بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(لَا يَفْسُقُ أَحَدٌ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمُقَلِّدِ كَالْفُرُوعِ ". .
(وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ قَاذِفٍ، حُدَّ أَوْ لَا) ؛ أَيْ: أَوْ لَمْ يُحَدَّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] (حَتَّى يَتُوبَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَبُو بَكْرَةَ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَكُرِهَ زِيَادَةُ فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ، وَقَالَ لَهُمْ تُوبُوا تُقْبَلُ شَهَادَتُكُمْ، فَتَابَ رَجُلَانِ؛ فَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا، وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلُ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُحَقِّقُ الْقَاذِفُ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ مَقْذُوفٍ أَوْ لِعَانٍ إنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، فَإِنْ حَقَّقَهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ وَلَا حَدٌّ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ (وَتَوْبَتُهُ) ؛ أَيْ: الْقَاذِفَ (تَكْذِيبُهُ نَفْسَهُ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا، فَيَقُولُ: كَذَبْت فِيمَا قُلْت) لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] .
قَالَ تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ " وَلِتَلَوُّثِ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ؛ فَإِكْذَابُهُ نَفْسَهُ يُزِيلُ ذَلِكَ التَّلْوِيثَ.
(وَالْقَاذِفُ بِشَتْمٍ تَكَرَّرَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَتُرَدُّ فُتْيَاهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَا إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ، وَتَوْبَةُ غَيْرِهِ)
؛ أَيْ: الْقَاذِفِ " نَدَمٌ " بِقَلْبِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ (وَإِقْلَاعٌ) بِأَنْ يَتْرُكَ فِعْلَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ إصْلَاحُ الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] وَمَعَ الْمَغْفِرَةِ يَجِبُ أَنْ تَتَرَتَّبَ الْأَحْكَامُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْهَا.
وَهُوَ الْفِسْقُ؛ لِأَنَّهُ فِسْقٌ مَعَ زَوَالِ الذَّنْبِ
وَإِنْ كَانَ فِسْقُ الْفَاسِقِ (بِتَرْكِ وَاجِبٍ فَلَا بُدَّ) لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ (مِنْ فِعْلِهِ) أَيْ: الْوَاجِبِ الَّذِي تَرَكَهُ (وَيُسَارِعُ) بِفِعْلِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فَوْرًا، وَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ بِتَرْكِ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ بِبَذْلِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ (وَيُعْتَبَرُ رَدُّ مَظْلِمَةٍ) فِسْقٌ بِتَرْكِ رَدِّهَا كَمَغْصُوبٍ وَنَحْوَهُ فَإِنْ عَجَزَ نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ (أَوْ يَسْتَحِلُّهُ) ؛ أَيْ: رَبُّ الْمَظْلِمَةِ بِأَنْ يَطْلُبَ أَنْ يُحَلِّلَهُ (وَيُمْهَلُ تَائِبٌ مُعْسِرٌ) ؛ أَيْ: يُمْهِلُهُ رَبُّ الْمَظْلِمَةِ إلَى أَنْ يَصِيرَ مُوسِرًا فَإِنْ وَجَدَ الْمَظْلُومُ وَقْتَ يَسَارِ الظَّالِمِ رُدَّتْ مَظْلِمَتُهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا يُوجَدُ (فَتُرَدُّ لِبَيْتِ مَالٍ حَيْثُ لَا وَارِثَ وَيَعْتَرِفُ مُبْتَدِعٌ بِبِدْعَةٍ، وَيَعْتَقِدُ الْحَقَّ) وَيُصَمِّمُ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
.
(وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مُعَلَّقَةً) بِشَرْطٍ فِي الْحَالِ وَلَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ النَّدَمَ وَالْعَزْمَ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَلَا يَتَأَتَّى تَعْلِيقُهُ، وَكَذَا الْإِقْلَاعُ (وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا) ؛ أَيْ: التَّوْبَةِ (مِنْ نَحْوِ قَذْفٍ وَغِيبَةٍ إعْلَامُهُ) ؛ أَيْ: الْمَقْذُوفَ وَالْمُغْتَابَ (وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُ) قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَذَفَ ثُمَّ تَابَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ قَدْ قَذَفْتُك هَذَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بَلْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيُّ) (يَحْرُمُ إعْلَامُهُ) لِأَنَّ فِيهِ إيذَاءً صَرِيحًا، وَإِذَا اسْتَحَلَّهُ يَأْتِي بِلَفْظٍ عَامٍّ مُبْهَمٍ؛ لِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
(وَمَنْ تَتَبَّعَ الرُّخْصَ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ؛ فَسَقَ نَصًّا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا)
وَذَكَرَ الْقَاضِي غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ وَلَا مُقَلِّدٍ، وَلُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ الْأَشْهَرُ عَدَمُهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَوْ عَمِلَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ يَعْنِي الْغِنَاءَ، وَأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ، لَكَانَ فَاسِقًا لِأَخْذِهِ بِالرُّخْصِ، وَتَتَبُّعِهِ لَهَا (قَالَ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَلَا نُرِيدُ بِالرُّخْصِ مَا فِيهِ سُهُولَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، بَلْ مَا ضَعُفَ مُدْرِكُهُ بِحَيْثُ يُنْقَضُ فِيهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ الْقَوَاعِدَ انْتَهَى، وَهُوَ حَسَنٌ) يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: وَمَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ قَالَ يَنْبَغِي كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا.
وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِإِمَامٍ، فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَأَنْقَى؛ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ انْتَهَى، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَبِلُوا شَهَادَةَ مُخَالِفٍ لَهُمْ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ فَلَا يَفْسُقُ بِهِ الْمُخَالِفُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ أَتَى فَرْعًا فِقْهِيًّا مُخْتَلَفًا فِيهِ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ تَزَوَّجَ بِنْتَه مِنْ زَنَا أَوْ شَرِبَ مِنْ نَبِيذٍ مَا لَا يُسْكِرُ أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ قَادِرًا) ؛ أَيْ: مُسْتَطِيعًا (إنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: مَا فَعَلَهُ مِمَّا ذُكِرَ (رُدَّتْ) شَهَادَتُهُ نَصًّا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ عَمْدًا، فَوَجَبَ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمه، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ (وَإِنْ تَأَوَّلَ) ؛ أَيْ: فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا عَلَى حِلِّهِ بِاجْتِهَادِهِ (أَوْ قَلَّدَ) الْقَائِلُ بِحِلِّهِ؛ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ فَلَا يَفْسُقُ بِهِ مَنْ فَعَلَهُ، أَوْ قَلَّدَ فِيهِ.
الشَّيْءُ (الثَّانِي) مِمَّا يُعْتَبَرُ لِلْعَدَالَةِ (اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ) بِوَزْنِ سُهُولَةٍ؛ أَيْ: الْإِنْسَانِيَّةِ (بِفِعْلِ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ) عَادَةً كَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَبَذْلِ الْجَاهِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَنَحْوَهُ (وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ) ؛ أَيْ: يَعِيبُهُ عَادَةً مِنْ الْأُمُورِ الدَّنِيئَةِ الْمُزْرِيَةِ بِهِ (فَلَا شَهَادَةَ مَقْبُولَةً لِمُصَافَعٍ) ؛ أَيْ: يَصْفَعُ غَيْرَهُ، وَيَصْفَعُهُ غَيْرُهُ، لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا (وَمُتَمَسْخِرٍ) يُقَالُ سَخِرَ مِنْهُ وَبِهِ كَفَرِحَ، وَسَخِرَ هَذَى كَاسْتَخَرَ (وَرَقَّاصٍ) كَثِيرِ الرَّقْصِ (وَمُشَعْبِذٍ) وَالشَّعْبَذَةُ وَالشَّعْوَذَةُ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ كَالسِّحْرِ (وَمُغَنٍّ، وَكُرِهَ الْغِنَاءُ بِلَا آلَةِ غِنَاءٍ) مِنْ عُودٍ وَطُنْبُورٍ وَنَحْوِهِمَا (وَاخْتَارَا الْأَكْثَرُ) ؛ أَيْ: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْغِنَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ آلَةِ لَهْوٍ أَوْ لَا (بَلْ ادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ) إذْ الْمَذْهَبُ كَرَاهَتُهُ بِلَا آلَةِ لَهْوٍ، وَمَعَهَا حَرَامٌ مِنْ حَيْثُ الْآلَةُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَالْغِنَاءُ وَالنَّوْحُ مَعْنًى وَاحِدٌ؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّوْحَ
بِمَعْنَى النِّيَاحَةِ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ بَلْ كَبِيرَةٌ؛ فَاسْتِمَاعُهُ حَرَامٌ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْغِنَاءُ رَفْعُ صَوْتٍ بِشِعْرٍ (أَوْ مَا قَارَبَهُ مِنْ الرَّجَزِ عَلَى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ، وَكُرِهَ اسْتِمَاعُهُ) ؛ أَيْ: الْغِنَاءَ إلَّا مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ فَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ بِهِ، وَيُبَاحُ الْحِدَاءُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الْإِبِلُ، وَنَشْدُ الْعَرَبِ، وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْغِنَاءِ.
وَلَا شَهَادَةَ (لِطُفَيْلِيٍّ) يَتْبَعُ الضِّيفَانَ (وَمُتَزَيٍّ بِزِيٍّ لِيُسْخَرَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: يُهْزَأَ بِهِ.
(وَلَا شَهَادَةَ لِشَاعِرٍ يُفَرِّطُ) ؛ أَيْ: يُكْثِرُ (فِي مَدْحٍ بِإِعْطَاءٍ، وَيُفَرِّطُ فِي ذَمٍّ بِمَنْعٍ) مِنْ إعْطَاءٍ (أَوْ يُشَبِّبُ بِمَدْحٍ خَمْرًا أَوْ بِمُرْدٍ أَوْ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَيَفْسُقُ بِذَلِكَ، وَلَا تَحْرُمُ رِوَايَتُهُ) لِحَدِيثِ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» وَكَانَ يُصْنَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا يَقُومُ عَلَيْهِ فَيَهْجُو مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَتَهُ بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ، فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224] وَنَحْوَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي الشِّعْرِ فَالْمُرَادُ مَنْ أَسْرَفَ وَكَذَبَ.
(وَ) لَا شَهَادَةَ (لِلَاعِبٍ بِشِطْرَنْجٍ غَيْرِ مُقَلِّدٍ) مَنْ يَرَى إبَاحَتَهُ حَالَ لَعِبِهِ؛ لِتَحْرِيمِ لَعِبِهِ كَمَا يَحْرُمُ (مَعَ عِوَضٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ إجْمَاعًا، أَوْ لَاعِبٍ بِنَرْدٍ وَهُوَ ثَلَاثَةُ عِظَامٍ، كُلُّ عَظْمٍ بِثَلَاثَةِ قُرُونٍ مَنْقُوشٌ بِجَانِبٍ مِنْهُ عَدَدٌ، وَبِالثَّانِي عَدَدَانِ، وَبِالثَّالِثِ ثَلَاثَةُ أَعْدَادٍ، وَنَرْدُ شِيرٍ اسْمُ الْمَلِكِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ هَذَا النَّرْدُ وَيَحْرُمَانِ) ؛ أَيْ؛ الشِّطْرَنْجُ وَالنَّرْدُ - أَيْ اللَّعِبُ بِهِمَا - لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد فِي النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ بِمَعْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ (أَوْ لَاعِبٍ بِكُلِّ مَا فِيهِ دَنَاءَةٌ حَتَّى بِأُرْجُوحَةٍ أَوْ رَفْعِ ثَقِيلٍ، وَتَحْرُمُ مُخَاطَرَتُهُ بِنَفْسِهِ فِيهِ) ؛ أَيْ: رَفْعُ الثَّقِيلِ، وَتَحْرُمُ مُخَاطَرَتُهُ بِنَفْسِهِ (فِي ثِقَافٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] .
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا شَهَادَةَ
لِلَاعِبٍ (بِحَمَامِ طَيَّارَةٍ وَلَا لِمُسْتَرْعِيهَا) ؛ أَيْ: الْحَمَامِ (مِنْ الْمَزَارِعِ أَوْ لِمَنْ يَصِيدُ بِهَا حَمَامَ غَيْرِهِ، وَيُبَاحُ اقْتِنَاؤُهَا لِلْأُنْسِ بِصَوْتِهَا وَلِاسْتِفْرَاخِهَا وَلِحَمْلِ كُتُبٍ، وَيُكْرَهُ حَبْسُ طَيْرٍ لِنَغْمَتِهِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ تَعْذِيبٍ لَهُ.
وَلَا شَهَادَةَ لِمَنْ يَأْكُلُ بِالسُّوقِ كَثِيرًا لَا يَسِيرًا كَلُقْمَةٍ وَتُفَّاحَةٍ.
(وَلَا) شَهَادَةَ (لِمَنْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ بِجَمْعِ النَّاسِ، أَوْ يَكْشِفُ مِنْ بَدَنِهِ مَا الْعَادَةُ تَغْطِيَتُهُ كَصَدْرِهِ أَوْ ظَهْرِهِ، وَيُحْدِثُ بِمُبَاضَعَةِ أَهْلِهِ) ؛ أَيْ: زَوْجَتِهِ أَوْ بِمُبَاضَعَةِ أَمَتِهِ، أَوْ يُخَاطِبُهَا (بِخِطَابٍ) فَاحِشٍ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِلَا مِئْزَرٍ، أَوْ يَنَامُ بَيْنَ جَالِسِينَ، أَوْ يَخْرُجُ عَنْ مُسْتَوَى الْجُلُوسِ بِلَا عُذْرٍ، أَوْ يَحْكِي الْمُضْحِكَاتِ، (أَوْ يَتَعَاطَى مَا فِيهِ سُخْفٌ وَدَنَاءَةٌ) لِأَنَّ مَنْ رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَخَفَّهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ مُرُوءَةٌ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلِحَدِيثِ مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ مَرْفُوعًا «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» .
وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ تَمْنَعُ الْكَذِبَ، وَتَزْجُرُ عَنْهُ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ ذُو الْمُرُوءَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَدَيِّنًا.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا مُتَخَفِّيًا لَمْ يُمْنَعْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مُرُوءَتَهُ لَا تَسْقُطُ بِهِ، وَكَذَا إنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا اتَّخَذَهُ أَرْبَابُ الدُّنْيَا مِنْ الْعَادَاتِ وَالنَّزَاهَةِ الَّتِي لَمْ يُقَبِّحْهَا السَّلَفُ وَلَا اجْتَنَبَهَا الصَّحَابَةُ كَتَعَذُّرِهِمْ مِنْ حَمْلِ الْحَوَائِجِ وَالْأَقْوَاتِ لِلْعِيَالِ وَلُبْسِ الصُّوفِ وَرُكُوبِ الْحِمَارِ وَحَمْلِ الْمَاءِ عَلَى الظَّهْرِ وَالرِّزْمَةِ إلَى السُّوقِ، فَلَا يُعْتَبَرُ نَقْصًا فِي الْمُرُوءَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ بِلَا تَلْحِينٍ لَا بَأْسَ بِهَا، وَإِنْ حَسُنَ صَوْتُهُ بِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِحَدِيثِ: «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» .
وَتَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ اللَّعِبِ (وَتَحْرُمُ مُحَاكَاةُ النَّاسِ لِلضَّحِكِ وَيُعَزَّرُ هُوَ وَمَنْ يَأْمُرْهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْغِيبَةِ.
.
[فَصْلٌ مَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ قُبِلَتْ الشَّهَادَةِ]
فَصْلٌ (وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ) ؛ أَيْ: شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهِ قَبْلُ (بِأَنْ بَلَغَ صَغِيرٌ، أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ تَابَ فَاسِقٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي التَّائِبِ (إصْلَاحُ الْعَمَلِ) لِحَدِيثِ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
وَلَا تُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ (فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ عَبْدٍ وَشَهَادَةُ أَمَةٍ فِي كُلِّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ حُرٌّ وَحُرَّةٌ) لِعُمُومِ آيَاتِ الشَّهَادَةِ وَأَخْبَارِهَا، وَالْعَبْدُ دَاخِلٌ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِجَالِنَا، وَهُوَ عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَفَتْوَاهُ وَأَخْبَارُهُ الدِّينِيَّةُ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ هَانِئٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ وَكَيْفَ زَعَمَتْ ذَلِكَ» ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ لَيْسَ لِلْقِنِّ مُرُوءَةٌ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ كَالْحُرِّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْأَرِقَّاءِ الْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأُمَرَاءُ.
(وَمَتَى تَعَيَّنَتْ) الشَّهَادَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ (حَرُمَ) عَلَى سَيِّدِهِ (مَنْعُهُ) مِنْهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
وَلَا تَشْتَرِطُ الشَّهَادَةُ (كَوْنَ صِنَاعَتِهِ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدِ (غَيْرَ دَنِيئَةٍ عُرْفًا فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ حَجَّامٍ وَحَدَّادٍ وَزَبَّالٍ) يَجْمَعُ الزِّبْلَ (وَقَمَّامٍ) يَقُمُّ الْمَكَانَ مِنْ زِبْلٍ وَغَيْرِهِ (وَكَنَّاسٍ) يَكْنُسُ الْأَسْوَاقَ وَغَيْرَهَا (وَكَبَاشٍّ) يُرَبِّي الْكِبَاشَ (وَقَرَّادٍ) يُرَبِّي الْقُرُودَ، وَيَطُوفُ بِهَا لِلتَّكَسُّبِ (وَدَبَّابٍ) يَفْعَلُ بِالدُّبِّ كَمَا يَفْعَلُ
الْقَرَّادُ (وَنَفَّاطٍ) يَلْعَبُ بِالنَّفْطِ (وَنَخَّالٍ) ؛ أَيْ: يُغَرْبِلُ فِي الطَّرِيقِ عَلَى فُلُوسٍ وَغَيْرِهَا، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ الْمُقَلِّشَ (وَصَبَّاغٍ وَدَبَّاغٍ وَجَمَّالٍ وَجَزَّارٍ وَكَسَاحٍّ) يُنَظِّفُ الْحُشُوشَ (وَحَائِكٍ وَحَارِسٍ وَصَائِغٍ وَمَكَّارٍ وَقَيِّمٍ) ؛ أَيْ: خَدَّامٍ (إذَا حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُمْ) بِأَنْ حَافَظُوا عَلَى الْفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى هَذِهِ الصَّنَائِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَلِيهَا بِنَفْسِهِ، فَلَوْ رُدَّتْ بِهَا الشَّهَادَةُ أَفْضَى بِهَا إلَى تَرْكِ النَّاسِ لَهَا، فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا تُقْبَلُ (مَنْ لَبِسَ غَيْرَ زِيِّ بَلَدٍ يَسْكُنُهُ، أَوْ لَبِسَ غَيْرَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ بِلَا عُذْرٍ) إذَا حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُمْ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدُ زِنًا) لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَدْلٌ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَاتِ (حَتَّى بِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا إذَا شَهِدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ (بِهِ) . .
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ (بَدَوِيٍّ عَلَى قَرَوِيّ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَعْمَى بِمَا سَمِعَ إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ) لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْبَصِيرِ، فَإِنْ جَوَّزَ الْأَعْمَى أَنْ يَكُونَ صَوْتَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الصَّوْتِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْبَصِيرِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَتَصِحُّ شَهَادَةُ الْأَعْمَى (بِمَرْئِيَّاتٍ تَحَمَّلَهَا قَبْلَ عَمَاهُ) إذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ؛ فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ (وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَّا بِعَيْنِهِ إذَا وَصَفَهُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَمْيِيزُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَكَذَا إنْ تَعَذَّرَتْ رُؤْيَةُ مَشْهُودٍ لَهُ) لِمَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ، فَوَصَفَهُ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى مِنْ نَحْوِ وَارِثِهِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ لَا تَكْفِي فِيهِ الصِّفَةُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَتَقَدَّمْهُ دَعْوَى (أَوْ) تَعَذَّرَتْ رُؤْيَةُ مَشْهُودٍ (عَلَيْهِ أَوْ مَشْهُودٍ بِهِ لِمَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ) فَوَصَفَهُ
لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي (وَالْأَصَمُّ كَسَمِيعٍ فِيمَا رَآهُ) مُطْلَقًا قَبْلَ الصَّمَمِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهُ فِيهِ كَغَيْرِهِ (أَوْ فِيمَا سَمِعَهُ قَبْلَ صَمَمِهِ) كَسَمِيعٍ.
(وَمَنْ شَهِدَ بِحَقٍّ عِنْدَ حَاكِمٍ ثُمَّ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ أَوْ صُمَّ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ؛ لَمْ يُمْنَعْ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تُهْمَتَهُ حَالَ شَهَادَتِهِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
(وَإِنْ حَدَثَ بِشَاهِدٍ مَانِعٌ مِنْ كُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ تُهْمَةٍ) كَعَدَاوَةٍ وَعَصَبِيَّةٍ (وَتَزْوِيجٍ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ مَنَعَهُ) ؛ أَيْ: الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ؛ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّهَادَةِ، وَانْتِقَاؤُهُ حِينَهَا شَرْطٌ لِلْحُكْمِ بِهَا (غَيْرُ عَدَاوَةٍ ابْتَدَأَهَا مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِأَنْ قَذَفَ الْبَيِّنَةَ أَوْ قَاوَلَهَا عِنْدَ الْحُكُومَةِ) بِدُونِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ سَابِقَةٍ؛ فَلَا تَمْنَعُ الْحُكْمَ؛ لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ إبْطَالِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " مَا لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ وَإِنْ حَدَثَ مَانِعٌ مِنْ كُفْرٍ وَفِسْقٍ وَغَيْرِهِمَا (بَعْدَ الْحُكْمِ) وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَحْكُومٍ بِهِ (يُسْتَوْفَى مَالٌ) حُكِمَ بِهِ (لِأَحَدٍ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ (وَلَا قَوَدَ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ فَلَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّخْصِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ كَحَاكِمٍ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَقَاسِمٍ وَمُرْضِعَةٍ عَلَى قِسْمَتِهِ وَإِرْضَاعِهَا، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَشْهَدُ لِغَيْرِهِ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي الرَّضَاعِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي.
[بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ]
ِ الْمَوَانِعُ جَمْعُ مَانِعٍ، وَهُوَ مَا يَحُولُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَمَقْصُودِهِ، وَهَذِهِ الْمَوَانِعُ تَحُولُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَهُوَ قَبُولُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا (وَهِيَ سَبْعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ.
(أَحَدُهَا كَوْنُ مَشْهُودٍ لَهُ يَمْلِكُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدُ لَهُ، أَوْ يَمْلِكُ (بَعْضَهُ) إذْ الْقِنُّ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، أَوْ كَوْنِ مَشْهُودٍ لَهُ (زَوْجًا) لِشَاهِدٍ لِتَبْسُطْ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ وَاتِّسَاعِهِ بِسَعَتِهِ (وَلَوْ كَانَ زَوْجًا فِي الْمَاضِي) بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ بَعْدَ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ فَسْخِ لَعْنَةٍ؛ فَلَا تُقْبَلُ؛ سَوَاءٌ كَانَ شَهِدَ حَالَ الزَّوْجِيَّةِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ (أَوْ لَمْ تُرَدَّ قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: قَبْلَ الْفِرَاقِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ بَيْنُونَتِهَا لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ يُعِيدُهَا (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ - وَلَوْ بَعْدَ الْفِرَاقِ إنْ كَانَتْ رُدَّتْ قَبْلَهُ - وَإِلَّا قُبِلَتْ انْتَهَى.
أَوْ كَوْنُ الْمَشْهُودِ لَهُ (مِنْ عَمُودِي نَسَبَهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدِ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ - وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ - وَعَكْسَهُ (وَلَوْ لَمْ يَجُرَّ) الشَّاهِدُ بِمَا شَهِدَ (بِهِ نَفْعًا غَالِبًا) لِمَشْهُودٍ لَهُ كَشَهَادَتِهِ لَهُ (بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ قَذْفٍ) وَمِنْهُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ؛ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ، وَلَا وَلَاءٍ» وَفِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْغِمْرُ الْحِقْدُ
وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَكُلٌّ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَيْهِ بِطَبْعِهِ؛ لِحَدِيثِ: " فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا ". وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ دِينُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ شَخْصٍ لِبَاقِي أَقَارِبِهِ كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ) لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ.
.
(وَ) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ (لِوَلَدِهِ) مِنْ زِنًا وَرَضَاعٍ (وَلِوَالِدِهِ مِنْ زِنًا وَرَضَاعٍ) لِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ وَالصِّلَةِ وَعِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَعَدَمِ التَّبَسُّطِ فِي مَالِهِ.
شَهَادَةُ الْعَدْلِ (لِصَدِيقِهِ وَعَتِيقِهِ وَمَوْلَاهُ) لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (وَرَدَّ ابْنُ عَقِيلٍ شَهَادَةَ) صَدِيقٍ لِصَدِيقِهِ إذَا كَانَتْ صَدَاقَتُهُمَا وَكِيدَةً، وَرَدَّ أَيْضًا شَهَادَةَ (عَاشِقٍ لِمَعْشُوقِهِ، وَهُوَ رَدٌّ حَسَنٌ) لِأَنَّ الْعِشْقَ يَطِيشُ.
(وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ لَوْ شَهِدَ وَلَدُ الْحَاكِمِ عِنْدَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ شَهِدَ وَالِدُهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ (أَوْ) شَهِدَتْ (زَوْجَتُهُ فِيمَا تُقْبَلُ) فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ (يَتَوَجَّهُ عَدَمُ قَبُولِهَا) ؛ أَيْ: تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ عَدَمُ تَحَرِّيهِ فِي عِدَالَتِهِمْ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَمَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرُهُمْ هُنَاكَ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (لَوْ شَهِدَ عَلَى الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِالْمَحْكُومِ فِيهِ الْأَظْهَرُ لَا تُقْبَلُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْحُكْمِ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ الْمَحْكُومِ بِهِ) وَقَالَ: تَزْكِيَةُ الشَّاهِدِ رَفِيقَهُ فِي الشَّهَادَةِ لَا تُقْبَلُ (انْتَهَى) أَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَتَهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَتِهِ، فَيَكُونُ قَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ قَبِلَهُ، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَلِإِمْضَائِهِ إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا.
(وَكُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُ (لَهُ؛ فَتُقْبَلُ) شَهَادَتُهُ (عَلَيْهِ) بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ شَهِدَا) ؛ أَيْ: الْعَدْلَانِ (عَلَى أَبِيهِمَا بِقَذْفِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا؛ وَهِيَ) أُمُّهُمَا (تَحْتَهُ) ؛ أَيْ: أَبِيهِمَا؛ قَبِلَا أَوْ شَهِدَا (عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا) ؛ أَيْ: ضَرَّةِ أُمِّهِمَا (قَبِلَا) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى أَبِيهِمَا.
(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى مُعْتِقِ عَبْدَيْنِ أَنَّهُ غَصَبَهُمَا) ؛ أَيْ: الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ عِتْقِهِمَا (مِنْهُ، فَشَهِدَ الْعَتِيقَانِ بِصِدْقِهِ) ؛ أَيْ: مُدَّعِي غَصْبِهِمَا (لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمَا (لِعَوْدِهِمَا) بِقَبُولِهَا (لِلرِّقِّ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا) ؛ أَيْ: الْعَتِيقَانِ (أَنْ مُعْتِقَهُمَا كَانَ حِينَ الْعِتْقِ لَهُمَا غَيْرُ بَالِغٍ وَنَحْوَهُ) كَجُنُونِهِ.
(أَوْ جَرَحَا شَاهِدَيْ حُرِّيَّتَهُمَا) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا ذَلِكَ؛ لِعَوْدِهِمَا إلَى الرِّقِّ بِهِ.
(وَلَوْ أَعْتَقَا بِتَدْبِيرٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَشَهِدَا) أَيْ: الْعَتِيقَانِ (بِدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ بِبُطْلَانِهِ) ؛ أَيْ: الرِّقِّ (لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمَا؛ لِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّهِمَا لِغَيْرِ سَيِّدٍ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
(الثَّانِي) مِنْ الْمَوَانِعِ (أَنْ يَجُرَّ) الشَّاهِدُ (بِهَا) ؛ أَيْ: شَهَادَتِهِ (نَفْعًا لِنَفْسِهِ كَشَهَادَتِهِ) ؛ أَيْ: الشَّخْصِ (لِرَقِيقِهِ، وَلَوْ) مَأْذُونًا لَهُ أَوْ (مُكَاتَبًا) لِأَنَّهُ رَقِيقُهُ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . أَوْ شَهَادَتُهُ (لِمُوَرِّثِهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ انْدِمَالِهِ) فَلَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْرِي الْجُرْحُ إلَى النَّفْسِ؛ فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلشَّاهِدِ بِشَهَادَتِهِ، فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، أَوْ شَهَادَتُهُ (لِمُوصِيهِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ، أَوْ شَهَادَتُهُ (لِمُوَكِّلِهِ) فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (وَلَوْ) كَانَتْ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ (بَعْدَ انْحِلَالِهِمَا) ؛ أَيْ: الْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ (كَشَهَادَةِ وَكِيلٍ بِمَا كَانَ وَكِيلًا فِيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ) لِلتُّهْمَةِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ (أَوْ) شَهَادَتُهُ (لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ) قَالَ فِي " (الْمُبْدِعِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا) لِاتِّهَامِهِ، وَكَذَا مُضَارِبٌ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ انْتَهَى؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ (أَوْ) شَهَادَةُ (مُسْتَأْجِرِهِ بِمَا اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ،) كَمَنْ نُوزِعَ فِي ثَوْبٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ أَوْ قَصْرِهِ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ بِهِ لِمُسْتَأْجِرِهِ؛ لِلتُّهْمَةِ (أَوْ) شَهَادَةُ وَلِيِّ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ (لِمَنْ فِي حِجْرِهِ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِشَيْءٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَهُوَ مُتَّهَمٌ أَوْ شَهَادَةُ (غَرِيمٍ بِمَالٍ لِمُفْلِسٍ بَعْدَ حَجْرٍ) أَوْ مَوْتٍ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غُرَمَائِهِ بِمَالِهِ بِذَلِكَ؛ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، أَوْ 6150 شَهَادَةُ (أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ) لِاتِّهَامِهِ
بِأَخْذِ الشِّقْصِ كُلِّهِ بِالشُّفْعَةِ (أَوْ شَهَادَةُ مَنْ لَهُ كَلَامٌ أَوْ اسْتِحْقَاقٌ، وَإِنْ قَلَّ) الِاسْتِحْقَاقُ (فِي رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ مَسْجِدٍ بِمَصْلَحَةٍ لَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ)
تَقِيُّ الدِّينِ (وَلَا شَهَادَةُ عُمَّالِ دِيوَانِ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ عَلَى الْخُصُومِ) لِأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ أَوْ وُلَاةٌ.
(وَلَوْ شَهِدَا) ؛ أَيْ: الْعَدْلَانِ (بِطَلَاقِ أَمَتِهِمَا) الْمُزَوَّجَةِ أَوْ شَهِدَا (بِعَزْلِ وَكِيلِ زَوْجِهَا فِي طَلَاقِهَا؛ لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمَا؛ لِلتُّهْمَةِ.
(وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ وَارِثٍ (لِمُوَرِّثِهِ فِي مَرَضِهِ) وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ وَحَالَ جُرْحِهِ (بِدَيْنٍ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِ حِينَ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَشَهَادَتِهِ لِامْرَأَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، أَوْ غَرِيمٍ لَهُ بِمَالٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
(وَإِنْ حُكِمَ بِهَا) ؛ أَيْ: بِشَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ - وَلَوْ فِي مَرَضِهِ - بِدَيْنٍ (ثُمَّ مَاتَ) الْمَشْهُودُ لَهُ (فَوَرِثَهُ الشَّاهِدُ؛ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ.
(الثَّالِثُ) مِنْ الْمَوَانِعِ (أَنْ يَدْفَعَ بِهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةِ (ضَرَرًا عَنْ نَفْسِهِ كَ) شَهَادَةِ (الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ) أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيرًا أَوْ بَعِيدًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يُوسِرَ أَوْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَكَشَهَادَةِ (الْغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ دَيْنٍ عَلَى مُفْلِسٍ) أَوْ مَيِّتٍ تَضِيقُ تَرِكَتُهُ عَنْ دُيُونِهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ، وَكَشَهَادَةِ الْوَلِيِّ بِجَرْحِ شَاهِدٍ عَلَى مَحْجُورِهِ وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ شَاهِدٍ عَلَى شَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ.
(وَكُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، لَا تُقْبَلُ إذَا شَهِدَ بِجَرْحِ شَاهِدٍ عَلَيْهِ) كَسَيِّدٍ يَشْهَدُ بِجَرْحِ شَاهِدٍ عَلَى قِنِّهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ.
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ: «وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا شَهَادَةَ لِخَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» .
(الرَّابِعُ مِنْ الْمَوَانِعِ الْعَدَاوَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ شَهَادَةِ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ، وَسُنِّيٍّ عَلَى مُبْتَدِعٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَوْرُوثَةً أَوْ مُكْتَسَبَةً كَفَرَحِهِ بِمُسَاءَتِهِ، أَوْ غَمِّهِ بِفَرَحِهِ، وَطَلَبِهِ لَهُ الشَّرَّ؛ فَلَا تُقْبَلُ) شَهَادَةُ إنْسَانٍ عَلَى عَدُوِّهِ (إلَّا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، وَتَقَدَّمَ؛ فَتَلْغُوَ) الشَّهَادَةُ (مِنْ مَقْذُوفٍ عَلَى قَاذِفِهِ، وَمِنْ مَقْطُوعٍ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ عَلَى قَاطِعِهِ) فَلَا تُقْبَلُ إنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى الْقَافِلَةِ، بَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ هَلْ قَطَعُوهَا عَلَيْكُمْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْحَثُ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ الشُّهُودُ (إلَّا إنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ عَرَضُوا لَنَا، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِنَا) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
قَدَّمَهُ فِي " الْفُصُولِ " فَإِنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ تَمْنَعْ؛ فَيُقْبَلُ الْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمُحِقُّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الْبِدْعِيِّ؛ لِأَنَّ الدِّينَ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ فِي دِينِهِ.
وَتَلْغُو الشَّهَادَةُ (مِنْ زَوْجٍ) إذَا شَهِدَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي زِنًا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهَا؛ لِإِفْسَادِهَا فِرَاشَهُ (بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهَا فِي قَتْلٍ وَغَيْرِهِ) كَسَرِقَةٍ وَقَرْضٍ؛ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
(وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا لَا تُقْبَلُ) شَهَادَتُهُ (عَلَيْهِ) كَعَدُوِّهِ وَمَقْذُوفَتِهِ وَقَاطِعِ طَرِيقِهِ (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ لَهُ) لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهَا.
(الْخَامِسُ) مِنْ الْمَوَانِعِ (الْعَصَبِيَّةُ فَلَا شَهَادَةَ لِمَنْ عُرِفَ بِهَا وَبِالْإِفْرَاطِ فِي الْحَمِيَّةِ) كَتَعَصُّبِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ (وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْعَدَاوَةِ) ، وَفِي حَدِيثٍ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ» . (وَأَدْخَلَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (وَغَيْرُهُ) مِنْ الْأَصْحَابِ (الْفُقَهَاءَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَأَخْرَجَهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ) مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ إذْ دِيَانَتُهُمْ تَمْنَعُهُمْ مِنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، اُعْتُبِرَتْ الْأَخْلَاقُ كُلُّهَا، فَإِذَا أَشَدُّهَا
عَلَى الْمَرْءِ وَبَالًا الْحَسَدُ) .
وَفِي الْحَدِيثِ: «ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ؛ وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ.
إذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرَتْ فَامْضِ» .
(السَّادِسُ) مِنْ الْمَوَانِعِ (الْحِرْصُ عَلَى أَدَائِهَا قَبْلَ اسْتِشْهَادِ مَنْ يَعْلَمُ بِهَا) فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَشْهُودٌ لَهُ بِهَا؛ لَمْ يَقْدَحْ (وَ) تَقَدَّمَ (قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا) فَتُرَدُّ وَهَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا بِذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " (إلَّا فِي نَحْوِ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ) كَظِهَارٍ؛ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مُفْرِطًا فِي الْحَمِيَّةِ مُتَعَصِّبًا؛ فَشَهِدَ بِهِ (وَحَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِ؛ لَمْ تُرَدَّ) شَهَادَتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(السَّابِعُ) مِنْ الْمَوَانِعِ (أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ثُمَّ يَتُوبَ، وَيُعِيدَهَا، فَلَا تُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ) فِي أَنَّهُ إنَّمَا تَابَ لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَلِإِزَالَةِ الْعَارِ الَّذِي لَحِقَهُ بِرَدِّهَا، وَلِأَنَّ رَدَّهُ لِفِسْقِهِ حُكْمٌ؛ فَلَا يُنْقَضُ بِقَبُولِهِ (وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ مَنْ تَحَمَّلَهَا فَاسِقًا (حَتَّى تَابَ؛ قُبِلَتْ) لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلتَّحَمُّلِ وَلَا تُهْمَةً.
(وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَوْ أَخْرَسُ، فَزَالَ ذَلِكَ) الْمَانِعُ بِأَنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ كُلِّفَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَوْ نَطَقَ الْأَخْرَسُ (وَأَعَادُوهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ (قُبِلَتْ) لِأَنَّ رَدَّهَا لِهَذِهِ الْمَوَانِعِ لَا غَضَاضَةَ فِيهِ؛ فَلَا تُهْمَةَ، بِخِلَافِ رَدِّهَا لِلْفِسْقِ (لَا إنْ شَهِدَ لِمُوَرِّثِهِ بِجَرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ) فَرُدَّتْ، أَوْ شَهِدَ (لِمُكَاتَبِهِ) بِشَيْءٍ فَرُدَّتْ (وَيَتَّجِهُ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ شَهِدَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بِشَيْءٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ شَهِدَ شَرِيكٌ بِعَفْوِ شَرِيكٍ فِي شُفْعَةٍ) عَنْ الشُّفْعَةِ (فَرُدَّتْ) شَهَادَتُهُ (أَوْ رُدَّتْ) شَهَادَتُهُ (بِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ، أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ، أَوْ لِعَدَاوَةٍ، فَبَرِئَ مُوَرِّثُهُ) مِنْ جَرْحِهِ (وَعَتَقَ مُكَاتَبُهُ، وَعَفَا الشَّافِعُ عَنْ
شُفْعَتِهِ، وَزَالَ الْمَانِعُ) مِنْ دَفْعِ ضَرَرٍ وَجَلْبِ نَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ (ثُمَّ أَعَادُوهَا، فَلَا تُقْبَلُ) لِأَنَّ رَدَّهَا كَانَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادِ الثَّانِي وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ كَالرَّدِّ لِلْفِسْقِ (وَمَنْ شَهِدَ بِحَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ كَأَبِيهِ وَأَجْنَبِيٍّ؛ رُدَّتْ نَصًّا؛ لِأَنَّهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ (لَا تَتَبَعَّضُ فِي نَفْسِهَا) قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت وَقِيَاسُهُ لَوْ حَكَمَ لَهُ وَلِأَجْنَبِيٍّ.
[بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ]
ِ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ شُهُودِهِ؛ لِاخْتِلَافِ عَدَدِ الشُّهُودِ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ (وَهِيَ) ؛ أَيْ: أَقْسَامُهُ (سَبْعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدُهَا الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَمُوجِبُ حَدِّهِ) ؛ أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ (فَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ يَشْهَدُونَ بِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (أَوْ) وَيَشْهَدُونَ (بِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (أَقَرَّ بِهِ أَرْبَعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» . وَاعْتِبَارُ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لَهُ، فَاعْتُبِرُوا فِيهِ كَشُهُودِ الْفِعْلِ، لَكِنْ لَوْ شَهِدَ الْأَرْبَعَةُ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ دُونَ أَرْبَعٍ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِّ الزِّنَا (فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ) بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ (أَعْجَمِيًّا تَرْجَمَ أَرْبَعَةٌ لَا اثْنَانِ) كَذَا وُجِدَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ كَالشَّهَادَةِ؛ فَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ أَرْبَعَةٍ (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِمَا أَعْجَمِيًّا قُبِلَ فِيهِ تُرْجُمَانَانِ، وَكَأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَ الْإِقْنَاعِ ". .
الْقِسْمُ (الثَّانِي إذَا ادَّعَى فَقْرًا مَنْ عُرِفَ بِغِنًى) لِيَأْخُذَ مِنْ نَحْوِ زَكَاةٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ) يَشْهَدُونَ: لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» .
الْقِسْمُ (الثَّالِثُ مَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَالْإِعْسَارَ وَوَطْءٌ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) كَوَطْءِ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَبَهِيمَةٍ، وَيَدْخُلُ فِيهِ وَطْءُ أَمَتِهِ فِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمٍ، وَأَمَّا وَطْءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُبَاحَةَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى إثْبَاتِهِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ؛ أَيْ: يَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حَدًّا، وَلَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النِّسَاءُ غَالِبًا، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي " حَوَاشِي الْفُرُوعِ " (وَبَقِيَّةُ الْحُدُودِ) كَحَدِّ قَذْفٍ وَشُرْبٍ وَسَرِقَةٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ) لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ، وَيَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ لِنَقْصِهِنَّ (وَيَثْبُتُ قَوَدٌ وَقَذْفٌ وَشُرْبٌ بِإِقْرَارٍ مَرَّةً) وَتَقَدَّمَ، بِخِلَافِ زِنَا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ.
الْقِسْمُ (الرَّابِعُ مَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلَا مَالَ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَرَجْعَةٍ وَخُلْعٍ وَطَلَاقٍ وَوُجُودِ شَرْطِهِ) ؛ أَيْ: الطَّلَاقِ كَكَوْنِ الْمُطَلِّقُ زَوْجًا مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ (وَنَسَبٍ وَوَلَاءٍ وَتَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ وَإِحْصَانٍ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ وَإِيصَاءٌ فِي غَيْرِ مَالٍ، فَكَاَلَّذِي قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ؛ فَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ كَالْقِصَاصِ (الْخَامِسُ الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَقَرْضٍ، وَرَهْنٍ، الْوَدِيعَةٍ، وَغَصْبٍ وَإِجَارَةٍ، وَشَرِكَةٍ، وَحَوَالَةٍ، وَصُلْحٍ، وَهِبَةٍ، وَعِتْقٍ، وَكِتَابَةٍ، وَتَدْبِيرٍ، وَمَهْرٍ وَتَسْمِيَتِهِ وَرِقِّ مَجْهُولٍ، وَعَارِيَّةٍ، وَشُفْعَةٍ، وَإِتْلَافِ مَالٍ، وَضَمَانِهِ، وَتَوْكِيلٍ فِيهِ، وَإِيصَاءٍ فِيهِ) وَوَصِيَّةٍ بِهِ لِمُعَيِّنٍ.
وَوَقْفٍ عَلَيْهِ، وَبَيْعٍ وَأَجَلِهِ وَخِيَارِهِ وَجِنَايَةِ خَطَأً (أَوْ عَمْدًا لَا تُوجِبُ قَوَدًا بِحَالٍ) كَجَائِفَةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ (تُوجِبُ مَالًا وَفِي بَعْضِهَا قَوَدًا كَمَأْمُومَةٍ وَهَاشِمَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ، لَهُ قَوَدُ مُوضِحَةٍ فِي ذَلِكَ) وَأَخَذَ تَفَاوُتَ الدِّيَةِ (وَكَفَسْخِ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ) كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، لَا عَقْدَ نِكَاحٍ
(وَكَدَعْوَى قَتْلِ كَافِرٍ لِأَخْذِ سَلْبِهِ، وَكَدَعْوَى أَجِيرٍ أَوْ أَسِيرٍ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ لِمَنْعِ رِقِّهِ؛ فَيَثْبُتُ) الْمَالُ فِي مَأْمُومَةٍ وَهَاشِمَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ لَا قَوَدَ الْمُوضِحَةِ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ (بِرَجُلَيْنِ وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] وَسِيَاقُ الْآيَةِ فِي الدَّيْنِ، وَأَلْحَقَ بِهِ سَائِرَ الْأَمْوَالِ؛ لِانْحِلَالِ رُتْبَةِ الْمَالِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْبَدَلُ وَالْإِبَاحَةُ، وَتَكْثُرُ فِيهِ الْمُعَامَلَةُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوَسَّعَ الشَّرْعُ بَابَ ثُبُوتِهِ (وَ) يَثْبُتُ ذَلِكَ (بِرَجُلٍ وَيَمِينِ مُدَّعٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ
، وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ بِالْعِرَاقِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ
، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَا قَوِيٌّ جَانِبُهُ بِالشَّاهِدِ، وَظَهَرَ صِدْقُهُ، أَشْبَهَ صَاحِبَ الْيَدِ وَالْمُنْكِرِ؛ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، (وَلَا) يَثْبُتُ الْمَالُ وَنَحْوُهُ بِشَهَادَةِ (امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ) لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ مُنْفَرِدَاتٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ؛ لَمْ يُقْبَلْنَ (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ) ؛ أَيْ: شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ (عَلَى الْيَمِينِ) لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى جَانِبُهُ إلَّا بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَوْلُ مُدَّعٍ فِي حَلِفِهِ: وَإِنَّ شَاهِدِي صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْبَدَنِ وَالْإِيصَاءِ وَالْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ.
(وَلَوْ نَكَلَ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْيَمِينِ (مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا؛ حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْحَقُّ) ؛ أَيْ: انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ (فَإِنْ نَكَلَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ
(حُكِمَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ نَصًّا؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَنْبَتِهِ - وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِنُكُولِهِ عَنْهَا - فَصَارَتْ جَنْبَةُ غَيْرِهِ؛ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا.
(وَلَوْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ حَقٌّ مَالِيٌّ بِشَاهِدٍ، فَأَقَامُوهُ بِهِ، فَمَنْ حَلَفَ أَخَذَ نَصِيبَهُ) لِكَمَالِ النِّصَابِ مِنْ جِهَتِهِ (وَلَا يُشَارِكُهُ) فِيمَا أَخَذَهُ (مَنْ لَمْ يَحْلِفْ) لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ قَبْلَ حَلِفِهِ (وَلَا تَحْلِفُ وَرَثَةُ نَاكِلٍ) عَنْ يَمِينٍ بَعْدَ إقَامَتِهِ شَاهِدًا بِهِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِوَارِثِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، فَإِنْ مَاتَ فَلِوَارِثِهِ الدَّعْوَى، وَإِقَامَةُ الشَّاهِدِ، وَيَحْلِفُ مَعَهُ، وَيَأْخُذُ.
(الْقِسْمُ السَّادِسُ دَاءٌ نَحْوَ دَابَّةٍ وَمُوضِحَةٍ) وَدَاءٌ بِعَيْنٍ (فَيُقْبَلُ قَوْلُ طَبِيبٍ وَاحِدٍ وَبَيْطَارٍ وَاحِدٍ) وَكَحَّالٍ وَاحِدٍ (لِعَدَمِ غَيْرِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ) ؛ أَيْ: الدَّاءِ نَصًّا، لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اجْتِهَادٍ كَالْقَاضِي يُخْبِرُ عَنْ حُكْمِهِ (وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ) بِأَنْ كَانَ بِالْبَلَدِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ اثْنَانِ كَسَائِرِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَلَيْسَ بِمَالٍ (وَإِنْ اخْتَلَفَا) بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا بِوُجُودِ الدَّاءِ وَالْآخَرُ بِعَدَمِهِ (قُدِّمَ قَوْلُ مُثْبِتٍ) لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمْ يُدْرِكْهَا النَّافِي.
الْقِسْمُ (السَّابِعُ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ كَبَرَصٍ) بِظَهْرٍ وَبَطْنِ امْرَأَةٍ (وَرَتْقٍ) وَقَرْنٍ وَعَفَلٍ وَنَحْوَهُ (وَالرَّضَاعُ وَالِاسْتِهْلَالُ وَالْبَكَارَةُ وَالثُّيُوبَةُ وَالْحَيْضُ، وَكَذَا جِرَاحَةُ غَيْرِهَا) كَعَارِيَّةٍ الْوَدِيعَةٍ وَقَرْضٍ وَنَحْوَهُ (فِي نَحْوِ حَمَّامٍ وَعُرْسٍ مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ رِجَالٌ؛ فَيَكْتَفِي فِيهِ امْرَأَةٌ عَدْلٌ) لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا» : ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَرَوَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يُجْزِئُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» .
وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنًى يَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالرِّوَايَةِ وَالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ.
(وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ اثْنَتَانِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ فَهُوَ أَوْلَى) بِالْقَبُولِ مِنْ الْمَرْأَةِ (لِكَمَالِهِ) أَيْ: لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ.
وَكُلُّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ كَالرِّوَايَةِ.
[فَصْلٌ فِي مَنْ ادَّعَتْ إقْرَارَ زَوْجِهَا بِأُخُوَّةِ رَضَاعٍ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ]
فَصْلٌ (وَمَنْ ادَّعَتْ إقْرَارَ زَوْجِهَا بِأُخُوَّةِ رَضَاعٍ) ؛ أَيْ: بِأَنَّهُ أَخُوهَا مِنْ رَضَاعٍ (فَأَنْكَرَ) الزَّوْجُ الْإِقْرَارَ بِهِ (لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا.
(وَإِنْ شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ) ؛ أَيْ: لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَالْمَالُ بَدَلٌ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ لَمْ يَجِبْ بَدَلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُ أَحَدِ شَيْئَيْنِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - لَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالِاخْتِيَارِ، فَلَوْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِذَلِكَ لَوَجَبَ الْمُعَيَّنُ بِدُونِ اخْتِيَارٍ.
(فَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ رَمَى أَخَاهُ بِسَهْمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ؛ وَنَفَذَ السَّهْمُ إلَى أَخِيهِ الْآخَرِ، فَقَتَلَهُ خَطَأً، وَأَقَامَ بِذَلِكَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلًا وَحَلَفَ مَعَهُ؛ ثَبَتَ قَتْلُ الْخَطَأِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْمَالِ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
.
(وَإِنْ شَهِدُوا) ؛ أَيْ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ (بِسَرِقَةٍ ثَبَتَ الْمَالُ) لِكَمَالِ نِصَابِهِ (دُونَ الْقَطْعِ) لِلسَّرِقَةِ، لِأَنَّهُ حَدٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ، وَالسَّرِقَةُ تُوجِبُ الْمَالَ وَالْقَطْعَ، وَقُصُورُ الْبَيِّنَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ (وَيَغْرَمُهُ نَاكِلٌ) ؛ أَيْ: لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِسَرِقَةِ مَالٍ، فَأَنْكَرَ؛ فَالْتَمَسَ يَمِينَهُ، فَنَكَلَ؛ غَرِمَ الْمَالَ - وَلَا قَطْعَ - لِأَنَّ النُّكُولَ لَا يَقْضِي فِي غَيْرِ الْمَالِ.
(وَإِنْ ادَّعَى زَوْجٌ خُلْعًا، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُهُ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ (فَيَثْبُتُ الْعِوَضُ بِذَلِكَ، وَتَبِينُ الْمَرْأَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَإِنْ ادَّعَتْهُ) ؛ أَيْ: الْخُلْعَ الزَّوْجَةُ (لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ) لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْفَسْخُ، وَلَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ رَجُلَيْنِ.
(وَمَنْ أَقَامَتْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ) شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ (بِتَزْوِيجِهَا بِمَهْرٍ عَيَّنَتْهُ؛ ثَبَتَ الْمَهْرُ) دُونَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلرَّجُلِ؛ فَلَا يَصِحُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الدَّعْوَى بِهِ مِنْهَا، وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ مَا سَرَقَ أَوْ مَا غَصَبَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا بَاعَ، أَوْ مَا اشْتَرَى، أَوْ مَا وَهَبَ، أَوْ مَا قَتَلَ (فَثَبَتَ فِعْلُهُ) الْمَحْلُوفُ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ (بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ، ثَبَتَ الْمَالُ) لِكَمَالِ نِصَابِهِ (وَلَمْ تَطْلُقْ) زَوْجَتُهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ قِنُّهُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ) أَنْ فُلَانَةَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ؛ أَوْ شَهِدَ (رَجُلٌ، وَحَلَفَ مَعَهُ أَنْ فُلَانَةَ أُمُّ وَلَدِهِ وَوَلَدُهَا مِنْهُ؛ قُضِيَ لَهُ بِهَا) ؛ أَيْ: الْجَارِيَةِ (أُمُّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، لَهُ وَطْؤُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَزْوِيجُهَا، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَالِاسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِنُفُوذِهِ فِي مِلْكِهِ (وَلَا تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ وَلَدِهَا وَلَا نَسَبُهُ) مِنْ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِرَجُلَيْنِ، فَيُقِرُّ الْوَلَدُ بِيَدِ مُنْكِرٍ مَمْلُوكًا لَهُ (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ) ؛ أَيْ: وَلَدُهَا (كَهِيَ) فَيُعْتَقُ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ مَكْتُوبٌ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حُكِمَ بِهِ نَصًّا، أَوْ وُجِدَ (عَلَى أُسْكُفَّةِ دَارٍ أَوْ حَائِطِهَا) مَكْتُوبٌ (وَقْفٌ أَوْ مَسْجِدٌ؛ حُكِمَ بِهِ) ؛
أَيْ: حُكِمَ بِأَنَّ الدَّارَ وَقْفٌ أَوْ مَسْجِدٌ بِمُقْتَضَى الْكِتَابَةِ الْمَذْكُورَةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ " قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": نَصًّا حَيْثُ لَا مُعَارِضَ أَقْوَى مِنْهُ كَبَيِّنَةٍ.
(وَلَوْ وُجِدَ) مَكْتُوبٌ (عَلَى كُتُبِ عِلْمٍ فِي خِزَانَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً) هَذَا وَقْفٌ (فَكَذَلِكَ) ؛ أَيْ: يَحْكُمُ (بِهِ، وَإِلَّا) تَكُنْ مُدَّتُهَا طَوِيلَةً، أَوْ لَمْ تَكُنْ بِخِزَانَةٍ (عَمِلَ بِالْقَرَائِنِ) فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى تَظْهَرَ لَهُ قَرِينَةٌ يَعْمَلُ بِهَا.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) الْمَذْكُورُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ إلَى آخِرِهِ كُلُّهُ ثَابِتٌ (فِيمَا لَا مَالَك لَهُ مَعْلُومٌ) فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ مَعْلُومٌ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبَابُ الرُّجُوعِ عَنْهَا وَبَابُ أَدَائِهَا]
) ؛ أَيْ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الشَّهَادَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مُسْتَدَامَةٌ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ لِمَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الشَّاهِدِ مِنْ اخْتِرَامِ الْمَنِيَّةِ وَالْعَجْزِ عَنْ الشَّهَادَةِ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُوجِبُ ضَيَاعَ حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَاسْتُدْرِكَ ذَلِكَ بِتَجْوِيزِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِتَدُومَ الْوَثِيقَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأْبِيدِ كَالْوُقُوفِ، وَالشَّاهِدُ لَا يَعِيشُ أَبَدًا.
.
(لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ) لَخَّصَهَا ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
(أَحَدُهَا كَوْنُهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (فِيمَا أَيْ: حَقٌّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ قَاضٍ لِقَاضٍ) وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ، لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَكَذِبِ شُهُودِ الْفَرْعِ إلَيْهَا مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ، وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لَا يُوجَدُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ سَتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي (تَعَذُّرُ) شَهَادَةِ (شُهُودِ الْأَصْلِ بِنَحْوِ مَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ
أَوْ خَوْفٍ) مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ تَعَذُّرِ شَهَادَةِ امْرَأَةٍ (مُخَدَّرَةٍ) ؛ أَيْ: مُلَازَمَةٍ لِلْخِدْرِ، وَهُوَ السِّتْرُ (أَوْ غَيْبَةِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ، وَشَهَادَةُ الْفَرْعِ إنَّمَا تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَلِاسْتِغْنَاءِ الْحَاكِمِ بِسَمَاعِ الْأَصْلِ عَنْ تَعْدِيلِ الْفَرْعِ، وَسَمَاعُهُ مِنْ الْأَصْلِ مَعْلُومٌ، وَصِدْقُ شَاهِدِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ (دَوَامُ تَعَذُّرِهِمْ) ؛ أَيْ: شُهُودِ الْأَصْلِ (إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ، فَمَتَى أَمْكَنَتْ شَهَادَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الْأُصُولِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْحُكْمِ (وُقِفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِهَا) لِزَوَالِ الشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ أَصِحَّاءَ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ (دَوَامُ عَدَالَةِ) شَاهِدِ (أَصْلٍ) وَشَاهِدِ (فَرْعٍ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ (فَمَتَى حَدَثَ مِنْ أَحَدِهِمْ) قَبْلَ الْحُكْمِ (مَا يَمْنَعُ قَبُولَهُ) مِنْ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ جُنُونٍ قَبْلَ أَدَائِهَا - إذْ طُرُوُّ الْجُنُونِ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا - وَقْفُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شَهَادَةِ الْجَمِيعِ (وَإِذَا فُقِدَ شَرْطُ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ) ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ (تَعْيِينُ فَرْعٍ لِأَصْلِهِ) قَالَ الْقَاضِي حَتَّى وَلَوْ قَالَ تَابِعِيَّانِ: أَشْهَدَنَا صَحَابِيَّانِ؛ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعَيِّنَاهُمَا.
وَالشَّرْطُ السَّادِسُ (ثُبُوتُ عَدَالَتِهِمَا) ؛ أَيْ: شَاهِدَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهَادَتَانِ؛ فَلَا يُحْكَمُ بِهِمَا بِدُونِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ؛ لَا بِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا.
وَالشَّرْطُ السَّابِعُ (اسْتِرْعَاءُ) شَاهِدِ (الْأَصْلِ) شَاهِدَ (الْفَرْعِ) (أَوْ) اسْتِرْعَاءُ (غَيْرِهِ وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْفَرْعُ (يَسْمَعُ) اسْتِرْعَاءَ الْأَصْلِ لِغَيْرِهِ، وَأَصْلُ الِاسْتِرْعَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ أَرْعِنِي سَمْعَك؛ أَيْ: اسْمَعْ مِنِّي، مَأْخُوذٌ مِنْ رَعَيْت الشَّيْءَ؛ أَيْ: حَفِظْته، فَشَاهِدُ الْأَصْلِ يَطْلُبُ مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَحْفَظَ شَهَادَتَهُ وَيُؤَدِّيَهَا (وَصِفَتُهُ) ؛ أَيْ: الِاسْتِرْعَاءِ أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي)
أَنِّي أَشْهَدُ (أَوْ) يَقُولَ لَهُ (أَشْهَدُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْته) بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَعَدَالَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَذْكُرْهَا (أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ) يَقُولَ (شَهِدْت عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا) وَإِنْ سَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ يُشْهِدُ غَيْرَهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا.
(فَلَوْ قَالَ شَاهِدُ الْأَصْلِ إنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا فَاشْهَدْ بِهِ أَنْتِ؛ لَمْ يَجُزْ) لَلْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِرْعَاءِ وَإِعْزَائِهَا إلَى سَبَبٍ (فَإِذَا لَمْ يَسْتَرْعِهِ) وَلَا غَيْرَهُ مَعَ سَمَاعِهِ (لَمْ يَشْهَدْ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ (إلَّا إنْ سَمِعَهُ) ؛ أَيْ: سَمِعَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ (يَشْهَدُ عِنْدَ حَاكِمٍ، أَوْ يَعْزُو شَهَادَتَهُ إلَى سَبَبٍ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ) فَيَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَبِنِسْبَتِهِ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ وَيَزُولُ الِاحْتِمَالُ كَالِاسْتِرْعَاءِ (فَلَوْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ) عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ (بِأَلْفٍ، وَلَمْ يُعَزِّهِ) ؛ أَيْ: شَاهِدُ الْأَصْلِ إلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَلْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحْتَمِلَ الشَّهَادَةَ بِالْعِلْمِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَرْعَاهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَرْعِيه إلَّا عَلَى وَاجِبٍ، وَبِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ؛ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ) وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْهَا.
وَالشَّرْطُ (الثَّامِنُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا) ؛ أَيْ: لِلشَّاهِدِ (الْفَرْعُ بِصِفَةِ تَحَمُّلِهِ) وَإِلَّا يُؤَدِّيهَا بِصِفَةِ تَحَمُّلِهِ؛ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا (وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ بِفَرْعَيْنِ، وَلَوْ عَلَى كُلِّ) شَاهِدِ (أَصْلٍ) شَاهِدُ (فَرْعٍ) نَصًّا، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ، وَلِأَنَّ الْفَرْعَ بَدَلُ الْأَصْلِ، فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهِمَا؛ فَكَفَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
(وَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَةِ فَرْعٍ) وَاحِدٍ (مَعَ أَصْلٍ آخَرَ) كَأَصْلَيْنِ أَوْ فَرْعَيْنِ (وَيَصِحُّ تَحَمُّلُ فَرْعٍ عَلَى فَرْعٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ
حَيْثُ يُقْبَلْنَ فِي أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَفِي فَرْعِ فَرْعٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِشَهَادَتِهِنَّ إثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ إذَا عَلِمْنَ ذَلِكَ (فَيَفْضُلُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ) وَاحِدٍ (وَامْرَأَتَيْنِ كَعَكْسِهِ) ؛ أَيْ: كَمَا يُقْبَلُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى مِثْلِهِمْ، أَوْ عَلَى رَجُلَيْنِ أَصْلَيْنِ أَوْ فَرْعَيْنِ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ (وَ) تُقْبَلُ (امْرَأَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ لَا يَجِبُ عَلَى شَهَادَةِ فَرْعٍ تَعْدِيلُ شَاهِدِ أَصْلٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجِبُ عَلَى شَهَادَةِ فَرْعٍ تَعْدِيلُ) شَاهِدِ (أَصْلٍ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ، فَيَبْحَثُ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا وَيَتْرُكَاهَا، اكْتِفَاءً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، مِنْ عَدَالَتِهِمَا.
(وَيُقْبَلُ) مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ (تَعْدِيلُهُ) ؛ أَيْ: تَعْدِيلُ أَصْلِهِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ (بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: الْأَصْلِ (وَغِيبَتِهِ) وَمَرَضِهِ.
وَلَا يُقْبَلُ (تَعْدِيلُ شَاهِدٍ لِرَفِيقِهِ) بَعْدَ شَهَادَتِهِ أَصْلًا كَانَ أَوْ فَرْعًا، لِإِفْضَائِهِ إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فَلَوْ كَانَ زَكَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ شَهِدَ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ إذَنْ.
(وَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَتَعَذَّرَ) الْأَصْلُ الْآخَرُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ (حَلَفَ) مَشْهُودٌ لَهُ (وَاسْتَحَقَّ) مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ أَصْلُهُمَا (وَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ؛ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ إذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا، لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
(وَيَضْمَنُ شُهُودُ فَرْعٍ) مَحْكُومًا بِهِ يَتْلَفُ بِشَهَادَتِهِمْ (بِرُجُوعِهِمْ بَعْدَ حُكْمٍ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ؛ كَمَا لَوْ بَاشَرُوا التَّلَفَ بِأَيْدِيهِمْ (مَا لَمْ يَقُولُوا: بَانَ لَنَا كَذِبُ الْأُصُولِ أَوْ غَلَطُهُمْ) فَلَا يَضْمَنُونَ إذْ لَا رُجُوعَ عَنْ شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْأُصُولِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لَمْ يَضْمَنُوا؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ) وَلَمْ يُلْجِئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ ضَمَانٌ كَالْمُتَسَبِّبِ مَعَ الْمُبَاشِرِ (إلَّا إنْ قَالُوا: كَذَبْنَا، وَقَالُوا: غَلِطْنَا) فَيَلْزَمهُمْ الضَّمَانُ؛ لِاعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْإِتْلَافِ بِقَوْلِهِمْ كَذَبْنَا أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ غَلِطْنَا.
(وَإِنْ قَالَا) ؛ أَيْ: شَاهِدَا الْأَصْلِ (بَعْدَهُ؛ أَيْ الْحُكْمِ مَا أَشْهَدْنَاهُمَا) ؛ أَيْ: الْفَرْعَيْنِ بِشَيْءٍ مِمَّا شَهِدَا بِهِ عَلَى شَهَادَتِنَا (لَمْ يَضْمَنْ الْفَرِيقَانِ) لَا شَاهِدَا الْأَصْلِ وَلَا شَاهِدَا الْفَرْعِ شَيْئًا مِمَّا حَكَمَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كِذْبُ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، وَلَا رُجُوعُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ إذْ الرُّجُوعُ.
إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَهُمَا أَنْكَرَا أَصْلَ الشَّهَادَةِ
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفَرْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفِي لِلشُّرُوطِ (وَلَا رُجُوعَ عَلَى مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ) الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِمَا؛ إذْ لَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ الْإِشْهَادَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
[فَصْلٌ فِي مَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ) كَأَنْ شَهِدَ بِمِائَةٍ ثُمَّ قَالَ: هِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ (أَوْ نَقَصَ) فِي شَهَادَتِهِ بِأَنْ شَهِدَ بِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ تِسْعُونَ بِحَضْرَةِ حَاكِمٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ إلَيْهِ (لَا بَعْدَ حُكْمِ) حَاكِمٍ بِشَهَادَتِهِ؛ قُبِلَ نَصًّا، وَحَكَمَ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَخِيرًا، لِأَنَّهَا شَهَادَةُ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُخَالِفُهَا، وَلَا تُعَارِضُهَا الشَّهَادَةُ الْأُولَى لِبُطْلَانِهَا بِرُجُوعِهِ عَنْهَا.
(أَوْ أَدَّى) الشَّهَادَةَ (بَعْدَ إنْكَارِهَا) بِأَنْ شَهِدَ عَلَى إنْسَانٍ بَعْدَ قَوْلِهِ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ شَهَادَةٌ، وَقَالَ كُنْت أُنْسِيتهَا؛ قُبِلَ نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] فَقَبِلَهَا بَعْدَ إثْبَاتِ الضَّلَالِ وَالنِّسْيَانِ فِي حَقِّهَا، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ؛ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ بِتَقَادُمِ عَهْدِهَا (وَكَذَا قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ الشَّهَادَةَ، ثُمَّ شَهِدَ) فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ عَمَّا قَبْلَهَا.
(وَإِنْ رَجَعَ) شَاهِدٌ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ حُكْمٍ بِهَا (لَغَتْ) شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ عَنْهَا يُوجِبُ ظَنَّ بُطْلَانِهَا، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا مَعَ ظَنِّهِ (وَلَا) يَجُوزُ (حُكْمٌ) بِشَهَادَةٍ بَعْدَ رُجُوعٍ عَنْهَا (وَلَوْ أَدَّاهَا بَعْدُ، وَلَمْ يَضْمَنْ) رَاجِعٌ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ (وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ) شَاهِدٌ (بِرُجُوعٍ) عَنْ شَهَادَتِهِ (بَلْ قَالَ لِلْحَاكِمِ تَوَقَّفْ) عَنْ الْحُكْمِ، فَتَوَقَّفَ الْحَاكِمُ عَنْهُ (ثُمَّ أَعَادَهَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَةَ (قُبِلَتْ) لِاحْتِمَالِ زَوَالِ رِيبَةٍ عَرَضَتْ
لَهُ، وَفِي وُجُوبِ إعَادَتِهَا احْتِمَالَانِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " الْأَوْلَى عَدَمُ الْإِعَادَةِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ، أَوْ) رَجَعَ شُهُودُ (عِتْقٍ بَعْدَ حُكْمٍ بِشَهَادَتِهِمْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ أَوْ بَعْدَهُ؛ لَمْ يُنْقَضُ) الْحُكْمُ؛ لِتَمَامِهِ وَوُجُوبِ الْمَشْهُودِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ، وَرُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يَنْقُضُهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ قَالُوا: عَمَدْنَا فَقَدْ شَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْفِسْقِ؛ فَهُمَا مُتَّهَمَانِ بِإِرَادَةِ نَقْضِ الْحُكْمِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ فَاسِقَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِالْفِسْقِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِي شَهَادَتِهِمَا وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا لَمْ يَلْزَمْ نَقْضُهُ أَيْضًا؛ لِجَوَازِ خَطَئِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ الثَّانِي، بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْحَالُ (وَيَضْمَنُونَ) بَدَلَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الْمَالِ، قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ، قَائِمًا كَانَ أَوْ تَالِفًا، وَقِيمَةَ مَا شَهِدُوا بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفُوهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يُصَدِّقُهُمْ) عَلَى بُطْلَانِ الشَّهَادَةِ (مَشْهُودٌ لَهُ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ (مَا أَخَذَهُ) مِنْ مَالِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ بَدَلَهُ إنْ تَلِفَ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَخْذِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ شَيْئًا بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ (أَوْ مَا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ بِدَيْنٍ فَيَبْرَأُ مِنْهُ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَا) عَنْ شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى سَيِّدِ عَبْدٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى مِائَةٍ، وَهِيَ قِيمَتُهُ، ثُمَّ رَجَعَا، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ شَيْئًا.
(وَلَوْ قَبَضَهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنَ الْمَشْهُودَ بِهِ (مَشْهُودٌ لَهُ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَا) عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ (غَرِمَاهُ لِمَشْهُودٍ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ تَنَصَّفَ الصَّدَاقُ بَعْدَ هِبَتِهَا إيَّاهُ لِلزَّوْجِ.
(وَلَا يَغْرَمُ مُزْكٍ شَيْئًا بِرُجُوعِ مُزْكٍ) عَنْ، شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ لَا الْمُزَكِّينَ، لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِظَاهِرِ حَالِ الشُّهُودِ، وَأَمَّا بَاطِنُهُ فَعِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ حُكْمٍ شُهُودُ طَلَاقٍ غَرِمُوا) إنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ (قَبْلَ دُخُولٍ نِصْفَ الْمُسَمَّى) أَوْ غَرِمُوا بَدَلَهُ، وَهُوَ الْمُتْعَةُ إنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ؛ لِإِلْزَامِهِمْ إيَّاهُ بِشَهَادَتِهِمْ بِطَلَاقِهَا، كَمَا يَغْرَمُهُ مَنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ لِنَحْوِ رَضَاعٍ قَبْلَ دُخُولٍ، وَإِنْ رَجَعُوا بَعْدَهُ؛ أَيْ: الدُّخُولِ - فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَالَ فِي " تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ " لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا فِي الْأَشْهَرِ.
قَالَ فِي " النُّكَتِ " هَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَ " مُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ " وَغَيْرِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَرِّرُوا عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا بِشَهَادَتِهِمْ؛ لِتَقَرُّرِهِ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ، وَلَمْ يُخْرِجُوا عَنْ مِلْكِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجُوا الْبُضْعَ عَنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا، أَوْ أَخْرَجَتْهُ هِيَ بِرِدَّتِهَا (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَغْرَمُونَ) ؛ أَيْ: الرَّاجِعُونَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ بِطَلَاقِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ (كُلَّ الْمَهْرِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوا عَلَى الزَّوْجِ النِّكَاحَ بِرُجُوعِهِمْ عَنْ الشَّهَادَةِ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْقَوْلُ بِالْغُرْمِ (قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الرَّضَاعِ) قَالَ فِي " النُّكَتِ " وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّى لَا يَتَقَرَّرُ بِالدُّخُولِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ " يَتَقَرَّرُ.
(وَإِنْ) شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الْقِنَّ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ أَخُوهُ وَنَحْوُهُ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ (رَجَعَ شُهُودُ قَرَابَةٍ وَشُهُودُ شِرَاءٍ) عَنْ شَهَادَتِهِمْ بِقِيمَةِ الْعَتِيقِ (عَلَى شُهُودِ الْقَرَابَةِ) لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُفَوِّتُونَ عَلَيْهِ الْقِنَّ، دُونَ شُهُودِ الشِّرَاءِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ قَوَدٍ أَوْ) رَجَعَ شُهُودُ (حَدٍّ بَعْدَ حُكْمٍ) بِشَهَادَتِهِمْ (وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ قَوَدٍ أَوْ حَدٍّ؛ لَمْ يُسْتَوْفَ) قَوَدٌ وَلَا حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةُ لَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهَا إنْ اُسْتُوْفِيَتْ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ رُجُوعَهُمْ شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ
بِهَا، وَالْقَوَدُ فِي مَعْنَاهُ (وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ) شَهِدُوا بِهِ لِمَشْهُودٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، فَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَيَرْجِعُ غَارِمٌ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ دِيَةٍ عَلَى الشُّهُودِ (وَإِنْ اُسْتُوْفِيَ) قَوَدٌ أَوْ حَدٌّ حُكِمَ بِهِ بِشَهَادَتِهِمْ (ثُمَّ قَالُوا: أَخْطَأْنَا؛ عُزِّرُوا، وَغَرِمُوا دِيَةَ مَا تَلِفَ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَا دُونَهَا (أَوْ أَرْشِ الضَّرْبِ نَصًّا لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ وَيُقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ) لِحُصُولِ التَّفْوِيتِ مِنْ جَمِيعِهِمْ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ مَالًا (فَلَوْ رَجَعَ رَجُلٌ وَعَشْرَةُ نِسْوَةٍ) شَهِدُوا فِي مَالٍ غَرِمَ الرَّجُلُ (سُدُسًا وَهُنَّ) ؛ أَيْ: النِّسْوَةُ الْعَشَرَةُ الْبَقِيَّةُ كُلَّ وَاحِدَةٍ نِصْفَ سُدُسٍ (وَكَذَا رَضَاعٌ) شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ، ثُمَّ وَزَّعَ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَيْهِمْ، عَلَى الرَّجُلِ سُدُسُهُ، وَعَلَيْهِنَّ الْبَقِيَّةُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ) فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا (ثُمَّ رَجَعَ بَعْدِ حُكْمٍ: وَاحِدٌ عَنْ مِائَةٍ، وَرَجَعَ: آخَرُ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَرَجَعَ: الثَّالِثُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَرَجَعَ: الرَّابِعُ عَنْ الْأَرْبَعِمِائَةِ) فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ بِقِسْطِهِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ) رُبْعُ الْمِائَةِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ (وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ) رُبْعُ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رَجَعَ عَنْهُمَا، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ (وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ) رُبْعُ الثَّلَاثِمِائَةِ (وَعَلَى الرَّابِعِ مِائَةٌ) رُبْعُ الْأَرْبَعِمِائَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُبْعَ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِزِنَا) فَرُجِمَ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهُ (أَوْ شَهِدَ) أَرْبَعَةٌ بِزِنَا (وَاثْنَانِ) مِنْ غَيْرِهِمْ (بِإِحْصَانِ زَانٍ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا) ؛ أَيْ: السِّتَّةُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ (لَزِمَتْهُمْ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا) لِأَنَّهُ قُتِلَ بِشَهَادَةِ الْجَمِيعِ (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ؛ الشُّهُودُ (خَمْسَةً بِزِنَا فَأَخْمَاسًا) يَغْرَمُونَ دِيَتَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: الشُّهُودِ (غَرِمَ بِقِسْطِهِ مَعَ حَدِّهِ) لِلْقَذْفِ، فَعَلَى وَاحِدٍ مِنْ سِتَّةٍ سُدُسٌ، وَمِنْ خَمْسَةٍ خُمُسٌ، وَهَكَذَا.
(وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَا، وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ؛ فَرُجِمَ؛ ثُمَّ رَجَعُوا؛ فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ وَالزِّنَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) ثُلُثٌ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ، وَثُلُثٌ لِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَا (وَعَلَى الْآخَرَيْنِ ثُلُثُهَا) لِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَا وَحْدَهُ.
(وَإِنْ رَجَعَ زَائِدٌ عَنْ الْبَيِّنَةِ) كَأَنْ شَهِدَ خَمْسَةٌ بِزِنَا، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ (قَبْلَ حُكْمٍ أَوْ بَعْدَهُ؛ اُسْتُوْفِيَ) حَدُّ الزِّنَا؛ لِبَقَاءِ نِصَابِهِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ (وَيُحَدُّ الرَّاجِعُ) مِنْهُمْ حَدَّ الْقَذْفِ (لِقَذْفِهِ) الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا (مَعَ غُرْمِهِ بِقِسْطٍ؛ فَيَغْرَمُ خَامِسٌ رَجَعَ فِي) شَهَادَةِ (زِنَا خُمُسًا) مِنْ دِيَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ (وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ زِنَا) دُونَ إحْصَانٍ، غَرِمُوا الدِّيَةَ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ رُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَأَمَّا الْإِحْصَانُ فَشَرْطٌ لَا مُوجِبٌ، أَوْ رَجَعَ شُهُودُ (إحْصَانٍ) فَقَطْ (غَرِمُوا الدِّيَةَ كَامِلَةً) لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِشَهَادَتِهِمْ؛ إذْ لَوْلَا ثُبُوتُ الْإِحْصَانِ؛ لَمْ يَجِبْ الْقَتْلُ.
(وَرُجُوعُ شُهُودِ تَزْكِيَةٍ كَرُجُوعِ مَنْ زَكَّوْهُمْ) مِنْ الْمَسَائِلِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ تَعْلِيقِ عِتْقٍ) وَشُهُودُ شَرْطِهِ، وَرَجَعَ شُهُودُ تَعْلِيقِ (طَلَاقٍ) قَبْلَ دُخُولٍ، وَرَجَعَ (شُهُودُ شَرْطِهِ) الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (غَرِمُوا) قِيمَةَ الْعَتِيقِ أَوْ نِصْفَ الصَّدَاقِ (بِعَدَدِهِمْ) كَشُهُودِ الزِّنَا وَالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ شُهُودَ التَّعْلِيقِ كَشُهُودِ الزِّنَا، وَشُهُودُ شَرْطِهِ كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ كِتَابَةٍ؛ غَرِمُوا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْكِتَابَةِ (قِنًّا وَمُكَاتَبًا) لِنَقْصِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ عَنْ الْقِنِّ الْحَاصِلِ بِشَهَادَتِهِمْ (فَإِنْ عَتَقَ) الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْكِتَابَةِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بِهَا بِأَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ؛ فَعَلَيْهِمْ غُرْمُ (مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قِنًّا وَمَالِ كِتَابَةٍ) إنْ نَقَصَ عَنْهَا وَإِلَّا فَلَا غُرْمَ.
(وَإِنْ شَهِدُوا بِتَأْجِيلِ نَحْوِ ثَمَنِ) مَبِيعٍ كَأُجْرَةٍ (وَحَكَمَ بِهِ) الْحَاكِمُ (ثُمَّ رَجَعُوا؛ غَرِمُوا تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ) لِأَنَّهُ فَاتَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ، وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا (بِاسْتِيلَادِ أَمَةٍ) ؛ ثُمَّ رَجَعُوا، فَإِنَّهُمْ يَغْرَمُونَ نَقْصَ قِيمَتِهَا وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا قِنًّا وَأُمَّ وَلَدٍ (فَإِذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا) فَيَغْرَمُونَ (تَمَامَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوهَا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِعِتْقِهَا ابْتِدَاءً.
(وَلَا ضَمَانَ بِرُجُوعِ شُهُودٍ عَنْ شَهَادَةِ كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْكَفَالَةِ بِنَفْسٍ أَوْ رُجُوعٍ عَنْ شَهَادَةٍ أَنَّهَا؛ أَيْ: فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانَةَ (زَوْجَتُهُ) أَوْ رُجُوعِ شُهُودٍ عَلَى وَلِيِّ دَمٍ (أَنَّهُ عَفَا عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) ؛ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ؛ أَيْ: الْمَشْهُودِ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَالًا، قَالَهُ فِي " الْمُبْهِجِ " وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَتَضَمَّنُ الْمَالَ بِهَرَبِ الْمَكْفُولِ وَالْقَوَدُ قَدْ يَجِبُ بِهِ مَالٌ (وَيَتَّجِهُ وَتَثْبُتُ كَفَالَةٌ وَزَوْجِيَّةٌ) وَيُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالْوَفَاءِ وَالزَّوْجَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَمْرُ بَاطِنًا كَمَا لَوْ شَهِدُوا؛ فَقَدْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ عَلَى مَكْفُولٍ لَهُ تَكْلِيفُ الْكَفِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْؤُهَا، وَيَكُونُ زَانِيًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ شَهِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمُنَافٍ لِلشَّهَادَةِ الْأُولَى) كَأَنْ شَهِدَ بِقَرْضٍ، وَحُكِمَ بِهِ، ثُمَّ شَهِدَ بِأَنَّهُ وَفَّاهُ قَبْلُ (فَكَرُجُوعٍ) عَنْ شَهَادَتِهِ (وَأَوْلَى) بِالضَّمَانِ مِنْ الرُّجُوعِ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي شَاهِدٍ قَاسَ بَلَدًا وَكَتَبَ خَطَّهُ بِالصِّحَّةِ، فَاسْتَخْرَجَ الْوَكِيلُ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ قَاسَ وَكَتَبَ خَطَّهُ بِزِيَادَةٍ) ، فَغَرِمَهَا أَيْ: الزِّيَادَةَ (الْوَكِيلُ) ؛ يَضْمَنُهَا الشَّاهِدُ (لِحُصُولِ غُرْمِ الزِّيَادَةِ بِسَبَبِهِ) ، تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ أَخْطَأَ كَالرُّجُوعِ.
(وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ؛ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ حُجَّةُ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى طَلَبِ الْحُكْمِ.
وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِصَدَاقٍ مُعَيَّنٍ وَآخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا؛ غَرِمَهُ شُهُودُ النِّكَاحِ، دُونَ الدُّخُولِ،
لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ شَهِدَ مَعَ ذَلِكَ آخَرَانِ بِالطَّلَاقِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ بَانَ بَعْدَ حُكْمٍ كُفْرُ شَاهِدٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الْحُكْمِ (أَوْ بَانَ فِسْقُهُمَا، أَوْ بَانَ أَنَّهُمَا مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) ؛ أَيْ: الْمَحْكُومِ لَهُ، (أَوْ) بَانَ أَنَّهُمَا (عَدُوَّاهُ) ؛ أَيْ: عَدُوَّا الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (نُقِضَ) لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ (وَلَمْ يَنْفُذْ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ أَشْبَهَ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ (وَلَا غُرْمَ) عَلَى الشَّاهِدَيْنِ (وَرَجَعَ بِمَالٍ قَائِمٍ) أَوْ بِبَدَلِهِ (إنْ تَلِفَ عَلَى مَحْكُومٍ لَهُ) (وَرَجَعَ بِبَدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى عَلَى مَحْكُومٍ لَهُ) لِنَقْضِ الْحُكْمِ؛ فَيَرْجِعُ الْحَقُّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ لِلَّهِ تَعَالَى بِإِتْلَافِ حَيٍّ كَرَجْمٍ) فِي زِنَا وَقَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ (أَوْ بِمَا سَرَى إلَيْهِ كَجَلْدٍ) فِي شُرْبٍ سَرَى إلَى النَّفْسِ (لَمْ يَضْمَنْ شُهُودٌ) لِأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ صَادِقُونَ (فِي شَهَادَتِهِمْ) وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ، بِخِلَافِ الرَّاجِعِ، لِاعْتِرَافِهِ بِكَذِبِهِ (بَلْ يَضْمَنُ مُزَكُّونَ إنْ كَانُوا) لِتَعَذُّرِ رَدِّ مَحْكُومٍ بِهِ.
وَشُهُودُ التَّزْكِيَةِ أَلْجَئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَاكِمِ) ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ (وَإِلَّا) يَكُنْ مُزَكُّونَ فَحَاكِمٌ (أَوْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْمُزَكُّونَ (فَسَقَةً فَحَاكِمٌ) يَضْمَنُ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ حُكْمُهُ، وَقَدْ فَرَّطَ بِتَرْكِهِ التَّزْكِيَةَ.
(وَإِذَا عَلِمَ حَاكِمٌ شَاهِدَ زُورٍ بِإِقْرَارِهِ) عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ (أَوْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ كَشَهَادَتِهِ بِقَتْلِ شَخْصٍ وَهُوَ حَيٌّ) أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ لِفُلَانٍ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَسِنُّهَا دُونَهَا (أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ) كَذَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَعَلِمَ تَعَمَّدَهُ لِذَلِكَ (عَزَّرَهُ حَاكِمٌ، وَلَوْ تَابَ) كَمَنْ تَابَ مِنْ حَدٍّ بَعْدَ رَفْعِهِ لِحَاكِمٍ.
وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يَتَقَدَّرُ تَعْزِيرُهُ، بَلْ يَكُونُ (بِمَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ جَلْدٍ أَوْ حَبْسٍ) أَوْ كَشْفِ رَأْسٍ وَنَحْوِهِ (مَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ مَعْنَاهُ) كَحَلْقِ لِحْيَةٍ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ (وَطَيْفٍ بِهِ) ؛ أَيْ: بِشَاهِدِ الزُّورِ (فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْتَهِرُ فِيهَا) كَإِيقَافِهِ فِي سُوقِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ وَنَحْوِهَا وَيُنَادَى عَلَيْهِ (فَيُقَالُ إنَّا وَجَدْنَاهُ شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوهُ) وَنَحْوَهُ.
(وَلَا يُعَزَّرُ) (شَاهِدٌ بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا (وَلَا بِغَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ) لِأَنَّ الْغَلَطَ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ، وَلَا يَتَعَمَّدُهُ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُعَزَّرُ شَاهِدٌ (بِرُجُوعِهِ) عَنْ شَهَادَتِهِ، لِاحْتِمَالِ، أَنَّهُ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ خَطَئِهِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُعَزَّرُ (لِظُهُورِ فِسْقِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِدْقَهُ، وَمَتَى ادَّعَى شُهُودُ قَوَدٍ خَطَأً؛ عُزِّرُوا.
قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ".
[فَصْل لَا تَقْبَلُ الشَّهَادَةُ مِنْ نَاطِقٍ إلَّا بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِلَفْظِ شَهِدْت]
فَصْل (وَلَا تَقْبَلُ الشَّهَادَةُ) مِنْ نَاطِقٍ (إلَّا بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِلَفْظِ شَهِدْت) لِأَنَّهُ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ وَلِذَلِكَ اُخْتُصَّتْ بِاللِّعَانِ، وَتَقَدَّمَ لَوْ أَدَّاهَا أَخْرَسُ بِخَطِّهِ قُبِلَتْ (فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ أَنَا شَاهِدٌ) بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا اتَّصَفَ بِهِ، كَقَوْلِهِ إنَّهُ مُحْتَمَلٌ شَهَادَةً عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا، بِخِلَافِ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْت بِكَذَا؛ فَإِنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ فِعْلِ الشَّهَادَةِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ (أَعْلَمُ أَوْ أُحِقُّ) أَوْ أَعْرِفُ أَوْ أَتَحَقَّقُ أَوْ أَتَيَقَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفِعْلِ الْمُشْتَقِّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ.
(وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِمَا وَضَعْت بِهِ خَطِّي، أَوْ قَالَ مَنْ تَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ بِشَهَادَةٍ أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالْإِبْهَامِ، وَلَوْ قَالَ (وَبِذَلِكَ) أَشْهَدُ أَوْ قَالَ (وَكَذَلِكَ أَشْهَدُ، صَحَّ) فِيهِمَا، لِاتِّضَاحِ مَعْنَاهُ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ (وَالشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا نَعْلَمُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَقُولُ إنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا أَشْهَدُ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ مَتَى قُلْت فَقَدْ شَهِدْت وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ قَالَ: وَهَلْ مَعْنَى الْقَوْلِ وَالشَّهَادَةِ إلَّا وَاحِدٌ: وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ شَهَادَةٌ، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ.
[بَابٌ الْيَمِينُ فِي الدَّعَاوَى]
أَيْ: صِفَتَهَا وَمَا يَجِبُ فِيهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (وَهِيَ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ حَالًا) ؛ أَيْ: عِنْدَ النِّزَاعِ (وَلَا تُسْقِطُ حَقًّا) فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بَعْدَهَا، وَإِنْ رَجَعَ حَالِفٌ، وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ؛ قُبِلَ مِنْهُ، وَحَلَّ لِمُدَّعٍ أَخْذُهُ (وَيُسْتَحْلَفُ مُنْكِرٌ) تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي دَعْوَى صَحِيحَةٍ (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ) لِحَدِيثِ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (غَيْرَ نِكَاحٍ وَرَجْعَةٍ وَطَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ) إلَّا إذَا أَنْكَرَ مُولٍ مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ (وَغَيْرُ وَلَاءٍ وَاسْتِيلَادٍ) فَسَّرَهُ الْقَاضِي بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِيلَادَ أَمَةٍ، فَتُنْكِرُهُ، وَقَالَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بَلْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ (وَغَيْرُ نَسَبٍ وَقَذْفٍ وَأَصْلِ رِقٍّ كَدَعْوَى
رَقِّ لَقِيطٍ) وَمَجْهُولِ نَسَبٍ؛ فَلَا يُسْتَحْلَفُ إذَا أَنْكَرَ (وَغَيْرَ قِصَاصٍ فِي غَيْرِ قَسَامَةٍ) فَلَا يَمِينَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُقْضَى فِيهَا بِالنُّكُولِ.
(وَيَقْضِي فِي مَالٍ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ مَالٌ بِنُكُولٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُثْمَانَ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ يُخَلِّي سَبِيلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ إلَّا فِي اللِّعَانِ إذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ، وَنَكَلَتْ حُبِسَتْ حَتَّى تُقِرَّ أَرْبَعًا، أَوْ تُلَاعِنَ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يُسْتَحْلَفُ مُنْكِرٌ فِي حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ) زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ (لَا يَتَضَمَّنُ مَالًا، وَتَعْزِيرٍ) لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ بِلَا يَمِينٍ، فَلِئَلَّا يُسْتَحْلَفَ مَعَ عَدَمِ الْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِهِ لِيَرْجِعَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهَزَّالٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ: «لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» . وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي (عِبَادَةٍ) كَصَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا فِي صَدَقَةِ زَكَاةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ (وَلَا فِي كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَشْبَهَ الْحَدَّ، (وَلَا) يُسْتَحْلَفُ (شَاهِدٌ) وَلَا حَاكِمٌ (أَنْكَرَ) الشَّاهِدُ (شَهَادَتَهُ) أَوْ شَهِدَ، وَطَلَبَ يَمِينَهُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ، وَلَا حَاكِمٌ أَنْكَرَ (حُكْمَهُ) أَوْ طَلَبَ يَمِينَهُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي حُكْمٍ بِحَقٍّ فَلَا يَحْلِفُ (وَلَا وَصِيٌّ عَلَى نَفْيِ دَيْنٍ عَلَى مُوصٍ، وَلَا) يُسْتَحْلَفُ (مُدَّعًى عَلَيْهِ بِقَوْلِ مُدَّعٍ لِيَحْلِفَ أَنَّهُ مَا حَلَّفَنِي أَنِّي مَا أُحَلِّفُهُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ مُدَّعٍ طَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ، فَقَالَ لِيَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَحَلَفَنِي) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِنُكُولٍ؛ فَلَا فَائِدَةَ بِإِيجَابِ الْيَمِينِ فِيهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى وَصِيٌّ وَصِيَّتَهُ لِلْفُقَرَاءِ، فَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ) أَنْ مُورِثَهُمْ وَصَّى بِهَا (حُلِّفُوا) عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (فَإِنْ نَكَلُوا) عَنْ الْيَمِينِ (قَضَى عَلَيْهِمْ) بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِمَالٍ.
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل غَيْرِهِ) كَأَنْ ادَّعَى أَنْ زَيْدًا غَصَبَهُ نَحْوَ ثَوْبٍ أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ وَنَحْوَهُ، فَأَنْكَرَ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا بِدَعْوَاهُ، وَأَرَادَ الْحَلِفَ مَعَهُ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، أَوْ حَلَفَ عَلَى (دَعْوَى عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى غَيْرِهِ (فِي
إثْبَاتٍ) كَأَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى زَيْدٍ مِنْ نَحْوِ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ أَرْشٍ وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدًا وَأَرَادَ الْحَلِفَ مَعَهُ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ (أَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ) كَمَنْ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ.
(أَوْ حَلَفَ عَلَى دَعْوَى عَلَيْهِ) بِدَيْنٍ فَأَنْكَرَ - وَلَا بَيِّنَةَ - وَأَرَادَ يَمِينَهُ (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) ؛ أَيْ: الْقَطْعَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ قُلْ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَالَهُ عِنْدِي شَيْءٌ» : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِنْهُ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَيْنٍ بِيَدِهِ، فَأَنْكَرَ؛ فَيَحْلِفُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَا يَكْفِي وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهَا مِلْكِي.
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ) كَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنْ أَبَاهُ غَصَبَهُ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُ كَذَا، فَأَنْكَرَ - وَلَا بَيِّنَةَ فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى (نَفْيِ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ) كَأَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مُورِثِهِ، فَأَنْكَرَ - وَلَا بَيِّنَةَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ، فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَأَقَرَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِأَنَّهُ لَا تُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ فِعْلِ نَفْسِهِ؛ فَتَكْلِيفُهُ الْيَمِينَ عَلَى الْبَتِّ؛ حَمْلٌ لَهُ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ (وَرَقِيقُهُ كَأَجْنَبِيٍّ فِي حَلِفِهِ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ) فَمَنْ ادَّعَى أَنْ عَبْدَ زَيْدٍ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ رَبُّهُ - وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى عَلَى الْمُدَّعِي (وَأَمَّا بَهِيمَتُهُ) إذَا اُدُّعِيَ أَنَّهَا جَنَتْ (فَمَا يُنْسَبُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِتَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ) فِيهِ (كَرَعْيِهَا زَرْعًا لَيْلًا) لِتَرْكِهِ إيَّاهَا بِلَا حَبْسٍ، فَيَحْلِفُ (عَلَى الْبَتِّ) بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ وَلَا فَرَّطَ، لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (وَإِلَّا) يُنْسَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجِنَايَةِ بَهِيمَةٍ إلَى تَقْصِيرٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ كَرَاكِبِ) بَهِيمَةٍ (وَسَائِقٍ) وَقَائِدٍ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِوَطْئِهَا بِيَدِهَا، فَأَنْكَرَ - وَلَا بَيِّنَةَ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَتْلَفَتْهُ.
(وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَلِفٌ لِجَمَاعَةٍ) ادَّعُوا عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ نَحْوَهُ (حَلَفَ لِكُلِّ
وَاحِدٍ يَمِينًا) لِأَنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنْهُمْ غَيْرُ حَقِّ الْبَقِيَّةِ (مَا لَمْ يَرْضَوْا) جَمِيعُهُمْ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ؛ فَيَكْفِي بِهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَقَدْ رَضَوْا بِإِسْقَاطِهِ، فَسَقَطَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمْ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بَعْضُهَا كَالْحُقُوقِ إذَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ لِجَمَاعَةٍ لَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ، (وَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَى وَاحِدٍ بِحُقُوقٍ؛ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَقٍّ يَمِينٌ) إلَّا أَنْ تَتَّحِدَ الدَّعْوَى، فَيَحْلِفَ يَمِينًا وَاحِدَةً كَمَا فِي " الْمُبْدِعِ ".
[فَصْلٌ تُجْزِئُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ]
فَصْلٌ (وَتُجْزِئُ) الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: 106] وَقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: 107] وَقَوْلِهِ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ فَقَدْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ جَهْدَ الْيَمِينِ؛ «وَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ فِي الطَّلَاقِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً» . وَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ: تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ وَلِأَنَّ فِي اللَّهِ كِفَايَةً؛ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِاسْمِهِ فِي الْيَمِينِ.
(وَلِحَاكِمٍ تَغْلِيظُهَا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ) وَهُوَ الْمِثْلُ فِي الْغُلُوِّ كَالْخَطِيرِ (كَجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ قَوَدًا، أَوْ عِتْقٍ وَنِصَابٍ فِي زَكَاةٍ) لَا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ وَتَغْلِيظُهَا يَكُونُ بِلَفْظٍ كَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الطَّالِبُ الْغَالِبُ (أَيْ: الْقَاهِرُ) الضَّارُّ النَّافِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ؛ أَيْ: مَا يُضْمَرُ
فِي النَّفْسِ، وَيَكُفُّ عَنْهُ اللِّسَانَ وَيُومَأُ إلَيْهِ بِالْعَيْنِ (وَمَا يُخْفِي الصُّدُورُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ، وَرَأَيْت ابْنَ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَتْرُكُ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ (وَيَقُولُ يَهُودِيٌّ) غُلِّظَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ (وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ، وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، وَيَقُولُ نَصْرَانِيٌّ) غُلِّظَ عَلَيْهِ بِلَفْظِ (وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى) ، وَجَعَلَهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ (وَيَقُولُ مَجُوسِيٌّ وَوَثَنِيٌّ) فِي التَّغْلِيظِ (وَاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَصَوَّرَنِي) لِأَنَّهُ يُعَظِّمُ خَالِقَهُ وَرَازِقَهُ، أَشْبَهَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ (وَيَحْلِفُ صَابِئٌ) يُعَظِّمُ النُّجُومَ (وَمَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِاَللَّهِ تَعَالَى) لِحَدِيثِ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» .
وَالتَّغْلِيظُ (بِزَمَنٍ كَبَعْدِ الْعَصْرِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 106] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَيْ: صَلَاةِ الْعَصْرِ، لِفِعْلِ أَبِي مُوسَى، وَتَقَدَّمَ (أَوْ بَيْنَ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) لِأَنَّهُ وَقْتٌ يُرْجَى فِيهِ إجَابَةُ الدُّعَاءِ فَتُرْجَى فِيهِ مُعَالَجَةُ الْكَاذِبِ بِالْعُقُوبَةِ وَالتَّغْلِيظِ (بِمَكَانٍ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ) لِزِيَادَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْفَضِيلَةِ (وَبِالْقُدْسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ) لِفَضِيلَتِهَا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مَرْفُوعًا: «هِيَ مِنْ الْجَنَّةِ» (وَبِبَقِيَّةِ الْبِلَادِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ) لِحَدِيثِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ فَلِيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَقِيسَ عَلَيْهِ بَاقِي مَنَابِرِ الْمَسَاجِدِ (وَتَقِفُ حَائِضٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا اللُّبْثُ فِيهَا (وَيَحْلِفُ ذِمِّيٌّ بِمَوْضِعٍ يُعَظِّمُهُ) كَمَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِ بِالزَّمَانِ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِنَصْرَانِيٍّ اذْهَبْ إلَى الْبَيْعَةِ.
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ: اذْهَبُوا بِهِ إلَى الْمَذْبَحِ (زَادَ بَعْضُهُمْ وَتُغَلَّظُ بِهَيْئَةٍ كَتَحْلِيفِهِ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) كَاللِّعَانِ (وَمَنْ أَبَى تَغْلِيظًا) بِأَنْ قَالَ مَا أَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَطْ (لَمْ يَكُنْ نَاكِلًا) عَنْ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ قَدْ بَذَلَ (الْوَاجِبَ عَلَيْهِ) فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ.
قَالَ فِي " النُّكَتِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ التَّغْلِيظُ إذَا رَآهُ
الْحَاكِمُ، وَطَلَبَهُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ فِيهِ زَجْرٌ فَقَطْ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَإِنْ رَأَى حَاكِمٌ تَرْكَ التَّغْلِيظِ فَتَرَكَهُ، كَانَ مُصِيبًا؛ لِمُوَافَقَتِهِ مُطْلَقَ النَّصِّ.
(وَلَا يَحْلِفُ بِطَلَاقٍ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ) قَالَهُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْت وَلَا بِعَتَاقٍ، لِحَدِيثِ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» (وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لِلْوَالِي ذَلِكَ) ؛ أَيْ: التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ آدَمِيٍّ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ (بِعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَسَمَاعِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْمِهَنِ إذَا كَثُرُوا، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ انْتَهَى) .
(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى صَغِيرٍ، أَوْ ادَّعَى عَلَى مَجْنُونٍ؛ لَمْ يَحْلِفْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ.
(وَمَنْ حَلَفَ، وَاسْتَثْنَى) كَوَاللَّهِ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ حَلَفَ وَعَلَّقَ كوالله إنْ كَانَ وَقَعَ مِنْ زَيْدٍ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كَذَا (حَلَفَ ثَانِيًا) عَلَى الْبَتِّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا التَّعْلِيقُ (كَمَا لَوْ حَلَفَ قَبْلَ سُؤَالِ مُدَّعٍ أَوْ حَاكِمٍ) .
[تَتِمَّةٌ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هُوَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ]
تَتِمَّةٌ: مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هُوَ عَلَيْهِ - وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ، وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَيَمِينُ الْحَالِفِ عَلَى حَسْبِ جَوَابِهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ فَإِنْ قَالَ مَا غَصَبْتُك، وَلَا اسْتَوْدَعَتْنِي، وَلَا بِعْتنِي، وَلَا أَقْرَضْتنِي؛ كُلِّفَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُطَابِقَ جَوَابَهُ، فَإِنْ قَالَ: مَالَك عَلَيَّ حَقٌّ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَيْته وَلَا شَيْئًا مِنْهُ كَانَ جَوَابًا صَحِيحًا، وَلَا يُكَلَّفُ الْجَوَابُ عَنْ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَصَبَ مِنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ وَكَذَلِكَ الْبَاقِي مِنْ الِاسْتِيدَاعِ وَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ: فَلَوْ كُلِّفَ جَحْدَ ذَلِكَ لَكَانَ كَاذِبًا مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِجَوَابٍ صَادِقٍ.