مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 523-562
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 523-562
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْفَصْلِ، فَ (إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مَنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأُخْرَى (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي مَحَلِّهِ عَالِمًا عَمْدًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أَخِيرَةٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ، وَلَمْ يَسْجُدْهَا فِي الْحَالِ (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا؛ بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ) الْمَتْرُوكُ رُكْنُهَا فَقَطْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ.
(وَ) إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا تَرَكَ إلَّا (بَعْدَ السَّلَامِ فَ) ذَلِكَ (كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِ رُكْنِهَا غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ (يَأْتِي بِهَا) ، أَيْ: بِالرَّكْعَةِ (مَعَ قُرْبِ فَصْلٍ) عُرْفًا (كَمَا مَرَّ) ، وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ (مَا لَمْ يَكُنْ) الْمَتْرُوكُ (تَشَهُّدًا أَخِيرًا) ؛ فَيَأْتِي بِهِ، وَيَسْجُدُ وَيُسَلِّمُ.
(أَوْ) مَا لَمْ يَكُنْ (سَلَامًا؛ فَيَأْتِي بِهِ وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (وَيُسَلِّمُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِسُجُودِ السَّهْوِ كَمَا يَأْتِي، وَلَمْ يَكُنْ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَظَاهِرُهُ، أَوْ صَرِيحُهُ: أَنَّ السُّجُودَ هُنَا بَعْدَ السَّلَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا.

(وَإِنْ نَسِيَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً (وَذَكَرَ وَقَدْ قَرَأَ فِي) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ؛ فَهِيَ أُولَاهُ) ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ أُولَاهُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَتِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى، ثُمَّ صَارَتْ الثَّالِثَةُ أُولَاهُ أَيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ الرَّابِعَةُ، ثُمَّ الْخَامِسَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ غَيْرُ تَامَّةٍ تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
(وَ) إنْ ذَكَرَ الْمَنْعَ مِنْ السَّجَدَاتِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ فَ (يَسْجُدُ سَجْدَةً

فَتَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ) ، وَهِيَ: الرَّابِعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، (وَيَأْتِي بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَبْلَ الرَّابِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (بَعْدَ السَّلَامِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ، كَتَارِكِ رَكْعَةٍ، فَيَكُونُ هَذَا كَتَارِكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ؛ فَتَبْطُلُ.
(وَ) إنْ نَسِيَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (سَجْدَتَيْنِ، أَوْ) نَسِيَ (ثَلَاثًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا) فَلَمْ يَدْرِ أَهَمَّا مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ (وَقَدْ قَرَأَ؛ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعَةِ، فَيَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ يَبْنِي عَلَيْهِمَا، وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ.
(وَ) إنْ نَسِيَ (ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، وَجَهِلَهَا؛ (أَتَى بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ وُجُوبًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، فَتَلْغُو بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا.
(وَ) إنْ نَسِيَ (خَمْسًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ) نَسِيَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ (ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ أَرْبَعٍ، وَجَهِلَهَا (وَلَمْ يَقْرَأْ؛ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ) ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ (ثُمَّ أَتَى بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (أَوْ) أَتَى (بِرَكْعَتَيْنِ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
(وَ) مَنْ نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَجْدَةً، وَ) نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ، وَ) نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الرَّابِعَةِ سَجْدَةً، وَ) أَتَى بِالثَّالِثَةِ تَامَّةً؛ جَعَلَهَا أُولَاهُ إنْ (لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ) ، فَإِنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَتِهَا لَغَا مَا قَبْلَهَا، إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَتِهَا (أَتَى

بِسَجْدَةٍ) لِيَتِمَّ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَهُمَا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَتَكُونُ الرَّابِعَةُ ثَانِيَةً (ثُمَّ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ الْأَرْبَعُ.
(وَمَنْ ذَكَرَ) فِي صَلَاتِهِ (تَرْكَ رُكْنٍ، وَجَهِلَ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ (أَرُكُوعٌ هُوَ) ، أَيْ: الْمَتْرُوكُ، أَمْ رَفْعٌ مِنْهُ (أَمْ سُجُودٌ) ، أَمْ رَفْعٌ مِنْهُ (أَمْ قِرَاءَةٌ، أَوْ) عَلِمَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ، لَكِنَّهُ جَهِلَ (مَحَلَّهُ) ، أَيْ: مَحَلَّ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ (كَ) كَوْنِهِ (مِنْ) رَكْعَةٍ (أُولَى، أَوْ مِنْ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ؛ عَمِلَ) وُجُوبًا (بِأَسْوَأِ التَّقْدِيرَيْنِ، وَهُوَ) أَنْ يَجْعَلَ الرُّكْنَ الْمَجْهُولَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى رُكُوعًا، فَيَقُومَ وَيَرْكَعَ، وَيَرْفَعَ، وَيَعْتَدِلَ وَيَسْجُدَ، وَيَجْعَلَ السَّجْدَةَ الَّتِي نَسِيَ مَحَلَّهَا مِمَّا قَبْلَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ سُجُودًا، فَيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ (قِرَاءَةً) ؛ فَيَقُومُ، وَيَأْتِي بِهَا (وَ) يَجْعَلُهَا (مِنْ) رَكْعَةٍ (أُولَى) ، فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا؛ لِيَحْصُلَ لَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ يَقِينًا.
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا يَأْتِي بِكُلِّ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونُ مُغَرَّرًا بِهَا.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا؛ فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ.
(وَإِنْ) ذَكَرَ أَنَّهُ (تَرَكَ آيَتَيْنِ) مُتَوَالِيَتَيْنِ (مِنْ الْفَاتِحَةِ، فَ) يَجْعَلُهُمَا (مِنْ رَكْعَةٍ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا) ، فَيَجْعَلُهُمَا (مِنْ رَكْعَتَيْنِ) احْتِيَاطًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِلْكُلِّ.

[فَصْلٌ مُصَلٍّ شَاكٌّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِهِ]

(فَصْلٌ) (وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الْأَقَلُّ) مُصَلٍّ شَاكٌّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ، بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِهِ، فَيُجْعَلُ كَمَنْ تَيَقَّنَ تَرْكَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلَ الصَّلَاةِ (أَوْ) شَكَّ فِي (عَدَدِ رَكَعَاتٍ) ، كَمَا لَوْ شَكَّ: أَصَلَّى رَكْعَةً، أَوْ رَكْعَتَيْنِ؛ بَنَى عَلَى رَكْعَةٍ، وَاثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ بَنَى عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَهَكَذَا (وَلَوْ) كَانَ الشَّاكُّ (إمَامًا) ، رُوِيَ عَنْ.
عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؛ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَكَطَهَارَةٍ وَطَوَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ لَا.
(فَمَنْ شَكَّ) فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ (فِي تَرْكِ رَكْعَةٍ) فَهُوَ كَتَرْكِهَا، (أَوْ) شَكَّ فِي تَرْكِ (رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) ، أَيْ: الرُّكْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ وَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّم، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
فَتَحَرِّي الصَّوَابِ فِيهِ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
(وَلَا أَثَرَ لِشَكٍّ بَعْدَ سَلَامٍ، أَوْ) بَعْدَ (فَرَاغِ كُلِّ عِبَادَةٍ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا.
(وَيَأْخُذُ مَأْمُومٌ عِنْدَ شَكِّهِ بِفِعْلِ إمَامِهِ مَعَ تَعَدُّدِ مَأْمُومٍ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ خَطَأُ اثْنَيْنِ، وَإِصَابَةُ وَاحِدٍ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ.
(وَ) الْمَأْمُومُ (فِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ شَكَّ)

الْمَأْمُومُ؛ (هَلْ دَخَلَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ (بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى، أَوْ ثَانِيَةٍ؛ جَعَلَهُ) ، أَيْ: الدُّخُولَ مَعَهُ (بِثَانِيَةٍ) ؛ فَيَقْضِي رَكْعَةً إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ احْتِيَاطًا.
(وَلَوْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ رَاكِعًا، فَشَكَّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ، هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا؛ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) ، لِاحْتِمَالِ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ فِيهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، لَمْ يَرْجِعْ لِفِعْلِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ لَا يَكْفِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَكَّ إمَامٌ، فَسَبَّحَ بِهِ وَاحِدٌ، بَلْ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ كَالْمُنْفَرِدِ، وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ خَطَأَهُ.
(فَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَتَى) مَأْمُومٌ (بِمَا شَكَّ فِيهِ) مَعَ إمَامِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَسَلَّمَ) . فَإِنْ كَانَ مَعَ إمَامٍ غَيْرِهِ، وَشَكَّ؛ رَجَعَ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ، كَمَنْ نَبَّهَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ.
(وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ مُفَارَقَتِهِ) ، أَيْ: مُفَارِقَةِ الْمَأْمُومِ؛ لِإِمَامِهِ (مَعَ تَيَقُّنِ خَطَأِ إمَامِهِ) ، كَذَا قَالَ.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ.
انْتَهَى، وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْكَافِي وَالْمَجْدِ وَابْنِ تَمِيمٍ؛ فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ، وَإِنَّمَا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ إمَامُهُ، وَيُسَلِّمَ مَعَهُ.

(وَلَا) يُشْرَعُ (سُجُودُ) سَهْوٍ (لِشَكٍّ فِي) تَرْكِ (وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي سَبَبِ وُجُوبِ السُّجُودِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُشْرَعُ سُجُودٌ لِشَكٍّ فِي (سَهْوٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ زِيَادَةٍ) فَلَا يُشْرَعُ سُجُودٌ؛ لِشَكِّهِ فِي حُصُولِهَا، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ زَادَ رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا؟ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ؛ فَلَحِقَ بِالْمَعْدُومِ يَقِينًا.
(إلَّا إذَا شَكَّ) فِي الزِّيَادَةِ (وَقْتَ فِعْلِهَا) كَمَا لَوْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ، وَهُوَ فِيهَا، هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ، أَوْ لَا.
أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ كَذَلِكَ؛ فَيَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ، مُتَرَدِّدًا فِي كَوْنِهِ مِنْهَا، أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا، فَضَعُفَتْ النِّيَّةُ، وَاحْتَاجَتْ لِلْجَبْرِ بِالسُّجُودِ.
وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوْ غَيْرِهِ، فَبَنَى عَلَى يَقِينِهِ، ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ؛ لَمْ يَسْجُدْ، إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ.
صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ خِلَافًا لِشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(فَلَوْ شَكَّ فِي تَشَهُّدٍ) أَخِيرٍ؛ (هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا؛ لَمْ يَسْجُدْ) لِذَلِكَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي زِيَادَةٍ فِي غَيْرِ وَقْتِ فِعْلِهَا، فَلَا أَثَرَ لَهُ.
(وَمَنْ سَجَدَ لِشَكٍّ) ظَنَّا أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ (ثُمَّ تَبَيَّنَ) لَهُ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ) لِذَلِكَ الشَّكِّ؛ (سَجَدَ) وُجُوبًا (لِذَلِكَ) ،

أَيْ: لِكَوْنِهِ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَجْدَتَيْنِ غَيْرَ مَشْرُوعَتَيْنِ.
وَمَنْ عَلِمَ سَهْوًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيَسْجُدُ لَهُ، أَمْ لَا؛ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَمَنْ شَكَّ؛ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ) الْمُتَيَقَّنِ (أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ؛ (سَجَدَ) لِلسَّهْوِ وُجُوبًا، وَكَفَاهُ سَجْدَتَانِ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَأْمُومٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ سُجُودُ سَهْوٍ) سَهَاهُ الْمَأْمُومُ دُونَ إمَامِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَتَى بِمَا مَحَلُّ سُجُودِهِ بَعْدَ السَّلَامِ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ؛ فَيَسْجُدَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ) ، سَوَاءٌ سَهَا الْمَأْمُومُ، أَوْ لَا.
حَكَاهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (مَا عَلَيْهِ مِنْ) وَاجِبٍ؛ (تَشَهَّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ) بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (مَسْبُوقًا) ، وَسَهَا الْإِمَامُ (فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ) الْمَسْبُوقُ فِيهِ، بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ سَهَا عَلَيْهِ فِي الْأُولَى، وَأَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَثَلًا؛ فَيَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً لَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ حَيْثُ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ فِي بَقِيَّةِ الرَّكْعَةِ.
(فَلَوْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) ظَانًّا عَدَمَ سَهْوِ إمَامِهِ، فَسَجَدَ إمَامُهُ؛ (رَجَعَ) الْمَسْبُوقُ (فَسَجَدَ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ السُّجُودَ مَعَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَيَرْجِعُ وُجُوبًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ، فَإِنْ اسْتَتَمَّ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَرْجِعَ، كَمَنْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ.
وَ (لَا) يَرْجِعُ (إنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) ؛ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى وَاجِبٍ.
(وَإِنْ أَدْرَكَهُ) ، أَيْ: أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ إمَامَهُ (فِي آخَرِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ سَجَدَ) مَسْبُوقٌ (مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ السَّجْدَةَ الَّتِي أَدْرَكَهُ فِيهَا مُتَابَعَةً لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ؛ (أَتَى) الْمَسْبُوقُ (بِ) السَّجْدَةِ (الثَّانِيَةِ) ، لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ) نَصًّا؛ لِعُمُومِ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَهُمَا) ، أَيْ: سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (وَقَبْلَ السَّلَامِ؛ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ لِسَهْوِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ بَعْضًا، فَيَقْضِي الْفَائِتَ، وَبَعْدَ السَّلَامِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا مَسْبُوقٌ) نَوَى الْإِمَامَةَ بِمِثْلِهِ، فَجَاءَ مَسْبُوقٌ آخَرُ، وَ (دَخَلَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ إمَامَهُ (إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَقَبْلَ السَّلَامِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إذَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ، وَلَا مِنْ إمَامِهِ سَهْوٌ، وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ انْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ بِسُجُودِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْبُوقِ الْأَوَّلِ مَعَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

(وَيَسْجُدُ مَسْبُوقٌ إنْ سَلَّمَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ (سَهْوًا) بَعْدَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا.
(وَ) يَسْجُدُ أَيْضًا مَسْبُوقٌ (لِسَهْوِهِ) ، أَيْ: الْمَسْبُوقِ، دُونَ إمَامِهِ (مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ

فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ، وَلَوْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ.
(وَ) يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ أَيْضًا إذَا سَهَا (فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ) ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا، فَلَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ سُجُودَهُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامٌ) سَهَا سَهْوًا يَجِبُ، السُّجُودُ لَهُ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْمَأْمُومِ، مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ بِنُقْصَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ.
وَ (سَجَدَ مَسْبُوقٌ إذَا فَرَغَ) مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ (وَ) يَسْجُدُ (غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْمَسْبُوقِ، وَهُوَ مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ (بَعْدَ إيَاسِهِ) ، أَيْ: إيَاسِ الْمَأْمُومِ (مِنْ سُجُودِهِ) ، أَيْ: سُجُودِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ قَرِيبًا فَسَجَدَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلسُّجُودِ إلَّا بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَى وُجُوبَهُ، أَوْ تَرَكَ السُّجُودَ سَهْوًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَتَرَكَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ مِنْهُ عَمْدًا؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ.

[فَصْلٌ سُنَّ سُجُودٌ لِكُلِّ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ بِشَرْطِ فَرَاغِ تَشَهُّدٍ]

(فَصْلٌ) (وَسُنَّ سُجُودٌ لِكُلِّ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ بِشَرْطِ فَرَاغِ تَشَهُّدٍ) ، وَفَرَاغِ دُعَاءٍ بَعْدَهُ (إلَّا إذَا سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ سَلَامُهُ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (فَ) يَسْجُدُ (بَعْدَ سَلَامٍ) ؛ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: وَسُنَّ سُجُودٌ.
. . إلَخْ، هَذِهِ السُّنِّيَّةُ فِي مَحَلِّهِ لَا فِي ذَاتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ، وَلِلَحْنٍ يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا؛ وَاجِبٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ؛ هَلْ مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فِيهِ التَّفْصِيلُ؟ . قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَبَعْدَهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى

وَالْأَفْضَلِ، فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ: وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ) ، أَيْ: السُّجُودِ الَّذِي مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلصَّلَاةِ، خَارِجٌ عَنْهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِهَا.
(كَ) مَا لَا تَبْطُلُ (بِتَرْكِ) سُجُودٍ (غَيْرِ وَاجِبٍ) ؛ كَمَسْنُونٍ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: السُّجُودَ الَّذِي مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ (مُنْفَرِدٌ عَنْهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ (وَاجِبٌ لَهَا كَأَذَانٍ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْوَاجِبِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ كَالْجَمَاعَةِ، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا.
(وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِ) سُجُودٍ (وَاجِبٍ سُنَّ) فِعْلُهُ (قَبْلَ سَلَامٍ) ، لِتَعَمُّدِ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ.
(وَيَتَّجِهُ لَا) تَبْطُلُ (صَلَاةُ مَأْمُومٍ سَجَدَ) بَعْدَ سَلَامِ إمَامٍ تَرَكَ السُّجُودَ عَمْدًا؛ لِكَوْنِهِ لَا يَرَى وُجُوبَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى وُجُوبَهُ، وَتَرَكَهُ عَمْدًا، فَلَا رَيْبَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِ؛ لِارْتِبَاطِهَا بِهَا صِحَّةً وَفَسَادًا كَمَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

(وَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ السُّجُودَ، وَقَدْ نُدِبَ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ؛ أَتَى بِهِ بَعْدَهُ مَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(أَوْ) نَسِيَهُ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ، (ثُمَّ ذَكَرَ، أَتَى بِهِ مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ) عُرْفًا (وَلَوْ تَكَلَّمَ أَوْ انْحَرَفَ عَنْ قِبْلَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، وَ (شَرَعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى) ، ثُمَّ ذَكَرَهُ (فَ) يَقْضِيهِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) إذَا سَلَّمَ مِنْهَا إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ (وَلَا يَصِيرُ بِهِ) ، أَيْ السُّجُودِ الْمَقْضِيِّ (عَائِدَ الصَّلَاةِ) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِالسَّلَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْعَوْدِ لِلصَّلَاةِ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ الْمَنْسِيُّ سُجُودُهَا (بِوُجُودِ مُفَسِّرٍ فِيهِ) أَيْ: السُّجُودِ مِنْ حَدَثٍ، أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيهِ (وَإِنْ طَالَ فَصْلٌ عُرْفًا، أَوْ أَحْدَثَ أَوْ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ، سَقَطَ) عَنْهُ السُّجُودُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا.
(وَيَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا) ، أَيْ: السَّهْوَيْنِ، بِأَنْ كَانَ مَحَلُّ أَحَدِهِمَا قَبْلَ السَّلَامِ، كَتَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ، وَالْآخَرِ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا، وَأَتَمَّهَا وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ مُنْفَرِدًا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَهُوَ يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَمَا لَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ: وَأَمَّا حَدِيثُ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» فَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
ثُمَّ الْمُرَادُ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ.
وَالسَّهْوُ وَإِنْ كَثُرَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَالتَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ.
(وَ) إذَا اجْتَمَعَ مَا مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَا

مَحَلُّهُ بَعْدَهُ (يَغْلِبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ) فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا سَجَدَ لَهُ سَقَطَ الثَّانِي (وَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلِّهِ) هَلْ السُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (فَ) يَجْعَلُهُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (فَ) يَجْعَلُهُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(وَمَتَى سَجَدَ) لِسَهْوٍ (بَعْدَ سَلَامٍ لَا قَبْلَهُ، جَلَسَ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (فَتَشَهَّدَ وُجُوبًا التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ثُمَّ سَلَّمَ) سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلِأَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي حُكْمِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، فَاحْتَاجَ إلَى التَّشَهُّدِ، كَمَا احْتَاجَ إلَى السَّلَامِ إلْحَاقًا لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، فَلَيْسَ قَبْلَهُمَا مَا يَلْحَقَانِ بِهِ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَتَابِعٌ، فَلَمْ يُفْرَدْ لَهُ تَشَهُّدٌ، كَمَا لَا يُفْرَدُ بِسَلَامٍ.

(وَلَا يَتَوَرَّكُ فِيهِ) ، أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) ، بَلْ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا كَتَشَهُّدِ نَفْسِ الصَّلَاةِ.
فَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً، أَوْ رُبَاعِيَّةً؛ تَوَرَّكَ لِمَا ذُكِرَ، (وَهُوَ) ، أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ، قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ.
(وَمَا يُقَالُ فِيهِ) مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ (وَ) مَا يُقَالُ فِيهِ مِنْ تَكْبِيرٍ (عِنْدَ هُوِيٍّ) إلَيْهِ (وَ) بَعْدَ (رَفْعٍ) مِنْهُ، كَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (كَسُجُودِ صُلْبِ) الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْإِخْبَارِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ لَبَيَّنَهُ.

[بَابُ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ]

(بَابُ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ) (تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُبْطِلِ طَهَارَةٍ) مِنْ حَدَثٍ وَنَحْوِهِ: (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَرْكِ وَاجِبٍ) مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ، وَطَلَبِ مَغْفِرَةٍ، وَنَحْوِهَا، (عَمْدًا) لَا سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِتَرْكِ (رُكْنٍ) ، كَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (اتِّصَالِ نَجَاسَةٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (بِهِ) ، أَيْ: بِالْمُصَلِّي (إنْ) قَدَرَ عَلَى إزَالَتِهَا، وَ (لَمْ يُزِلْهَا حَالًا) ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِاسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ حَيْثُ شَرْطُ اسْتِقْبَالِهَا) بِأَنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ رَاحِلَةٍ، وَلَا تَبْطُلُ فِي نَحْوِ خَوْفٍ.
وَالِاسْتِدْبَارُ حَقِيقَةً: أَنْ يَجْعَلَ الْقِبْلَةَ خَلْفَ دُبُرِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا؛ بَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ؛ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ مُجَانِبًا لَهَا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِكَشْفِ) كَثِيرٍ مِنْ (عَوْرَةٍ) إنْ لَمْ يَسْتُرْهُ فِي الْحَالِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (زِيَادَةِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) ؛ كَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ عَمْدًا (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى بَعْضٍ) ، كَسُجُودٍ قَبْلَ رُكُوعٍ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (سَلَامٍ قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (إحَالَةِ مَعْنَى قِرَاءَةٍ) ؛

كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ، أَوْ كَسْرِهَا.
وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِفِعْلِ ذَلِكَ (عَمْدًا فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِ سُتْرَةٍ بَعِيدَةٍ لِعُرْيَانٍ وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (اسْتِنَادِ) مُصَلٍّ اسْتِنَادًا (قَوِيًّا بِلَا عُذْرٍ وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (رُجُوعِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (عَالِمًا ذَاكِرًا لِتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ بَعْدَ) اسْتِوَاءٍ قَائِمًا (وَشُرُوعٍ فِي قِرَاءَةٍ) لَا قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ مُفَصَّلًا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِرُجُوعِ مُصَلٍّ لِ (تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَ) تَسْبِيحِ (سُجُودٍ بَعْدَ اعْتِدَالٍ) مِنْ رُكُوعٍ (وَ) بَعْدَ (جُلُوسٍ) مِنْ سُجُودٍ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِرُجُوعِهِ (لِسُؤَالِ مَغْفِرَةٍ بَعْدَ سُجُودٍ) ثَانٍ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِفَسْخِ نِيَّةٍ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (وَتَرَدُّدٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ لِاشْتِرَاطِ اسْتِدَامَةِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا اسْتِدَامَةَ مَعَ التَّرَدُّدِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (عَزْمٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِشَكِّهِ؛ هَلْ نَوَى، أَوْ) هَلْ (عَيَّنَ) صَلَاةً بِعَيْنِهَا، أَوْ لَا؟ (فَعَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِهَا؛ كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ تَسْبِيحٍ، وَنَحْوِهِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ) ؛ لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ (بَيْنَ يَدَيْهِ) فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِدُعَاءٍ بِمَلَاذِّ الدُّنْيَا) ؛ كَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِنُطْقِ) مُصَلٍّ (بِكَافِ الْخِطَابِ لِغَيْرِ اللَّهِ) ؛ كَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ (وَ) لِغَيْرِ (رَسُولِهِ أَحْمَدَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

كَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِقَهْقَهَةٍ وَ) بِ (كَلَامٍ، وَلَوْ قَلَّ) الْكَلَامُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ (أَوْ) كَانَ تَكَلَّمَ وَهُوَ فِيهَا (سَهْوًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ لِتَحْذِيرٍ) عَنْ (مَهْلَكَةٍ) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَقَدُّمِ مَأْمُومٍ عَلَى إمَامِهِ) عَمْدًا مُطْلَقًا وَسَهْوًا إنْ بَقِيَ إلَى رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فِي الْجُمْلَةِ (لَا مُطْلَقًا)

إذْ قَدْ تَبْطُلُ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَعَ بَقَاءِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مِنْهَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا فَنَبَّهُوهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إنْ فَارَقُوهُ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِسَلَامِهِ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (عَمْدًا قَبْلَ) سَلَامِ (إمَامِهِ أَوْ سَهْوًا، وَلَمْ يُعِدْهُ) ، أَيْ: السَّلَامَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ إمَامِهِ.
(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ) فِي فَرْضٍ عَمْدًا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، لِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّلَاةَ.
وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيلُ الْقِيَامَ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى جُرْعَةِ مَاءٍ.

وَ (لَا) تَبْطُلُ بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ (يَسِيرٍ عُرْفًا لِسَاهٍ وَجَاهِلٍ) فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا، فَيَسْجُدُ لَهُ، لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَعَمُّدِهِ.
فَتَلَخَّصَ أَنَّ كَثِيرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، وَأَنَّ يَسِيرَهُمَا عَمْدًا يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَأَنَّ يَسِيرَ الْأَكْلِ عَمْدًا يُبْطِلُ النَّفَلَ وَالْفَرْضَ، خِلَافًا لِلْإِقْنَاعِ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ يَسِيرِ

الشُّرْبِ وَيَأْتِي.
وَإِنَّ يَسِيرَهُمَا سَهْوًا لَا يُبْطِلُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
(وَ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا (بَلْعُ نَحْوِ سُكَّرٍ ذُوِّبَ) كَفَالُوذَج، وَحَلْوَى (بِفَمٍ كَأَكْلٍ) لِحُصُولِ التَّغْذِيَةِ، أَوْ التَّلَذُّذِ فِي كُلٍّ.

(وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَمَلِ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثَرٍ عَادَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَيَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ الْمُتَابَعَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ، وَنَحْوِهِ) ، كَسَيْلٍ وَسَبْعٍ وَنَارٍ، فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ لَمْ تَبْطُلْ.
(وَمَنْ عَلِمَ بِبُطْلَانِهَا وَمَضَى فِيهَا أُدِّبَ) لِاسْتِخْفَافِهِ بِحُرْمَتِهَا.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِعَمَلٍ يَسِيرٍ) مُطْلَقًا (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا بِعَمَلٍ (كَثِيرٍ غَيْرِ مُتَوَالٍ) عُرْفًا.
(وَكُرِهَ) الْعَمَلُ الْيَسِيرُ أَوْ الْكَثِيرُ غَيْرُ الْمُتَوَالِي (بِلَا حَاجَةٍ) ، كَحَكَّةٍ وَنَحْوِهَا.
(وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ) سَهْوٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا.
(وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ) مَفْهُومَةٌ، أَوْ لَا (كَفِعْلِهِ) ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ إلَّا إذَا كَثُرَتْ عُرْفًا.
(وَلَا يُقَدَّرُ) عَمَلٌ (يَسِيرٌ بِثَلَاثِ) حَرَكَاتٍ (وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ) إذْ الِاعْتِبَارُ بِالْعُرْفِ قِلَّةً وَكَثْرَةً.

(وَلَا) تَبْطُلُ (بِبَلْعِ مَا بَيْنَ أَسْنَانٍ) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ (عَمْدًا بِلَا مَضْغٍ وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ رِيقٌ) ، جُزِمَ فِي التَّنْقِيحِ وَالْإِنْصَافِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا لَهُ جَرْمٌ، تَبْطُلُ بِهِ.
انْتَهَى.

(وَلَا) يَبْطُلُ (نَفْلٌ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْدًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ لِشَيْءٍ وَلَوْ) كَانَتْ إطَالَةُ النَّظَرِ (لِكِتَابٍ) أَوْ مُصْحَفٍ،

(وَقَرَأَ مَا فِيهِ) ، أَيْ: الْكِتَابِ (بِقَلْبِهِ) دُونَ لِسَانِهِ، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ.
(وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَمَلِ قَلْبٍ وَلَوْ طَالَ) ؛ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ؛ (فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ وَسْوَاسٌ عَلَى أَكْثَرِهَا) فَيَجْتَهِدُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَلَى رَفْضِهِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ عِبَادَتِهِ.

[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

وَالتَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَشَرْعًا، وَعُرْفًا: طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَالنَّفَلُ، وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ، وَالتَّنَفُّلُ: التَّطَوُّعُ.
(صَلَاةُ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ بَدَنٍ لَا قَلْبٍ) . لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَى سَالِمٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ، بَيْنَهُمَا شَعْبَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ.
وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ، فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنْ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصُ وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَمُنَاجَاةُ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّطَوُّعُ تَكْمُلُ بِهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا.
وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ.
انْتَهَى.

إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ (بَعْدَ جِهَادٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] وَحَدِيثُ: «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» .

وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ (فَتَوَابِعُهُ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 261] الْآيَةَ.
وَحَدِيثُ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
(فَعُلِمَ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ نَحْوِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ) كَتَفْسِيرٍ وَأُصُولٍ لِحَدِيثِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» الْحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ) ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ إقَامَةُ الْحُجَجِ عَلَى الْمُعَانِدِ، وَإِقَامَةُ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ بِالرَّأْيِ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ.
وَ) نَقَلَ مُهَنَّا: (طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ) قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يُطْلَبُ (بِنِيَّةِ تَوَاضُعٍ بِهِ وَنَفْيِ جَهْلٍ: عَنْهُ) . وَقَالَ لِأَبِي دَاوُد: شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ، حُبِّبَ إلَيَّ فَجَمَعْتُهُ.
وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: يُطْلَبُ الْحَدِيثُ بِقَدْرِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ اُنْتُفِعَ بِهِ؛ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ.
(وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَنَّ تَذَاكُرَ بَعْضِ لَيْلَةٍ) فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ (أَحَبُّ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ مِنْ إحْيَائِهَا) ، وَأَنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ قُلْتُ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالطَّلَاقُ، وَنَحْوُ

هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ، لَا لِلَّهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ لَيْسَ مَذْمُومًا، بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ، إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ.
وَقَوْلِ الْآخَرِ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، يَعْنِي: نَفْسُ طَلَبِهِ حَسَنٌ يَنْفَعُهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَيَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَلَبِهِ.
قِيلَ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ: صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَمُرَادُ أَحْمَدَ: مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
فَمَتَى قَامَتْ طَائِفَةٌ بِعِلْمٍ لَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ قَامَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ، ثُمَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ فَنَفْلٌ فِي حَقِّهِ وَوُجُوبُهُ، مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ، دَعْوَى تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَلْيَحْذَرْ الْعَالَمُ وَيَجْتَهِدْ، فَإِنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ.
نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ، لَيْسَ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يُغْفَرُ لِسَبْعِينَ جَاهِلًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِعَالِمٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً.
(وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَفْضَلُ الْعِلْمِ: الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ) فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَ فِي

الْفُرُوعِ: (لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ) وَثَمَرَاتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومِ بِحَسْبِ مُؤَدِّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِئِ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَمَا يَجُوزُ، أَجَلَّ الْعُلُومِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ، وَهِيَ) ، أَيْ: الْعِبَادَةُ (فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ انْتَهَى) . لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسَبُهُ قَالَ -: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَكَاَلَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ» . (وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) . نَقَلَ حَنْبَلٌ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ لِأَهْلِ مَكَّةَ.
وَكَذَا عَطَاءٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، فَيُمْكِنُ التَّنَفُّلُ بِهَا فِي أَيِّ مَكَان أَرَادَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ.
(قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى سِوَى مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ.
وَلَا كَذَلِكَ الطَّوَافُ (خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ) هُوَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، حَيْثُ جَعَلَ الطَّوَافَ أَفْضَلَ مِنْ الْوُقُوفِ.
(ثُمَّ سَائِرُ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ نَحْوِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ) ، وَذَبٍّ عَنْ مَعْصُومٍ، وَتَخْلِيصٍ مِنْ مَظْلِمَةٍ (وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ، وَإِصْلَاحٍ) بَيْنَ النَّاسِ، وَإِبْلَاغِ حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا إلَى ذِي سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ

وَصَحَّحَهُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّافِعِ الْقَاصِرِ كَالْحَجِّ، وَإِلَّا فَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ.
(وَيَتَفَاوَتُ) مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ (فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ) أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةُ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْعِتْقُ (أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الصَّدَقَةِ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ (إلَّا زَمَنُ غَلَاءٍ وَحَاجَةٍ) فَالصَّدَقَةُ حَتَّى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ؛ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
(ثُمَّ حَجٌّ) ؛ لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ، وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ.
قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ؛ إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ مَاتَ شَهِيدًا.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا؛ فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» . وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، وَبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ لِمَا سَبَقَ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ؛ لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ، وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ، وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَفِيهِ إنْهَاكُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ عَرَفَةَ؛ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
(فَصَوْمٌ) ؛ لِحَدِيثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوْمَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَإِضَافَةُ عِبَادَةٍ إلَى غَيْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ قُرَى الشَّامِ إجْمَاعًا، وَإِنْ

كَانَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَا عُبِدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ قَطُّ، وَقَدْ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18] ، فَكَذَا الصَّلَاةُ مَعَ الصَّوْمِ، وَقِيلَ: أَضَافَ الصَّوْمَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَفْضَلِيَّتَهُ.
«وَسَأَلَهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ رَجُلٌ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» . إسْنَادُهُ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنْ صَحَّ؛ فَمَا سَبَقَ أَصَحُّ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِحَسَبِ السَّائِلِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَكَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ، وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ.
وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ فِي حَالٍ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ: اُنْظُرْ مَا هُوَ أَصْلُحُ لِقَلْبِكَ فَافْعَلْهُ.

(وَأَفْضَلُ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ مَا سُنَّ) أَنْ يُصَلَّى (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْفَرَائِضِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبُ (وَآكَدُهَا) ، أَيْ: آكَدُ مَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: كُسُوفٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا، وَأَمَرَ بِهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَاسْتِسْقَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً، وَيَتْرُكُ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ؛ فَلَمْ يَتْرُكْ صَلَاتَهُ عِنْدَهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، كَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ: «أَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» . (فَتَرَاوِيحُ) لِأَنَّهَا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ (فَوِتْرٌ لِأَنَّهُ يُسَنُّ) فِعْلُهُ (جَمَاعَةً بَعْدَ تَرَاوِيحَ) وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ.
(وَلَيْسَ) الْوِتْرُ (بِوَاجِبٍ) . قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْوِتْرُ لَيْسَ

بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْوِتْرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْضِهِ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ «قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ؛ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ السُّنَنَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمَوْقُوفُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ.
(إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَكَانَ الْوِتْرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ: «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى، وَالْأَضْحَى، وَالْوِتْرُ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ عُذْرٍ، أَوْ خَصَائِصِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى أُمَّتِهِ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُتَقَدِّمِ.
(وَأَفْضَلُ رَوَاتِبَ سُنَّةُ فَجْرٍ) ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.
(وَسُنَّ تَخْفِيفُهَا) ، أَيْ: رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ.
حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَاضْطِجَاعٌ بَعْدَهَا عَلَى جَنْبٍ أَيْمَنَ) قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ نَصًّا لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَيَلِي سُنَّةَ فَجْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سُنَّةُ مَغْرِبٍ) . لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: «أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِصَلَاةٍ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . (ثُمَّ) بَاقِي الرَّوَاتِبِ (سَوَاءٌ) فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَالرَّوَاتِبُ الْمُؤَكَّدَةُ عَشْرُ) رَكَعَاتٍ: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ فَجْرٍ، وَ) رَكْعَتَانِ قَبْلَ (ظُهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ ظُهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ مَغْرِبٍ، وَ) رَكْعَتَانِ بَعْدَ (عِشَاءٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «حَفِظْتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ.
وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فِيهَا أَحَدٌ» . حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ «أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ.
وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: صَحِيحٌ.
(وَسُنَّ قِرَاءَةُ) : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] فِي) رَكْعَةٍ (أُولَى) مِنْ (رَاتِبَةِ فَجْرٍ، وَ) فِي رَكْعَةٍ أُولَى مِنْ رَاتِبَةِ (مَغْرِبٍ وَ) قِرَاءَةُ (الْإِخْلَاصِ فِي ثَانِيَتِهِمَا) ، أَيْ: الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ.
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَكُرِهَ تَرْكُ رَوَاتِبَ بِلَا عُذْرٍ وَتَسْقُطُ عَدَالَةُ) مُوَاظِبٍ عَلَى تَرْكِهَا (إلَّا فِي سَفَرٍ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلٍ وَتَرْكٍ) لِلْمَشَقَّةِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ وَوِتْرٍ فَيُفْعَلَانِ) ، أَيْ: فَيُحَافَظُ عَلَى فِعْلِهِمَا حَضَرًا وَسَفَرًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَبِّحُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ أَيِّ وِجْهَةٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ قَضَاؤُهَا) ، أَيْ: الرَّوَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْهُمَا، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ» ، وَقِيسَ الْبَاقِي.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا قَضَاءُ (وِتْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ؛ فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ، أَوْ ذَكَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(إلَّا مَا فَاتَ) مِنْ رَوَاتِبَ (مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ، فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) لِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ بِهِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ) ، فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا، لِتَأَكُّدِهَا (وَهِيَ) ، أَيْ: سُنَّةُ الْفَجْرِ (وَسُنَّةُ ظُهْرٍ أُولَى بَعْدَهُمَا) ، أَيْ: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالظُّهْرِ (قَضَاءً) ، فَيَبْدَأُ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا إذَا قَضَاهَا قَبْلَ السُّنَّةِ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ نَدْبًا؛ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا فُعِلَتْ، بَعْدَهَا كَانَتْ قَضَاءً، وَأَمَّا السُّنَّةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَوَقْتُهَا مِنْ فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا.

(وَلِزَوْجَةٍ، وَأَجِيرٍ) خَاصٍّ (وَوَلَدٍ) صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (وَقِنٍّ) بِسَائِرِ أَحْوَالِهِ (فِعْلُ رَوَاتِبَ مَعَ فَرْضٍ) لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ.
(وَحَرُمَ مَنْعُهُمْ) مِنْ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّ زَمَنَهَا مُسْتَثْنًى شَرْعًا كَالْفَرَائِضِ.

(وَالسُّنَنُ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ) أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً، وَهِيَ: (أَرْبَعٌ قَبْلَ ظُهْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ قَبْلَ (عَصْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ قَبْلَ (جُمُعَةٍ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ ظُهْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ بَعْدَ (مَغْرِبٍ وَ) أَرْبَعٌ بَعْدَ عِشَاءٍ لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى النَّارِ» . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي خَثْعَمَ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيُبَاحُ اثْنَتَانِ بَعْدَ أَذَانِ مَغْرِبٍ) قَبْلَ صَلَاتِهَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَكَذَا) يُبَاحُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (بَعْدَ وِتْرٍ جَالِسًا) . قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يَضِيقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ.
قُلْتُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، مَا أَفْعَلُهُ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَفِعْلُ) السُّنَنِ (الْكُلِّ) الرَّوَاتِبِ، وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا (بِبَيْتٍ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا بِالْمَسْجِدِ، وَلَوْ الْحَرَامَ (كَصَلَاةِ تَطَوُّعٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
لَكِنْ مَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ مُسْتَثْنًى أَيْضًا، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى نَفْلُ الْمُعْتَكِفِ.
(وَإِنْ فَعَلَهَا) ، أَيْ: الرَّوَاتِبَ (بِمَسْجِدٍ، فَ) فِعْلُهَا بِ (مَكَانِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ (أَفْضَلُ) نَصًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْإِقْنَاعِ، وَلَا فِي الْمُنْتَهَى، وَرُبَّمَا سَرَى إلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْإِقْنَاعِ حَيْثُ قَالَ: وَفِعْلُهَا، أَيْ: سُنَّةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانَهُ أَفْضَلُ نَصًّا.
وَجَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ رَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ الْبُيُوتِ.

(وَسُنَّ فَصْلٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ بِقِيَامٍ) ، أَيْ: انْتِقَالٍ (أَوْ كَلَامٍ) ؛ لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً حَتَّى نَخْرُجَ، أَوْ نَتَكَلَّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَتُجَزِّئُ سُنَّةُ) صَلَاةٍ (عَنْ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُمَا أَنْ يَبْدَأَ لدَّاخِلُ بِالصَّلَاةِ، وَقَدْ وُجِدَ.
(وَلَا عَكْسُ) ؛ فَلَا تُجْزِئُ تَحِيَّةٌ عَنْ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
(وَإِنْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ) حَصَلَا؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُمَا.
(أَوْ نَوَى) بِصَلَاةٍ (التَّحِيَّةَ وَالْفَرْضَ حَصَلَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةُ، وَمَا نَوَاهُ مَعَهَا، أَمَّا التَّحِيَّةُ؛ فَلِبَدْئِهِ بِالصَّلَاةِ مَعَ نِيَّتِهَا، وَأَمَّا مَا نَوَاهُ مَعَهَا: فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ.
(لَا إنْ نَوَى نَفْلًا غَيْرَهَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةِ (مَعَ فَرْضٍ) ؛ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ التَّحِيَّةُ، وَلَا يَصِحُّ فَرْضُهُ، وَلَا تَحْصُلُ تَحِيَّةٌ بِرَكْعَةٍ، وَلَا بِصَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَشُكْرٍ.

[فَصْلٌ وَقْتُ الْوِتْرِ]

(فَصْلٌ) (وَوَقْتُ وِتْرٍ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ عِشَاءٍ وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (مَعَ جَمْعِ تَقْدِيمٍ) بِأَنْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا (وَ) بَيْنَ (طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ؛ هِيَ: الْوِتْرُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَقَوْلُهُ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ.
(وَ) فِعْلُهُ (آخِرَ لَيْلٍ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَقُومَ فِيهِ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لْيَرْقُدْ.
وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ» . وَذَلِكَ أَفْضَلُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَأَقَلُّهُ رَكْعَةً، وَلَا يُكْرَهُ) الْإِيتَارُ (بِهَا) مُفْرَدَةً (وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: الْوِتْرِ، (إحْدَى عَشْرَةَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقِبَ الشَّفْعِ بِلَا تَأْخِيرٍ) لَهَا عَنْهُ (نَدْبًا) . نَصَّ عَلَيْهِ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى.
فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ تَفْرُغَ الْعِشَاءُ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَإِنْ صَلَّى الْكُلَّ) ، أَيْ: كُلَّ الْوِتْرِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً

(بِسَلَامٍ وَاحِدٍ) ، بِأَنْ سَرَدَ عَشْرًا (وَجَلَسَ بَعْدَ عَاشِرَةٍ فَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ قَامَ) فَأَتَى بِرَكْعَةٍ؛ جَازَ.
(أَوْ) سَرَدَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَ (لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي أَخِيرَةٍ؛ جَازَ) ، لَكِنَّ الصِّفَةَ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَكَذَا مَا دُونَهَا) ، أَيْ: دُونَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ؛ بِأَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَوْ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ.
(وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، تَشَهَّدَ بَعْدَ ثَامِنَةٍ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ) قَامَ وَصَلَّى (تَاسِعَةً) وَتَشَهَّدَ (وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَ) إنْ أَوْتَرَ (بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ؛ سَرَدَهُنَّ، فَلَا يَجْلِسُ نَدْبًا إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبْعٍ، أَوْ خَمْسٍ، لَا يَفْصِلُ بِتَسْلِيمٍ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ الثَّلَاثُ أَدْنَى الْكَمَالِ.
(بِسَلَامَيْنِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَفْصِلُ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: جَعْلُ الثَّلَاثِ بِسَلَامَيْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ جَعْلِهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ لِمَا سَبَقَ.
(وَسُنَّ كَلَامٌ بَيْنَ شَفْعٍ وَوِتْرٍ) لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا.
(وَتَجُوزُ) أَنْ تُصَلَّى الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ (بِ) سَلَامٍ (وَاحِدٍ سَرْدًا) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.
(وَتَجُوزُ كَمَغْرِبٍ) جُزِمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.
(وَقِيلَ:) إذَا جَلَسَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ (لَا) يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وِتْرًا، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْأَصْحَابِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ.

، (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامٍ رَكْعَةً) مِنْ الثَّلَاثِ، (فَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ؛ أَجْزَأَ) هـ مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِمَامُ يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَأَدْرَكَهُ فِي الْأَخِيرَةِ؛ (قَضَى) كَصَلَاةِ الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ نَوَى) الْمَأْمُومُ رَكْعَةً (وَاحِدَةً هُنَا) ، أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ نَاوِيًا وَاحِدَةً؛ قَضَى الْمَأْمُومُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ تَتِمَّةَ الثَّلَاثِ.
(وَ) كَذَلِكَ لَوْ نَوَى الْمَأْمُومُ (ثَلَاثًا فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى) ، وَهِيَ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثِنْتَيْنِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا؛ فَيَقْضِي الْمَأْمُومُ الْبَاقِيَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
(وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعَدَدٍ فَلَهُ زِيَادَتُهُ وَنَقْصُهُ بِالنِّيَّةِ) ، أَمَّا النَّقْصُ فِي النَّفْلِ؛ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ؛ فَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ لَيْلًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
.

(وَسُنَّ) لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ (قِرَاءَةُ: سَبِّحْ بِأُولَى، وَ:) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، بِثَانِيَةٍ، وَ) سُورَةِ: (الصَّمَدِ، بِثَالِثَةٍ) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

(وَيَقْنُتُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (بَعْدَ) رَفْعٍ مِنْ (رُكُوعٍ نَدْبًا) فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَقِيُّ: أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ؛ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ، ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ.
وَمَحَلُّهُ (إذَا فَرَغَ مِنْ تَحْمِيدٍ وَاعْتِدَالٍ) ، رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ قَبْلَ رُكُوعٍ؛ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ.
(وَسُنَّ رَفْعُ يَدَيْهِ لِصَدْرِهِ، يَبْسُطُهُمَا وَبُطُونُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَلَوْ) كَانَ (مَأْمُومًا) ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَعَوْتَ اللَّهَ، فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيَدْعُو جَهْرًا وَلَوْ مُنْفَرِدًا) نَصًّا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْرِ وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ.
قَالَ فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ أَظْهَرُ (بِسُورَتَيْ الْقُنُوتِ وَكَانَتَا) ، أَيْ: سُورَتَا الْقُنُوتِ (فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ) بْنِ كَعْبٍ.
(الْأُولَى) مِنْهُمَا: (اللَّهُمَّ) : أَصْلُهُ: يَا اللَّهُ، حُذِفَتْ يَا مِنْ أَوَّلِهِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَلَحَظُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا، أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا.
(إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) ، أَيْ: نَطْلُبُ مِنْك الْمَعُونَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ.
(وَنَتُوبُ إلَيْكَ) . التَّوْبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ، وَشَرْعًا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الذَّنْبِ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَنُؤْمِنُ بِكَ) . أَيْ: نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيِّتِكَ، (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوْكِيلُ: إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ، وَالِاسْمُ: التُّكْلَانُ.
وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالِانْخِلَاعُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ.
(وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ) ، أَيْ: نَمْدَحُكَ وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ.
وَالثَّنَاءُ: بِالْخَيْرِ خَاصَّةً، وَالنَّثَاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ: فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، (وَنَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ) أَصْلُ الْكُفْرِ: الْجُحُودُ وَالسَّتْرُ.
قَالَ فِي الْمَطَالِعِ وَالْمُرَادُ هُنَا: كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ.
(وَ) السُّورَةُ (الثَّانِيَةُ: اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:

مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ: مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ، وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ.
(وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِكَ، (وَإِلَيْك نَسْعَى) يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذَا عَدَا.
وَقِيلَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْي؛ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ؛ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: 19] . (وَنَحْفِدُ) : بِفَتْحِ النُّونِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى: أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ، فَمَعْنَى نَحْفِدُ نُسْرِعُ، أَيْ: نُبَادِرُ بِالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ.
(نَرْجُوَ) ، أَيْ: نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَكَ) ، أَيْ: سَعَةَ عَطَائِكَ (وَنَخْشَى) : نَخَافُ، (عَذَابَكَ) ، أَيْ: عُقُوبَتَكَ، (إنَّ عَذَابَكَ الْجِدُّ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقُّ، لَا اللَّعِبُ، (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ: لَاحِقٌ بِهِمْ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لُغَةً، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْحِقُهُ بِهِمْ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى، وَهَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَفِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك.
وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إلَى قَوْلِهِ: مُلْحِقٌ.
زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ.
(وَيَزِيدُ) مُصَلٍّ فِي قُنُوتِهِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:

﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ.
وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثَبُّتِ عَلَيْهَا.
أَوْ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا.
وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ: إذَا اعْتَنَيْتَ بِهِ، وَنَظَرْتَ إلَيْهِ، كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ: وَلَيْتَ الشَّيْءَ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْتَ) ، أَيْ: أَنْعَمْتَ بِهِ (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ إنَّكَ) سُبْحَانَكَ (تَقْضِي، وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي.
. . إلَى وَتَعَالَيْت وَلَيْسَ فِيهِ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ.
وَالرِّوَايَةُ إفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْكَ، (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ:

فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ.
وَهُمَا ضِدَّانِ وَمُتَقَابِلَانِ.
وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ لَجَأَ إلَى مَا لَا ضِدَّ لَهُ، وَهُوَ اللَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ، وَفَرَغَ مِنْهُ إلَيْهِ.
فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ؛ إذْ حَاصِلُهُ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) ، أَيْ: لَا نُحْصِي نِعَمَكَ، وَالثَّنَاءُ بِهَا عَلَيْكَ.
وَلَا نَبْلُغُهُ، وَلَا نُطِيقُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَايَتُهُ.
وَالْإِحْصَاءُ: الْعَدُّ وَالضَّبْطُ وَالْحِفْظُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] . أَيْ: تُطِيقُوهُ.
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) : اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ.
وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ.
لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ.
رَوَى عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ.
وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ.
وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْعُو بِمَا شَاءَ.
وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ.
وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ.
(ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَقُولَ: وَ (عَلَى آلِهِ) ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي قُنُوتِهِ بِمَا شَاءَ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ نَصًّا.
(وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) عَلَى قُنُوتِ إمَامِهِ إنْ سَمِعَهُ، وَإِلَّا فَيَقْنُتُ لِنَفْسِهِ.

(وَيُفْرِدُ مُنْفَرِدٌ) ، أَيْ: مُصَلٍّ وَحْدَهُ (الضَّمِيرَ) فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُكَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَى آخِرِهِ.

(وَتَحْصُلُ سُنَّةُ قُنُوتٍ بِكُلِّ دُعَاءٍ) ، كَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (وَبِآيَةٍ فِيهَا دُعَاءٌ) ، كَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: 147] الْآيَةَ.
(إنْ قَصَدَهُ) ، أَيْ: الدُّعَاءَ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (مَهْمَا دَعَا بِهِ؛ جَازَ) مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَلَاذِ الدُّنْيَا، (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا) ، أَيْ: بَعْدَ قُنُوتِهِ، لَمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَ (كَخَارِجِ صَلَاةٍ) إذَا دَعَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ، فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.

(وَكُرِهَ قُنُوتٌ فِي غَيْرِ وِتْرٍ) حَتَّى فَجْرٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِأُبَيٍّ: إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ هَهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ؛ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الْفَجْرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ - فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ - يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) ، أَيْ: شِدَّةٌ مِنْ الشَّدَائِدِ، (غَيْرِ طَاعُونٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْإِخْبَارِ، فَلَا يُسْأَلُ رَفْعَهُ، (فَيُسَنُّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ خَاصَّةً) الْقُنُوتُ، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.

(وَيَتَّجِهُ: وَيُبَاحُ) الْقُنُوتُ فِي النَّازِلَةِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْإِمَامِ، كَنُوَّابِهِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ فَيَقْنُتُونَ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةَ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَلَيْهِ: فَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: نَحْوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ،

وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
(فِيمَا عَدَا الْجُمُعَةِ) مِنْ الصَّلَوَاتِ، لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ؛ فَيَكْفِي الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ (وَيَجْهَرُ بِهِ) ، أَيْ: الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ (فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامِ جَمَاعَةٍ، أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ؛ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَدَعَ) ، أَيْ: يَتْرُكَ (الْإِمَامُ) فِعْلَ (الْأَفْضَلِ عِنْدَهُ) أَيْ: فِي مَذْهَبِهِ (تَأَلُّفًا لِلْمَأْمُومِ) (كَ) مَا لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي تَرَاوِيحَ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ كَالشَّافِعِيَّةِ، فَيَتْرُكُ (قُنُوتَ وِتْرٍ) اسْتِعْطَافًا لَهُمْ، (وَقَالَهُ) ، أَيْ: قَالَ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ قَنَتَ بِهِمْ أَوْ أَمَّ بِمَنْ يَرَى الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَيَقْنُتُ بِهِمْ كَذَلِكَ تَأْلِيفًا لَهُمْ (وَقَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُطَاعًا) كَالسُّلْطَانِ وَالْأَمِيرِ (فَ) إتْيَانُهُ بِمَا هُوَ (السُّنَّةُ) عِنْدَهُ (أَوْلَى -) ، سَوَاءٌ رَآهُ الْمَأْمُومُونَ أَمْ لَا.

(وَمَنْ ائْتَمَّ) وَهُوَ لَا يَرَى الْقُنُوتَ فِي فَجْرٍ (بِقَانِتٍ فِي فَجْرٍ، تَابَعَ) إمَامَهُ، لِحَدِيثِ.
«إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَأَمَّنَ) عَلَى دُعَاءِ إمَامِهِ (إنْ سَمِعَ) صَوْتَهُ كَمَا لَوْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
(وَإِلَّا) يَسْمَعْ صَوْتَ إمَامِهِ (دَعَا) كَقِرَاءَةٍ.
(وَسُنَّ قَوْلُهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ وِتْرٍ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ؛ ثَلَاثًا) زَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، (وَيَرْفَعُ صَوْتُهُ بِثَالِثَةٍ) لِلْخَبَرِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.

[فَصْلٌ وَقْتُ التَّرَاوِيح وَعَدَدُهَا]

(فَصْلٌ) (وَوَقْتُ) الـ (تَرَاوِيحِ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ عِشَاءٍ وَوِتْرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَالْأَفْضَلُ) فِعْلُ التَّرَاوِيحِ (بَعْدَ سُنَّتِهَا) أَيْ: الْعِشَاءِ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ فَكَانَ إتْبَاعُهَا لَهَا أَوْلَى، وَأَمَّا التَّرَاوِيحُ؛ فَلَا يُكْرَهُ مَدُّهَا وَتَأْخِيرُهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَهِيَ بِالْوِتْرِ أَشْبَهُ.
فَلَا تَصِحُّ التَّرَاوِيحُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ مُحْدِثًا؛ أَعَادَ التَّرَاوِيحَ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ تُفْعَلُ بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ، فَلَمْ تَصِحُّ قَبْلَهَا كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاتَ وَقْتُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُقْضَى.
وَإِنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَقَبْلَ سُنَّتِهَا.
صَحَّ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل