البائع والمشتري إذا استُحِق ما في يد أحدهما، وأراد أن يرجع فيما دفع، فوجده قد حال سوقه، فإنه يُمنَع من أخذه بعينه، وإنما له أخذ قيمته.
وهذا عندي يجري على الأصل الذي ذكرناه مرارا، وهو المترقبات إذا حصلت هل يعد حصولها يوم وجودها، وكأنها فيما قبْلُ كالعدم، أو يقدّر أنها لَم تزَل من حين حصلت أسبابها التي أثمرت أحكامها وأُسنِد الحكم إليها، فإن قلنا: إنها إنما يقدر حصولها يوم المحاكمة، وفيما قبل ذلك هي كالمعدومة، فإنه تقوى ها هنا طريقة ابن المواز.
وإن قلنا: إنه أجاز العقد فكأنه لم يَزَلْ ماضيا، فكأنه كالإذْن في التصرف، فتقوى طريقة سحنون وبالله التوفيق.
ومما يلحق بهذا الاسلوب ما ذكره في المدونة فيمن أوصى بوصايا فأنفذها الوَصي، ثم أتى من أثيت أن الميت الذي وَصَّى مملوك له، وحُكم له بذلك، فإنه إن كان الميت مشهورا بالحرية فلا تباعة على الوصي، ولا تلزمه غرامة ما أنفذه من وصاياه.
ولو باع في وصاياه سلع الميت لكان لمن استحق رقبة الميت أن ينقض البياعات إذا لم تتغير السلع في يد من اشتراها, ولكن بعد أن يدفع أثمانها لِمنَ اشتراها من الوصي.
وكذلك قال فيمن شهد شهود بموته على مشاهدة شخصٍ ميتا، كقتيل قتل في معترك، فإن الشهود الذينْ حكم القاضي بشهادتهم إن كان تعمدوا شهادة الزور (ترد فيما باع من تركته، و) 1 كانت باقية في أيدي مشتريها لم تتغير، أو كانت فاتت أو تغيرت.
وأما إن اشتبه عليهم بأن رأوا شخصا؟ ميتا فاعتقدوا أنه فلان الذي شهدوا بموته أو تقلوا ذلك عن شهود أشهدوهم على شهادتهم، فإن البياعات ماضية إذا تغيرت في يد مشريها، وإن لم تتغير فللقادم الذي شُهِد بموته أن يأخذها من يد مشتريها بعد أن يدفع إليه الثمن.
وأما زوجته فترد إليه في القسمين جميعًا، تعمدوا الزور في شهادتهم أو كانوا شبّه علمهم، فأمضى العتق في المدونة إذا كان الشهود شبه عليهم، ولم
يمضه إذا كان تعمدوا الزور.
وفرق بين حكم الزوجة وحكم البياعات، ولم يفرق يينهما إسماعيل القاضى في الميسوط، ووأى أن الحكم يزول 1 عصمة الزوجة نافذ إذا زوجها 2 آخّر، فأمضى الحكم وإن كان غلطا في الباطن في الزوجة والمال, وإن اختلقت الحرمة فيهما.
وكذلك قيل أيضا: إن العتق يردّ، ولو كان الشهود شُبه عليهم.
فصار في امضاء العتق قولان، وفي امضاء الحكم.
بزوال العصمة عن الزوجة قولان: فالتفرقهّ بين الزوجة والبياعات عند من ذهب إلى هذه الحِرمة 3 الفروج والاطلاع على العورات وانتشار الحرمة والمصاهرات، والتسوية بين العصمة وبياعات السلع لم.
لأجل نفوذ الأحكام بما هو صواب في الظاهر.
واعلم أن هذه قاعدة التفرقة بين كوفي الشهود شهدوا وقد تعمّدوا الزور، أو شهدوا غلطا منهم، قد اتفق المحققون أنه لا يتصور فيها فرق واضح بين حالتي الشهود حتى (إذا مد اليح) 4 الشيخ ابا القاسم السيوري إلى أن قال في هذا وفي غيره من أمثاله الذي لا يتصور قيها فرق: إنهما قولان جمعا في التأليف، وكأن السامع سمع تخصيص السائل لمالك بأن الشهود تعمدوا الزور، فقال: تنقض الأحكام المبنية على شهادتهم.
ولو سئل حينئذ سؤالا مطلقا غير مقيد بتعمد الزور لأجاب بنقض الأحكام.
وسئل مرة أخرى، وقد قُيِد له السؤال بشهادة شهود شبِّهَ عليهم؟ فقال: تمضي الأحكام.
وقد 5 أطلق السّؤال حينئذ لقال أيضًا تمضي الأحكام.
وهذا هروب من الاعتراف بأنه لا يتضح له فرق إلى ما يوقع الرواة في جهالة أو تكذيب.
وكذلك اعتذر القاضي إسماعيل عن هذه التفرقة بأن قال: إنما فرق مالك بين كون الشهود تعمدوا الزور، أو شبه عليهم، إذا كان الورثة هم الذين تلوا 1 بيع مال الميت.
واما لو حكم بذلك الحاكم لم يفترق الحكم بين كونهم شهدوا بالزور أو شُبّه عليهم.
وهذا الذي تأولوه نص على خلافه في المدونة, لأنه ذكر في تمثيل كون الشهود شبه عليهم، قال: أو شهدوا عند القاضي على شهادة قوم أشهدوهم.
بنص 2 على التفرقة وإن كان ذلك بحكم.
وغير الشيخ أبي القاسم السيوري من الأشياخ الحذاق يرى ما رأى من الفرق لا يتصور، فاقتصر على اعترافه بذلك، ولم يتكلف فرقا ولا تأويلا، لكن قصارى ما يمكن عنده أن يقال في هذا: إن الشهود إذا تعمدوا الزور صاروا بشهادتهم كمن غصب مال هذا الذي قَدِم حيًّا فباعه، فإن لمستحقه أن ينقض البيع، وينقض العتق أيضًا، بخلاف كون الشهود شبّه عليهم, لأنهم إن شبه عليهم لم يحلوا محل الغصّاب لهذا المال، فلم يُرَدَّ اذن تغير.
وهذا أيضًا لا يتضح, لأن التعويل، إن كان على حكم القاضي، فالقاضي لم يخرج في حكمه، ولا تعمد باطلا، بل ماجوز 3 في حكمه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك من كون الشهود تعمدوا الكذب أو لم يتعمدوه.
وإن كان الحكم لا تأثير له فكذلك أيضًا يجب للمستحق أخذ ماله وإن تغير, لأنه لم يأذن في التصرف فيه، وقد بيع ملكه عليه بغير إذن منه غلطا من بائعه، فإنه لا ينبغي 4 ملكه لهذا البائع.
والنكتة التي يجب أن ينظر فيها في.
هذه المسألة أنَ الحاكم 1 ها هنا بما ظاهره الصواب والحق وباطنه خطأ وباطل، فهل يغقب حكم الظاهر على حكم الباطن فتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن على حكم الظاهر فتردّ الأحكام؟
هذا هو وجه التحقيق عندي في المسألة.
وهذه النكتة يجري عليها فروع كثيرة قد اختلف بعضها أهل المذهب، وقد عُرف أن المشهور من المذهب في امرأة المفقدد إذا حكم بِتمْوِيتِه ثم قدم حيًّا، وقد تزوجت رجلًا بني بها، أنها لا تُردّ إلى الأَوّل.
واختلف قوله إذا جاء المفقود حيّا، وقد عُقِد نكاحها ولم يدخل الزوج الثاني بها، هل يفسخ النكاح أم لا؟ وقال في المنعى 2 لها زوجها انها ترد إليه إذا قدم حيّا، وإن دخل بها الزوج الثاني, لأن هذه لم يجتهد في أمرها، فيقول على حكمه في الظاهر بالصواب وإن كان خطأ في الباطن.
وكذلك إذا حكم الحاكم بطلاق امرأة على زوجها لأجل عدم الإنفاق، فأتى الزوج فوجدها قد تزوجت، فأثبت أنه قد ترك لها الإنفاق.
وكذلك إذا شُهِد عليه بأنه قال: زوجتي عائشة طالقٌ.
فادّعى أن له 3 بلد آخر بعيد زوجة أخرى تسمى عائشة، وهي التي قصد طلاقها، فلم يقبل دعواه، فتزوجت عائشة المحكوم بطلاقها ثم أثبت ببيّنة أن له ما ادعاه من زوجة تسمى عائشة.
وكذلك إذا باع القاضي سلع رجل غائب في دين قضاه لمن أثبت الدين على الغائب، ثم أتى الغائب فأثبت أنه قد قضى الدين.
فقد قيل: إن هذا الغائب يمكّن من أخذ سِلَعِه المبيعة إذا دفع للمشتري ويرجع مشتريها على من دفع إليه
الثمن.
وكان بعض أشياخي يرى أن مقتضى قول مالك أن يكون للغائب إذا ثبت أنه قد قضى الدين، وأرتجع ما بيع 1 انه طلب باطلا فأشبه شهود الزور، وفي هذا الذي قال نظر؟ وكان أيصَا يرى أن ما ذكره في المدونة أن الموصى إفا انكشف أنه مملوك يعد نفوذ وصاياه لا يحسن الخلاف فيه، ويمكن من رد الوصايا لأن الحكم لم يقع عليه، وإنما وقع على غيره، بخلاف من حكم موته فجاء حيّا.
وفي المجموعة في من جعل أكثر زوجته بيدها إن غاب عتها مدة معلومة، "فاختارت الفراق لأجل غيبته، وحكم لها الحاكم بذلك, فأثبت أنه لم يغب: أنها ترد إلى عصمته، ولو دخل بها الثاني.
وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد يرى ان هذه المسائل يعتذر 2 فرق واضح بين بعضها عن بعض، والخلاف يحسن أن يجري في جميعها من بعضها في بعض.
على أنه قد قيل في امرأة المفقدد: إن القاضي لما حكم على زوجها المفقود، بالفراق، وكان متعرّضا في حكمه إلى جواز الخطأ عليه، وأنه قد لكون حيّا, فتجويره لهذا صار كالحكم بإمضاء الخطأ الذي ينكشف في ثاني حال وقوعه منه.
وعندنا روايتان في القاضي إذا حكم بشهادة من اعتقده أنه عدل، ثم بعد الحكم ثبت إنه كان مستَجْرَحَا هل له نقض حكمه أم لا؟ وقيل في هذا: إنما يحسن الخلاف فيه لأن تعديل الشهود كان عنده بالظن أن الشهود المعِدَّلين صدقوا، فالتجريح بعد ذلك مبني أيضًا على إن الشحهود المجرِّحين صدقوا، ولا يرد ظن يظن، وقد أتفق على أن القاضي إذا حكم بحكم أخطأ فيه النصَّ الجليَّ أن حكمه يردّ لأجل القطع على خطئه.
وإذا قدم المفقود حيّا، أو المشهود بموته قدم أيضًا حيّا، فإن الخطأ في
الحكم مقطوع به أيضًا.
ولعلّنا أن نتكلم على هذه المسائل كل مسألة في الكتاب الذي وضعت فيه في المدونه، ومما يلحق بهذا ما ذكره في المدونة في رجل بني لرجل يناء، فأتى رجل فأثْبت أن الباني مملوك له، فقال: يرجع المستحق بقيمهَ إلبناء على من له البناء، وصار العبد كغاصب وهب ما في لديه عن 1 ملك غيره لرجل فانتفع به الموهوب له وأفاته، فإنه قد قدمنا الاختلاف فيمن يبْدأُ المستحِق بالرجوع عليه، هل الواهب أو الموهوب، أو يخير بينهما؟
وهذا الخلاف في الرجوع على الغاصب والبداية ترتفع 2 ها هنا, لأن العبد الواهب لمنافعه إذا أتبعه سيده يقيمتها، وما في لديه من قيمتها مال لسيده، فكأنه لم يأخذ غرامة.
عن أحد، بخلاف الغاصب إذا وهب فإن المستحِق إذا بدأ به أخذ مال غيره.
وهذا واضح، ولكن حمل ابن المواز المسألة على أن السيد إذا وجد البناء قائما.
ولو وجده مهدوما لم يرجع على صاحب البناء بشيء، وقدّر أن العوض عن البناء إنما يستحقه السيد إذا كان البناء موجودا فسلمه لمن بُني له، فإذا كان معدوما فإئه لم يسلّم للباني ما يطالبه بعوضه.
وكأنه رأى أن التعليق 3 إذا ذهب فكأن الذي بني له لمن 4 يتسلم ما يكون عوضا للمنافع.
وقد قيل في الصاتع إذا فرغ من الصنعة فضاع الثوب المصنوع عنده ببينة، إنه لا أجر له، وإن كانت حركاته قد فاتت وكأنه أودعها في الثوب.
وسنبسط الكلام على هذه المسألهّ في كتاب تضمين الصناع.
ومما يلحق بهذا ما يحدثه المشتري يوجه شبهة: من اششرى دارا فهدمها
فإن المستحِق إذا أتى لا يطالبه بقيمة الهدم, لأنه غير متعدّ في الهدم، وإنما هدم ما ظنّه ملك نفسه لمصلحة، فلم يضمنه.
وكذلك الخلخال لو كسره لم يضمن كسره.
وأما لو كان ثوبا فقطعه فإن ابن المواز رأى انه يضمن قيمته القطع.
وكذلك لو كانت فضة فكسرها فإنه يضمن قيمة ما أفسده.
والفرق يينهما بأن الدار إذا هدمت يمكن أن يعاد البناء لهيئته، والثوب إذا قطع لا يمكن أن يعاد لهيئته.
وهذا الفرق لا يتضح، ولا مناسبة بينه وبين الأصل الذي يتفرع منه هذا وغيره.
وظاهر المدونة أنه لا يضمن الثوب أيضًا إذا قطعه.
والأصل الذي يناسب هذا الفرع وأمئاله أنا قدمنا مرارا أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ما لم يقارن الخطأَ اذنٌ خاصّ، فإنه اختلف فيه على قولين: هل يلزم به الضمانُ أم لا, وهذا الأصل يُجري لك الخلافَ في الدار إذا هدمت، والثوب إذا قطع.
ومما يلحق بهذا لو اشترى أمة بكرا فافتضها، ثم أتى من استحقها، فإنه لا يخرم ما نقصها الافتضاض عند مالك وابن القاسم، ويضمنه عند سحنون.
وهذا أيضًا يجري على هذا الأصل الذي ذكرناه ها هنا ولكن بع وإسناده إلى أصل آخر، وهو أنه قد تقرر 1 المشتري إذا انتفع.
بما اشتراه، مثل ان يكون ثوبا لبسه حتى أبلاه، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه قيمته، لكون أنه انتفع بمال غيره، وصان بذلك مال نفسه.
وإذا.
لم ينتفع به وأتلفه غلطا ففيه القولان المذكوران، فينظر في الوطء هل هو يجري مجرى اللباس للثياب، والطعام في الفوت، فيكون المشتري ضامنًا للافتضاض، أو يلحق بما لا منفعة فيه فيجري على الأصل الثاني 2 إتلاف المال خطأ بإذن.
والجواب عن السؤال العاشر 1 أن يقال:
أما من اغتلّ ما في يديه ثم استُحِق عليه، فلا يخلو من أن يكون اغتل بوجه شبهة، معتقدًا لإباحة اغتلاله، أو لإباحة انتفاعه بنفسه فيما في يديه، أو معتقدًا تحريم ذلك عليه.
فأما المغتل معتقدًا للإباحة بوجه شبهة فإنه إذا أتى 2 ما في يديه لم يغرّمه الغلة، وكانت الغلات له لأجل ضمانه.
وهم خمسة أنواع من جهة الأحكام، فتنزع ما في يد المغتل باختياره، أو باختياز المغتل، كمن اشترى عبدًا فاغتلّه ثم اطّلَع على عيب فاختار المشترى ردَّه على بائعة فإنه لا يردّ الغلات إذا رد العبدَ أو غيره مما اغتله ثم رده بالعيب.
أو مشتر اشترى عبدا فاغتله ثم أفلس، فلبائع العبد أن يسترد العبد إن شاء، وإذا استرده لم يطالب مشتريَه بغلته.
فهذا الرد باختيار البائع أو باختيار المبتاع، أو يكون الرد باختيار ثالث غير البائع والمشتري، وهو الشفيع، إذا استحق شِقْصًا بالشفعة واختار أخذه من يد مشتريه بالثمن الذي وَزَن فيه، فإنه لا يستحق أن يأخذ الغلة.
وكذلك من اشترى من غاصب لا يعلم أنه غاصب، ثم أتى سيد العبد المغصوب فاختار أخذ عبده، ونقض بسعه، فإنه لا مطالبة له، على المشتري، بغلة.
والقسم الخامس ما نقض فيه البيع من غير اختيار المتبايعين، ولا باختيار رجل ثالث غيرهما، كمن اشترى عبدًا شراء فاسدًا، فاغتله، ولم يحلْ وهو في يديه، ولا تغيرّ العبد في نفسه، فإن القاضي إذا نقض هذا البيع لم يأمر المشتريَ بردّ الغلة.
هذا حكم بوجه شبهة.
وأما من اغتل متعديا، فقد تقدم القول فيه كتاب الغصب، وذكرنا
أنه يرد الغلات، في إحدى الروايات، قولًا مطلقًا، ولا يردها في الآخر قولًا مطلقا.
واختلف إذا لم ينتفع الغاصب بما غصب، مثل أن يكون غصب دارًا فأغلقها، فإن في تضمينه كراءها قولين ذُكِرا في كتاب الغصب.
وكذلك إن لم يكن انتفع بها ولكنه سلط غيرَه على الانتفاع، كغاصب لعبد باعه ممن لم يعلم أنه غصب، فإن مشتريَه لا يردّ الغلة كما تقدم.
وأما تغريم الغاصب لما اغتله المشتري، ففيه قولان أيضًا، وهما مبنيان على ماذكرناه الآن من تضمينه ما مَتع انتفاعَ مالكه به وإن لم ينتفع هو بنفسه.
وأما الوارث, فإنه يحل محل ورثتة 1، فإن ورث ولد أبا، وأخذ من تركته عبدا غصبه, أو دارا اغتصبها، فاغتلها وهو لا يعلم ان أيا غصبهما، فإنه تؤخذ منه المغلات كما كانت تؤخذ من أبيه لما حل محلّه فيما ترك فملَكة بغير عوض حل محله فيما اغتل أيضًا مما ورث، فكما كان أبوه يردّ الغلات فكذلك يردها هو.
وأما وارث المشتري، فإنه يحل محل أبيه أبيه أيضًا: كونه لا يردّ الغلة كما لا يردها أبوه.
وأما الموهوب له لدار المغصوبة، أو العبد المغصوب وهو لا يعلم بكونهما مغصوبين، فإنه إن كان الواهب له مشتريا فإنه لا يرد الغلة أيضًا، ويحلّ في ذلك محل وارث المشتري.
وأما لو كاد الغاصب هو الواهب، والموهوب له لا يعلم بكونه غاصبا، فإن في تغريم الغاصب ما اغتلّه الموهوب له قولين: نفى عنه اشهب الغرامة فيما اغتله الموهوب له, وأثبتها عليه ابن القاسم.
وهذا الخلاف أيضًا مبني على تضمين الغاصب ما حَرمَ صاحبَه من الانتفاع ومنعه منه.
وأما الموهوب له له فهل يغرم الغلة ام لا؟ أما إن كان الغاصب الواهب موسرًا، فإن الموهوب له لا يغرم الغلة.
وأما إذا كان معسرًا فإن ابن القاسم أثبت عيه الغرامهّ، ونقاها اشهب.
فأين القاسم رأى أن الموهوب له هاهنا، كالوارث للغاصب، وقد قدمنا إن وارثَ الغاصبِ يرد الغلة لما اغتلِّ (1) ما لم يدفع فيه عوضا ولا دفعه ابوه الذي ورثه عنه، فكذلك الذي وهبه الغاصب فإفه اغتل ما لم يدفع فيه عوضا, ولا دفعه فيه من وهبه.
والأصل في جميع هذه المسائل قوله عليه السلام "الخراج بالضمان 2 " وكأن هذا الباب باب التسبب، فنيه على أن الخراج سبب ملكه الضمان، وهذا العموم ذُكر أنه خرج على سبب، وهو أن رجلين تخاصما عند النبيّ عليه السلام في خراج عبد رُدَّ يعيب فقال عليه السلام: "الخراج بالضمان" (2) مشيرا بذلك إلى أن المشتريَ لما كان ضامنا لما كان في لديه لو هلك، ولا يرجع بالثمن، قكذلك يجب أن تكون له المنفعة يالغلة، قإن التَّوى ضدّ النماء، فإذا كان النقصر والتلف على من في يديه العيد المردود بعيب، فكذلك يجب إليه أيضًا.
وقد اختلف الأصوليون في العموم إذا خرج على سبب هل يقضى على سببه، وتكون الألف والسلام.
للعهد، والمراد يها السبب التىِ أجيب عنه باللفظ العام، أو يكون اللفظ متعديا شاملًا للسبب وغيره, فإن قلنا: إنه مقصور على السبب لم يتعلق به في 3 المشتري إذا اغتل، فأتى من أستحق ما في يديه، ولا في1
الأربع مسائل التي ذكرناها.
وإن قلنا: إنه يجب حمله على العموم الذي اقتضاه الخطاب في اللغة حسُن التعلق به في جميع المسائل التي ذكرناها.
لكن يبقى ها هنا نظر آخر، وهو تحقيق الضمان الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بأن الغاصب يضمن عين ما اغتلّ إذا هلك، ويرد قيمته إن كان عبدًا أو دارًا.
وإن كان هلاكه بغير سبب منه يحسن التعلق فيه بقوله "الخراج بالضمان" والمشترىِ إذا هلك ما في يديه من غير سببه لم يضمنه للمستحِق، ولا يغرم له قيمته، وإنما يُتصور فيه الضمان من جهة أنه إذا هلك ما في يديه لم يرجع بالثمن على الغاصب الذي باعه منه، فصار الضمان يُتصور في الغاصب في الأعيان، ويتصور في المشتري من الأثمان، وقد ذكرنا أن الحديث خرج على سبب، وهو التحاكم في غلة ما رُدَّ بعيب، فقال عليه السلام: "الخراج بالضمان".
والمشتري إذا هلك ما في يديه قبل أن يطلع على العيب لم يرجع بالثمن على البائع، ولم يضمن غير ما في يديه.
فصار الضمان ها هنا كالمشار به إلى ما تُضمن عينه أو يضمن ثمنه.
وكان الشيخ أبو القاسم السيوري أفتى بأن الغلة يردها المشتري من الغاصب وإن لم يكن علم أنه غاصب، ويقول: قد اغتل المشتري مال غيره من غير إذن مالكه في التصرف فيه، ولا تسليطٍ للمشتري في ذلك، فيجب أن يردّ غلّة ما اشتراه، كما وجب باتفاق ان يردّ عين ما اشتراه.
وقد بيّنا على مأخذ الخلاف في هذا، ومنشأ النظر فيه.
وإذا وضح حكم اغتلال الغاصب وما فيه من الاختلاف في حكم اغتلال المشترى، فالذي يغتَلّ، هو وارث أو موهوب له، لا يردّ الغلة إذا لم يتحقق كون من ورثه غاصبا.
وهو محمول على انه اغتل بوجه شبهة لا على جهة التعدي.
ولو اغتل وهو غير متيقنٍ الإباحة.
ولا متيقن التعدي، وإنما هو على الظن، مثل أن يشتري دارًا من رجل زعم انها لرجل غائب وكّله على بيعها، فإن
سحنونا عوّل في ذلك على ما تدل عليه قرائن الأحوال أو تقييده 1 من الظنون بصدْق الوكيل، فقال: إن كان هذا الوكيل ينظر في الدار، ويقوم بأمر الغائب، فأتى الغائب فأنكر الوكالة فإن المشتري لا يردّ الغلة.
وإن كان لا سبب بينه وبين الغائب يدل المشتريَ على أنه صدق في الوكالة، فإنه يردّ الغلة.
ولو كان هذا الاغتلال لمن اشترى حرًّا يظنه عبدا فتبين أنه حر، فإن المذهب على قولين، في رد مشتريه ما اغتل منه، فالمشهور والمعروف من المذهب أنه لا يرد الغلة، وذهب المغيرة إلى أنه يرد الغلة.
وهو اختيار شيوخنا الحذاق، لأجل أن الأصل في ردّ المغتل الغلة أو بقائها في يديه قوله عليه السلام "الخراج بالضمان" والحرّ لا تُضمن عينه إذا بيع على أنه مملوك، ولا يضمن ثمنه لأنه لو مات في يد مشتريه لرجع بالثمن على من باعه منه لكونه اشترى مالًا يصح تملكه في الشريعة، ولا عقد البيع عليه، ولا يضمنه بائعه بقيمته أو بالثمن الذي أخذ فيه، فوجب رد الغلة لعدم تصور الضمان في عين هذا الحرّ في ثمنه.
ولو اشتراه وله مال لكان المال تبعًا للحرّ.
ولو جُرِح هذا الحر فأخذ منه أَرْشا، لكان هذا الأرش لهذا الحر.
وكذلك لو وُهب له مال فإنه إذا حكم بحريته بقي المال له.
ولو كانت جاريةً فوطئها وهي بكر أو ثيب، لم يكن عليه في الوطء، غرامة عند مالك وابن القاسم.
وذهب المغيرة القائل برد الغلة إلى انه يرد عوض الوطء كما يرد الغلة، وعوض الوطء عنده ها هنا صداق المثل.
واعلم انّا قدمنا في كتاب الغصب اختلاف فقهاء الأمصار فيمن وطئ حرّة غير ممكِّنة له من نفسها، بل أكرهها على وطئها، هل يلزمه لها صداق المثل أم لا يلزمه لها غرامة، بل يقتصر فيه على الحد المشروع في الزنا؟ وأشرنا إلى سبب الخلاف في هذا، وهوا لنظر في كون منافع الفرج هل هو من الحقوق المالية التي يلزم في استهلاكها الأعواض، أو ليس هو من الحقوق المالية بدليل
أن منا تزوّج امرأة، وبذلك لها صداقًا فإنه لا يحلّ له أن يُكري فرجَها من غيره.
وورد يشعر بأن منافع الفرج ليست بمال يقوَّم، أو يقال بأن الشرع لما منع استباحته إلا بمال، وما سواه مما هو بمال أياح تملكه يغير مال.
وهذا يشعر بأنه من الحقوق المالية، أو يقال جوابا عن هذا: إن التعبد يمنع من استباحة الفروج إلا بعوض، من يأب العبادات المشروعه لا من باب المعاوضات والمعاملات وقد تقدم بيان هذا في كتاب الغصب.
فإذا تقرر هذا أو قلنا: إنه ليس من الحقوق المالية ولكنه مما ينتفع به، ويصان به المال، جرى على القولين فيمن أخطأ على مال الغير هل يغرمه لصاحبه أم لا إذًا قارن هذا الخطأ إذن، كمن اشترى عبدا فقتله خطأ، فإن في إلزامه غرمه قيمته قولين، تقدم ذكرهما مرارا، هذا وجه التحقيق في منشأ الخلاف في إلزام واطىء الحرة على أنها أمة، وقد اشتراها، بصداق مثلها.
والجواب عن السؤال الحادى عشر أن يقال:
قد قررنا في كتاب الرهن النكته التي يعلم منها ما يضمن ومالا يضمن, ومنشأ الخلاف في فروع هذا الباب، وهو من قبض الشيء لمنفعة نفسه لا لمنفعة دافعه إليه فإنه يضمنه، ومن قبضه لمنفعة دافعه ولا منفعة لقابضه فيه فإنه لا يضمنه.
ومن اشترى عبدا من سوق المسلمين فإنه معلوم إنما قبضه لمنفعة نفسه فيجب عليه ضمانه، على مقتضى ما أصلناه، فإن أقياستحق استحقه، وطلب أخذ عينه، فدافعه مشتريه عن ذلك، فإن قال له: ضاع لي, فإن المعروف من المذهب أن هذا يجري مجرى الرهبان والعواري، فيصدَّق المشتري ها هنا في دعواه ضياع مالًا يغاب عليه، كالعبد والدابه، (أو مرتهنا) 1 ما لم يتبين كذيه بأن يدعىِ الموت بمكان به جماعة لا يخفي عنهم موته، (ويصير كأنه لا يغاب عليه، دلالة على صدق المشتري في دعواه التلف والموت، كما لو أقام البينة
على ضياعه، على حسب ما بسطنا القول فيه، وفي قيام البينة في كتاب الرهن) 1.
ولو كان ادعى الضياع فيما يغاب عليه, كالثوب والطعام، فإن المشهور من المذهب أنه لا يصدَّق، كما لا يصدق في الضياع إذا ادعى ذلك في الرهن والعواري.
وذهب أصبغ إلى أنه يصدق المشتري في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه.
وإذا قلنا: إنه لا يصدق، فهل يستحلف على الضياع، وإن كان لا يد من غرامته القيمة, أم لا؟ المعروف من المذهب أنه يستحلف على ذلك.
ويتخرج على قول آخر أنه لا يحلف على ذلك.
قال مالك في مثل هذا: لو أحلفته على الضياع ما ضمَّنتُه وكأن هذا القول المخرج وجهُه أن اليمين مقتضاها في الشريعة تصديق الحالف.
وإذا حلف المشتري ها هنا على الضياع وجب تصديقه، وهو إذا صدِّق لم يضمنْ، كما إذا صدقته البينة في دعواه الضياع، فإنه لا يضمن.
وإذا كان أمران متلازمان فإثبات أحدهما إثبات للآخر، واليمين يقتضي التصديق، والتصديق يقتضي ففي الضمان.
فهذا وجه القول المخرج.
وأما وجه القول المشهور فإن ها هنا حقّين: طلب المستحق للعين وطلبه بقيمتها إن تلفت.
قإن حلف على الضياع لم تتضمن يممِنه إلا المقصود بها، وهو أنه ما أخفى العين.
وأما الغرامة والتضمين فإنه ليمس المقصودَ باليمين، فيبقى على أصله.
وبالجملة فإن هذا ينبني على الخلاف في أيمان التّهم، تتعلق وتثبت ثبوتا مطلقا، على حسب ما قدمناه عن بعض الأشياخ في إطلاق هذا إطلاقًا عامًا 2 ولمسائل هذا النوع ومخالفة غيره له في هذا.
وإذا صدقنا المشتري في الضياع، فإنه لا يرجع بالثمن على البائع منه، لأن الضياع ها هنا كالهلاك، وقد قدمنا أن العبد إذا مات في يديه لا يضمنه, وإن ثبت استحقاقه لمدعيه, وإنما يأخذه مدّعيه بعوضه على البائع، فيغرِّمه الثمن أو القيمة.
ولو باعه المشتري لكان للمستحق إجازة بيعه، وأخذ الثمن، ويصدق المشتري في مبلغ الثمن إن ادعى ما يشبه.
وإن ادعى مالًا يشبه من جهة الأسعار لم يصدق، وإن ادعاه من جهة عيب حدث عنده يالمبيع فإنه: إن كان المبيع حيوانا صدِّق في ذهاب جزء منه، كما يصدق في ذهاب جملته، ومن صدّق في ذهاب الكل صدق في ذهاب الجزء.
وإن كان عرضا جرى الخلاف في تصديقه على القولين المتقدمين: فالمشهور أنه لا يصدق في الجزء كما لم يصدق في الكل، وعلى مذهب أصبغ يصدق في ذهاب الجزء كما صدق في ذهاب الكل.
وكذلك يجري الخلاف في تصديقه في التاريخ الذي وقع فيه البيع، إذا اختلفت الأسعار باختلاف التواريخ، فإن بهان سعره يوم يضمنه وهو يوم القيام عليه بالاستحقاق أرفعَ من سعره في التاريخ الذي زَعَم أنه ضاع فيه فإنه لا يصدق فيما يزعمه من نقص القيمة الواجبة عليه، على القول المشهور، ويصدق على مذهب أصبغ.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
إذا كان بيد رجل دار، فأتى رجل فادعى انها له، فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يصدِّقه في دعواه مَن الدار في يديه.
والثاني: 1 ينكر ذلك عليه.
فأما إن صدقه في دعواه فالحكم تسليمها للمدعي.
فإن تراضيا بأن يدفع من في يديه الدار بالعبد 2 ويسلم الدارَ مدعيها إِلىَ من هي بيده، فأصل المذهب ومقتضاه أن هذا يجري مجرى البياعات.
في حكم الاستحقاقات، فيرجع كل واحد منهما، إذا استحق ما في يديه، في العِوَض الذي عاوض به، فإن استُحِق
العبد رجع المستحَقُّ من يده العبدُ في عين الدار من غير خلاف، كما لو باع عبدا بدار، فاستِحق العبدُ، فإنه يرجع في عين الدار.
وأما إن استحقت الدار فالمعروف من المذهب أن من أُخِذت الدار من يديه أنه يرجع فيأخُذُ العبدَ الذي دفعه عوضا عنها.
وقيل: لا يرجع في العبد، ولا مقال له في هذا الاستحقاق، لأنه لما صدَّق المدعيَ وأقرَّ بأن الدار ملكٌ له تضمّن اقرارُه هذا تكذيبَ بينة المستحق للدار الطاري عليها، وإذا كُذبت بينةُ المستحِقِ فقد صار معترفا بأن الدار أُخِذت من يده بغير حق بل بحكم الغصب، ومن اشترى دارًا فَغصبت منه بعد أن قبضها، فإنه لا مرجع له على بائعها بإجماع، فكذلك هذا.
من هذا الأسلوب في هذا المعنى الاختلاف المشهور فيمن أودع وديعة عند رجل، فأتى رجل ممن 1 عنده الوديعة فقال: فلان أرسلني إليك لنقبض منك الوديعة التي أوْدعك فدفعها إليه، فأتى المودِع فكذَّب الرسول، وقال: لم أبعثه إليك، واستغرمَ الوديعةَ دافعَها في تعدّيه في الدفع لما أودعه، فأراد المودَع لمَّا أُغرِم الوديعةَ ليرجع بها على قايضها، فقيل: يمكّن من ذلك، وكأن من ذهب إلى هذا رأى أن مجرد الدفع لا يقتضي تصديق الرسول تصديقا مطلقا، وإنما صدّقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدّق الرسولَ، فإذا كذّب الرسولَ فإنه له أن يرجع على الرسول بِفِقْدَ انِ الشرطِ الذي دفع الوديعة عليه.
وقيل: لا مرجع له على الرسول, لأنه كالمصدق له في الظاهر والباطن، ومعتقدا أن صاحب الوديعة ظلمه في غرامتها، فلا يظلم هو غيره.
واعلم أنه لو وقع للتصريح 2 حين الدّفع بأحد هذين الوجهين، إما كون دافع الوديعة يقول: أدفعها إليك بشرط أن يأتي صاحبها فيصدقك، فإن أتى فكذبك أعدتَها إليّ، فهذا لا يُختلف أن الدافع إذا غرمها رجع بها على الرسول.
أو يقول: أصدقك في الظاهر والباطن، فإبئ أتى صاحبُها فغرمنيها فإنه ظلمني وظلمك، فلا رجوع لي عليك.
فهذان الوجهان لا يحسن الخلاف فيهما.
وإنما
يحسن الخلاف في الدفج مطلقا، هل يُحمل على هذا الوجه أو على الوجه الآخر؟ وقد قال الطحاوي: مذهب أهل المدينة وابن أبي ليلي أن الصلح على الإقرار لا يرجع المقِرّ مدعَّى عليه بما دُفِع إليه إذا وقع الاستحقاق فيما أقرّ به المدعَى عليه، هذا حكم الاستحقاق (الاعواض في الدعاوي) 1 إذا وقع الإقرار بصحتها.
وأما إذا وقع الاستحقاق، والمدعى عليه متماد على الإنكار، وعاوض عن المدّعَى فيه، وهو منكر للدعوى مكذب لها، فإنه إذًا استُحِق ما في يد المدَعى عليه، هل ترجع فيما دفع أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال، مثاله أن يدعي رجل دارا في يد رجل، فينكَر المدَعى عليه ما أدعاه المدِعي، ثم يتراضيان على أن يدفع إليه عبْ"، ويتركَ خِصَامه في الدار، فيستحق الدار فإن ابن القاسم ذُكِر عنه أنه يرجع في العبد الذي دفع إن كان قائما، أو قيمته إن فات.
ومذهب سحنون أنه لا يرجع في العبد قائما أو كان فائتا.
والقول الثالث ذكره في المجموعة، وفصل فيه القول بين كون الاستحقاق وقع بقربٍ من هذه المعاوضة ودفْعِ العبدِ، ويين أن يقع الاستحقاق إذا طال الزمان، فرأى أنه يرجع في القْرب، كما حكيناه عن ابن القاسم، وبعد طول الزمان لا يرجج، كما حكيناه عن سحنون.
واعتل الذاهب إلى هذا بما يقع بالمدعي من الضرر الذي بسبب من استحقت الدار من يده، بأن يقال: كنتُ أتمادى على خصامك بأخذ الدار من يديك ببّينة تشهد لي بما يوجب ذلك، فلما دفعتَ إلىّ العبد أهملتُ السعيَ في بينتي وتحصيل شهادتهم، وسبب ذلك دفعُكَ العبدّ إليّ، فليس لك مرجع عليَّ مع كونك سببا في تعطيل شهادة بينتي.
واعلم أن منشأ الخلاف في هذا، أن من الأقوال ما تكون له نتائج وتلزم عنه لوازم لا ينفك منها.
فمن نظر في هذا وجد المدعَى عليه يقول المدَّعي: مالك في الدار شيء، ولكن أَدْفعُ إليكَ هذا العبد تنزُّها منّي عن الخصام.
ولا يصح أن يتصور هذا مقتضى قوله: مالَك في الدار شيء، أن يكون العبد
معاوضة عن الدار, لأن قوله: مالك فيها شيء، يلزم عليه ويتضمَّن إستحالةَ المعاوضة عنها، فيتضح على هذا البناء ما قاله سحنون إذًا صرف المعاوضة إلى إسقاط الخصام إلى معاوضة ملكٍ يُمْلَكُ وإذا كان ومعاوضة عن الخصام فقد أسقطه المدعي، وهو متماد على إسقاطه، فصحت المعاوضة، فلا تنتقض بعد هذا.
وإن التُفِت في هذا إلى قول المدعي: إن الدار ملكي، فاللازم على هذا القول ومتضمَّنُه أن المعاوضة بالعبد وقعت عن نفس الدار، وهي نقلُ ملكٍ عوضا عن ملكٍ، وإذا كان ذلك كذلك وَضُح ها هنا ما قاله ابن القاسم من رجوع من أُخِذت الدار من يديه في للعبد الذي دفع، وصار ها هنا حُكْمان يتدافعان على محلّ واحد فأيهما يثبت وينفى 1 الآخر.
هذا سبب هذا الخلاف.
وأما الذي في المجموعة فالتفت فيه إلى علة أخرى وهي ما ذكرناه عنه، وهي تعطيل بيّتة المدعي، ويكاد للحق هذا البناء ما علم في المذهب في رجل قال لآخر: لك عليّ دين، فقال المقر 2: ليس لي علمك دين.
فإذا نظرت إلى مقتضى كل واحد منهما وجدَته كهذه المسألة التي ذكرناها.
وقال أبو بكر ابن اللباد وأبو سعيد ابن أخي هشام: المعروف من مذهب أصحابنا أن الدار إذا استحقت رجع دافع العبد في عبده، وأما إن وقع الاستحقاق 3 ففيه قولان:
ذهب ابن القاسم أنه يعود إلى الخصام في الدار، كما ثبتت الدار للمدعي فباعها بعبد فاستحِق العبد، فإنه يرجع في عين الدار إذا كانت ثبتت له قبل الصّلح.
وذهب سحنون إلى أنه لا يرجع في محين الدار، ولا إلى الخصام فيها, ولكن يرجع بقيمة العبد، لكون رجوعه في محين الدار غيرَ ممكن, لأنه لم تثبت له،
ورجوعه إلى الخصام إيقاع له في الغرر، والغرر مما يجتنب في الشرع، فلم يبق إلاّ رجوعه بقيمة العبد، كمن صالح عن دم عمدٍ أَوْ خلعٍ، وما في معنى ذلك.
وأيضًا فإن الغالب في الصلح على الإنكار أن المدعي لا يأخذ قيمة ما ادعى فيه، وإنما يؤاخِذ 1 في ون ذلك اغتناما منه لئلا تصح له الدعوى فيقتصر على قيمة ما أَخَذ.
ولو ادعى في شقصِ من دار فصالح المدعي عن دعواه بنصيب من دار، فهل يقضَى في هذه المعاوضة بالشفّعة أم لا؟ عند ابن القاسم أنه يقضى فيها بالشفعة، بناء على ما قدمناه بأن المعاوضة، وإن كانت وقعت في إنكار الدعوى، فإنها تجري مجرى البياعات.
وقال أصبغ لا شفعة في هذا، وكأنه رأى أنها دفع للخصام، والخصام ليس بمال، وما ليس بمال لا يقوّم، والشفعة إنما تكون في الحقوق المالية، لا سيما إذا قلنا: إن الهبة لشقص بغير عوض لا شفعة فيه، على أحد القولين، فكذلك فذا يكون أخذ الشقص الذي وقع به الصلح كالهبة.
وعلى قول سحنون تكون الشفعة بقيمة الشقص المأخوذ لا يقيمة الشقص المدعى فيه، وكأنّ الشقص المصالح به لما أُخِذ بالشفعة صار كاستحقاق، واستحقاق العبد وقع عن مدافعة من خصام في مال فأجرِي حكمه في الشفعة مجرى المال.
ولو وقع الاستحقاق في نصف هذا العبد لكان قابض العبد بالخيار بين أن يرضى بعيب الشركة في العبد، ويمضي الصلحَ في نصف الدار، ويخاصم في النصف الآخر، أو يقبل نصف العبد عوضا عن دعواه في جميع الدار.
فإن قبل نصف العبد عوضا عن جميع الدار فلا مقال لمن في يده الدار، وإن لم يقبل ذلك إلاّ عوضا عن نصف الدار، وطلب الخصامَ في النصف الآخر، فإنه ينقلب الخيار إلى من في يديه الدارّ, لأنه يقول: دفعتُ العبد على ان لا تخاصمَني، فإذا خاصمتني في نصف الدار، وخصامك في نصف الدار كخصامك في جميعها، فلا امكّنُك من ذلك.
هذا البخاري على طريقة ابن القاسم.
وأما على طريقة سحنون الذي يوجب الرجوع بجميع قيمة العبد إذا وقع
الاستحقاق في جميعه، فإنه له ردَّ جميع العبد وأُخِذ بقيمة جميعه لعيب الشركه فيه.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
قد علم أن الغالب في المعاوضات كون الاثمان أحدَ النقدين، إما دنانير أو دراهم.
وواضح أن من اشترى عبدًا بدنانير فاستُحق المثمونُ، وهو العبدُ، أن البيع ينفسخ، ويرجع مشتري العبد بالدنانير أو بالدراهم التي دفعها ثمنا عن العبد.
وإن استحقت الأثمان، وهي الدنانير أو الدراهم، ينفسخ البيع، ووجب على المشتري غرم الثمن ثانيا, لأنه إنما وقع 1 على البيعِ على أن الثمن في ذمة المشتري، فإذا عيّنه بالدفع وأُخذ كان على المشتري خَلفُه.
ولكن إذا لم يدفع المشتري الثمن حتى رضي، هو والبائع، بأن يأخذ عن الثمن، الذي هو الدنانير أو الدراهم، عوضا، مثل أن يبيع عبدا بمائة دينار فيتراضيان على أن يأخذ عنها ألفَ دِرهم، فإن الاستحقاق ها هنا في الطرف الأول والآخر، ولا يتصور في الواسطة, لأن العبد المبيع يمكن أن يأتي فن يستحقه فيأخذه، فيبطل البعير فيه، ويمكن أيضًا أن يأتي من يأخذ الدراهم التي أخِذت صرفا عن المائة دينار ويستحقها بعينها، وأما الدنانير التي في الذمة ولم تخرج من الذمة فلا يمكن أن يقع فيها استحقاق.
فإن وقع الاستحقاق في العبد المبيع بمائة دينار ثم أَخَذَ عن المائة دينار ألف درهم، فإن البيع في العبد انفسخ بالاستحقاق، (ولو كان ثمن العبد مائة دينار) 2. فإذا بطل المثمون، وهو العبد، بطل الثمن الذي هو المائة دينار، فلو كان المشتري دفعها لرجع بها ولكنه لما لم يكن دفعها كان الأصل ان يرجع بها على البائع وتبقى الدراهم للبائع.
لكن نقلنا 3 عن هذا الأصل للاحتياط للربا لأن البيع في العبد كان بمائة دينار ثم دفع عن المائة دينار ألف درهم، فلو أوجبنا رجوع مشتري العبد بمائة دينار يوم الاستحقاق، وقد كان
تقدم عقد الصرف ودفع الدراهم منذُ أيام، لحصل من أمرهما أنه دفع بالأمس دراهم وأخذ اليوم عنها ذهبًا، وهذه صورة الصرف المستأخَر، فوجب أن ينتقل عن الأصل، ويرجع مشتري العبد بما نَقده.
ولو وقع البيع للعبد بمائة دينار، فتراضيا على أنا أَخَذ بدلا عن المائة دينار جاريةً، فاْستُحِق العبدُ، فباستحقاقه انفسخ البيع فيه، 1 بطل الثمن وهو المائة دينار، وبطلان الثمن كاستحقاقه، وهو ثمن الجارية، وقد قررنا أن استحقاق المثمون لا يُبطلِ العقدَ، بل يجب خَلَفُه، فعلى آخذ الجارية عوضا عن المائة دينار أن يخرم ثمنها لمّا وقع الاستحقاق، والبطلان في ثمنها بإبطال المثمون، إلاَّ أن يُعلم أن بائع العبد، الذي أخذ الجارية، أخذها بثمن بخْسٍ طلبًا للتخلُّص ممن اشترى منه العبد، وترفّها عن اقتضائه، ومخافة عن مخاصمة غرمائه، فيكون الحكم ها هنا، إذا تيين ذلك، وإنه هو العقد، أنا يرجع بائع الجارية فيها بعينها، أو بقيمتها إن فاتت لأنه إنما اخذها بثمن بخس، على أن وهَبَ بعض الدنانير التي له على بائعها.
فإذا بطلت الهبة لكون الثمن بطل باستحقاق العبد بطل العقد في الجارية لبطلان بعض الثمن الموهوب، وهو معيّن لا يلزم خلَفه كما يلتزم 2 خلف الأثمان إذا استحقت.
هذا حكم الاستحقاق في الطرف الأوّل وهو العبد.
وأما الاستحقاق في الطرف الآخر، وهو دراهم أخِذت عن دنانير، أو جارية أخذت عن دنانير، فإن الدراهم إذا استُحِقت بطل الصرف فيها، وإذا بطل الصرف فيها بقيت الدنانير في ذمة مشتري العبد، فعليه أن يغرمها لبائع العبد منه.
وأما إن كان الطرف الآخر جارية فاستُحِقت، فإن البيع يبطل فيها، ويرجع مشتريها، وهو بائع العبد، بمائة دينار التىِ عقَد بها بيع عبده.
ولا يبالي ها هنا يكون الجارية أُخذت بثمن بخس, أو بقيمتها لأن البائغ اشتراها من المشتري
لعبده بالمائة دينار، التي لك 1 على مشتري عبده، ومن اشترى جارية بمائة دينار، وهي تساوي خمسين دينارا, فاستُحِقت من يده، فإنه يرجع بجميع ثمنها، وهي المائة دينا، ويبطل مالحقه من الغبْن فيها, لأنه غُبِنّ لأجل ما اشتراه، فإذا بطل ما اشتراه بطل عنه ما غُبِن فيه.
هذا ييان القول في هذا، واختصار العبارة عنه أن يقال: إذا وقع البيع بأحد النقدين، وأخِذ عنه النقد الآخر من النقد، واستحق العوض المبيع، فإن الرجوع بما نقد، وإن أُخِذ عنه خوض فالرجوع بما عقد، والغبْن عن العيْن بما نقَد، والغرض 2 عن العين بما عَقَد.
ولو أراد المستحق للعقد أن يجيز البيع فيه على أن يكون له الثمن الذي وقع به العقد، وهو الدنانير، لكان من حقه ذلك.
ولو أراد أن يجيز على أن يكون له العَرْض الذي أخذ عوضا عن الدنانير، التي هي ثمن العبد، لم يمكْن له ذلك لأنه إذا أراد أن يأخذ الدّنانير مُكِّن من ذلك لأنها عينُ ثمن عبده (الذي نقدا عليه) 3 في بيعه, وإذا أراد أن يأخذ الجارية المدفوعة عن الثمن لم يُمكَّن من ذلك, لأن من تعدّى على دنانير لرجل، فاشترى بها سلعة، فإنما على المتعدي الدنانيرُ التي اشترى بها, وليس عليه دفع ما اشتراه بها, لما قدمنا من أن الاثمان في الاستحقاق يجب خَلَفها، والمثمونات في الاستحقاق لا يجب خلافها.
وله إذا أجاز البيع أن يأخذ الدنانير من المشتري, لأنه لم يدفعها إلى من باع منه، وإنما دفع إليه عوضها، فهي باقية في ذمته، فللمستحق أخذها.
وإن كان قد دفعها فإنه يطِالب بالثمن قابضَه الذي تعدّى على العبد فباعه.
وأما المشتري فلا مطالبة له عليه, لأنه دفع الثمن إلى من يعتقد أنه يستحقه، وفي
كتاب ابن سحنون أن له مطالبة المشتري بالثمن وإن كان قد دفعه.
واراد بعض الاشياخ الحذاق أن يجري هذا على الخلاف في أصل اشتهر الخلاف فيه، وهو متلف مال غيره بوجه شبهة لا إذن له في التصرف فيه، كمشتري عبد قتله خطأً، وهذا البناء الذي بناه صحيح إذا قلنا: إن صاحب العبد إذا أجاز البيع فكأنّ البيعَ لم يزَلْ جائزا، أو العقدةُ ماضيةُ، ويصير يائع العبد كالوكيل لمالكه على البيع، ومنُ وكِّل على البيع فله قبض الثمن.
وأما إذا قلنا: إنه إذا جاز البيع إنما ينعقد اليوم لا فيما قبلُ، والمشتري قد دفعه فيما قبلُ فهذا ينظر فيه.
هذا حكم بيع العرْض بالأثمان التي هي النقود.
وأما بيع عَرْض بعرض، ودفع عنه أحد النقدين، مثل أن يشتري عبدا بجارية، ثم يدفع عن الجارية مائة دينار، فاستُحق العبدُ، فإن استحقاقه يُبطل البيعَ في الجارية، ويوجب ردّ الجارية على بائعها، وبائعها هي باقية في يديه لأنه باعها أوَّلًا، ثم لم يدفعها حتى اشتراها بالدنانير التي دفَع، فبقيت في يديه، وإذا بقيت في يديه ردّ الدنانير قابضُها.
واما لو استُحِقت الجارية لرجع في عبده، إن كان قائما، أو قيمته إن فاتت 1، ويرد الدنانير التي قبض.
والدنانير تردّ في الوجهين جميعًا، ويبطل العقد الأول والثاني.
ولكن إذا بطل العقد الأول، باستحقاق العبد، وجب رد الجارية، فإنها في يد من يجب عليه رد العبد، والعبد ليس في يد بائعه، فوجَب رجوعه في عينه أو قيمته إن فات.
ومما يلحق بهذا لو اشترى عبدا بمائة دينار فاطلع على عيب، فأراد ردّه على بائعه، فصالحه بائعه على أن يترك خصامَه فيه، ويعطيه عبدا آخر، فإن مذهب ابن القاسم في هذا أن العبدين، الأولَ والثاني، يقدر كأنهما اشتُريا في صفقة واحدة وكأن العقد في العبد الأوّل إنما وقع الآن حين أضيف إليه العبد الذي أخذه المشتري صلحا، فينظر في استحقاق أحد العبدين، الأول والثاني.
فإن كان المستحَقُّ (وجد الصفقة) 1 رد الباقي في يديه، وإن كان المستحَق منها هو أقلَّ الصفقة لزم الباقي بحصته من المائة دينار التي هي ثمن العبد الأول،
وصارت في الآخر ثمنا للعبدين جميعًا.
وقرر ابن القاسم ها هنا أنه لما ملك ردّ العيْن بالعيب فكأنه ردّه ثم اشتراه، هو والعبد الآخر، بالمائة دينار التي وجب على بائع العبد الأول أن يردها إليه.
ومذهب أشهب أن العبد الثاني إنما أخذ عوضا عن ترك المخاصمة والمحاكمة في العيب، فإن وجَد فيه عيبا ردّه، وبقي على حقه في الخصام في العبد الأول، وإن وجد عيبا في العبد الأوّل غير الذي صالح عليه كان له ردّه بالعيب الذي اطّلع عليه بعد الصلح.
وقد مرّ أشهبُ على أصله في كون الصلح عن هذا ثمنا لرفع الخصام، فإن جاز أن يصالح عن العبد بدراهم، وإن كان ثمنه دنانير، ولم يلتفت إلى وقوعها في الربا لما قدّر أن هذا اشترى لرفع الخصام، ورفع الخصام ليس بمال ولا مما يتقوم، وكان طَرْد هذا يوجب جواز الصلح عن هذا بعبد أو بثمرة لم يبدُ صلاحها ولكن الشيخ أبا القاسم السيوري منع من هذا.
وما أراه منع من هذا إلا أن الخصام مما فيه خطر وغرر، وإذا أخذ عوضا عنه العبد الآبق فهو عاوض عن غرر بغرر، فاشتد حكم الغرر لأنه طارئ في الطرفين جميعًا بخلاف إذا تُصوّر التحريم والمنع من جهة واحدة.
ولأجل هذا التعليل خرجنا فيه خرج أهل المذهب المشهور عنهم في أحكام الاستحقاق إلى أن الاستحقاق إذا وقع كان الرجوع في عين العوض عن الشيء المستحق، (وإن فات وجب الرجوع في عينه إذا كان لم يفت رجع في قيمته) 2. فقالوا، فيمن صالح عن دم عمد بعبد فاستُحق العبد: إن الرجوع لا يكون في الدم فيستباح، ولا في الدية، وإنما يكون في قيمة العبْدِ إذا استحق
وكان الأصل في هذا أن يرجع إلى إراقة الدم لأنها عوض العبد المستحق ولكم لحرمة الدماء وجب ألا تراق بعبد 1 العفو عنها ويرجع في الاستحقاق إلى قيمة العوض.
وكذلك قالوا، في الخلع بعبد بذلت المرأة لزوجها على أن فارقها، فاستحق العبد، فإنها لا ترجع إلى العصمة.
وكان مقتضى الأصل الذي ذكرناه أن ترجع إلى العصمة، ولكن إذا حرّمت الفروج فلا يصح بعد التحريم استباحتها إلا بعقد.
وكذلك لو تزوج رجل امرأة بعبد، فاستحق بكونه مغصوبا، أو بإثبات كونه حرّا، فإن المرأة ترجع بقيمة العبد الذي أستحق من يدها، وكان مقتضى الأصل أيضًا أن ترجع في منافع فرجها أو تمنع الزوج منها, لكن الصداق يجب بالوطأة الأولى، فكان ما بعدها من الوطء ليس بعوض عن الصداق فترجع فيه،
وأيضًا فإن حل العصمة لا يكون إلا بطلاق، والزوج ها هنا لم يطلق: لكن المعْيرة رأى أن إستحقاق العبد، الذي هو الصداق، يوجب رجوع المرأة على الزوج بصداق المثل، وهو عوض ما دقعت من منافع بُضعهلا، لما لم يكن الرجوع في نفس ما دفعت وهو منافع البضع, لما قلناه.
وكذلك المكاتَب إذا قاطع سيده على عبد معين، أو سلعة معينة، وأعتق المكاتب لأجل ما أدأه من عوض الكتابة، كما يكون حرًا إذا أدّى سائر نجومها بعينها، فإن استحق العبد الذي جُعِل عوضا عن الكتابة، فإنه إن علم أنّه متعد فيه، لكونه لا يملكه، فإن العبد يعود إلى كتابته، وكأنه أراد استعجال العتق قبل وقته، فعوقب بحرمانه، ولأجل كونه عن 2 سيده الذي باع كتابته منه بعبد له فيه غرض، فإذا أخذ العبد وبطل غرض سيده الذي أخذه، رجج فيما كان العبد عوضا عنه وهو الكتابة.
وأما إن كان دفع إليه عبدا يعتقد أنه ملكه، واستُحِق، والعبد لم يعلم حين دفعه لسيده أن العبد الذي دفعه عوضا عن كتابته مستحَقٌ،
فإنه يرجع السيد عليه بقيمة العبد المستحَق حق يديه، ويتبعه بهذه القيمة إن كان فقيرا, ولم يمكن من الرجوع أي ابقائه عن 1 الكتابة لأن الكتابة غرر لا يدري السيد ما يحصل قيها وهل يعجز العبد المكاتب عن أدائها فيرق، أوْ لا يعجز فيعتق، والوجوع إلى الغرر ممنوع، كما قدمناه في الصلحع عن دار ادعاها مدع، ومن هي في يديه ينكر.
وهذه المسائل الخمس يخرجوا 2 بها عن الأصل المشهور لأجل ما عللناه، وهي الصلح عن دم العمد، وأخذ عوض عن الخلع، وعن النكاح، أو عن دعوى ينكرها المدعَى عليه، أو عن كتابة المكاتب.
ولا يظن أن المغيرة رجع إلى الأصل المشهور فيمن تزوجت بعبد فثبت أنه حر, لأنه قد قال كما قالته الجماعة في القول المشهور: تزوجت بعيد فاستحِق بكونه مغصوبا، لرجعت بقيمة العبد لأجل أنه مما يصح تملّكه، ولو أجاز سيده المستحِق له فعلَ غاصبه، ونكاحَه به، لمضى ذلك.
بخلاف الحر الذي يستحيل أن يُتملكَّ شرعًا، فصار ذلك في الحر كمن تزوجت على ألاَّ صداق لّها، واشتراط عدم الصداق يوجب صداق المثل، فلم يخرج عن المذهب المشهور إلا في هذه المسألة لكونها يتصور فيها معنى آخرُ يوجب للزوجة الرجوع بقيمة ما دفعتْ، وهو صداق المثل.
ولأجل هذا التعليل فرق سحنون بين فساد النكاح وصحته فيمن تزوجتْ بعبد فاستحِق بحرية، أو برق، فقال: إن استحِق بحريهّ فُسخ النكاح قبل الدخول، وان استحق برق لم يفسخ النكاح، ورجعت الزوجة بقيمة العبد.
وهذمه التفرقة لأجل ما ذكرناه من كون العقد على الحر يستحيل في الشرع, فصار الفرج مبذولا بغيو عوَض, بخلاف أن يستحق العبد برق، فإنه وقع العقد بما يصح تملكّه.
وإن كان ابن القاسم ساوى, ها هنا، بين استحقاق
هذا العبد الذي جُعِل صداقا، بين كونه يستحق بحرية أو برق، فقال: يفسخ النكاح قبل الدخول.
وقال ابن كنانة وابن الماجشون: لا يفسخ في الوجهين جمعيا ويقضى فيه بقيمة العبد المستحَق يحرية أو برق.
وهذا الذي ذكرناه من الاختلاف في فساد هذا النكاح مبني على علم أحد المتبايعين بالفساد هل يفسخ العقد أم لا؟ فعلم الزوج يكون العبد الذي جعله صداقا لا يحل العقدُ به يغلّب عليه بالفساد على جهل المرأة بذلك فيفسخ النكاح، ولو علمت المرأة بهذا وجهل الزوج لكان ما ذكرناه من الخلاف باقيا على حاله، ولو جهلاه جميعًا لصحّ النكاح.
وقد يلحق هذا مع جهليهما جميعًا بمسألة من تزوج بقلال خل، فإذا بها خمر، وجهل ذلك الزوج والزوجة، وظناه خلاّ.
وهذا مبسوط في كتاب النكاح.
وإذا أردت خروج هذه المسائل عن الأصل المشهور لأجل ما اعتذرنا به عن أهل المذهب، ولكونها ليست من الحقوق المحقق كونها مالًا، كبيع عبد بجارية ولا من الحقوق التي لا عوض لها كهبة عبد يستحق من الموهوب له، فإنه لا رجوع لما كان في يديه العبد فأخذه منه على من وهبه إياه، وإذا وقعت المعاوضة بالحقوق المالية المحْضة وجب الرجوع عند الاستحقاق، كمن اشترى عبدا بجارية، ولكن المعروف من المذهب ما قدمناه ميت أن الرجوع في الاستحقاق بما دفعه من استُحِق الشيء من يديه لا بقيمة ما أخِذ من يديه، فإن كان مادفعه قائما أخذه بعينه، وإن فات وهو مكيل أو موزون أخذ مثله.
هذا إذا فات بالتلف والهلاك.
وأما بحوالة الأسواق فإنه لا يفوت بها ويرجع من استُحِق الشيء من يديه في عين ما دفع ولو كان الذي دفع عرْضا لفات بحوالة الأسواق ورجع في قيمته.
وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب البيوع الفاسدة، وأشرنا إلى التفرقة بين حوالة السوق في العروض في المكيل والموزون.
وقد كان شيخنا أبو محمَّد
عيد الحميد، رحمه الله، يشير إلى أن المذهب على قولين في هذا، هل يجب الرجوع بقيمة ما دفع أو بقيمة ما قبض واستحق من يديه؟ ويرى أن الخلاف في هذا مبني على معرفة المقصود، هل القصد في بيع عرض في عرض القِيمَ والأثمان أو الأعيان؟ فإن كان القصد الأثمان كان الأوْلى الرجوعَ بقيمة ما قُبض واستحِق من يديه، وإن كان المقصود الأعيانَ كان الأوْلى أن يرجع بقيمة ما دفع.
وقد وقع في المدونة مسألتان ظاهرهما يقتضي أنهما مبنيتان على القول الشاذ: أن الرجوع يكون مما 1 قبض لا بما دفع.
إحداهما: ما ذكره فيمن أسلم ثوبين في فرس يقبضه إلى أجل معلوم، فأتى من استحَق أحد الثوبين، فقال: إن كان الثوب المستحَق هو الأدْنى رجع بقيمته.
فأطلق القولَ ها هنا بأن الرجوع في الاستحقاق بقيمة ما قبض، وهو الثوب الأدنى، لا بقيمة ما دفع.
وهذا هو المذهب الذي ذكرناه.
وعند ابن المواز انه يرجع بقيمة الثوب الأدنى فيما يقابله من الفرس، فإن كان الثوب الأدْنى هو الرُبُعَ من الثوبين جميعًا سقط العقد في ربع القوس، ويرجع من استحِق الثوب الأدْنى من يده في ربع الفرس، ويأخذ فرسا كاملا.
هذا على مذهب ابن القاسم الذي يراعي ضرر الشركة، وينقل من استحق الرجوع بجزء مما دفع إلى أخذ قيمة ذلك الجزء، لأجل ما طرأ على من أخذ الكل استحقاقُ جزء من الكلّ الذي أخذ.
وإن أشهب "يخالفه في هذا، ويرى أنه يرجع في عين الجزء الذي دفع، ومراعاة حقه في العين هي التي تقوّم، على ما يبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد وقع اضطراب في الزمن الذي يعتبر فيه قيمة هذا الجزء الذي بطل في الفرس، إذا حل أجل السّلَم، هل يعطي مَن عليه الفرس قيمة رُبُعِه، الذي ذكرنا أنه عَدَل ابن القاسم إليه، لأجل ضرر الشركة يوم دفع الفرس، لأجل أنه حينئذ وجبت الشركة، ورفْع ضررها لأخذ 2 القيمة.
وهذا اختيار بعض الأشياخ، ثم
أو تراعى قيمته إلى الأجل 1 الذي وقع إليه السلم، كما يجب أن تراعى قيمة الثوب المستحق الذيهو الأدْنى من قيمهّ الثوب الأرْفع يوم وقع العقد، وإن تأخر الاستحقاق عن زمن العقد، وقد تردد بعض الاشياخ الحذاق في هذا لأَجْل أن الشركة إنما.
وجبت يوم دفع الفرس وجُعلَت القيمة يدلا من العين نسبة 2 الثوب الأذنى من الثوب الأعْلى، فإنهاْ تراعى يوم وقَع العقد السلم لأن ذلك التقويم، ليس ببدل عن أصل، بخلاف التقويم لربع الفرس فإنه بدل عن العين.
وأما المسألة الثانية، التي وقعت في المدونة فإنها مذكورة في كتاب الشفعة، في رواية الدبّاغ، فيمن باع شقْصًا بطعام، فأخنه الشفيع بمثل ذلك الطعام، ثم استحِق من يد بائع الشقص، فإنه يرجع بمثل الطعام.
وهذا رجوع بما قبض لا بما دفع، وإدط كان ابن المواز: هذا غلط 3، وإنهما يرجع بقيمة الشقص.
وقد ذكرنا أن الحكم عند أبن القاسم الرجوع في قيمة الجزء المدفوع لأجل ضرر الشركة.
وقال فيمن اشترى جارية بعبّد فاستِحق نصفُ أحد العوضين، فإنه بالخيار بين أن يرد نصفه من يده, لأجل ضرر الشركة، ويأخذ قيمة العوض، الآخر، أو يتمسك بالنصف الذي بقي في يديه، ويرجع بنصف قيمة العبد, وهي مجهولة، ومن أصلًا مقتضى مذهبه أنه إذا استحِق بعض ما في يديه، وتمكن من رد ما بقي في يديه، أنه ليس له أن يتمسك بقيمة ما بقي في يديه، بنسية ما يقال ذلك من الثمن، مع كون الثمن معلوما، فكذلك ينبغي ألا يمكَّن هذا من التمسك بالنصف الذي بقي في يديه مع كون ما يرجع به من القيمة مجهولا لا يستند إلى معلوم.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعانى ورضي عنه:
ومن ابتاع أمة فأولدها ثم استحقت فولدُها حرٌّ.
وفي أخذها روايتان:
إحداهما 1: إن له أن يأخذ قيمتها, وتكون أم ولد للواطيء وفي أخذ قيمة الولد خلاف.
وإن غَرَّتْ بأنها حرة فللسيد أخذها وأخذ قيمة الولد إن كان ممن لا يعْتق عليه.
وأما 2 الغاصب إذا وطئ الأمة المغصوبة فإن السيد يأخذها، وولدها ملك 3 له ولا يلحق النسب بالغاصب.
قال الفقية إلامام رحمه أدنّه تعالى ورضى عنه، يتعلق بهذا الفصل أربعة اسئلة.
منها إن يقال:
1 - ما الحكم في استحقاق الأمهّ وقد ولدت ممن هي في يدية بوجه شبههّ نكاح أو ملك يمين؟
2 - وكيف يُقوَّم ولد المستحَقة؟
3 - وهل يقوّم بماله أو بغير ماله؟
4 - وما الحكم فيه إذا قتل؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال.
أما الأمة إذا ولدت من رجل وطئها بوجه شبههّ، فلا يخلو أن يكون وطأ بنكاح أو بملك يمين.
فإن كان وطأ بنكاح صحيح قلا خلاف أن ولده منها تبَع, لأنه يسترقّه
مستحق أمّه كما يسترق أمّه، كالاختلاف 1 أيضًا أن نسبه لاحق بأبيه وإن كان الولد مملوكًا لغيره، وهو سيد أمه.
وهذا إذا كان الناكح لها عالمًا برقها.
وأما إن جهل رقّها فقيل له: إنما حرة، فاستولدها على أنها حرة، فإن المعروف من مذهب مالك وأصحابه أنه إذا أتى سيدها فاستحقها، وهو لم يأذن في نكاحها ولا غَرَّ الزوج بذكر أنها حرة، فإن سيدها يأخذها بعينها.
لكن ذكر ابن الجلاب في تفريعه رواية شاذة وهي القضاء على الزوج بقيمتها، كأحد الأقوال 2 كالواطىء أمة بملك اليمين فأتى سيدها فاستحقها وقد ولدت من مشتريها.
وأما استيلادها بملك اليمين فأتى من استحقها فإن مالكًا رضي الله عنه اضطرب قوله في ذلك فقال مرة: يأخذها سيدها وقيمةَ ولدها.
وهو اختيار ابن القاسم، وعليه كثير من العلماء، ويحكى ذلك عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
ثم رجع عن هذا المذهب فقال: يأخذ سيدها قيمتَها وقيمة ولدها.
ثم رجع عن هذا إلى مذهب ثالث، فقال: يأخذ سيدها قيمتها يوم حمَلت ولا يأخذ قيمة ولدها.
وبهذا أفتى لما استُحقت أم ولد إبراهيم.
وتابعه على هذا جماعة من كبار أصحابه كاين كنانة وابن دينار وغيرهما.
ثم رجع عن هذا إلى المذهب الأ وَل، وهو أنه يأخذها بعينها وقيمة، ولدها.
قال ابن كنانة: وعلى هذا المذهب مات.
واعلم أن سبب هذا الاضطراب الموازنة ما بين ضررين تَقابَلا من جانبي رجلين.
أما ضرر مستحق الأمة إذا مُنِع من أخذ عيْنها، فهو ما يدركه من بيع ملكه بغير اختياره، وأصول الشرع تقتضي ألاّ يخرج ملك إنسان بغير اختياره، وهو ظاهر الأحاديث كقوله عليه السلام: "كل ذي مال أحق بماله" 3 وقوله عليه
السلام "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" 1 هذا الضرر اللاحق بالمستحق.
وأما الضرر اللاحق بمستولد الأمة بوجه شبهة، فهو ما يدركه من المعرّة من كون أم ولده تباع وتشرى وتستخدم، فيلحق من ذلك أولاده أشدُّ المعرة وأكبرُ المضرة، ومالحق أولاده من ذلك يلحقه.
فأي الضررين أوْلى أن يعتبر؟
هذا سبب الاختلاف، فتارة (رجحا جانبه) 2 المستحق لظاهر الحديث الذي ذكرنا, ولمشاهدة 3 الأصول.
لا يخرج ملكه بغير اختياره إلا فيما نص الشرع عدى جبره عدى بيعه.
وقد عضد هذا القول باتفاق أهل المذهب على أنه إذا استولد أمة بنكاح يظنها حرة أنها تؤخذ من يديه وإن كان يلحقه من المعرفة ويلحق بنهيه 4 منها مثل مات يلحقه، ويلحق بنهيه 5 في استحقاق الأمة إذا استولدها سيدها بملك اليمين فاستحقت.
وهذا عندي قد يعذر عنه بأن من تزوج الأمَةَ يعتقد أنها حرة، لم يدخل على الرقبة ولا على تملكها، فإذا وقع استحقاق (لم يَلزَمْه بذل قيمتها، والمعاوضة على ما دخل على أنه لا يعاوض عنه ولا يصح في الشرع تملكه.
بخلاف من استولد بملك اليمين فإنه دخل على تملك الرقبة بثمن بذله فإذا وقع الاستحقاق) (5) حسن أن يلزم عوض ما دخل على تملّكه، وهي قيمة الأمة التي استولد ألا ترى أن سحنونا قال فيمن تزوج امرأة بعبد مغصوب أو بحرّ كَتَمَ حريته عنها: إن النكاح يفسخ في تزوُّجه بعبد مغصوب، كما قدمنا ذكر ذلك عنه، وتوجيهَه من أن الحرّ لما استحال فلكه شرعًا صار عقد النكاح به كعقد النكاح بغير صداق، بخلاف عقد نكاحٍ بعبد يصح تملّكه.
فإذا تقرر أن منْشَأ هذا الاضطراب والاختلال الموازنة بين الضرر الذي يلحق عن استُحص الأمة من يديه، ويلحق بنيه منها، فإن المستحق لو رضي بأخذ القيمة وأسقط حقه في عين الأمة، فهلى يرتفع الخلاف لأجل رضاه بهذا أم لا؟ في ذلك قولان: ذكر ابن القاسم في كتاب القسم من المدونة: اختلاف قول مالك يرتفع إذا رضي المستحق بأخذ القيمة.
وهكذا ذكر ابن المواز.
وقال ابن الموأز عن اشهب: إن هذا خطأ، وأشار إلى أن الاختلاف باقٍ مع رضي المستحق بأخذ القيمة، فكأنَّ ابن القاسم غلّب جانب المستحق باستحقاقه العينَ، فإذا رضي بإسقاط حقه في العين، وقنع بأخذ القيمة ارتفعت العلة التي من أجلها رجّح جانبه، وصار كالطالب لمستولد هذه الأمة بحق إفاتته لها بالاستيلاد، وكأن أشهب غلب جانب من استحقت الأمة من يديه في أن لا يُجبر على شراء مال غيره بغير اختياره.
ومذهب الشافعي أن من وطئ أمة بملك اليمين فاستولدها، ثم أتى سيدها فاستحقها، فإنه يأخذها بعينها وقيمةَ ولدها يوم (........) 1, أو يأخذ من مستولدها مثل المثل، وأرش البكارة إن كانت بكرا، وقيمة ما استخدمها، أو قيمة ما عطّلها عن الخدمة إن كان لم يستخدمها, لأنه يرى أن الغلات تردّ في الاستحقاق (حق مشتري اغتل بوجه شبهة) 2 كما حكيناه عن الشيخ أيىِ القاسم السيورى من أشياخنا وأجرى الحكم في إيلاد من استولد أمة بملك اليمين بوجه شبهة مجرى استيلاد الغاصب في الغلة، وفي غرامة أرش البكارة.
وإنما يفترق المشتري والغاصب في ثبوت الحدّ على الغاصب، وسقوطه عن المشتري، 3 في لحوق الولد واسترقاق الولد.
وأمّا ما حكيناه عن مالك من إلمذهب الثالث من أنه يرى أن المستحق
يأخذ قيمة الولد يوم الحمل ولا مطالبة له بقيمة الولد، فإنما ذلك لكونه يعتقد أن وطأها إفاتة لها لأجل حبسها للاستبراء من هذا الوطء، كأمة من 1 شريكين وطئها أحدهما، فإنه يضمن قيمتها بوطئها وإذا ضمن القيمة بالوطء صار الولد قد وضعته أنه، وقد ثبتت له الحرية، بوجوب غرامة أبيه قيمة أمه، وإذا غرم قيمة أمه فقد ملكها بالقيمة، وإذا ملكها بالقيمة صار استولد أمة استقر ملكه عليها، فولده حرّ منها.
ومقتضى هذا المذهب أنها لو ماتت قبلَ أن يأتي مستحقها للزم واطئها قيمتُها لوجوبها عليه بنفس الوطء.
ومقتضى أيضًا هذا التعديلا أن تكون أمَّ ولد لواطئها, لأجل ما عللت به من وجوب القيمة عليه، وإنما استولد من استحقَّ ملكَه عليه.
وإذا قلنا: إن قيمتها انما تجب عليه يوم استحقاقها بأنها 2 لا تكون أم ولد، على ما ذكرناه عن اشهب من أن وطئها 3 لا يجبر على بذل قيمتها إن رضي المستحق بذلك، وإنما عليه تسليم عينها، وإن غرم قيمتَها فكأنه افتداها.
وإن ولدت وهي رقيق ولا 4 تكون أم ولد.
وأما على مذهب ابن القاسم، الذي ذكرناه عنه، أن الخلاف يرتفع في أخذ عينها، إذا رضي المستحق بأخذ قيمتها، فإن بعض أشياخي ترجح فيه.
وعندي أنه انما ترجح فيه لأجل الاختلاف في المترقبات إذا وقعت الأحكام بها مستندة لأسباب تقدمت، هل يقدّر الحكم الحاصل يوم السبب الذي اقتضاه فيما بعد، فحسن أن تكون أمَّ ولد، وإن قضي بالقيمة يوم الاستحقاق, أوْلاَ يُلتفت إلى السبب، وكأن الحكم إنما وقع هو وسببه يوم الاستحقاق، فلا تكون أمَّ ولد.
على هذا التفريع ينبني أيضًا طلب المستحق لها، وهي حامل لم تضع، فإن قلنا: من حقه أن يأخذها بعينها أُخِرّ الحكم إلى ان تضع فتُسلَّم إليه، وإن قلنا: إن الحكم أخذ قيمتها دون عينها حُكِم له يالقيمة على ما هي عليه يوم استحقها.
وأما الحكم في ولدها فإن الأصل أن يكونوا 1 تبعًا.
لها في الحكم.
فإن أخذها سيدها يسترقها فكذلك ينبغي أن يسترق ولدها، لكن منع من ذلك كون المستولد وضع نطفته على أن ما يكون عنها من ولد هو حرّ، وفعَل ذلك بوجه شبهة غيرَ متعدٍّ فيه، فامتنع الرقّ ها هنا احتياطا للحرية وتغليبًا لأحكام الحرية على أحكام الاسترقاق، كما أصلته الشريعة، والولد ليس بغلة فيُقضى بهم 2 للمستحق ولا يصح استرقاقهم (2) لما ذكرناه من الشبهة وكون الواطىء وضع نطفته على أنّ ما يكون عنها حرّ، فلم يبق إلا القضاء بقيمتهم (2) لأجل أن سبب إتلاف هذا الملك، والحيلولة بينها وبين سيد الأم، واطئها، فلزمه قيمةُ ما أحال بينه وبين مالكه.
ويؤكد هذا الاستدلال قضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن قال يقضى فيهم بأمثالهم.
وأشار أيضًا إلى مراعاة المثلية على الحقيقة، فقال: اشتبارهم، يعني قياسهم بالشبر.
وهذا كالإشارة إلى ما حكيناه عن العنبري أن العروض يقضى فيها بالأمثال.
ولكن هذا ملكٌ غير مستقر، ولا تصح المعاوضة عنه بالبيع والشراء، فصار كفرع خرج عن أصوله، لأجل ما اشرنا إليه.
ومتى تكون القيمة في الولد؟ المشهور من المذهب، وعليه الأكثر أن القيمة فيهم تعتبر يوم الاستحقاق لهم، يقوّمون كأنهم عبيد على ما هم عليه.
وقال المغيرة: بل تعتبر قيمتهم يوم وُلدوا، وهو مذهب الشافعي وكأنه رأى أن تقويهم في الرحم لا يصح, لأنّا لا نثق بأنهم موجودون، ولو وثقنا بذلك لم
تتحقق صفتهم فنقوّمها.
والحيلولة التي سبب الضمان التي قدمنا ذكرنا لا تتصور، والولد مجهول في بطن أمه، فلم يبق إلا اعتبار القيمة يوم وُلِد, لأنه، ذلك اليوم، حَالَ ابوه بينه وبين مستحقه، ومنعه تملكَه، فما حدث بعد ذلك من نساء 1 فإنه لا يضمنه كما لو مات بعد الولادة لضمن القيمة.
وأشار أشهب في الرد إلى هذا المذهب أن الواطىء غير متعدّ، ومن كان في يديه الشيء بوجه شبهة فإنه لا يضمنه بتعديه عليه، فوجب أن يكون الموت قبل الاستحقاق يرفع الضمان عن أبيهبم فلاْ يجب على أبيهم فداؤهم بالقيمة إلا يوم الاستحقاق.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما تقويم الولد المستحَق أمّه فقد قررنا أن الأب تلزمه قيمته, لأنه حال بين المستحِق وبين استرقاقه الولد الذي هو تبع لأمّه، وعضو من أعضائها، فكان كالجاني على مال غيره بالإتلاف.
وكون سيّد الأمة التي استولدها لا يصح أن يُرقّ ولدَهُ لكونه وضع نطفته على أن ما يتكّون منها حرّ، والحكم بالحرية ها هنا من غير عوض إتلاف لمال المستحِق، فوجب أن الحكم تقويم الولد على أبيه.
فإن وجب ذلك فالتقويم، على مقتضى ما ذكرناه، على أن الولد الذي استُحِقت أمّه عبد مرقوق مثلُ أمّه، لكونه تابعًا لها في الحرية والرق.
وهذا ظاهر ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولو كانت الأمة المستحقه فيها عقد حرية من سيدها الذي استحقها، مثل أن يكون دبَّرها فاشتراها مشتر من يد من غصبها فاستولدها مشتريها، ثم أتى سيدها الذي يستحقها، فإن التقويم ها هنا يكون بحسب حال الامّ لأن ولد المدبَّرة مدبَّر هذا مذهب ابن القاسم في هذا الولد الذي استحقه 2 أمّه، أنه يُغرَّم على
الرَّجاء والخوف، بأن يُعتَق من ثلث سيده، أو يرق إذا مات سيده وعليه دين يستغرقُه.
والمشهور الذي عليه الأكثر من أصحاب مالك خلاف هذا وأنه يقوَّم:
رقيق.
ألا ترى انه لو اشترى المدبَّرَ رجلٌ فأعتقه لكان العتق فيه فوتًا، ولا يرجع على البائع بشيء من الثمن على إحدى الروايتين.
وهذا يستقصى في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى، وفيه يتكلم على استحقاق ولد المكاتبة والمعتقه إلى أجل.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اختلف المذهب على قولين: هل يقوّم ولد المستحقه بماله أو يقوم بغير مال؟ فمذهب ابن القاسم في العتبية إلى أنه يقوم بغير مال، ووافقه على هذا ابن كنانة وهو ظاهر المدونة من موضعين اثنين: أحدهما ما قاله ابن القاسم في كتاب الاستحقاق: إن الأب إذا كان فقيرًا أخذت القيمة من مال الولد.
وهذا لا يتصور أخذه من مال الولد على أن يقوم بغير مال.
وأما إذا قوّم بماله فكيف تكون قيمته بعضًا لماله وقيمة رقبته؟
وقد اختلف في أمّ الولد إذا جنت ووجب على سيّدها أن يفديها بقيمتها لكون الجاني تعلق حقّه بعينها, ولا سبيل إلى استرقاقها لما أحدثه سيدها من الاستيلاد لها المانع من بيعها.
وفيها أيضًا قولان: هل يلزم السيدَ أن يفديها من الجناية بقيمتها فقيرةً أو بقيمتها بمالها الذي.
في يدها؟ فكأن من رأى أن التقويم يكون بالمال قدّر أن من استقر فيه الرقّ فإن ماله لمن ملك استرقاقه، فلولا ما فعل مشتري الأمة من استيلادها لكان ولدها يأخذه مستحقُّها بماله، وقد حال بينه وبين أخذ المال، فوجب أن يغرم قيمة عوضه لأجل الحيلولة، كما يغرم قيمة الأمة.
وكأن من رأى أن التقويم يكون بغير مال، رأى أن الرق لم يستقر في هذا الولد، فيكون لمن يملك رقَّه أن ينتزع مالَه، والحرية في هذا الولد هي
الأصل، والحر لا يمُلك عليه ماله.
وكان بعض اشياخي يرى أن التقويم بماله أَوْلَى لأنه تجب عليه غرامة قيمة نفسه عند ابن القاسم إذا كان أبوه فقيرًا، فكذلك يجب أن يقوّم بماله، وإن كان الغير رأى أن الأب إذا كان فقيرًا فإن الولد لا تلزمه غرامة قيمة نفسه.
وكأن شيخي هذا يرى أن القياس أن تكون الغرامة على الولد، ولو كان أبوه موسرًا, لأنه أحق بل يجب عليه فداء نفسه وانتقاذها من الرقّ فكان أولى بالغرامة من أبيه وإن كان موسرًا.
وهذا الذي قاله، رحمه الله، لا يطابق التعليل الذي عللنا به وجوبَ القيمة على الاب, لأنا علّلنا ذلك بأن الأب كالجاني على ملك غيره يالحيلولة بينه وبين مالكه، فلهذا وجبت عليه القيمة، والولد لا جناية له في هذا, ولا علاقة بينه وبين إتلاف مال الغير، فلهذا لم يكن أوْلى بالغرامة خلاف ما أشار إليه شيخنا.
وقد اختلف ايضا في تعلق الغرامة بالأب هل هي بشرط أن يكون حيًّا، أو تتعلق به حيًّا، وتؤخذ من تركته ميتًا, كما اختلف في أم الولد إذا جنت، ومات سيّدها، فقيل: التباعة بالغرامة على سيدها إن ترك مالًا، وإن لم يترك مالًا لم تغرم هي في فداء نفسها شيئًا.
وقيل: إن الغرامة على سيدها تُؤخذ من تركته.
والجواب عن السؤال الرابع ان يقال:
إذا قتل هذا الولد عمدًا فإن استحقاق المطالبة بهذا الدم لأبيه، ولاحق للمستحق لأمّه في طلب هذا الدم.
فأبوه غير بين أن يقتل قاتله (ولا يعتد منه) 1 المستحق، بأن يقال له: قد تعلق لي حق بفكاك ولدك من الرق، فيجب أن يتعلق لي حق بالعوض الذي يؤخذ فيه، وهي ديته.
لأن قتل العمد إنما تجب
فيه الدية بتراضي القاتل وأولياء المقتول، وما يحتاج فيه إلى تراضي المتحاكمين فليس بحق ثابت لأحدهما.
ولو قلنا بمذهب اشهب، بأن لأولياء القتيل أن يجبروا القاتل على أن يدفع لهم الدية، لكان الانفصال عن هذا الاعتراض بأن أشهب لا يرى الدية حق 1 متعين (1) لا معدل عنه، وإنما يرى أن يملك أولياء الدية أن يتملّكوه، ومن ملك أن يملك فلا يعد كالمالك، على إحدى الطريقتين، لا سيما وأشهب يقول: إن القتل لو كان خطأ، وأخذت الدية جبرًا من العاقلة، فإن المستحق لا يأخذ منها قيمة الولد، خلافًا لما ذهب إليه ابن القاسم من أن المستحق يأخذ من الدية قيمة الولد.
وإن قصرت الدية عن قيمة الولد فلا تباعة على الأب.
وكأن هذا يلتفت إلى أصل آخر، وهو أن الدية المأخوذة في الحُر هلْ هي كالبدل من عينة والقيمة له، كما تكون قيمة العبد إذا قُتِل بدلا من عينه، فيحسن على هذا أن يأخذ المستحق قيمة الولد من الدية التي أخذها أبوه من العاقلة.
أو يقال إن الدية في قتل الخطأ ليست كالقيمة لشيء مستهلّك، كتقويم العبد إذا قُتِل، فلا يكون بدلا من العين (إذا لم نكن) 2 وإذا لم تكن بَدلًا لم تؤخذ منها القيمة.
وإذا قلنا بمذهب ابن القاسم إن المستحق يأخذ قيمة الولد من الدية المنجَّمة على العاقلة، فإنما يأخذ القيمة من نفس ما نُجِّمّ على العاقلة، فإن قَصُر النجم الأول عن قيمة الولد التي تجب للمستحق أخّر طلبه حتى يحل النّجم الثاني، فيأخذ حقّه منه.
وإن قصر أيضًا فيؤخر أيضًا حتى يستوفي الدية من العاقلة.
ولو أنفقها الأب ما رجع المستحق على العاقلة, لأنهم دفعوها لمن لا يستحق قبضها.
ولو قطع عضو من الولد المستحَق قبل أن يأتي المستحِق فأخذ الأب دية ذلك العضو مثل أن يأخذ دية يدِ هذا الولد إذا قطعت، فإن المستحِق إذا لم يكن
له في دية اليد شيء على مذهب أشهب القائل بأنه لا تؤخذ القيمة من دية الخطأ في قتل النفس، وإنما للمستحق قيمة الولد على أنه مقطوع اليد، وعند ابن التهاسم أنه يُحكَم للمستحق بقيمة الولد يوم المحاكمة في الاستحقاق على أنه مقطوع اليد،، ثم ينظر ما بين قيمته صحيحًا يوم جُنِيَ عليه وبين قيمته مقطوعَ اليد ذلك اليوم، فيستحق المستحِق لأنّه بين أخذ قيمته مقطوع اليد، ما بين قيمته صحيحا يوم قطعت وقيمته مقطوع اليد، يأخذ ذلك من دية اليد، فإن قصرت عنه دية اليد لم يطلب المستحق بزيادة على ما أخذ.
وإن أخذ المستحق قيمة اليد من الدية التي أخذها الأب، وفضل من ذلك فضلة، فقد قال ابن القاسم: إنها للأب.
وتأول الأشياخ أن هذا الإطلاق ليس على ظاهره، وأن المراد به أنها للأب ينظر فيها لولده.
وهذا التأويل، وإن اقتضاه القياس، عندهم، فإن ظاهر الكلام لا يقتضيه.
وهكذا وقع لسحنون في أحد قوليه: إن الفاضل يكون للأب قولًا مطلقًا أيضًا.
وإن كان سحنون قد قال إن دية اليد للولد لأنها كَمَالٍ له، وماله يبقى في يده، ولا تؤخذ منه قيمة، مع كون الأب موسرًا، فكذلك ما هو ثمن لعضو من أعضائه.
ولكن سحنون، بعد أن قال هذا، قال: أُوقِفُ القولين حتى انظر فيهما.
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في ولد هذه المستحَقة إذا لم تضعه
وضرَب بطنَها رجل فأسقطته، فوجب على الضارب غرة، عبدٌ أو وليدة.
فإن أشهب يرى أن هذه الغرة تكون للأب، ولا جق لمستحق الأم فيها طردًا لأصله: إن القِيَمَ لا تؤخذ من الديات.
ودية الجنين كدية الرجل الكامل.
وكما لا يأخذ المستحق قيمة الولد من دية الرجل الكامل فكذلك لا يأخذها من دية الجنين.
ومضى ابن القاسم على أصله أيضًا في هذا كما حكيناه عنه من أن المستحِق يأخذ قيمة الولد على أنه عبدُ من الدية الكاملة، فكذلك يأخذ عشر قيمة أم