شرح التلقينصفحات 497-515
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع الفاسدة

صفحات 497-515

أيضًا أن يكون له غرض صحيح في الإمتناع من هذا لما يتكلّفه من حراسة العبد وما يتخوّف من أذاه.
فإذا اتّضح أَلاَّ غرض يفرّق بين الرّهنين، لم يكن للخلاف الّذي ذكرناه وجه سوى ما تقدّم ذكرنا له فيما سلف من اشتراط ما لا يفيد في البياعات، هل من حقّ من اشترطه أن يقضى له به أم لا؟ وإذا وقع الرّهن على وجه جائز، ووجب إيقاف المبيع لغيبة الرّهن، وحدث بالمبيع عيب، فأراد مشتريه أن يقبله بعيبه لئلاّ يكون خسر الثّمن والمثمون، ومنعه البائع من ذلك، واتّهمه أنّ رضاه بالمبيع لأجل نفي الخسارة عنه، لجرى ذلك على القولين في الثّمن الموقف لأجْلِ أنّ المثمون غائب، مِمّن يكون ضياعه؟ على حسب ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا إذا كان الرّهن أو الحميل غير معيّنين، فإنّ المشتري يجبر على إحضار رهن يكون توْثِقة بالحق، أو حميل كذلك.
فإن امتنع فتنازع فيه المتأخّرون، فقال بعضهم: يحبس في الحميل، لإمكان أن يكون يعلم من يتحمّل به إذا سأله في ذلك، فلا يسأله, ونحن لا نعلمه.
وأمّا الرّهن فإنّه لا يحبس فيه لإمكان أن يُكشَف عن صحّته 1 ما ادّعاه باختبار كسبه والإطّلاع على ما عنده ومنهم من استنكر هذه التّفرقة وتعلّق بما وقع في المدوّنة من قوله: إنّ الرّهن كالحميل.
ومنهم من صرف ذلك إلى الإجتهاد.
فإن كان الظّاهر أنّه لَدَّ في ذلك حبس.
وإن كان الظّاهر عجزه، كما ذكرنا، لم يسجن، واستُظهِر عليه باليمين.
وقد أشرنا إلى أنّ الرّهن إذا هلك بعدَ القبض، لم يلزم الرّاهن خَلَفه لكون الرّاهن قد وفّي بما عليه من دفع التّوثقة، فلا مطالبة عليه بضمان ما وفّى به.
وأمّا إذا كان الرّهن غير معيّن، فإنّه إن دفع رهنًا وهلك بعد القبض، فإنّه قد تنازع في ذلك المتأخّرون: هل يصير كالمعيّن بهذا التّسليم والقبض فلا يلزم خلفه؟ أو يلزم خلفه كما يلزم خلف دابّة سلّمت في كراء مضمون؟ وتعيّنها

بالقبض لا يسقط مقتضى أصل العقد من ضمان إيصال المكتري إلى غاية المسافة.
وإذا تقرّر حكم الحمالة في البيع، ووضح إجراؤها على حكم بيع الخيار، فإنّه لا يجوز في النّكاح اشتراط حمالة رجل بعينه بالصّداق، لكون هذا يصير عقد النّكاح عقدًا على خيار، والنّكاح لا يجوز أن يشترط فيه الخيار.
وقد ذكر أيضًا في كتاب البيوع الفاسدة مسئلة كنّا قدّمنا الكلام عليها، وهي إذا باع سلعة على أنّ المشتري إن لم يأت بالثّمن إلى أجل سمّاه فلا بيع بينهما، فإنّ هذا البيع لم يجزه في المدوّنة، وعلّل بأنّ فيه عذرًا، ولكنّه مع هذا أمضاه إذا وقع، وأبطل الشّرط خاصّة.
وقد وقع في تحديد الأجل اختلاف، فذكر في بعض الرّوايات أنّ البيع أجّل فيه الثّمن ثلاثة أيّام، وفي بعضها: أجّل عشرة أيّام، ووقع في الموّازيّة أجل شهر.
وأجاز هذا الشّرط في الدّيار، وكرهه في الحيوان، وقال في العروض: الشّرط باطل.
وقد وقع لمالك أنّ هذا البيع فاسد لفساد شرطه.
وذكر ابن وهب أنّه كبيع الخيار إن ضرب في ذلك أمد يجوز ضربه في بيع الخيار مضى البيع على ما هو عليه.
لأنّ معنى هذه العبارة وهو قول البائع للمشتري: إن لم تأت بالثّمن إلى أجل كذا فلا بيع بيننا، كمعنى قوله: أبيعك بالخيار إلى أجل كذا وكذا.
وقد اختلف أيضًا في تأويل ما وقع في المدوّنة من قوله: البيع نافذ والشرط باطل.
هل مراده ببطلان الشّرط في حلّ البيع عند انقضاء الأجل، وفي إبطال التأجيل بالثّمن، فيُكلَّف المشتري دفع الثّمن في الحال؟ أو المراد بطلان ما لا يجوز، وهو حَلّ العقد بمضيّ زمن محدود دون إبطال تأجيل الثّمن، لكون تأجيل الثّمن سائغًا في نفسه لو تجرّد ذكره خاصّة في بيع البتات؟ وقد وقع في كتاب كراء الرّواحل والدّوابّ أنّ الشّرط باطل وينقد الثّمن.
وظاهر هذا بطلان التّأجيل للثمن.
وبعضهم يقول: يحتمل أن يريد انتقاد الثّمن إذا حلّ الأجل، ويرى أنّ هذا هو الأولى من إبطال حكم التّأجيل.
وطريقة بعض أشياخي اعتبار القصد في مثل هذا، هل التّأجيل للثّمن ها هنا مقصود عند المشتري فيوفّى له به؟ أو المقصود بذكر الأجل جعله علَما على حلّ البيع لا على ميقات الثّمن فيكون الثّمن على الحلول؟.

وممّا يلحق ببياعات الشّروط من باع أمة لها ولد حرّ رضيع، وشرط البائع على مشتريها رضاع الولد.
فإنّه قد أجاز في المدوّنة هذا البيع إذا وقع بشرط أنّ الولد إذا مات، كان على المشتري رضاع غيره.
ولم يجز ذلك سحنون إلاّ أن تدعو إلى الوقوع فيه ضرورة، كوجوب بيع الأمة على سيّدها إذا فلس، فإنّ حكم الفلس يقتضي ألاّ يمطل الغرماء بحقوقهم، وفي مطلهم بهذا ضرر عليهم، قد خصّ في هذا لأجل الضّرورة إليه الّتي اقتضاها حكم الفلس.
واعلم أنّا كنّا قدّمنا أنّ البيع بشرط التّحجير ممنوع.
وذكرنا في أمثلة ذلك من باع بشرط أن لا يبيع المشتري ولا يهب.
وهذه المسئلة الّتي شرط فيها الرّضاع تضمّنت ضربًا من التّحجير، وهو أنّ مشتريها لا يمكنه التّصرّف بالبيع المطلق فيها، والسفر بها منفردة دون ولدها, لأجل ما شرط عليه من الرّضاع، ولحقّ الولد في المنع من التّفرقة فيه بينه وبين أمّه، والمشتري إن نقله معها، تكلّف في ذلك مشقّة وخسارة.
فهذا المعنى من التّحجير يوجب منع البيع، ولهذا منع منه سحنون.
لكن إذا دعت إليه ضرورة، كما قدّمناه، قدّم اعتبار الضّرورة على اعتبار هذا التّحجير، مع كون المشتري قادرًا على أن يبيع هذه الأمة، واشترط 1 على مشتريها مثل ما اشتُرِط عليه، فلم يتصوّر التّحجير في البيع تحجيرًا مطلقًا.
وكأَنّ من ذهب إلى الجواز رأى أن لا تحجير في هذا يوجب المنع من البيع، لكون البائع للأمة لمّا أعتق ولدها الصغير, كان عليه القيام بأوده حتّى يبلغ القدرة على السعي على نفسه.
فإذا أراد بيع الأمّ، أضاف إلى ثمنها أن يقوم المشتري عنه بمثل ما وجب عليه.
وهكذا المشتري إذا أراد أن يبيع من آخر، اشترط أيضًا ما اشترط عليه.
واشتراط هذا الّذي وجب على البائع من القيام بالأود والرّضاع قد يقع محالًا على الذّمّة، بأن يشترط البائع على المشتري رضاع أمة غير معيّنة لولد غير معيّن، فيجوز ذلك، ويجري مجرى السلم.
أو

يشترط التّعيين في المرضعة والرّضيع، بأن يَرضَع في هذه الأمة بعينها ولدها هذا بعينه.
أو يكون معيّنًا هذا الأمر في أحد الشّخصين، ومضمونًا في الآخر.
فإنْ عيّن هذا الشّرط في الأمّ وفي الولد إذا مات، على أنّ الحكم في الظئر المستأجرة أن تنفسخ الإجارة بموت الولد، ولا يلزم الخلف، ولا يُشتَرط، لكنّه ها هنا لمّا رأى أنّ تعليق هذا الأمر بعتق هذا الولد يقتضي غررًا في ثمن هذا المبيع، والغرر في الثمن يفسد البيع.
وتصوير هذا الغرر أنّ الولد قد صار رضاعه جزءًا من ثمن هذه الأمة، وهذا الجزء لا يحصل 1 مقداره لجواز أن يموت الولد في أوّل زمن الرّضاع، فيقلّ الثّمن، أو في آخره فيكثر الثّمن.
فاعتبار إصلاح فساد هذا البيع ودفع الغرر عنه أولى من اعتبار إِجْرَاء هذا ها هنا على أحكام الظئر من كون الإجارة تنفسخ بموت الولد، مع كون الأصل أنّ المستأجَر عليه لا يتعيّن، وإنّما عيّن في الظئر وما في معناها لعلل نذكرها في كتاب الجعل والإجارات إن شاء الله تعالى.
وهذا الّذي نبّهنا عليه يعرف منه وجه الحكم في اشتراط تعيّن أحدهما.
فأمّا اشتراط تعيين الأمّ فإنّه الأصل في أحكام الإجارة, لأن المستأجر يتعيّن، ولا يجوز اشتراط خلفه مع كون العقد على معيّن.
وأمّا تعيين الولد فقد ذكرنا أنّ الأصل فيه أنّه لا يتعيّن وإنّما عيّن في الظئر لما سنذكره من العلل في موضعه، وأنّ تعيينه في بيع هذه الأمة يتضمّن غررًا في ثمنها، والغرر في الثّمن ممنوع.
وهذا الّذي ذكرناه وصوّرناه من الغرر إنّما يتصوّر إذا وقع الشّرط على تعيين الولد، وعلى أنّه إن مات لم يخلف ولد آخر مكانه، ولا تجب المحاسبة ومرجع ما سقط من الرّضاع في الثّمن.
وأمّا إذا بُني الأمر على أنّه إن مات الولد، وجبت المحاسبة بمقدار ما سقط من الرّضاع، فإنّه لا يُمنَع ذلك لارتفاع ما صوّرناه من الغرر.
وقد اتّفق أهل المذهب على جواز استئجار ظئر للرّضاع

بشرط النّقد، وإن كان يمكن موتها قبل إكمال الرّضاع، فيجب ردّ بعض ما انتقدت، وإذا وجب صار ذلك تارة بيعًا وتارة سلفًا.
لكن لمّا كان الموت أمرًا ليس هو الغالب، بل هو كالنّادر لم يتصوّر فيه هذا الوجه الممنوع من تخوّف ما انتقد.
فكذلك لا يتصوّر الغرر ها هنا في مسئلة بيع الأمة المرضعة، الّتي ذكرناها, لأجل إمكان موت الطّفل.
وإنّما يتصوّر إذا لم تجب المحاسبة بما بقي من الرّضاع ولا وجب الخلف.
وقد عارض سحنون ما وقع في المدوّنة من اشتراطه في صحّة هذا البيع اشتراط خلف الولد إن مات.
وقال: هو لا يجيز اشتراط الخلف في استئجار الظئر إذا مات الولد، فكيف أجازه ها هنا؟ وأشار إلى أنّه أخرج هذا عمّا أصّل في الظئر لأجل الضّرورة المختصّة بهذه المسئلة.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى طريقة أخرى في الفرق.
وذلك أنّ الغرر تبعًا لم يكن مقصودًا، فعفي عنه.
وإذا كان منفردًا، صار مقصودًا فلم يسامح به.
ألا ترى أنّ من اشترى لبن شاة شهرًا جزافًا، فإنّه لا يجوز ذلك لما فيه من الغرر بقلّة اللّبن وكثرته.
ولو اكترى ناقة ليحمل عليها شهرًا واشترط لبنها، جاز ذلك لمّا كان اللّبن تبعًا لما اشترى الحَمْل عليها.
وكذلك من اكترى دارًا، وبها شجرة لم تزه ثمرتها، والثّمرة دون الثلث، فإنّ ذلك جائز.
بخلاف اشتراء ثمرة هذه الشّجرة، انفرادها غير تابع للكراء، وكذلك شراء نخل فيها ثمرة لم تزه، لم يمنع منه.
ولو أفرد الثّمرة بالشّراء بشرط التّبقية لمنع منه وكذلك بيع جبّة، وقطنها مغيب، لا يمنع منه.
وبيع قطنها خاصّة، وهو مغيب، لا يجوز.
فكذلك ما ذكرنا في مسئلة هذه الأمة رضاع الولد تبع للعقد عليها، فلم يمنع منه بخلاف العقد على لبن ظئر يرضع ولدًا.
وأشار الشّيخ أبو إسحاق إلى حمل المسئلة على أنّ المراد بها أنّ الرّضاع غير مختصّ بعين الأمة ولا بعين الولد، بل هما مضمونان جميعًا، فلهذا أجاز ذلك.
كما يجوز في الظّئر كون اللّبن مضمونًا والرّضيع غير معيّن.
واعتلّ لمنع

التّعيين ها هنا بأنّه يتضمّن التّحجير لكون مشتريها لا يقدر على التّصرّف المطلق فيها قبل انقضاء الرّضاع.
وأشار ابن أبي زمنين، حاكيًا عن سحنون، إلى أنّ الغرر الّذي اقتضى عند سحنون منع بيع هذه الأمة على شرط رضاع الولد، إلى أنّ المشتري إن احتاج إلى الرّحلة بأمة اضطرّ إلى الرّحلة بولدها, لما جاء الشّرع به من منع التّفرقة بين الأمّ وولدها، وهو يتكلّف في الرّحلة مشقّة وإنفاقًا، وذلك غير معلوم، فوجب لأجل ذلك المنع.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا لو وقع في ولد البائع لا في ولد هذه الأمة، لفسد البيع، لما يتصوّرها هنا من التّحجير، لكون مشتري الأمة لا يمكنه أن يرحل بهما لما فيها من الشّرط، فصار عقد البيع فيها على تحجير.
وأمّا ولدها فإنّه لا حقّ لأحد في أن يمنع من سفره، وهو يتبع أمّه حيثما كانت، ويمكّنها المشتري من ذلك ويعينها عليه.
فلا يتصوّر التّحجير في هذا كما يتصوّر التّحجير في اشتراط رضاع ولد أجنبيّ منها.
وقد ذكرنا عن سحنون أنّه إنّما يجيز هذا البيع إذا دعت إليه ضرورة، كبيع القاضي لهذه الأمة في تفليس سيّدها.
وممّا ينبغي أن ينظر فيه ها هنا أنّه قد تقرّر أنّ المفلَّس إذا بيع ما يملك في التّفليس، لم يلزم أن يترك له نفقة نفسه وبنيه الصّغار المدّة الكثيرة.
وهذه الأمة إذا بيعت في التّفليس بشرط القيام عن البائع بما وجب عليه من رضاع هذا الولد ونفقته، صار ذلك مضرّا بالغرماء ومتلفًا عليهم بعض ما استحقّوه من ماله.
لكن الأظهر عندي ها هنا أن لا يجري هذا مجرى الإنفاق على ولده، فإنّ هذه جناية جناها قبل أن يستدين على هذا الصغير بإعتاقه قبل أن يحصل على القدرة على التكسّب، فلزمه عوض هذه الجناية.
والمديان إذا ثبت عليه أرش جناية قبل أن يستدين ويفلس، لم يكن لغرمائه مقال في إسقاط حقّ المجني عليه في مال هذا المفلس، فهذا مِمّا ينظر فيه.

فصل يلحق بما كنّا قدّمناه من بيع الغرر

فمنه جمع السلعتين لرجلين، والمذهب في ذلك على قولين: منع منه ابن القاسم في القول المشهور عنه، وروي عنه إجازته.
وأجازه أشهب.
وقد حاول الشّيخ أبو إسحاق يخرّج 1 له قولًا آخر بالمنع من هذا.
فقال حكي عن أشهب في العتبيّة أنّ رجلين إذا اشتريا من رجل واحد ثوبأوعبدًا بدنانير معلومة، على أن يكون الثّوب لواحد منهما بعينه والعبد للرّجل الآخر، فإنّ ذلك إن نزل مضى وكان العبد والثّوب شركة بينهما.
ومقتضى مذهب أشهب إمضاء هذا الّذي عيّنّاه في السلعتين, لأنّ قصارى ما فيه أنّهما تعاقدا على أن يأخذ أحدهما الثّوب بما ينوبه من الثّمن المسمّى، ويأخذ الآخر العبد بما ينوبه من الثّمن، وهو لا يَعُدّ العقدَ بما ينوب السلعة في هذا غررًا، فهكذا يجب أن يمضي ها هنا ما تعاقدا عليه.
وهذا الّذي قاله قد لا يناقَض به أشهب, لأنّه يمكن أن يكون لم يتعرّض لعقد البيع، وإنّما تعرّض لحكم الشّركة، فرأى أنّ مقتضى أن يكونا شريكين في العبد والثّوب، على حسب ما عقدا عليه الشّركة في كون ما سمّيا من المال ثمنًا للسلعتين جميعًا، فإذا خرجا عن مقتضى العقد التزما الانفص الذي هذا المشترك، والمعاوضة فيه قبل أن يملكاه ويصيرا شريكين فيه، بطل ما تعاقدا عليه مِمّا خالف مقتضى العقد، ولم يلزم التّفاصل في المشترك قبل حصوله في الملك.
فإذا أمكن أن يكون سلك هذه الطّريقة، فلا يلزمه أن يقول بمنع جميع 2 مالكين سلعتيهما في البيع.

واعلم أنّ هذا الخلاف الّذي حكيناه عن المذهب ربّما انصرف إلى اختلاف أحوال.
فإنّه قد تقرّر أنّ العقد بثمن معلوم جائز، كما أنّ العقد بثمن مجهول ممنوع.
فإذا كان المالكان لهاتين السلعتين المختلفتين قد علم كلّ واحد منهما قيمة سلعته من قيمة سلعة صاحبه، وعلم ذلك المشتري، فإنّ الثّمن المدفوع عن السلعتين مقسوم على نسبة هذه القيم بعضها عن بعض.
وإذا كان الأمر هكذا، صار الثّمن معلومًا، وكأنّهما اشتركا في السلعتين قبل أن يبيعاها.
ولو اشتركا فيها قبل البيع لجاز ذلك، فكذلك يجب أن يجوز ما هو في حكم الإشتراك.
وأمّا إذا لم يعلم كلّ واحد منهما قيمة سلعته من قيمة سلعة صاحبه، فإنّه يتصوّر ها هنا الجهالة في الثّمن من جهة من باع ومن اشترى.
فأمّا تصوّرها من جهة المشتري، فإنّه متى وقع استحقاق في أحد 1 السلعتين، لم يدر المقدار الّذي يرجع به على من باعها منه إلاّ بعد استئناف تقويم، فتقرّرت من هذه الجهة جهالة من جهته.
وأمّا من جهة البائعين السلعتين، فإنّ كلّ واحد منهما لا يدري ما يحصل له من الثّمن الّذي سمّياه، فيصير هذا كبيع بثمن مجهول وذلك لا يجوز.
وأمّا أصحاب المذهب الثّاني فإنّهم يرون الإستحقاق طارٍ، والطّواري لا تراعى مراعاة تفسد العقود.
ألا ترى كلّ من باع سلعة يجوّز البائع والمشتري أن تستحقّ هذه السلعة، فيجب ردّ النّقد وهذا التّجويز لم يمنع من صحّة البيع باتفاق، فكذلك ها هنا.
وأيضًا فإنّ المالك الواحد يجوز أن يستحقّ إحدى سلعتين مختلفتين باعهما، فيؤدّي الإستحقاق إلى جهالة أيضًا، كما صوّرنا في السلعتين لمالكين، ثمّ لم يمنع المالك الواحد من جمع سلعتين لأجل هذا، فكذلك المالكان.
وأمّا ما صوّرناه من الجهالة من جانب كلّ واحد من البائعين من كونه لا

يعلم مقدار ما باع به، فإنّ له طريقًا إلى العلم بذلك إذا احتاج إليه وهو تقويم سلعته عند الحاجة إلى قسمة الثّمن وقد كان الثّمن معلومًا جملته حين العقد، فلا يؤثّر ما يطرأ على هذا بعد صحّة العقد من جهالة.
وقد أجيز في أحد القولين لمن اشترى سلعًا من مالك واحد، فاستحقّ أكثرها أن يتمسك بما بقي بحصّته من الثّمن، وإن كانت حصّته لا تعلم إلاّ بعد تقويم، ولم يمنع من الإستمساك لكون ثمن ما استمسك به مجهولًا لمّا كان أصله معلومًا.
وكذلك أجيز لمن اشترى سلعة فاطّلع على عيب قديم، وقد حدث عنده عيب، أن يختار التمسّك بالسلعة وأخذ قيمة العيب، مع كونه لمّا اختار التمسك، يتمسّك بثمن مجهول.
وبعض الأشياخ يرى هذه المسائل جارية على أسلوب واحد وربّما تفاوتت عندي في الجهالة, لأنّ ماِ ذكرناه في مسئلة الرّدّ بالعيب لا ينفكّ المشتري عن جهالة له، إن استمسك أو ردّ قيمة العيب، إلاّ أن يمنع من ذلك حتّى يعلم حقيقة ما استمسك به وحقيقة ما يرد.
ومسئلة الإستحقاق لمّا خيّر بين الرّدّ وبين القبول فاختار القبول، فإنّه يمكن أن يقدّر أنّ الّذي اختار هو الحكم اللاّزم بناء على إحدى الطّريقتين فيمن خيّر بين شيئين فاختار أحدَهما، فإنّه لا يقدّر كالمالك لِمَا لم يختر، ولا كالمنتقل عنه، وكأنّه ما ملك إلاّ ما اختار.
والجامعان بين سلعتين ومشتريهما قد وقعوا في جهالة في ابتداء العقد.
وهذه الجهالة تتصوّر إذا علم البائعان والمشتري منهما كون البيع انعقد على أنّ البائعين ليسا بمشتركين.
وأمّا لو اعتقد المشتري أنّ السلعتين لأحدهما، يجري ذلك على الإختلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد.
ولو باع المالكان هاتين السلعتين في عقد واحد واشترط مشتريهما أنّ أحدهما حميل لصاحبه، فإنّ ذلك يفسد البيع، لإمكان أن يكون يستحقّ سلعة

المضمون عنه دون سلعة الضّامن، والمضمون عنه فقير.
فكأنّ البيع وقع على أن زَيْدَ المَلِيّ في ثمن سلعته ليضمن ما دفع إلى الفقير من الثّمن.
وقد عُلِم أنّ الضّمان بجعل لا يجوز لما فيه من الغرر، وكون الحميل لو علم أنّه يغرم من جملة الثّمن ما أخذ النّزرَ اليسيرَ عوض هذا الضّمان.
ولو علم المضمون له أنّه لا يحتاج إلى الحميل لم يعطه شيئًا.
فإن كان التّصريح بعوض يؤخذ عن الضّمان ممنوعًا كان ما يقدّر فيه هذا ويتّهم النّاس عليه ممنوعًا أيضًا.
لكن لو كان السلعتان مشتركتين أو السلعة الواحدة، فعقدا البيع على أنّ أحدهما ضامن عن صاحبه، فإنّ المذهب في هذا على قولين: أحدهما: المنع لما صوّرناه من تقدير الضّمان بجعل.
والقول الآخر: الجواز لكون الثّمن إن تُزُيِّد فيه شيء، فإنّ الزّيادة بين الشّريكين نصفان: الضّامن والمضمون عنه.
وإذا وقع استحقاق، فالدّرك عليهما جميعًا أيضًا، بخلاف سلعتين متباينتين لرجلين.
وسنبسط هذا في كتاب الحمالة إن شاء الله تعالى.

فصل آخر

ذكر في هذا الكتاب في المدوّنة في بعض أحكام الصُّبر.
وقد كنّا نحن قدّمنا الكلام على أصول من أحكامها في كتاب السلم.
فاعلم أنّ بيع الصّبرة يكون على أنحاء، منها: أن تباع الصبرة المرئيّة المشاهدة بجملتها على غير الكيل.
وقد تقدّم الكلام على ذلك، وذكرنا جوازه، لأجل أنّ الغرر في القمح وأمثاله مِمّا في معناه من مكيل أو موزون للعلم بالمبلغ لا عين آحاده، والعلم بمبلغه مِمّا يتعذّر الوقوف على حقيقته، لكنّه لمّا تقدّر ذلك عدل فيه إلى الظّنّ.
ومنها أن تباع الصبرة على أنّ كلّ قفيز بدرهم، فهذا أيضًا يجوز، وإن كان الوقوف على منتهى الثّمن لا يعلم، لكنّ العلم به مستند إلى تجميل هذا التّفصيل من الأقفزة فيعلم من ذلك مبلغ الثّمن ومنها أن يباع جزء من الصّبرة، كربعها أو ثلثها، فيجوز ذلك؛ لأنّ جزءها إذا سمّي يشبه منها حدس على مبلغه كما يحدس على مبلغ جميعها 1. ومنها أن يقول: أبيعك من هذه الصبرة كلّ قفيز بدرهم.
فإنّ هذا قد منع من أصحاب الشّافعي، ورأى أن "مِن" ها هنا يقتضي التّبعيض، فكأن المراد: أبيعك بعض هذه الصبرة على أنّ كلّ قفيز من هذا البعض بدرهم، والبعض غير معلوم مقداره، لا يقينًا ولا تخمينًا، فوجب المنع، كما نمنع نحن كراء الدّار مشاهرة لكون المبلغ غير معلوم وهذا الّذي قالوه في الصّبرة صحيح إن كان مراد المتعاقدين بلفظة "مِنْ" ها هنا التّبعيض.
وأمّا إن كان المراد بها بيان الجنس،

والمقصد أنّي أبيعك هذه الصّبرة كلّ قفيز بدرهم، فإنّ ذلك غير ممنوع كما قدّمنا.
ومنها أن يقول أنا أبيعك هذه الصّبرة كلّ قفيز بدرهم على أنّي أزيدك قفيزا من قمح رأياه وشاهداه، فإنّ هذا اختلف فيه أصحاب الشّافعي.
فمنهم من منع من هذا البيع لِمَا تضمّنه عنده من الجهالة من كون التّقدير أنّي أبيعك قفيزا بدرهم ومعه شيء لا يدري مبلغه، لكون القفيز المتوسط زيادته تتقسط على سائر الأقفزة المكيلة من الصّبرة.
وإذا وجب تقسيطه على ذلك، فكأنّ البائع قال: أبيعك كلّ قفيز من هذه الصّبرة ومعه شيء من القفيز المشترط زيادته، ومقدار هذه الزّيادة على كلّ قفيز لا يعلم، وإذا كان المبيع غير معلوم لم يصحّ العقد.
ومن أصحاب الشّافعي من أجاز ذلك، ورأى أنّ الصّبرة إنّما جاز العقد عليها لكون ما فيها من الأقفزة، وإن لم يعلم مبلغه فإنّه مظنون، وإذا قام الظّنّ ها هنا مقام العلم، فلو علمت الأقفزة وعددها لتُصوِّر العلم بقدر ما يزاد على كلّ قفيز من أقفزة الصّبرة من هذا القفيز المشترط زيادته عليها.
واتّفق أصحاب الشّافعي على أنّه لو قال: أبيعك هذه الصّبرة كلّ قفيز بدرهم على أن أنقص منها قفيزا، أنّ ذلك جائز 1، لكون هذا الاشتراط يؤدّي إلى جهالة.
واعلم أنّا كنّا قدمنا أنّ المذهب عندنا على قولين في جواز العقد على صبرة من قمح ومعها مكيل من الطّعام من جنسها أو من غير جنسها أو معها ثوب أو عبد.
فقيل بالمنع من ذلك, لأنّ جواز بيع الصّبرة كالرّخصة، والرّخصة لا يتعدّى بها بابها.
وإذا أضفنا إلى الصّبرة وهي مجهولة المقدار مقدارًا معلومًا، غيّرنا الرّخصة، وربّما تعدّينا مرتبة الغرر الّذي سامح به الشّرع، لكون هذا المعلوم قد يؤثّر زيادة رغبة في الصّبرة، وقوّة فيما ضمّن فيها من المكيل، أو يحدث ضعفًا في ذلك.

وهذه المسئلة الّتي نقلناها عن أصحاب الشّافعي ربّما لاحظت هذه المسئلة الّتي ذكرنا أنّ المذهب على قولين من جهة أنّ القفيز المشترط زيادته معلوم مقطوع بحصوله.
والأقفزة الّتي في الصّبرة ما يعلم عددها على التّحقيق بل بالحدس والتّخمين، فصار هذا الاشتراط فيها كجزاف أُضيف إليه مكيل.
وقد يَخرُج عن هذه المسئلة الّتي ذكرناها عن المذهب، لكون الصّبرة انتقلت عن حكم الصّبر، لمّا بيعت على الكيل، وإن كان منتهى الكيل لا يعلم عدده على الحقيقة، فإنّها تكون كمعلوم أُضيف إلى معلوم، لمّا كان الوقوف على هذه الأقفزة يمكن عقيب العقد.
ويجري ذلك مجرى من باع ثوبًا مرابحة على أنّ لكلّ عشرة من ثمنه دينارًا، والثّمن يذكر بعد ذلك.
ولعلّنا أن نبسط القول في هذا في كتاب المرابحة إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في هذا الكتاب من المدوّنة جواز بيع الصّبرة على أنّ فيها مائة قفيز، فإن لم يجد فيها العدد الّذي سمّيا، اعتبر في النّقص هل هو قليل فيلزمه الباقي من الجملة؟ أو كثير فلا يلزمه ذلك 1، أجري مجرى الطّعام إذا استحقّ بعضه؟ وظاهر هذا أنّه لا يشترط في جواز هذا البيع أن يكون العدد الّذي سمّياه يتحقّق أنّه حاصل في الصّبرة.
وبعض أصحاب الشّافعي اشترط هذا في جواز البيع، فإنْ أمر المشتري البائع أن يكتال هذا العدد، وغاب عنه، وزعم أنّه اكتاله، وضاع بعد كيله، فقد مضى في كتاب السلم ما قيل في تصديقه في ذلك إذا لم تقم بيّنة على أنّه اكتال ذلك.
ولو أقام البيّنة على صحّة ما يقول وأنّه اكتال العدد الّذي سمّي في أصل البيع، لسقط الضّمان عنه، لكونه - وكيلًا للمشتري على الكيل.
لكنّه لو وجد فيما اكتاله نقصًا كثير أبي ن العدد الّذي سمَّى، مثل أن يجد في الصبرة عشرة أو 2

ثلاثين قفيزا حتّى يكون للمشتري الرّدّ لفقد أكثر مِمّا 1 اشتراه، وقامت على ذلك بيّنة، فإنّه لا يسقط عنه الضّمان في المقدار الّذي اكتاله.
بخلاف لو اكتاله المشتري وقبضه فتلف بعد قبضه، أو غصب (ذلك منه، وثيقة الصّبرة) 2، فإنّه ها هنا يضمن المشتري ما اكتاله.
وإنّما فرّق بين الأمرين وإن كان البائع وكيلًا للمشتري على ما اكتال ويد الوكيل كيد الموكّل، لأجل أنّه حمل البائع على أنّه لا يكاد يخفى عنه ما في صبرته.
وإذا كان ذلك لا يخفى عنه، فهو متعدّ في قيل ما اكتال، مع علمه أنّ الصّفقة لا تلزم المشتري، فصار بتعدّيه فيما وكّل عليه ليس بوكيل للمشتري.
بخلاف أن يكتاله المشتري بنفسه، فإنّ ذلك يسقط الضّمان عن البائع، لكون المشتري قبض ما قبض بحكم كيله لِمَا استحقّه، والبائع اكتال ما اكتال بحكم وكالة تعدّى فيها ما أذن له فيها الموكّل.
لكن لو ظهر أنّ البائع غير متعدّ، مثل أن يكون ورث هذه الصّبرة وهي على مكان مرتفع يظنّ أنّ فيها ما عقد البيع عليه من العدد فاكتال ما هو الأقلّ من العدد، فإنّ ما اكتاله سقط ضمانه، لكونه اكتال ذلك لوكالة المشتري من غير تعدّ فيما وكّل عليه.
إلى هذه الطّريقة في الفرق أشار بعض الأشياخ.

فصل في مسائل ذكرت في كتاب البيوع الفاسدة من المدوّنة

فمنها حكم المعادن ومن يحكم فيها.
وهي إذا لم تكن مملوكة لرجل بل من حقوق سائر المسلمين، كان النّظر فيها للإمام الّذي أقيم في الشّرع للنّظر في الحقوق العامّة لجميع النّاس.
وإن كان المعدن ظهر في أرض مملوكة لرجل بعينه، ففيه قولان، هل يكون الحكم فيه لصاحب الأرض بناء على أنّ من ملك ظاهر الأرض، ملك باطنها.
أو الحكم فيه إلى الإِمام بناء على أنّ مالك ظاهر الأرض لا يملك باطنها.
والمعدن إذا قطعه الإِمام لأحد من النّاس يعمل فيه، فأدرك نيلًا، فإنّه لا يباع لكون النّيل لا يعلم مقداره ولا يحاط به، وبيع هذا غرر، والغرر ممنوع في البيع.
لكنّه إن مات بعد أن وصل إلى النّيل، فإنّ في كلام ابن القاسم في هذا احتمالًا.
ورأى بعض الأشياخ أنّ القياس يقتضي كونه موروثًا.
وهذا الّذي أشار إليه صحيح إذا كان النّيل قد صار في حكم ما قبض عامل المعدن وحازه.
وأمّا إذا لم يتحصّل على هذه الصّفة، فإنّ في المذهب قولين، في 1 إذا مات العامل في المعدن وقد عمل فيه ولكنّه لم يدرك النّيل، هل يكون ورثته أحقّ بها 2 في العمل حتّى يصلوا إلى النّيل، لكون العامل فيه الّذي ورثوه قد تكلّف فيما مضى من العمل مشقّة وخسارة استحقّ من أجلها إكمال العمل لئلاّ يذهب عمله باطلًا، وإذا استحقّ ذلك وُرِث عنه ما استحقّه، كما يورث

عنه سائر أمواله وحقوقه.
أو يقدّر أنّ هذا إنّما قُطع مِنه يتحصّل من نيل، ولم يملك إلا ذلك.
فإذا مات قبل وجود الشّرط الّذي شرط له في التّمليك، لم يملك شيئًا فيورث عنه.
وذكر أيضًا في هذا الكتاب أنّ من له أرض فيها غدير أو بركة فيها سمك، فإنّه لا يمنع النّاس منه.
وتأوّل بعض الأشياخ على أنّ الأرض ليست بمملوكة له, لأنّها لو كانت مملوكة له لكان له أن يمنع النّاس ما فيها، كما له أن يمنع ماء بئر احتفره في داره لنفسه، أو ماجن احتفره في دار نفسه.
ولكنّه إنّما أراد أنّها أرض خراج سلّمت لرجل ليعمل فيها ويؤخذ منه الخراج والّذي فيها لم يملكه، فلم يكن له منع ما لم يملكه.
وإنّما أُضيفت الأرض إليه إضافة اختصاص وولاية حيازة لا إضافة ملك.
وتأوّل غيره من الأشياخ أنّ الأرض مملوكة لهذا, ولكنّه لا يتصيّد ما فيها, ولا يمكنه بيع, لأنّ بيع ما فيها لا يجوز، لكونه لا يحاط به.
فإذا لم تكن له منفعة في هذا السمك بتصيّد، ولا في ثمنه ببيع، كان منعه مِمّا يفيد النّاس من غير ضرر به، ولا فائدة فيه، من الإضرار بالمسلمين من غير سبب يقتضي ذلك.
وقد ورد الشّرع بالأمر للمالك أن يأذن في مثل هذا، كما ذكر في الحديث أنّه "لا يحلّ لأحدكم أن يمنع أخاه أن يغرز خشبة في جداره" 1. وإن كان قد اختلف في مثل هذا، هل يجبر عليه من امتنع منه؟ أم لا يجبر عليه، وإنّما يندب إليه؟ وقد نُهي من له أرض أنبتت كلأ لا حاجة به إليه في رعي ولا بيع أن يمنع النّاس منه, لأنّه من الإضرار بالنّاس من غير غرض صحيح له في هذا الإضرار.
فكذلك المنع من هذه الحيتان الّتي ذكرها في مسئلة هذا الكتاب.
وذكر في هذا الكتاب من المدوّنة أيضًا فيمن كانت له مواشي شأنها أن تعدْوَ على زراع النّاس، فإنّها تباع عليه إذا لم يمنعها من إفساد الزّرع، وتُغرَّب إلى أرض لا زرع فيها.
وينبغي إذا بيعت لأجل هذا أن يبيّن للمشتري هذا السبب

الّذي بيعت من أجله، لئلاّ يبيعها هو من أرض بها زرع، فلا يجدي بيعها منه فائدة.
ويكون هذا أيضًا عيْبًا فيها دُلِّسَ عليه.
وإن اشتراها وقد علم هذا العيب منها بيعت عليه كما تباع على الأوّل.
وإذا علم مالكها بإفسادها للزّرع وغيره، وقدم 1 إليه فلم يصنها ليلًا ولا نهارًا، فإنّه يضمن ما أفسدت بليل أو نهار.
ويكون بإهمالها كمن تولّى إتلاف ما أفسدت بنفسه فيضمنه، وإن كثر، بخلاف جنايات عبيده، فإنّه لا يلزمه القيام عنهم بقيمة ما أتلفوه، على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.
وأمّا إذا كانت هذه المواشي ليس من شأنها أن تعدو في زراع النّاس فعدت على زروعهم، فإنّ مالكها يضمن ما أصابت ليلًا، لأجل أنّ على أربابها صيانتها باللّيل لكونهم يقولون حفظها 2 لأنفسهم ولئلاّ يؤدي النّاس ولا حاجة بهم حينئذ إلى تسريحها، فضمنوا ما تلف بسبب إهمالهم لما لزمهم أن يصونوه ويحفظوه من مواشيهم.
فإذا كان إفسادها نهارًا، فإن بهم حاجة إلى تسريحها للرّعي، وأرباب الزّرع حينئذ أيْقاظ يمكنهم حفظ زراعهم وطرد المواشي عنها، فإن لم يفعلوا صاروا هم كالمتلفين لزروعهم.
وأصل هذه الموازنة بين الضّررين.
وقد اختلف حكم اللّيل والنّهار لمّا وازن بين الضّررين على حسب ما نبّهناك عنه.
وقد اختلف على قولين في قرية أراد بعض أهلها أن يتّخذ فيها حمامًا أو نحلًا، وهو إذا اتّخذها، أضرّت ببعض ما تنبته النّاس فيها، هل يمنع من اتّخاذ هذه الحمام والنّحل لكونه منعه من ذلك الضّرر فيه أخفّ من الضّرر في منع الآخرين من الإنتفاع بما أنبتوه من شجر وغيره؟ أو يباح اتّخاذ ذلك فيها، ويؤمر الآخرون بطرد هذا الّذي يضرّ بهم عن ثمارهم لكون هذا الضّرر الّذي تكلّفوه من طرد هذا الطّير أخفّ من منع أولئك من أن يتّخذ في أملاكهم ما ينتفعون به؟

وقد ذكر ابن سحنون أنّ الحديث الوارد فيما أفسدت المواشي من الزّراع من كون أرباب المواشي يضمنون ذلك نهارًا ولا يضمنونه ليلًا 1، ليس على عمومه، وإنّما المقصود به مدينة النبي، عليه السلام، وأمثالها مِمّا لمزدرعاتها حيطان وحصائر تحصر بها، فيصير أهلها بما فعلوه من تحضير قد بذلوا الجهد في صيانة أموالهم.
وأمّا ما كان مهملًا غير محضر قال: كزرع السواحل، فإنّ أرباب المواشي يضمنون ما أصابت ليلًا أو نهارًا، لكون أهلها لم يتولّوا صيانتها بالتّحضير عليها، وإنّما عوّلوا على ما أوجبه الشّرع من تحريم إفساد مال المسلم والتّسليط عليه.
فإذا أتوا، أربابُ المواشي، شاهدوا الزّرع غير محضر عليه علموا أنّ مواشيهم إن سرّحوها أفسدت الزّراع، فإذا سرّحوها ولم يمنعوها من الإفساد، صاروا هم المفسدين للزّراع.
والّذي قدّمناه لك من التّنبيه على المُوازنة بين الضّررين هو المعتمد عندي في هذا الباب.
وذكر في المدوّنة أنّ من وصّى في مرضه أن يشتري عبد ولده بثمن لم يحاب فيه، أنّ ذلك نافذ.
وكذلك إذا أوصَى أن يبتاع عبدًا من ولده بقيمته ولم يحابه، والمحاباة ها هنا تعتبر في القيمة، وتعتبر في عين العبد، فإنّه لا تنفذ وصيّته إذا أوصى أن يباع منه عبد من خيار عبيده مِمّا يتنافس فيه الورثة ويشحّون عليه لعينه.
وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو وصّى أن يباع عبده من ولده، جرى الولد ها هنا مجرى الأجنبيّ، لكون هذه الوصيّة لا منفعة للولد فيها، وإنّما منفعتها للعبد الموصى بعتقه.
ولو قال: اشتروا عبده للعتق، لكان في ذلك اختلاف، لكون الولد يزاد على القيمة، فيصير انتفاعه وصيّة لوارث.
أو يقدّر أنّ القصد إعتاق العبد وخروجه من ملك الولد وتنفيذ الوصيّة.
ولعلّنا أن نبسط هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ونشير إليه أيضًا في كتاب النّكاح إذا زوّجه ابنته في مرضه، وحمل عن الزّوج

صداقها، فإنْ هذا الحمْل أيضًا فيه اشتراك بين ابنته، وهي وارثة، وبين زوجها، وهو غير وارث.
وذكر في المدوّنة من باع سلعة ورقم عليها ثمنًا 1 أنّ مالكًا شدّد الكراهة فيه، واتّقى فيه وجه الخلابة.
ومعنى الخلابة الّتي أشار إليها ها هنا أنّه إذا رقم على السلعة ثمنًا ليس هو الثّمن الّذي اشتراها به، وباعها مساومة أو مرابحة بثمن دون ما رقم عليها، فإنّ في هذا تغريرًا بالمشتري وخلابة وخداعًا, لأنّه قد يظنّ أن الّذي أرقم عليها هو الّذي اشتراها به لكنّه حطّ منه على جهة الغلط منه، ولضرورة دعته إلى ذلك.
والتّدليس والتّغرير في البياعات ممنوع.

نجز كتاب البيوع الفاسدة والحمد لله

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل