما حلب.
وأشار إلى قصر الحديث في وجوب ردّ الصاع على ما ذكر فيه خاصة، وأبقى ما سواه على أحكام العيوب؛ فإن من رد شاة بعيب لا يردّ لبنها، إذا كان غير مقصود في الشراء، ولا حصة له من الثمن فجرى مجرى ما يغتله المشتري.
فإذا لم يقم المشتري بعيب التصرية ورضيها، فقد أسقط حقه في ما زاده من الثمن لأجلها لما عظم ضرعها، فصار كالمقر على نفسه أنّ اللبن لا حصة له من الثمن.
وذكر بعض الأندلسيين عن ابن مزين أنه ذكر عن أشهب أنه إذا ردها بعيب، وقد رضي بتصريتها، فإنه يرد الصاع.
وإلى هذا مال بعض أشياخي.
وقال المروزي: إنه يرد الصاع من التمر ولو ردها بغير عيب التصرية.
وقال أشهب، في من أكل لبن الشاة وردها بعيب، فإنه لا يردّ عوض اللبن شيئًا.
وأشار إلى كونه غلة.
وذهب ابن حنبل إلى أن هذا اللبن لما تعذّر ردّه صار ذلك كفوت المبيع، وفوته يوجب قيمة العيب.
فمنع من ردّ المصراة لما حدث من النقص في الشاة.
وقد كنا حكينا في كتاب الردّ بالعيب طريقة من ذهب إلى أن نقص المبيع عند المشتري يمنع من رده بالعيب، ويوجب قيمة العيب، فكذلك المصراة.
وقال عيسى بن أبان: كانت العقوبة في الأموال بأن يحرم من دلس بعيب الثمنَ عقوبة له، ثم نسخ ذلك بأنه لا يحرم الثمن.
فلما كان لبن المصراة لا يعرف ما كان منه للبائع ولا ما كان منه للمشتري عدل فيه إلى أخذ قيمة عيب التصرية.
وذهب أبو يوسف وابن أبي ليلى إلى أن الواجب قيمة اللبن الذي كان في الضرع حين عقد البيع.
وإنما حكم - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر لأنه في زمنه كان قيمةَ اللبن.
وذكر أبو حامد اختلاف أصحاب الشافعي في الصاع من التمر إذا كان يزيد

على قيمة الشاة أو يساويها.
فقال بعضهم: يجب أن يرد قيمة الصاع من التمر.
ويعتبر فيه قيمته حينئذ بمدينة النبي عليه السلام لما وجب أن يعدل عنه لكونه يقتضي خلاف الأصول من كون البائع يحصل على رد الثمن والمثمون، وهو الشاة وقيمتها، وقال بعضهم: بل يرد صاعًا من التمر، لأن الصاع عوض اللبن لا عوض الشاة.
فلا يتصور فيه أن يحصل فيه للبائع الثمن والمثمون.
وقال بعض المتأخرين: ظاهر مذهبنا رده الصاع، ولا يلتفت إلى غلائه ولا إلى رخصه.
وكذلك اختلف الناس في التصرية إذا كانت في شاة 1 كثيرة فحلبت، هل يرد مع كل شاة صاع تمر، أو يرد على لبن الجميع صاعًا واحدًا؟ فذهب أحمد بن خالد الأندلسي، في ما ذكر عنه، إلى أنه يرد صاعًا واحدًا عن الجميع، اتباعًا لظاهر الحديث.
وذهب أبو القاسم بن الكاتب إلى أنه يرد عن كل شاة صاعًا.
فأما ابن خالد فإنه يحتج بأن النبي عليه السلام أوجب صاع تمر في حلاب الناقة، وهو اضعاف حلاب الشاة، وأوجست في الشاة الواحدة صاعًا من تمر، ولم يلتفت إلى الكثرة والقلة في اللبن؛ فكذلك لا يلتفت إلى زيادة العدد.
وأما ابن الكاتب فإنه يقول: إنما قضى بصاع تمر رفعًا للخصام، كما قضى في الجنين بغرة، عبد أو وليدة، مع اختلاف دية الذكر والأنثى، قطعًا للخصام.
ثم لو طرحت المرأة أجنّة لقضى في كل جنين بغرة، عبد أو وليدة.
فكذلك في الشاة إذا تعددت.
وينفصل عما قاله ابن خالد بأن لبن الناقة وإن كان أكثر فإنه أدنى لأنه لا يستخرج منه زبد ولا جبن، فكأنه وإن كثر يساوي لبن الشاة وإن قل.
وإذا علم المشتري بالتصرية وعقد الشراء عليها، فإنه لا يكون له مقال في الردّ بها؛ لأنه عيبٌ رضي به.
إلا أن يظهر إذا استدام حلابها، أنها تقصر عن عادة أمثالها، فيكون له مقال بذلك على ما سننته عليه بعد هذا.

وذكر أبو حامد أن هذا عندهم على وجهين، أحدهما أنه عيب رضي به، فلا مقال له فيه.
والثاني أن له مقالًا، لكونه يرجو أن يستديم هذا القدر من الحلاب.
وكذلك ذكر في المصراة أنه إذا لم يعلم بها حتى حلبها، ثم استدام حلابها، فانتقلت عادتها إلى أن صارت يحبب منها مثل ما صرّاها به، فذكر أن هذا يجري على القولين في من اطلع على عيب فلم يقم به حتى زال العيب، كأمة أعتقت تحت العبد فلم تختر حتى أعتق العبد، ففي ثبوت خيارها بعد عتق زوجها قولان.
وقد كنا نحن تكلمنا على أحكام العيب إذا ذهب قبل القيام به في الرد بالعيب.
وذكر أيضًا في الجارية إذا صرّيت، فردها بعيب التصرية، أن المسألة عندهم على وجهين، أحدهما: أنه لا يردّ عوض اللبن، إذ لا قيمة له.
والآخر: أنه يأخذ قيمة العيب لما لم يُمْكِن ردُّ اللبن، وهو مما لا يقوّم، فاقتضى هذا أخذ قيمة العيب.
وأشار بعضهم إلى أنه يمكن أيضًا أن يقال: يرد بدل لبنها صاعًا.
ولو كانت أتانة 1 صرّيت، فإنه ذكر أن بعضهم ذهب إلى طهارة لبنها.
فيقضي هذا أن يرد عوضه صاعًا.
وذهب الشافعي إلى نجاسة لبنها، فلا يجب، على مقتضى هذا، أن يردّ عوضه صاعًا.
وإذا حلب المشتري الشاة المصراة حلبة ثانية، فلا يعدّ ذلك منه رضي بعيب التصرية؛ لأنه، وإن انكشف له العيب، فإنه قد يجوز أن يكون لفساد مرعى.
فإذا حلبها حلبة ثالثة، ففيه قولان: هل يكون ذلك رضي، كما ذكر في الموازية؛ أو لا يكون رضي، كما حكي عن مالك؟ وقال بعض أصحابه: بعد

أن يحلف المشتري على كونه غير راضٍ.
وفي المدونة أحال على قرينة الحال، وهو اعتبار ما يفهم عنه، فقال: إن جاء من ذلك ما يعلم أنه اختبرها عُدَّ ما بعْدَه رضي 1. وفي الحديث الذي خرجه البخاري ومسلم في المصراة، أنه عليه السلام (جعل له الخيار ثلاثة أيام).
وبعض أصحاب الشافعي يحمل هذا الحديث على أن المشتري اشترط الخيار ثلاثة أيام، لأن الخيار من ناحية العيب يكون قبل الثلاث وبعدها.
وبعضهم ذهب إلى أنه لم يشترط، وإنما ذكر في الحديث لأن الثلاث حلبات بها يتحقق أمرها.
وإذا لم تكن الشاة مصراة واشتراها المشتري في إبان الحلاب، فإن البائع إذا كان يعلم قدر حلابها فإن عليه أن يبيّنه.
للمشتري، كصبرة يعلم البائع كيلها، فإنه إن لم يُعلم به المشتري، وإلا 2 كان للمشتري رد ما اشتراه لأجل كتمانه العلم له.
ولو كان ذلك في غير إبان الحلاب، فإن ابن القاسم يرى أن المشتري لا يكون له مقال إذا لم يذكر له البائع قدر حلابها.
وأشهب يوجب له في ذلك مقالًا.
وابن المواز يستدل بثمنها، من كثرته وقلته، على أنه زاد في الثمن لأجل حلابها, ولم يزدْ فيه 3. وإذا كان له الردّ، وردّها بعيب آخر، فإنه لا يرد.
عوض اللبن الذي كان في ضرعها، لأنه غير مقصود حين العقد، فأضيف إلى ما بعده من الحلاب، وكان الجميع غلّة.
وقد قال الشافعي عن محمَّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: إنه قال له: ما تقوليان في الشاة إذا لم تصرّ وردّها بعيب، هل يرد عوض لبنها صاعًا من تمر؟ فقلت له: لا يرد.
والفرق بينها وبين التصرية أن المصراة إذا دلس البائع

بالتصرية ليزاد في الثمن لأجل اللبن، صار اللبن فيها ها هنا مقصودًا، والتي لم تصرّ هو فيها غير مقصود فلا يردّ عوضه.
ولو شرط المشتري في شاة أنها تحلب أقساطًا معلومة كل يوم، فحلبت دونها، فإنه يردها بهذا العيب؛ وذلك آكد من ردها بالتصرية.
وإن اشتراها على تصديق البائع في ذلك، كان ضمانها منه ولبنها له.
وإن اشتراها على الخيار، (فإن صح ما قال البائع، والتزمها لم يكن له من اللبن إلا ما حدث بعد التزامها) 1.

قال القاضي أبو محمَّد، رضي الله عنه: والحُكرة ممنوعة إذا أشرف بأهل البلد، في كل ما بِهِمْ حاجة إليه، من طعام وغيره.
ولا تمنع إذا لم تعد بالضيق والضرر.
ومن جلب طعامًا خلّي بينه وبينه، ولم يُجبر على بيعه.

قال الشيخ الإِمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما حكم ادخار الجالب؟ 2 - وما حكم ادخار المشتري؟ 3 - وما حكم الطعام في الشدة إذا عرضت؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: ذكر في المدونة وغيرها حكم الاحتكار.
والمراد بهذه اللفظة الخزن والادخار.
وذلك ينقسم فيه المالكون على قسمين، والمملوكات على قسمين، وحالة الادخار على قسمين.
فأما المالكون، فإن منهم من يخزن ما جلبه من مدينة أُخرى ويدخره.
ومنهم من يشتريه بمدينته فيدخره.

فأما من يدخره وقد جلبه إلى مدينته، فإنه لا يمنع من خزنه وادخاره رجاء غلائه.
وقد روى مالك في الموطأ: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال إلى فضول أذهاب عندهم فيشترون بها من رزق الله الذي نزل بساحتنا.
لكن من جلب على كبده في الشتاء والصيف، فذلك ضيف عمر، يبيع إذا شاء، ويمسك إذا شاء 1. فأخبر أن الجالب المسافر إلى مدينة بالطعام بخلاف الساكِنِ بها المشتري للطعام منها.
فأباح ذلك للجالب.
قال مالك: وكذلك الزارع.
ونَهَى عنه المقيمَ بقوله: لا حكرة في سوقنا.
ووجه هذه التفرقة أن الجالب للطعام لم يزاحم أهل البلد على شرائه، فيكون ذلك سببًا في غلائه، بل ربما كان الجالب سببًا في رخصه لتكثير ما يقدم به هو وغيره من المسافرين بالطعام.
وكثرة الشيء تقتضي رخصه.
وقاس مالك على هذا الزارعَ، لكونه مشاركًا للجالب في هذا المعنى، لأنه أيضًا لم يزاحم الناس في شراء الطعام؟ بل زراعته وزراعة غيره تكون سببًا في رخصه بإذن الله تعالى.
وأما المملوكات فإنها تكون أقواتًا كالحبوب والقطاني وما في معنى ذلك، وتكون غير أقوات كالعروض وما في معناها.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أما حالة الادخار، فإن الادخار لغير الجالب والزارع، إذا أضر بأهل البلد شراء أحدهم لطعام يختزنه ويدخره رجاء غلائه، فإنه يمنع من ذلك.
وهذا لا يختلف فيه.
وكذلك غير الطعام من سائر المتملكات التي تكون المسامحة بشرائها والتَّجر بها سببًا لإضرار الناس بغلاء أسعارهم ولحوق الضرر بهم، فإنه ممنوع من ادخارها وشرائها للربح.
لأن التمكين من هذا لرجاء المنفعة لا يقايل ما

يتضمنه من لحوق الضرر العام للجمهور.
ومن الأمثال المستعملة: صيانة رأس المال أولى من طلب الربح.
لأن رأس المال إذا عدم عدم الربح.
وكذلك.
إذا كان طلب هذه المنفعة من الربح الذي يرجوه، يقابله ضرر الجماهير، فإن إزاحة الضرر عنهم مقدم على طلب هذا فائدةً منهم.
ومقتضى هذا التعليل ألاّ يمنع من ادخاره للقوت، لما في ذلك من حفظه حياته وحياة عياله، والتحزز من لحوق الضرر به بفقد القوت.
وقد وردت الآثار بادخار الأقوات.
وقد قيل لبعض المتصوفة: إن من حقيقة التوكل على الله، ألاّ يدخر الإنسان شيئًا يعول عياله، بل إنما يجرد عزمه بالتعويل على الله.
والشعبي عليه السلام رأس المتوكلين، فما باله ادخر القوت لأهله؟ فقال: باطنه - صلى الله عليه وسلم - التوكل، وظاهرهُ الاذخار ليسنّ لأمته جواز الادخار للأقوات.
وأما الادخار طلبًا للربح، ولكنه قد يتضمن مرفقًا للناس من جهة، وضررًا من جهة أخرى، مثل من يشتري الطعام من السوق الأعظم حيث يجتمع فيه طعام الجلابين، ثم يبيعه على يديه في أطراف المدينة؛ فإن ظاهر المذهب في هذا الجواز، وهو المنصوص في هذا.
ولكن سئل مالك عن من يشتري الطعام للطحن؟ فقال: أرى أن يمنعوا من ذلك.
وهذا كأنه يشير إلى خلاف ما نص عليه؛ لأن مزاحمة من يبيعه على يديه بأطراف المدينة فيه مرتفق لمن لا يقدر على الشراء من السوق الأعظم لعجزه عن ذلك، أو لكونه يُعرض عن البيع منه إذا طلب القليل، فكان من المصلحة إباحة هذا لتضمنه مصلحة ورفقًا بأهل الحاجة، وإن تضمن غلاء في الأسعار.
وكذلك من يشتريه ليطحنه ويبيعه دقيقًا، فيه أيضًا مرتفق بمن لا يتمكن له الطحن لعجزه عنه، أو لكونه إن اشتغل به فاته التغذي بالطعام وقت الحاجة إليه.
وكذلك أيضًا من يشتريه ليبيعه خبزًا.
هذا كله مسلكه واحد، وهو

الالتفات إلى الموازنة ما بين منفعة ومضرة، أيهما أولى بأن يقدم على صاحبه.
فصار شراؤه للاحتكار على وجه يضرّ بالناس ولا يتضمن منفعة لهم ممنوعًا، بلا خلاف.
وعلى وجه تتقابل فيه منفعة من جهة ومضرة من أخرى، فيه من الاختلاف ما ذكرناه وأسندنا الخلاف فيه إلى الموازنة ما بين الضرر والمنفعة.
وأما إذا كان شراء ما يدخر لا يضر.
بأحد من الناس، فإنه إذا كان مما لا تعمّ البلوى بالحاجة إليه، كالبزّ والعطر، فإنه يجوز شراؤه وادخاره بلا خلاف.
وإن كان مما تمس الحاجة إليه، كالأقوات وما في معناها، ففيه قولان، المشهور من المذهب في المدونة وغيرها، جواز شرائه للادخار، واعتبار لحوق الضرر وفي الاحتكار عمومًا في كل المتملكات يمنع شراءَها للادخار.
وارتفاع الضرر عن الناس إذا اشتريت، لكونها لا يغلو سعرها بشرائها، ولا يلحقهم ضرر من ذلك، إنه يجوز أيضًا في سائر المتملكات.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، أنهما يمنعان من احتكار الأقوات والعلوفات، كالحبوب والقطاني، وما يلحق بذلك كاللحم والسمن والزبيب 1 والعسل وشبه ذلك.
ويذكر أن مالكًا كرهه.
وهذا ليس باختلاف في فقه، وإنما هو اختلاف في شهادة بعادة.
لأن ابن حبيب أشار في كتابه بهذا المذهب إلى أن إحتكار الأقوات لا يكون أبدًا إلا مضرًّا بالناس، ونحن قد حكينا أن الضرر.
إذا لحق ارتفع الخلاف في المنع من إلادخار.
وقد وردت آثار يقتضي عمومها ما قال مطرف وابن الماجشون.
فروي أنه عليه السلام: (نهى عن احتكار الطعام).
وروي عنه أنه قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) 2. وإنه أيضًا قال: (من احتكر طعامًا أربعين يومًا بريء من الله، والله بريء منه) 3. وروي عنه أنه قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) 4.

وهذه العمومات ربما اقتضت خلاف التفصيل الذي فصلناه، لكنا نخصصها بما أشرنا إليه من طرق الاستدلال والاعتبار بشواهد الأصول.
وقد ذكر أبو حامد الإسفرائيني في أن مالكًا ينهى عن الاحتكار فيما يضر إذا كان من الأقوات؛ ولا ينهى عنه إذا كان خارجًا عن ذلك، مثل السكّر وشبهه.
ونحن قدمنا من مذهبه ومذهب أصحابه خلاف ما أشار إليه.
قال: وأما صاحبنا -يريد الشافعي- فلم يذكر.
هذا.
وأشار إلى أنه لم يتكلم على المسألة، ولهذا أسندها لمالك.
فإذا وقع الادخار على الوجه الممنوع، فقد حكى ابن مزين عن عيسى أنه قال: يتوب المحتكر، ويخرج ما اشتراه إلى السوق، ويبيعه من أهل الحاجة برأس ماله الذي اشتراه به.
وذكر غيره من أصحاب مالك أنه إن لم يفعل هذا بيع عليه من أهل السوق، يشتركون فيه برأس ماله إن علم، أو بقيمته يوم اشتراه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما إن احتكر ذلك المحتكر على وجه يجوز، ثم حدث غلاء وشدة احتيج فيه إلى الطعام المحتكَر، فإنه سئل مالك: هل يباع عليه هذا الطعام؟ فقال: ما سمعت.
وذكر عنه أيضًا أنه قال: يؤمر بإخراجه إلى السوق فيبيعه من الناس.
وقيل أيضًا: إن لم يفعل، فعل الإِمام ذلك.
وهذا تغليب لأحد الضررين، لأن الإضرار بهذا بإخراج ملكه عنه بغير رضاه أخف من ضرر الناس بعدم أقواتهم.
وقال أبو داود: اتفق العلماء، إلا من لا يعد خلاقه خلافًا، على أن من احتكر طعامًا ثم احتاج الناس إليه، واشتدت فاقتهم إلى الاقتيات به وهو مستغن عنه، أنه إن لم يبعه بثمن مثله فهو عاص.
وإذا كان لا حاجة لهم به، فإنه لا حرج عليه في إمساكه رجاء غلائه.
وأما المحتكر على وجه يجوز، فهل يأثم بتمني غلاء الطعام ليعظم ربحه فيه أم لا؟ فظاهر مذهب مالك أنه لا حرج عليه في إمساكه رجاء غلائه ومحبته لارتفاع سعره.
وقد قال لما سئل عن هذا: ما أحا إلا يحب غلاء سلعته.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل