مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَقُولَ: قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
(لِآخِرِ وَقْتِ ظُهْرٍ) إلْحَاقًا بِهَا لِوُقُوعِهَا مَوْضِعِهَا.
(وَتَلْزَمُ) الْجُمُعَةُ (بِزَوَالٍ) لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتُ جَوَازٍ، (وَ) فِعْلُهَا (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الزَّوَالِ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ؛ وَلِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا فِيهِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا عَقِبَ الزَّوَالِ صَيْفًا وَشِتَاءً (وَلَا تَسْقُطُ) الْجُمُعَةُ (بِشَكٍّ فِي خُرُوجِهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَالْوُجُوبُ مُحَقَّقٌ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ فَعَلُوهَا، (فَإِنْ تَحَقَّقَ) خُرُوجُهُ (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ صَلَّوْا ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ خُرُوجُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ، (فَ) يُصَلُّونَ (جُمُعَةً) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَهِيَ تُدْرَكُ بِالتَّحْرِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ عَلِمُوا إحْرَامَهُمْ بَعْدَ الْوَقْتِ، قَضَوْا ظُهْرًا لِبُطْلَانِ جُمُعَتِهِمْ.
(الثَّانِي: اسْتِيطَانُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (وَلَوْ بِالْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكُنَّا أَرْبَعِينَ " صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَلَمْ يُنْقَلْ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهَا صُلِّيَتْ بِدُونِ ذَلِكَ، وَالْخَضِمَاتُ: بِخَاءٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ: بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَمْكُثُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً، فَإِذَا نَضَبَ يَصِيرُ الْكَلَأَ.
(بَقَرِيَّةٍ) مَبْنِيَّةٍ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ
آجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهَا، مُقِيمِينَ بِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِهَا الْمِصْرُ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ الْخُرْسِ وَنَحْوِهَا اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا تَبَعًا، فَتَصِحُّ، بَلْ تَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(اسْتِيطَانُ إقَامَةٍ لَا يَظْعَنُونَ) ، أَيْ: يَرْحَلُونَ (عَنْهَا صَيْفًا وَ) لَا (شِتَاءً) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِيطَانُ، (فَلَا) تَجِبُ.
وَلَا تَصِحُّ (جُمُعَةٌ بِبَلْدَةٍ يَسْكُنُهَا أَهْلُهَا بَعْضَ السَّنَةِ دُونَ بَعْضٍ) ، لِعَدَمِ الْإِقَامَةِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ بَلَدًا لَا سَاكِنَ بِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ سَنَةً، فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدِ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَأَهْلُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَلَا جُمُعَةَ أَيْضًا.
(وَلَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (بِغَيْرِ بِنَاءٍ، كَبُيُوتِ شَعْرٍ وَخِيَامٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ لِلِاسْتِيطَانِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا.
(وَتَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنْ الصَّحْرَاءِ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْبُنْيَانُ، لِصَلَاةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، وَهُوَ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا صَلَّى بِالصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْجُمُعَةُ (فِيمَا بَعُدَ) عَنْ الْبُنْيَانِ، (وَيَتَّجِهُ: عُرْفًا) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لِشَبَهِهِمْ حِينَئِذٍ بِالْمُسَافِرِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَلَا يُتَمَّمُ عَدَدُ) الْجُمُعَةِ (مِنْ بَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ) فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ أَرْبَعِينَ، لِفَقْدِ شَرْطِهَا.
(وَلَا يَصِحُّ تَجَمُّعُ أَهْلِ بَلَدٍ كَامِلٍ) فِيهِ الْعَدَدُ (فِي) بَلَدٍ (نَاقِصٍ) فِيهِ الْعَدَدُ، فَيَلْزَمُ التَّجْمِيعُ فِي الْكَامِلِ، لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا، (وَالْأَوْلَى مَعَ تَتِمَّةِ الْعَدَدِ) فِي بَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ مُتَقَارِبَةً (تَجْمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ وَحْدَهُمْ) فِي بَلَدِهِمْ، إظْهَارًا لِشِعَارِ الْإِسْلَامِ.
(الثَّالِثُ حُضُورُهُ) ، أَيْ: الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ (وَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَجَمًا، أَوْ خُرْسًا أَوْ صُمًّا سِوَى الْإِمَامِ) وَأَمَّا لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَا تَصِحُّ، لِفَوَاتِ الْخُطْبَةِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَيُصَلُّونَ ظُهْرًا (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) كَانَ (بِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ صَمَمٌ، وَصَلَّى (فِي) جَمَاعَةٍ (صُمٍّ) كُلِّهِمْ، أَيْ: فَتَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ، إذْ لَوْلَا الصَّمَمُ لَمَا فَاتَهُمْ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ ضَعِيفٌ، لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ، وَمُنَاقَضَتِهِ لِمَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ قَرُبَ أَصَمُّ) مِنْ الْخَطِيبِ (وَبَعُدَ
سَمِيعٌ) مِنْهُ، (وَلَمْ يَسْمَعْ) كَلَامَهُ وَلَا هَمْهَمَتَهُ، (لَمْ تَصِحَّ) ، لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ.
(وَإِنْ نَقَصُوا) ، أَيْ: الْأَرْبَعُونَ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) نَصَّا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَالْمَسْبُوقُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْهُ تَبَعًا كَصِحَّتِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، (إنْ لَمْ تُمْكِنْ إعَادَتُهَا) جُمُعَةً بِشُرُوطِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَتْ، وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ (وَمَرَّ) فِي بَابِ النِّيَّةِ: (لَوْ فَارَقَ) الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ (لِعُذْرٍ بِثَانِيَةِ) جُمُعَةٍ، (فَنَقَصُوا) عَنْ الْأَرْبَعِينَ، لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُفَارِقِ.
(وَذَكَرَهُ) هُنَاكَ اتِّجَاهًا، وَبَيَّنَّا مَا فِيهِ.
(وَإِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ) ، أَيْ: الْأَرْبَعُونَ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ حَضَرَ عَشَرَةٌ، فَأَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ، ثُمَّ انْفَضَّ عَشَرَةٌ مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ) كَانَ الْبَاقُونَ (مِمَّنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَلَحِقُوا بِهِمْ) ، أَيْ: بِمَنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ (قَبْلَ نَقْصِهِمْ) عَنْ الْأَرْبَعِينَ.
(وَيَتَّجِهُ) : وَكَانَ لَحْقُهُمْ بِهِمْ (فِيمَا تُدْرَكُ بِهِ) الْجُمُعَةُ، بِأَنْ كَانَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (أَتَمُّوا
جُمُعَةً) ، لِوُجُودِ الشُّرُوطِ كَبَقَاءِ الْعَدَدِ مِنْ السَّامِعِينَ، وَإِنْ لَحِقُوا بَعْدَ النَّقْصِ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِئْنَافُ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا.
(وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ اعْتِبَارَ (الْعَدَدِ، فَنَقَصَ) الْعَدَدُ، (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ) ، لِاعْتِقَادِهِ الْبُطْلَانَ، (وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَدَهُمْ) لِيُصَلِّيَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ.
(وَبِالْعَكْسِ) ، بِأَنْ رَأَى الْمَأْمُومُونَ الْعَدَدَ وَحْدَهُمْ (لَا تَلْزَمُ) الْجُمُعَةُ (وَاحِدًا مِنْهُمَا) ، أَيْ: لَا مِنْ الْإِمَامِ وَلَا مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا.
(وَلَوْ أَمَرَهُ) ، أَيْ: إمَامَ الْجُمُعَةِ (السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ أَنْ يُصَلِّيَ (بِأَقَلَّ) مِنْ أَرْبَعِينَ.
(وَلَوْ لَمْ يَرَ الْعَدَدَ) ، بِأَنْ اعْتَقَدَ صِحَّتَهَا بِدُونِهَا (وَلَا) يَمْلِكُ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ) لِقِصَرِ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ.
(وَبِالْعَكْسِ) ، بِأَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِأَرْبَعِينَ (الْوِلَايَةُ بَاطِلَةٌ) ، لِتَعَذُّرِهَا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ.
(وَلَوْ لَمْ يَرَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةَ، أَيْ: وُجُوبَهَا (قَوْمٌ بِوَطَنٍ مَسْكُونٍ) لِنَقْصِهِمْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ مَثَلًا، (فَلِلْمُحْتَسِبِ أَمْرُهُمْ بِهَا بِرَأْيِهِ) ، لِئَلَّا يَظُنَّ الصَّغِيرُ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّيهَا مَعَ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، مَعَ اعْتِبَارِهِ عَدَالَةَ الْإِمَامِ.
(وَمَنْ فِي وَقْتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (أَحْرَمَ) بِهَا (وَأَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَتَمَّ جُمُعَةً) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَ) إنْ أَحْرَمَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، (وَلَوْ) أَدْرَكَ (رَكْعَتَيْنِ) ، فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا (أَوْ) أَحْرَمَ (فِيهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ،
فَأَدْرَكَ (أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَ) يُتِمُّهَا (ظُهْرًا) لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى.
(إنْ نَوَاهُ) عِنْدَ إحْرَامِهِ (بِوَقْتِهِ) ، أَيْ: الظُّهْرِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الظُّهْرِ، أَوْ دَخَلَ وَلَمْ يَنْوِهِ بِأَنْ نَوَى جُمُعَةً، (فَ) يُتِمُّ صَلَاتَهُ (نَفْلًا) ، أَمَّا فِي الْأُولَى، فَكَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ؛ وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً، فَكَذَا اسْتِدَامَةٌ، وَكَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ.
(وَمَنْ) أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْجُمُعَةِ وَ (رَكَعَ مَعَهُ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ) بِأَرْضٍ، (لَزِمَهُ) السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ وَلَوْ (عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ، فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَسَعِيدٌ، وَكَالْمَرِيضِ يَأْتِي بِمَا يُمْكِنُهُ، وَلَا يَصِحُّ.
وَ (لَا) يَجُوزُ (وَضْعُ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ عَلَى ظَهْرِ أَوْ رِجْلِ غَيْرِهِ، وَيَحْرُمُ) لِلْإِيذَاءِ، بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ، (فَبِزَوَالِ زِحَامٍ) يَسْجُدُ بِالْأَرْضِ وَيَتْبَعُ إمَامَهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ لِلْعُذْرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا» ، وَالْمُفَارَقَةُ وَقَعَتْ صُورَةً لَا حُكْمًا، فَلَمْ تُؤَثِّرْ.
(مَا لَمْ يَخَفْ) بِسُجُودِهِ بِالْأَرْضِ بَعْدَ زَوَالِ الزِّحَامِ (فَوْتَ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنْ خَافَهُ، (فَ) إنَّهُ (يُتَابِعُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (وُجُوبًا) كَالْمَسْبُوقِ، (وَتَصِيرُ) ثَانِيَةُ الْإِمَامِ (أُولَاهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا (وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، وَتَقَدَّمَ لَوْ زَالَ عُذْرُهُ وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، تَابَعَهُ، وَتَتِمُّ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ.
(فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ) الْمَأْمُومُ الْمَزْحُومُ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ خَوْفِ فَوْتِهَا (عَالِمًا تَحْرِيمَهُ، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَرْكِهِ وَاجِبَ الْمُتَابَعَةِ بِلَا عُذْرٍ.
(وَ) إنْ
كَانَ عَدَمُ مُتَابَعَتِهِ (جَهْلًا) مِنْهُ (فَسَجَدَ) سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (وَأَدْرَكَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (بِتَشَهُّدٍ، أَتَى بِرَكْعَةٍ) ثَانِيَةٍ (بَعْدَ سَلَامِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِسُجُودٍ مُعْتَدٍّ بِهِ لِلْعُذْرِ، (وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ رَكْعَةٌ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ إلَّا بَعْدَ رَكْعَةٍ، وَسُجُودُهُ لِنَفْسِهِ فِي حُكْمِ مَا أَتَى بِهِ مَعَ إمَامِهِ، لِبَقَائِهِ عَلَى نِيَّةِ الِائْتِمَامِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْخَوْفِ (وَ) إنْ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ إلَّا بَعْدَ (سَلَامِ) الْإِمَام، (اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا) سَوَاءٌ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا أَوْ رُكُوعِهَا أَوْ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ.
(وَكَذَا) ، أَيْ: كَالتَّخَلُّفِ عَنْ الْإِمَامِ لِزِحَامٍ (لَوْ تَخَلَّفَ) عَنْهُ (لِنَحْوِ مَرَضٍ) كَغَفْلَةٍ (وَنَوْمٍ وَسَهْوٍ) وَجَهِلَ وُجُوبَ مُتَابَعَةٍ.
وَإِنْ زُحِمَ عَنْ جُلُوسِ تَشَهُّدٍ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَيُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى انْتِظَارُهُ زَوَالَ الزِّحَامِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ". (وَإِنْ خَافَ) مَزْحُومٌ (فَوْتَهُ) ، أَيْ: فَوْتَ إدْرَاكِ الثَّانِيَةِ إنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ (فَتَابَعَهَا) ، أَيْ: تَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا، (فَطُولُ) الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَجَدَ لِنَفْسِهِ لَلَحِقَهُ، (أَوْ لَمْ يَخَفْ) مَزْحُومٌ فَوْتَ الثَّانِيَةِ.
(فَسَجَدَ) لِنَفْسِهِ، فَبَادَرَ الْإِمَامُ فِي الْحَالِ، (فَرَكَعَ إمَامٌ) فَلَمْ يُدْرِكْهُ، (لَمْ يَضُرَّ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ظَنَّا مِنْهُ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَالظَّنُّ يَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ فِيهِ.
(وَمَرَّ ذِكْرُ الرَّكْعَةِ الْمُلَفَّقَةِ) فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهِيَ مَا إذَا زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ
(الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] : وَالذِّكْرُ: هُوَ الْخُطْبَةُ، وَالْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ دَلِيلُ وُجُوبِهِ.
وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: " قَصُرَتْ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ " وَاشْتُرِطَ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ.
أَوْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ، فَقُدِّمَا لِأَجْلِ التَّدَارُكِ.
(بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَ (لَا) يُقَالُ: إنَّهُمَا بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ (مِنْ الظُّهْرِ) ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ، بَلْ الظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا إذَا فَاتَتْ، (وَقِيلَ لَا بَدَلِيَّةَ) ، أَيْ: لَيْسَتْ الْخُطْبَتَانِ بَدَلَ رَكْعَتَيْنِ، (وَهُوَ أَظْهَرُ) .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": وَهَاتَانِ الْخُطْبَتَانِ بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، قُلْتُ: هَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَامَّةٌ فَلَا، انْتَهَى.
(وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِمَا) ، أَيْ: خُطْبَتَيْنِ (مِنْ صَحِيفَةٍ) ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهُمَا، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مِنْ مُصْحَفٍ، وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَشَرْطُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ: (وَقْتٌ) ، وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا.
(وَنِيَّتُهُ) : لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَوُقُوعُهَا حَضَرًا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطٌ لِلْخُطْبَتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ أَرْبَعُونَ مُسَافِرِينَ فِي سَفِينَةٍ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ قَرْيَتِهِمْ خَطَبَهُمْ أَحَدُهُمْ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَوَصَلُوا الْقَرْيَةَ عِنْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ، اسْتَأْنَفَهَا بِهِمْ
ظُهْرًا.
(وَحُضُورُ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرُ لِسَمَاعِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ اُشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْعَدَدُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (وَكَوْنُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهِمَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: فَلَا تَصِحُّ خُطْبَةُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَعَبْدٍ وَمُسَافِرٍ، وَلَوْ أَقَامَ لِعِلْمٍ أَوْ شُغْلٍ بِلَا اسْتِيطَانٍ.
لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَرْكَانُهُمَا) ، أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ: (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (بِلَفْظِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " النُّكَتِ " لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ: فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَشَهَّدَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ رَسُولِهِ، كَالْأَذَانِ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ
وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ لَهُ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ.
(وَلَا يَجِبُ مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (سَلَامٌ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
(وَقِرَاءَةُ آيَةٍ كَامِلَةٍ) . لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ آيَاتٍ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ.
وَالْخُطْبَةُ فَرْضٌ.
فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الْقِرَاءَةُ كَالصَّلَاةِ.
وَلَا تَتَعَيَّنُ آيَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ وَلَا يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ.
لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا حُكْمٌ بِدَلِيلِ عَدَمِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهُ، (وَلَوْ) كَانَ وَقْتَ قِرَاءَتِهَا (جُنُبًا، وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْآيَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فِي الْخُطْبَةِ.
(وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ) كَأَسْعَدَ أَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ (كَوْنَ الْآيَةِ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ، فَلَا يُجْزِئُ) قِرَاءَةُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] ، أَوْ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64] لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا تَحْرُمُ) قِرَاءَتُهُمَا (لِجُنُبٍ) كَآيَةِ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَالِاسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْخُطْبَةِ (بِنَحْوِ: اتَّقُوا اللَّهَ، أَوْ: أَطِيعُوهُ) قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": فَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": لَوْ قَرَأَ مَا تَضَمَّنَ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ.
(كُلُّ ذَلِكَ) مِنْ الشُّرُوطِ مَطْلُوبٌ (فِي كُلِّ خُطْبَةٍ) مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ.
(وَمُوَالَاةُ جَمِيعِ الْخُطْبَتَيْنِ مَعَ الصَّلَاةِ) ، فَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُهُ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَالْجَهْرُ بِهِمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ، (حَيْثُ لَا مَانِعَ) لَهُمْ مِنْ سَمَاعِهِ (مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ) كَغَفْلَةٍ.
أَوْ صَمَمِ بَعْضِهِمْ (وَمَطَرٍ) وَرَعْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، لِخَفْضِ صَوْتِهِ أَوْ بُعْدِهِمْ عَنْهُ وَنَحْوِهِ، لَمْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَكَوْنُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (بِالْعَرَبِيَّةِ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالْقِرَاءَةِ (وَاخْتَارَ فِي الْإِقْنَاعِ ": يُتَرْجِمُ عَاجِزٌ عَنْهَا) ، أَيْ:
الْعَرَبِيَّةِ بِلُغَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، وَحَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ النُّبُوَّةِ وَعَلَامَةُ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ.
(عَمَّا عَدَا الْقِرَاءَةِ) ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (حَسَنٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْقِرَاءَةِ، (وَجَبَ ذِكْرُ بَدَلِهَا) قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ.
(وَسُنَّ بُدَاءَةُ) خَطِيبٍ (بِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ بِالثَّنَاءِ) عَلَيْهِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الثَّنَاءُ (مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (ثُمَّ بِالصَّلَاةِ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ) ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةً.
(فَإِنْ نَكَّسَ) بِأَنْ بَدَأَ بِالْمَوْعِظَةِ أَوْ غَيْرِهَا، (أَجْزَأَهُ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ انْفَضُّوا) ، أَيْ: الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَوْ بَعْضُهُمْ (عَنْهُ) وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (سَكَتَ) ، لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
(فَإِنْ عَادُوا قَرِيبًا عُرْفًا، بَنَى) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعُودُوا قَرِيبًا (أَوْ فَاتَ رُكْنٌ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ الْخُطْبَةِ (اسْتَأْنَفَ) الْخُطْبَةَ، لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ
لَكِنْ لَوْ فَاتَ رُكْنٌ، وَلَمْ يَطُلْ التَّفْرِيقُ، كَفَاهُ إعَادَتُهُ.
(وَتَبْطُلُ) الْخُطْبَةُ (بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) فِي أَثْنَائِهَا (وَلَوْ يَسِيرًا) كَالْأَذَانِ وَأَوْلَى.
(وَسُنَّ لَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ وَجَنَابَةٍ) ، وَتُجْزِئُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَنَصُّهُ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ، كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ.
(وَ) سُنَّ لَهُمَا (سَتْرُ) الـ (عَوْرَةِ وَاجْتِنَابُ) الـ (نَّجَاسَةِ) كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأَوْلَى.
(وَ) سُنَّ (وُقُوعُهُمَا مَعَ صَلَاةٍ مِنْ وَاحِدٍ) ،
فَلَوْ خَطَبَ وَاحِدٌ وَصَلَّى آخَرُ: أَجْزَأَ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، لِانْفِصَالِ الصَّلَاةِ عَنْهَا، (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْخَطِيبِ، (سُنَّ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
(وَسُنَّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَفِي الصَّحِيحِ " أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ " وَكَانَ اتِّخَاذُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةُ ثَمَانٍ، وَكَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ.
وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ، مِنْ النَّبْرِ، وَهُوَ: الِارْتِفَاعُ، وَاِتِّخَاذُهُ سُنَّةً مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ، (أَوْ) عَلَى (مَوْضِعٍ عَالٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرًا.
وَيَكُونُ الْمِنْبَرُ أَوْ الْمَوْضِعُ الْعَالِي (عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ) بِالْمِحْرَابِ؛ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا كَانَ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي تَلِي مَكَانَ الِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عُمَرُ عَلَى الْأُولَى تَأَدُّبًا، ثُمَّ وَقَفَ عُثْمَانُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلِيٌّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ قَلَعَهُ مَرْوَانُ وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دَرَجٍ، فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَرْتَقُونَ سِتًّا يَقِفُونَ مَكَانَ عُمَرَ، أَيْ: عَلَى السَّابِعَةِ، وَلَا يَتَجَاوَزُونَ ذَلِكَ تَأَدُّبًا.
(وَإِنْ وَقَفَ بِالْأَرْضِ فَ) يَقِفُ (عَنْ يَسَارِهِمْ) ، أَيْ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي.
(وَ) سُنَّ (سَلَامُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (إذَا خَرَجَ) عَلَيْهِمْ، (أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا إذَا (أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ
سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ
قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ، وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْمَجْدُ.
(وَرَدُّهُ) ، أَيْ: رَدُّ هَذَا السَّلَامِ وَكُلُّ سَلَامٍ مَشْرُوعٌ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ.
(وَ) سُنَّ (جُلُوسُهُ) عَلَى الْمِنْبَرِ (حَتَّى يُؤَذَّنَ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْكَلَامِ التَّمَكُّنَ التَّامَّ.
(وَ) سُنَّ جُلُوسُهُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً جِدًّا، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ جَمَاعَةٌ) ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ": (بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا، (أَوْ خَطَبَ جَالِسًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَصَلَ بِسَكْتَةٍ) .
وَلَا يَجِبُ الْجُلُوسُ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ سَرَدُوا الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَلْسَةِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ (مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًى بِإِحْدَى يَدَيْهِ) .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى (وَ) يَدِهِ (الْأُخْرَى بِحَرْفِ مِنْبَرٍ، أَوْ يُرْسِلُهُمَا) ، لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ
قَوْسٍ أَوْ عَصًى» مُخْتَصَرٌ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَيْءٍ، أَمْسَكَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا) عِنْدَ جَنْبَيْهِ وَسَكَّنَهُمَا، فَلَا يُحَرِّكُهُمَا، وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي دُعَائِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ (وَسُنَّ أَنْ يَقْصِدَ) الْخَطِيبُ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا) ، لَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ إعْرَاضًا عَنْهُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَفَتَ أَوْ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَ) سُنَّ (قَصْرُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَقَصِّرُوا الْخُطْبَةَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُ خُطْبَةٍ (ثَانِيَةٍ أَقْصَرَ) مِنْ الْأُولَى كَالْإِقَامَةِ مَعَ الْأَذَانِ.
(وَ) سُنَّ (رَفْعُ صَوْتِهِ) فِي الْخُطْبَةِ (حَسَبَ طَاقَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَيُعَرِّبُهُمَا بِلَا تَمْطِيطٍ) كَالْأَذَانِ.
(وَيُتَّعَظُ بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ) ، لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِوَعْظِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُهُ حَالَ الْخُطْبَةِ (مُسْتَقْبِلًا لَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (وَيَسْتَقْبِلُونَهُ) وَيَنْحَرِفُونَ إلَيْهِ وَيَتَرَبَّعُونَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، (فَإِنْ اسْتَدْبَرَهُمْ فِيهَا) ، أَيْ: فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، (كُرِهَ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
(كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ بِدُعَاءٍ حَالَ خُطْبَةٍ) ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ، وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
(وَدُعَاؤُهُ عَقِبَ صُعُودِهِ لَا أَصْلَ لَهُ) وَكَذَا مَا يَقُولُهُ مَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.
(وَسُنَّ دُعَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ) بِالدُّعَاءِ (لِمُعَيَّنٍ كَالسُّلْطَانِ، وَسُنَّ دُعَاءٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ) .
قَالَ أَحْمَدُ، أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ؛ وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ: " أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إمَامٌ عَادِلٌ " قَالَ أَحْمَدُ: إنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ.
(وَإِذَا فَرَغَتْ الْخُطْبَةُ نَزَلَ مُسْرِعًا) مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ تَقْبُحُ، بِخِلَافِ صُعُودِهِ، فَيَكُونُ عَلَى تُؤَدَةٍ (عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَمَا يَقُومُ إلَيْهَا مَنْ لَيْسَ بِخَطِيبٍ إذَنْ.
[فَصْلٌ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ]
(فَصْلٌ) (وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ عُمَرُ: " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: 61] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ) فِيهِمَا جَهْرًا، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» فَيَقْرَأُ: سُورَةَ (" الْجُمُعَةِ " بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، (وَ) سُورَةَ: (" الْمُنَافِقِينَ " بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(أَوْ) " يَقْرَأُ: (" سَبِّحْ ") فِي الْأُولَى، (ثُمَّ: " الْغَاشِيَةَ ") فِي الثَّانِيَةِ "؛ (فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِمَا) ، أَيْ: بِالصِّفَتَيْنِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ
(وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي فَجْرِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ أُولَى: (" الم السَّجْدَةَ "، وَبِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ: " هَلْ أَتَى ") نَصَّ عَلَيْهِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ.
فَإِنْ سَهَا عَنْ السَّجْدَةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
قَالَ الْقَاضِي: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا، لَا يَلْزَمُ بَقِيَّةُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرَ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُمَا) نَصًّا لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ أَوْ الْوُجُوبُ (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) تُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ (كُلِّ سُنَّةٍ) غَيْرِ رَاتِبَةٍ (خِيفَ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا) خُصُوصًا إذَا كَانَ مُدَاوِمُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ (أَوْ) تَرْكُ مُدَاوَمَةِ سُنَّةٍ خِيفَ (إنْكَارُهَا، كَجَهْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا أَحْيَانَا لِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وُجُوبَ الْإِخْفَاتِ بِهَا.
(وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ (يَجْهَرُ) الْمُصَلِّي (بِالْبَسْمَلَةِ) أَحْيَانَا تَأَلُّفًا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
(وَ) يَجْهَرُ (بِالتَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ فِي) صَلَاةِ (الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (أَحْيَانًا) ، فَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: فِعْلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا (الْمَنْصُوصُ عَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) ، وَيَكُونُ قَصْدُهُ بِذَلِكَ (تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ وَلِلتَّأْلِيفِ) وَاسْتِعْطَافِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِ النَّفْرَةِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي فَرْعٍ إذَا رَأَى شَخْصًا مُثَابِرًا عَلَى فِعْلٍ لَا يَرَاهُ، رُبَّمَا يَصِيرُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْمُو ذَلِكَ الشَّيْءُ وَيُزَادُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى النَّفْرَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ، فَيَنْشَأُ مِنْهَا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَهُوَ اتِّجَاهٌ وَجِيهٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ سَجْدَةً
غَيْرَهَا) ، أَيْ: غَيْرَ الم السَّجْدَةِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَمُّدَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الم تَنْزِيلُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (فِي عِشَاءِ لَيْلَتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (بِسُورَةِ: الْجُمُعَةِ وَ) زَادَ (فِي الرِّعَايَةِ " وَ: " الْمُنَافِقِينَ ") ، لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ.
(وَحَرُمَ إقَامَتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، (وَ) إقَامَةِ صَلَاةِ (عِيدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ) وَاحِدٍ (مِنْ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يُفْعَلَانِ فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ) مَسْجِدِ الْبَلَدِ عَنْ أَهْلِهِ، (وَ) كَ (بُعْدٍ) بِأَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ وَاسِعًا وَتَتَبَاعَدُ أَقْطَارُهُ، فَيَشُقُّ عَلَى مَنْ مَنْزِلُهُ بَعِيدٌ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ الْمَجِيءُ إلَيْهِ (وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَدَاوَةٌ.
فَتُخْشَى إثَارَةُ الْفِتْنَةِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ بِالْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُمْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ؛ فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ.
وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ.
(وَحَرُمَ) إقَامَتُهَا (بِ) مَوْضِعٍ (ثَالِثٍ إنْ حَصَلَ غِنًى) بِإِقَامَتِهَا (بِمَوْضِعَيْنِ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، (وَكَذَا مَا زَادَ) ، أَيْ: إذَا حَصَلَ الْغِنَى بِثَلَاثٍ، لَمْ تَجُزْ الرَّابِعَةُ، أَوْ بِأَرْبَعٍ، لَمْ تَجُزْ الْخَامِسَةُ، وَهَكَذَا، (فَإِنْ عُدِمَتْ) الْحَاجَةُ وَتَعَدَّدَتْ.
(صَحَّ) مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ (مَا بَاشَرَهَا) الْإِمَامُ، (أَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ) وَلَوْ مَسْبُوقَةً؛ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لِجُمُعَتِهِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا، (فَإِنْ اسْتَوَتَا) ، أَيْ: الْجُمُعَتَانِ أَوْ الْعِيدَانِ (فِي
إذْنِ) إمَامٍ (أَوْ عَدَمِهِ) فِي إقَامَتِهِمَا، (فَ) الصَّحِيحَةُ مِنْهُمَا (السَّابِقَةُ بِالْإِحْرَامِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِهَا، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، أَوْ مَكَان يَخْتَصُّ بِهِ جُنْدُ السُّلْطَانِ، أَوْ قَصَبَةِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهَا.
(فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) ، بِأَنْ أَحْرَمَ إمَامَاهُمَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَتُرَجَّحُ بِهَا.
(وَوَجَبَتْ إعَادَتُهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (إنْ أَمْكَنَ) اجْتِمَاعُهُمْ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُهُ، وَلَمْ تَقُمْ صَحِيحَةٌ، فَوَجَبَ تَدَارُكُهَا.
(وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إقَامَتُهَا لِفَقْدِ شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهَا، (فَ) إنَّهُمْ يُصَلُّونَ (ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ.
(وَإِنْ جَهِلَ كَيْفَ وَقَعَتَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ سَبْقَ إحْدَاهُمَا وَلَا مَعِيَّتَهُمَا (صَلَّوْا ظُهْرًا) ؛ لِاحْتِمَالِ سَبْقِ إحْدَاهُمَا، فَتَصِحُّ وَلَا تُعَادُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ جُمَعٌ فِي بَلَدٍ، وَجُهِلَ الْحَالُ أَوْ السَّابِقَةُ.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (الصِّحَّةَ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ التَّعَدُّدُ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ الصِّحَّةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدَيْنِ، فَقَالَ: صَلِّ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ: أَجَائِزَةٌ مَعَ كَوْنِ فِي الْبَلَدِ خُطْبَةٌ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ سُورِهَا وَغَلْقِ أَبْوَابِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا جُمُعَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا مَدِينَةٌ أُخْرَى كَمِصْرِ وَالْقَاهِرَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَمَدِينَةٍ أُخْرَى، فَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِلْحَاجَةِ تَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِهَذَا لَمَّا بُنِيَتْ بَغْدَادُ وَلَهَا جَانِبَانِ، أَقَامُوا فِيهَا جُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَجُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ
(وَإِذَا وَقَعَ عِيدٌ) فِي (يَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (سَقَطَتْ) الْجُمُعَةُ (عَمَّنْ حَضَرَهُ) ، أَيْ: الْعِيدَ (خَاصَّةً مَعَ الْإِمَامِ) ذَلِكَ الْيَوْمَ " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الْعِيدَ وَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
(سُقُوطُ حُضُورٍ لَا) سُقُوطُ (وُجُوبٍ) ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ (كَمَرِيضٍ) لَا كَمُسَافِرٍ، فَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَصَحَّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، أَوْ صَلَّاهُ بَعْدَ الْإِمَامِ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، أُقِيمَتْ وَإِلَّا، صَلَّوْا ظُهْرًا لِتَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، (إلَّا الْإِمَامَ) ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» . (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: عَدَمُ سُقُوطِهَا عَنْ إمَامٍ أَوْ (مُصَلٍّ) صَلَاةَ الْعِيدِ (مُنْفَرِدًا) ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ، وَلَوْ مِمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ، (أَقَامَهَا) لِعَدَمِ الْمَانِعِ، (وَإِلَّا) يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (صَلَّوْا ظُهْرًا) لِلْعُذْرِ.
(وَكَذَا يَسْقُطُ عِيدٌ بِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، عَمَّنْ حَضَرَهَا مَعَ الْإِمَامِ سُقُوطَ حُضُورٍ، (فَيُعْتَبَرُ عَزْمٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِجَوَازِ تَرْكِ الْعَدَدِ اكْتِفَاءً بِهَا.
(وَلَوْ فُعِلَتْ) الْجُمُعَةُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": أَوْ بَعْدَهُ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمْ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، فَلَمْ يَزِدْ
عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ.
فَيُرْوَى أَنَّ فِعْلَهُ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ " فَمَا صَلَّاهُ الْجُمُعَةَ فَتَسْقُط بِهِ الْعِيدُ وَالظُّهْرُ.
(وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الرَّاتِبَةِ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: (رَكْعَتَانِ) " «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَأَكْثَرُهَا) ، أَيْ: السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ: (سِتُّ) رَكَعَاتٍ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا رَاتِبَةَ لَهَا قَبْلَهَا) نَصًّا، (بَلْ) يُسَنُّ صَلَاةُ (أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.
(وَسُنَّ قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْكَهْفِ بِيَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(وَ) سُنَّ قِرَاءَتُهَا أَيْضًا فِي (لَيْلَتِهَا) ، لِحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهَا وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» وَفِي شُعَبِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سُورَةُ الْكَهْفِ فِي التَّوْرَاةِ تُدْعَى الْحَائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قَارِئِهَا وَبَيْنَ النَّارِ» وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَقْتٍ، فَظَاهِرُهُ: لَا أَفْضَلِيَّةَ فِي وَقْتٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: لَا عَدَدَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي مَرَّةٌ فِي يَوْمِهَا، وَمَرَّةٌ فِي لَيْلَتِهَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فِي أَحَدِهِمَا: فَالْأَوْلَى قِرَاءَتُهَا نَهَارًا.
قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ وَالْجُمُعَةُ تُشْبِهُهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ، وَقِيَامِ الْخَطِيبِ؛ وَلِأَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا قُرِئَتْ فِي نَهَارِهَا تَذَكَّرَ بِهَا، وَإِذَا قُرِئَتْ فِي لَيْلَتِهَا تَذَكَّرَ بِهَا لَيْلَةً لَيْسَ بَعْدَهَا إلَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
(وَ) سُنَّ (كَثْرَةُ دُعَاءٍ رَجَاءَ إصَابَةِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ (بَعْدَ الْعَصْرِ) " وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَفِي أَوَّلِهِ أَنَّ النَّهَارَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ
، لَكِنْ لَمْ يَحْكِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْمُبْدِعِ " هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، بَلْ ذَكَرَا قَوْلَ الْإِمَامِ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.
وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ: اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا فِي " فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
(وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا، فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
(فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُنْتَظِرًا صَلَاةَ مَغْرِبٍ) ، فَإِنَّ مَنْ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ.
وَفِي الدَّعَوَاتِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ
فِي الْبَابِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرَتْ لِمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
(وَ) سُنَّ (إكْثَارُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(وَ) سُنَّ (تَنَظُّفٌ بِقَصِّ شَارِبٍ وَتَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَوَائِحَ كَرِيهَةٍ بِسِوَاكٍ وَغَيْرِهِ وَتَطَيُّبٌ) بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَقَوْلُهُ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، أَيْ: مَا خَفِيَ رِيحُهُ وَظَهَرَ لَوْنُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (لُبْسُ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ) ، لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، (وَأَفْضَلُهَا: الْبَيَاضُ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ".
(وَ) سُنَّ أَيْضًا (تَبْكِيرُ غَيْرِ إمَامٍ وَ) غَيْرِ (مُعْتَكِفٍ وَ) غَيْرِ (أَجِيرٍ) إلَى الْجُمُعَةِ.
وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ (مَاشِيًا) بِسَكِينَةٍ، لِحَدِيثِ «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» . (بَعْدَ فَجْرٍ) .
لِحَدِيثِ «مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» . الْحَدِيثَ، (قَائِلًا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ.
. .) إلَى آخِرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ.
(وَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَبُعْدٍ وَكِبَرٍ، (وَ) بِرُكُوبِهِ عِنْدَ (عَوْدٍ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ.
(وَيَجِبُ سَعْيٌ) لِلْجُمُعَةِ (بِنِدَاءٍ ثَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] الْآيَةَ.
وَخُصَّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِخِلَافِ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ سُنَّةُ عُثْمَانَ وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ.
(إلَّا بَعِيدَ مَنْزِلٍ) عَنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ، (فَ) يَجِبُ سَعْيُهُ (فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا) إذَا سَعَى فِيهِ إلَيْهَا، وَالْمُرَادُ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلسَّعْيِ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَإِلَّا، فَلَا فَائِدَةَ لِسَعْيِهِ.
(وَتَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا إذَنْ) ، أَيْ: حِينَ وُجُوبِ السَّعْيِ، وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (إلَى انْقِضَائِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ.
(وَسُنَّ اشْتِغَالٌ بِذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى، تَحْصِيلًا لِلْأَجْرِ (وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ: (الْقُرْآنُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ بِتِلَاوَةِ حُرُوفِهِ.
(وَ) سُنَّ اشْتِغَالُهُ بِ (صَلَاةٍ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ) لِلْخُطْبَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ (فَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ) نَافِلَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ (غَيْرِ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ.
وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهَا.
(وَيُخَفِّفُ مَا) كَانَ (ابْتَدَأَهُ) مِنْ نَفْلٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ
فَرَاغِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى ثِنْتَيْنِ) . لِيَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ.
(وَكُرِهَ لِغَيْرِ إمَامٍ تَخَطِّي الرِّقَابِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِرَجُلٍ رَآهُ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ.
وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْمُؤَذِّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ (إلَّا إنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ) ، أَيْ: بِتَخَطِّي الرِّقَابِ، فَيُبَاحُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا لِإِسْقَاطِهِمْ حَقَّهُمْ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْهَا.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا (إيثَارُهُ) غَيْرَهُ (بِمَكَانٍ أَفْضَلَ) وَيَجْلِسُ فِيمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ رَغْبَةٌ عَنْ الْخَيْرِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُؤْثَرِ (قَبُولُهُ) وَلَا رَدُّهُ.
قَالَ مُسْنَدِي: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى مَوْضِعِكَ، فَرَجَعَ إلَيْهِ.
(وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمُؤْثَرِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (سَبْقُهُ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ، أَشْبَهَ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَآثَرَ بِهِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَسَّعَ لِشَخْصٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ غَيْرُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا، وَالْمَسْجِدُ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ.
(وَالْعَائِدُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ لِعَارِضٍ) لَحِقَهُ كَتَطَهُّرٍ (أَحَقُّ بِمَكَانِهِ) الَّذِي كَانَ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ.
فَلَوْ جَلَسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَلَهُ إقَامَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ الْقَائِمُ لِعَارِضٍ صَبِيًّا، فَيُؤَخَّرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْعَائِدُ إلَى مَكَانِهِ قَرِيبًا بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْهُ لِعَارِضٍ إلَّا بِالتَّخَطِّي، جَازَ، كَمَنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ.
(وَكَذَا جَالِسٌ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ) قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ قَرِيبًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»
وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِمَا إذَا عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهِ.
(وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ) إنْسَانٌ (غَيْرَهُ) مِنْ مَكَان سَبَقَهُ إلَيْهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ.
(وَلَوْ) كَانَ (عَبْدَهُ) الْكَبِيرَ (أَوْ) كَانَ (وَلَدَهُ) الْكَبِيرَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا» لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَالْوَالِدُ وَغَيْرُهُمَا (أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا) كَالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّحْدِيثِ (فِيهِ) ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، إذَا جَلَسَ إنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ إقَامَتُهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ (إلَّا الصَّغِيرَ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، فَيُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالتَّقَدُّمِ لِلْفَضْلِ.
(قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ، لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ.
(وَيَتَّجِهُ: بَلْ) قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ (تَقْتَضِي الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ مِنْهُ مَا) ، أَيْ: مَكَانًا (يَمْلِكُهُ) ، بَلْ صَلَّى فِي مَكَان هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ أَحَقُّ مِنْهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، (أَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَ الْمَسْجِدَ غَيْرَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ.
فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) لَهُ أَنْ (يُقِيمَ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِيَحْفَظَهُ) لَهُ، وَيَجْلِسَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَنَائِبِهِ فِي حِفْظِهِ، سَوَاءٌ حَفِظَهُ لَهُ (بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ) ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَلِأَنَّهُ قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةٍ، لَكِنْ إنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ أَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّينَ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، أُقِيمَ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
(وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلَّى مَفْرُوشٍ) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَبُّهُ إذَا جَاءَ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ
عَلَى رَبِّهِ، وَتَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَجُوزُ فَرْشُهُ (مَا لَمْ تَحْضُرْ) ، أَيْ: تَقُمْ (الصَّلَاةُ) وَلَا يَحْضُرُ رَبُّهُ، فَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوشَ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ لَمْ يَحْضُرْ.
(وَ) حَرُمَ (صَلَاةٌ) عَلَيْهِ، (وَجُلُوسٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهُ مَفْرُوشًا وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ.
(وَلَهُ) ، أَيْ: مَرِيدِ الصَّلَاةِ (فَرْشُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ إنْ حَرُمَ رَفْعُهُ، وَإِلَّا كُرِهَ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، تَوْجِيهًا.
(وَمَنَعَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْفَرْشِ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (لِتَحَجُّرِهِ) بِفَرْشِهِ مَكَانًا مِنْ (الْمَسْجِدِ) كَحُفْرَةٍ فِي التُّرْبَةِ الْمُسَبَّلَةِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَحَرُمَ كَلَامٌ وَلَوْ) كَانَ الْكَلَامُ (لِتَسْكِيتِ غَيْرِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَلَوْ حَالَ تَنَفُّسِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخُطْبَةِ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْمُتَكَلِّمُ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ.
وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا، لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» وَاللَّغْوُ: الْإِثْمُ.
وَحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: صَهٍ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا، فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَمَعْنَى لَا جُمُعَةَ لَهُ، أَيْ: كَامِلَةً.
(وَإِلَّا) يَسْمَعُ الْخَطِيبَ وَلَا هَمْهَمَتَهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، (فَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَحِينَئِذٍ فَاشْتِغَالُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ
مِنْ سُكُوتِهِ نَصًّا.
(وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ كَكَلَامٍ) ، لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
(وَحَلَّ) كَلَامٌ (لِخَطِيبٍ) وَهُوَ يَخْطُبُ.
(وَ) حَلَّ كَلَامٌ أَيْضًا (لِمَنْ كَلَّمَهُ) الْخَطِيبُ (لِمَصْلَحَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ أَنْ اُسْكُتْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الثَّالِثَةِ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
«وَكَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَيْكًا وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
" وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ " وَ " سَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِسْقَاءَ " وَلِأَنَّهُ حَالَ كَلَامِهِ الْإِمَامَ، وَكَلَامِ الْإِمَامِ إيَّاهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ.
(وَوَجَبَ) الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (لِتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَغَافِلٍ عَنْ هَلَكَةٍ كَنَارٍ وَبِئْرٍ) وَوَطْءِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَكُلِّ مَا يُؤْذِي أَوْ تَقْتُلُ، لِإِبَاحَةِ قَطْعِ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ
(وَيُبَاحُ) الْكَلَامُ (إذَا سَكَتَ) الْخَطِيبُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (أَوْ شَرَعَ فِي دُعَاءٍ) وَلَوْ غَيْرَ مَأْثُورٍ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ) لِلْكَلَامِ (مَحَلَّهُ) حَالُ (أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ) ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَاشْتَغَلَ بِالتَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أُبِيحَ الْكَلَامُ لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَرَفْعُ الصَّوْتِ قُدَّامَ الْخُطَبَاءِ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، فَلَا يَرْفَعُ مُؤَذِّنٌ وَ) لَا (غَيْرُهُ صَوْتَهُ بِصَلَاةٍ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) لَا (غَيْرِهَا) مِنْ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ، (وَلَا يُسَلِّمُ مَنْ دَخَلَ) عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْخُطْبَةِ وَاسْتِمَاعِهَا.
(وَلَيْسَ لَهُ إقْرَاءُ قُرْآنٍ وَ) لَا (مُذَاكَرَةٌ فِي فِقْهٍ) ، لِئَلَّا يَشْغَلَ غَيْرَهُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ، (وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَى سَائِلٍ وَقْتَ خُطْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ) ، أَيْ: السَّائِلَ (فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ) لَهُ فِعْلُهُ، وَهُوَ: الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (فَلَا يُعِينُهُ) عَلَى مَا لَا يَجُوزُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إنْ حَصَبَ السَّائِلَ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ) " لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَائِلٍ سَأَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَلَا يُنَاوِلُ السَّائِلُ حَالَ الْخُطْبَةِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ، فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ جَلَسَ لِاسْتِمَاعِهَا؛ جَازَ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ وَمُنَاوَلَتُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) وَعَلَى مَنْ سَأَلَهَا الْإِمَامُ لَهُ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ أَوْ خُرُوجِهِ أَوْلَى.
(وَكُرِهَ عَبَثٌ حَالَ خُطْبَةٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى؛ فَقَدْ لَغَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ، (وَ) كَذَا (شُرْبٌ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَاشْتِدَادِ عَطَشٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ.
(وَ) سُنَّ (دُنُوٌّ مِنْ إمَامٍ وَاسْتِمَاعُ) خُطْبَتِهِ لَعَلَّهُ يَتَّعِظُ بِهَا.
(وَ) (صَلَاةٌ سِرًّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعَهَا) ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(كَدُعَاءٍ) اتِّفَاقًا (وَتَأْمِينٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الدُّعَاءِ
(وَ) سُنَّ (انْتِقَالُهُ إنْ نَعَسَ مِنْ مَكَانِهِ) الَّذِي نَعَسَ فِيهِ، (وَلَهُ الْحَمْدُ خُفْيَةً إذَا عَطَسَ) نَصًّا، (وَرَدُّ سَلَامٍ) نُطْقًا، (وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَشْمِيتَ عَاطِسٍ لَا يَلْزَمُ مُشْتَغِلًا) بِنَحْوِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ (لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ سَلَامٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وَلَوْ وَقْتَ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَحَرُمَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا) ، لِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ الدَّاخِلُ شَيْئًا.
(وَتُسَنُّ تَحِيَّتُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَانِ فَأَكْثَرُ لِمَنْ دَخَلَهُ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا وَفِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ سَوَاءٌ (قَصَدَ الْجُلُوسَ أَوْ لَا) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (غَيْرُ خَطِيبٍ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ، (لَهَا) ، أَيْ: لِلْخُطْبَةِ (وَ) غَيْرُ (دَاخِلِهِ لِصَلَاةِ عِيدٍ، أَوْ) دَاخِلِهِ (وَقَدْ شَرَعَ فِي إقَامَةٍ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ كَانَ قَصْدُهُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا (وَدَاخِلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ؛ لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ، فَيُسَنُّ كُلَّمَا دَخَلَ.
(وَقَيِّمُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ) .
فَلَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ لِلْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُ قَيِّمِهِ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، فَتُسَنُّ لَهُ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا.
(وَيَتَّجِهُ: مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ الْقَيِّمِ (مُجَاوِرٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ) لِلْمَشَقَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَنْتَظِرُ) مَنْ دَخَلَ حَالَ الْأَذَانِ (فَرَاغَ مُؤَذِّنٍ لِتَحِيَّةِ) مَسْجِدٍ، لِيُجِيبَ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يُصَلِّيَهَا، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ.
(وَإِنْ جَلَسَ) مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ (قَامَ فَأَتَى بِهَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةَ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ جَلَسَ قَبْلَهَا: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةٍ " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " (مَا لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ) بَيْنَ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ فَيَفُوتُ مَحَلُّهَا، وَلَا تُقْضَى.
(وَتَقَدَّمَ) فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: (تُجْزِئُ رَاتِبَةٌ تَحِيَّةً) وَكَذَا فَرِيضَةٌ وَلَوْ مَقْضِيَّةً.
(وَلَا) تَحْصُلُ (تَحِيَّةُ) الْمَسْجِدِ (بِرَكْعَةٍ، وَ) لَا بِ (صَلَاةِ جِنَازَةٍ) ، لِعَدَمِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا (وَ) لَا بِ (سُجُودِ تُلَاوَةٍ، وَ) لَا سُجُودِ (شُكْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (وَسُنَّ لِمَنْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ (غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَكُرِهَ إسْنَادُ ظَهْرٍ) هـ (لِلْقِبْلَةِ) نَصًّا،
وَفِي مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَمَدُّ رِجْلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ فِي " الْآدَابِ ". (وَاسْتِقْبَالُهَا) ، أَيْ: الْقِبْلَةِ (مُتَّجِهٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ) كَحَالِ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْحَبْوَةِ نَصًّا، وَلَوْ حَالَ الْخُطْبَةِ) مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَ) لَا (بِالْقُرْفُصَاءِ، وَهِيَ: الْجُلُوسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ، مُفْضِيًا بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَقْصِدُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ، وَلَا جَلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ، فَعَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا؟) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ دُعَائِي وَمَسْأَلَتِي، أُعْطِيهِ أَفْضَلَ ثَوَابِ الشَّاكِرِينَ، وَإِنَّ فَضْلَ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَعَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا «أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ بِالدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَغَيْرُهُ.
(وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (مُحْدَثٌ) لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
(وَعَنْهُ) رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَكْرَهُهُ) ، أَيْ: الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا) أَيْ: الْمُجْتَمِعُونَ، (أَيْ: يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَ) قَالَ الْمُنَقِّحُ (فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " الصَّوَابُ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ لِحَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ) الِاجْتِمَاعِ (مَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِالِانْفِرَادِ مِنْ الِاتِّعَاظِ وَالْخُشُوعِ، كَانَ) حُضُورُهُ لِذَلِكَ (أَوْلَى) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، (وَإِلَّا) يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَلَا خُشُوعٌ، (فَلَا) يَحْضُرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجَامِعِ إذْ حُضُورُهُ ضَيَاعُ وَقْتٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي، وَ " مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ".
خَاتِمَةٌ: رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ.
وَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
[بَابُ أَحْكَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ]
ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
سُمِّيَ الْيَوْمُ الْمَعْرُوفُ عِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا، لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ.
وَهُوَ مِنْ: عَادَ يَعُودُ، فَهُوَ الِاسْمُ مِنْهُ، كَالْقِيلِ مِنْ الْقَوْلِ، وَصَارَ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْمَخْصُوصِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَجُمِعَ عَلَى أَعْيَادٍ، بِالْيَاءِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ.
(صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ " وَ " رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ " (إذَا اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا (عَلَى تَرْكِهَا) ، أَيْ: إذَا تَرَكُوهَا (قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي
تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالدِّينِ.
(وَكُرِهَ أَنْ يَنْصَرِفَ مَنْ حَضَرَ) مُصَلَّاهَا (وَيَتْرُكَهَا) ، لِتَفْوِيتِهِ أَجْرَهَا بِلَا عُذْرٍ.
(وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يُكْرَهُ انْصِرَافُ مَنْ حَضَرَ مُصَلَّاهَا قَبْلَ فِعْلِهَا (إنْ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ) ، أَيْ: الْمُنْصَرِفِ (عَدَدُ) الْمُصَلِّينَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يَنْقُصُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ بِانْصِرَافِهِ، (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ الِانْصِرَافُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَوَقْتُهَا كَ) وَقْتِ (صَلَاةِ الضُّحَى) مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ.
وَ (لَا) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِطُلُوعِ شَمْسٍ) قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ، كَمَا قَبْلَ طُلُوعِهَا، (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعِيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، صَلَّوْا) الْعِيدَ (مِنْ الْغَدِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ (قَضَاءً) ، وَلَوْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ.
(وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ) ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْعِيدِ، أَوْ لَمْ يُصَلُّوا لِفِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ أَخَّرُوهَا وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ.
(وَتُسَنُّ) صَلَاةُ عِيدٍ (حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ) فِي فِعْلِهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ، وَمَعَهَا تُفْعَلُ بِالْمَسْجِدِ، (بِصَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ عُرْفًا) مِنْ بُنْيَانٍ، لِحَدِيثِ أُبَيٍّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ هَيْبَةً وَأَظْهَرُ شِعَارًا، (فَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْعِيدِ بِصَحْرَاءَ (بَعِيدَةٍ) مِنْ بُنْيَانٍ عُرْفًا لِلْمَشَقَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُهَا بَعْضُ النَّاسِ فَيَفُوتُهُ فَضْلُهَا، (إلَّا بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، فَ) تُصَلَّى (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ، لِفَضِيلَةِ الْبُقْعَةِ، وَمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ.
وَلَمْ تَزَلْ الْأَئِمَّةُ يُصَلُّونَهَا بِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَالْأَقْصَى كَبَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَقْدِيمُ الْأَضْحَى بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، وَتَأْخِيرُ) صَلَاةِ (الْفِطْرِ) ، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ: عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ، وَذَكِّرْ النَّاسَ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةَ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ
(وَ) يُسَنُّ (أَكْلٌ فِيهِ) ، أَيْ: عِيدِ الْفِطْرِ (قَبْلَ خُرُوجٍ) إلَى الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(تَمَرَاتٍ وِتْرًا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ: «وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» .
(وَ) يُسَنُّ (إمْسَاكٌ) عَنْ أَكْلٍ (بِأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) الْعِيدَ لِلْخَبَرِ، (لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ إنْ ضَحَّى) يَوْمَهُ.
(وَالْأَوْلَى) بَدْءُ أَكْلٍ (مِنْ كَبِدِهَا) ، لِسُرْعَةِ تَنَاوُلِهِ وَهَضْمِهِ.
(وَإِلَّا) يُضَحِّ (خُيِّرَ) بَيْنَ أَكْلٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَرْكِهِ نَصًّا
(وَ) يُسَنُّ (غُسْلٌ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ عِيدٍ (فِي يَوْمِهِ) ، أَيْ: الْعِيدِ، لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُجْزِئُهُ لَيْلًا، وَلَا بَعْدَهَا.
(وَ) يُسَنُّ (تَنَظُّفُ) بَدَنٍ وَثِيَابٍ (كَجُمُعَةٍ وَتَبْكِيرُ مَأْمُومٍ) لِيَدْنُوَ مِنْ الْإِمَامِ، وَيَنْتَظِرَ الصَّلَاةَ، فَيَكْثُرُ أَجْرُهُ (بَعْدَ صَلَاةِ صُبْحٍ) مِنْ يَوْمِ عِيدٍ (مَاشِيًا) إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا» (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَعْتَمُّ وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَأَفْضَلُ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ، فَإِنْ اسْتَوَى الثَّوْبَانِ فِي الْحُسْنِ وَغَيْرِهِ، فَالْأَبْيَضُ أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَبْيَضِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَحِينَئِذٍ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَارِجُ إلَى الصَّلَاةِ وَالْقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، (إلَّا الْمُعْتَكِفَ وَلَوْ) كَانَ الْمُعْتَكِفُ (إمَامًا، فَ) يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْعِبَادَةِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَأْخِيرُ إمَامٍ لِ) دُخُولِ وَقْتِ (صَلَاةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْتَظَرُ وَلَا يَنْتَظِرُ.
(وَ) تُسَنُّ (تَوْسِعَةٌ عَلَى أَهْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ
(وَ) تُسَنُّ (صَدَقَةٌ) فِي يَوْمِ الْعِيدَيْنِ إغْنَاءً لِلْفُقَرَاءِ عَنْ السُّؤَالِ.
(وَ) يُسَنُّ (رُجُوعُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (فِي غَيْرِ طَرِيقِ غُدُوِّهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ إلَى الْعِيدِ خَالَفَ إلَى الطَّرِيقِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَعَلَيْهِ شَهَادَةُ الطَّرِيقَيْنِ، أَوْ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ لِمُرُورِهِ وَسُرُورِهِمَا بِمُرُورِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا وَنَحْوُهُ؛ فَلِذَا قَالَ: (وَكَذَا جُمُعَةٌ) ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِهَا.
(وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ) بِمَوْضِعِ صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ
مُفَارَقَتِهِ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا (قَضَاءُ فَائِتَةٍ قَبْلَ صَلَاةِ عِيدٍ بِمَوْضِعِهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ) الْمُصَلَّى، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، (بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ.
(وَ) كُرِهَ (أَنْ تُصَلَّى) الْعِيدُ (بِالْجَامِعِ) ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (بِغَيْرِ مَكَّةَ) ، فَتُسَنُّ فِيهَا بِهِ وَتَقَدَّمَ، (إلَّا لِعُذْرٍ) كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَسُنَّ لِإِمَامٍ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ) نَصًّا لِفِعْلِ عَلِيٍّ.
(وَيَخْطُبُ بِهِمْ نَدْبًا إنْ شَاءُوا) ، وَلَهُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ، (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا قَبْلَ الْإِمَامِ) ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
(فَإِنْ صَلَّوْا) قَبْلَهُ، (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، (وَأَيُّهُمَا سَبَقَ) بِالصَّلَاةِ، (سَقَطَ الْفَرْضُ بِهِ وَأَجْزَأَ) بَعْدَ أَوَّلِ صَلَاةٍ مِنْهُمَا (أُضْحِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ.
(وَتَنْوِيهِ طَائِفَةٌ مَسْبُوقَةٌ نَفْلًا) ، لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِالسَّابِقَةِ.
(وَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (لِنِسَاءٍ غَيْرِ مُطَيَّبَاتٍ، وَ) غَيْرِ (مُزَيَّنَاتٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (وَيَعْتَزِلْنَ الرِّجَالَ) ، فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ.
(وَتَعْتَزِلُ حَائِضٌ الْمُصَلَّى) لِلْخَبَرِ (بِحَيْثُ تَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ
[فَصْلٌ شُرُوطَ صَلَاةِ الْعِيدِ]
(فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (غَيْرَ خُطْبَةٍ مَا) شُرِطَ (لِجُمُعَةٍ مِنْ وَقْتٍ) كَسَائِرِ الْمُؤَقَّتَاتِ، (وَاسْتِيطَانِ) أَرْبَعِينَ، (وَعَدَدِ) الْجُمُعَةِ (وَحُضُورِهِمْ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ، أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ، (فَلَا تُقَامُ) الْعِيدُ (إلَّا حَيْثُ تُقَامُ) الْجُمُعَةُ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: صَلَاةُ الْعِيدِ: (رَكْعَتَانِ) تُفْعَلُ (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا) ، أَيْ: الْخُطْبَةِ (قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: رَكْعَتَيْ الْعِيدِ (عَكْسَ جُمُعَةٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ.
(وَلَا أَذَانَ لَهُمَا) ، أَيْ: صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، (وَلَا إقَامَةَ) أَيْضًا، (يُكَبِّرُ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى نَدْبًا بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، وَبَعْدَ (اسْتِفْتَاحٍ وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ سِتًّا) زَوَائِدَ، (وَ) يُكَبِّرُ (بِثَانِيَةٍ قَبْلَ قِرَاءَةٍ خَمْسًا) زَوَائِدَ نَصًّا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: أَنَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ التَّكْبِيرُ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرِ، وَكُلُّهُ جَائِزٌ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» فَأَدَّى أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ.
(وَيَقُولُ نَدْبًا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو أَوْ يُكَبِّرُ.
الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَحَرْبٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ.
(وَإِنْ أَحَبَّ) مُصَلٍّ (قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) مِنْ الْأَذْكَارِ (إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مُؤَقَّتٌ) ، أَيْ: مَخْصُوصٌ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
(وَلَا يَأْتِي بِذِكْرٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةٍ أَخِيرَةٍ) فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ فَقَطْ، (بَلْ يَسْتَعِيذُ وَيَقْرَأُ جَهْرًا الْفَاتِحَةَ، فَسَبِّحْ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى، فَغَاشِيَةً بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ: بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَ: هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ.
(وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ حَتَّى رَكَعَ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَدْ أَلْغَى فَرْضًا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ، فَقَدْ حَصَلَتْ التَّكْبِيرَاتُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
(وَكَذَا مَسْبُوقٌ أَدْرَكَهُ) -، أَيْ: الْإِمَامَ - قَائِمًا (بَعْدَهُ) - أَيْ:
بَعْدَ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ أَوْ بَعْضَهُ - لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا، (لَكِنْ يُكَبِّرُ فِيمَا يَقْضِيهِ) وَلَوْ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (بِمَذْهَبِهِ) لَا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ.
(وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ (قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا) قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ (عَلَى صِفَتِهَا) ، لِفِعْلِ أَنَسٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، (كَمُدْرِكِ) إمَامٍ (فِي) الـ (تَّشَهُّدِ) ، لِعُمُومِ: «وَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»
(فَإِذَا سَلَّمَ إمَامٌ، خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَانِ: (سُنَّةٌ، وَلَا يَجِبُ حُضُورُهُمَا وَلَا اسْتِمَاعُهُمَا) ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ، فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
(وَأَحْكَامُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (كَخُطْبَتَيْ جُمُعَةٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا (حَتَّى فِي) تَحْرِيمِ (كَلَامٍ) حَالَ الْخُطْبَةِ نَصًّا (إلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ) ، فَيُسَنُّ كَمَا فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَمَعْنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " وَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، جَلَسَ نَصًّا نَدْبًا، لِيَسْتَرِيحَ، وَيَتَرَادَّ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ.
(وَيَجْلِسُ يَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ (مَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ (ثُمَّ يَقْضِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (إنْ شَاءَ) قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ تَطَوُّعًا فِي حَقِّهِ.
(وَسُنَّ لِخَطِيبٍ اسْتِفْتَاحُ) خُطْبَةٍ (أُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نَسَقًا،
(وَ) يَسْتَفْتِحُ خُطْبَةً (ثَانِيَةً بِسَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (نَسَقًا) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ قَالَ: " يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ "، وَيَكُونُ (قَائِمًا) حَالَ تَكْبِيرِهِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ.
(يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ) عِيدِ فِطْرٍ (عَلَى صَدَقَةٍ) ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جِنْسًا وَقَدْرًا، وَوَقْتَ الْوُجُوبِ وَالْإِخْرَاجِ، (وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ) الْفِطْرَةُ، وَمَنْ يُسَنُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، (وَ) مَنْ (تُدْفَعُ لَهُ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ، (وَيُرَغِّبُهُمْ) بِخُطْبَةِ (أَضْحَى فِي أُضْحِيَّةٍ) وَمَا أُعِدَّ لِفَاعِلِهَا مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا) ، أَيْ: مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ، وَمَا الْأَفْضَلُ مِنْهَا، وَوَقْتُهَا، وَمَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا " لِأَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِهِمَا.
[فَصْلٌ سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ فِي صَلَاة الْعِيد]
(فَصْلٌ) (سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ، وَ) سُنَّ (جَهْرُ غَيْرِ أُنْثَى بِهِ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ (فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا.
(وَ) تَكْبِيرُ عِيدِ (فِطْرٍ آكَدُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185] ، أَيْ: عِدَّةَ رَمَضَانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] (وَ) سُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (مِنْ خُرُوجٍ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْعِيدَيْنِ (إلَى فَرَاغِ خُطْبَةٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إذَا غَدَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ