مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَضُمِنَتْ بِالْغَصْبِ؛ كَمَنَافِع الْعَبْدِ، وَلَا أُجْرَةَ (إنْ مَنَعَ) إنْسَانٌ آخَرَ - (وَلَوْ) كَانَ الْمَمْنُوعُ (قِنًّا) - (الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ) ، وَلَا حَبْسٍ؛ لِعَدَمِ تَلَفِهَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ أَوْ سَيِّدِهِ، وَمَنَافِعُهُ تَلِفَتْ مَعَهُ؛ كَمَا لَا يُضْمَنُ هُوَ وَلَا ثِيَابُهُ إذَنْ.
(وَلَا يُضْمَنُ رِبْحٌ فَاتَ) عَلَى مَالِكٍ (بِحَبْسِ) غَاصِبٍ (مَالَ تِجَارَةٍ) مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا إذَا لَمْ يَتَّجِرْ فِيهِ غَاصِبٌ؛ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَبْدًا يُرِيدُ مَالِكُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً مُدَّةً يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ الصِّنَاعَةَ فِيهَا، فَإِنَّ الصِّنَاعَةَ لَا تَقُومُ عَلَى غَاصِبٍ فِي تَضْمِينِ مَنَافِعِهِ، وَلَا فِي تَضْمِينِ عَيْنِهِ، إنْ تَلِفَ؛ لِأَنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا.
.
[فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ]
(فَصْلٌ: وَيَجِبُ عَلَى غَاصِبٍ رَدُّ مَغْصُوبٍ) إلَى مَحِلِّهِ الَّذِي غُصِبَ مِنْهُ إنْ (قَدَرَ) الْغَاصِبُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى رَدِّهِ - بِأَنْ كَانَ بَاقِيًا، (وَلَوْ) كَانَ رَدُّهُ (بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ) - أَيْ: لِمَغْصُوبٍ - (لِكَوْنِهِ بُنِيَ عَلَيْهِ) ؛ بِأَنْ غَصَبَ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، فَبَنَى عَلَيْهِ، وَاحْتَاجَ فِي إخْرَاجِهِ وَرَدِّهِ إلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، (أَوْ) لِكَوْنِهِ (بَعِيدًا) ؛ بِأَنْ حَمَلَ مَغْصُوبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ بِحَيْثُ تَكُونُ أُجْرَةُ حَمْلِهِ إلَى الْبَلَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، (أَوْ خُلِطَ بِمُتَمَيِّزٍ) ؛ بِأَنْ غَصَبَ شَعِيرًا، فَخَلَطَهُ بِذُرَةٍ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ حَيَوَانًا وَأَفْلَتَهُ بِمَكَانٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، لَكِنَّهُ تَعَسَّرَ مَسْكُهُ فِيهِ، وَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أُجْرَةٍ؛ فَتَلْزَمُ الْغَاصِبَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلِحَدِيثِ: «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا أَوْ جَادًّا، فَإِذَا أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلِيَرُدَّهَا إلَيْهِ، أَوْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُلْزَمُ غُرْمَ تَخْلِيصِهِ وَمُؤْنَةَ حَمْلِهِ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِغُرْمِهِ مِنْ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنْظُرْ إلَى مَصْلَحَةِ الْمُتَعَدِّي.
(وَإِنْ قَالَ رَبُّ) مَغْصُوبٍ (عَبْدٍ) لِغَاصِبٍ بَعَّدَهُ عَنْ بَلَدِ الْغَصْبِ:
(دَعْهُ) بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهَا، (وَأَعْطِنِي أُجْرَةَ رَدِّهِ إلَى بَلَدِ غَصْبِهِ) ، أَوْ طَلَبَ مِنْ الْغَاصِبِ حَمْلَ الْمَغْصُوبِ إلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ؛ (لَمْ يَجِبْ) ؛ أَيْ: لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ بَذَلَ الْغَاصِبُ لِلْمَالِكِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَا يَسْتَرِدُّهُ، فَإِنَّ الْمَالِكَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكُ مِنْ الْغَاصِبِ رَدَّ الْمَغْصُوبِ إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَطْ؛ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إلَى جَمِيعِ الْمَسَافَةِ، فَلَزِمَهُ إلَى بَعْضِهَا كَمَا لَوْ أَسْقَطَ رَبُّ الدَّيْنِ عَنْ الْمَدِينِ بَعْضَ الدَّيْنِ، وَطَلَبَ مِنْهُ بَاقِيَهُ، وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَإِنَّ سَمَّرَ) الْغَاصِبُ (بِالْمَسَامِيرِ) الْمَغْصُوبَةِ (بَابًا) أَوْ غَيْرَهُ؛ (قَلَعَهَا) وُجُوبًا، (وَرَدَّهَا) ؛ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا أَثَرَ لِضَرَرِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ مِنْ الْخَشَبَةِ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهَا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمَالِكُ بِقَلْعِهَا، فَيَلْزَمُهُ الْقَلْعُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ لِلْغَاصِبِ، فَوَهَبَهَا لِلْمَالِكِ؛ لَمْ يُجْبَرْ الْمَالِكُ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمِنَّةِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَذْكُورِ؛ فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْعَامِلَ.
(وَإِنْ زَرَعَ) الْغَاصِبُ (الْأَرْضَ) الْمَغْصُوبَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا - وَقَدْ حَصَدَ زَرْعَهُ - (فَلَيْسَ لِرَبِّهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ - (بَعْدَ حَصْدِ) الزَّرْعِ (إلَّا الْأُجْرَةَ) - أَيْ: أُجْرَةَ الْمِثْلِ عَنْ الْأَرْضِ إلَى تَسْلِيمِ الْغَاصِبِ - لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ؛ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ بِالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ تُضْمَنَ كَالْعَيْنِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ النَّقْصِ إنْ نَقَصَتْ؛ كَسَائِرِ الْغُصُوبِ، وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ؛ كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا؛ لِحُصُولِهِ بِيَدِهِ الْعَادِيَةِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الْأَرْضَ رَبُّهَا - وَالزَّرْعُ قَائِمٌ - فَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَتَاعَهُ، وَأَدْخَلَهَا لُجَّةَ الْبَحْرِ؛ لَا يُجْبَرُ عَلَى إلْقَائِهِ فَكَذَا هُنَا؛ صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ، وَفَارَقَ الشَّجَرَ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَحَدِيثُ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» . مَحْمُولٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَنَا فِي الزَّرْعِ، فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَيُخَيَّرُ) مَالِكٌ (قَبْلَهُ) - أَيْ: قَبْلَ حَصَادِهِ - (وَلَوْ) كَانَ الْمَالِكُ (مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ) - أَيْ: مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِإِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا (بَيْنَ تَرْكِهِ) - أَيْ: الزَّرْعَ - (إلَيْهِ) - أَيْ: إلَى الْحَصَادِ - (بِأُجْرَتِهِ) - أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِ - وَأَرْشِ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ، (أَوْ تَمَلُّكٍ) - أَيْ: الزَّرْعَ - (بِنَفَقَتِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ، فَمَلَكَ الْخِيرَةَ بَيْنَهُمَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ، (وَهِيَ مِثْلُ الْبَذْرِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ مِنْ حَرْثٍ وَسَقْيٍ) وَغَيْرِهِمَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: «وَلَهُ نَفَقَتُهُ» . قَالَ الْإِمَامُ: إنَّمَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ - أَيْ: اسْتِحْسَانًا لِلْعَمَلِ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْمُتَقَدِّمِ - وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِحْسَانَ الْأُصُولِيَّ الَّذِي هُوَ فِي اللُّغَةِ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا، وَفِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَمِلَ الْحَرْثَ وَنَحْوَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُتَقَوِّمٌ اُسْتُهْلِكَ لِمَصْلَحَةِ الزَّرْعِ، فَوَجَبَ رَدُّ عِوَضِهِ؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ عَمِلَهُ، وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ تَبْقِيَتِهِ بِأُجْرَتِهِ وَتَمَلُّكِهِ بِنَفَقَتِهِ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ رَبِّ الْأَرْضِ، فَمَلَكَ الْخِيرَةَ بَيْنَهُمَا، وَحَيْثُ اخْتَارَ الْمَالِكُ أَخْذَ الزَّرْعِ بِنَفَقَتِهِ؛ فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْغَاصِبِ لِمُدَّةِ مُكْثِهِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَادَتْ إلَى الْمَالِكِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَيُذَكِّي الزَّرْعَ رَبُّ الْأَرْضِ إنْ أَخَذَهُ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ؛ لِوُجُوبِهَا وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، إنْ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ؛ فَذَكَاتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ زَرَعَ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ، وَالْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ زَرَعَ فِيهَا لَهُ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ، وَلِرَبِّهَا قَسْمُ مَا زَرَعَهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَذَلِكَ قَالَ: وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ أَنْ يَزْرَعَهُ أَوْ يُهَايِئَهُ فِيهَا فَأَبَى؛ فَلِلْأَوَّلِ الزَّرْعُ فِي قَدْرِ حَقِّهِ بِلَا أُجْرَةٍ كَدَارٍ بَيْنَهُمَا فِيهَا بَيْتَانِ، سَكَنَ أَحَدَهُمَا عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِمَّا يَلْزَمُهُ انْتَهَى، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّوَابُ وَلَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
(وَإِنْ غَرَسَ) غَاصِبٌ (أَوْ بَنَى فِيهَا) - أَيْ: الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ - (أُخِذَ) ؛ أَيْ: أُلْزِمَ (بِقَلْعِ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ) إذَا طَلَبَ رَبُّ الْأَرْضِ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ» . وَالْعُمُّ الطِّوَالُ.
قَالَ أَحْمَدُ: (وَ) أُخِذَ الْغَاصِبُ أَيْضًا (بِتَسْوِيَتِهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ - (وَأَرْشِ نَقْصِهَا) ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ؛ فَلَزِمَهُ إزَالَتُهُ كَغَيْرِهِ، (وَ) عَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا) - أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ - مُدَّةَ احْتِبَاسِهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا ذَهَبَتْ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا كَالْأَعْيَانِ، (حَتَّى وَلَوْ كَانَ) الْغَاصِبُ (أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ) فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، (أَوْ لَمْ يَغْصِبْهَا) الْغَارِسُ أَوْ الْبَانِي فِيهَا، (لَكِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ) لِلتَّعَدِّي.
(وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ الْأَرْضِ (أَخْذَهُ) - أَيْ: الْبِنَاءَ أَوْ الْغِرَاسَ - مِنْ الْغَاصِبِ مَجَّانًا وَلَا (بِقِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ، فَلَمْ يَمْلِكُ رَبُّ الْأَرْضِ أَخْذَهُ؛ كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثْلَاثًا أَوْ نَحْوَهُ، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَمْ يُجْبَرْ الْمَالِكُ عَلَيْهَا وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ.
فَائِدَةٌ: إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْغِرَاسِ؛ فَالْوَاجِبُ قِيمَةُ الْغِرَاسِ، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ.
.
(وَلَوْ) أَدْرَكَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (الثَّمَرَ) فِيهَا وَأَرَادَ أَخْذَهُ (فَقَطْ) دُونَ أَصْلِهِ (قَهْرًا) ؛ مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرِ الْغَاصِبِ، فَكَانَ لَهُ؛ كَالْأَغْصَانِ وَالْوَرَقِ وَلَبَنِ الشَّاةِ وَنَسْلِهَا، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَمَلُّكُ الزَّرْعِ بِنَفَقَتِهِ؛ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ؛ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرُ نَمَاءُ الشَّجَرِ؛ فَكَانَ لِصَاحِبِهِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ إذَا أَخَذَهُ مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ؛ وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ؛ فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنَ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ، وَيَرُدُّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبَدَلَهُ إنْ تَلِفَ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِعَمَلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِلشَّجَرِ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعُقُودِ؛ فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ، وَإِنْ نَفَعَ الشَّجَرَ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وَإِخْرَاجُهُ، وَقَدْ عَادَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ إلَى الْمَالِكِ، وَلَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا إنْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ، وَضَمَانُ لَبَنِهَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَيَضْمَنُ أَوْبَارَهَا، وَأَشْعَارَهَا بِمِثْلِهِ؛ كَالْقُطْنِ.
(وَإِنْ وَهَبَ) الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ (لِمَالِكِهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ - لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ، فَقَبِلَهُ الْمَالِكُ؛ جَازَ؛ لِتَرَاضِيهِمَا، وَإِنْ أَبَى الْمَالِكُ قَبُولَ ذَلِكَ، وَكَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، أَوْ لَا؛ (لَمْ يُجْبَرْ) رَبُّ الْأَرْضِ (عَلَى قَبُولِهِ) مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ فَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ زَرَعَ الْغَاصِبُ فِيهَا (نَوًى) ، فَصَارَ شَجَرًا، فَحُكْمُهُ (كَغَرْسٍ) كَمَا تَقَدَّمَ، (وَنَحْوُ رَطْبَةٍ) كَنَعْنَاعٍ وَبُقُولٍ مِمَّا يَخْرُجُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (وَقِثَّاءٍ) يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ وَبَاذِنْجَانٍ؛ (كَزَرْعٍ)
فِيمَا تَقَدَّمَ فِي أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِنَفَقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ قَوِيٌّ، أَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ.
(وَمَتَى كَانَتْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ مَغْصُوب) ؛ بِأَنْ كَانَ فِيهِ لَبِنًا أَوْ آجُرًّا، أَوْ ضَرَبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَبَنَى بِهِ فِيهِ؛ فَعَلَيْهِ (أُجْرَتُهَا مَبْنِيَّةً) ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْأَرْضَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْغَاصِبِ لِبِنَائِهِ، (وَلَا يَمْلِكُ) غَاصِبٌ (هَدْمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ فِيهِ، فَإِنْ نَقَضَهُ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْضِ الْحَاصِلِ بِنَقْضِهِ، (وَإِلَّا) تَكُنْ آلَاتُ الْبِنَاءِ مِنْ الْمَغْصُوبِ، بَلْ إنْ كَانَتْ لِلْغَاصِبِ؛ بِأَنْ بَنَاهَا بِلَبِنٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا، (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا) غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَصَبَ الْأَرْضَ وَحْدَهَا، وَأَمَّا بِنَاؤُهُ بِآلَاتِهِ فَلَهُ.
(فَلَوْ أَجَّرَهُمَا) ؛ أَيْ: أَجَّرَ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ وَبِنَاءَهَا الَّذِي لَيْسَ مِنْهَا؛ (فَالْأُجْرَةُ) الْمُسْتَقِرَّةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَرَبِّ الْأَرْضِ (بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا) ؛ أَيْ: تُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْمُحَاصَّةِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَأَجْرِ الْبِنَاءِ، فَيَنْظُرُ كَمْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مَبْنِيَّةً ثُمَّ أُجْرَتُهَا خَالِيَةً؛ فَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ أُجْرَةُ الْبِنَاءِ، فَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِأُجْرَةِ مَالِهِ، وَلَوْ جَصَّصَ الْغَاصِبُ الدَّارَ أَوْ زَوَّقَهَا؛ فَحُكْمُهُ كَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ.
(وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مَنْقُولًا مِنْ) شَخْصٍ (وَاحِدٍ فَغَرَسَهُ) - أَيْ الْغِرَاسَ (فِيهَا) - أَيْ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ - فَالْكُلُّ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي نَظِيرِ فِعْلِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، (وَلَمْ يَمْلِكْ) الْغَاصِبُ (قَلْعَهُ) ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا وَاحِدٌ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ بِلَا إذْنِهِ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (إنْ فَعَلَ) ؛ أَيْ: قَلَعَ الْغِرَاسَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكٍ، تَسْوِيَتُهَا وَنَقْصُهَا وَنَقْصُ غِرَاسِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، (أَوْ طَلَبَهُ) - أَيْ: الْقَلْعَ - (رَبُّهُمَا) - أَيْ: رَبُّ الْأَرْضِ وَالْغِرَاسِ - (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) ؛ بِأَنْ كَانَ لَا يُنْتَجُ مِثْلُهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَثَلًا (لَا عَبَثٍ) ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْعَبَثِ (تَسْوِيَتُهَا) - أَيْ الْأَرْضِ - وَعَلَيْهِ أَرْشُ (نَقْصِهَا، وَ)
أَرْشُ (نَقْصِ غِرَاسٍ) ؛ لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ الْغَاصِبُ عَلَى الْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ قَلْعَ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ الْمَالِكِ؛ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ التَّصَرُّفُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَلْزَمُ الْغَاصِبَ أُجْرَةُ الْمَغْصُوبِ مَبْنِيًّا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْأَرْضَ مِلْكٌ لِرَبِّهَا، وَتَقَدَّمَ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ الْقَابِضَ - (عَوْدُهُ) - أَيْ الْغِرَاسِ - إذَا قَلَعَهُ بِدُونِ إذْنِ مَالِكِ الْأَرْضِ (حَيْثُ) تَقَرَّرَ أَنَّهُ (لَا يَمْلِكُ) الْغَاصِبُ (قَلْعَهُ) ؛ كَمَا لَوْ هَدَمَ بِنَاءً، فَيَلْزَمُهُ عَوْدُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا لِرَجُلٍ، وَ) غَصَبَ (غَرْسًا لِ) شَخْصٍ (آخَرَ، فَغَرَسَهُ فِيهَا) - أَيْ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ - ثُمَّ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مُؤْنَةِ الْقَلْعِ؛ (فَمُؤْنَةُ قَلْعٍ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى غَاصِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي غُرْمِهِ، وَكَذَا إذَا زَرَعَ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ بِبَذْرِ الْغَيْرِ؛ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ تَمَلُّكُهُ وَلَا قَلْعُهُ، بَلْ يَبْقَى لِمَالِكِهِ إلَى أَوَانِ حَصَادِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِعُدْوَانِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ خَشَبًا فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً؛ قُلِعَ) إنْ كَانَتْ فِي السَّاحِلِ أَوْ فِي لُجَّةٍ وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ قَلْعِهِ لِكَوْنِهِ فِي أَعْلَاهَا وَدُفِعَ لِرَبِّهِ بِلَا إهْمَالٍ؛ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا، (وَيُمْهَلُ) لِقَلْعٍ (مَعَ خَوْفٍ) عَلَى سَفِينَةٍ بِقَلْعِهِ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ يَخَافُ مِنْهُ دُخُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا وَهِيَ فِي اللُّجَّةِ (حَتَّى تُرْسِي) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ قَلْعُهُ إلَى إفْسَادِ مَا فِي السَّفِينَةِ مِنْ الْمَالِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ بَعْدَ زَمَنٍ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَالُ غَيْرِهِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِرْسَاءُ لِبُعْدِ الْبَرِّ؛ (فَلِمَالِكِ) خَشَبٍ مَغْصُوبٍ (أَخْذُ قِيمَتِهِ) ؛ لِلتَّضَرُّرِ بِرَدِّ عَيْنِهِ إذَنْ، فَإِذَا أَمْكَنَ رَدُّ الْخَشَبِ إلَى رَبِّهِ اسْتَرْجَعَهُ،
وَرَدَّ الْقِيمَةَ؛ لِزَوَالِ الْحَيْلُولَةِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الْأُجْرَةُ إلَى حِينِ بَذْلِهِ الْقِيمَةَ فَقَطْ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِبَذْلِهَا، بَلْ يَمْلِكُهَا رَبُّهُ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (أُجْرَتُهُ) - أَيْ: الْخَشَبَ - (إلَى قَلْعِهِ) لِذَهَابِ مَنَافِعِهِ بِيَدِهِ، (وَ) عَلَيْهِ أَرْشُ (نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ؛ لِحُصُولِهِ بِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ.
[فَرْعٌ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا كَحُكْمِهَا قَبْلَ غَصْبٍ]
(فَرْعٌ: مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا) كَحُكْمِهَا (قَبْلَ غَصْبٍ) . فَحُكْمُ أَرْضٍ (مَحُوطَةٍ كَدَارٍ وَبُسْتَانٍ) وَحَانُوتٍ (لَا يَجُوزُ) دُخُولُ غَيْرِهِ إلَيْهَا، وَأَمَّا هُوَ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَحُكْمُ (غَيْرِهَا) - أَيْ: غَيْرِ الْمَحُوطَةِ - (كَصَحْرَاءَ وَخَانٍ) وَمَدْرَسَةٍ وَزَاوِيَةٍ مَغْصُوبَةٍ (يَجُوزُ) دُخُولُ غَيْرِ الْغَاصِبِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ قَبْلَ الْغَصْبِ فَبَعْدَهُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ غَصَبَ مَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ وَخِيفَ بِقَلْعِهِ ضَرَرُ]
(فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ مَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ) حَيَوَانٍ (مُحْتَرَمٍ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، (وَخِيفَ بِقَلْعِهِ) - أَيْ: الْخَيْطِ - (ضَرَرُ آدَمِيٍّ) ؛ لَمْ يُقْلَعْ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، (أَوْ) خِيفَ مِنْ قَلْعِهِ (تَلَفُ غَيْرِهِ) - أَيْ: الْآدَمِيِّ - (فَ) عَلَى الْغَاصِبِ (قِيمَتُهُ) - أَيْ: الْخَيْطِ - لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ، فَوَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ - وَهُوَ الْقِيمَةُ - وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ، وَلِهَذَا جَازَ إتْلَافُ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا يُطْعَمُهُ الْحَيَوَانُ لِأَجْلِ تَبْقِيَتِهِ، وَكَذَا لَوْ شَدَّ بِالْمَغْصُوبِ جُرْحًا يَشْخَبُ دَمُهُ، أَوْ جَبَرَ بِهِ نَحْوَ سَاقٍ مَكْسُورٍ.
وَغَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِذَا خَاطَ جُرْحَ ذَلِكَ بِالْخَيْطِ الْمَغْصُوبِ؛ وَجَبَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ ذِي حُرْمَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا.
(وَإِنْ حَلَّ) حَيَوَانٌ خِيطَ جُرْحُهُ بِمَغْصُوبٍ (لِغَاصِبٍ) كَشَاتِه وَبَقَرَتِهِ
وَنَحْوِهَا، وَخِيفَ مَوْتُهُ بِقَلْعِهِ (أُمِرَ) غَاصِبٌ (بِذَبْحِهِ) - أَيْ: الْحَيَوَانِ - وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْخَيْطِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِلْأَكْلِ كَالْخَيْلِ، (وَيَرُدُّهُ) - أَيْ: الْخَيْطَ لِرَبِّهِ - لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّهِ بِذَبْحِ الْحَيَوَانِ وَالِانْتِفَاعِ بِلَحْمِهِ، وَلَا أَثَرَ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ؛ لِتَعَدِّيهِ؛ كَمَا يُرَدُّ الْخَيْطُ (بَعْدَ مَوْتِ) حَيَوَانٍ (غَيْرِ آدَمِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ؛ لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ، فَتَتَعَيَّنُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ الَّذِي خِيطَ جُرْحُهُ مُحْتَرَمًا غَيْرَ مَأْكُولٍ؛ رَدَّ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْخَيْطِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيَوَانِ آكَدُ؛ لِمَا سَبَقَ.
.
(وَمَنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً) مَثَلًا، (فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ) بِتَفْرِيطِهِ أَوْ لَا؛ (فَكَذَلِكَ) ؛ أَيْ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَيْطِ الَّذِي خَاطَ بِهِ جُرْحَهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَلَوْ ابْتَلَعَتْ شَاةُ شَخْصٍ) مَثَلًا (جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرَ مَغْصُوبَةٍ، وَلَا تَخْرُجُ) أَيْ: تَعَذَّرَ إخْرَاجُ الْجَوْهَرَةِ (إلَّا بِذَبْحِهَا، وَهُوَ) - أَيْ: ذَبْحُهَا - (أَقَلُّ ضَرَرٍ) مِنْ ضَرَرِ تَرْكِهَا؛ (ذُبِحَتْ، وَعَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ مَا نَقَصَ بِهِ) - أَيْ: بِالذَّبْحِ - لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الشَّاةِ بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا) حِينَ ابْتِلَاعِهَا الْجَوْهَرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْجَوْهَرَةِ مِمَّا نَقَصَهُ الذَّبْحُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُفَرِّطِ.
(وَإِنْ حُصِلَ رَأْسُهَا) - أَيْ: الشَّاةِ - وَنَحْوِهَا (بِإِنَاءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ) رَأْسُهَا (إلَّا بِذَبْحِهَا أَوْ كَسْرِهِ) - أَيْ: الْإِنَاءِ - (وَلَمْ يُفَرِّطَا) - أَيْ: رَبَّ الشَّاةِ وَرَبَّ الْإِنَاءِ؛ (كُسِرَ) الْإِنَاءُ؛ لِرَدِّ مَا حَصَلَ فِيهِ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ لِرَبِّهِ، (وَعَلَى مَالِكِهَا) - أَيْ: الْبَهِيمَةِ - (أَرْشُهُ) لِتَخْلِيصِ مَالِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجِبُ كَسْرُ الْإِنَاءِ وَأَخْذُ أَرْشِهِ (إلَّا إنْ وَهَبَهَا) - أَيْ: الْبَهِيمَةَ - مَالِكُهَا لَهُ - أَيْ: لِرَبِّ الْإِنَاءِ - وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ،
فَإِنْ قِبَلهَا جَازَ، وَصَارَتْ هِيَ وَالْإِنَاءُ مِلْكًا لَهُ، يَتَصَرَّفُ بِهِمَا كَيْفَ شَاءَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَمَعَ تَفْرِيطِهِ) - أَيْ: تَفْرِيطِ رَبِّ الشَّاةِ - بِأَنْ أَدْخَلَ رَأْسَهَا بِيَدِهِ فِي نَحْوِ الْقِدْرِ، أَوْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا حَالَ الدُّخُولِ؛ (تُذْبَحُ) الْبَهِيمَةُ (بِلَا ضَمَانٍ) عَلَى رَبِّ الْإِنَاءِ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ مِمَّنْ لَمْ يُفَرِّطْ، (وَمَعَ تَفْرِيطِ رَبِّهِ) - أَيْ: الْإِنَاءِ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ أَلْقَى الْإِنَاءَ فِي الطَّرِيقِ؛ (يُكْسَرُ) الْإِنَاءُ (بِلَا أَرْشٍ) عَلَى رَبِّ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ.
(وَيَتَعَيَّنُ فِي) بَهِيمَةٍ (غَيْرِ مَأْكُولَةٍ) حُصِلَ رَأْسُهَا بِإِنَاءٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهِ (كَسْرُهُ) - أَيْ: الْإِنَاءِ - ولَا تُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ بِحَالٍ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ لَمْ يُمَكَّنَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، (وَعَلَى رَبِّهَا أَرْشُهُ) - أَيْ: الْإِنَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ مَالِكِهِ، وَإِنْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ: أَنَا أُتْلِفُ مَالِي، وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
(وَيَحْرُمُ تَرْكُ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ) - أَيْ: تَرْكُ رَأْسِ الْبَهِيمَةِ بِالْإِنَاءِ [بِلَا] ذَبْحٍ وَلَا كَسْرٍ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ حَيَوَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الْإِنَاءِ، وَامْتَنَعَ رَبُّ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ مِنْ أَرْشِ الْكَسْرِ؛ أُجْبِرَ، لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ تَخْلِيصِهَا مِنْ الْعَذَابِ، فَلَزِمَ رَبَّهَا كَعَلَفِهَا.
وَإِنْ غَصَبَ إنْسَانٌ فَصِيلًا أَوْ مُهْرًا وَنَحْوَهُ، فَأَدْخَلَهُ دَارِهِ، فَكَبِرَ وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ بِدُونِ نَقْضِ الْبَابِ، أَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَأَدْخَلَهَا دَارِهِ، ثُمَّ بَنَى الْبَابَ ضَيِّقًا بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ الْخَشَبَةُ إلَّا بِنَقْضِهِ؛ وَجَبَ نَقْضُهُ؛ لِضَرُورَةِ وُجُوبِ الرَّدِّ، وَرُدَّ الْفَصِيلُ وَالْخَشَبَةُ لِرَبِّهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ أَوْلَى بِالضَّرَرِ.
(وَلَوْ حُصِلَ مَالُ شَخْصٍ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي دَارِهِ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ) مِنْ الدَّارِ (بِدُونِ نَقْضِ) بَعْضِهَا؛ (وَجَبَ نَقْضُهُ) وَأُخْرِجَ، (وَعَلَى رَبِّهِ)
أَيْ: الْمَالِ الْمُخْرَجِ - (ضَمَانُهُ) - أَيْ: إصْلَاحُهُ - لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ رَبُّ الدَّارِ) بِأَنْ دَخَلَ الْحَيَوَانُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَدْخَلَهُ رَبُّهُ.
وَأَمَّا الْخَشَبَةُ إذَا حَصَلَتْ فِي الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِ صَاحِبِهَا فَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ نَقْضِ الْبَابِ وَإِعَادَتِهِ؛ فَحُكْمُهَا كَالْفَصِيلِ، يُنْقَضُ الْبَابُ وَيَغْرَمُ صَاحِبُهَا أَرْشَ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا أَقَلَّ ضَرَرًا كُسِرَتْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ، وَإِنْ كَانَ حُصُولُ مَا ذُكِرَ فِي الدَّارِ بِعُدْوَانٍ مِنْ صَاحِبِهِ؛ كَمَنْ غَصَبَ دَارًا وَأَدْخَلَهَا فَصِيلًا أَوْ خَشَبَةً؛ أَوْ تَعَدَّى عَلَى إنْسَانٍ، فَأَدْخَلَ دَارِهِ فَرَسًا وَنَحْوَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ كُسِرَتْ الْخَشَبَةُ، وَذُبِحَ الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ - وَلَوْ زَادَ ضَرَرُهُ عَلَى نَقْصِ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِعِدْوَانِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنْ ذَوَاتِ التَّرْكِيبِ كَالتَّوَابِيتِ وَالْأَسِرَّةِ؛ فَكَذَلِكَ إنْ فَرَّطَ مَالِكُ الدَّارِ نُقِضَ الْبَابُ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ وَإِنْ فَرَّطَ مَالِكُهُ فُكَّ التَّرْكِيبُ.
(وَلَوْ بَاعَهَا) - أَيْ: الدَّارَ - (وَفِيهَا مَا يَعْسُرُ إخْرَاجُهُ كَخَوَابٍ) غَيْرِ مَدْفُونَةٍ وَخَزَائِنَ غَيْرِ مَسْمُورَةٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا، أَوْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ؛ يَنْظُرُ.
فَإِنْ كَانَ ضَرَرُ النَّقْضِ أَقَلَّ مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ أَوْ مِنْ تَفْصِيلِهِ مَا يَتَأَتَّى تَفْصِيلُهُ كَخَزَائِنَ وَمِنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ؛ (نُقِضَ بَابٌ أَقَلُّ ضَرَرًا) وَكَانَ أَرْشُ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ دَارِهِ، وَلَهُ فِيهَا أَسِرَّةٌ، وَتَعَذَّرَ الْإِخْرَاجُ وَالتَّفْكِيكُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ نَقْضُ الْبَابِ أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ وَمِنْ تَفْصِيلِهِ وَذَبْحِ الْحَيَوَانِ؛ لَمْ يُنْقَضْ الْبَابُ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، (وَاصْطَلَحَا) عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ مُشْتَرِي الدَّارِ، أَوْ يَهَبَهُ لَهُ الْبَائِعُ.
ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ.
(وَمَنْ غَصَبَ نَحْوَ دِينَارٍ) كَجَوْهَرَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ، (فَحَصَلَ فِي مَحْبَرَةِ آخَرَ) أَوْ نَحْوِهَا مِنْ كُلِّ إنَاءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ، بِفِعْلِ غَاصِبٍ أَوْ لَا، (وَعَسُرَ إخْرَاجُهُ) مِنْهَا بِدُونِ كَسْرِهَا، (فَإِنْ زَادَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَيْهِ) - أَيْ: الدِّينَارِ - بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا صَحِيحَةً دِينَارَيْنِ وَقِيمَتُهَا مَكْسُورَةً نِصْفَ دِينَارٍ؛ (فَعَلَى الْغَاصِبِ بَدَلُهُ)
أَيْ: الدِّينَارِ - يُعْطِيهِ لِرَبِّهِ، وَلَمْ تُكْسَرْ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ، وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، (وَإِلَّا) يَزِدْ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَى الدِّينَارِ؛ بِأَنْ تَسَاوَيَا، أَوْ كَانَ ضَرَرُ الْكَسْرِ أَقَلَّ؛ (تَعَيَّنَ الْكَسْرُ) ؛ لِرَدِّ عَيْنِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إضَاعَةِ مَالٍ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (ضَمَانُهُ) - أَيْ: الْكَسْرِ - لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إذَا غَصَبَ دِينَارًا وَجَعَلَهُ (فِي مِحْبَرَةِ نَفْسِهِ) ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِدُونِ كَسْرِهَا فَإِنَّهَا (تُكْسَرُ) الْمِحْبَرَةُ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ زَادَ ضَرَرُ الْكَسْرِ عَلَى الدِّينَارِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ فِيهَا بِتَعَدِّيهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مَا بَنَى عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ) مِنْ أَنَّهُ إذَا بَنَى عَلَى حَجَرٍ كَانَ غَصَبَهُ؛ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ (كَهَذَا) يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ الْحَائِطِ، وَرَدُّ الْحَجَرِ إلَى رَبِّهِ؛ لِعِدْوَانِهِ وَظُلْمِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ حُصِلَ) الدِّينَارُ أَوْ نَحْوُهُ فِي الْمِحْبَرَةِ أَوْ نَحْوِهَا (بِلَا غَصْبٍ وَلَا فِعْلِ أَحَدٍ) ؛ بِأَنْ سَقَطَ مِنْ مَكَانٍ، أَوْ أَلْقَتْهُ رِيحٌ أَوْ طَائِرٌ أَوْ هِرٌّ؛ (كُسِرَتْ الْمِحْبَرَةُ) وَنَحْوُهَا وُجُوبًا، (وَعَلَى رَبِّهِ) - أَيْ: الدِّينَارِ (أَرْشُهَا) - أَيْ: أَرْشِ نَقْصِ الْمِحْبَرَةِ بِالْكَسْرِ - لِأَنَّ الْكَسْرَ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) رَبُّ الدِّينَارِ (مِنْهُ)
أَيْ: مِنْ كَسْرِ الْمِحْبَرَةِ - مَعَ ضَمَانِ أَرْشِهِ؛ (لِكَوْنِهَا) - أَيْ: الْمِحْبَرَةِ - (ثَمِينَةً) أَيْ: غَالِيَةَ الثَّمَنِ - فَإِنْ امْتَنَعَ (فَلَا طَلَبَ لَهُ) ، وَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ حَصَلَ الدِّينَارُ وَنَحْوُهُ (بِفِعْلِ مَالِكِهَا) - أَيْ: الْمِحْبَرَةِ - فَإِنَّهَا (تُكْسَرُ مَجَّانًا) ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى رَبِّهَا إعَادَةُ الدِّينَارِ إلَى مَالِكِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ بِدُونِ كَسْرِ الْمِحْبَرَةِ، فَجَازَ كَسْرُهَا لِذَلِكَ، وَلَا يَضْمَنُ نَقْصَهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ مَالِكِهَا، (وَ) إنْ حَصَلَ فِيهَا (بِفِعْلِ رَبِّ الدِّينَارِ) فَإِنَّهُ (يُخَيَّرُ بَيْنَ تَرْكِهِ) فِي الْمِحْبَرَةِ (وَ) بَيْنَ (كَسْرِهَا) ، فَرَّطَ رَبُّ الْمِحْبَرَةِ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ: رَبِّ الدِّينَارِ - (قِيمَتُهَا) كَامِلَةً؛ لِتَعَدِّيهِ، (وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: رَبَّ الدِّينَارِ - (قَبُولُ مِثْلِهِ) - أَيْ الدِّينَارَ - (إنْ بَذَلَهُ رَبُّهَا) - أَيْ: الْمِحْبَرَةَ - وَلَمْ يَجُزْ كَسْرُهَا؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَالًا يَتَفَاوَتُ بِهِ حَقُّهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
وَلَوْ بَادَرَ رَبُّ الدَّيْنِ إلَى الْمِحْبَرَةِ، وَكَسَرَهَا عُدْوَانًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قِيمَتُهَا وَجْهًا وَاحِدًا.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
[فَصْلٌ يَلْزَمُ رَدُّ مَغْصُوبٍ زَادَ بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ غَيْرِهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ]
(فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ) [غَاصِبًا] وَغَيْرُهُ إذَا كَانَ بِيَدِهِ (رَدُّ مَغْصُوبٍ زَادَ) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ؛ كَقِصَارَةِ) ثَوْبٍ (وَسِمَنِ) حَيَوَانٍ (وَتَعَلُّمِ صَنْعَةِ) آدَمِيٍّ، (وَ) بِزِيَادَتِهِ (الْمُنْفَصِلَةِ؛ كَوَلَدٍ) مِنْ بَهِيمَةٍ، وَكَذَا مِنْ أَمَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَهُوَ حُرٌّ، وَيَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، (وَكَكَسْبِ) رَقِيقٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ الْمَغْصُوبِ، وَهُوَ لِمَالِكِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ؛ كَالْأَصْلِ.
(وَلَوْ غَصَبَ قِنًّا أَوْ شَبَكَةً أَوْ شَرَكًا، فَأَمْسَكَ) الْقِنُّ أَوْ الشَّبَكَةُ أَوْ الشَّرَكُ صَيْدًا؛ فَلِمَالِكِهِ، (أَوْ) غَصَبَ (جَارِحًا) أَوْ سَهْمًا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": (أَوْ فَرَسًا) ، قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " أَوْ قَوْسًا، (فَصَادَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (بِهِ) - أَيْ: الْجَارِحِ - (أَوْ) صَادَ (عَلَيْهِ) - أَيْ: الْفَرَسِ صَيْدًا، (أَوْ) غَزَا عَلَى الْفَرَسِ، (فَغَنِمَ) ؛ فَالصَّيْدُ وَسَهْمُ الْفَرَسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ (لِمَالِكِهِ) - أَيْ: الْجَارِحِ وَالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ - لِأَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَغْصُوبِ، فَكَانَ لِمَالِكِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ
وُهِبَ لِلرَّقِيقِ الْمَغْصُوبِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَالِكِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّحِيحِ عَلَى رِبْحِ الدَّرَاهِمِ، وَيَسْقُطُ عَمَلُ الْغَاصِبِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَيَلْزَمُ غَاصِبًا (أُجْرَتُهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - (زَمَنَ ذَلِكَ) - أَيْ: اصْطِيَادَهُ وَنَحْوَهُ - لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَادَتْ إلَى الْمَالِكِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ زَرَعَ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ، فَأَخَذَ الْمَالِكُ الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) - أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ يَكُونُ لِمَالِكِ الْمَغْصُوبِ - (إنْ كَانَ مَا خَصَّهُ) - أَيْ: مَا حَصَّلَهُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَنِيمَةٍ - (قَدْرَ أُجْرَتِهِ) - أَيْ: أُجْرَةِ الْمَغْصُوبِ - (فَأَكْثَرَ) مِنْ أُجْرَتِهِ، وَأَمَّا إذَا نَقَصَ الْحَاصِلُ عَنْ قَدْرِ أُجْرَتِهِ؛ فَلِرَبِّ الْمَغْصُوبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ تُؤْخَذُ مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِعُدْوَانِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ غَصَبَ مِنْجَلًا، فَقَطَعَ) الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ (بِهِ خَشَبًا أَوْ حَشِيشًا) ؛ فَالْخَشَبُ أَوْ الْحَشِيشُ (لِغَاصِبٍ) ؛ لِحُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ كَالْحَبْلِ الْمَغْصُوبِ يَرْبِطُ فِيهِ الْغَاصِبُ مَا يَجْمَعُهُ مِنْ حَطَبٍ وَنَحْوِهِ.
(وَيَتَّجِهُ مِثْلُهُ) - أَيْ: مِثْلُ الْمِنْجَلِ فِي الْحُكْمِ - (لَوْ غَصَبَ سِلَاحًا) كَسَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ وَنَحْوِهِ (فَصَادَ بِهِ) - أَيْ: بِالسِّلَاحِ الْمَغْصُوبِ - فَهُوَ لِغَاصِبِهِ؛ لِحُصُولِ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ سَيْفًا، فَقَاتَلَ بِهِ، وَغَنِمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَزَالَ) غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ (اسْمَهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - بِعَمَلِهِ فِيهِ (كَنَسْجِ غَزْلٍ) فَصَارَ يُسَمَّى ثَوْبًا، (وَطَحْنِ حَبٍّ) غَصَبَهُ فَصَارَ يُسَمَّى دَقِيقًا، (أَوْ طَبْخِهِ) - أَيْ: الْحَبَّ - فَصَارَ يُسَمَّى طَبِيخًا، (وَنَجْرِ خَشَبٍ) بَابًا أَوْ رُفُوفًا وَنَحْوَهَا (وَضَرْبِ نَحْوِ حَدِيدٍ) مَسَامِيرَ أَوْ سَيْفًا وَنَحْوَهُ، (وَ) ضَرْبِ
(فِضَّةٍ) دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا، (وَجَعْلِ طِينٍ) غَصَبَهُ (لَبِنًا) أَوْ آجُرًّا، (أَوْ فُخَّارًا) كَجِرَارٍ وَنَحْوِهَا؛ (رَدَّهُ) الْغَاصِبُ وُجُوبًا مَعْمُولًا؛ لِقِيَامِ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ فِيهِ، (وَ) رَدَّ (أَرْشَهُ إنْ نَقَصَهُ) ؛ لِحُصُولِ نَقْصِهِ بِفِعْلِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ عَيْنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ أَوْ هُمَا، (وَلَا شَيْءَ لَهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (لِعَمَلِهِ فِيهِ) ، وَلَوْ زَادَ بِهِ؛ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ؛ كَمَا لَوْ غَلَى زَيْتًا، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَرِيكًا فِي زِيَادَةِ الثَّوْبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ عَيْنُ مَالٍ لَا يَزُولُ مِلْكُ مَالِكِهِ عَنْهُ بِجَعْلِهِ مَعَ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ الْغَاصِبُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا؛ لَزِمَهُ رَدُّ ذَلِكَ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ، وَذَبْحُ الْغَاصِبِ الشَّاةَ لَا يُحَرِّمُ أَكْلَهَا؛ لِأَنَّهَا مُزَكَّاةٌ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الزَّكَاةِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ وَلَا غَيْرُهُ أَكْلُهَا وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
(وَلِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (عَلَى رَدِّ مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ) مِنْ مَغْصُوبٍ (إلَى حَالَتِهِ) الَّتِي غَصَبَهَا عَلَيْهَا، كَمَسَامِيرَ ضَرَبَهَا نِعَالًا؛ فَلَهُ إجْبَارُهُ عَلَى رَدِّهَا مَسَامِيرَ كَمَا كَانَتْ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْغَاصِبِ فِي الْمَغْصُوبَةِ مُحَرَّمٌ فَمَلَكَ الْمَالِكُ إزَالَتَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى كَالْأَبْوَابِ وَالْفُخَّارِ وَالْآجُرِّ وَالشَّاةِ إذَا ذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، وَالْحَبِّ طَحَنَهُ؛ فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ إفْسَادُهُ، وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ) إنْسَانًا (عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِنْهُ) - أَيْ: مِمَّا تَقَدَّمَ - (فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ) ، وَالْحُكْمُ فِي زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ النَّقْصِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ جَهِلَ الْأَجِيرُ الْحَالَ، وَضَمِنَ الْغَاصِبُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْأَجِيرُ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ عَلِمَ الْأَجِيرُ الْحَالَ، وَضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِدُونِ إذْنِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ
الْغَاصِبُ؛ رَجَعَ عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَعَانَ الْغَاصِبُ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَالْأَجِيرِ.
(وَمَنْ حَفَرَ فِي) أَرْضٍ (مَغْصُوبَةٍ بِئْرًا أَوْ شَقَّ) فِيهَا (نَهْرًا، وَوَضَعَ التُّرَابَ) الْخَارِجَ مِنْ الْبِئْرِ أَوْ النَّهْرِ (بِهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ - (فَلَهُ طَمُّهَا) إنْ كَانَ الطَّمُّ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) ؛ كَإِسْقَاطِ ضَمَانِ تَالِفٍ بِهَا - أَيْ: الْبِئْرِ - أَوْ كَوْنِ الْغَاصِبِ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِهِ أَوْ إلَى مِلْكِ (تَالِفٍ بِهَا) - أَيْ: الْبِئْرَ - أَوْ لِكَوْنِ الْغَاصِبِ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ إلَى طَرِيقٍ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ، (وَ) لِلْغَاصِبِ حِينَئِذٍ (رَدُّ تُرَابِهَا مِنْ نَحْوِ مِلْكِهِ أَوْ طَرِيقٍ) نَقَلَهَا إلَيْهِ حَيْثُ بَقِيَ، فَلَوْ كَانَ بِسَيْلٍ أَوْ رِيحٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَهُ الطَّمُّ بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَ لَهُ طَمُّهَا بِرَمْلٍ وَكُنَاسَةٍ وَنَحْوِهَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ.
(وَلَوْ أَنَّهُ أُبْرِئَ) ؛ أَيْ: أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ (مِمَّا يَتْلَفُ بِهَا) - أَيْ: بِالْبِئْرِ وَنَحْوِهَا - لِأَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ خَشْيَةِ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا، (وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ ": لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ؛ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ رَبُّ الْأَرْضِ زَالَ التَّعَدِّي، فَيَزُولُ الضَّمَانُ، (وَإِنَّمَا صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ) مِمَّا يَتْلَفُ بِالْبِئْرِ مَعَ أَنَّهَا مُتَضَمَّنَةٌ لِمَا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ؛ (لِوُجُودِ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ) مِنْ حَافِرِ الْبِئْرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ (هُوَ التَّعَدِّي) مِنْهُ بِحَفْرِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا.
(وَ) السَّبَبُ (الثَّانِي) هُوَ (الْإِتْلَافُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ) الْبَرَاءَةُ (بَرَاءَةً مِمَّا سَيَجِبُ) ، وَإِنَّمَا هِيَ إسْقَاطُ الْمَالِكِ عَنْ الْغَاصِبِ التَّعَدِّيَ بِرِضَاهُ، وَلَوْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنْ الطَّمِّ؛ لَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ طَمَّهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وَمَنَعَهُ مِنْ الطَّمِّ رِضًى بِالْحَفْرِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إبْرَائِهِ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا.
(وَ) إنْ كَانَ الطَّمُّ (لِغَيْرِ غَرَضٍ) صَحِيحٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي أَرْضِ مَالِكِهَا أَوْ فِي مَوَاتٍ، وَأَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهَا؛ (فَلَا يَطُمُّهَا) الْغَاصِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا نُقْرَةً بِدُونِ إذْنِ مَالِكِهَا.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
(وَإِنْ أَرَادَهُ) - أَيْ: الطَّمَّ - لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (مَالِكٌ؛ أُلْزِمَ) غَاصِبٌ (بِهِ) - أَيْ: الطَّمِّ - لِعُدْوَانِهِ بِالْحَفْرِ، وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ.
(وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ، أَوْ) غَصَبَ (بَيْضًا فَصَارَ) الْبَيْضُ (فِرَاخًا، أَوْ) غَصَبَ (نَوًى) فَصَارَ غَرْسًا، (أَوْ) غَصَبَ (أَغْصَانًا) فَغَرَسَهَا (فَصَارَتْ شَجَرًا؛ رَدَّهُ) ؛ أَيْ: رَدَّ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ وَالْفِرَاخَ وَالشَّجَرَ لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، (وَلَا شَيْءَ لَهُ) - أَيْ: لِلْغَاصِبِ فِي عَمَلِهِ - لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ إبْقَاءُ الزَّرْعِ) فِي أَرْضِ الْغَاصِبِ لِلْغَاصِبِ (قَهْرًا لِ) أَوَانِ (حَصَادِهِ بِلَا أُجْرَةٍ) مُعَاقَبَةً، (لَا) إبْقَاءُ (الشَّجَرِ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ، فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ غَصَبَ شَاةً) أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً وَنَحْوَهَا، (وَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلَهُ؛ فَالْوَلَدُ لِمَالِكِ الْأُمِّ) ؛ كَوَلَدِ الْأَمَةِ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْفَحْلِ؛ لِعَدَمِ إذْنِ رَبِّهَا، وَلِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَكَذَا لَوْ غَصَبَ نَخْلَةً، وَحَصَلَ مِنْهَا وَدْيٌ فَإِنَّهُ لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا؛ كَكَسْبِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الْأَمَةِ، وَإِنْ غَصَبَ فَحْلَ غَيْرِهِ عَلَى شَاتِهِ؛ فَالْوَلَدُ لَهُ تَبَعًا لِلْأُمِّ، وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْفَحْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ إنْ نَقَصَ الْفَحْلَ بِالْإِنْزَاءِ وَغَيْرُهُ؛ لَزِمَ الْغَاصِبَ أَرْشُ نَقْصِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ حَضَنَتْ بَيْضَهَا، فَصَارَ فِرَاخًا؛ فَهُمَا لِمَالِكِهَا، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَلَفِهَا، قَالَ أَحْمَدُ فِي طَيْرَةٍ جَاءَتْ إلَى دَارِ قَوْمٍ، فَازْدَوَجَتْ عِنْدَهُمْ وَفَرَّخَتْ يَرُدُّونَهَا وَفِرَاخَهَا إلَى أَصْحَابِ الطَّيْرَةِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا بِمَا أَنْفَقَهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَإِلَّا فَلَا.
انْتَهَى.
وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ.
[فَصْلٌ يَضْمَنُ غَاصِبٌ نَقْصَ مَغْصُوبٍ بَعْدَ غَصْبِهِ وَقَبْلَ رَدِّهِ]
(فَصْلٌ: وَيَضْمَنُ) غَاصِبٌ (نَقْصَ مَغْصُوبٍ) بَعْدَ غَصْبِهِ وَقَبْلَ رَدِّهِ - (وَلَوْ) كَانَ النَّقْصُ (رَائِحَةَ مِسْكٍ أَوْ نَحْوَهُ) كَعَنْبَرٍ - لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إلَى قُوَّةِ رَائِحَتِهِ وَضَعْفِهَا، (أَوْ) كَانَ النَّقْصُ (بِنَبَاتِ لِحْيَةِ قِنٍّ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ صِفَةٍ، أَشْبَهَ النَّقْصَ بِتَغَيُّرِ بَاقِي الصِّفَاتِ، وَكَذَا قَطْعُ ذَنَبِ حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ فَرَسٍ إذْ الْقَصْدُ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ؛ كَغَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ غَصَبَ قِنًّا فَعَمِيَ عِنْدَهُ؛ قُوِّمَ صَحِيحًا ثُمَّ أَعْمَى، وَأُخِذَ مِنْ غَاصِبٍ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ شَجَّةٍ.
(وَإِنْ) غَصَبَ عَبْدًا وَ (خَصَاهُ) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ بِخُصَاهُ لَهُ، أَوْ أَزَالَ) مِنْهُ (مَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ) كَامِلَةٌ (مِنْ حُرٍّ) كَأَنْفِهِ أَوْ لِسَانِهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ؛ (رَدَّهُ) عَلَى مَالِكِهِ، (وَ) رَدَّ (قِيمَتَهُ) كُلَّهَا نَصًّا، وَلَا يَمْلِكُهُ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ، فَلَا يَتَوَقَّفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ؛ كَقَطْعِ خُصْيَتَيْ ذَكَرٍ مُدَبَّرٍ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوِّتُ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ بِضَمَانِهِ؛ كَمَا لَوْ قَطَعَ تِسْعَ أَصَابِعَ.
(وَإِنْ قَطَعَ) غَاصِبٌ مِنْ رَقِيقٍ مَغْصُوبٍ (مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ) مِنْ حُرٍّ (دُونَ الدِّيَةِ) الْكَامِلَةِ؛ كَقَطْعِ يَدٍ أَوْ جَفْنٍ أَوْ هُدْبٍ وَنَحْوِهِ؛ فَعَلَى غَاصِبٍ (أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ) مِنْ دِيَةِ الْمَقْطُوعِ أَوْ نَقْصِ قِيمَتِهِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا، وَدَخَلَ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا فِيهِ جَمِيعًا.
فَلَوْ غَصَبَ
عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهٌ عِنْدَهُ إلَى أَلْفَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ، فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ؛ كَانَ عَلَيْهِ مَعَ رَدِّهِ أَلْفٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَاطِعُ لِيَدِهِ غَيْرَ الْغَاصِبِ، وَقَدْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ قَبْلُ، وَصَارَ بَعْدَ الْقَطْعِ يُسَاوِي أَرْبَعَمِائَةٍ؛ كَانَ عَلَى الْجَانِي أَرْبَعُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ حِينَ الْقَطْعِ ثَمَانُمِائَةٍ، وَعَلَى الْغَاصِبِ مِائَتَانِ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا عَلَيْهِ، وَعَلَى الْجَانِي، لِأَنَّ مَا وَجَدَهُ فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ، (وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ غَرِمَ) الْجَمِيعَ (مِنْ جَانٍ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ) ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ، فَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَى الْغَاصِبِ (فَقَطْ) - أَيْ: دُونَ مَا زَادَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّقْصِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
(وَلَا يَرُدُّ مَالِكٌ) تَعَيَّبَ مَالُهُ عِنْدَ غَاصِبٍ، وَاسْتَرَدَّهُ وَأَرْشَ عَيْبِهِ (أَرْشَ مَعِيبٍ أَخَذَهُ) مِنْ غَاصِبٍ (بِزَوَالِهِ) - أَيْ: الْعَيْبِ - (عِنْدَهُ) - أَيْ: الْمَالِكِ - كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا، فَمَرِضَ عِنْدَهُ، فَرَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ بِالْمَرَضِ، ثُمَّ بَرِئَ عِنْدَ مَالِكٍ بِحَيْثُ لَمْ يَضُرَّ بِهِ نَقْصٌ؛ فَلَا يُرَدُّ أَرْشُهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا حَصَلَ بِيَدِ الْغَاصِبِ مِنْ النَّقْصِ بِتَعَدِّيهِ، وَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ نَاقِصًا، فَإِنْ أَخَذَهُ مَالِكُهُ دُونَ أَرْشِهِ، فَزَالَ عَيْبُهُ قَبْلَ أَخْذِ أَرْشِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرِئَ فِي يَدِ غَاصِبٍ، فَيَرُدُّ مَالِكُهُ أَرْشَهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ.
(وَلَا يَضْمَنُ) غَاصِبٌ رَدَّ مَغْصُوبًا بِحَالِهِ (نَقْصَ سِعْرٍ) ؛ كَثَوْبٍ غَصَبَهُ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً، وَلَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى نَقَصَ سِعْرُهُ، فَصَارَ يُسَاوِي ثَمَانِينَ مَثَلًا؛ فَلَا يَلْزَمُهُ بِرَدِّهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا لَمْ تَنْقُصْ عَيْنًا وَلَا صِفَةً، بِخِلَافِ السِّمَنِ وَالصِّفَةِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَالِكِ فِي الْقِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِيهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ؛ (كَهُزَالٍ زَادَ بِهِ) سِعْرُ الْمَغْصُوبِ، أَوْ لَمْ يَزِدْ بِهِ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ كَعَبْدٍ مُفْرِطٍ
فِي السِّمَنِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبٍ ثَمَانُونَ، فَهَزِلَ عِنْدَ غَاصِبٍ، فَصَارَ يُسَاوِي مِائَةً، أَوْ بَقِيَتْ قِيمَتُهُ بِحَالِهَا، فَلَا يَرُدُّ مَعَهُ، الْغَاصِبُ شَيْئًا؛ لِعَدَمِ نَقْصِهِ.
(وَيَضْمَنُ) غَاصِبٌ (زِيَادَةَ مَغْصُوبٍ) بِأَنْ سَمُنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً (عِنْدَهُ) ، ثُمَّ هَزِلَ أَوْ نَسِيَ الصَّنْعَةَ؛ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، سَوَاءٌ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهِ زَائِدًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ، فَضَمِنَهَا الْغَاصِبُ كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَلِأَنَّهَا زَادَتْ مِلْكَ مَالِكِهَا فَضَمِنَهَا الْغَاصِبُ كَالْمَوْجُودَةِ حَالَ الْغَصْبِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ السِّعْرِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْغَصْبِ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ وَتَابِعَةٌ لَهُ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ (مَرَضًا) طَرَأَ عَلَى مَغْصُوبٍ بِيَدِهِ وَ (بَرِئَ مِنْهُ فِي يَدِهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ فِي يَدِهِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَتْ فَنَقَصَتْ، ثُمَّ وَضَعَتْ فِي يَدِ غَاصِبٍ، فَزَالَ نَقْصُهَا، لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.
(وَلَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ شَيْئًا (إنْ) زَادَ مَغْصُوبٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، ثُمَّ زَالَتْ الزِّيَادَةُ، ثُمَّ (عَادَتْ كَسِمَنٍ زَالَ ثُمَّ عَادَ) ؛ لِأَنَّ مَا ذَهَبَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَادَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ بِيَدِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَرِضَ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، ثُمَّ بَرِئَ فَعَادَتْ الْقِيمَةُ، وَكَذَا لَوْ نَسِيَ صَنْعَةً ثُمَّ تَعَلَّمَهَا أَوْ بَدَّلَهَا، فَعَادَتْ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ.
(وَلَا) يَضْمَنُ غَاصِبٌ سِوَى الرَّدِّ (إنْ نَقَصَ) الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ، (فَزَادَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ) - أَيْ: مِثْلِ النَّقْصِ مِنْ جِنْسِهِ - كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا نَسَّاجًا يُسَاوِي مِائَةً، فَنَسِيَ الصَّنْعَةَ عِنْدَهُ، فَصَارَ يُسَاوِي ثَمَانِينَ، ثُمَّ تَعَلَّمَ الصَّنْعَةَ الَّتِي نَسِيَهَا، فَعَادَ إلَى مِائَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي نَقْصِهِ حَتَّى (وَلَوْ) كَانَ مَا تَعَلَّمَهُ (صَنْعَةً بَدَلَ صَنْعَةٍ) نَسِيَهَا، كَمَا لَوْ تَعَلَّمَ الْخِيَاطَةَ بَدَلَ النِّسَاجَةِ الَّتِي نَسِيَهَا، فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى مِائَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّنَائِعَ كُلَّهَا جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِ الزِّيَادَةِ فِي الرَّقِيقِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِهُزَالِهِ ثُمَّ عَادَتْ بِسِمَنِهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ الْمَنْسِيُّ عِلْمًا، فَتَعَلَّمَ عِلْمًا آخَرَ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّنْعَةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا (مُسَاوِيَةً) لِلصَّنْعَةِ الَّتِي
نَسِيَهَا، (أَوْ أَعْلَى) مِنْهَا فِي الشَّرَفِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ أَحْسَنَ صَنْعَةً أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا فِي الشَّرَفِ، لَكِنَّهَا دُونَهَا فِي الرِّبْحِ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الزِّيَادَةِ الذَّاهِبَةِ، مِثْلُ أَنْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَتَعَلَّمَ صَنْعَةً، فَصَارَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ؛ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِدْ مَا ذَهَبَ، بِخِلَافِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ دَابَّةً وَنَقَصَتْ بِجِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ ضَمِنَ الْغَاصِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِتَلَفِ إحْدَى عَيْنَيْهَا فَيَغْرَمُ أَرْشَ نَقْصِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَهُ عَلَى الْمَالِكِ.
(وَإِنْ نَقَصَ) الْمَغْصُوبُ قَبْلَ رَدِّهِ (نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ) ؛ بِأَنْ يَكُونَ سَارِيًا غَيْرَ وَاقِفٍ؛ (كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ) - بِكَسْرِ الْفَاءِ - وَطَلَبَهَا مَالِكُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا إلَى حَالَةٍ يَعْلَمُ فِيهَا قَدْرَ أَرْشِ نَقْصِهَا؛ (خُيِّرَ) مَالِكُهَا (بَيْنَ) أَخْذِ (مِثْلِهَا) مِنْ مَالِ غَاصِبٍ (أَوْ تَرْكِهَا) بِيَدِ غَاصِبٍ (حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا، وَيَأْخُذُهَا) مَالِكُهَا (وَ) يَأْخُذُ (أَرْشَ نَقْصِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْمِثْلُ ابْتِدَاءً؛ لِوُجُودِ عَيْنِ مَالِهِ؛ وَلَا أَرْشَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ إذَنْ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ صَارَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ التَّعْجِيلِ، فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ عِنْدَ اسْتِقْرَارِ فَسَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَيَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ أَرْشَ نَقْصِهَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ؛ أَشْبَهَ تَلَفَ جُزْءٍ مِنْ الْمَغْصُوبِ.
(وَعَلَى غَاصِبٍ جِنَايَةُ) قِنٍّ (مَغْصُوبٍ) ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ نَقْصٌ فِيهِ؛ لِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ؛ كَسَائِرِ نَقْصِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ، (وَ) عَلَيْهِ (إتْلَافُهُ) - أَيْ: بَدَلِ مَا يُتْلِفُهُ - (وَلَوْ) كَانَتْ الْجِنَايَةُ (عَلَى رَبِّهِ) - أَيْ: مَالِكِهِ - (أَوْ) كَانَ الْإِتْلَافُ (لِمَالِهِ) - أَيْ: مَالَ مَالِكِهِ -
(بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ) جِنَايَتِهِ (أَوْ قِيمَتِهِ) - أَيْ: الْعَبْدِ - لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ؛ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا حُكْمُ مَا أَتْلَفَهُ الْقِنُّ الْمَغْصُوبُ مِنْ مَالِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ، وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِرَدِّ الْغَاصِبِ لَهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَجَدَهُ فِي يَدِهِ.
فَلَوْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ بَعْدَ الرَّدِّ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَ الْمَغْصُوبُ سَيِّدَهُ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ قِنًّا، فَقُتِلَ بِهِ؛ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ؛ لِتَلَفِهِ بِيَدِهِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، وَضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ، وَإِنْ قَطَعَ يَدًا مَثَلًا، فَقُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا؛ فَعَلَى غَاصِبٍ نَقْصُهُ؛ كَمَا لَوْ سَقَطَتْ بِلَا جِنَايَةٍ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ فَكَمَا تَقَدَّمَ.
(وهِيَ) - أَيْ: جِنَايَةُ مَغْصُوبٍ - (عَلَى غَاصِبٍ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ فَسَقَطَ، (وَكَذَا) جِنَايَةُ الْمَغْصُوبِ (عَلَى مَالِهِ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - هَدَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ (فِي قَوَدٍ) ؛ فَلَا تُهْدَرُ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ لِغَيْرِهِ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مَغْصُوبٌ عَبْدًا لِلْغَاصِبِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ لِسَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ (يُقْتَلُ) قِصَاصًا إنْ كَانَ قَتْلُهُ لَهُ عَمْدًا، وَلِسَيِّدِ الْمَقْتُولِ (إنْ طَلَبَ) الْقَوَدَ قَتْلُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، (وَيَرْجِعُ) السَّيِّدُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْغَاصِبِ - (بِقِيمَتِهِ) ؛ لِتَلَفِهِ فِي يَدِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِيَدِهِ.
(وَزَوَائِدُ مَغْصُوبٍ) كَوَلَدِ حَيَوَانٍ وَثَمَرِ شَجَرٍ (إذَا تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ) فِي يَدِ الْغَاصِبِ، (أَوْ جَنَتْ) عَلَى الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ (كَهُوَ) - أَيْ: كَالْمَغْصُوبِ بِالْأَصَالَةِ - سَوَاءٌ تَلِفَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ أَصْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لَمَالِكِ الْأَصْلِ، وَقَدْ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ بِسَبَبِ إثْبَاتِ يَدِهِ الْمُعْتَدِيَةِ عَلَى الْأَصْلِ، فَتَبِعَتْهُ فِي الْحُكْمِ، فَإِذَا غَصَبَ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا، فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْ؛ فَالْوَلَدُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا وَقَدْ غَصَبَهَا حَامِلًا؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛
لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَمَلَتْ بِهِ عِنْدَهُ، وَوَلَدَتْهُ مَيِّتًا؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
(وَقَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَنْ اسْتَعَانَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ فَحُكْمُهُ) - أَيْ: الْمُسْتَعِينِ - كَحُكْمِ (غَاصِبٍ حَالَ اسْتِخْدَامِهِ) ، فَيَضْمَنُ جِنَايَتَهُ وَنَقْصَهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَكَذَا فِي الْمُنْتَهَى " فِي الدِّيَاتِ.
[تَتِمَّةٌ كَانَ الْعَبْدُ وَدِيعَةً فَجَنَى جِنَايَةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ وَقَتَلَهُ الْمُودِعَ بَعْدَهَا]
تَتِمَّةٌ: لَوْ كَانَ الْعَبْدُ وَدِيعَةً، فَجَنَى جِنَايَةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُودِعَ قَتَلَهُ بَعْدَهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَتَعَلَّقَ بِهَا أَرْشُ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ.
وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ غُصِبَ، فَجَنَى فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ؛ بِيعَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ، وَقُسِمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا، وَرَجَعَ صَاحِبُ الْعَبْدِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَكَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَهُ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ مِنْ الْغَاصِبِ هُوَ عِوَضُ مَا أَخَذَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ثَانِيًا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ قِيمَةِ الْجَانِي لَا يُزَاحَمُ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَ هَذَا الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَيَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ خَلَطَ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ مَغْصُوبًا لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ وَنَقْدٍ بِمِثْلِهَا]
(فَصْلٌ: إنْ خَلَطَ) غَاصِبٌ أَوْ غَيْرُهُ (مَا) - أَيْ: مَغْصُوبًا - (لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ وَنَقْدٍ بِمِثْلِهَا؛ لَزِمَهُ مِثْلُهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ - كَيْلًا أَوْ وَزْنًا (مِنْهُ) - أَيْ: الْمُخْتَلِطِ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَغَيْرِهِ - لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ بَعْضِ مَالِهِ إلَيْهِ مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فِي الْبَاقِي، فَلَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِ بَدَلُهُ فِي الْجَمِيعِ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ صَاعًا فَتَلِفَ بَعْضُهُ.
(وَ) إنْ خَلَطَ مَغْصُوبًا (بِدُونِهِ، أَوْ) خَلَطَهُ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) مِنْ جِنْسِهِ، (أَوْ) خَلَطَهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ - وَلَوْ بِمَغْصُوبٍ مِثْلِهِ لِآخَرَ - وَكَانَ الْخَلْطُ (عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ) ، وَدَقِيقِ حِنْطَةٍ بِدَقِيقِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ؛
(فا) لِمَالِكَانِ (شَرِيكَانِ) فِي الْمُخْتَلَطِ (بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا، فَيُبَاعُ الْكُلُّ وَيَدْفَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ حَقِّهِ؛ كَاخْتِلَاطِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ، فَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عَنْ قِيمَتِهِ مُنْفَرِدًا؛ فَعَلَى الْغَاصِبِ النَّقْصُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَزَيْتٍ بِمَاءٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهُ خَلَّصَهُ، وَرَدَّهُ وَنَقَّصَهُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ يُفْسِدُهُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ.
(وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ) فِي قَدْرِ مَالِهِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) مِثْلُهُ (مَغْصُوبٌ مِنْهُ) مَالٌ، وَخُلِطَ بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فِي قَدْرِ مَالِهِ فِيهِ) - أَيْ: الْمُخْتَلَطَ - بِدُونِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
لِاسْتِحَالَةِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِنْ أَذِنَهُ مَالِكُ الْمَغْصُوبِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا، وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ، فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَى الشَّرِيكَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِلْغَاصِبِ إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَامِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ بِدُونِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكٌ، لَا اسْتِهْلَاكٌ؛ فَلَا يُقَاسِمُ نَفْسَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ؛ هَذَا قَدْ اخْتَلَطَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ كُلِّهِ، وَيَتَصَدَّقَ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يُخْرِجُ مِنْهُ قَدْرَ مَا خَالَطَهُ.
هَذَا إنْ عَرَفَ رَبَّهُ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
وَإِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْحَرَامِ تَصَدَّقَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ) لِإِنْسَانٍ (بِدِرْهَمَيْنِ) لِآخَرَ (وَلَا غَصْبَ) مِنْ أَحَدِهِمَا (لِآخَرَ وَلَا تَمْيِيزَ) لِأَحَدِ الْمَالَيْنِ عَنْ الْآخِرِ، (فَتَلِفَ) دِرْهَمَانِ (اثْنَانِ) مِنْ الثَّلَاثَةِ؛ (فَمَا بَقِيَ) - وَهُوَ دِرْهَمٌ - (فَهُوَ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَ الدِّرْهَمَيْنِ وَالدِّرْهَمِ - (نِصْفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ الدِّرْهَمَيْنِ فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ دِرْهَمًا لِهَذَا وَدِرْهَمًا لِهَذَا، فَيَخْتَصُّ صَاحِبُ الدِّرْهَمَيْنِ بِالْبَاقِي، فَتَسَاوَيَا، وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ قَطْعًا، بِخِلَافِ
الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
غَايَتُهُ أَنَّهُ أُبْهِمَ عَلَيْنَا.
ذَكَرَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ بَدَلَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَلَطَهُ بِجَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الرَّدِيءِ أَوْ دُونَ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبًا.
وَإِنْ كَانَ الْعَكْسُ، فَرَضِيَ بِدُونِ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْ الرَّدِيءِ، أَوْ يَسْمَحُ الْغَاصِبُ بِدَفْعِ أَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لِلزِّيَادَةِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا، فَصَبَغَهُ) الْغَاصِبُ (بِصِبْغَةٍ، أَوْ) غَصَبَ (سَوِيقًا فَلَتَّهُ) الْغَاصِبُ (بِزَيْتِهِ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا) - أَيْ: قِيمَةُ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ أَوْ قِيمَةُ الزَّيْتِ وَالسَّوِيقِ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا - (ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (النَّقْصَ) ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ، فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ، (وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ) قِيمَتُهُمَا، (وَلَمْ تَزِدْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا) مَعًا؛ فَرَبُّ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ أَوْ السَّوِيقِ وَالزَّيْتِ (شَرِيكَانِ) فِي الثَّوْبِ وَصَبْغِهِ أَوْ السَّوِيقِ [وَزَيْتِهِ (بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا) ؛ لِاجْتِمَاعِ مِلْكَيْهِمَا، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ، فَيُبَاعُ ذَلِكَ، وَيُوَزَّعُ] الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ زَيْتًا، فَجَعَلَهُ صَابُونًا.
(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا كَغُلُوِّ قِيمَةِ صَبْغٍ فَقَطْ) دُونَ الثَّوْبِ؛ كَأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً وَبَقِيَتْ كَذَلِكَ، وَقِيمَةُ الصَّبْغِ خَمْسَةٌ فَصَارَ مَصْبُوغًا يُسَاوِي عِشْرِينَ بِسَبَبِ غُلُوِّ الصَّبْغِ (أَوْ) غُلُوِّ (ثَوْبٍ فَقَطْ) دُونَ الصَّبْغِ؛ فَالزِّيَادَةُ (لِصَاحِبِهِ) - أَيْ: الَّذِي غَلَا سِعْرُهُ مِنْ الثَّوْبِ أَوْ الصَّبْغِ - يَخْتَصُّ بِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا أَرْبَعَةً وَالْآخَرُ وَاحِدًا؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِالْعَمَلِ؛ فَهِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا عَمِلَهُ الْغَاصِبُ فِي الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ لِمَالِكِهَا حَيْثُ كَانَ أَثَرًا، وَزِيَادَةُ مَالِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ مَنْعُ رَبِّ الثَّوْبِ مِنْ بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ، فَصَبَغَهُ لَهُ بِحَالِهِ.
(فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا) - أَيْ:
مَالِكُ الثَّوْبِ أَوْ مَالِكُ الصَّبْغِ - (قَلْعَ الصَّبْغِ) مِنْ الثَّوْبِ؛ (لَمْ يَجِبْ) ؛ - أَيْ: لَمْ تَلْزَمْ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا لِمِلْكِ الْآخَرِ حَتَّى.
(وَلَوْ ضَمِنَ) طَالِبُ الْقَلْعِ (النَّقْصَ) لِهَلَاكِ الصَّبْغِ بِالْقَلْعِ، فَتَضِيعُ مَالِيَّتُهُ، وَهُوَ سَفَهٌ.
وَإِنْ بَذَلَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ قِيمَةَ مَالِهِ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ.
(وَلِمَالِكِ ثَوْبٍ بَيْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَهُوَ عَيْنٌ، وَصِبْغُهُ بَاقٍ لِلْغَاصِبِ.
(وَلَوْ أَبَى غَاصِبٌ) بَيْعَ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ؛ فَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَالِكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، (لَا عَكْسَهُ) ؛ أَيْ: لَوْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ، وَأَبَى الْمَالِكُ؛ لَمْ يُجْبَرْ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» . وَإِنْ بَذَلَ الْغَاصِبُ لِرَبِّ الثَّوْبِ قِيمَتَهُ لِيَمْلِكَهُ، أَوْ بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصَّبْغِ لِلْغَاصِبِ لِيَمْلِكَهُ؛ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ وَغَاصِبُ وَرَقٍ وَكَتَبَ فِيهِ) - أَيْ: فِي الْوَرِقِ - شَيْئًا (مُبَاحًا) مِنْ فِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِ؛ حُكْمُهُ (كَصِبْغٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَإِنْ كَتَبَ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْ الْوَرِقِ شَيْئًا (حَرَامًا) كَشَعْبَذَةٍ وَسِحْرٍ وَزَنْدَقَةٍ وَنَحْوِهَا؛ فَهُوَ (كَتَلَفٍ) - أَيْ: كَتَلَفِهِ بِفِعْلِهِ - يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ قَبُولُ صِبْغٍ) لِلْغَاصِبِ صَبَغَ بِهِ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ، (وَ) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (تَزْوِيقِ دَارِ) مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ؛ كَمَا لَوْ غَصَبَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، أَوْ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سُيُوفًا، أَوْ إبَرًا، أَوْ شَاةً ذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، وَزَادَتْ الْقِيمَةُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، (وُهِبَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ - الْعَيْنِ؛ فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ: وَلِمَالِكٍ إجْبَارُ غَاصِبٍ عَلَى رَدِّ مَا
أَمْكَنَ رَدُّهُ إلَى حَالَتِهِ؛ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ هُنَاكَ [عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ زِيَادَةٌ، وَهُنَا عَلَى حُصُولِهَا؛ فَلَا مُعَارَضَةَ] .
وَ (لَا) يَلْزَمُ الْمَالِكَ - إذَا غَصَبَ مِنْهُ خَشَبًا وَجَعَلَهُ بَابًا، ثُمَّ وَهَبَهُ الْمَسَامِيرَ - قَبُولُ هِبَةٍ (مَسَامِيرَ لِلْغَاصِبِ سَمَّرَ بِهَا) الْخَشَبَ (الْمَغْصُوبَ) ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ أَشْبَهَتْ الْغِرَاسَ؛ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ؛ لِلْمِنَّةِ.
(وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا، فَصَبَغَ) الْغَاصِبُ (بِهِ ثَوْبَهُ، أَوْ) غَصَبَ (زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ) الْغَاصِبُ (سَوِيقَهُ) ؛ فَرَبُّ الصِّبْغِ أَوْ الزَّيْتِ وَالْغَاصِبُ (شَرِيكَانِ) فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ أَوْ السَّوِيقِ الْمَلْتُوتِ (بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا) فِي ذَلِكَ، فَيُبَاعَانِ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْحَقَّيْنِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَصِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِحَقِّهِ (وَيَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (النَّقْصَ) إنْ وُجِدَ؛ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ زَادَ الْمَغْصُوبُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ؛ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا) مِنْ وَاحِدٍ (فَصَبَغَهُ بِهِ؛ رَدَّهُ) - أَيْ: الثَّوْبَ - مَصْبُوغًا؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، (وَرَدَّ أَرْشَ نَقْصِهِ) إنْ نَقَصَ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، (وَلَا شَيْءَ لَهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ - (إنْ زَادَ) بِعَمَلِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّبْغُ لِوَاحِدٍ وَالثَّوْبُ لِوَاحِدٍ؛ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا.
وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا؛ فَلَهُمَا.
وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا؛ فَلِرَبِّهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا؛ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ.
وَإِنْ نَقَصَ السِّعْرُ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ أَوْ الصِّبْغِ أَوْ لِنَقْصِ سِعْرِهِمَا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ، وَنَقْصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ؛ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ سَوِيقًا مِنْ وَاحِدٍ وَزَيْتًا مِنْ آخَرَ وَلَتَّهُ، أَوْ نَشًا وَعَسَلًا مِنْ اثْنَيْنِ وَعَقَدَهُ حَلْوَى.
(وَكَذَا إنْقَاءُ دَنَسِ ثَوْبٍ بِصَابُونٍ) مِنْ الْغَاصِبِ إنْ أَوْرَثَ نَقْصًا فِي الثَّوْبِ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ؛ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ زَادَ الثَّوْبُ بِالْإِنْقَاءِ؛ فَالزِّيَادَةُ لِلْمَالِكِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَمَلِهِ؛ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَلَوْ غَصَبَهُ) - أَيْ: الثَّوْبَ (نَجِسًا، وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ - (وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (نَحْوَ إنَاءٍ) كَأَمْتِعَةٍ مِنْ فُرُشٍ وَبُسُطٍ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(حَرُمَ تَطْهِيرُهُ) - أَيْ: الْمَغْصُوبِ مِنْ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ - (بِلَا إذْنٍ) صَرِيحٍ مِنْ رَبِّهِ؛ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ تَكْلِيفُ الْغَاصِبِ بِتَطْهِيرِهِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لَمْ تَحْصُلْ بِيَدِهِ، (وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ) الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ (عِنْدَهُ) - أَيْ: الْغَاصِبِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَطْهِيرُهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ؛ لِمَا سَبَقَ - (لَكِنْ يَلْزَمُ) الْغَاصِبَ - أَيْ: لِلْمَالِكِ إلْزَامُهُ - (بِتَطْهِيرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، وَلَوْ رَدَّ الثَّوْبَ نَجِسًا فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ تَطْهِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ.
[فَصْلٌ وَطْءَ غَاصِبٌ أَمَةً مَغْصُوبَةً]
(فَصْلٌ: وَيَجِبُ بِوَطْءِ غَاصِبٍ) أَمَةً مَغْصُوبَةً (عَالِمٍ تَحْرِيمَهُ) - أَيْ: تَحْرِيمَ الْوَطْءِ - (حَدٌّ) - أَيْ: حَدَّ الزِّنَا - لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَلَا شُبْهَةَ تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَكَذَا الْأَمَةُ يَلْزَمُهَا الْحَدُّ إنْ طَاوَعَتْ عَلَى الزِّنَا وَكَانَتْ مُكَلَّفَةً غَيْرَ جَاهِلَةٍ بِالتَّحْرِيمِ.
(وَ) يَجِبُ بِوَطْئِهِ (مَهْرُ أَمَةٍ) مِثْلِهَا بِكْرٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَإِلَّا فَثَيِّبًا، وَلَوْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا؛ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدَيْهَا، وَعَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا (أَرْشُ بَكَارَةٍ) أَزَالَهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهَا، فَلَا يَنْدَرِجُ فِي الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَهْرِ وَالْأَرْشِ يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا ثَيِّبًا وَجَبَ مَهْرُهَا، وَإِنْ افْتَضَّهَا بِأُصْبُعِهِ؛ وَجَبَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا اجْتَمَعَا، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَنَّ أَرْشَ بَكَارَةِ الْحُرَّةِ يَنْدَرِجُ فِي مَهْرِهَا.
(وَ) يَجِبُ بِوَطْئِهِ إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ أَرْش (نَقْصٍ بِوِلَادَةٍ) ؛ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ، وَلَوْ قَتَلَهَا غَاصِبٌ بِوَطْئِهِ، أَوْ مَاتَتْ بِغَيْرِهِ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
(وَتُضْمَنُ) لَوْ اسْتَرَدَّهَا الْمَالِكُ حَامِلًا، (فَمَاتَتْ بِنِفَاسٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ فِعْلِهِ؛ كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ، وَقَدْ جَرَحَهُ الْغَاصِبُ، فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْمَالِكِ، فَمَاتَ.
(وَالْوَلَدُ) مِنْ الْغَاصِبِ (مِلْكٌ لِرَبِّهَا) - أَيْ: لِرَبِّ الْأَمَةِ - لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا، وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ فِي النِّكَاحِ الْحَلَالِ فَهُنَا أَوْلَى، وَيَجِبُ رَدُّهُ مَعَهَا؛ كَسَائِرِ الزَّوَائِدِ، (وَيَضْمَنُهُ) الْغَاصِبُ (سَقْطًا) - أَيْ: مَوْلُودًا قَبْلَ تَمَامِهِ حَيًّا - (لَا) إذَا وُلِدَ (مَيِّتًا) ، وَلَوْ تَامًّا (بِلَا جِنَايَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِجِنَايَتِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَانِي مُطْلَقًا، سَوَاءٌ نَزَلَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا [بِعُشْرِ] (قِيمَةِ أُمِّهِ) ؛ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ تَامًّا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ جَانٍ وَغَاصِبٍ، (وَقَرَارُهُ) - أَيْ: الضَّمَانِ - (مَعَهَا) - أَيْ: الْجِنَايَةِ إنْ سَقَطَ بِهَا - (عَلَى الْجَانِي) ؛ لِوُجُودِ الْإِتْلَافِ مِنْهُ، (وَكَذَا وَلَدُ بَهِيمَةٍ) مَغْصُوبَةٍ فِي الضَّمَانِ، وَمَتَى وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْحَالَ؛ فَهُوَ مِلْكٌ لِرَبِّهَا، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ مِنْ الْغَاصِبِ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَضْمَنُ) الْغَاصِبُ جَنِينَ بَهِيمَةٍ وَلَدَتْهُ قَبْلَ رَدِّهَا (بِمَا نَقَصَ أُمَّهُ) ، فَتُقَوَّمُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا، ويُؤْخَذُ مِنْهُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ؛ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهَا غَيْرُهُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ".
: فَرْعٌ: ضَرَبَ الْبَهِيمَةَ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؛ ضَمِنَ نَقْصَ الْقِيمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَالْوَلَدُ) الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْأَمَةُ الْمَغْصُوبَةُ (مِنْ جَاهِلٍ) لِلْحُكْمِ وَلَوْ أَنَّهُ الْغَاصِبُ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ كَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا،
وَتَأْتِي بِهِ (مَعَ شُبْهَةٍ) مِنْ جَاهِلِ الْحَالِ؛ بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِأَمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ فِي نَحْوِ ظُلْمَةٍ، أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ، أَوْ تَزَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ؛ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (حُرٌّ) ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْلَافٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ، وَكَوْنُهُ حُرًّا لِاعْتِقَادِ الْوَاطِئِ الْإِبَاحَةَ، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ لِلْغَاصِبِ لِلشُّبْهَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ جَاهِلًا (وَيَفْدِي) - أَيْ: يَلْزَمُ الْوَاطِئَ فِدَاءُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ بِتَفْوِيتِ رِقِّهِ بِاعْتِقَادِهِ (بِانْفِصَالِهِ حَيًّا) ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ حَيْلُولَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيَكُونُ الْفِدَاءُ (بِقِيمَتِهِ) - أَيْ: الْوَلَدِ - نَصًّا؛ كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ (يَوْمَ وَضْعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ انْفَصَلَ الْمَحْكُومُ بِحُرِّيَّتِهِ مَيِّتًا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ؛ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ (كَانَ) انْفِصَالُهُ (بِجِنَايَةٍ) ؛ فَعَلَى [جَانٍ] الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْغَاصِبِ؛ فَعَلَيْهِ (غُرَّةٌ لِوَارِثِهِ) عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَأَنَّهُ وُلِدَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا، وَلَا يَرِثُ الْغَاصِبُ مِنْهَا شَيْئًا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَهُ.
(وَعَلَى غَاصِبٍ) لِلسَّيِّدِ (عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ) ، فَيَضْمَنُهُ لَهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ؛ فَعَلَى الْجَانِي الْغُرَّةُ يَرِثُهَا الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ أَبُو الْجَنِينِ دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ، وَعَلَى الْغَاصِبِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَمَتَى انْتَقَلَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ إلَى الْمَالِكِ، فَالْمُنْتَقِلَةُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ فِي كَوْنِ الْمَالِكِ يَمْلِكُ تَضْمِينَهُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ الْفَائِتَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ كَانَ غَاصِبًا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا؛ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . وَلِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ
صَارَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَلَكَ الْمَالِكُ تَضْمِينَهُ بِمَا يَمْلِكُ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ، لَكِنْ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مَا دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَيَسْتَقِرُّ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ عَلَى غَاصِبٍ.
إذَا تَقَرَّرَ مَا ذُكِرَ فَالْأَيْدِي الْمُرَتَّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ عَشَرَةٌ:
الْأُولَى: الْقَابِضَةُ تَمَلُّكًا بِعِوَضٍ مُسَمًّى، وَهِيَ يَدُ الْمُشْتَرِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ كَالْمُتَّهَبِ بِعِوَضٍ، فَمَنْ غَصَبَ أَمَةً بِكْرًا، وَاشْتَرَاهَا مِنْهُ آخَرُ، وَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ مَاتَتْ عِنْدَهُ، أَوْ غَصَبَ دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ عَبْدًا ذَا صَنْعَةٍ أَوْ بَهِيمَةً، فَاشْتَرَاهَا إنْسَانٌ وَاسْتَعْمَلَهَا إلَى أَنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ، وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِالْقِيمَةِ وَلَا بِأَرْشِ الْبَكَارَةِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ؛ لِبَذْلِهِ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ؛ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي تَبَعًا لِلْعَيْنِ.
(وَيَرْجِعُ مُتَمَلِّكُ غَصْبٍ) - أَيْ: مَغْصُوبٍ - (بِعِوَضٍ كَقَرْضٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ بِعِوَضٍ إذَا غَرِمَ) بِتَضْمِينِ الْمَالِكِ لَهُ (عَلَى غَاصِبٍ بِنَقْصِ وِلَادَةٍ وَمَنْفَعَةٍ فَائِتَةٍ بِإِبَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَمَرَضٍ (وَمَهْرٍ وَأُجْرَةِ نَفْعٍ وَثَمَرٍ وَكَسْبٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ) مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَوْجٍ زَوَّجَهَا إيَّاهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَرَارُهُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِذَا غَرِمَهُ الْمَالِكُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ شَيْئًا مِنْهُ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ حَيْثُ جَهِلَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ، فَإِنْ عَلِمَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ.
.
(وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرِمَ الْجَمِيعَ لِمَالِكٍ (عَلَى مُتَمَلِّكٍ) - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - (بِقِيمَةِ غَصْبٍ وَأَرْشِ بَكَارَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: يَدُ مُسْتَأْجِرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي إجَارَةٍ يَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ) غَرَّمَ الْمَالِكُ قِيمَةً الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) تَلِفَتْ بِيَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ،
وَجَهِلَ الْحَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهَا، بِخِلَافِ قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ فَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا، (وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرَّمَ الْمَالِكُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ عَلَيْهِ - أَيْ: عَلَى مُسْتَأْجِرٍ - (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ الْعَيْنَ أَوْ الْمَنْفَعَةَ مَعًا؛ رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ ضَمِنَهَا الْمُسْتَأْجِرُ؛ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ.
(وَيَسْتَرِدُّ مُتَمَلِّكٌ وَمُسْتَأْجِرٌ) مِنْ غَاصِبٍ إذَا (لَمْ يُقِرَّ بِالْمِلْكِ) لِلْغَاصِبِ (مَا دَفَعَاهُ لَهُ مِنْ الْمُسَمَّى) فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ ثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ، (وَلَوْ عَلِمَا) - أَيْ: المستملك وَالْمُسْتَأْجِرُ - (الْحَالَ) ؛ أَيْ: كَوْنَ الْعَيْنِ الْمُتَمَلَّكَةِ أَوْ الْمُؤَجَّرَةِ مَغْصُوبَةً؛ لِانْتِفَاءِ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ غَيْرُ مَالِكٍ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ، فَلَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَلَا الْأُجْرَةَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ الَّتِي ضُمِنَتْ لِلْمَالِكِ وَفْقَ الثَّمَنِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ، مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ هُنَا.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي " الْقَوَاعِدِ ": لَوْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِي الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ أَنَّ قَوْلَ الْمُدَّعِي: اشْتَرَيْته مِنْ زَيْدٍ، وَهُوَ مِلْكُهُ؛ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ إذَا انْتَزَعَهُ الْمُدَّعِي، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَ مَا يَأْتِي مَا إذَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ، فَيَرْجِعُ مَعَ الْجَهْلِ، لَا مَعَ الْعِلْمِ؛ فَلَا مُعَارَضَةَ إذَنْ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ بَقَاءِ كُلٍّ مِنْ الْكَلَامَيْنِ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ خُصُوصًا.
وَظَاهِرُ " الْإِقْنَاعِ " الرُّجُوعُ فِي الْكُلِّ، فَغَايَةُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَفْهُومَهُ هُنَا فِيهِ تَفْصِيلٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْطُوقُ مَا يَأْتِي، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الرُّجُوعَ فِيمَا إذَا جُهِلَ الْحَالُ سَوَاءٌ أَقَرَّ أَمْ لَا، أَوْ عَلِمَا الْحَالَ وَلَمْ يُقِرَّ، فَارْتَفَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ وَصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ عَالِمًا مُقِرًّا بِالْمِلْكِ.
" فَالْإِقْنَاعُ " عَلَى الرُّجُوعِ، وَالْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِهِ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ، وَلَوْ طَالَبَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ
بِالثَّمَنِ كُلِّهِ إذَا كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُتَّجِرِ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ: أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ.
الثَّالِثَةُ: يَدُ الْقَابِضِ تَمَلُّكًا بِلَا عِوَضٍ إمَّا لِلْعَيْنِ بِمَنَافِعِهَا كَيَدِ الْمُتَّهَبِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، وَإِمَّا لِلْمَنْفَعَةِ فَقَطْ كَالْمُوصَى لَهُ بِمَنَافِعِهَا.
الرَّابِعَةُ: يَدُ الْقَابِضِ لِمَصْلَحَةِ الدَّافِعِ فَقَطْ كَوَكِيلٍ وَمُودَعٍ عِنْدَهُ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ، وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَفِي تَمَلُّكٍ بِلَا عِوَضٍ) كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ بِعَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (وَعَقْدِ أَمَانَةٍ) كَوَكَالَةٍ الْوَدِيعَةٍ وَرَهْنٍ مَعَ جَهْلِ قَابِضٍ بِغَصْبٍ؛ (يَرْجِعُ مُتَمَلِّكٌ وَأَمِينٌ غَرِمَا) عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ) ؛ لِكَوْنِهِمَا مَغْرُورَيْنِ بِتَغْرِيرِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ضَمَانِ شَيْءٍ، فَكَانَ لَهُمَا الرُّجُوعُ بِمَا ضَمِنَاهُ.
وَلَا يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ وَالرَّهْنِ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْأَمِينَ فِي الرَّهْنِ إذَا بَاعَا وَقَبَضَا الثَّمَنَ، ثُمَّ بَانَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا؛ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُطَالِبُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي أَقْبَضَهُ لَهُمَا؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، أَمَّا كَوْنُ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعَيْنِ لَا يُطَالِبُ الْوَكِيلَ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ هُنَاكَ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ (وَلَا يَرْجِعُ غَاصِبٌ) غَرِمَ عَلَى مَنْ أَوْدَعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَنَحْوَهُمَا الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ (بِشَيْءٍ) مِنْ قِيمَةِ عَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ حَيْثُ جُهِلَ الْحَالُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَلَا) يَرْجِعُ غَاصِبُ أَمَةٍ مَلَكَهَا لِجَاهِلِ الْحَالِ (بِمَهْرٍ وَلَا بِأَرْشِ بَكَارَةٍ وَلَا بِنَقْصٍ) غَرِمَ ذَلِكَ لِمَالِكِهَا؛ لِتَعَدِّيهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمِنْ هُنَا) - أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي تَمَلُّكٍ بِلَا عِوَضٍ إلَى آخِرِهِ - (عُلِمَ أَنَّ الْوَكِيلَ) عَلَى الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ (وَالْمُرْتَهِنَ) لَهَا (وَالْأَمِينَ فِي الرَّهْنِ) ، وَهُوَ مَنْ جُعِلَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ (لِرَبِّ الْعَيْنِ) الْمَغْصُوبَةِ (الْمُسْتَحِقِّ لِلضَّمَانِ) - أَيْ: لِلتَّضْمِينِ - (مُطَالَبَتُهُمْ بِهَا) - أَيْ: الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ - لِأَنَّهُمْ كَالْغَاصِبِ، (وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطُوا) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِالْغَصْبِ - لَكِنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُمْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا اقْتَضَى ضَمَانَ عَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
فَعَقْدُ الْبَيْعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ حَتَّى لَوْ تَلِفَ فَاتَ مَجَّانًا، بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي تَبَعًا لِلْعَيْنِ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْعَيْنِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا أَعْطَى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ خَاصَّةً، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ وَالْعَيْنُ مَعَهُ أَمَانَةٌ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهَا؛ الْوَدِيعَةُ وَالْهِبَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ ضَمَانِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْعَارِيَّةُ تَقْتَضِي ضَمَانَ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَهَكَذَا تَقُولُ فِي كُلِّ عَقْدٍ بِحَسَبِهِ.
الْخَامِسَةُ: يَدُ الْمُسْتَعِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي عَارِيَّةٍ) مَعَ جَهْلِ مُسْتَعِيرٍ بِالْغَصْبِ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَهُ؛ (يَرْجِعُ مُسْتَعِيرٌ) ضَمَّنَهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهَا، وَإِنَّمَا ضَمِنَهَا بِتَغْرِيرِ الْغَاصِبِ، وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَيْنِ إنْ لَمْ تَتْلَفْ بِالِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي حَالٍ لَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ فِيهَا مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ بِأَنْ كَانَ مُنْقَطِعًا رَكِبَ دَابَّةً يَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا عَارِيَّةً، وَفِيهَا إذَا كَانَ مُسْتَعِيرُهَا مِنْ مُسْتَأْجِرٍ، وَكَذَا مِنْ مُوصٍ لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا، وَظَهَرَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ؛ فَلِمُسْتَعِيرٍ ضَمَّنَهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ.
وَيَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى مُسْتَعِيرٍ جَهِلَ الْغَاصِبَ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ فَقَطْ لِمَا؛ تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَرْجِعُ مُسْتَعِيرٌ بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ وَغَاصِبٌ بِقِيمَةِ عَيْنٍ (حَيْثُ ضُمِنَتْ) الْعَيْنُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْثِلَةِ آنِفًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَمَعَ عِلْمِهِ) - أَيْ: الْمُسْتَعِيرِ - بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ إذَا ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ ابْتِدَاءً قِيمَةِ الْعَيْنِ مَعَ الْمَنْفَعَةِ؛ (لَا يَرْجِع) عَلَى الْغَاصِبِ (بِشَيْءٍ) مِمَّا ضَمَّنَهُ لَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِقَبْضِهَا عَالِمًا بِالْحَالِ؛ فَلَا تَغْرِيرَ، وَلِوُجُودِ التَّلَفِ تَحْتَ يَدِهِ.
(وَيَرْجِعُ غَاصِبٌ) غَرِمَ ابْتِدَاءً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ لَمَالِكٍ (بِهِمَا) - أَيْ: بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ - عَلَى مُسْتَعِيرٍ عَالِمٍ بِالْحَالِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ: يَدُ الْغَاصِبِ، وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي غَصْبٍ يَرْجِعُ غَاصِبٌ أَوَّلٌ بِمَا غَرِمَ) لِمَالِكٍ مِنْ قِيمَةِ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ عَلَى غَاصِبٍ ثَانٍ؛ لِتَلَفِهِمَا تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، لَكِنْ إنْ لَمْ يُغْصَبْهَا الثَّانِي عَقِبَ الْأَوَّلِ لَمْ يُطَالِبْهُ الْأَوَّلُ إلَّا بِقِيمَةِ مَنْفَعَتِهَا زَمَنَ إقَامَتِهَا عِنْدَهُ.
(وَلَا يَرْجِعُ) غَاصِبٌ (ثَانٍ) إذَا غَرِمَ لِلْمَالِكِ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَمَنْفَعَتَهَا زَمَنَ إقَامَتِهَا عِنْدَهُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ - (بِشَيْءٍ) ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِيَدِهِ الْعَادِيَةِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، لَكِنْ لَا يُغَرِّمُهُ الْمَالِكُ الْمَنْفَعَةَ إلَّا مُدَّةَ إقَامَتِهَا عِنْدَهُ.
السَّابِعَةُ: يَدُ الْمُتَصَرِّفِ فِي الْمَالِ بِمَا يُنَمِّيهِ كَشَرِكَةٍ وَمُزَارَعَةٍ (وَفِي نَحْوِ مُضَارَبَةٍ وَمُسَاقَاةٍ يَرْجِع عَامِلٌ) مَثَلًا غَرِمَ عَلَى غَاصِبٍ (بِقِيمَةِ عَيْنٍ) تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى عَدَمِ ضَمَانِهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ أَيْضًا (بِأُجْرَةِ عَمَلٍ) ؛ لِتَغْرِيرِهِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالْمُزَارِعُ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَشَرِيكُ الْعَنَانِ فَقَدْ دَخَلُوا عَلَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِحَالٍ، فَإِذَا ضَمِنُوا عَلَى الْمَشْهُورِ؛ رَجَعُوا
بِمَا ضَمِنُوا إلَّا حِصَّتَهُمْ مِنْ الرِّبْحِ، فَلَا يَرْجِعُونَ بِضَمَانِهَا؛ لِدُخُولِهِمْ عَلَى ضَمَانِهَا عَلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ كَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُسَاقِي، وَالْمُزَارِعُ نَظِيرُهُ، وَأَمَّا الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ شَيْءٍ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: مَلَكُوا الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ حِصَّتَهُمْ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُمْ الِانْفِرَادُ بِالْقِسْمَةِ؛ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُمْ شَيْءٌ مَضْمُونٌ.
(وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) غَرِمَ لِمَالِكٍ عَلَى عَامِلٍ (بِمَا قَبَضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مِنْ رِبْحٍ) فِي مُضَارَبَةٍ، وَبِمَا قَبَضَ مِنْ (ثَمَرِ مُسَاقَاةٍ) وَمِنْ زَرْعٍ فِي مُزَارَعَةٍ، بِقِسْمَةِ الرِّبْحِ أَوْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ مَعَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِفَسَادِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَامِلِ مُطَالَبَةَ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي الْمَالِ أَوْ الشَّجَرِ، فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَالثَّمَرِ، وَكَذَا لَوْ فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ أَوْ الْمُسَاقَاةُ مِنْ الْمَالِكِ بِأَيِّ مُفْسِدٍ كَانَ.
الثَّامِنَةُ: يَدُ الْمُتَزَوِّجِ لِلْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا قَبَضَهَا مِنْ الْغَاصِبِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَوْلَدَهَا ثُمَّ مَاتَتْ عِنْدَهُ، وَذَكَرهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي نِكَاحٍ يَرْجِعُ زَوْجٌ) غَرَّمَ الْمَالِكُ (بِقِيمَتِهَا) وَأَرْشِ بَكَارَةٍ وَنَقْصِ وِلَادَةٍ (وَقِيمَةِ وَلَدٍ شُرِطَ حُرِّيَّتُهُ) فِي الْعَقْدِ عَلَى الْغَاصِبِ ظَانًّا أَنَّهَا مِلْكُهُ (أَوْ لَا) ؛ أَيْ: أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ حُرِّيَّتُهُ، (وَمَاتَ) الْوَلَدُ بِيَدِ الزَّوْجِ إذَا غَرَّمَهُ إيَّاهَا الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ عَدِمَ رِقَّهُ، لَكِنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، فَإِذَا غَرِمَ ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) عَلَى زَوْجٍ إنْ غَرِمَ (بِمَهْرِ مِثْلٍ) أَغْرَمَهُ إيَّاهُ الْمَالِكُ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ وَدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِ الْبُضْعِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الزَّوْجِ (بِأَرْشِ بَكَارَةٍ) غَرِمَهَا لِلْمَالِكِ حَيْثُ جَهِلَ الزَّوْجُ الْغَصْبَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُلْزِمَ بِهِ
الْغَاصِبُ فِيمَا تَقَدَّمَ، لِتَعَدِّيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ.
(وَيَرُدُّ) الْغَاصِبُ لِلزَّوْجِ (مَا أَخَذَ) مِنْهُ (مِنْ) مَهْرٍ (مُسَمًّى) ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ.
التَّاسِعُ: الْيَدُ الْقَابِضَةُ لِلْمَغْصُوبِ تَعْوِيضًا بِغَيْرِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَمَا بِمَعْنَاهُ، وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي إصْدَاقِ غَصْبٍ) ؛ أَيْ: وَفِيمَا إذَا تَزَوَّجَ الْغَاصِبُ امْرَأَةً عَلَى الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، وَقَبَضَتْهَا عَلَى أَنَّهَا صَدَاقُهَا، (وَنَحْوُ خُلْعٍ) كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْمَغْصُوبِ - كَمَا لَوْ سَأَلَ الْغَاصِبُ إنْسَانًا أَنْ يَخْلَعَ زَوْجَتَهُ، أَوْ يُطَلِّقَهَا، أَوْ يَعْتِقَ أَمَتَهُ، أَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ عَمْدٍ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ مُعَيَّنٍ (وَإِيفَاءُ دَيْنٍ بِهِ) ؛ كَمَا لَوْ كَانَ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَوْصُوفٌ دَيْنُ سَلَمٍ، فَغَصَبَ عَبْدًا بِالصِّفَةِ، وَدَفَعَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْمَالِكُ - وَقَدْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ بِيَدِ الْقَابِضِ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مِمَّا ذُكِرَ - فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِبَدَلِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ (يَرْجِعُ قَابِضٌ) غَرَّمَهُ مَالِكُ قِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ (بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ) وَمَهْرٍ وَنَقْصِ وِلَادَةٍ وَثَمَرٍ وَكَسْبٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ عَلَى غَاصِبٍ؛ لِتَغْرِيرِهِ إيَّاهُ، وَأَمَّا قِيَمُ الْأَعْيَانِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ.
قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ ضَمَانَهَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ.
(وَ) يَرْجِعُ (غَاصِبٌ) - إنْ غَرِمَ - (بِبَدَلِ عَيْنٍ) وَأَرْشِ بَكَارَةٍ عَلَى قَابِضٍ؛ لِمَا سَبَقَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَدَلُ وَفْقَ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ، (وَالدَّيْنُ) فِيمَا إذَا كَانَ الْقَبْضُ ثَابِتًا عَنْ وَفَاءٍ فِي الذِّمَّةِ؛ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَدَيْنِ السَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَالْأُجْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَقِيَمِ الْمُتْلِفَاتِ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ (بِحَالِهِ) ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ غَاصِبٌ أَقَبَضَ مَدِينَهُ عَيْنًا مَغْصُوبَةً وَفَاءً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَتَلِفَتْ وَأَغْرَمَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا عَلَى مَدِينِهِ بِبَدَلِهَا (حَيْثُ لَا مُقَاصَّةَ) ؛ أَيْ: لَا
مُسَاوَاةَ بَيْنَ مَا ثَبَتَ لِلْمَدِينِ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَبَيْنَ بَدَلِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ الثَّابِتِ لِلْغَاصِبِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا تَقَاصَّا، وَلَا رُجُوعَ لِلْغَاصِبِ بِالْبَدَلِ.
مِثَالُهُ لَوْ غَصَبَ زَيْدٌ عَبْدًا لِعَمْرٍو، وَكَانَ عَلَى زَيْدٍ لِبَكْرٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ مَثَلًا، فَدَفَعَ الْعَبْدَ وَفَاءً عَنْ دَرَاهِمِهِ، ثُمَّ تَلِفَ الْعَبْدُ، فَإِذَا رَجَعَ عَمْرٌو عَلَى زَيْدٍ بِقِيمَةِ عَبْدِهِ؛ فَلِزَيْدٍ الرُّجُوعُ عَلَى بَكْرٍ بِبَدَلِ الْعَبْدِ، وَلِبَكْرٍ الرُّجُوعُ عَلَى زَيْدٍ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ، فَيَتَقَاصَّانِ إنْ تَسَاوَى الْبَدَلُ وَالْمَنْفَعَةُ؛ بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فَيَسْقُطُ مِنْ الْأَكْثَرِ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِحَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
الْعَاشِرَةُ: يَدُ الْمُتْلِفِ لِلْمَغْصُوبِ نِيَابَةً عَنْ الْغَاصِبِ مَعَ جَهْلِهِ الْحَالَ كَالذَّبْحِ لِلْحَيَوَانِ وَالطَّابِخِ لَهُ، وَهَذَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ لَهُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لِلْغَاصِبِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي إتْلَافٍ وَلَوْ مُحَرَّمًا؛ كَقَتْلِ) الْعَبْدِ أَوْ إحْرَاقِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ الْحَاصِلِ مِنْ إنْسَانٍ جَاهِلٍ بِالْحَالِ (بِإِذْنِ غَاصِبٍ الْقَرَارُ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْغَاصِبِ - لِوُقُوعِ الْفِعْلِ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَصْحَابُ، وَإِنْ حَصَلَ الْإِتْلَافُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ؛ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْحَيَوَانَ الْمَغْصُوبَ بِإِذْنٍ مِنْ الْغَاصِبِ (مَعَ عِلْمِ مُتْلِفٍ) بِغَصْبٍ أَوْ عِلْمِ (مُنْتَقِلٍ إلَيْهِ) الْمَغْصُوبُ بِوَجْهٍ (فِيمَا مَرَّ) تَفْصِيلُهُ
مِنْ وُجُوهِ الِانْتِقَالِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الِانْتِقَالُ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ (الْغَاصِبِ) يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِتَعَدِّيهِ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ مِلْكُ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ) الْمَغْصُوبُ (فِي هَذِهِ الصُّوَرِ) الْعَشَرَةِ (هُوَ الْمَالِكُ) لَهُ مَعَ جَهْلِهِ أَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْغَاصِبِ؛ (لِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ - ضَمَانُهُ (لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا) - أَيْ: غَيْرَ الْمَالِكِ - (وَمَا سِوَاهُ) - أَيْ: سِوَى مَا يَسْتَقِرُّ ضَمَانُهُ عَلَى الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ الْغَاصِبُ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا - فَهُوَ (غَاصِبٌ) ، لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ، فَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا، ثُمَّ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ مَالِكُهُ، ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ؛ فَلَا طَلَبَ لَهُ عَلَى غَاصِبٍ بِقِيمَتِهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكُهُ، وَيُطَالِبُهُ بِقِيمَةِ مَنَافِعِهِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهَا.
[تَتِمَّةٌ حُرْمَةُ الْحَيَوَانِ]
تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي الْفُنُونِ فِي الْمُجَلَّدِ التَّاسِعِ عَشَرَ، مُحْتَجًّا عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْحَيَوَانِ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ: لَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ، فَقَتَلَهُ؛ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لِلَّهِ، وَأَثِمَ، وَلَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِ مَالِهِ سَقَطَ الضَّمَانُ وَالْمَأْتَمُ، وَلَا كَفَّارَةَ.
انْتَهَى.
فَلَوْ غَصَبَ إنْسَانٌ طَعَامًا، وَ (أَطْعَمَهُ) - أَيْ: الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ - (لِمَالِكِهِ) أَوْ أَجْنَبِيٍّ، (وَلَمْ يُعْلِمْهُ) الْغَاصِبُ، أَوْ أَطْعَمَهُ (لِنَحْوِ دَابَّتِهِ) - أَيْ: الْمَالِكِ - كَعَبْدِهِ؛ لَمْ يَبْرَأْ غَاصِبٌ (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) غَاصِبٌ لِآكِلٍ فَإِنَّهُ (طَعَامِي، أَوْ أَخَذَهُ) الْمَالِكُ مِنْ غَاصِبٍ (هِبَةً) أَوْ أَخَذَهُ (صَدَقَةً؛ لَمْ يَبْرَأْ) غَاصِبٌ، أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ؛ بِأَنْ كَانَ صَابُونًا، فَقَالَ: اغْسِلْ بِهِ، أَوْ شَمْعًا فَأَمَرَهُ بِوَقْدِهِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ، أَوْ اسْتَرْهَنَهُ مَالِكٌ أَوْ اسْتَوْدَعَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ غَاصِبٌ مَالِكًا عَلَى قِصَارَةِ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ خِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَالِكُهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ فِي هَذِهِ
الصُّوَرِ كُلِّهَا؛ لَمْ يَبْرَأْ غَاصِبٌ.
أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَبْرَأ بِالطَّعَامِ وَالْإِبَاحَةِ؛ فَلِأَنَّهُ بِغَصْبِهِ مَنَعَ يَدَ مَالِكِهِ وَسُلْطَانِهِ عَنْهُ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِذَلِكَ سُلْطَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْغَاصِبُ، وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ؛ فَلِأَنَّهُ تُحْمَلُ مِنَّتُهُ، وَرُبَّمَا كَافَأَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ وَمَا بَعْدَهَا؛ فَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ؛ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِذَلِكَ سُلْطَانُهُ، وَهُوَ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِكُلِّ مَا أَرَادَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا أَنَّهُ مَلَكَهُ وَأَكَلَهُ بِإِطْعَامِ الْغَاصِبِ لَهُ، أَوْ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَكَلَهُ عَبْدُهُ أَوْ دَابَّتُهُ بِيَدِهِ - وَلَوْ بِلَا إذْنِهِ - بَرِئَ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ أَتْلَفَ مَالَهُ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ إذَا أَكَلَ مَا عَلِمَ بِقَبْضِهِ؛ بَرِئَ الْغَاصِبُ، وَلَزِمَ الْأَجْنَبِيَّ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي بَحْثِ الْيَدِ الْأُولَى مِنْ الْأَيْدِي الْعَشَرَةِ، وَيَرْجِعُ مُتَمَلِّكٌ غُصِبَ بِعِوَضٍ كَقَرْضٍ وَشِرَاءٍ إلَى آخِرِهِ عَلَى غَاصِبٍ، وَغَاصِبٌ عَلَى مُتَمَلِّكٍ بِقِيمَةِ غَصْبٍ وَأَرْشِ بَكَارَةٍ؛ أَيْ: لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى ضَمَانِ ذَلِكَ (بَرَاءَةُ غَاصِبٍ بِدَفْعِهِ) الْمَغْصُوبَ (لِمَالِكِهِ) بِعَقْدِ (قَرْضٍ أَوْ) عَقْدِ (شِرَاءٍ أَوْ تَلَفٍ) عِنْدَ مَالِكِهِ، (وَلَمْ يَعْلَمْ) بِهِ الْمَالِكُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ تَسَلَّمَهُ تَسَلُّمًا تَامًّا، فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالُوا: لَا شَيْءَ لِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ بَاعَهُ مِنْهُ بَرِيءَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَبِيعِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.