وقد تعلّق بعض الأشياخ بهذا اللّفظ الّذي ذكرناه عن المدوّنة فقال: إنّه يقتضي جواز البيع إذا وقع العقد عاريًا من شرط التّبقية, لأنّه أجاب بجواز البيع قبل الزّهو، وعلّق المنع بشرط التّبقية، والساكت عن الشّرطين لم يشترط التّبقية.
وتأوّل الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد وغيره هذا اللّفظ على أنّ المراد أنّهما تفاهما بشرط الجدّ وعلى ذلك عقدًا.
ويؤكّد هذا التأويل عندهم 1 قوله: إذا اشترى تمرًا قبل الزّهو فجدّه قبل الزّهو، وكأن ما فعله من الجدّ قبل الزّهو إشارة إلى أنّهما عقدا على هذا الفعل الّذي وقع من المشتري.
والتّحقيق في هذا أنّ مقتضى العقد يقتضي المناجزة في الثّمن والمثمون، والتّأخير في أحدهما لا يكون إلاّ بالتّراضي، والتّراضي يكون مشترطًا نصًا أو متفاهمًا من جهة العادة أو غيرها، فإن ثبت النّصّ على التّبقية أو استُدِلّ عليه بعادة أو قرينة حال، فسد البيع.
والبغداديّون من أصحابنا يرون فساد البيع قبل الزّهو 2 إلاّ أن يشترط القطع.
ويتعلّقون بنهيه عليه السلام عن بيع الثّمرة قبل الزّهو، ولم يفصل وهو على عمومه إلاّ ما استثناه الدّليل.
وقد وسعنا الكلام على هذا فيما تقدّم، وإنّما ذكرنا ها هنا منه ما تعلّق بلفظ المدوّنة.
قال القاضي أبو محمّد عبد الوهاب رحمه الله، في فصل قدّمنا ذكره افتتح به البيوع:
وفساد البيع يكون بوجوه منها ما يرجع إلى المبيع ومنها ما يرجع إلى الثّمن ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين ومنها ما يرجع إلى صفة العقد ومنها ما يرجع إلى الحالة الّتي وقع فيها العقد.
الفصلَ إلى آخره على ما قدّمنا ذكره عنه وشرحنا كثيرًا منه.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل سؤالان:
1 - أحدهما أن يقال ما أقسام ما يرجع إليه فساد البيع؟ 2 - وما حكم كلّ واحد من هذه الأقسام؟
فالجواب عن السؤال الأوّل: أمّا ما يرجع إليه فساد البيع، فإنّه لا يخلو من أربعة أقسام:
1 - أحدها أن يرجع إلى العقد.
2 - والثّاني أن يرجع إلى الثّمن.
3 - والثّالث أن يرجع إليهما.
4 - والرّابع أن يرجع إلى شرط قارن العقد.
فالجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد تكلّمنا على حكم الشّروط الفاسدة المقارنة للعقد في كتاب بيوع الآجال.
وذكرنا الاختلاف في البيع الّذي قارنه شرط السلف، هل يقف فساد البيع على التمسّك بالشّرط أم لا؟ وقد ذكر القاضي أبو محمّد في شرح الرّسالة أحد قولين عندنا في وصف فساد البيع على التمسّك بالشّرط، وصحّته على إسقاط الشّرط، كالبيع بشرط السلف أو بشرط أن يتّخذ الأمة المبيعة أمّ ولد أو لا يخرجها من البلد.
فقال: إنّ هذه الشّروط المقارنة للبيع يصح العقد إذا أسقط الشّرط.
واستثنى مسئلة واحدة وهي إذا اشترى سلعة واشترط خيار أمد طويل لا يجوز اشتراطه.
فذكر القاضي أبو محمّد أنّ إسقاط هذا الشّرط لا يصحّح البيع بخلاف غيره من الشّروط.
وأشار إلى أنّ إسقاطه صورته كصورة التمسّك به.
لأنّ مشترط هذا الأمر إنّما اشترط أن يكون له الخيار طول هذا الأمد، بين أن يتمسّك بالسلعة أو يردّها، فإذا قال: أسقطت الشّرط، فمعناه أنّي تمسّكت بها.
وقد كان له التمسّك بحكم مقتضى الخيار لو كان صحيحًا، وصورة تمسّكه بها بحكم كصورة تمسّكه بها إذا أسقط الشّرط ليصحّ له التمسّك بها.
وهذا الّذي قاله، وإن كان رمى مرمى خفيًّا، فإنّه عندي قد يختلف، تخريجًا من مسئلة من أسلم في ثمر سلمًا فاسدًا، فلمّا فسخ عليه وقضي برأس المال أراد أن يأخذ منه تمرًا مثل الّذي منع منه بفسخ العقد، فقد قيل: إنّ ذلك لا يجوز لأنّه يتّهمه للفساد الّذي منع المتعاقدان منه وكأن
الفسخ لم يفد.
وقيل: يجوز له ذلك.
وينبغي أن ينظر في إسقاط هذا الشّرط إذا مضى من أمد الخيار ما لا يجوز أن يشترط، هل لا يؤثّر إسقاطه لكون الفساد قد حصل بطول الأمد، كأحد القولين في إسقاط السلف المقارن للبيع بعد أن قبض؟ هذا ينظر فيه على الطّريقة الثّانية الّتي أشرنا إلى تخريجها من مسئلة السلم الفاسد.
وأمّا على طريقة القاضي أبي محمّد عبد الوهاب فلا فرق، على مقتضى تعليله بين إسقاط الشّرط وقد مضى من الأمد قليل أو كثير.
ولعلّنا أن نعيد الكلام على المسئلة في كتاب بيع الخيار.
وذكر القاضى أبو محمّد في فصل بعد هذا آخر ذكر فيه فروع ما يرجع إلى الحال الّتي وقع فيها العقد.
قال: منه البيع يوم الجمعة بعد النّداء مِمّن تلزمه الجمعة أو أحدهما، فيفسخ إن وقع.
فاعلم أنّ الله سبحانه قال في كتابه ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 1. فإنّ هذا البيعُ المنهيّ عنه.
فاختلف المذهب، هل يفسخ أم لا؟ ثلاثة أقوال: فالمشهور وهو المذكور في المدوّنة أنّه يفسخ.
وفي المجموعة أنّه لا يفسخ.
وفي ثمانية أبي زيد أنّ عبد الملك بن الماجشون فسخه في حقّ من اعتاد ذلك، وتكرّر منه، ولم يفسخه في حقّ من لم يتكرّر ذلك منه.
وسبب الاختلاف في فسخه أنّ هذا بيع نهى الله تعالى عنه.
فإن قلنا: إنّ النّهي لا يدلّ على فساد المنهيّ عنه، لم يجب الفسخ على ظاهر ما في المجموعة وبه قال أبو حنيفة والشّافعي.
وكذلك إن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد إذا تعلّق بالذّات المنهيّ عنها أو بخاصّيّة من خواصّها اللاّزمة لها، وأمّا إن تعلّق بأمر خارج عن هذين، فإنّه لا يجب الفسخ، فإنّ مقتضى هذا المذهب لا يفسخ البيع المعقود بعد النّداء لصلاة الجمعة، لكون هذا النّهي نهيًا
عن مباشرة الفعل لا يعود إلى نفس المبيع أو خاصيّة من خواصّه وصفة لازمة له.
وإن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد، قولًا مطلقًا، اقتضى هذا فسخ العقد.
وقد بيّنّا هذا أيضًا على اعتبار هذا النّهي، هل هو لحقّ الله سبحانه، لئلا يشتغل عن الصّلاة المفروضة فيفسخ البيع.
أو هو لحقّ الخلق، لئلاّ ينفرد من لم يحضر الصّلاة بالأرباح دون عامّة النّاس، كما نَهى عن تلقّي الرّكبان مصلحة لعامّة النّاس، فلا يفسخ هذا البيع، كما لا يفسخ بيع المصرّاة لمّا كان النّهي عن التّصرية راجعًا لحق الخلق.
وأمّا ما وقع في الثّمانية، فهو راجع إلى أنّ الفسخ لا يلزم، ولكنّه عاقب من تكرّر هذا منه بفسخ عقوده.
وإذا قلنا بالفسخ، فمذهب سحنون وابن عبدوس أنّه يمضي بالثّمن إذا فات المبيع.
ومذهب أشهب وابن القاسم أنّه يقدَّم فيه القيمةَ إذا فات المبيع.
واختلفا في الوقت الّذي تعتبر فيه القيمة.
فقال ابن القاسم: حين القبض، قياسًا على سائر العقود الفاسدة.
وقال أشهب: بل بعد فراغ الصّلاة وذهاب الزّمن الّذي يحرم فيه العقد.
وكأنّه رأى أنّ التّقويم كضرب من المعاوضة، والمعاوضات حينئذٍ نهي عنها.
واختار ابن حبيب مذهب أشهب، واحتجّ أنّه لا يختلف في بيع ثمرة بيعت قبل الزّهوّ أنّ التّقويم إنما يكون بعد أن حلّ بيعها.
وهذا الّذي قاله لا يُسَلَّمُ.
بل لوْ جدّ الثّمرة قبل الزّهو، لقوّمت حينئذٍ، وإن كانت حينئذٍ لا يحلّ بيعها على التّبقية.
وإذا وضح ما قلناه في بيع الجمعة وعلّة المنع، فإنّه يتصوّر فيه صورة أخرى مشاركة لبيع الجمعة.
وذلك فيمن أخّر صلاة العصر حتّى بقي بينه وبين الغروب ما إن اشتغل بالبيع، فاتته الصلاة، وكان إيقاعها بعد ذلك قضاء لا أداء، فإنّه محرّم عليه الاشتغال بالبيع عن صلاة استحقّت هذا الوقت.
وقد اختلف فيمن فعل هذا، فقال إسماعيل القاضي يفسخ بيعه.
وهو اختيار الشّيخ أبي عمران لوجود العلّة المذكورة في صلاة الجمعة في هذه المسئلة.
وقال ابن سحنون: لا يفسخ.
ويمكن أن يقال: لا يفسخ في هذه، ويفسخ في الجمعة، لكون الجماعة شرطًا في إقامة الجمعة، فمن المصلحة منع كلّ ما يؤدّي إلى افتراق جمعهم والإخلال بشرط لا تصحّ الجمعة إلاّ به، مع كون البيع يوم الجمعة قد يتكرّر.
والّذي يخشى أن تفوته صلاة العصر إن اشتغل، لم يشترط عليه إيقاعها في جماعة فيفتقر إلى حماية الذّريعة في أن لا يخلّ بالجماعة.
وقد كان شيخنا رحمه الله يقول: كثير من العوام يؤخّرون صلاة العصر اشتغالًا بما يبيعونه في الأسواق ويبتاعونه.
وهذا يقتضي منع معاملتهم حينئذٍ ومنع أكل ما يشترى منهم إذا قيل بالفسخ.
وأمّا ما يرجع فساده إلى الثّمن، فإنّه يفسخ إن كانت السلعة قائمة.
وإن فاتت، فإن كان الفساد مجمعًا عليه، أغرمت القيمة، وإن كان مختلفًا فيه، فإنّ الواجب أيضًا القيمة.
وروي عن مالك أنّه يمضي بالثّمن وهذا مراعاة للخلاف.
وقد كنّا ذكرنا نحن فيما تقدّم مذهب ابن مسلمة وأنّه يرى أنّ الفسخ بعد القبض استحسان، وإذا كان استحسانًا مضى بالثّمن.
وبيع الجمعة، وإن رجع الفساد إلى العقد، فإنّه يفوت بحوالة الأسواق.
وبيع المدبر، وإن رجع إلى العقد، فإنّه لا يفوت بحوالة الأسواق بل بالعتق أو الموت، وهذا لحُرمة عقد الحرّيّة الّتي حصلت فيه.
وهكذا رأى ابن عبدوس أنّ بيع التّفرقة بين الأمّ وولدها لا يفوت يحوّالة السوق.
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله:
وبيع المباطيخ 1 جائز ببدوّ صلاح أوّله وإن لم يظهر ما بعده.
وكذلك الأصول المغيّبة في الأرض كالبصل والجزر والفجل.
وكذلك الورد والياسمين إذا انتُفِع به.
ويكون للمشتري لآخر 2 إبّانه.
وكذلك الموز إذا ضرب فيه أجل.
ولا يجوز اشتراء الكتّان إذا استثنى البائع حبّه، ولا القرط واستثنى برسيمه
إلى حال يبسه.
ولا يجوز بيع الحنطة في سنبلها.
ويجوز بيع السنبل على جهته.
ويجوز بيع الجوز والباقلا، في قشره الأعلى.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما شرط جواز ما يباع مِمّا له خِلفة؟ 2 - وما حكم شراء الخلفة؟ 3 - وما حكم شراء هذه الأصول؟ 4 - وما يتفرعّ منها إذا صارت إلى حال لا يجوز اشتراطها في أصل العقد؟ 5 - وما حكم شراء الثّمرة المحجوبة؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: أمّا بيع الفواكه والقصيل والبقول وغير ذلك مِمّا في معناه، فمن شرطه أن يباع بعد أن يظهر، ويبلغ إلى حالة ينتفع به حين أخذه، من أكل أو رعي أو ما في معنى ذلك, لأنّه إذا بيع قبل ذلك، كان المبيع غير مرئيّ ولا موصوف، وما لم يشاهد ولا يوسف فهو مجهول.
واشترطنا أن يكون بلغ إلى حدّ الانتفاع به لكون المعاوضة إنّما تصحّ على ما ينتفع به، كما قدّمناه في صدر هذا الكتاب، وما لا ينتفع به المعاوضة به من أكل المال بالباطل، وقد نهى الله عنه، ومن إضاعة المال، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه.
فإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الغرر ورد الشّرع بالنّهي عنه كما ورد بالعفو عن يسيره.
قال ابن الجهم من أصحابنا: الغرر اليسير يجوز بإجماع، ولهذا لو قال له: بعني قطن جبّتك، وهو مغيب لم يجز.
ولو قال له: بعني جبّتك بقطنها, لجاز.
وكذلك لو قال له: بعني جنين أمتك، لم يجز.
ولو قال له: بعني أمتك الحامل بجنينها, لجاز.
وقال أبو الفرج من أصحابنا: الغرر الكثير الّذي لا مرفق في إباحته، ولا حاجة إلى التّرخيص فيه ممنوع، بدليل منع بيع الثّمرة قبل الزّهو على التّبقية.
وإذا أزهى بعض الثّمر، بيع جميعه بزهو بعض، لكون هذا وإن كان غررًا, لأنّ ما لم يزه من هذا الّذي قد أزهى بعضه كالثّمرة إذا لم تزه كلّها, ولكن لمّا كان في إباحة بيع الثّمر بزهو بعضه مرفق
وحاجة إلى التّرخيص فيه، سومح بهذا الغرر.
وكذلك يمنع بيع الساج المدرج في جرابه.
ويجوز بيع ما في العدل المشدود على متاع على الصفة، لما في ذلك من المرفق والحاجة إليه، هذا معنى ما أشار إليه.
وقد بسطناه نحن فيما تقدّم.
وذكرنا أنّ الشّرب من الساقي جائز، وإن اختلف مقدار شرب النّاس.
وكذلك دخول الحمّام، وإن اختلف مدّة مقام الدّاخل فيه، ومقدار ما يغتسل به من الماء.
وكلّ هذا بياعات فيها غرر، ولكنّه غير مقصود، وفي حكم اليسير فعفيَ عنه.
والجواب عن السّؤال الثّاني أن يقال: إذا اشترى قصيلًا على الوجه الجائز وأراد أن يدخل في العقد ما ينبت منه بعد جزّه، أو اشترى قثّاء أو بطّيخًا وأراد أن يدخل في العقد ما يخلف بعد ما جناه منه، فإنّ المعروف من مذهبنا جواز ذلك إذا كانت الخلفة مأمونة.
ومنع من ذلك أبو حنيفة والشّافعي.
فحاول بعض الأشياخ أن يضيف إلى المذهب قولًا بالمنع مثل ما قال أبو حنيفة والشّافعي.
فقال: قد ذكر في الموّازيّة أنّه لا يجوز مساقاة قصب السكّر واشتراط دخول خلفته في المساقاة، كما لا يجوز مساقاة الخلفة ولا بيعها.
وحمل هذا على المنع من جواز بيعها على الإطلاق، عقد عليها وعلى الأصول الّتي تفرّعت الخلفة عنها عقدًا واحدًا، أو عقد على الخلفة على انفرادها.
وهذا الّذي نقلناه من اختلاف الأئمّة جار في كلّ ما جرى مجرى القصيل في البطّيخ والقثّاء كالورد والياسمين وشبه ذلك.
واعلم أنّ مدار هذا الخلاف على ما قدّمناه من ورود الشّرع بالمنع من بيع الغرر والتّرخيص في الغرر اليسير أو الكثير الّذي تدعو الضّرورة إليه، فاعتقد أبو حنيفة والشّافعي أنّ اشتراء الخلفة منفردة لا يجوز لكون ذلك غررًا لا إشكال فيه، وعقْدًا على ما لم يشاهد ولا وصف وهو مجهول.
واعتقد مالك وأصحابه أنّ هذا غير مقصود إلى التّخاطر فيه، بل في إجازته مصلحة، وإلى هذا أشار القاضي.
وقد أشار القاضي أبو محمّد في غير كتابه هذا، فقال: إن منعنا من اشتراط الخلفة في عقد البيع أدّى ذلك إلى اختلاط المبيع مع ما لم يبع وهو
الخلفة، ويعسر التّمييز، فلا يمكن تسليم المبيع متميّزًا، وإن منعنا من بيع الأصل حتّى يتكامل ما يتفرّع منه، أدّى ذلك إلى فساد الأصل وبطلان الانتفاع به، فدعت هذه الضّرورة إلى التّرخيص في هذا الغرر.
وقد أشار في المدوّنة إلى اشتراط كون الخلفة مأمونة الغالب كونها ستوجد على وجه يرتفع معه الغرر.
واعلم أنّ العقد على هذا الّذي لم يخلق يتنوعّ:
فتارة يعقد عليه بانفراده فيمنع، كشراء الخِلفة بانفرادها من غير أن يتقدّم تعاقد على أصولها.
وتارة يتقدّم العقد على أصولها، وهذا على قسمين:
إن وقع الشّراء للخلفة بانفرادها بعد أن جنيت الأصول، فإنّ ذلك لا يجوز.
وإن وقع العقد عليها بانفرادها، بعد أن تقدّم العقد على أصولها ولم يجد ما اشتراه من أصولها، فإنّ المذهب على قولين: يمنع ذلك، لكون العقد عليها منفردًا، والعقد المنفرد عليها خاصة ممنوع لأجل ما فيه من الغرر.
أو يجوز ذلك، لكون العقد الثّاني ملحق بأصله الذي تفرعّ منه، فجرى حكمه، وإن كان متأخّرًا، مجرى حكم العقد الواحد على هذه الثّمرة، أصولِها وما يُجنَى منها بعد جناها.
وهذا كالاختلاف أيضًا في شراء مال العبد بعد أن وقع العقد على العبد دون ماله.
وكاشتراء النّخل المثمرة دون ثمرها، ثمّ اشترى الثّمر الّذي لم يُزْهَ بعد ذلك 1. فمن جعل لكلّ عقد حكم نفسه، منع هذا الثّاني، ومن جعل العقدين ها هنا كالعقد الواحد أمضى ذلك.
وقد تتجاذب الفئتان 2 المختلفتان (2) في جواز اشتراط الخِلفة في العقد على أصولها، مسئلةُ اشتراط
النّخل، فقال أصحابنا: لمّا جاز بيع الثّمرة الّتي لم تطب بطياب بعضها، وكان ما لم يطلب منها تبعًا لما طاب، فكذلك يجوز اشتراط الخلفة في العقد على أصولها لكونها تبعًا لها أيضًا.
وقال الآخرون: قد علم أنّه لا يجوز لمن اشترى ثمرة نخل هذا العام أن يشترط ثمرة العام الآخر، ولا يصحّ أن يجعل ثمرة العام الثّاني كالبيع لثمرة العام الّذي اشتراه.
وكذلك لا يجعل الخلفة الّتي توجد في ثاني حالٍ بيعًا لأصولها الموجودة في حين العقد.
وينفصل أصحابنا عن هذا بأنّ ثمرة العام الثّاني لم يتّصل وجودها بوجود ثمرة العام الأوّل، بل تخلّل بينها عام فصل بين الوجودين، فكلّ وجود له حكم نفسه، ولا يصحّ أن يجعل تبعًا لغيره.
بخلاف الخلفة الّتي يتّصل وجودها بوجود أصولها من غير فصل، فصار الاتّصال ها هنا معتبرًا دافعًا للغرر ومقتضيًا للجواز، كما أجزنا إجارة الضّئر وإن كان لبنها الّذي ترضعه بعد عقد الإجارة غير موجود حين العقد، لكن تتابُعُ الوجود يصيّر الثّاني حاصلًا كالأوّل في الحكم.
فكذلك منافع الدّيار يجوز العقد عليها وإن كان ما يحدث من المنافع بعد العقد غير موجود حين العقد ولم يخلق بعد.
وقد مرّ أبو حنيفة على منع بيع ما لم يخلق حتّى منع من بيع ثمرة بعد الزّهوّ بشرط التّبقية إلى أن يصير ثمرًا، لكون ما يخلق من الألوان والطّعوم في الثّمرة بعد زهوّها لم يخلق بعد، وشراء ما لم يخلق لا يجوز.
وأجازه الشّافعي ومالك.
فأمّا الشّافعي فإنّه يرى أنّ هذا التّغير تغيّر أعراض لا تغيّر زيادة أجسام إلى أجسام، فلهذا أجازه، بخلاف اشتراط الخلفة الّتي هي عنده أجسام لم تخلق.
ولهذا أشار مالك أيضًا لمّا منع من شراء القصيل بشرط أن يقيم أيّامًا ليعظم، وشراء صوف على ظهور الغنم بشرط أن يقيم أيّامًا ليطول، فقال: هذا يمنع، بخلاف اشتراط تبقية الثّمرة لتصير تمرًا, لأنّ الثّمرة إنّما تحدث فيها زيادة نضج وحلاوة، فأشار أيضًا إلى أن تبدّل الأعراض بخلاف زيادة الأجسام.
وهكذا مرّ أيضًا أبو حنيفة على هذا الأسلوب، فمنع من شراء طعام أو غيره في الذّمّة، إلاّ بشرط أن يكون المسلم فيه موجودًا في الطّرفين، حين العقد وحين القبض.
فأمّا اشتراطه وجوده حين القبض فلا
يخالف فيه.
وأمّا اشتراطه وجوده حين عقد السلم، فنحن والشّافعي نخالفه فيه، على ما بيّناه في كتاب السلم من سبب الاختلاف بيننا وبينه في هذا.
وهذا بيان حكم شراء ما لم يخلق وهو في الذّمّة أو مسند إلى معيّن.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: قد تقدّم فيما سلف ذكر المنع من شراء ثمرة قبل الزّهوّ بشرط التّبقية، وذكرنا ها هنا في هذا السؤال الّذي فرغنا من جوابه الآن أنّ مالكًا إنّما يجيز بيع القصيل بشرط تأخيره إذا كان التّأخير المقصود به حضور الحاجة إليه.
ويَمنع منه إذا كان القصد به أن تزيد أجرامه وتظهر أجسامه, لأنّ ذلك شراء المجهول لم يخلق بعد.
وإذا منع ذلك إذا كان القصد بشرط التّأخير إلى أن يتحبّب, لأنّ هذا يمنع منه للحديث الوارد:
"بالمنع من بيع الثّمر حتّى يزهى وبيع الزّرع حتّى يبيضّ" 1 الحديث كما تقدّم ذكره.
فإن لم يشترط مشتريه تأخيره حتّى يصير حبًّا, ولكنه تحبّب قبل أن يجذّه فالبيع فاسد، كما يفسد إذا اشترى ثمرة قبل الزّهوّ على القطع، فيتركها حتّى أزهت.
ويكون الحكم ها هنا في تركها من غير شرط كحكمها إذا تركت بشرط في أصل العقد.
فإن اشترى الرّأس كلّه واشترط خليفته فتحبّب الرأس كله، فإنّ البيع يبطل في جميع الصفقة كلّها في الرّأس وفي الخلفة, لأنّ الخلفة إنّما جازت لكونها تبعًا، فإذا بطل البيع في المتبوع، بطل في التّابع.
وهذا إذا تحبّب الرّأس بتعمّد منهما وتراخ يتّهمان معه على أنّهما أضمرا اشتراط ذلك حين العقد.
وأمّا إن كان ذلك بتواني المشتري وامتناعه من جزّ القصيل، فإنّه يجري على القولين في الغلبة في الصّرف.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصّرف وذكرنا ما قيل في ذلك في هذه المسئلة أيضًا هناك.
وإذا تحبّب بعض الرّأس، وكان العقد على الرّأس خاصّة دون الخلفة، فإنّه يبطل البيع فيما تحبّب منه خاصّة، وفيما قابل ذلك من الخلفة المشترطة،
كما يبطل البيع إذا تحبّب كلّه فيه وفي خلفته.
وزعم بعض أنّ ظاهر الرّواية عن ابن القاسم يقتضي أنّه لا بدّ من اعتبار التّقويم إذا اشترط في شراء الرّأس الخلفة.
وإنّما سقط التّقويم إذا اشترى الرّأس خاصّة فتحبّب بعضه فإن ما تحبّب إنّما تسقط حصّته من الثّمن بالنّسبة، أو مذارعة أو فدادين لا بالتّقويم، إذا لم يختلف نباته.
وأمّا إذا تحببت الخلفة دون الرّأس، فلا بدّ من التّقويم.
فذكر سحنون أنّ التّقويم للرّأس يكون يوم عقد البيع، وكذلك التّقويم للخلفة، ومراده أنّ الخلفة تقوّم وقت العقد على أسواقها أوقات جناها لكون سوق الثّمرة يختلف فلا بدّ من اعتبار ذلك.
ولو تحبّب بعض الرأس ولكنّه لا يتميّز عمّا لم يتحبّب، لانتقض البيع كلّه، لعدم التّمييز بين ما تحبّب بعضه والّذي لم يتحبّب بعضه.
وقد ذكر في المدوّنة في صفة التّقويم مثالًا، مثل أن يكون الّذي تحبّب ثلث القصيل أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه، فإنّه يرجع من الثّمن بقدر ذلك.
وقال بعض المتأخّرين: هذه إشارة منه إلى أنّه لا يمكّن من ردّ ما لم يتحبّب، وإن كان يسيرًا بخلاف من اشترى ثيابًا فاستحقّ أكثرها، فإنّه يردّ الأقلّ لبطلان جلّ الصفقة.
وكذلك إذا ردّ ذلك بعيب.
وهكذا في الثّمار إذا طرأت عليها جوائح أكثر من الثّلث حتّى يكون للمشتري مقال في الجائحة.
فإنّ المشتري لا ردّ له، وإن أجيح أكثر الثّمرة؛ لأنّ هذه الجائحة طرأت بعد صحّة العقد، لكون المعقود عليه كلّه قد ملكه ملكًا صحيحًا، لم يكن من جهة البائع تدليس عليه ولا تفريط، فلم يكن للمشتري مقال في بطلان أكثر صفقته بأمر لا صنعَ للبائع فيه، ولا تهمة تتطرّق إليه، بخلاف ما استحقّ من يده أو رده بعيب.
وكذلك ما تحبّب يرجع بمقداره من الثّمن، لكونه إذا ردّ الثّمن لا يأخذ عنه عوضًا، ولغير ذلك لما يذكر في كتاب الجوائح إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: قد تلخّص مما ذكرناه أنّ اشتراط ما
لم يخلق في العقد على ما خلق يتنوّع إلى ثلاثة أنواع:
فمنه ما يتتابع وجوده، ويتميّز منه كلّ بطن على الذي قبله 1، كشراء ثمرة هذا النّخل هذا العام بعد أن أزهي الثّمر، ويشترط في العقد شراء ثمرة العام الثّاني، وهذا لا يجوز من غير خلاف.
ومنه ما يتتابع في الوجود ولكنّه يتميّز بعضه عن بعض، مثل القصيل والقرط والقصب يشتري منه ما شوهد على صفة يجوز العقد عليها، ويشترط دخول ما لم يخلق في العقد، فهل يجوز فيه اشتراط الخلف عددًا محدودًا من البطون، وشراؤها إلى أن يفنى؟ ظاهر المذهب فيه على قولين: المعروف منهما جواز ذلك لأنّه في حكم المعلوم بالعادة، وإنّما أجيز شراء الخلفة لكونها في حكم المعلوم.
وقد قدّمنا ما خرج من الخلاف في ذلك.
وإذا قيل بالمنع من هذا، فإنّما ذلك لأنّ في اشتراطها في حين العقد وجهًا من الغرر، لكن عفي عنه لأجل الضّرورة إليه وما فيه من المرفق، ولم تدع ضرورة إلى إحالة ذلك على فناء هذه الخلفة لأنّ ذلك في حكم المجهول، والغرر إنّما يسامح به إذا لم يوجد معْدِل عنه.
والنّوع الثّالث ما يتتابع وجوده ولكنّه لا تتميّز بعض بطونه عن بعض كالمقثاة، فإنّه تعلّق اشتراط الخلفة بفنائها وذهاب إبّانها، إذ لا يقدر على العدول عن ذلك بتعليق العقد فيها على عدد من البطون لعدم التّمييز في البطون، ولا يصحّ تعليق الشّراء فيها على التّحديد بزمن.
فقد منع في المدوّنة أن تشترى المقثاة وما تخلف شهرًا.
وعلّل يكون اختلاف الهواء عليها يختلف معه حكم نباتها.
ورأى بعض أشياخي أنّ هذا التّعليل يقدح فيه جواز تعليق شرائها على فنائها وذهاب إبّانها مع اختلاف الأهوية في ذلك أيضًا.
وقد ينفصل عن هذا عندي بأنّ اعتبار اختلاف الهواء في شهر بعينه يعظم التّخاطر فيه، وإذا علق العقد على الجميع خفّ الغرر لاستيعاب أزمنتها.
وقد علم وجه العادة في
حملها في جميع الأزمنة ولم يعلم عادة العمل في زمن بعينه في إبّانها.
وقد أجيز شراء الموز وخلفته زمنًا محدودًا، ويشتري أيضًا بطونًا محدودة، خلاف المقثاة، لكون البطون لا يتميّز فيها، والزّمان فيه من الغرر ما أشرنا إليه.
ولعلّ من أجاز ذلك في الموز رأى أنّه لا يختلف الحال فيه باختلاف الأزمنة.
وقد نصّ بعض الأشياخ على ما يطعمه أشجار التّين في أوّل إثمارها مِمّا يسمّيه أهل صقليّة البيفر وأهل الأندلس الباكور، لا يجوز العقد عليه وعلى ما تخلفه تلك الشّجر بعده من التّين، لكون ذلك لا يتتابع في الوجود، بل يذهب زمن هذا الباكور وتبقى الأشجار بعده عارية، ثمّ بعد حين تطلع التّين.
وهذا واضح لما قدّمناه من الاتّفاق على منع اشتراط ثمرة عامين.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أمّا شراء ما لم يشاهد، اكتفاء بما شوهد مِمّا يشتريه، في أصل الخلقة، مثل أن يشتري من الثّمار ما هو في جلباب وكِمام، فإنّه على قسمين:
أحدهما أن يشتري ما تحت الكمام، ويقصد بالعقد المأكول الّذي تحته، فهذا لا يجوز أن يقصد بالشّراء لبّ هذه الثّمرة.
كمن اشترى حبّ الرّمّان دون ما عليه من قشر، أو قلب الجوز واللّوز دون ما عليهما من قشر، لكون المشترى ها هنا مقصودًا بالعقد مغيبًا غير مشاهد.
وأمّا إن اشترى هذه الأجرام على ما هي عليه، فإنّه لا يخلو أيضًا من قسمين:
أحدهما أن يشتري ذلك وعليه جلباب واحد من أصل الخلقة، لا يحفظه إلاّ هو ولا يمكن إدّخاره إلاّ به، كالرّمّان، فإنّ ذلك جائز لأجل ما دعت إليه الضّرورة من هذا، وكون العدول عنه إفساد للمال وإضاعة له.
ومنه ما يكون له جلبابان، كالجوز واللّوز، إذا كان عليهما كمامان، والفول إذا كان في غلفه (الّتي نبت) 1 خضرًا، فإنّ هذا أيضًا يجوز، عندنا وعند
أبي حنيفة، العقد عليه، لكونه غير مقصود إلى التّخاطر فيه.
ويستدلّ على الأجرام المأكولة وأحوالها وهي في أكمامها.
ومنع الشّافعي من هذا.
وقال الأصطخري من أصحابه وغيره: بجواز العقد على القول وهو في غُلُفِه العليا.
وردّ الشّافعي هذا بأنّ اللّحم منع من بيعه وهو مغيب في جلوده، مع كونه قد يعرف سننه من هزاله بالجسّ، فأحرى أن يمنع هذا في القول لكونه لا طريق له إلى معرفة علم ما في باطنه من صفة القول وجرمه وصفته الّتي يختلف الثّمن باختلافها إذا انكشف له.
واستدلّ المجيزون بأنّ الأعصار مضت في سائر الأمصار على ترك إنكار البيع لهذا في غلفه العليا، فصار هذا كالإجماع.
وأشار بعض أصحاب الشّافعي، في الاعتذار عن هذا، إلى أنّ هذه أمور قد تقع على جهة التّساهل في هذا, ولا يكون التسهّل فيه كالنّصّ على جوازه، ألا ترى أنّ أصحاب أبي حنيفة يمنعون الإجارة على تعلّم القرآن، وهم ينفرون أولادهم إلى المكاتب.
وهذا انفصال لا يقنع به.
ولو صحّ الإجماع من سائر العلماء على فعل هذا من قوم وترك إنكاره من آخرين، لكان ذلك حجّة في الجواز, لأنّا لو لم نقل بذلك لكانت الأمّة أجمعت على الخطإ بين ناطق به وساكت عن إنكاره.
وأمّا شراء القمح في سنبله وهو قائم على سوقه، فإنّ ذلك جائز عندنا، وعند الشّافعي في أحد قوليه.
ومنعه في قول آخر.
واستدلّ من قال بالجواز بما وقع في الحديث: "أنّه نهى عن بيع القمح في سنبله قبل أن يبيضّ" 1. جاز 2 ذلك بعد أن يبيض، وقياسًا على بيع الشّعير في سنبله وهو قائم على سوقه.
ومن منع ذلك رأى أنّه مبيع في كِمامه الّتي يصحّ ادّخاره دونها، فأشبه عنده بيع القول في كمامه.
وهذا حكم بيع القمح في سنبله وهو قائم على سوقه.
وأمّا بيعه بعد أن حصد، فقيل بجواز ذلك.
واشترط في قول آخر أن يكون على صفة يمكن حزره ومعرفته وهو عليها.
وأمّا إذا حصد ودرس، فإنّه لا يجوز بيعه مخلوطًا بتبْنِه للجهالة بمقدار القمح مِمّا خالطه.
لكن إن بيع على الكيل، على أن يكتال وقد صُفّي، جاز ذلك إذا شاهد القمح وعرف صفته.
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله: ويجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف، أحدها: تعذّر التّسليم غالبًا.
والثّاني: الجهل.
والثّالث: الخطر والقمار.
فأمّا ما يرجع إلى تعذّر التّسليم، فكالآبق والضّالّة والمغصوب، والطّير في الهواء، والسمك في الماء، وبيع الأجنّة واستثنائها، وحَبَل الحبلة، وهو نتاج ما تنتج النّاقة، والمضامين وهي ما في ظهور الفحول.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما حكم بيع الآبق والضّالّة؟ 2 - وما حكم بيع الأجنّة واستثنائها؟ 3 - وما حكم بيع حبل الحبلة والمضامين والملاقيح؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: بيع الآبق لا يجوز، عند مالك والشّافعي وأبي حنيفة، علم موضعه أم لا.
وأجاز ذلك ابن سيرين إذا علم موضعه.
وإذا لم يجز العقد عليه عند فقهاء الأمصار لا يصحّح العقد المجيء بالغائب عندنا وعند الشّافعي.
ولا يجب تسليمه، لارتفاع الغرر لمّا حضر، لكون العقد الّذي التّسليم فرع عنه وقع فاسدًا.
وأمضى ذلك أبو حنيفة وأجاز التّسليم، لأنّه يرى أنّ العقود ثلاثة: عقد صحيح وهو ما لا ترقّب في إبطاله، وعقد باطل وهو ما لا ترقّب في صحّته، وعقد فاسد وهو مِمّا تترقّب صحّته، كبياعات الشّروط الفاسدة كالبيع والسلف أو بيع أمة على أن يتْخذها المشتري أمّ ولد.
وقد قدّمنا نحن أحد القولين عند إمضاء العقد إذا أسقط الشّرط الفاسد.
وهذا رأي أبي حنيفة أنّ سبب منع العقد على الآبق كونه لا يمكن تسليمه.
فإذا صار إلى حال لا يمكن 1 فيها تسليمه جاز تسليمه لأجل ما تقدّم من العقد فيه.
وهذا لا وجه له لأنّ التّسليم والتّقابض والتّمكين من المبيع إنّما يلزم ويجب بمقتضى العقد، فإذا كان العقد ممنوعًا محرّمًا، كان فرعه ونتيجته كذلك.
والّذي قاله فقهاء الأمصار، من منع العقد عليه وإن علم موضعه، واضح، لعدم القدرة على التّسليم.
وبيع ما لا يمكن تسليمه باطل, لأنّه من أكل المال بالباطل.
وأمّا ما ذهب إليه ابن سيرين، فإنّه إن أراد جواز البيع إذا علم موضعه، وهو معتقل فيه على حكم مالكه، ولا خصومة فيه ولا نزاع، وقد علمت حاله بالمشاهدة أو بالصّفة، فإنّ ذلك يجري مجرى بيع الغائب، فيجوز العقد دون شرط النّقد فيه، على ما يأتي بيانه في كتاب بيع الغائب إن شاء الله تعالى.
وأمّا لو كان بموضع معلوم وصفته معلومة، ولكن يفتقر مالكه، إلى تمكينه منه ورفع يد القاضي بعد اعتقاله له، إلى بيّنة أو خصام أو منازعة، فإنّه منع سحنون من بيعه على هذه الصفة لأجل ما يقع فيه من مدافعة مالكه عنه حتّى يثبت ما يوجب تسليمه إليه.
وكان بعض أشياخي يرى تجويز العقد عليه دون النّقد، بشرط أن يتمكّن منه على صفة تواصفاها وعلماها عليه.
وقد كنّا قدّمنا عنه سلوك هذه الطّريقة في جواز بيع الثّمر قبل بدو الصّلاح بشرط أن تسلم وهي على صفة معلومة.
ويحتجّ لهذا بأنّه منع في المدوّنة شراء زيت زيتون بعينه إذا كان يختلف خروجه.
وأجاز إذا وقف إمضاء العقد على خروجه على صفة معلومة عندهما، من غير أن يشترط النّقد.
وقد كنّا نحن قدّمنا، فيما أظنّ حكايته هذا عنه.
وإذا وقع بيع آبق على الوجه الممنوع فإنّه يفسخ، ولو قبض مشتريه، ما لم يفت عنده بعد قبضه بتغيّر سوق أو بدن، فيلزمه قيمته يوم قبضه.
وإن لم يفت وتوجّه فسخه، وقد جعل المشتري جعلا لمن جاء به حتّى حصل في يديه، ولكنّه بعد هذا فسخ البيع عليه، فإنّ في رجوعه على بائعه بما أنفق على هذا
الآبق حتّى حصل في يديه قولان: فقيل: يرجع بذلك على البائع لكونه أنفق على من لا ملك له عليه، ولا يستحقّ أن يُقَرّ في يديه، ولولا هذه النّفقة ما حصل عليه بائعه ولا رجع إليه.
فكان للمنفق الرّجوع بهذه النّفقة لمّا أنفقها على ما هو في ضمان بائعه حين الإنفاق، كما أنفق، عند بعض أشياخي، على أنّ 1 من اشترى ثمرة قبل الزهوّ بشرط التّبقية فسقاها وعالجها، فإنّه إذا فسخ عقده رجع على البائع بقيمة ما سقى وعالج، لمّا كانت نفقته هذه على ما ضمانه من بائعه، ولم يتحقّق له ملكه، فكذلك الآبق.
بخلاف من اشترى نخلًا مجرّدة من الثّمر شراء فاسدًا فأثمرت عنده ولم تطب، فإنّ البيع إذا نقض في النّخل ووجب ردّها إلى بائعها، ردّت معها الثّمرة الّتي لم تطب، لكونها بعد الطّياب غلّة، والغلّة للمشتري وهي قبل الطّياب ليست بغلّة، بل هي كبعض أجزاء النّخل، فوجب ردّها مع النّخل.
إذا وجب ردّ هذه الثّمرة، ففي رجوع المشتري بقيمَة ما أنفق في السقي قولان في المذهب: أحدهما أنّه لا رجوع له, لأنّه أنفق على ما هو يملكه وله فيه شبهة الملك، ومن أنفق على ملكه لا يرجع به على أحد.
ألا ترى أنّ من اشترى عبدًا شراء صحيحًا فأبق له ثمّ أنفق نفقة في استرجاعه ثمّ استحقّ من يديه أو ردّه بعيب، فإنّه لا يرجع على بائعه بهذه النّفقة لأنّه أنفقها على ملكه فيما يعتقد، وعلى ما ضمانهُ منه، والبائع لم يأذن له.
بخلاف من اشترى آبقًا شراء فاسدًا فأنفق عليه حتّى حصل في يديه، فإنّ البائع يقدّر هنا كالآذن له في النّفقة.
ولو خرج رجل بعبد رجل آخر من بلد الحرب، لكان له ما أنفق عليه.
ولو خرج به وقد وهب له، فإنّه يرجع أيضًا بما أنفق عليه لأنّه أنفق على ملك غيره، بدلالة أنّه لو أعتقه لم ينفذ عتقه فيه، وما ذلك إلاّ لكونه باقيًا على ملك صاحبه.
ولو اشتراه من بلد الحرب فأنفق عليه حتّى خرج به، لم يرجع بما أنفق, لأنّه لو أعتقه لنفذ عتقه فيه كما ينفذ عتقه في عبده الّذي ملكه ملكًا محقّقًا.
هذه طريقة سلكها بعض الأشياخ، وأشار إلى اعتبار كون الإنفاق واقعًا على ملك المنفق، والعبد على ملك المنفق أو على ملك مستحق العبد.
وما فيه أيضًا أنّ البائع كالآذن في هذه النّفقة أو ليس بآذن.
وقد اختلف المذهب على قولين فيمن فدى سلعة من أيدي اللّصوص، هل يأخذها صاحبها منه من غير أن يعطيه ما فداها به، أو يلزمه، إذا أخذها، ما فداها به وهو ها هنا أنفق على ملك غيره، وليس كالآذن له في هذا.
ثم مع هذا وقع فيه الاختلاف لمّا كانت نفقات وقعت بشبهة وتأويل، ولولاها ما حصل المال المردود على صاحبه.
ولكن هذه النّفقات ليست بأعيانها موجودة في ملك من ردّ عليه ملكه، وهي كالمستهلكة وليست بعين قائمة يطلب مالكها أخذها من ملك غيره، كبناء المشتري بوجه شبهة.
لكن من اعتبر كون هذه النّفقات زادت في الأملاك أو حطّتها 1، ولولاها كانت الأملاك كالعدم، أوْجَب الرّجوع بها.
ومن رأى أنّ مخرج النّفقة من يده لا يطالب بعين قائمة صارت من ملكه إلى ملك غيره، أسقط الرّجوع بهذه النّفقات.
ولو حدث بالآبق عيب بعد بيعه وقبل قبضه، لكان مصيبته ذلك 2 من البائع.
فإن قبضه المشتري، وفيه عيوب حدثت بعد العقد وحال سوقُه عنده بعد قبضه، فإنّ الفسخ قد ارتفع لأجل حوالة الأسواق عليه وهو في يديه، ولكنّه يقوم عليه على حسب ما قبضه بعيوبه الحادثة قبل قبضه وبعد بيعه، كما قدّمناه من كونها حدثت والعبد في ضمان بائعه.
ولو اطّلع على عيب قديم أيضًا إلى هذه العيوب الحادثة بعد العقد وقبل القبض، لم يمنع الرّدّ بهذا العيب القديم الّذي سبق البيع حوَالةُ سوق هذا العبد الآبق بعد قبض المشتري له, لأنّ الرّدّ بالعيب لا يفيته حوالة السوق، وإنّما يفيت حوّالةُ السوق البيعَ الفاسد، وقد ألزمنا المشتري لأجل الفوت بحوَالة السوق قيمة العبد بعيوبه الحادثة قبل قبضه وبعد عقد بيعه، فصارت القيمة
كثمن اشتُريَ به العبد شراءً صحيحًا، ثمّ اطّلع فيه على عيب وقد حال سوق العبد، فإنّه إنّما يقضى له بتخييره بين أن يقبل العبد بالعيب القديم للعيب على حالته من العيوب الحادثة بعد العقد وقبل القبض خاصة، وإن شاء ردّ العبد بالعيب القديم، وانتفض ما لزمه من القيمة.
ولو كان فوت العبد عند المشتري بعيوب حدثت عنده، فإنّ له ها هنا أن يطلب قيمة العيب القديم، وتلزمه قيمة هذا الّذي قبضه على حالته من العيوب التّي قبضها عليه، القديمة والحديثة.
كما يجري الحكم في ذلك في البيع الصحيح إذا اطّلع المشتري على عيب قديم وقد حدث عنده عيب آخر، ويكون ها هنا اللاّزم له قيمة العبد يوم قبضه على ما هو عليه من عيب قديم أو حديث.
وإن اختار الرّدّ بالعيب القديم، قوّم قيمة ثانية ليعلم منها مقدار ما نقصه العيب الّذي حدث عنده.
وأمّا الضالّة فتجري مجرى الآبق في جميع ما قدّمناه.
وقد تكلّم ابن القاسم وغيره على شراء الإبل المهملة في الرّعي ومنعوا ذلك.
فمنهم من أشار في علّة المنع إلى كونها لا تعلم صفتها، ومنهم من أشار إلى كونها لا يمكن قبضها إلاّ بإرهاق وأمر سياق، فاشترط في المنع كونها على هذه الحالة ليلحق بما منع من بيعه لعدم القدرة على تسليمه والتّمكين منه.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: أمّا شراء الجنين فإنّه لا يجوز لما تحقّق فيه الجهالة لكلّ ما يقصد من جنسه من المبيع.
وإلى هذا أشار مالك في الموطأ فقال: إنه لا يدري أحيّ أم ميّت، أذكر أم أنثى، إلى غير ذلك من الصفات التّي ذكرها.
وقال أيضًا: إنّه إذا اشترى العبد الآبق الّذي قيمته خمسون دينارًا بعشرين دينارًا، فإنّ المشتري إن وجده ذهب من مال البائع ثلاثون دينارًا، وإن لم يجده ذهب من مال المشتري عشرون دينارًا.
فأشار في علّة المنع إلى الجهالة بالمبيع وإلى المخاطرة في الثّمن.
وأمّا استثناؤه فإنّه ممنوع أيضًا لكون البائع قد حطّ من الثّمن كأنّه اشترى به الجنين.
وقد قدّمنا أنّ شراءه لا يجوز لما فيه من المخاطرة في المثمون
والثّمن.
وهذا التّعليل إنّما يتّضح على القول بأنّ المستثنى مشترَى بأن يقدّر أنّ البائع باع الأمة بجنينها، وصار بالعقد ملكًا للمشتري فاشتراه هو بما وضعه من الثّمن الّذي يجب له لو لم يشترطه، ويستثنيه.
وقد بولغ في المنع من هذا حتّى ذكر في الموّازيّة أنّه لو باع رمكة على أنّها عقوق، لم يجز هذا البيع.
ورأى أنّ اشتراط كونها حاملًا حين العقد يصيّر الجنين مقصودًا في العقد، وما كان مقصودًا في العقد فله حصّة من الثّمن، وقد ذكرنا أنّ الثّمن الّذي هو عوض الجنين فيه من المخاطرة ما بيّنّاه.
ولو ذكر أنّها عقوق لا على جهة الاشتراط لكونها حاملًا حتّى يكون لذلك حصّة من الثّمن، بل على جهة الإخبار بحالها والتبرّي من حملها لجاز العقد، لكونه إذا وقع على هذه الصفة لم يكن له حصّة من الثّمن ولم يكن مشترَى مع أمّه.
والجواب عن السّؤال الثّالث أن يقال: ما معنى النّهي عن حبل الحبلة؟ فإن فيه تفسيرين، أحدهما: أنّ المراد به بيع نتاج ما تنتجه النّاقة.
وإلى هذا ذهب ابن وهب.
وذهب مالك إلى أنّ المراد به بيع سلعة بثمن يقضَى عند نتاج النّاقة.
والمعنيان جميعًا يتّضح فسادهما.
وقد بّينّا وجه المنع من شراء جنين ناقة، والجنين موجود حين العقد في بطن أمّه، فشراء جنين يخلق من هذا الجنين الأوّل أوضح في المنع.
وكذلك إذا كان المراد ضرب هذا أجلًا لثمن سلعة باعها، فإنّ ذلك أيضًا ممنوع لكون الثّمن لا يعلم متى يقبض، ولا الزّمن الّذي تنتجه ما تنتجه ناقة مشار إليها.
كيف ولو كان الزّمن محدودًا معلومًا مبلغه، ولكنّه من الطّول بحيث الغالب فيه تغيير الذّمم وعدم الثّقة بحصول الثّمن، وكون الغالب منه أنّه لا يبقي مشتريه إليه وإن بقي يتغيّر حاله في الكسب، ولو كان الأجل عشرين عامًا لكره ذلك، ولكنّه لا يفسخ البيع فيه.
ولو كان لعشر سنين لكان ذلك جائزًا.
وهذا التّفصيل الّذي وقع في هذه الرّواية ما بين جواز وكراهة وتحريم لا ينبغي أن يساق مساقًا واحدًا في سائر النّاس، فإنّه ربّما كانت بعض الذّمم في قوم، السنين 1 الكثيرة في حقّهم بالإضافة إلى
كسبهم كالسنين القليلة في حقّ آخرين.
وأمّا النّهي عن بيع المضامين والملاقيح، فإنّ فيه قولين، أحدهما: أنّ المضامين ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الفحول.
وإلى هذا ذهب مالك واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ 1. والرّياح محرّكة لتوليد الشّجر ثمارها لا حاملة للثّمار.
وقيل: عكس هذا، إنّ الملاقيح ما في بطون الإناث، والمضامين ما في ظهور الفحول.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب وأنشدوا في هذا:
ملقوحة في بطن ناب حائل
وفي الاستشهاد بهذا البيت نظر.
وأمّا بيع الحصاة ففيه أقوال في تفسيره.
فقيل: معنى الخبر الوارد بالنّهي عن أن يكون في يد إنسان حصاة، فيقول للآخر: إذا سقطت من يدي لزمني ما بعته منك.
وقيل: المراد إذا سقطت الحصاة من يدي على ثوب بعينه، فإنّ البيع لازم.
وقيل: معناه أن يبيعه منتهى ما يبلغه رميه بحصاة.
وقد تكلّمنا في كتابنا المعلم على هذه التّأويلات وذكرنا أنّ التّعليق بسقوط الحصاة من يده إذا كان المراد إسقاطها باختياره، فإنّه كبيع خيار إذا قدّر في ذلك أجل يجوز الخيار إليه.
وكذلك إذا أراد إن سقطت الحصاة على ثوب بعينه من ثياب فقد عينت ذلك للبيع والثّياب متساوية، فإنّ هذا أيضًا كبيع ثوب من ثوبين يختاره البائع.
فصل
ذكره في المدوّنة يتعلّق بما نحن فيه.
فقال فيمن باع عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري: إنّ ذلك جائز.
قال الإِمام رحمه الله يتعلّق بهذا الفصل سبعة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما تقسيم الشّروط المقارنة للبيع؟.
2 - وما حكم هذا الشّرط للعتق هل يفسد البيع أم لا؟.
3 - وهل يجبر المشتري على إيقاع العتق؟.
4 - وهل يجوز اشتراط الانتقاد في هذا البيع؟.
5 - وهل يجوز تأخير العتق؟.
6 - وما حكمه إن فات المبيع قبل إيقاع هذا الشّرط؟.
7 - وما حكم البيع بشرط تحجير ممنوع منه؟.
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: حكم الشّروط المقارنة للبيع ثلاثة أنواع:
1 - إمّا أن يكون من مقتضى العقد.
2 - أو من مصلحته.
3 - أو ليس من مقتضاه ولا من مصلحته.
والّذي من مقتضاه ثلاثة أقسام أيضًا:
1 - وجوب التّسليم للبيع.
2 - والقيام بالعيب.
3 - والمطالبة بردّ العوض عند انتقاض البيع.
والّذي من مصلحته ثلاثة أقسام أيضًا:
1 - التوثّق برهن أو حميل.
2 - والمرفِق بالتّأجيل.
3 - أو الخيار لاختيار المبيع.
وأمّا القسم الثّالث من الأقسام الأولى، وهو ما خرج عن مقتضى العقد وعن مصلحته، وذلك أيضًا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - أن يشترط إيقاع فعل في المبيع لا يلزمه في مقتضى الملك.
2 - أو يمنع من فعل في المبيع مِمّا يقتضيه الملك.
3 - أو يعود إلى جهالته في () 1، أو ما في معنى ذلك.
فأمّا الذي من مقتضى العقد فإنّه يلزم وإن لم يشترط.
والنّطق باشتراطه تأكيد للأمر اللاّزم فيه لكون البائع مجبورًا على التّمكين من المبيع، وعلى ردّ العوض عند القيام بعيب أو استحقاق.
وأمّا الّذي من مصلحته فيجوز، ولا يلزم إذا لم يشترط، كالرّهن، والحميل، والتّأجيل في الثّمن، والخيار في المبيع.
وأمّا ما خرج عن هذين فإنّه يمنع من اشتراطه كمن باع على أن يدبّر الأمة التّي اشتراها، أو يتّخذها أمّ ولد، أو على ألاّ يبيع ما اشتراه، ولا يهبه، أو على ألاّ خَسارة على المشتري في الثّمن إذا باع، أو على اشتراط سلف وما فيه معنى هذه الأمور.
فهذه التّقاسيم المشتملة على الشرّوط المقارنة للبيع على الجملة، وتفصيلها يردّ كلّ قسم في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد ذكرنا فيما تقدّم من هذا الكتاب الاختلاف في العقد المقارن لشروط ممنوعة كالبيع والسلف وبيع الأمة على أن
يتّخذها أمّ ولد إلى غير ذلك مِمّا ذكره.
وذكرنا أيضًا في كتابنا المترجم بالمعلم الحكاية المأثورة عن سائل سأل ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبا حنيفة عن بيع وشرط.
فابن شبرمة أفتاه بإمضاء البيع والشّرط.
ولمّا سأله السّائل وأعلمه بخلاف ما خالفه فيه من 1 ابن أبي ليلى بأنّ البيع صحيح والشّرط باطل.
فاحتجّ له بقوله عليه السلام: "المسلمون على شروطهم" 2. وأفتاه ابن أبي ليلى بأنّ البيع صحيح والشّرط باطل.
واحتجّ له لمّا أعلمه بخلاف من خالفه بحديث بريرة وأنّه عليه السّلام أمضى شراء عائشة وأبطل شرط الولاء، وصعد المنبر فقال: "كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" 3 الحديث.
وأنّ أبا حنيفة أفتاه لمّا سأله ببطلان البيع والشّرط، واحتجّ لمّا علم بمن خالفه بنهيه عليه السلام عن بيع وشرط 4. وقد ذكرنا في التّقاسيم التّي قدّمنا أنّ من جملتها اشتراط البائع على المشتري أن يوقع في المبيع معنى لا يلزمه بحقّ الملك.
وذلك أيضًا يكون على قسمين، أحدهما: أن يوقعه بعوإنقضاء ملكه، كبائع يشترط على المشتري إذا أعتق أن يكون الولاء له.
فإنّ الولاء إنّما يثبت بعد ذهاب الملك عن العبد المعتق.
وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ هذا قسم له حكم على حياله، والحكم فيه إمضاء البيع وإبطال الشّرط.
فبطلان الشّرط لكونه إنّما يوقع بعد تقضّي الملك، وإمضاء البيع, لأنّ الشرط الّذي يتعلّق بالملك لا يؤثّر في صحّة الملك.
وأشار إلى أنّ هذا الحكم متّفق عليه.
وليس كما ظنّ، بل هذا جار على أسلوب ما قدّمنا ذكر الخلاف فيه، وما سنذكره في كتاب النّكاح، إن شاء الله تعالى، من اشتراط ألاّ توارث بين الزّوجين، وانعقاد النّكاح بهذا الشّرط لأنّ التّوارث إنّما يكون بعد زوال ملك العصمة.
والقسم الثّاني أن يوقع المشتري معنى في المبيع في حال كونه مالكًا له.
وذلك يكون على قسمين أيضًا، أحدهما: أن يكون معنى من معاني البرّ،
والثاني: ألاّ يكون فيه معنى من معاني البرّ.
والّذي من معاني البرّ على قسمين: إمّا أن يكون معجّلًا أو مؤجّلًا.
فإن كان من معاني البرّ التّي تقع في الملك وهو أمر معجّل، فهي المسألة التّي نحن بصددها، وهو أنْ يبيع عبده على أن يعتقه المشتري.
وقد اختلف النّاس في هذا البيع.
فذهب مالك والشّافعي إلى جوازه وجواز ما قارنه من الشّروط.
وذهب أبو حنيفة إلى فساده والمنع من عقده.
لكنّه مع ذهابه إلى فساده قال: إنّه إذا فات الأمر فيه، مضى بالثّمن.
وقال صاحباه: بل إنّما يمضي بالقيمة كسائر البياعات الفاسدة التّي ذهبا هما وشيخهما أبو حنيفة إلى أنّ الواجب فيها إذا فاتت القيمة.
فأبو حنيفة يحتجّ على فساد هذا البيع بما قدّمناه عنه من أنّه عليه السلام نهى عن بيع وشرط 1. والنّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه، كما قدّمنا ذكره وذكر تفصيل الخلاف فيما سلف.
ويحتجّ أيضًا بأنّه مبيع قصر المالكُ فيه عن اختياره في التصرّف الواجب له بحقّ الملك، فأشبه من باع جارية على ألاّ يطأها مشتريها، أو على ألاّ يهبها, ولا يبيعها.
ونحن والشّافعي نردّ عليه بحديث بريرة، وهو قد ورد متضمّنًا لمعنى هذه المسألة التّي اختلفنا فيها.
وذلك أنّه ذكر فيه أن بريرة أتت عائشة، رضي الله عنها، فسألتها أن تعينها في كتابتها، وشكت إليها كون الأداء أعياها، فقالت لها عائشة، رضي الله عنها، ما ذكر في الحديث عنها وعن التابعين وعن النبيّ عليه السّلام.
ثمّ مع هذا أمضى عليه السلام الشّراء، وأبطل اشتراط الولاء.
ولا معنى لقولهم: إنّ الّذي جرى في الولاء إنّما كان قبل انعقاد البيع, لأنّ ظاهر الخبر أنّ البيع عليه وقع.
وكذلك لا حجّة لهم يكون الخبر متروك الظّاهر لأنّه تضمّن جواز بيع المكاتب, لأنّا نتَأوّله على أنّها عجزت فبيعت.
وكذلك لا مستروح لهم في أمره عليه السّلام لها بأن تشترط لهم الولاء، مع كون ذلك لا يجوز، لكونه قد قيل: (لهم) ها هنا
بمعنى: عليهم.
وقيل أيضًا: معنى اشترطي لهم الولاء أي: بيّني لهم حكمه.
وقيل أيضًا: هذه رخصة خصّت بها عائشة لما اقتضته المصلحة من العقوبة بفسخ البيع، وإشهار ذلك على المنبر، وردّ الفعل الذي وقع فيه لما كان تقدّم منه بيان حكم الولاء، فقصد بهذا المبالغة في البيان والتأكيد للمنع، وبالفسخ إذا وقع.
وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا المعلم 1. وأمّا تَعلّقهم بما تضمّنه هذا البيع من التّحجير فوجب أن يمنع، قياسًا على من باع بشرط ألاّ يبيع ما اشتراه ولا يهبه، فإنّ الإنفصال عنه أنّ العتق معنى من معاني البرّ وله حرمة مؤكّدة في الشّرع، ولهذا خصّ بخلاف ما تقتضيه الأصول، ألا ترى أنّ من أعتق نصف عبد بينه وبين شريك له، فإنّه يقوّم عليه نصيب شريكه، ويخرج ملك شريكه من يده بغير اختياره، لأجل حرمة العتق.
ولو باع نصيبه لم يلزم شريكَه بيعُ نصيبه.
فاقتضى ذلك اختصاص العتق بحكمٍ مّا لحرمته.
وكذلك أختصّ ها هنا بجواز هذا البيع لحرمته أيضًا.
بخلاف من باع على ألاّ يبيع المشتري ولا يهب، فإنّ هذا الشّرط لا حرمة له توجب إمضاء هذا العقد.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: اختلف المذهب على قولين: هل يجبر المشتري لعبد بشرط أن يعتقه أن يعتقه أم لا؟ فمذهب ابن القاسم أنّه لا يجبر.
ومذهب أشهب أنّه يجبر.
وبه قال ابن كنانة في المدنية.
واختلفت إشارات الأشياخ في موقع هذا الخلاف بعد اتّفاقهم على حكم موقعين من مواقع هذا الاشتراط.
فقالوا: إنّ المشترط عليه أن يعتق هذا العبد إن عقد الشّراء على أنّه بالخيار في إيقاعه، فإنّ هذا جائز، ولكن يجري مجرى بيع الخيار، في ضرب مدّة تجوز أن تضرب في بيع الخيار في هذا العبد إلى غير ذلك من أحكام عقود الخيار.
وإن كان القصد بهذا الاشتراط إيقاع الحرّية بنفس الشّراء، فإنّ ذلك جائز، والحرّية لازمة بنفس الشّراء، كما يلزم ذلك في شراء الأقارب الّذين يعتقون، على ما سنذكره في موضعه في افتقار عتق الأقارب إلى حكم أم
لا يفتقر إليه.
وأبو حنيفة يوافق على صحّة شراء الأقارب الّذين يعتقون وإن كان عقد الشّراء يقتضي عتقهم، ويُفسِد العقد على عبد أجنبيّ بشرط أن يعتقه المشتري لما فيه من التّحجير المناقض لحقيقة الملك.
بخلاف عتق الأقارب الّذي لم يجب عتقهم بالاشتراط من جهة البائع، فيكون ذلك تحجيرًا منه 1، بل بعد صحّة الملك وإيجاب الشّرط.
عتقهم.
وإن امتنع من ذلك البائع والمشتري بعد صحّة الشّراء (1)، فهذان موقعان يقع العقد عليهما، ويصحّ أن يقصد المتبايعان إليهما.
وموقع ثالث، وهو أن يشتري ذلك شراءً مطلقًا من غير تعيين لأحد الموقعين الأوّلين.
فرأى بعض أشياخنا صرف الخلاف إلى هذا الموقع، وبناه على حمل هذا الإطلاق للشّرط على حكم أنّ العتق مصروف إلى إرادة المشتري، أو على أنّه نافذ للحرّيّة بعقد الشّراء.
وإشارة غيره إلى صرف الخلاف إلى موقع ظاهره خلاف هذا، وهو أن يشترط العتق على جهة الإيجاب له على نفسه.
فيكون هذا الإيجاب عند ابن القاسم لا يوجب جبره، ويكون ذلك عند أشهب يوجب جبره.
ويعتضد هذا المتأوّل للخلاف على هذا الوجه بما وقع في مسألة المدوّنة في قول الإنسان: لله عليّ عتق رقيقي.
وما ذكر في المدوّنة من ذهاب أشهب إلى كون هذا القائل يجبر على الوفاء بهذا النّذر.
وإذا جرّه 2 أشهب على هذا مع كون هذا الإيجاب لم يتعلّق عقد معاوضة عليه بل حقّ للعبد، فأحرى أن يجب ذلك فيما تعلّق به حقّ هذا العبد المشترى بهذا الشّرط.
وكون هذا الإلزام وقع عن معاوضة، وعقود المعاوضة تلزم ويجبر عليها من امتنع من مقتضاها.
وهذا التّنازع يتصوّر قسمًا رابعًا على ظاهر مقتضى لفظ الإيجاب، وأمّا على ما أشار إليه في الموّازيّة من تصير معنى الإيجاب أنّه يعتق بعقد الشّراء، فإنّ هذا يعود إلى ما قدّمناه ولا يكون قسمًا رابعًا.
والجواب عن السؤال الرابعّ أن يقال: قد علم أنّ بيع الخيار لا يجوز أن
يعقد على اشتراط النّقد فيه.
وأمّا بيع العبد بشرط أن يعتقه مشتريه، فإنّا قدّمنا ذكر الخلاف في إجبار المشتري على هذا العتق.
ولا يخفى أنّه إذا كان على ذلك مجبورًا أنّ هذا العقد غير مترقّب ردّه, فيجوز فيه اشتراط النّقد كما يجوز ذلك في البيع الّذي لا خيار فيه ولا يترقّب بطلانه.
وأمّا على مذهب ابن القاسم فتنازعه الأشياخ في هذا، فمنهم من منع اشتراط النّقد فيه لمّا أمكن أن يمتنع المشتري من إيقاع العتق، فيكون من حقّ البائع الرّضى بإمضائه على إسقاط هذا الشّرط، أو استرجاع العبد.
فإذا استرجعه وجب أن يردّ ما كان انتقده، فيكون ما اشترط انتقاده كالسلف عند 1 ورده لمّا انتقض البيع.
ومنهم من ذهب إلى جواز اشتراط النّقد في هذا، ورأى أنّه بخلاف بيع الخيار, لأن بيع الخيار لم يصرّح حين انعقاده يكون هذا العقد في حقّ مشترط، مقبولًا عنده أو مردودًا.
فترقب ردّه كترقّب إمضائه لا مزية لأحدهما على الآخر، فلهذا منع من شرط النّقد فيه.
وأمّا من اشترى عبدًا على أن يعتقه، فإنّ ظاهر العقد يقتضي كون هذا العقد عند المشتري على القبول حتّى يرجع عمّا أظهر من القبول والتزام شرطه، حتّى صار هذا القبول له والالتزام موجبًا عند أشهب أن يمنع المشتري من ردّ هذا العبد.
وإذا كان الأمر كذلك فارق هذا بيع الخيار الّذي هو على الوقف، وضارع بيع البتات الّذي هو على الإمضاء، ولهذا كان ضمان هذا العبد من مشتريه، وإن ترقّب ردّه بامتناعه من العتق، وبيع الخيار ضمان العبد فيه من بائعه، ولو كان الخيار مِمّا اشترطه المشتري في المشهور من المذهب.
وهذا عندي يؤكّد طريقة هؤلاء القائلين بجواز اشتراط النّقد في هذا العقد.
على أنّه ذكر في الموّازيّة امتناع المشتري من إيقاع العتق مدّة لا يجوز ضربها في بيع الخيار، وما ذلك إلاّ لكون هذا العقد خارجًا عن أحكام بيع الخيار، وإن كان بعض المتأخّرين أشار إلى اعتذار عن هذا فقال: لعلّ التأخرّ هذه المدّة الطّويلة لم يُبْنَ أصل العقد عليه، ولكنّ التّأخّر اتّفق بعد صحّة العقد لعذر اقتضاه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد قدّمنا أنّ أبا حنيفة يفسد عقد البيع في عبد على أن يعتقه مشتريه.
وذكرنا نحن أنّ هذا وإن كان فيه ضرب من التّحجير الّذي لأجله أفسد أبو حنيفة البيع قياسًا على من باع على ألاّ يهب المشتري ولا يبيع، فإنّ العتق لمّا كان طريقهُ البرَّ والقربةَ، والبرّ والقربة قد أمر الشّارع بهما، كما نهى عن التّحجير على المالك، فإنّه لمّا تقابل ها هنا على المنهيّ عنه.
فإذا لم يشترط تعجيل العتق، صار النّهي متعلّق أبو جهين:
أحدهما التّحجير والثّاني الغرر والوقوع في الخطر, لأنّ البائع لعبد بشرط أن يعتقه إلى أجل أو يدبّره أو يكاتبه أو يكون المبيع أمة يشترط على مبتاعها أن يتّخذها أمّ ولد ويشترط ألاّ يعزل عنها، فإنّ هذا وإن تصوّر فيه التّحجير تصوّر فيه معنى آخر وهو الغرر والوقوع في الخطر، لكون البائع وضع من الثّمن لأجل غرض لا يدري هل يحصل له أو يفوته؟ فإنّه إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد إلى أجل، أمكن أن يموت العبد قبل ذلك فيموت رقيقًا ليس بعتيق، فيفوت البائعَ غرضُه، وتذهب الحطيطة من الثّمن باطلًا.
بخلاف إذا كان العتق ناجزًا، فإنه يجبر المشتري على إيقاع العتق عند أشهب، وهو إن لم يجبر عليه عند ابن القاسم، فإنّ البائع يستردّ ما باع، فلم يذهب ما حطّ من الثّمن باطلًا.
وإذا تصوّر هذا الغرر في المعتق إلى أجل، كان تصوّره في المدبّر أمكن لجواز أن يموت قبل موت سيّده، فيموت رقيقًا، أو يموت سيّده قبله وقد أحاطت الدّيون بتركته، فيكون التّدبير باطلًا، ويعود العبد رقيقًا، فيفوت البائعَ غرضُه ويذهب ما حطّ من الثّمن من غير حصول عوض عنه.
وهكذا يتصوّر في الكتابة والإستيلاد من الغرر ما أشرنا إليه.
فلمّا تأكّد المنع ها هنا لتعلّقه بوجهين اثنين، لم يقابل ذلك ما تعلّق به الأمر من المعونة على البرّ والقربة، فلا يقابل وجه واحد ها هنا وجهين.
هذا وجه المنع من اشتراط تأخير العتق.
ومن باع بشرط ألاّ يبيع المشتري ولا يهب، هذا التّحجير وجه ممنوع ولا يقابله طريق مأمور بها، إذ لا برّ في هذا التّحجير.
فوجب المنع لعدم المقابل ها هنا، كما وجب المنع في اشتراط التّدبير، لكون الموانع أكثر من الوجه
المأمور به.
وإذا كان العتق معجّلًا يقابل وجهان راجح أحدهما على الآخر على حسب ما بيّناه.
فإن وقع هذا البيع على هذا الوجه الممنوع، وامتنع البائع من إسقاط ما اشترط من تدبير أو غيره، مِمّا ذكرناه وذكرنا المنع منه، فإنّ البيع يفسخ.
وإن أسقط شرطه، فهل يصحّ إمضاء هذا العقد بإسقاط هذا الشّرط أم لا؟ فيه قولان.
مذهب ابن القاسم إمضاء البيع، ومذهب أشهب أنّه لا يمضي.
وقد أشرنا إلى سبب هذا الاختلاف في كلامنا على البيع بشرط السلف، وأشرنا إلى أنّ من أمضى هذا البيع لأجل إسقاط هذا الشّرط قدر الفساد كالخارج عن الثّمن والمثمون والعقد، والمقصود في العقود تخليصها مِمّا يفسد أحد هذه الثّلاثة أنواع، والشّرط خارج عنها، فإذا أسقطه مشترطه أذهب علّة الفساد ورفعها.
والعلّة إذا ارتفعت، ارتفع حكمها.
ومن نقض البيع ولو أسقط هذا الشّرط، رأى أنّ الفساد ينصرف إلى الثّمن كما صوّرناه من التّخاطر الّذي وقع من الحطيطة في الثّمن.
وإذا رجع الفساد إلى الثّمن أو إلى العقد من جهة ما وقع فيه من تحجير ومنع من مقتضى العقد وجب الفسخ ولو أسقط الشّرط.
وإذا وضح وجه الاختلاف في إمضاء العقد إذا أسقط هذا الشّرط، فإنّ المذهب على قولين أيضًا في كون هذا المبيع، على شرط التّدبير، واتّخاذ هذه الأمة أمّ ولد تفوت بمجرّد حوالة الأسواق دون تغيّره في نفسه.
فالمشهور أنّه يفوت بحوالة السوق كسائر البياعات الفاسدة.
وذكر عن أصبغ فيمن اشترط على المشتري أن يتّخذ الأمة التّي اشتراها أمّ ولد أن هذا البيع لا يفوت بحوالة السوق.
فأمّا طريقة من ذهب إلى أنّه لا يصحّ إمضاء البيع وإن أسقط الشّرط، فيتّضح كون حوالة السوق تفيت هذا البيع لكون الفساد فيه منحتمًا لا قدرة على تصحيحه فأشبه سائر البيوع الفاسدة.
وأمّا من ذهب إلى أنّ البيع يصحّ إذا أسقط الشّرط، فقد يشكل الأمر على أصل هؤلاء لكون هذا البيع ليس بمنحتم الفساد ضربة لازم، بل يقدر البائع على تصحيحه بإسقاط ما اشترط، فأشبه ذلك البيع الصحيح الّذي يجب ردّه لمعنى آخر كالرّدّ بالعيب في بيع صحيح فإنّ حوَالة السوق فيه ليس بفوت.
وقد يقال:
إنّه انعقد على الفساد، ودخل المشتري على قبول هذا الشّرط، وإنّما يرتفع هذا القبول وحكم الفساد إذا انثنى رأي البائع عمّا عقد عليه واشترطه وأسقط هذا الشّرط.
وهذه الطّريقة تنظر إلى ما كنّا أشرنا إليه من اختلاف الأشياخ في جواز النّقد في شراء عبد على أن يعتقه مشتريه وأنّ من منع من ذلك رآه كبيع الخيار، ومن أجاز ذلك فرّق بينه وبين بيع الخيار بأنّ المشتري لمّا قبل البيع بشرط أن يعتق، صار العقد وقع على قبول العتق، فلم يرتفع حكمه حتّى ينثني رأي المشتري عمّا دخل عليه وأظهر قبوله من البائع، بخلاف بيع الخيار الّذي هو من أصله على الوقف.
وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في القيمة الواجبة في هذا البيع وما في معناه، فقيل: إنّ القيمة فيه تفتقر فيها أن 1 لا تكون أكثر من الثّمن الّذي تعاقدا عليه، ولا تكون أقلّ منه، بل يقضي بالقيمة مطلقة بالغة ما بلغت.
فأمّا من قضى بها مطلقة، فإنّه يتّضح ما قاله على مذهب من رأى فسخ البيع ولو أسقط، وأمّا على مذهب من يرى إمضاءه إذا أسقط الشّرط فإنّه يحسن عنده أن يجري الحكم مع الفوت كما يجريه مع قيام المبيع.
فلمّا كان له أن يسقط الشّرط مع قيام السلعة، فيصحّ البيع ويجب الثّمن الّذي تعاقدا عليه.
فإذا قصرت القيمة
عنه، لم يكن للمشتري مقال في أن يقبل منه القيمة بصحّة البيع، فكذلك مع الفوت.
وإن كانت القيمة أكثر من الثّمن، كان من حقّ البائع أن يقول: لا أسقط الشّرط، فينحتم فساد البيع، وردّ عين السلعة، مع أنّها لم تفت، فكذلك إذا فاتت إذا وقع الفوت بما شرط البائع إيقاعه، مثل أن يبيع عبده على أن يدبّره مشتريه، فإنّ المذهب اختلف في ذلك، فقيل: يمضي التّدبير لحق الله سبحانه في إمضائه، والمنِع من الرّجوع عنه وإبطالِه، ولا يكون للبائع رجوع بما حطّ لأجل هذا الشّرط.
وإن كانت المعاوضة على هذا لا يجوز لكون المشتري قد سلّم وفعل ما وقعت المعاوضة عنه، فيجب أن يستحقّ العوض عن ذلك،
والعوض عنه هو الّذي حطّه البائع من الثّمن لأجل ما أحدث المشتري في العبد مِمّا عابه ونقص ثمنه، وكان ذلك بأمر البائع وإذنه على عوض التزمه.
وكذلك لو لم تكن هذه المعاوضة على معاقدة البيع في العبد، ولكن قال رجل لرجل: دبّر عبدك، ولك عندي دنانير، سمّاها له، فإنّ هذه المعاوضة أيضًا لا تجوز لما اقتضته من الغرر والمخاطرة التّي تقدّم بيانها.
ولكن إذا دبّر مالك العبد لأجل هذه المعاوضة نفذت على طريقة من قال من أهل المذهب: إذا عقد بيع على فساد وأمر المشتري البائع أن يفعل فيه فعلًا، وهو في يديه قبل أن يصير إلى يد المشتري، فإنّ ذلك الفعل ينفذ وكأنّه وقع من المشتري بعد قبض للمبيع، والمشتري يضمن ما أحدثه في المبيع بعد أن قبضه، فكذلك يضمن ما أحدثه البائع بأمره قبل أن يصير العبد إلى يده.
وهذا يبسط في الكلام على من اشترى زيتونًا على أنّ على البائع عصره، أو غزلًا على أنّ عليه حوكه، أو فضّة على أنّ عليه صياغتها.
وقيل: يمضي التّدبير الّذي شرطه البائع على المشتري لكون التّدبير لا يصحّ نقضه لأجل تعلّق حقّ الله سبحانه به، والعوض عنه ينتقض لفساد المعاقدة عليه لا سيما إذا لم تكن معاقدة على بيع، ولكن لو قال رجل لآخر: دبّر عبدك ولك عليّ دنانير سمّاها له، فإن مدبّر العبد ها هنا أحدث في ملكه عيبًا وهو في يديه، ولم يكن من الآخر سوى قول تضمّن التزام معاوضة عن فعل لا تجوز المعاوضة عليه، ولا تضمّن هذا الفعل مجرّد الأمر به.
وقيل: بل يوقف الأمر في البيع بشرط التّدبير، فإن خرج المدبر حرًّا، مضت المعاوضة، وإن بطل التّدبير لموت المشتري مديانًا لا ثلث له يخرج منه العبد ولا بعضه، ردّت المعاوضة.
وهذا يقدح فيه بأنّ الّذي أوقع التّدبير إنّما فعله ليستعجل أخذ عوض عنه، فإذا وقف هذا العوض عليه إلى موته ومصيره إلى حال لا ينتفع بهذا العوض، فكأنّه أُمضي عليه فعله وأبطل العوض عنه، فإنّما يحسن أن يقال:
يبطل العوض لفساده، أو يمضي على ما هو عليه لفوات هذه المعاقدة التّي لا يصحّ نقضها، فيمضي بالمسمّى كما تمضي بعض البياعات الفاسدة بالمسمّى إذا
كان فسادها ليس بواضح التّحريم متّفق عليه على إحدى الرّوايتين.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أنّه يحسن أن يقال: لا يمضي بالمسمى، ولكن يرجح البائع على المشتري بمقدار ما بين قيمة العبد رقيقًا وقيمته مدبرًا، فيكون هذا التّقويم عنده كالتّقويم للبياعات الفاسدة إذا فاتت.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا تقرّر القول في فوت العبد المشترط على المشتري إعتاقه بإيقاع ما اشترط عليه، فنتكلّم ها هنا على حكم الفوت بحدوث أمر غير ما شرط عليه.
وقد ذكرنا حكم الفوت فيمن اشترط تدبيره وعتقه إلى أجل بإيقاع ما اشترط فيه، حكمَه إذا فات بحوَالة سوق وما في معناها.
وأمّا من باع عبدًا واشترط على مشتريه أن يعتقه عتقًا مؤجّلًا، فإنّه قد اختلف في فوته بحوَالة الأسواق إذا امتنع المشتري من إيقاع العتق.
فمن لم يفته بذلك رأى أنّ البيع صحيح وحوَالة الأسواق لا تؤثّر في البيع الصحيح.
ومن رأى أنّ حوَالة الأسواق فيه فوتًا قدّر أنّه لَمّا دخل المشتري على إعتاقه، فامتنع ولم يجبر على إيقاع العتق، لحق الضّرر بردّه وقد حال سوقه.
وأمّا إن وقع الفوت بموت هذا العبد، فإنّه لا يخلو من ثلاثة أقسام، أحدها: أن يموت العبد في يد مشتريه بقرب عقده فيه، أو يموت بعد تراخ ليس بالطّويل كالشّهر ونحوه، أو بعد تراخ طويل كالسنة ونحوها.
فأمّا إن فات بالموت بقرب زمن الشّراء، فإنّه لا مقال للبائع على المشتري فيما حطّ من الثّمن، لأجل أنّ المشتري لم يتعدّ في ترك العتق، ولا فرّط في إيقاعه، فيضمن بسبب التّفريط، فصار إذا لم يفرّط في إيقاع العتق كمُوقِعه، ولو أوقعه ما كان للبائع مقال في الحطيطة، فكذلك إذا لم يوقعه من غير تفريط في إيقاعه.
وأمّا إن مات بعد الشّهر ونحوه، فإنّ للبائع أن يرجع على المشتري بقدر ما حطّ من الثّمن لأجل العتق الّذي فرّط المشتري في إيقاعه حتّى حَرَم البائعَ غَرَضَه الّذي لأجله وقعت الحطيطة.
وهذا إذا لم يعلم البائع بالتّأخير حتّى لا يعدّ البائع كالآذن له في التّأخير.
وأمّا إن مات بعد السنة ونحوها، فإنّ الشّرط ساقط، ويعدّ إضراب البائع عن الزام المشتري للعتق كالرّضى بإسقاط شرطه.
فإذا علم بهذا التأخير هذا المقدار من الزّمن، عدّ راضيًا بإسقاط ما اشترط.
[لم يكن له مقال، ويباع للمشتري على أن يعتقه عن ظاهره 1 أو عما يجب عليه فيه عتق رقبة] 2.
هذا حكم فوته بالموت.
وإن فات بعيوب مفسدة حدثت فيه عند المشتري، فإن كان بقرب العقد، فإنّ بعض الأشياخ يقول: يكون للمشتري الخيار قبل حدوث هذا العيب المفسد، فإن أوقعه وفّي بما شرط عليه، وإن امتنع رجع البائع عليه يالحطيطة.
وبعضهم يقول: الخيار للبائع، إن شاء أمضى البيع بالحطيطة، وإن شاء ارتجع العبد.
فكأن من ذهب إلى ما حكيناه من الإشارة إلى اختلاف في المعنى إنّما يختلفون في معنى قد يشكل، وهو كون المشتري يعتقه وقد حدث به عيب مفسد.
فبعضهم يشير إلى أنّه يُقرَّر كمن وفّى بشرطه لكونه غير مفرط في إيقاع العتق، كما لو مات العبد بقرب عقد الشّراء، فإنّه لا يطالب بالحطيطة عوض 3، ويكون ضمان هذا الّذي اشترط من بائعه.
فكذلك إذا حدث عيب مفسد عند المشتري وهو غير مفرّط ولا متعمّد في التأخير، فيجب ألاّ يكون للبائع مقال إذا وقع العتق.
وإذا أراد بعض الأشياخ بما حكيناه عنه أنّه لا يجزيه في الوفاء بالشّرط هذا العتق، فإنّه يرى أنّه إنّما اشترط عتق عبد سليم يمكنه التكسّب وأن ينفع نفسه، فإذا عمي أو شلّ وامتنع من التكسّب، صار عتقه على هذه الحالة خلاف غرض البائع.
وهكذا أيضًا إن كانوا أشاروا إلى اختلاف في معنى آخر، وهو إذا امتنع من العتق هل تلزمه الحطيطة لأجل أنّه لا يمكن أن يأخذ من البَائع عبدًا سليمًا
ويردّه إليه معيبًا.
فإذا امتنع الرّدّ لأجل هذا، لزمت المشتري الحطيطة.
وأمّا إن أخّر المشتري عتقه تأخيرًا يكون متعدّيًا فيه كالشّهر ونحوه، فإنّه يلزمه أن يغرم الحطيطة لكونه متعدّيًا في التأخير، ومفرّطا في إيقاع العتق حتّى صار العبد إلى حالةٍ إعتاقه عليها خلافُ غرض البائع.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: قد علم أنّ حقيقة البيع نقل الملك بعوض كما قدّمناه.
وعلم أيضًا أنّ معنى الملك القدرة على التصرّف في المملوك بحسب ما أذن فيه الشّرع.
فإذا باع البائع سلعته، اقتضى حقيقة الملك الّذي صار إلى المشتري أن يبيعها ويهبها إذا شاء.
فإذ شرط البائع في عقد البيع ألاّ يبيع ولا يهب، فقد حجّر عليه مقتضى الملك، فصار بذلك مناقضًا لحقيقة البيع ففسد البيع.
ولكن إذا أسقط البائع هذا الشّرط، هل يصحّ أم لا؟ فيه قولان، وقد تقدّم توجيههما.
وينبغي أن ينظر فيما حجّر من التصرّف، فإن كان سائره أو منفعة مقصودة فيه، فسد البيع إذا لم يسقط الشّرط.
وإن كان ما حجر لمحجره فيه غرض صحيح، وهو غير مقصود عند المشتري ولا مضرّ به، فإنّه لا يمنع.
كمن باع جارية [على ألاّ يبيعها من فلان خاصّة فإن هذا جائز لكون التحجير للبيع من رجل واحدٍ لا مضرة على المشتري فيه، ولو قال:] 1 إلا من فلان، لمنع من ذلك لكونه حجّر عليه المقصود من الملك.
وعلى هذا يجري الحكم وأباح له سائر الدنيا، فإنه يجوز ذلك.
ولو حجر عليه ألاّ يبيعها إلا في بلد بعينه إذا شرط عليه ألاّ يبيعها في بلد بعينه، لمنع من ذلك لما أشرنا إليه من التّعليل.
ولو شرط عليه أن يخرجها من بلدها لمنع من ذلك.
وقد وقع في مختصر ابن شعبان: إذا شرط البائع على المشتري أن يخرجها إلى بلد آخر يبيعها فيه، فإنّ ذلك جائز.
وذكر في الموّازيّة 2 أنّه إذا اشترط عليه أن يخرجها إلى الشّامّ، فإنّ
ذلك لا يَجوز.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا اختلاف قول.
وهو عندي قد ينبني على ما أصّلته من اعتبار ما يقصد وما لا يقصد.
فإن كان المراد بما وقع في مختصر ابن شعبان بقوله: إلى بلد آخر، بلدًا معيّنًا، منع ذلك لما فيه من التّحجير.
وإن أراد بلدًا من سائر البلاد، لم يكن ذلك تحجيرًا لمعنىً مقصود، لا سيما إذا اشترط البائع ذلك لغرض فيه أن لا تبقى معه في بلد بعد خروجها من ملكه، فيلحقه من ذلك ضرر.
وهكذا يجري الأمر فيما يشترط من هذا المعنى.
ولو اشترط المشتري على البائع ألاّ خسارة عليه إذا باعها, لمنع ذلك أيضًا.
وقد اختلف المذهب فيمن باع سلعة يشترط ألاّ يبيعها المشتري حتّى يقضي الثّمن.
فأجاز ذلك مالك وقدّر أنّه لمّا كان المشتري قادرًا على القضاء للثّمن كلّ يوم، صار الامتناع من البيع من جهته لا من جهة التّحجير المشترط، فلم يفسد هذا الشّرط البيع.
وذكر ابن الموّاز أنّ هذا الشّرط إنّما يجوز في الزّمن القليل كاليوم واليومين، ورأى أن اشتراط تأخير قبض السلعة المعيّنة اليوم واليومين جائز، بخلاف اشتراط قبضها الزّمن الكثير.
وقال ابن القاسم لا خير فيه.
وقدّر أنّ المشتري قد يتعذّر عليه أداء الثّمن إلاّ بأن يبيعها ويقضي ثمنها، وإذا أراد ذلك كان مقتضى التّحجير أن يمنع [مفسد البيع] 1.
وقد اختلف المذهب فيمن باع سلعة بثمن إلى أَجل على أن تبقى السلعة رهنًا بيد البائع، أو بيد عدل حتّى يقضي المشتري الثّمن.
فمن منع ذلك قدّره
أيضًا كبيع معيّن يقبض إلى أجل.
وفي الموّازيّة فيمن باع عبدًا بثمن إلى أجل، واشترط على المشتري أنّه حرّ إن لم يقبض الثّمن عند الأجل، أنّ ذلك جائز.
وعورض هذا أيضًا بأنّ المشتري ممنوع من بيع هذا العبد حتّى يُقبض الثّمن.
فصار هذا الشّرط تضمّن تحجير البيع حتّى يقضي الثّمن، فعاد الأمر إلى المسئلة الّتي قدّمنا ذكر الخلاف فيها.
ولو شرط في البيع أنّ المشتري متى باع السلعة، كان بائعها أحقّ بها بالثّمن الأوّل أو الثّمن الّذي يعطاه المشتري، لمنع ذلك لما فيه أيضًا من التّحجير.
ولو شرط مثل هذا في الإقالة، لمضى الشّرط.
وكان البائع الّذي سأل، بعد صحّة البيع، في الإقالة، فأقاله المشتري على هذا الشّرط مطلوبًا بهذا الشّرط.
ومتى باعها كان المشتري المقيل أحقّ بها.
وقد تقدّم كلامنا على هذه المسئلة فيما مضى.
وقد تعقّب هذا في الإقالة أيضًا.
وإنّما يعتذر عنه بأن الإقالة حلّ بيع على أحد القولين، وليست كابتداء بيع وطريقها المعروف.
ومِمّا ألحق أيضًا بالبيوع الممنوعة بيع الثُّنيَا، وهو أن يبيع سلعة على أنّه متى ردّ الثّمن استردّها، ثمّ أسقط البائع هذا الشّرط.
فقال مالك: هذا البيع كان أوّله حرامًا ثمّ صار حلالًا.
قال ابن الموّاز: هذا إذا رضي المشتري.
وظاهر قول مالك أنّ هذا البيع يصحّ بإسقاط هذا الشّرط وإن لم يرض به المشتري، وألحقه ببياعات الشّروط.
وكأن ابن الموّاز استبعد هذا ورأى أنّ هذا الفساد راجع إلى الثّمن، فلم يصحّ البيع بتصحيحه.
كما لو باعها بثمن إلى موت زيد ثمّ عجّله الآن.
وقد أضيف إلى ما اشترطه ابن الموّاز من رضي المشتري كون المتبايعين تفاسخا العقد الأوّل.
وقد كنّا نحن قدّمنا ذكر هذا، وسبب الخلاف فيه.
فهذا حكم بياعات الشّروط الفاسدة.
وقد كنّا قدّمنا أنّ الشّروط المقارنة للبيع على ثلاثة أقسام، أحدها أن
يكون من مقتضى العقد كجواز التصرّف.
والثّاني أن يكون من مصلحته.
ومثّلنا هذا باشتراط الرّهن والحميل في عقد البيع.
وقد ذكر في المدوّنة في كتاب البيوع الفاسدة حكم اشتراط الرّهن والحميل في عقد البيع، فاعلم أنّ ذلك يقع اشتراطه على وجهين:
أحدهما: أن يشترط في ذلك رهنًا معيّنًا أو حميلًا معيّنًا.
والثّاني: أن يشترط رهنًا غير معيّن أو حميلًا غير معيّن.
فأمّا إن اشترط في ذلك رهنًا معيّنًا، فإنّه إن كان الرّهن والحميل حاضرين، جاز ذلك من غير خلاف.
وكذلك إذا كان قريبين من مكان العقد.
وأمّا إن كانا بمكان غائب بعيد من مكان العقد، فأمّا اشتراط هذا الحميل المعين الغائب، فإنّه ممنوع.
وأمّا اشتراط الرّهن، فإنّ ابن القاسم أجازه، ومنعه أشهب إلاّ أن يكون الرّهن بمكان قريب، مسافة اليوم واليومين.
فأمّا المنع من اشتراط حمالة رجل غائب بمكان بعيد، فإنّه كاشتراط عقد بيع على خياره فيفتقر إلى انتظار ما عنده في هذا، فإن قبل مَضى البيع وإن لم يقبل ردّ البيع.
والأمد البعيد لا يجوز اشتراطه في بيع الخيار لما سنذكر في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذلك اشتراط هذا الحميل لكون البيع موقوفًا على ترقب ما يبدو منه في الحمالة، فإن التزمها نفذ العقد، وإن امتنع من الحمالة لم يلزم البائعَ البيعُ، وله ارتجاع سلعته، لكونه إنّما باعها بشرط أن يتوثّق بحمالة، فإذا لم يحصل له التوثّق، صار كعيب في الثّمن الّذي باع به، فكان له ردّ الثّمن وارتجاع ما باع.
وإن شاء رضي بهذا العيب الّذي هو عدم التوثّق، وإمضاء البيع بغير حميل.
وإذا كان هذا البيع انبنى انعقاده على خيار الحميل بين التزام الحمالة أو ردّها، ثمّ إذا لم يقبل الحمالة، كان الخيار.
للبائع أيضًا، كما ذكرناه، صار هذا بيعًا مبنيًا انعقاده على خيار إلى أمد بعيد.
فإذا كان الحميل قريبًا بمكان يمكن
أن يستعلم ما عنده في الحمالة في مسافة مقدارها مثل الأيّام التّي يجوز ضربها في بيع الخيار، جاز عقد البيع.
فإن التزم الحمالة، نفذ العقد.
وإن لم يلتزمها خير البائع بين إمضاء البيع بغير حميل أو ارتجاع سلعته، كما بيّناه.
وأمّا اشتراط ارتهان شيء معين غائب بمكان بعيد، فإنّ أشهب يمنعه قياسًا على منع اشتراط الحميل البعيد الغيب.
وابن القاسم يجيزه قياسًا على جواز العقد على سلعة غائبة.
ويوقف المبيع حتّى يعلم وجود الرّهن كما يوقف ثمن السلعة.
ويفرّق الحميل والرّهن في هذا، فإنّ الحميل تجويز رضاه بالحمالة كتجويز امتناعه منها، فالغرر حاصل في ذلك.
والسلعة الغائبة إذا اشترط ارتهانها، فلا يترقّب فيها سوى طريان ما يتلفها.
والأصل استصحاب ما كانت عليه من الوجود، والخروج عنه نادر.
فلم يكن في ذلك من الغرر ما صوّرناه في الحميل البعيد الغيبة.
لأنّ الحميل وقف البيع على خياره، فلم يجز في أمد الوقف ما لا يجوز في بيع الخيار.
ولهذا نقول إنّ المبيع، على شرط أخذ حميل معيّن قريب المكان، إذا هلك، كان ضمانه من البائع.
كما نقول في ضمان ما بيع على خيار نطق المتبايعان باشتراطه حين العقد أو لا.
ولهذا أيضًا قال بعض الأشياخ إنّ الّذي ذكر في المدوّنة في حكم هذا الحميل يقتضي جواز بيع عقد على خيار مرتّب على خيار آخر سبقه.
ألا ترى أنّ الحميل ها هنا بالخيار بين التزام الحمالة أو ردّها.
فإن ردّها خيّر البائع بين إمضاء البيع أو ردّه، على حسب ما ذكرناه.
فكذا ينبغي إذا عقد بيع على خيار رجل معيّن، فإن لم يختر انتقل الخيار إلى رجل آخر.
ولهذا أيضًا نبّه بعض الأشياخ على قوله في المدوّنة في هذه المسئلة: إذا باع بيعًا أو أقرض قرضًا على حميل معيّن، فقال: قد جمع ها هنا ما بين القرض والبيع، وهذا يتضمّن جواز القرض بشرط الخيار.
وإنّما ذكرنا هذا تأكيدًا لما أشرنا إليه من كون هذه السلعة جارية على أحكام عقد البيع على خيار.
وإذا عقد العقد على حميل معين أو رهن معيّن، فإنّ المعروف من المذهب أنّ الحميل إذا مات قبل أن يقبَل، والرّهن إذا هلك قبل أن يُقبَض، وقد عقد الأمر فيهما على ما يجوز، فإنّ البائع بالخيار بين إمضاء البيع أو ردّه، كما لو اطّلع على عيب في الثّمن.
ورأى أشهب أن لا خيار للبائع كما لو هلك الرّهن المعيّن بعد أن قبض، أو مات الحميل المعيّن بعد أن قبل.
وأشار إلى أنّ ذلك إذا كان حاضرًا أو قريب الغيبة كالمقبوض.
وهذا لا وجه له, لأن التّمكين من الرّهن والتزام الحمالة إذا لم يمكن ولا مضى زمن إمكان ذلك فيه، لم يَصحّ أن يقدر كالمقبوض.
ولو قدّر كالمقبوض لوجب على مشتري سلعة غائبة بمكان قريب أن ينقد، وإن كان التّسليم لا يمكن لأجل أنّ القرب يعدّ كالقبض، والمشتري إذا قبض وجب عليه نقد الثّمن.
وهذا التّقدير لا يصحّ لكونه خارجًا عن الأصول.
وإذا قلنا بالطّريقة المعروفة من كون البائع لا يلزمه البيع إذا هلك الرّهن قبل القبض وقبل أن يمكّن منه، بل له الخيار في إمضاء البيع أو ردّه، فأراد المشتري أن يرفع خياره بأن يأتي برهن عوض الرّهن المعيّن الّذي تلف، أو بحميل عوض الحميل المعيّن الّذي مات، فإنّ في هذا قولين:
أحدهما أنّ هذا لا يرفع خيار البائع لفقده ما عيّنه باشتراطه، فلم يلزم عينًا أخرى، كما لا يلزم من اشترى سلعة معيّنة أن يأخذ عنها مثلها.
وكأنّ من ذهب إلى التّفرقة بين البيع والرّهن في هذا يرى أنّ الغرض من الرّهن والحميل التوثّق.
فإذا عوّض عن شيء من هذا مثله وما يسدّ مسدّه، لم يكن لتخيير البائع معنى.
لكن لو اختلف العرْض في الرّهنين بأن يكون أحدهما عبدًا فمات، فإنّه لا يلزم البائع أن يقبل عوضًا منه ثوبًا لكونه يضمن الثّوب المرتهن ولا يضمن العبد المرتهن، وله غرض صحيح في إسقاط الضّمان عنه.
ولو كان الأمر بالعكس فكان الرّهن ثوبًا فهلك قبل قبضه فأراد أن يعوّضه عنه عبدًا، لأمكن