مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 656-695
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 656-695
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]

ِ وَهُوَ لُغَةً الِاعْتِرَافُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَقَرِّ، وَهُوَ الْمَكَانُ، كَأَنَّ الْمُقِرَّ جَعَلَ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْحَقِّ عَلَى وَجْهٍ مَنْفِيَّةٌ مِنْهُ التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا يَضُرُّهَا، وَلِهَذَا قُدِّمَ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ فَلَا تُسْمَعُ مَعَ إقْرَارِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَكْذَبَ مُدَّعٍ بَيِّنَتَهُ لَمْ تُسْمَعْ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُمَّ أَقَرَّ، سُمِعَ إقْرَارُهُ.
(وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْإِقْرَارُ شَرْعًا (إظْهَارُ مُكَلَّفٍ) لَا صَغِيرٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ وَمَجْنُونٍ؛ لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ كَفِعْلِهِ (مُخْتَارٍ) لِمَفْهُومِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَكَالْبَيْعِ (مَا) ؛ أَيْ: حَقًّا (عَلَيْهِ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُقِرُّ (سَفِيهًا وَيَتْبَعُ فِيهِ بَعْدَ رُشْدِهِ بِلَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةِ أَخْرَسَ مَعْلُومَةٍ، أَوْ) إظْهَارِ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ مَا (عَلَى مُوَكِّلِهِ) فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ (مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ وَقَبْضٍ، أَوْ مَا عَلَى مُوَلِّيه) مِمَّا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ كَإِقْرَارِهِ بَيْعَ عَيْنِ مَالِهِ وَنَحْوِهِ، لَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ؛ أَوْ مَا عَلَى (مُورِثِهِ بِمَا) ؛ أَيْ شَيْءٍ (يُمْكِنُ صِدْقُهُ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَسِنُّهُ عِشْرُونَ سَنَةً فَمَا دُونَهَا.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ (بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُقِرِّ (وَوِلَايَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " يَعْنِي أَوْ وِلَايَتِهِ أَوْ اخْتِصَاصِهِ أَوْ كَوْنِ مُقِرٍّ (وَكِيلًا) فِي مُقَرٍّ بِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ

أَجْنَبِيٌّ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ وَقَفَ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ أَوْ اخْتِصَاصِهِ؛ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي وِلَايَتِهِ أَوْ اخْتِصَاصِهِ؛ كَأَنْ يُقِرَّ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَنَحْوِهِ أَوْ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَنَّهُ أَجَّرَ عَقَارَهُ وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ ذَلِكَ؛ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، لَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَنْ يَكُونَ (مَعْلُومًا) فَيَصِحُّ بِالْمُجْمَلِ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ، وَيَأْتِي وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ بِإِنْشَاءٍ بَلْ إخْبَارٌ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (فَيَصِحُّ) الْإِقْرَارُ (وَلَوْ مَعَ إضَافَةِ الْمُقِرِّ الْمِلْكَ) إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: عَبْدِي هَذَا أَوْ دَارِي لِزَيْدٍ؛ إذْ الْإِضَافَةُ تَكُونُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ؛ فَلَا تُنَافِي الْإِقْرَارَ بِهِ.

وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ كَقَوْلِ مُقِرٍّ (دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتَّجِهُ لَكِنْ) إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ (مَعَ إضَافَةِ مِلْكٍ) لِمُقَرٍّ لَهُ كَقَوْلِ مُقِرٍّ: دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ مِلْكٌ لِعَمْرٍو، وَلَوْ (مِنْ سَكْرَانَ) وَكَذَا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ كَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ عَمْدًا بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ كَطَلَاقِهِ وَبَيْعِهِ (أَوْ مِنْ صَغِيرٍ مُمَيِّزٍ أَوْ قِنٍّ أُذِنَ لَهُمَا فِي تِجَارَةٍ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ) مِنْ الْمَالِ لِفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُمَا فِيهِ.

(وَلَا) يَصِحُّ الْإِقْرَارُ (مِنْ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ) لِلْخَبَرِ.
وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ (بِإِشَارَةِ مُعْتَقِلٍ لِسَانُهُ) لِأَنَّهُ كَالنَّاطِقِ، لِكَوْنِهِ يُرْتَجَى نُطْقُهُ.

(وَتُقْبَلُ) مِنْ مُقِرٍّ وَنَحْوِهِ (دَعْوَى إكْرَاهٍ) عَلَى إقْرَارٍ (بِقَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى إكْرَاهٍ (كَتَهْدِيدِ قَادِرٍ) عَلَى مَا هَدَّدَ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ (وَتَرْسِيمٍ) عَلَيْهِ وَسَجْنِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " النُّكَتِ " وَعَلَى هَذَا

تَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكَتْبُ حُجَّةٍ عَلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَمَارَةِ الْإِكْرَاهِ اسْتَفَادَ بِهَا أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ.

(وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ إكْرَاهٍ عَلَى بَيِّنَةِ طَوَاعِيَةٍ) لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِكْرَاهِ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ (وَلَوْ قَالَ مُقِرٌّ؛ أَيْ: مُقِرٌّ ظَاهِرُهُ الْإِكْرَاهُ بِقَرِينَةٍ) بِمُقْتَضَى تَرْسِيمٍ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (عَلِمْت أَنِّي لَوْ لَمْ أُقِرَّ أَيْضًا أَطْلَقُونِي، فَلَمْ أَكُنْ مُكْرَهًا؛ لَمْ يَصِحَّ) مِنْ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْهُ؛ فَلَا يُعَارِضُ يَقِينَ الْإِكْرَاهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " فِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ طَوْعًا.
وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ فِيمَنْ تَقَدَّمَ إلَى سُلْطَانٍ، فَهَدَّدَهُ، فَيُدْهَشُ، فَيُقِرُّ؛ يُؤْخَذُ بِهِ، فَيَرْجِعُ وَيَقُولُ: هَدَّدَنِي وَدُهِشْت يُؤْخَذُ وَمَا عِلْمُهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْجَزَعِ وَالْفَزَعِ.

(وَمَنْ أُكْرِهَ لِيُقِرَّ بِدِرْهَمٍ فَأَقَرَّ بِدِينَارٍ، أَوْ أُكْرِهَ لِيُقِرَّ لِزَيْدٍ فَأَقَرَّ لِعَمْرٍو) أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِدَارٍ، فَأَقَرَّ بِدَابَّةٍ وَنَحْوِهَا حَيْثُ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ؛ صَحَّ قَرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، أَوْ أُكْرِهَ (عَلَى وَزْنِ مَالٍ) بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ (فَبَاعَ نَحْوَ دَارِهِ فِي ذَلِكَ) الْمَالِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِهِ (صَحَّ) الْبَيْعُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ (وَكُرِهَ الشِّرَاءُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِمَّنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ إلَيْهِ، وَلِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ.

(وَيَصِحُّ إقْرَارُ صَبِيٍّ أَنَّهُ بَلَغَ بِاحْتِلَامٍ وَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ يَعْنِي تَمَّتْ لَهُ، وَمِثْلُهُ جَارِيَةٌ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ؛ صُدِّقَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ إذْ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
(وَلَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ إنَّهُ بَلَغَ (بِسِنٍّ) ؛ أَيْ: تَمَّ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عِلْمُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ جُهِلَ بُلُوغُهُ حَالَ إقْرَارِهِ (بِمَالٍ، أَوْ عَقَدَ عَقْدًا، وَقَالَ بَعْدَ تَحَقُّقِ بُلُوغِهِ: لَمْ أَكُنْ حِينَ إقْرَارِي) أَوْ حِينَ (عَقْدِي بَالِغًا؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ عَقَدَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ (وَأَمَّا قَبْلَ التَّحَقُّقِ) ؛ أَيْ: قَبْلَ تَحَقُّقِ بُلُوغِهِ (فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا حِينَ الْإِقْرَارِ أَوْ الْعَقْدِ (بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّ بُلُوغَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْأَصْلُ الصِّغَرُ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا لَوْ أَمَّ) صَبِيٌّ بِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَكُنْ بَالِغًا حِين أَمَمْت، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ بُلُوغِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَقَبْلَ التَّحَقُّقِ يُقْبَلْ، وَيُعِيدُ الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) (فِيمَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ، فَادَّعَى الْبُلُوغَ لَا يُقْبَلُ) قَوْلُهُ (لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ بِبُلُوغٍ) بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بَعْدَ أَنْ ارْتَجَعَهَا.
قَالَ: وَهَذَا يَجِيءُ فِي كُلِّ مَنْ أَقَرَّ بِالْبُلُوغِ بَعْدَ حَقٍّ؛ ثَبَتَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ مِثْلُ الْإِسْلَامِ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ تَبَعًا لِأَبِيهِ، أَوْ ادَّعَى الْبُلُوغَ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَلِيِّ وَكَانَ رَشِيدًا أَوْ بَعْدَ تَزْوِيجِ وَلِيٍّ أَبْعَدَ مِنْهُ.

(وَمَنْ) بَاعَ أَوْ أَقَرَّ وَنَحْوَهُ (ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أُنْبِتَ بِعِلَاجٍ أَوْ دَوَاءٍ لَا بِبُلُوغٍ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ، وَحُكِمَ بِبُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه (أَوْ ادَّعَى جُنُونًا) حَالَ إقْرَارِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ طَلَاقِهِ وَنَحْوِهِ لِإِبْطَالِ مَا وَقَعَ مِنْهُ (لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".

(وَالْمَرِيضُ وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِوَارِثٍ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ صُورَةِ الْإِقْرَارِ بِوَارِثٍ هَلْ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا وَارِثِي وَلَا يَذْكُرُ سَبَبَ إرْثِهِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَخِي أَوْ عَمِّي أَوْ ابْنِي أَوْ مَوْلَايَ، فَيَذْكُرُ سَبَبَ الْإِرْثِ، وَحِينَئِذٍ إذَا كَانَ سَبَبًا؛ اُعْتُبِرَ سَبَبُ الْإِمْكَانِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَنْ لَا يَدْفَعُ نَسَبًا مَعْرُوفًا انْتَهَى.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزَجِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ أَنَّهُ وَارِثُهُ بِلَا بَيَانِ سَبَبٍ لِأَنَّ أَدْنَى

حَالَاتِهِ إرْثُهُ بِالرَّحِمِ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى أَصْلِنَا، فَالْإِقْرَارُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ.
وَيَصِحُّ إقْرَارُ مَرِيضٍ وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ بِأَخْذِ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِ وَارِثِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّهِ، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ (بِمَالٍ لَهُ) ؛ أَيْ: لِغَيْرِ وَارِثِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ بِمَا يُرَادُ مِنْهُ؛ وَتَحَرِّي الصِّدْقِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِوَارِثٍ فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ.
(وَلَا يُحَاصُّ مُقِرٌّ لَهُ) فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ) ؛ أَيْ: مَنْ أَقَرَّ لَهُمْ حَالَ صِحَّتِهِ، بَلْ يَبْدَأُ بِهِمْ، سَوَاءٌ أُخْبِرَ بِلُزُومِهِ لَهُ قَبْلَ الْمَرَضِ أَوْ بَعْدَهُ، لِإِقْرَارِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ كَإِقْرَارِ مُفْلِسٍ بِدَيْنٍ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ (لَكِنْ لَوْ أَقَرَّ) مَرِيضٌ (فِي مَرَضِهِ) لِأَجْنَبِيٍّ (بِعَيْنٍ ثُمَّ بِدَيْنٍ أَوْ عَكْسِهِ) بِأَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ بِعَيْنٍ (فَرَبُّ الْعَيْنِ أَحَقُّ) بِهَا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَالْإِقْرَارَ بِالْعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِذَاتِهَا؛ فَتَعَلُّقُهُ بِالذَّاتِ أَقْوَى، وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ بَيْعَ الْعَيْنِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَمُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّ الْمُقِرِّ لَهُ بِهَا.

[الْإِقْرَارُ بِمَا يَدْفَعُ الظُّلْمَ وَيَحْفَظُ الْمَالَ]

فَرْعٌ: إذَا خَافَ أَنْ يُؤْخَذَ مَالُهُ ظُلْمًا أَوْ الْمَالُ الَّذِي بِيَدِهِ لِلنَّاسِ إمَّا بِحُجَّةِ أَنَّهُ مَيِّتٌ لَا وَارِثَ لَهُ أَوْ أَنَّهُ مَالُ غَائِبٍ أَوْ بِلَا حُجَّةٍ أَصْلًا؛ جَازَ لَهُ الْإِقْرَارُ بِمَا يَدْفَعُ هَذَا الظُّلْمَ، وَيَحْفَظُ الْمَالَ لِصَاحِبِهِ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِحَاضِرٍ أَنَّهُ ابْنُهُ، أَوْ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا، أَوْ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي بِيَدِهِ لِفُلَانٍ، وَيَتَأَوَّلُ فِي إقْرَارِهِ بِأَنْ يَعْنِي بِكَوْنِهِ ابْنَهُ صِغَرَهُ، أَوْ بِقَوْلِهِ أَخِي أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ بِقَوْلِهِ الَّذِي بِيَدِهِ لَهُ؛ أَيْ: لَهُ وِلَايَةُ قَبْضِهِ؛ لِكَوْنِي قَدْ وَكَّلْته فِي إيصَالِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ وَنَحْوِهِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ أَمِينًا، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ تَلْجِئَةٌ تَفْسِيرُهُ كَذَا وَكَذَا.
قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " مُلَخَّصًا.

(وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، أَوْ وَهَبَهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ؛ نَفَذَ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِلْعَبْدِ، وَلَمْ يُنْقَضَا بِإِقْرَارِهِ) بَعْدَ ذَلِكَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُنْجَزٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَالٍ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا؛ فَلَا يَنْقُضُهُ مَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ، ثُمَّ حُجِرَ

عَلَيْهِ لَفَلْسٍ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ؛ فَلَمْ يَنْقُضْ الدَّيْنُ عِتْقَهُ وَهِبَتَهُ كَالصَّحِيحِ.

(وَإِنَّ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ (بِمَالٍ لِوَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ بِهِ (بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ إجَازَةِ) بَاقِي الْوَرَثَةِ كَالْعَطِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ؛ لَكِنْ يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ إنْ كَانَ حَقًّا، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ (فَلَوْ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ (لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا؛ لَزِمَهُ) نَصًّا (بِالزَّوْجِيَّةِ) ؛ أَيْ: بِمُقْتَضَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ؛ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَهْرِ وَوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، فَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُوفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ فَأَخْبَرَ بِبَقَائِهِ بِذِمَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ (بِإِقْرَارِهِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ رَجَعَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ، أَوْ يُجِيزُوا لَهَا (وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لَهَا) ؛ أَيْ: لِزَوْجَتِهِ (بِدَيْنٍ، ثُمَّ أَبَانَهَا) ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ لَهَا بِغَيْرِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُبِنْهَا، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْإِقْرَارِ، وَهِيَ وَارِثَةٌ حِينَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ.

' (وَإِنْ أَقَرَّتْ زَوْجَتُهُ الْمَرِيضَةُ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ (أَنَّهَا لَا مَهْرَ لَهَا) عَلَى زَوْجِهَا (لَمْ يَصِحَّ) إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءُ الْوَارِثِ فِي الْمَرَضِ؛ فَلِوَرَثَتِهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَهْرٍ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَخْذِهِ) ؛ أَيْ: الْمَهْرَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، أَوْ يُقِيمَ بَيِّنَةً (بِإِسْقَاطِهِ) بِنَحْوِ حَوَالَةٍ وَكَذَا بِإِبْرَاءٍ فِي غَيْرِ مَرَضِ مَوْتِهَا الْمَخُوفِ (وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ دَيْنٍ ثَابِتٍ عَلَى وَارِثٍ) إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِبَرَاءَتِهِ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَدِينُ بَيِّنَةً بِأَخْذِهِ أَوْ إسْقَاطِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ صَحَّ) إقْرَارُهُ (لِلْأَجْنَبِيِّ) بِحِصَّتِهِ دُونَ الْوَارِثِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِلَفْظَيْنِ، أَوْ كَمَا لَوْ جَحَدَ الْأَجْنَبِيُّ شَرِكَةَ الْوَارِثِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَعْتَبِرْ لَهُ الْعَدَالَةُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ؛ قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ، لَا فِيمَا

لَهُ، كَإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ خَلَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفٍ فَتَبِينُ مِنْهُ؛ وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ (وَالِاعْتِبَارُ) بِكَوْنِ الْمُقَرِّ لَهُ وَارِثًا أَوْ لَا (بِحَالَةِ إقْرَارِهِ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ؛ فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ وُجُودِهِ كَالشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَالْعَطِيَّةِ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِمَا بِوَقْتِ الْمَوْتِ، وَتَقَدَّمَ.

(فَلَوْ أَقَرَّ بِمَالِ الْوَارِثِ) حَالَ إقْرَارِهِ (وَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ) كَمَنْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ، فَحَدَثَ لَهُ ابْنٌ، أَوْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ (لَمْ يَلْزَمْ) إقْرَارُهُ لِأَخِيهِ؛ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ حِينَ وُجُودِهِ؛ فَلَا يَنْقَلِبُ لَازِمًا.

(وَإِنَّ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ (لِغَيْرِ وَارِثٍ) كَأَخِيهِ مَعَ ابْنِهِ (لَزِمَ إقْرَارُهُ، وَلَوْ صَارَ) الْمُقِرُّ لَهُ وَارِثًا بِأَنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ الْمُقِرِّ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لِأَخٍ كَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ مُقِرٍّ؛ لِوُجُودِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا مِنْ التُّهْمَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا؛ وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَصِحُّ إقْرَارُ مَرِيضٍ بِإِحْبَالِ أَمَتِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ قِنٌّ وَلَوْ آبِقًا بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ أَوْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ]

فَصْلٌ (وَإِنْ أَقَرَّ قِنٌّ وَلَوْ آبِقًا) حَالَ إقْرَارِهِ (بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ أَوْ طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ) كَمُوجِبِ تَعْزِيرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ؛ صَحَّ إقْرَارُهُ (وَأُخِذَ) الْقِنُّ بِهِ فِي الْحَالِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ بَدَنِهِ، وَهُوَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا أَخْذَ الْمَالِ، وَلِحَدِيثِ «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَمَنْ مَلَكَ إنْشَاءَ شَيْءٍ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ (مَا لَمْ يَكُنْ الْقَوَدُ فِي نَفْسٍ) وَيُكَذِّبُهُ سَيِّدُهُ؛ فَيُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقٍ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ

أَقَرَّ بِرَقَبَتِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا، وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ سَيِّدِهِ؛ أَشْبَهَ إقْرَارَهُ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ لِإِنْسَانٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ، وَيَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ؛ فَيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ (فَطَلَبُ جَوَابِ دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ (إذْنٌ مِنْهُ؛ أَيْ: الْقِنِّ وَمِنْ سَيِّدِهِ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ سَيِّدِهِ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ (عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَا يُوجِبُ مَالًا فَقَطْ) كَالْعُقُوبَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِ نَفْسِ الْمُقِرِّ؛ أَشْبَهَ إقْرَارَ غَيْرِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ إقْرَارِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ مَالًا؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِ السَّيِّدِ؛ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ.
وَفِي " الْكَافِي " إنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَوَدٍ عَلَى الْعَبْدِ؛ وَجَبَ الْمَالُ، وَيَفْدِي السَّيِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ قِنٌّ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ بِمَالٍ أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ) ؛ أَيْ: الْمَالَ كَجِنَايَةٍ خَطَأً وَإِتْلَافِ مَالٍ وَعَارِيَّةٍ وَقَرْضٍ، أَوْ أَقَرَّ قِنٌّ (مَأْذُونٌ لَهُ فِي تِجَارَةٍ بِمَا يَتَعَلَّقُ فِي التِّجَارَةِ) ؛ (فَكَإِقْرَارِ سَفِيهٍ) لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ (وَإِنَّمَا يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ) نَصَّا عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَالْمُفْلِسِ (قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي عَبْدٍ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ) فِي يَدِهِ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ وَالرَّجُلُ يَدَّعِي ذَلِكَ (فَكَذَّبَهُ سَيِّدُهُ، فَالدَّرَاهِمُ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّ الْمَالَ حَقُّ السَّيِّدِ فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ (وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ) فِي الْحَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ سَرَقَ (وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ) الْمَالِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ (بَعْدَ الْعِتْقِ) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ (وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِرِقِّهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؛ قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ.
(وَمَا صَحَّ إقْرَارُ قِنٍّ بِهِ) كَحَدٍّ وَقَوَدٍ وَطَلَاقٍ (فَهُوَ الْخَصْمُ فِيهِ) دُونَ سَيِّدِهِ؛ وَإِلَّا يَصِحُّ إقْرَارُ قِنٍّ بِهِ كَاَلَّذِي يُوجِبُ مَالًا (فَسَيِّدُهُ) الْخَصْمُ فِيهِ، وَالْقَوَدُ فِي نَفْسٍ هُمَا خَصْمَانِ فِيهِ مَعًا كَمَا سَبَقَ.
(وَلَا يَحْلِفُ قِنٌّ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ مَالًا.

(وَإِنْ أَقَرَّ مُكَاتَبٌ بِجِنَايَةٍ) ؛ أَيْ: بِأَنَّهُ جَنَى (تَعَلَّقَتْ) الْجِنَايَةُ؛ أَيْ: أَرْشُهَا (بِذِمَّتِهِ وَرَقَبَتِهِ) جَمِيعًا، فَإِنْ عَتَقَ أُتْبِعَ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ (وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (عَلَيْهِ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِأَنَّهُ جَنَى؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ لِسَيِّدِهِ) لَمْ يَصِحَّ (أَوْ أَقَرَّ سَيِّدُهُ لَهُ بِمَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُقِرُّ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ أَقَرَّ) سَيِّدُ قِنٍّ (أَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِأَلْفٍ؛ عَتَقَ) الْقِنُّ لِإِقْرَارِ سَيِّدِهِ بِمَا يُوجِبُهُ (ثُمَّ إنْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدُ قِنَّهُ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِأَلْفٍ (لَزِمَهُ) الْأَلْفُ مُؤَاخَذَةً لَهُ (بِتَصْدِيقِهِ) وَإِلَّا يُصَدِّقْهُ الْقِنُّ (حُلِّفَ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ (وَالْإِقْرَارُ بِشَيْءٍ لِقِنِّ غَيْرِهِ إقْرَارٌ بِهِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ الْجِهَةُ الَّتِي يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهَا؛ فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْمَالِ لَهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ؛ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ.

(وَالْإِقْرَارُ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ طَرِيقٍ وَنَحْوِهَا) كَثَغْرٍ وَقَنْطَرَةٍ (يَصِحُّ وَلَوْ أَطْلَقَ) الْمُقِرُّ فَلَمْ يُعَيِّنْ سَبَبًا كَغَلَّةِ وَقْفٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِمَّنْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَ السَّبَبَ وَيَكُونُ لِمَصَالِحِهَا.

(وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِدَارِ إلَّا مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ) كَغَصْبٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تَجْرِي عَلَيْهَا صَدَقَةٌ غَالِبًا، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَسْجِدِ (وَلَا) يَصِحُّ إقْرَارُهُ (لِبَهِيمَةٍ) إلَّا إنْ قَالَ عَلَيَّ كَذَا بِسَبَبِهَا " زَادَ فِي " الْمُغْنِي " لِمَالِكِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ مُقِرٌّ (لِمَالِكِهَا) ؛ أَيْ: الْبَهِيمَةِ (عَلَيَّ كَذَا بِسَبَبِ جِنَايَتِي عَلَى حَمْلِهَا) وَهِيَ حَامِلٌ، فَانْفَصَلَ حَمْلُهَا (مَيِّتًا، وَادَّعَى) مَالِكُهَا (أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْحَمْلَ الْمُنْفَصِلَ مَيِّتًا (بِسَبَبِهِ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ بِهِ (صَحَّ) إقْرَارُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَإِلَّا يَنْفَصِلُ حَمْلُهَا مَيِّتًا، أَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، أَوْ انْفَصَلَ مَيِّتًا، وَلَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ بِسَبَبِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهِ.

(وَيَصِحُّ) الْإِقْرَارُ (لِحَمْلِ) آدَمِيَّةٍ بِمَالٍ وَإِنْ لَمْ يَعْزُهُ إلَى سَبَبٍ؛ لِجَوَازِ مِلْكِهِ إيَّاهُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ كَالطِّفْلِ (فَإِنْ وُضِعَ) الْحَمْلُ (مَيِّتًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ) فِي بَطْنِهَا (حَمْلٌ) (بَطَلَ) إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ) الْمُقَرُّ لِحَمْلِهَا (حَيًّا وَمَيِّتًا) فَالْمُقَرُّ بِهِ جَمِيعُهُ (لِلْحَيِّ) بِلَا نِزَاعٍ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ فِي الْمَيِّتِ، وَإِنْ وَلَدَتْ جَنِينَيْنِ فَالْمُقَرُّ بِهِ لَهُمَا (سَوِيَّةً وَلَوْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى) كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ؛ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ (مَا لَمْ يَعْزُهُ) ؛ أَيْ: الْإِقْرَارَ (إلَى سَبَبٍ يُوجِبُ تَفَاضُلًا كَإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ يَقْتَضِيَانِهِ) ؛ أَيْ: التَّفَاضُلَ (فَيَعْمَلُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِمُقْتَضَى السَّبَبِ الَّذِي عَزَاهُ إلَيْهِ مِنْ التَّفَاضُلِ؛ (لِاسْتِنَادِهِ) فِي الْإِقْرَارِ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ (وَ) إنْ قَالَ مُكَلَّفٌ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْحَمْلِ (عَلَيَّ أَلْفٌ جَعَلْتُهَا لَهُ أَوْ وَهَبْتهَا لَهُ) أَوْ تَصَدَّقْت بِهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْدَدْتهَا لَهُ؛ فَهُوَ (وَعْدٌ) لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ؛ وَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ (وَلَوْ قَالَ: لِلْحَمْلِ عَلَيَّ أَلْفٌ أَقْرَضَنِيهِ؛ يَلْزَمُهُ) الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْحَمْلِ عَلَيَّ أَلْفٌ إقْرَارٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ بِمَا يُغَيِّرُهُ؛ فَلَا يُبْطِلُهُ كَقَوْلِهِ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ (إنْ قَالَ أَقْرَضَنِي) الْحَمْلُ أَلْفًا؛ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَرْضٌ.

(وَمَنْ أَقَرَّ لِمُكَلَّفٍ بِمَالٍ فِي يَدِهِ وَلَوْ بِرِقِّ نَفْسِهِ) مَعَ جَهْلِ نَسَبِهِ (أَوْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ قِنًّا، وَكَذَّبَهُ مُقَرٌّ لَهُ فِي إقْرَارِهِ؛ بَطَلَ) إقْرَارُهُ بِتَكْذِيبِهِ (وَيَقَرُّ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ مُقِرٍّ) لِأَنَّهُ مَالٌ بِيَدِهِ لَا يَدَّعِيه غَيْرُهُ؛ أَشْبَهَ اللُّقَطَةَ، وَكَذَا يَبْقَى مَنْ أَقَرَّ بِرِقِّ نَفْسِهِ وَكَذَّبَ بِهِ مُقَرٌّ لَهُ بِيَدِ نَفْسِهِ.
(وَلَا يُقْبَلُ عَوْدُ مُقَرٍّ لَهُ إلَى دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ؛ بِأَنْ رَجَعَ بِهِ، فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ عَادَ الْمُقِرُّ فَادَّعَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُقَرَّ بِهِ (لِنَفْسِهِ أَوْ) ادَّعَاهُ (لِثَالِثٍ؛ قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ - وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ - وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَ دَعْوَى الْمُقَرِّ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِثَالِثٍ عَوْدُ الْمُقَرِّ لَهُ أَوَّلًا إلَى دَعْوَاهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَوْدُهُ إلَى دَعْوَاهُ قَبْلَ دَعْوَى الْمُقَرِّ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ ".

(وَإِنْ قَالَ: هَذَا مَا أَقْرَرْت لَك بِهِ، فَقَالَ) الْمُقَرُّ لَهُ (بَلْ هُوَ غَيْرُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْمُقِرَّ (تَسْلِيمُهُ الْمُقَرَّ بِهِ لِمُقَرٍّ لَهُ) ؛ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ (وَيَحْلِفُ مُقِرٌّ أَنْ لَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقَرِّ لَهُ (عِنْدَهُ سِوَاهُ) وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ (فَإِنْ رَجَعَ مُقَرٌّ لَهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (فَادَّعَاهُ) ؛ أَيْ: ادَّعَى مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ (دُفِعَ لَهُ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَظَنَّهُ لِغَيْرِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَهُ عَادَ فَادَّعَاهُ.

[تَتِمَّة قدمت امْرَأَة مِنْ الروم مَعَهَا طفل فأقر بِهِ رَجُل أَنَّهُ ابْنه]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ مَعَ إمْكَانِهِ - وَلَا مُنَازِعَ لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا بَعْدَ عِشْرِينَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْبَتِهِ؛ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إلَيْهَا؛ وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ مَنْ جَهِلَ نَسَبَهَا فَأَقَرَّتْ بِرِقٍّ]

فَصْلٌ (وَمَنْ تَزَوَّجَ مَنْ جَهِلَ نَسَبَهَا فَأَقَرَّتْ بِرِقٍّ؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا وَلَا عَلَى نَفْسِهَا) لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَرْتَفِعُ بِقَوْلِ أَحَدٍ كَالْإِقْرَارِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ قَبُولِ إقْرَارِهَا (مَا لَمْ تَبِنْ) فَإِنْ بَانَتْ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِ إقْرَارِهَا لِأَنَّ إقْرَارَهَا عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ وَنَفْسُهَا مَمْلُوكَةٌ لَهَا، فَصَحَّ إقْرَارُهَا بِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ حَمَلَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ مِلْكِهِ (لَمْ تَصِرْ بِهِ) ؛ أَيْ: بِإِقْرَارِهِ كَذَلِكَ (أُمَّ وَلَدٍ) فَلَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ؛ لِاحْتِمَالِ حَمْلِهَا بِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى حَمْلِهَا بِهِ فِي مِلْكِهِ، كَأَنْ مَلَكَهَا صَغِيرَةً، وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِأُبُوَّةِ صَغِيرٍ أَوْ بِأُبُوَّةِ مَجْنُونٍ، أَوْ) أَقَرَّ شَخْصٌ (بِأَبٍ أَوْ) أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ (بِزَوْجٍ أَوْ) أَقَرَّ مَجْهُولٌ نَسَبُهُ (بِمَوْلًى أَعْتَقَهُ قُبِلَ إقْرَارُهُ، وَلَوْ أَسْقَطَ بِهِ وَارِثًا مَعْرُوفًا) كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِابْنٍ وَلَهُ أَخٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي إقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَارِثِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُسْقِطِ وَيُشْتَرَطُ لِلْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أُشِيرَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ (إنْ أَمْكَنَ صِدْقُهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ بِأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ الْحِسُّ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ كَإِقْرَارِهِ بِأُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ بِمَنْ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ الثَّانِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَمْ يَدْفَعْ بِهِ نَسَبًا لِغَيْرِهِ) الثَّالِثُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَصَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ (مُقَرٌّ بِهِ مُكَلَّفٌ) لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ (أَوْ كَانَ) الْمُقَرُّ لَهُ (مَيِّتًا، وَيَرِثُهُ مُقِرٌّ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ وَلَدٍ) مُقَرٍّ بِهِ (مَعَ صِغَرِ الْوَلَدِ أَوْ جُنُونِهِ فَلَوْ بَلَغَ) صَغِيرٌ وَعَقَلَ مَجْنُونٌ وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ ابْنًا لِمُقِرٍّ (لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِقْرَارِ (وَيَكْفِي فِي تَصْدِيقِ وَالِدٍ بِوَلَدِهِ وَعَكْسِهِ) أَيْ: تَصْدِيقَ وَلَدٍ بِوَالِدٍ (سُكُوتُهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ فِي ذَلِكَ ظَنُّ التَّصْدِيقِ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا) بِالْآخَرِ (تَكْرَارُهُ) ؛ أَيْ: التَّصْدِيقِ بِالسُّكُوتِ نَصًّا (فَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِنَسَبِهِمَا بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: تَكْرَارِ التَّصْدِيقِ بِالسُّكُوتِ.

(وَلَا يَصِحُّ مَنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ) ؛ أَيْ: الْأَبِ وَالِابْنِ وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى (كَجَدٍّ أَقَرَّ بِابْنِ ابْنٍ وَعَكْسُهُ) كَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِجَدٍّ وَكَأَخٍ يُقِرُّ بِأَخٍ أَوْ عَمٍّ بِابْنِ أَخٍ (إلَّا وَرَثَةً أَقَرُّوا بِمَنْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُورِثُهُمْ ثَبَتَ نَسَبُهُ) كَبَنِينَ أَقَرُّوا بِابْنٍ، وَإِخْوَةٍ بِأَخٍ؛ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِمْ؛

إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُقِرُّ بِمِنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ بِلَا حَقٍّ، وَلِقِيَامِ الْوَرَثَةِ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ وَدُيُونِهِ الَّتِي لَهُ وَعَلَيْهِ وَدَعَاوِيه وَغَيْرِهَا، فَكَذَا فِي النَّسَبِ.
(وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِ مُقِرٍّ فَادَّعَتْ زَوْجِيَّتَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرِّ (أَوْ جَاءَتْ أُخْتُهُ غَيْرُ تَوْأَمَتِهِ، فَادَّعَتْ الْبُنُوَّةَ؛ لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ) لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ دَعْوَى، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِهِمْ، لَكِنْ يُعْطَى الْمُقَرُّ لَهُ مَا فَضَلَ بِيَدِ مُقِرٍّ، وَتَقَدَّمَ وَيَأْتِي.

(وَلَوْ أَقَرَّتْ مُزَوَّجَةٌ بِوَلَدٍ لَحِقَهَا؛ لِإِقْرَارِهَا دُونَ زَوْجِهَا) لِعَدَمِ إقْرَارِهِ بِهِ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِامْرَأَتِهِ دُونَ (أَهْلِهَا) هَذِهِ عِبَارَةُ " الرِّعَايَةِ " وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا لَحِقَهَا نَسَبُهُ تَبِعَهَا أَهْلُهَا كَالرَّجُلِ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ.

(وَمَنْ أَقَرَّ بِأَخٍ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، أَوْ أَقَرَّ بِعَمٍّ فِي حَيَاةِ جَدِّهِ لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ نَسَبًا لَا يُقِرُّ بِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ أَوْ عَمٍّ (بَعْدَ مَوْتِهِمَا) ؛ أَيْ: أَبِيهِ وَجَدِّهِ (وَمَعَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْ؛ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ بِيَدِ مُقِرٍّ أَوْ كُلُّهُ) ؛ أَيْ: كُلُّ مَا بِيَدِ مُقِرٍّ (إنْ أَسْقَطَهُ) مُقِرٌّ بِهِ، كَأَخٍ، أَقَرَّ بِابْنٍ، وَإِلَّا يَكُنْ مَعَ مُقِرٍّ وَارِثٌ غَيْرَهُ كَابْنٍ أَوْ بِنْتٍ لَا وَارِثَ غَيْرُهَا، وَأَقَرَّ بِأَخٍ (ثَبَتَ) نَسَبُهُ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَوَرِثَ.

(وَإِنْ أَقَرَّ مَجْهُولٌ نَسَبُهُ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ بِنَسَبِ وَارِثٍ حَتَّى) بِنَسَبِ (أَخٍ وَعَمٍّ، فَصَدَّقَهُ) الْمُقَرُّ لَهُ (وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ) قُبِلَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ (أَقَرَّ بِحَقِّ غَيْرِهِ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِنَسَبِ وَارِثٍ) مَعَ وَلَاءٍ حَتَّى (يُصَدِّقَهُ مَوْلَاهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ مَوْلَاهُ مِنْ إرْثِهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ بِلَا تَصْدِيقٍ؛ لِلتُّهْمَةِ (وَمَنْ عِنْدَهُ أَمَةٌ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ؛ قُبِلَ) إقْرَارُهُ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: الْأَمَةِ، فَيَأْخُذُهَا مُقَرٌّ لَهُ بِهَا (وَلَا) يُقْبَلُ إقْرَارُهُ (عَلَى الْأَوْلَادِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.

(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ) مَنْ عِنْدَهُ (أَمَةٌ بِحَمْلِهَا مِنْهُ فِي مِلْكِهِ) ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، فَتَصِيرُ (أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَغْرَمُ) مُقِرٌّ بِهَا (ثَمَنَهَا لِمُقَرٍّ لَهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ وَطِئَ يَعْتَقِدُهَا مِلْكَهُ، ثُمَّ عَلِمَهَا مِلْكَ غَيْرِهِ) وَإِلَّا كَانَ زَانِيًا.

(وَمَنْ أَقَرَّتْ بِنِكَاحٍ عَلَى نَفْسِهَا، وَصَدَّقَهَا زَوْجٌ، وَلَوْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ) كَانَ إقْرَارُهَا بِالنِّكَاحِ (لِاثْنَيْنِ قَبْلَ) إقْرَارِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِمَالٍ، وَلِزَوَالِ التُّهْمَةِ بِإِضَافَةِ الْإِقْرَارِ إلَى شَرَائِطِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِبَيْعِ وَلِيِّهَا مَا لَهَا قَبْلَ رُشْدِهَا (فَلَوْ أَقَامَا) ؛ أَيْ: الِاثْنَانِ الْمُقَرُّ لَهُمَا بِالنِّكَاحِ (بِبَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، فَإِنْ جُهِلَ) التَّارِيخُ (فَقَوْلُ وَلِيٍّ) ؛ أَيْ: مَنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ عَلَى سَبْقِ تَارِيخِ نِكَاحِهِ (فَإِنْ جَهِلَهُ) ؛ أَيْ: جَهِلَ الْوَلِيُّ أَسْبَقَهُمَا (فَسْخًا) ؛ أَيْ: النِّكَاحَانِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، وَجُهِلَ الْأَسْبَقُ (وَلَا تَرْجِيحَ) لِأَحَدِهِمَا بِكَوْنِهَا بِيَدِهِ، لِأَنَّ الْحُرَّ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ.

(وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) ؛ أَيْ: النِّكَاحَ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: الْمَرْأَةِ (وَلِيُّهَا وَهِيَ مُجْبَرَةٌ) قُبِلَ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا نَصًّا، لِأَنَّهَا لَا قَوْلَ لَهَا فِي حَالَةِ الْإِجْبَارِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَلَكِنَّهَا (مُقِرَّةٌ بِالْإِذْنِ، قَبْلَ) إقْرَارِهِ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا بِالْإِذْنِ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالْوَكِيلِ.

(وَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ صَغِيرَةٍ بِيَدِهِ) وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ (فَسَخَهُ حَاكِمٌ) فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ (ثُمَّ إنْ صَدَّقَتْهُ إذَا بَلَغَتْ؛ قُبِلَ) تَصْدِيقُهَا لَهُ (وَيَتَّجِهُ وَلَا يُعَادُ عَقْدٌ) لِتَبَيُّنِ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ

مَا يُفْسِدُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " (فَدَلَّ أَنَّ مَنْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا، فَأَنْكَرَ، فَطَلَبَتْ الْفُرْقَةَ؛ يَحْكُمُ عَلَيْهِ) بِالْفُرْقَةِ، دَفْعًا لِضَرَرِهَا.
وَسُئِلَ عَنْهَا الْمُوَفَّقُ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ.

(وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ بِزَوْجِيَّةِ الْآخَرِ) بِأَنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ بِذَلِكَ (فَسَكَتَ) صَحَّ، وَوَرِثَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، لِقِيَامِهَا بَيْنَهُمَا بِالْإِقْرَارِ، أَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِزَوْجِيَّةِ الْآخَرِ (فَجَحَدَهُ، ثُمَّ صَدَّقَهُ، صَحَّ) الْإِقْرَارُ، وَوَرِثَهُ؛ لِحُصُولِ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ وَلَا أَثَرَ تَجَوَّزَا قَبْلَ ذَلِكَ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجْحَدُ ثُمَّ يُقِرُّ.
وَلَا يَرِثُ جَاحِدٌ (إنْ بَقِيَ عَلَى تَكْذِيبِهِ لِمُقِرٍّ حَتَّى مَاتَ) الْمُقِرُّ؛ لِلتُّهْمَةِ فِي تَصْدِيقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَإِنْ أَقَرَّ وَرَثَةٌ بِدَيْنٍ عَلَى مُورِثِهِمْ قَضَوْهُ) وُجُوبًا مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِهَا كَتَعَلُّقِ أَرْشِ جِنَايَةٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ جَانٍ؛ فَلَهُ تَسْلِيمُهَا وَبَيْعُهَا فِيهِ وَالْوَفَاءُ مِنْ مَالِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ الدَّيْنِ، وَكَذَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ مَيِّتٍ.

(وَإِنْ أَقَرَّ) بِدَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ (بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةِ (بِلَا شَهَادَةٍ) بِالدَّيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَالْمُقِرُّ عَلَيْهِ مِنْهُ (بِقَدْرِ إرْثِهِ) مِنْ التَّرِكَةِ (فَإِنْ وَرِثَ النِّصْفَ) مِنْ التَّرِكَةِ؛ فَعَلَيْهِ (نِصْفُ الدَّيْنِ أَوْ) ؛ أَيْ: وَإِنْ وَرِثَ الرُّبْعَ فَرُبْعُ الدَّيْنِ، وَهَكَذَا (كَإِقْرَارِهِ) ؛ أَيْ: بَعْضِ الْوَرَثَةِ (بِوَصِيَّةٍ) بِلَا شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ الْوَصِيَّةِ تَعَلَّقَ بِمِثْلِهِ مِنْ التَّرِكَةِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ.

(وَإِنْ شَهِدَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةِ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَوْ الْوَصِيَّةِ (عَدْلَانِ أَوْ عَدْلٌ؛ حَلَفَ مَعَهُ) رَبُّ الدَّيْنِ أَوْ الْوَصِيَّةِ (ثَبَتَ) الْحَقُّ؛ لِكَمَالِ نِصَابِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى غَيْرِ مُورِثِهِمْ (وَيُقَدَّمُ) مِنْ دُيُونٍ تَعَلَّقَتْ بِتَرِكَةٍ دَيْنٌ (ثَابِتٌ بِبَيِّنَةٍ) نَصًّا فَدَيْنٌ (بِإِقْرَارِ مَيِّتٍ عَلَى مَا) ؛ أَيْ: دَيْنٍ (أَقَرَّ بِهِ وَرَثَةٌ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْوَرَثَةِ إقْرَارٌ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ التَّرِكَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ الثَّابِتِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ أَدَاءُ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ أَوَّلًا.

[بَابُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِقْرَارُ مِنْ الْأَلْفَاظِ]

ِ (وَ) مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ (مَا يُغَيِّرُهُ) ؛ أَيْ: الْإِقْرَارَ.
(مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ) مَثَلًا فَقَالَ فِي جَوَابِهِ (نَعَمْ، أَوْ قَالَ أَجَلْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَبِسُكُونِ اللَّامِ؛ فَقَدْ أَقَرَّ، وَهُوَ حَرْفُ تَصْدِيقٍ كَنَعَمْ.
قَالَ الْأَخْفَشُ: إلَّا أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ، وَنَعَمْ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَامِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] .

«وَقِيلَ لِسَلْمَانَ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ: أَجَلْ» (أَوْ) ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَلْفٍ فَقَالَ (صَدَقْت أَوْ) قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ بِهِ، أَوْ قَالَ (إنِّي مُقِرٌّ بِهِ، أَوْ قَالَ) إنِّي مُقِرٌّ لَك (بِدَعْوَاك، أَوْ) قَالَ: أَنَا أَوْ إنِّي (مُقِرٌّ فَقَطْ) فَقَدْ أَقَرَّ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُدَّعِي، أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَلْفٍ مَثَلًا (فَقَالَ: خُذْهَا أَوْ اتَّزِنْهَا أَوْ اقْبِضْهَا أَوْ اُحْرُزْهَا، أَوْ قَالَ هِيَ صِحَاحٌ أَوْ قَالَ: كَأَنِّي جَاحِدٌ لَك، أَوْ كَأَنِّي جَحَدْتُك حَقَّك، فَقَدْ أَقَرَّ) لِانْصِرَافِهِ إلَى الدَّعْوَى، لِوُقُوعِهِ عَقِبَهَا، وَلِعَوْدِ الضَّمِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ فِيهَا، وَكَذَا إنْ قَالَ: أَقْرَرْتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] . وَلَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ (لَا إنْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ أَنَا أُقِرُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا، بَلْ هُوَ وَعْدٌ بِالْإِقْرَارِ، وَالْوَعْدُ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِهِ (أَوْ قَالَ لَا أُنْكِرُ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِنْكَارِ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ السُّكُوتُ، أَوْ قَالَ (يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا) لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مُحِقًّا، أَوْ قَالَ (عَسَى أَوْ قَالَ لَعَلَّ) لِأَنَّهَا لِلشَّكِّ، أَوْ قَالَ (أَظُنُّ أَوْ أَحْسِبُ أَوْ أَقْدُرُ) لِاسْتِعْمَالِهَا فِي الشَّكِّ (أَوْ قَالَ خُذْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ خُذْ الْجَوَابَ مِنِّي، أَوْ قَالَ (اتَّزِنْ أَوْ أَحْرِزْ، أَوْ قَالَ: افْتَحْ كُمَّك) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَوْلُ مُدَّعٍ (بَلَى فِي جَوَابِ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا إقْرَارٌ) بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ لَا قَوْلُ (نَعَمْ إلَّا مِنْ عَامِّيٍّ) فَيَكُونُ إقْرَارًا كَقَوْلِهِ عَشَرَةٌ غَيْرُ دِرْهَمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ؛ إذْ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْحُذَّاقُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِثْلُهُ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمٌ بِرَفْعِ دِرْهَمٍ إذْ إلَّا فِيهِ بِمَعْنَى غَيْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . لَكِنْ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا حُذَّاقُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ

إذَا قَالَ لِي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ: نَعَمْ أَوْ بَلَى، فَمُقِرٌّ.
«وَفِي قِصَّةِ إسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْت عَلَيْهِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى» . قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فَفِيهِ صِحَّةُ الْجَوَابِ بِبَلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا نَفْيٌ، وَصِحَّةُ الْإِقْرَارِ بِهَا.
قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا؛ أَيْ: مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ.

(وَإِنْ قَالَ) شَخْصٌ لِآخَرَ (اقْضِنِي دَيْنِي عَلَيْك أَلْفًا) فَقَالَ: نَعَمْ (أَوْ قَالَ اشْتَرِ ثَوْبِي هَذَا) ، فَقَالَ: نَعَمْ (أَوْ قَالَ لَهُ أَعْطِنِي ثَوْبِي هَذَا) فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ لَهُ: سَلِّمْ (إلَيَّ أَلْفًا مِنْ الَّذِي عَلَيْك) فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ لَهُ (هَلْ لِي عَلَيْك) أَلْفٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ (أَوْ قَالَ لَهُ أَلِي عَلَيْك أَلْفٌ، فَقَالَ: نَعَمْ) فَقَدْ أَقَرَّ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهِ (أَوْ) قَالَ (أَمْهِلْنِي يَوْمًا أَوْ) أَمْهِلْنِي (حَتَّى أَفْتَحَ الصُّنْدُوقَ) فَقَدْ أَقَرَّ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُهْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ (أَوْ) قَالَ لَهُ (عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ كُلَّهُ، وَيَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِ الْإِقْرَارِ؛ فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَطَلَ مَا وَصَلَهُ بِهِ، كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا، وَكَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ (لَا يَلْزَمُنِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِالْأَلْفِ، لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (فِي عِلْمِي أَوْ قَالَ: فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: فِيمَا أَعْلَمُ لَا إنْ قَالَ: فِيمَا أَظُنُّ؛ فَقَدْ أَقَرَّ) لَهُ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِإِقْرَارِهِ بِالْعِلْمِ بِهِ؛ إذْ مَا فِي عِلْمُهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ الظَّنِّ.

(وَإِنْ عَلَّقَ الْإِقْرَارَ بِشَرْطِ قُدُومٍ) عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ (إنْ قَدِمَ زَيْدٌ) فَلِعَمْرٍو عَلَيَّ كَذَا، أَوْ قَالَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا (أَوْ قَالَ إنْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا) لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ ثُبُوتَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَالْإِقْرَارُ إخْبَارٌ سَابِقٌ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، بَلْ يَكُونُ وَعَدَا، لَا إقْرَارًا، بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا تُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ تَبَرُّكًا وَتَفْوِيضًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ:

﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَهُ بِلَا شَكٍّ (أَوْ قَالَ إنْ شَهِدَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ مَثَلًا (زَيْدٌ؛ فَهُوَ صَادِقٌ) أَوْ صَدَّقَتْهُ (لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا) لِأَنَّهُ وَعَدَ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ فِي شَهَادَتِهِ، لَا تَصْدِيقَ (وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَتَقْدِيمِ الشَّرْطِ فِيمَا ذُكِرَ (إنْ أَخَّرَ) كَقَوْلِهِ (لَهُ عَلَيَّ كَذَا إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ أَوْ إنْ شَاءَ) زَيْدٌ، أَوْ إنْ شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ (أَوْ إنْ جَاءَتْ الْمَطَرُ، أَوْ إنْ قُمْت) فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِمَا بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَالتَّعْلِيقِ بِهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنْ التَّنَافِي (إلَّا إذَا قَالَ) لَهُ عَلَيَّ كَذَا (إذَا جَاءَ وَقْتُ كَذَا) كَرَأْسِ الشَّهْرِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِقْرَارِ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ؛ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ فَعُمِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحِلَّ؛ فَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، فَإِنْ قَدَّمَ أَدَاةَ الشَّرْطِ عَلَى الْإِقْرَارِ، كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ وَقْتُ كَذَا فَعَلَيَّ لِزَيْدٍ أَلْفٌ فَلَيْسَ إقْرَارًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَدَاةِ إنْ وَإِذَا إلَّا إذَا قُدِّمَ الْإِقْرَارُ عَلَى أَدَاةِ إذَا؛ فَإِقْرَارٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْإِقْرَارِ؛ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا " لِلْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ لِذَلِكَ (وَمَتَى فَسَّرَهُ) ؛ أَيْ: قَوْلَهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ (بِأَجَلٍ أَوْ وَصِيَّةٍ؛ قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ (بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (كَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ بِغَيْرِ لِسَانِهِ) ؛ أَيْ: لُغَتِهِ؛ بِأَنْ أَقَرَّ عَرَبِيٌّ بِالْعُجْمَةِ، أَوْ عَكْسُهُ (وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ مَا قُلْت) فَيُقْبَلُ مِنْهُ بِيَمِينِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا أَقَرَّ عَامِّيٌّ بِمَضْمُونٍ مُحْضَرٍ، وَادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ - وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ فَكَذَلِكَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِنْ رَجَعَ مُقِرٌّ بِحَقِّ آدَمِيٍّ أَوْ) رَجَعَ مُقِرٌّ (بِزَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ؛ لَمْ يُقْبَلْ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ الْمُعَيَّنِ أَوْ أَهْلِ الزَّكَاةِ بِهِ.

[فَصْلٌ فِي مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ]

فَصْلٌ فِيمَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ (وَإِذَا قَالَ مُكَلَّفٌ) مُخْتَارٌ (لَهُ) ؛ أَيْ: فُلَانٍ (عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَلْفٌ لَمْ يَلْزَمْهُ) شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِثَمَنِ خَمْرٍ وَقَدَّرَهُ بِأَلْفٍ، وَثَمَنُ الْخَمْرِ لَا يَجِبُ، وَلَوْ قَالَ (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ مِنْ مُضَارَبَةٍ أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ وَدِيعَةٍ (أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (لَا يَلْزَمُنِي، أَوْ) لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (قَبَضَهُ أَوْ اسْتَوْفَاهُ أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، أَوْ) قَالَ مِنْ (ثَمَنِ طَعَامٍ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ (مُضَارَبَةٍ تَلِفَتْ، وَشَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (بِكَفَالَةٍ) تَكَفَّلْت بِهَا (عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ) فِيهَا؛ لَزِمَهُ الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ رَفْعٌ لِجَمِيعِ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، وَتَنَاقُضُ كَلَامِهِ غَيْرُ خَافٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهِ إقْرَارٌ بِثُبُوتِهِ، وَثُبُوتُهُ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ؛ وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ، وَادَّعَى مَا لَمْ يَثْبُتْ مَعَهُ؛ وَلِأَنَّهُ فِي صُورَةِ مَا إذَا قَالَ قَبَضَهُ أَوْ اسْتَوْفَاهُ أَقَرَّ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْقَبْضِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ (وَقَوْلُهُ) لَهُ عَلَيَّ كَذَا أَوْ سَكَتَ (أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَسَكَتَ؛ إقْرَارٌ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَ الْآخَرِ؛ حُكِمَ لَهُ بِهَا.
قَالَ فِي الشَّرْحِ؛ إلَّا أَنَّهُ هَهُنَا؛ أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ كَانَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا إنْ عَادَ، فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه، وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ (وَإِنْ وَصَلَهُ) ؛

أَيْ: قَوْلَهُ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا (بِقَوْلِهِ وَبَرِئْت مِنْهُ، أَوْ) بِقَوْلِهِ (وَقَضَيْته أَوْ) بِقَوْلِهِ (وَقَضَيْت بَعْضَهُ) وَلَمْ يَعْزِهِ لِسَبَبٍ؛ فَمُنْكِرٌ (أَوْ قَالَ مُدَّعٍ لِي عَلَيْك مِائَةٌ، فَقَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (قَضَيْتُك مِنْهَا) وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْمِائَةِ الَّتِي لَك عَلَيَّ (عَشَرَةً وَلَمْ يَعْزِهِ) أَيْ: الْمُقَرَّ بِهِ (لِسَبَبٍ) بِأَنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ قَرْضٍ؛ (فَ) هُوَ مُنْكِرٌ يُقْبَلُ (قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) نَصًّا طِبْقَ جَوَابِهِ، وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ، هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " لِأَنَّهُ دَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَكُونُ مُقِرًّا مُدَّعِيًا لِلْقَضَاءِ؛ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ، وَاسْتُحِقَّ، وَقَالَ: هَذِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُذَهَّبِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْحَنْبَلِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ ذَكَرَ السَّبَبَ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِمَا يُوجِبُ الْحَقَّ مِنْ عَقْدٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَإِنْ عَزَاهُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِسَبَبٍ كَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْحَقَّ (مِنْ ثَمَنِ) مَبِيعٍ (وَقَرْضٍ) أَوْ قِيمَةُ مُتْلَفٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ ثَبَتَ سَبَبُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ، أُلْزِمَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ مُدَّعٍ لِلْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ كَانَ؛ بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْته إيَّاهُ أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا سَبَقَ، فَهُوَ مُنْكِرٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا سَبَقَ، مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ أَوْ يُثْبِتْ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ بِالْوَفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَأْتِيَ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ فِيهَا حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ، وَأَخَذَهُ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِثُبُوتِ الْقَضَاءِ بِنُكُولِهِ، وَلَوْ قَالَ مُدَّعٍ كَانَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " بِلَا خِلَافٍ.

[فَصْلٌ يَصِحُّ فِي الْإِقْرَار اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ) لَا أَكْثَرَ مِنْهُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُقِرَّ (أَلْفٌ) فِي قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا، أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (إلَّا سِتِّمِائَةٍ) لِبُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ (وَ) يَلْزَمُهُ (خَمْسَةٌ فِي قَوْلِهِ لَك عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أَوْ قَوْلِهِ لَيْسَ لَك عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً) لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ (بِشَرْطٍ) مُتَعَلِّقٍ بِ يَصِحُّ (أَنْ لَا يَسْكُتَ) الْمُسْتَثْنِي بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى (مَا) ؛ أَيْ: زَمَنًا (يُمْكِنُهُ كَلَامٌ فِيهِ وَأَنْ لَا يَأْتِيَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ بَيْنَهُمَا) ، أَوْ فَصْلٍ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ؛ فَلَمْ يَرْتَفِعْ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَ؛ فَإِنَّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ، (وَ) بِشَرْطِ (أَنْ يَكُونَ) الْمُسْتَثْنَى (مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ) ؛ أَيْ: كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَنَوْعِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَخْرَجَ بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ بِمَوْضُوعِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ بِمَوْضُوعِهِ، فَمَنْ قَالَ عَنْ آخَرَ (لَهُ عَلَيَّ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ الْعَشَرَةُ إلَّا وَاحِدًا) فَاسْتِثْنَاؤُهُ (صَحِيحٌ) لِوُجُودِ شَرَائِطِهِ (وَيَلْزَمُهُ) تَسْلِيمُ (تِسْعَةٍ) وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ (فَإِنْ مَاتُوا) إلَّا وَاحِدًا (أَوْ قُتِلُوا) إلَّا وَاحِدًا (أَوْ غُصِبُوا إلَّا وَاحِدًا، فَقَالَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى؛ قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَسَائِرُ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي ذَلِكَ كَإِلَّا؛ فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ أَوْ غَيْرَ دِرْهَمٍ بِالنَّصْبِ أَوْ لَيْسَ دِرْهَمًا أَوْ خَلَا أَوْ عَدَا أَوْ حَاشَا؛ دِرْهَمًا

وَنَحْوَهُ؛ فَهُوَ مُقِرٌّ بِتِسْعَةٍ، وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ دِرْهَمٍ - بِضَمِّ الرَّاءِ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ؛ كَانَ مُقِرًّا بِعَشَرَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعَشَرَةِ الْمُقَرِّ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ اسْتِثْنَائِيَّةً كَانَتْ مَنْصُوبَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ وَضَمُّهَا جَهْلٌ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ؛ أَيْ: فُلَانٌ (هَذِهِ الدَّارُ وَلِي نِصْفُهَا، أَوْ قَالَ إلَّا نِصْفَهَا، أَوْ قَالَ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِي؛ قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ بِمَا يُخَالِفُهُ (وَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ أَكْثَرَهَا) ؛ أَيْ: الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ جَعَلَتْ الْإِقْرَارَ فِيمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى؛ فَالْمُقَرُّ بِهِ مُعَيَّنٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ (إنْ قَالَ) لَهُ الدَّارُ إلَّا (ثُلُثَيْهَا وَنَحْوَهُ) كَالثَّلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا أَوْ خَمْسَةِ أَسْدَاسِهَا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ شَائِعٌ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ.
وَإِنْ قَالَ عَنْ آخَرَ: لَهُ عَلَيَّ (دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ) أَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا، يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ فِيهِمَا) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ عُودَهُ إلَى مَا يَلِيه مُتَيَقَّنٌ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَاسْتِثْنَاءُ الدِّرْهَمَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْ خَمْسَةٍ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ (عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ (دِرْهَمَانِ) لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا يَلِيه، لِمَا تَقَدَّمَ؛ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِلْكُلِّ (وَ) إنْ قَالَ (لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا أَوْ) لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ (إلَّا دِينَارًا يَلْزَمُهُ الْمِائَةُ) دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرَفَ اللَّفْظَ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيه لَوْلَاهُ، وَغَيْرُ الْجِنْسِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكٌ وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقَرِّ بِهِ فَإِذَا دَخَلَ الِاسْتِدْرَاكُ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَهُ جُمْلَةً كَقَوْلِهِ لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ، كَانَ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لِشَيْءٍ سِوَاهُ؛ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، وَإِلَّا ثَلَاثَةٌ؛ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ (عَشَرَةُ آصُعَ تَمْرٍ بَرْنِيِّ إلَّا ثَلَاثَةَ آصُعَ تَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ؛ لَزِمَهُ) الْعَشَرَةُ مِنْ التَّمْرِ الْبَرْنِيِّ، وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ النَّوْعِ.

(وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 58] ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 59] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: 60] وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إبْطَالٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ رُجُوعٌ إلَى مُوجِبِ الْإِقْرَارِ، فَمَنْ قَالَ عَنْ آخَرَ (لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ) لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا قَبْلَهُ، فَقَدْ اسْتَثْنَى دِرْهَمًا مِنْ الثَّلَاثَةِ، فَبَقِيَ اثْنَانِ اسْتَثْنَاهُمَا مِنْ السَّبْعَةِ، فَبَقِيَ خَمْسَةٌ؛ فَهِيَ الْمُقَرُّ بِهَا (وَكَذَا) . يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهَمًا) لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْخَمْسَةِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنْ النِّصْفِ؛ فَيَبْطُلُ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ، وَفِيهَا أَوْجُهٌ أُخَرٌ مِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمًا مِنْ دِرْهَمَيْنِ، فَبَقِيَ دِرْهَمٌ اسْتَثْنَاهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ (بَقِيَ دِرْهَمَانِ اسْتَثْنَاهُمَا) مِنْ خَمْسَةٍ، بَقِيَ ثَلَاثَةٌ اسْتَثْنَاهَا مِنْ عَشَرَةٍ؛ بَقِيَ سَبْعَةٌ، وَهَذَا مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً؛ يَقَعُ ثِنْتَانِ، (وَبَطَلَ) الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ (فِيمَا) إذَا قَالَ (لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا) لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ فَكَذَا فَرْعُهُ (وَ) إنْ أَتَى بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَعْطُوفًا، كَقَوْلِهِ (لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وَإِلَّا دِرْهَمَانِ؛ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ) لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ إلَى كَذَا]

فَصْلٌ (إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ إلَى كَذَا؛ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي تَأْجِيلِهِ) نَصًّا لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِهَا بِصِفَةِ التَّأْجِيلِ؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ سَوْدَاءُ (حَتَّى وَلَوْ عَزَّاهُ) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ (إلَى سَبَبٍ قَابِلٍ لِلْأَمْرَيْنِ) ؛ أَيْ: الْحَوْلِ وَالتَّأْجِيلِ كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةٍ وَضَمَانٍ وَصَدَاقٍ، وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (وَسَكَتَ مَا) ؛ أَيْ: زَمَنًا (يُمْكِنُهُ كَلَامٌ فِيهِ ثُمَّ قَالَ مُؤَجَّلَةٌ أَوْ زُيُوفٌ) ؛ أَيْ: رَدِيئَةٌ (أَوْ صِغَارٌ؛ لَزِمَتْهُ) الْأَلْفُ (حَالَّةٌ جِيَادٌ وَافِيَةٌ) لِحُصُولِ الْإِقْرَارِ بِهَا مُطْلَقًا؛ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْجَيِّدِ الْحَالِّ الْوَافِي، وَمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ سُكُوتِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا (إلَّا مَنْ بِبَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ) ؛ أَيْ، أَهْلِهَا (نَاقِصَةٌ أَوْ نَقْدُهُمْ مَغْشُوشٌ فَيَلْزَمُهُمْ مِنْ دَرَاهِمِهَا) ؛ أَيْ: تِلْكَ الْبَلْدَةِ؛ لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى نَقْدِهَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْتُك وَأَجَرْتُك وَنَحْوَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ انْصَرَفَ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ؛ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ) ؛ أَيْ: الزُّيُوفَ (بِمَغْشُوشَةٍ) لِأَنَّهَا تُسَمَّى زُيُوفًا، وَالزُّيُوفُ هِيَ الْمَطْلِيَّةُ بِالزِّئْبَقِ بِمُزَاوَجَةِ الْكِبْرِيتِ، وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُ الزُّيُوفِ (بِمَا لَا فِضَّةَ فِيهِ) وَلَا قِيمَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَرَاهِمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ فَيَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِهِ رُجُوعًا عَنْ إقْرَارِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (وَإِنْ قَالَ:) لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (صِغَارٌ قُبِلَ تَفْسِيرُهَا بِنَاقِصَةٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَهِيَ دَرَاهِمُ طَبَرِيَّةٌ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ، وَذَلِكَ ثُلُثَا دِرْهَمٍ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت وَلَعَلَّهُ إذَا كَانَ بِالشَّامِ، وَإِلَّا فَمَا الْمَانِعُ مِنْ إرَادَةِ

الْيَمَنِيَّةِ أَوْ الْخُرَاسَانِيَّةِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ (وَإِنْ قَالَ لَهُ) عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (نَاقِصَةٍ) فَيَلْزَمُهُ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ نَاقِصَةً كَانَ إقْرَارُهُ مُقَيَّدًا، وَإِنْ كَانَتْ وَازِنَةً كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (وَإِنْ قَالَ لَهُ) عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (وَازِنَةٍ؛ لَزِمَهُ الْعَدَدُ وَالْوَزْنُ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ (وَإِنْ قَالَ: لَهُ) عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (عَدَدًا وَلَيْسَ الْمُقِرُّ بِبَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ) ؛ أَيْ: أَهْلُهُ (بِهَا) ؛ أَيْ: الدَّرَاهِمَ (عَدَدًا، لَزِمَاهُ) ؛ أَيْ: الْعَدَدُ وَالْوَزْنُ؛ لِقَوْلِهِ مِائَةٌ وَالْوَزْنُ لِلْعُرْفِ (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ) وَأَطْلَقَ، أَوْ قَالَ (دِرْهَمٌ كَبِيرٌ أَوْ قَالَ دُرَيْهِمٌ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ إسْلَامِيٌّ وَازِنٌ) لِأَنَّهُ كَبِيرٌ عُرْفًا وَالتَّصْغِيرُ قَدْ يَكُونُ لِصِغَرٍ فِي ذَاتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِقِلَّةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ أَوْ لِمَحَبَّتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) إلْزَامُهُ بِدِرْهَمٍ إسْلَامِيٍّ وَازِنٍ (إلَّا مَعَ عُرْفٍ) فَإِنْ كَانَ عُرْفٌ (بِخِلَافِهِ) كَعُرْفِ مِصْرَ فِي السَّابِقِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمِ، فَيُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) إنْ قَالَ (لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ، وَفَسَّرَهُ - وَلَوْ مُنْفَصِلًا - بِدَيْنٍ أَوْ بِوَدِيعَةٍ قُبِلَ) قَالَ فِي " الشَّرْحِ " لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَقْتَضِيه (فَلَوْ) فَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ ثُمَّ (قَالَ مُتَّصِلًا قَبَضَهُ أَوْ) قَالَ (تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَ) إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ قَالَ (مُنْفَصِلًا) هُوَ وَدِيعَةٌ؛ قُبِلَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَضَمَّنَ الْأَمَانَةَ (أَوْ قَالَ ظَنَنْته) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ الْوَدِيعَةَ (بَاقِيًا ثُمَّ عَلِمْت تَلَفَهُ) ؛ قُبِلَ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ؛ لِثُبُوتِ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ بِتَفْسِيرِهِ الْوَدِيعَةِ (وَإِنْ قَالَ) مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ: هُوَ (رَهْنٌ فَقَالَ الْمُدَّعِي) بَلْ وَدِيعَةٌ؛ فَقَوْلُ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بِهِ تَعَلُّقًا؛ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ، وَقَالَ اسْتَأْجَرْتهَا سَنَةً أَوْ بِثَوْبٍ، وَقَالَ: قَصَّرْته لَهُ بِدَرَاهِمَ، أَوْ خِطْته إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(أَوْ قَالَ) لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ (مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ) فَقَالَ مُقَرٌّ لَهُ بَلْ (هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِك؛ فَقَوْلُ مُدَّعٍ) بِيَمِينِهِ أَنَّهُ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِدَيْنٍ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَبِيعًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، وَلِي عِنْدَهُ مَبِيعٌ لَمْ أَقْبِضْهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، وَفَسَّرَهُ مُتَّصِلًا بِوَدِيعَةٍ؛ قُبِلَ، أَوْ قَالَ لِزَيْدٍ (فِي ذِمَّتِي أَلْفٌ وَفَسَّرَهُ مُتَّصِلًا بِوَدِيعَةٍ؛ قُبِلَ) لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ قَبُولِ تَفْسِيرِهِ إنْ كَانَ (مِنْ جَاهِلٍ) أَمَّا إنْ كَانَ تَفْسِيرُهُ مِنْ عَالِمٍ؛ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى تَلَفِهَا) لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا عَلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ تَلَفَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ؛ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، بِخِلَافِ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ وَدِيعَةٍ، وَتَلِفَتْ؛ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ لُزُومِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ زَمَنٍ مَاضٍ؛ فَلَا تَنَاقُضَ (إلَّا إذَا انْفَصَلَتْ عَنْ تَفْسِيرِهِ) فَيُقْبَلُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَضَمَّنَ الْأَمَانَةَ، وَلَا مَانِعَ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَإِنْ قَالَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ (وَأَحْضَرَهُ) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ (وَقَالَ هُوَ) ؛ أَيْ: الْأَلْفُ الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ (هَذَا، وَهُوَ وَدِيعَةٌ، فَقَالَ مُقَرٌّ لَهُ: هَذَا وَدِيعَةٌ، وَمَا أَقْرَرْت بِهِ دَيْنٌ صُدِّقَ) مُقَرٌّ لَهُ بِيَمِينِهِ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَ (لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتهَا) إلَيْهِ أَوْ تَلِفَتْ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ، وَضَمِنَهَا؛ لِلتَّنَاقُضِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةٌ وَدِيعَةً بِشَرْطِ الضَّمَانِ؛ لَغَا وَصْفُهُ لَهَا بِالضَّمَانِ؛ لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَى عَقْدِهَا، وَبَقِيَتْ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ

الضَّمَانِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِنْ قَالَ لَهُ (فِي هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ، أَوْ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ نِصْفُهَا) فَهُوَ إقْرَارٌ (وَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ أَوْ نِصْفِ الدَّارِ إلَى مُقَرٍّ لَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِإِنْشَاءِ هِبَةٍ) أَيْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ إيَّاهُ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَكَذَا قَوْلُهُ: لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ) فَهُوَ إقْرَارٌ (وَهُوَ دَيْنٌ عَلَى التَّرِكَةِ) لِإِضَافَتِهِ إلَى مِيرَاثِ أَبِيهِ، وَمَالُ الْمَيِّتِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْإِرْثِ أَوْ الدَّيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُقَرُّ لَهُ وَارِثًا تَعَيَّنَ الدَّيْنُ.

[تَنْبِيهٌ قَالَ مُكَلَّفٌ دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو]

تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَالَ مُكَلَّفٌ دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو؛ صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ لَا إنْشَاءٌ، وَإِضَافَتُهُ إلَيْهِ لَا تَمْنَعُ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَكِيلًا عَنْهُ أَوْ عَامِلًا لَهُ فِي مُضَارَبَةٍ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ يَدٌ أَوْ وِلَايَةٌ، وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5] . وَقَالَ فِي النِّسَاءِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] .

(وَيَصِحُّ) قَوْلُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (لَهُ مِنْ مَالِي أَلْفٌ، أَوْ فِيهِ أَلْفٌ، أَوْ لَهُ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي أَلْفٌ، أَوْ لَهُ فِيهِ نِصْفٌ أَوْ لَهُ دَارِي هَذِهِ، أَوْ لَهُ نِصْفُهَا، أَوْ لَهُ مِنْهَا نِصْفُهَا أَوْ لَهُ فِيهَا نِصْفُهَا) فَيَصِحُّ كُلُّهُ إقْرَارًا (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِحَقٍّ لَزِمَنِي) لِجَوَازِ إضَافَةِ الْإِنْسَانِ إلَى نَفْسِهِ مَالَ غَيْرِهِ؛ لِاخْتِصَاصٍ لَهُ بِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَسَّرَهُ) ؛ أَيْ: إقْرَارَهُ بِذَلِكَ (بِهِبَةٍ، وَقَالَ بَدَا لِي مِنْ تَقْبِيضِهِ؛ قُبِلَ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَقْبِيضِهِ، لِأَنَّهُ الْهِبَةُ لَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ قَالَ (لَهُ الدَّارُ ثُلُثَاهَا) أَوْ قَالَ لَهُ الدَّارُ (عَارِيَّةٌ، أَوْ قَالَ: لَهُ الدَّارُ هِبَةً، أَوْ) قَالَ لَهُ الدَّارُ (هِبَةَ سُكْنَى، أَوْ) قَالَ لَهُ الدَّارُ (هِبَةَ عَارِيَّةٍ؛ عَمِلَ بِالْبَدَلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ ثُلُثَاهَا أَوْ هِبَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ، وَلَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بِآخِرِ كَلَامِهِ مَا دَخَلَ بِأَوَّلِهِ، وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ فِي الْأَوَّلِ، وَاشْتِمَالٍ فِيمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ الدَّارُ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْهِبَةُ بَعْضُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ مِلْكُ الدَّارِ هِبَةً، وَحِينَئِذٍ

(يُعْتَبَرُ شَرْطُ هِبَةٍ) مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَوْهُوبِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ وُجِدَ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا.

(وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ) زَيْدًا كَذَا (وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ) أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ (رَهَنَ) زَيْدًا كَذَا (وَأَقْبَضَهُ، أَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأُجْرَةٍ وَمَبِيعٍ (ثُمَّ قَالَ مَا أَقَبَضَتْ) الْهِبَةَ وَلَا الرَّهْنَ (وَلَا قَبَضْت) الثَّمَنَ وَنَحْوَهُ (وَهُوَ غَيْرُ جَاحِدٍ لِإِقْرَارِهِ) بِالْإِقْبَاضِ أَوْ الْقَبْضِ - وَلَا بَيِّنَةَ - وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ، لَزِمَهُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْإِقْرَارِ بِذَلِكَ قَبْلَهُ؛ أَوْ بَاعَ وَوَهَبَ وَنَحْوَهُ (وَادَّعَى أَنْ الْعَقْدَ وَقَعَ تَلْجِئَةً أَوْ فَاسِدًا) وَلَا بَيِّنَةَ بِذَلِكَ (وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ عَلَى ذَلِكَ) . (لَزِمَهُ) الْحَلِفُ لِاحْتِمَالِ صِحَّةِ قَوْلِ خَصْمِهِ فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ (وَلَوْ أَقَرَّ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إقْبَاضِ) رَهْنٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ ادَّعَى فَسَادَهُ) ؛ أَيْ الْمُقَرِّ بِهِ (وَأَنَّهُ أَقَرَّ يَظُنُّ الصِّحَّةَ؛ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْمُقِرِّ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ (حَلَفَ هُوَ) ؛ أَيْ: مُدَّعِي الْفَسَادِ (بِبُطْلَانِهِ) وَبَرِئَ مِنْهُ.

(وَمَنْ بَاعَ شَيْئًا، أَوْ وَهَبَ) شَيْئًا (أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا، أَوْ أَقَرَّ بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ (لِغَيْرِهِ، لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ عَلَى مُشْتَرٍ أَوْ مُتَّهَبٍ أَوْ عَتِيقٍ، لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَتَصَرُّفُهُ نَافِذٌ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ أَنَّ الْمَبِيعَ رَهْنٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ، وَيَلْزَمُهُ (أَنْ يَغْرَمَهُ) ؛ أَيْ: يَغْرَمَ بَدَلَهُ (لِلْمُقَرِّ لَهُ) لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ مَا بِعْته أَوْ وَهَبْته وَنَحْوَهُ) ، ثُمَّ مَلَكْته بَعْدَهُ؛ أَيْ: بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا (قُبِلَ قَوْلُهُ بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِهِ (مَا لَمْ يُكَذِّبْهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةَ (بِأَنْ كَانَ أَقَرَّ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعَ أَوْ الْمَوْهُوبَ وَنَحْوَهُ (مِلْكُهُ، أَوْ قَالَ: قَبَضْت ثَمَنَ مِلْكِي، أَوْ قَالَ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا) أَوْ بِعْتُك أَوْ وَهَبْتُك مِلْكِي هَذَا، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِخِلَافِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إنَّمَا تَصَرَّفَ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا إذَا ادَّعَى بَائِعٌ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقْفًا عَلَيْهِ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مَلَكَهُ الْآنَ.

(وَمَنْ قَالَ قَبَضْت مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ فُلَانٍ (أَلْفًا وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ، فَقَالَ) مُقَرٌّ لَهُ: بَلْ الْأَلْفُ (ثَمَنُ مَبِيعٍ لَمْ تُقْبِضْنِيهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ) الْمُقِرُّ الْأَلْفَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ ضَمَانِهَا، وَحَلَفَ عَلَى مَا يُنْكِرُهُ (وَيَضْمَنُ) الْمُقِرُّ الْأَلْفَ (إنْ قَالَ) قَبَضْت مِنْهُ أَلْفًا وَدِيعَةً، فَقَالَ: بَلْ (قَبَضَتْهُ غَصْبًا) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِكُلِّ حَالٍ كَقَوْلِ مُقِرٍّ (أَعْطَيْتنِي أَلْفًا وَدِيعَةً فَتَلِفَتْ) فَقَالَ مُقَرٌّ لَهُ: بَلْ أَخَذْت مِنِّي الْأَلْفَ (غَصْبًا) فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُقْبِضْهُ الْأَلْفَ، وَضَمِنَهُ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلِ الدَّافِعِ بِقَوْلِهِ أَعْطَيْتنِي.

[فَصْلٌ قَالَ غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو]

فَصْلٌ (وَمَنْ، قَالَ غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو) فَهُوَ لِزَيْدٍ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ لَهُ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو (أَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ زَيْدٍ (وَغَصَبَهُ هُوَ مِنْ عَمْرٍو) فَهُوَ لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْغَصْبِ مِنْهُ تَضَمَّنَ كَوْنَهُ لَهُ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو، أَوْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ (لِزَيْدٍ، لَا بَلْ لِعَمْرٍو) فَهُوَ لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمِلْكِ لَهُ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو، لِإِقْرَارِهِ بِهِ لَهُ، وَتَفْوِيتِ عَيْنِهِ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لِزَيْدٍ أَوَّلًا (أَوْ قَالَ مِلْكُهُ لِعَمْرٍو، وَغَصَبْته مِنْ زَيْدٍ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِزَيْدٍ) لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِالْيَدِ (وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ) لِعَمْرٍو؛ لِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ لَهُ، وَلِوُجُودِ الْحَيْلُولَةِ بِالْإِقْرَارِ بِالْيَدِ لِزَيْدٍ، وَإِنْ قَالَ (غَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ وَمِلْكُهُ لِعَمْرٍو، فَهُوَ لِزَيْدٍ) لِإِقْرَارِهِ بِالْيَدِ لَهُ (وَلَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا) لِأَنَّهُ إنَّمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِمَالٍ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَ (غَصَبْتُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا) أَوْ هُوَ لِأَحَدِهِمَا، صَحَّ الْإِقْرَارُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ (وَلَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ (تَعْيِينُهُ) ؛ أَيْ: الْمَالِكَ مِنْهُمَا لِيَدْفَعَ إلَيْهِ (وَيَحْلِفُ لِلْآخِرِ) إنْ (طَلَبَ) لِتَكُونَ الْيَمِينُ سَبَبًا لِرَدِّ الْعَبْدِ أَوْ بَدَلِهِ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خِلَافًا لَهُ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ النَّاسِخِ.
(وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ) ؛ أَيْ: الْمَالِكَ مِنْهُمَا (فَصَدَّقَاهُ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ (اُنْتُزِعَ) الْمَغْصُوبُ (مِنْ يَدِهِ) لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ (وَكَانَا فِيهِ خَصْمَيْنِ) لِادِّعَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا إيَّاهُ (فَإِنَّ كَذَّبَاهُ) بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لِي، وَلَمْ تُبَيِّنْ ذَلِكَ (حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِلَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قُرِعَ حَلَفَ وَأَخَذَهُ، ثُمَّ إنْ عَيَّنَ الْغَاصِبُ أَحَدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَكَانَ لِمَنْ عَيَّنَهُ لَهُ، كَمَا لَوْ بَيَّنَهُ، قَبْلُ وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَنْ هُوَ لَهُ مِنْهُمَا، سَلَّمَ إلَى أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْآخَرِ.
وَمَنْ بِيَدِهِ عَبْدَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ زَيْدٌ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ، طُولِبَ بِالْبَيَانِ؛ فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَصَدَقَهُ زَيْدٌ؛ أَخَذَهُ، وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ هَذَا لِي وَالْعَبْدُ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَعَلَى الْمُقِرِّ فِي الَّذِي يُنْكِرُهُ الْيَمِينُ وَإِنْ ادَّعَى زَيْدٌ الْعَبْدَ الْآخَرَ وَحْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِيَمِينِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي أَنْكَرَهُ؛ وَلَا يَدْفَعُ إلَى زَيْدٍ الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى إقْرَارِهِ.
وَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ فَعَيَّنَهُ الْمُقِرُّ لَهُ، وَقَالَ هَذَا عَبْدِي؛ طُولِبَ الْمُقِرُّ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَنْكَرَ حُلِّفَ، وَكَانَ كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْعَبْدَ الْآخَرَ؛ وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ فَهُوَ كَتَعْيِينِهِ.
وَمَنْ بِيَدِهِ نَحْوُ عَبْدٍ فَقَالَ (أَخَذْتُهُ مِنْ زَيْدٍ) فَطَلَبَهُ زَيْدٌ (لَزِمَ رَدُّهُ لَهُ لِاعْتِرَافِهِ) لَهُ (بِالْيَدِ، وَإِنْ قَالَ مَلَكْتُهُ) عَلَى يَدِ زَيْدٍ (أَوْ قَالَ قَبَضْته) عَلَى

يَدِ زَيْدٍ أَوْ قَالَ وَصَلَ إلَيَّ عَلَى (يَدِهِ) ؛ أَيْ: زَيْدٍ (لَمْ يُعْتَبَرْ لِزَيْدٍ قَوْلٌ) مِنْ تَصْدِيقٍ أَوْ ضِدِّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِيَدٍ، بَلْ كَانَ سَفِيرًا.

(وَمَنْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَإِلَّا يَكُنْ) لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَلِعَمْرٍو عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (أَوْ) قَالَ (لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا يَكُنْ) لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ (فَلِعَمْرٍو عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ؛ فَهِيَ) ؛ أَيْ: الْمِائَةُ دِرْهَمٍ (لِزَيْدٍ) لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِهَا (وَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو) لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُعَلَّقٌ؛ فَلَا يَصِحُّ (وَمَنْ أَقَرَّ لِشَخْصٍ بِأَلْفٍ فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ) فِي إقْرَارِهِ (مَا) ؛ أَيْ: شَيْئًا (يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ كَسَبَبَيْنِ) كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، (أَوْ أَجَلَيْنِ) ، كَقَوْلِهِ: أَلْفٌ مَحِلُّهُ رَجَبٌ، وَقَوْلِهِ: أَلْفٌ مَحِلُّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ، (أَوْ سَكَنَيْنِ) كَقَوْلِهِ لَهُ أَلْفٌ ضَرْبُ مِصْرَ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ضَرْبُ إسلامبول (لَزِمَهُ أَلْفَانِ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ الْآخِرِ فَهُوَ مُقِرٌّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى صِفَةٍ فَوَجَبَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً (وَإِلَّا) يَذْكُرْ مَا يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ؛ لَزِمَهُ أَلْفٌ وَاحِدٌ (وَلَوْ تَكَرَّرَ الْإِشْهَادُ) لَهُ عَلَيْهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ، كَإِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ إرْسَالِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ مِنْهُمْ فِي قِصَّةٍ غَيْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْأُخْرَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ (وَإِنْ قَيَّدَ أَحَدَهُمَا) ؛ أَيْ: الْأَلْفَيْنِ (بِشَيْءٍ) كَقَوْلِهِ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ؛ ثُمَّ يَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، وَيُطْلِقُ (حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُقَيَّدِ، وَيَلْزَمُهُ أَلْفٌ فَقَطْ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ قَالَ الْأَزَجِيُّ: وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنْ الْمُقَرَّ لَهُ أَقَرَّ فِي شَعْبَانَ بِقَبْضِ خَمْسِمِائَةٍ، وَبَيِّنَةً أَنَّهُ أَقَرَّ فِي رَمَضَانَ بِقَبْضِ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَبَيِّنَةً أَنَّهُ أَقَرَّ فِي شَوَّالٍ بِقَبْضِ مِائَتَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا قَبْضُ خَمْسِمِائَةٍ، وَالْبَاقِي تَكْرَارٌ، وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَاتُ بِالْقَبْضِ فِي شَعْبَانَ وَفِي شَوَّالٍ؛ ثَبَتَ الْكُلُّ، لِأَنَّ هَذِهِ تَوَارِيخُ الْمَقْبُوضِ؛ وَالْأَوَّلُ تَوَارِيخُ الْإِقْرَارِ.

(وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ نَحْوَ دَارٍ) كَحَائِطٍ أَوْ حَانُوتٍ (بِيَدِ غَيْرِهِمَا شَرِكَةً بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَأَقَرَّ) مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (لِأَحَدِهِمَا بِنِصْفِهَا؛ فَالنِّصْفُ الْمُقَرُّ بِهِ بَيْنَهُمَا) لِاعْتِرَافِهِ أَنَّ الدَّارَ لَهُمَا عَلَى الشُّيُوعِ، فَمَا غَصَبَهُ الْغَاصِبُ فَهُوَ مِنْهُمَا، وَالْبَاقِي لَهُمَا.

[فَصْلٌ قَالَ بِمَرَضِ مَوْتِهِ هَذَا الْأَلْفُ لُقْطَةٌ فَتَصَدَّقُوا بِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ]

فَصْلٌ (وَمَنْ قَالَ بِمَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ (هَذَا الْأَلْفُ لُقْطَةٌ؛ فَتَصَدَّقُوا بِهِ - وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ لَزِمَ الْوَرَثَةَ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ (وَلَوْ كَذَّبُوهُ) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهُ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالصَّدَقَةِ بِهِ دَلَّ عَلَى تَعَدِّيه بِهِ فِيهِ، وَنَحْوه مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ إقْرَارٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَوَجَبَ امْتِثَالُهُ كَإِقْرَارِهِ فِي الصِّحَّةِ.
(وَمَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، وَهُوَ جَمِيعُ تَرِكَتِهِ فَصَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَصَدَقُوهُ فِي مَجْلِسٍ) وَاحِدٍ؛ فَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كُلَّهَا كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ وَالْخِيَارِ وَلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالْعَقْدِ، وَإِلَّا يَكُنْ تَصْدِيقُ الْوَرَثَةِ لِلْمُدَّعِي ثَابِتًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؛ فَالتَّرِكَةُ كُلُّهَا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُمْ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْأَوَّلِ فِي التَّرِكَةِ، وَيُنْقِصُ حَقَّهُ مِنْهَا (وَإِنْ أَقَرُّوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ (بِهَا) ؛ أَيْ: التَّرِكَةِ وَلَا دَيْنَ (لِزَيْدٍ ثُمَّ) أَقَرُّوا بِهَا (لِعَمْرٍو؛ فَهِيَ لِزَيْدٍ) سَوَاءٌ أَقَرُّوا فِي مَجْلِسٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِزَيْدٍ بِالْإِقْرَارِ لَهُ بِهَا؛ فَإِقْرَارُهُمْ لِعَمْرٍو إقْرَارٌ بِمِلْكِ الْغَيْرِ (وَيَغْرَمُونَهَا) ؛ أَيْ: يَغْرَمُ الْوَرَثَةُ التَّرِكَةَ؛ أَيْ: بَدَلَهَا (لِعَمْرٍو) لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِمْ بِهَا لِزَيْدٍ (وَإِنْ أَقَرُّوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ بِالتَّرِكَةِ (لَهُمَا) ؛ أَيْ: لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو (مَعًا) أَيْ: بِلَفْظٍ وَاحِدٍ؛ فَالتَّرِكَةُ (بَيْنَهُمَا) سَوِيَّةٌ؛ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (فَهِيَ لَهُ) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِإِقْرَارِهِمْ (يَحْلِفُونَ لِلْآخَرِ) إنْ ادَّعَاهَا - وَلَا بَيِّنَةَ - لِإِنْكَارِهِمْ.

(وَمَنْ خَلَفَ ابْنَيْنِ) أَوْ شَقِيقَيْنِ مِنْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ وَنَحْوَهَا (وَمِائَتَيْنِ، وَادَّعَى شَخْصٌ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى الْمَيِّتِ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الْوَارِثَيْنِ، وَأَنْكَرَ الْوَارِثُ (الْآخَرُ؛ لَزِمَ الْوَارِثَ الْمُقِرَّ نِصْفُهَا) ؛ أَيْ: الْمِائَةِ لِإِقْرَارِهِ بِهَا عَلَى أَبِيهِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ وَأَخِيهِ؛ فَقُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ أَخِيهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُقِرُّ بِالْمِائَةِ (عَدْلًا، وَيَشْهَدُ) بِهَا لِمُدَّعِيهَا (وَيَحْلِفُ مُدَّعِيهَا مَعَهُ؛ فَيَأْخُذُهَا) كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهَا غَيْرُهُ وَحَلَفَ (وَتَكُونُ الْمِائَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ) أَوْ الْأَخَوَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنْ كَانَ ضَامِنًا لِمُورِثِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَخِيهِ؛ لِدَفْعِهِ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا (وَإِنْ خَلَفَ مَيِّتٌ ابْنَيْنِ) أَوْ نَحْوَهُمَا (وَقِنَّيْنِ) عَبْدَيْنِ أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ عَبْدًا وَأَمَةً (مُتَسَاوِيَيْ الْقِيمَةِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ) عَنْ أَحَدِ الْقِنَّيْنِ (أَبِي أَعْتَقَ هَذَا بِمَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ، وَقَالَ الِابْنُ الْآخَرُ عَنْ الْقِنِّ الْآخَرِ بَلْ أَعْتَقَ (هَذَا) (عَتَقَ مِنْ كُلٍّ) مِنْ الْقِنَّيْنِ (ثُلُثُهُ، وَصَارَ لِكُلِّ ابْنٍ) مِنْ الِابْنَيْنِ سُدُسُ (مَنْ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ) مِنْ الْقِنَّيْنِ (وَنِصْفُ الْقِنِّ الْآخَرِ) الْمُنْكَرِ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنْ الِابْنَيْنِ نِصْفُ الْقِنَّيْنِ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عِتْقِ حَقِّهِ مِمَّنْ عَيَّنَهُ، وَهُوَ ثُلُثُ النِّصْفِ الَّذِي هُوَ لَهُ، وَهُوَ ثُلُثُ جَمِيعِهِ، وَلِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِحُرِّيَّةِ ثُلُثَيْهِ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا، وَهُوَ الثُّلُثُ وَيَبْقَى الرِّقُّ فِي ثُلُثِ النِّصْفِ، وَهُوَ سُدُسٌ وَنِصْفٌ الَّذِي يُنْكِرُ عِتْقَهُ.
(وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الِابْنَيْنِ عَنْ قِنٍّ مِنْ الْقِنَّيْنِ (أَبِي أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الِابْنُ الْآخَرُ أَبِي أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا وَأَجْهَلُهُ؛ أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: الْقِنَّيْنِ؛ لِتَعَيُّنِ مَنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ (فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الِابْنَيْنِ مِنْ الْقِنَّيْنِ (عَتَقَ ثُلُثَاهُ) كَمَا لَوْ عَيَّنَاهُ بِقَوْلِهَا (إنْ لَمْ يُجِيزَا) عَتَقَ بَاقِيه، فَإِذَا أَجَازَاهُ؛ عَتَقَ كُلُّهُ (وَإِنْ وَقَعَتْ) الْقُرْعَةُ (عَلَى الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْهُ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فَكَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ أَيْ: كَمَا لَوْ عَيَّنَ الِابْنُ الْآخَرُ الثَّانِيَ؛ فَلِكُلٍّ مِنْ الِابْنَيْنِ سُدُسُ الْقِنِّ الَّذِي عَيَّنَهُ وَنِصْفُ الْآخَرِ، وَيُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُلُثَهُ،

وَإِنْ قَالَا: أَعْتَقَ أَبُونَا أَحَدَهُمَا، وَلَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ، أَقْرَعَ بَيْنَ الْقِنَّيْنِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ عَتَقَ ثُلُثَاهُ إنْ لَمْ يُجِيزَا بَاقِيَهُ، وَرَقَّ الْآخَرُ.
وَمَنْ رَجَعَ مِنْ الِابْنَيْنِ وَقَالَ: عَرَفْتُ الْمُعْتَقَ مِنْهُمَا؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَكَمَا لَوْ عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَوَافَقَ تَعْيِينَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ، وَإِنْ خَالَفَهَا عَتَقَ مِنْ الَّذِي عَيَّنَهُ ثُلُثُهُ بِتَعْيِينِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخُوهُ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ، وَإِنْ عَيَّنَ الْآخَرَ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ، وَلَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ فِي الَّذِي عَتَقَ بِالْقُرْعَةِ إنْ كَانَتْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ بِحَاكِمٍ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ قُرْعَتَهُ حُكْمٌ، وَحُكْمَهُ لَا يُنْقَضُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الِابْنِ إنَّهُ ظَهَرَ لَهُ خِلَافُهُ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: إلَّا أَنْ يُثْبِتَ بَيِّنَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ.

[بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ]

ِ (وَهُوَ مَا احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ) وَقِيلَ مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ (ضِدُّ الْمُفَسَّرِ) ؛ أَيْ: الْمُبَيَّنِ (مَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا (أَوْ كَرَّرَهَا بِوَاوٍ) فَقَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، (أَوْ كَرَّرَ ذَلِكَ بِدُونِهَا) ؛ أَيْ: الْوَاوِ بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا؛ صَحَّ إقْرَارُهُ (وَقِيلَ لَهُ فَسِّرْ) وَيَلْزَمُهُ تَفْسِيرُهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الدَّعْوَى حَيْثُ لَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّهَا لِلْمُدَّعِي، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْمُقِرِّ؛ فَلَزِمَ تَبْيِينُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْجَهَالَةِ دُونَ الَّذِي لَهُ، وَأَيْضًا الْمُدَّعِي إذَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَاهُ لَهُ دَاعٍ مِنْ تَحْرِيرِهَا، وَالْمُقِرُّ لَا دَاعِيَ لَهُ، إلَى تَحْرِيرِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ، فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ.

وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ (فَإِذَا فَسَّرَهُ بِشَيْءٍ) وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ (ثَبَتَ وَإِنْ أَبَى) تَبْيِينَهُ حُبِسَ (حَتَّى يُفَسِّرَ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ؛ فَحُبِسَ بِهِ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَإِنْ عَيَّنَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَادَّعَاهُ، وَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ؛ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيَانِ، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ خِلَافًا لِلْقَاضِي.
(وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ صَحِيحٌ، وَلِذَلِكَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ (وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِحَدِّ قَذْفٍ) عَلَيْهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ؛ فَيُحَدُّ لِقَذْفِهِ بِطَلَبِهِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِحَقِّ شُفْعَةٍ) لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ يَئُولَ إلَى الْمَالِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ أَيْضًا (بِمَا يَجِبُ رَدُّهُ كَكَلْبٍ مُبَاحٍ) نَفْعُهُ كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ رَدُّهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْإِيجَابُ تَنَاوَلَهُ؛ فَقُبِلَ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ رَدُّ (جِلْدِ) مَيْتَةٍ مَأْكُولَةٍ لَوْ ذُكِّيَتْ (وَلَوْ لَمْ يُدْبَغْ) لِأَنَّهُ يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي الْيَابِسَاتِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ أَيْضًا (بِأَقَلِّ مَالٍ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الشَّيْءُ (لَا بِمَيْتَةٍ نَجِسَةٍ وَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) لِأَنَّهَا حَقًّا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ طَاهِرَةً كَسَمَكٍ وَجَرَادٍ يُتَمَوَّلُ، قُبِلَ.
وَلَا بِرَدِّ (سَلَامٍ، وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَإِجَابَةِ دَعْوَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ؛ وَإِقْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِغَيْرِ مُتَمَوِّلٍ عَادَةً كَقِشْرِ جَوْزَةٍ، وَحَبَّةِ بُرٍّ، أَوْ حَبَّةِ شَعِيرٍ) أَوْ نَوَاةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ نَحْوِ هَذِهِ (فَإِنْ مَاتَ) الْمُقِرُّ بِمُجْمَلٍ (قَبْلَ تَفْسِيرِهِ، لَمْ يُؤْخَذْ وَارِثُهُ بِشَيْءٍ) ، وَ (إنْ) أَبَى وَلَوْ (خَلَفَ الْمُقِرُّ تَرِكَةً) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَدَّ قَذْفٍ، أَوْ لَمْ يَمُتْ مُقِرٌّ، وَلَمْ يُنْكِرْ، بَلْ (قَالَ مُقِرٌّ لَا أَعْلَمُ لِي بِمَا أَقْرَرْت بِهِ) مِنْ قَوْلِي لَهُ شَيْءٌ أَوْ كَذَا وَنَحْوُهُ؛ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ إنْ طَلَبَهُ مُقَرٌّ لَهُ (وَلَزِمَهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ) فَتُعْطَى الْوَرَثَةُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَقَوْلُهُ (غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ غَصَبْتُهُ شَيْئًا؛ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِخَمْرٍ وَنَحْوِهِ) كَكَلْبٍ وَجِلْدِ مَيْتَةٍ نَجِسَةٍ، لِوُقُوعِ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَالْغَصْبِ وَالِاسْتِيلَاءِ.

وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِنَفْسِهِ) ؛ أَيْ: الْمُقَرَّ لَهُ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا بِغَصْبِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ، وَإِنْ قَالَ (غَصَبْته فَقَطْ) وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِحَبْسِهِ وَسَجْنِهِ) لِأَنَّ غَصْبَ الْحُرِّ هُوَ ذَلِكَ.
(وَلَهُ عَلَيَّ مَالٌ) يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَالِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ (مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ مَالٌ خَطِيرٌ، أَوْ مَالٌ جَلِيلٌ، أَوْ مَالٌ نَفِيسٌ، أَوْ) مَالٌ (عَزِيزٌ، أَوْ زَادَ عِنْدَ اللَّهِ) بِأَنْ قَالَ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ خَطِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ قَالَ عَظِيمٌ، أَوْ خَطِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ وَنَحْوَهُ (عِنْدِي؛ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ ذَلِكَ بِأَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ) لِأَنَّ الْعَظِيمَ وَالْخَطِيرَ وَالْكَثِيرَ وَالْجَلِيلَ وَالنَّفِيسَ وَالْعَزِيزَ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا، وَلَا لُغَةً، وَلَا عُرْفًا، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ عَظِيمًا عِنْدَ بَعْضٍ حَقِيرًا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَمَا مِنْ مَالٍ إلَّا وَهُوَ عَظِيمٌ، كَثِيرٌ خَطِيرٌ نَفِيسٌ جَلِيلٌ - وَلَوْ عِنْدَ بَعْضٍ - يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِأُمِّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا مَالٌ؛ لِغُرْمِ قَاتِلِهَا قِيمَتَهَا.

(وَلَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَوْ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ؛ قُبِلَ) تَفْسِيرُهُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَأَكْثَرَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ دَرَاهِمُ عَظِيمَةٌ أَوْ وَافِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَةَ وَالْعَظِيمَةَ وَالْوَافِرَةَ لَا حَدَّ لَهَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِضَافَاتِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، وَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا وَأَقَلُّ مِمَّا فَوْقَهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْيَسِيرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَقِرُ الْكَثِيرَ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَهِيَ الْيَقِينُ؛ فَلَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا بِالِاحْتِمَالِ.

وَلَا يُقْبَلُ (تَفْسِيرُهُ بِمَا يُوزَنُ بِالدَّرَاهِمِ عَادَةً كَإِبْرَيْسَم وَنَحْوِهِ) كَزَعْفَرَانٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ (وَقَوْلُهُ لَهُ عَلَيَّ حَبَّةٌ أَوْ لَهُ عَلَيَّ جَوْزَةٌ يَنْصَرِفُ) إطْلَاقُهُ (إلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ) ذَلِكَ (بِنَحْوِ حَبَّةِ بُرٍّ) كَحَبَّةِ شَعِيرٍ أَوْ أَرْزٍ أَوْ

بَاقِلَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِشَيْءٍ) مِنْ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ (قَدْرَ جَوْزَةٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْجَوْزَةِ.

(وَلَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا، أَوْ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ كَذَا وَكَذَا بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ لِدِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، أَمَّا فِي الرَّفْعِ؛ فَلِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مَعَ عَدَمِ التَّكْرَارِ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ، فَالدِّرْهَمُ بَدَلٌ مِنْ كَذَا، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةً، كَأَنَّهُ قَالَ: شَيْءٌ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ، التَّكْرَارُ مَعَ الْوَاوِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ شَيْئَانِ هُمَا دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وَأَبْدَلَ مِنْهُمَا دِرْهَمًا أَوْ النَّصْبِ فَالدِّرْهَمُ مُمَيِّزٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَهُوَ مُفَسِّرٌ، وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ كَأَنَّهُ قَطَعَ مَا أَقَرَّ بِهِ وَأَقَرَّ بِدِرْهَمٍ.
(وَإِنْ قَالَ الْكُلُّ) ؛ أَيْ: الصُّوَرُ الثَّلَاثُ (بِالْجَرِّ) ؛ أَيْ: جَرِّ دِرْهَمٍ؛ لَزِمَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ مَخْفُوضٌ بِالْإِضَاقَةِ؛ فَالْمَعْنَى لَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت نِصْفَ دِرْهَمٍ أَوْ رُبْعَهُ أَوْ ثُمُنَهُ وَنَحْوَهُ؛ قُبِلَ، وَإِذَا كَرَّرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَضَافَ جُزْءًا إلَى جُزْءٍ، ثُمَّ أَضَافَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ إلَى الدِّرْهَمِ (أَوْ وَقَفَ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَم أَوْ كَذَا وَكَذَا دِرْهَم أَوْ كَذَا كَذَا دِرْهَم، وَلَمْ يَرْفَعُ الدِّرْهَمَ، وَلَمْ يَنْصِبْهُ؛ وَلَمْ يَخْفِضْهُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (لَزِمَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَجْرُورٌ، وَسَقَطَتْ حَرَكَتُهُ لِلْوَقْفِ (وَيُفَسِّرُهُ بِمَا شَاءَ) كَمَا لَوْ قَالَ (لَهُ عَلَيَّ بَعْضُ الْعَشَرَةِ) فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَصْدُقُ بِكُلِّ جُزْءٍ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (شَطْرُهَا) ؛ أَيْ: الْعَشَرَةَ، فَهُوَ نِصْفُهَا، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ الْعَشَرَةِ.

(وَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَفَسَّرَهُ بِجِنْسِ) وَاحِدٍ كَدَرَاهِمَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ تُفَّاحٍ أَوْ رُمَّانٍ وَنَحْوِهِ؛ قُبِلَ.
أَوْ فَسَّرَهُ بِأَجْنَاسٍ كَقَوْلِهِ مِائَةٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَمِائَةٌ مِنْ الثِّيَابِ وَمِائَةٌ مِنْ الْأَوَانِي، وَهَكَذَا، لَا إنْ كَانَ فَسَّرَ الْأَلْفَ (بِنَحْوِ كِلَابٍ؛ قُبِلَ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وَأَمَّا الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ يَثْبُتُ نَحْوُهُ فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ هَذِهِ.

وَإِنْ قَالَ لَهُ (عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ قَالَ) : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِينَارٌ، أَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ) وَثَوْبٌ أَوْ وَفَرَسٌ، أَوْ وَعَبْدٌ، أَوْ قَالَ: لَهُ (عَلَيَّ أَلْفٌ وَمُدَبَّرٌ) أَوْ أَلْفٌ وَتُفَّاحَةٌ، وَنَحْوُهُ (أَوْ أَخَّرَ الْأَلْفَ) فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَأَلْفٌ، أَوْ دِينَارٌ وَأَلْفٌ أَوْ ثَوْبٌ وَأَلْفٌ أَوْ مُدَبَّرٌ وَأَلْفٌ وَنَحْوُهُ، أَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) أَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا) أَوْ أَلْفٌ وَعِشْرُونَ فَرَسًا (أَوْ لَمْ يَعْطِفْ) بِأَنْ قَالَ: لَهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا (أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَلْفٌ، أَوْ لَهُ خَمْسُونَ دِينَارًا وَأَلْفٌ (فَالْمُهِمُّ) فِي هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَنَحْوِهَا (مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ مَعَهُ) لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكْتَفِي بِتَفْسِيرِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَنْ الْأُخْرَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ تِسْعَ سِنِينَ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ مُبْهَمًا مَعَ مُفَسَّرٍ، وَلَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا، فَالْكُلُّ دَرَاهِمُ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَمِثْلُهُ) ، أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلَيَّ (دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ) فَالنِّصْفُ مِنْ دِرْهَمٍ (أَوْ) لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا) فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ، (أَوْ) لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ إلَّا دِينَارًا) فَالْكُلُّ دَنَانِيرُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَثْنِي فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ، فَمَتَى عُلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ عُلِمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيُقَالُ الِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ.

(وَلَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ بِدِينَارٍ؛ لَزِمَهُ دَرَاهِمُ بِسِعْرِهِ) ؛ أَيْ: الدِّينَارِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ.
(وَلَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا بِنَصْبِ دِينَارٍ) فَمَعْنَاهُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، (فَيَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ سِتَّةٌ) وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ اثْنَا عَشَرَ

دِرْهَمًا وَدِينَارٌ بِرَفْعِهِ؛ أَيْ: الدِّينَارِ (تَلْزَمُهُ الدَّرَاهِمُ) الِاثْنَا عَشَرَ وَدِينَارٌ وَاحِدٌ، ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ فِي فَتَاوِيهِ.

(وَلَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ) أَوْ الثَّوْبِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ هَذِهِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا (شِرْكٌ أَوْ قَالَ: هُوَ شَرِيكِي فِيهِ.
أَوْ قَالَ: هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا أَوْ قَالَ: هُوَ لِي وَلَهُ أَوْ قَالَ لَهُ فِيهِ سَهْمٌ؛ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ قَدْرَ حَقِّ الشَّرِيكِ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَارَةً تَقَعُ عَلَى النِّصْفِ، وَتَارَةً تَقَعُ عَلَى مَا دُونَهُ، وَتَارَةً تَقَعُ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَمَتَى تَرَدَّدَ اللَّفْظَانِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ، رَجَعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ إطْلَاقُ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ مَجَازًا، وَلَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَلِأَنَّ السَّهْمَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْمَلُ السَّهْمُ عَلَى السُّدُسِ، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِيهَا.

(وَ) إنْ قَالَ مَنْ بِيَدِهِ نَحْوُ عَبْدٍ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِفُلَانٍ (عَلَيَّ فِيهِ) أَلْفٌ، أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ (مِنْهُ أَلْفٌ) صَحَّ إقْرَارُهُ (وَقِيلَ لَهُ فَسِّرْ) سَبَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِجِنَايَةِ) الْعَبْدِ عَلَى الْمُقِرِّ لَهُ؛ وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِقَوْلِهِ نَقَدَهُ) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ (فِي ثَمَنِهِ) ؛ أَيْ: الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِقَوْلِهِ نَقْدُهُ (اشْتَرَى) الْمُقَرُّ لَهُ (رُبْعَهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ أَوْ بِقَوْلِهِ (لَهُ فِيهِ شِرْكٌ) أَوْ بِقَوْلِهِ: إنَّ مُورِثِي أَوْصَى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ، (وَلَا) يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِأَنَّهُ رَهَنَهُ عِنْدَهُ بِهِ) ؛ أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الذِّمَّةِ.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ " قَبْلَ بَابِ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ بِثَلَاثَةِ فُصُولٍ: وَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ؛ قُبِلَ.
انْتَهَى.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ.

(وَلَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِفُلَانٍ) عَلَيَّ، فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرًا؛ قُبِلَ، (وَإِنْ قَلَّ الزَّائِدُ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِدُونِهِ) وَقَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي أَكْثَرُ مِمَّا لِفُلَانٍ (لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ لِحِلِّهِ وَنَحْوِهِ) كَبَرَكَتِهِ؛ إذْ الْحَلَالُ أَنْفَعُ مِنْ الْحَرَامِ (قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُقِرُّ بِمَا لِفُلَانٍ، أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي لِفُلَانٍ كَذَا، أَوْ لَمْ تَقُمْ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يُحْتَمَلُ؛ فَوَجَبَ قَبُولُهُ (وَلَهُ عَلَيَّ مَا فِي يَدِ زَيْدٍ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ.

وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ لِآخَرَ (لِي عَلَيْك أَلْفِ دِرْهَمٍ) فَقَالَ فِي جَوَابِهِ (أَكْثَرُ؛ لَزِمَهُ) أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ (وَيُفَسِّرُهُ) ؛ أَيْ: الْأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا أَرَادَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى شَخْصٍ (مَبْلَغًا، فَقَالَ فِي جَوَابِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَك عَلَيَّ، وَقَالَ أَرَدْت التَّهَزُّؤَ؛ لَزِمَهُ حَقٌّ لَهُمَا) ؛ أَيْ: لِلْمُدَّعِي وَلِفُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِحَقٍّ مَوْصُوفٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا لِلْمُدَّعِي؛ فَلَزِمَهُ، وَيَجِبُ لِلْمُدَّعِي حَقُّهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ، وَإِرَادَةُ التَّهَزُّؤَ دَعْوَى تَتَضَمَّنُ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ؛ فَلَا تُقْبَلُ (وَيُفَسِّرُهُ) ؛ أَيْ: يَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ لَهُ: لَك عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أَلْفُ دِينَارٍ وَلَا أَكْثَرُ مِنْهَا، بَلْ تَرْجِعُ فِي مَعْنَى الْأَكْثَرِ.
وَفِي نَوْعِ الذَّهَبِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَك عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرُ فَقَدْ عَيَّنَ شَيْئَيْنِ الْعَدَدَ وَأَنَّهُ ذَهَبٌ، وَأَبْهَمَ شَيْئَيْنِ قَوْلَهُ: أَكْثَرُ وَنَوْعَ الذَّهَبِ، فَرَجَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: أَكْثَرَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: أَكْثَرُ عَدَدًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ الْأَكْثَرِ أَيْضًا، وَيَرْجِعُ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ نَوْعِ الذَّهَبِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِجَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ أَوْ مَضْرُوبٍ أَوْ غَيْرِ مَضْرُوبٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الذَّهَبَ أَنْوَاعٌ؛ فَيَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ إلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ".

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل