مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 539-578
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 539-578
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، (وَ) الْبِرَازُ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ (هُوَ أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ) الْحَرْبِ (يَدْعُو لِلْبِرَازِ) - بِكَسْرِ الْبَاءِ -: عِبَارَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ الْعَدُوِّ، وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ، بِخِلَافِ الِانْغِمَاسِ فِي الْكُفَّارِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ، وَلَا يُتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ (وَسُنَّ لِمُسْلِمٍ شُجَاعٍ طَلَبُهُ) ، أَيْ: الْبِرَازُ (ابْتِدَاءً) ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ كَافِرٌ، قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ، فَقَطْ، وَأَمَّا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُبَاحُ، (فَلَوْ طَلَبَهُ) ، أَيْ: الْبِرَازَ (عَدُوٌّ، سُنَّ لِمَنْ يَعْلَمُ) مِنْ نَفْسِهِ (أَنَّهُ كُفْؤُهُ بِرَازُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) ، لِفِعْلِ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الدَّارَةِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْقُوَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلَدِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُكَافَأَةَ لِطَالِبِ الْبِرَازِ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ، لِئَلَّا يُقْتَلَ فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، (فَإِنْ شَرَطَ) كَافِرٌ طَلَبَ الْبِرَازِ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ خَصْمٍ، لَزِمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وَحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ) جَارِيَةً (أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ خَصْمِهِ، لَزِمَ) ذَلِكَ، لِجَرَيَانِهَا مَجْرَى الشَّرْطِ، (فَإِنْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ) الْمُجِيبُ لِطَالِبِ الْبِرَازِ أَوْ الدَّاعِي إلَيْهِ (أَوْ أُثْخِنَ) بِجِرَاحٍ، (فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ الدَّفْعُ) عَنْهُ، (وَالرَّمْيُ) لِلْكَافِرِ الْمُبَارِزِ لِانْقِضَاءِ قِتَالِ الْمُسْلِمِ مَعَهُ، وَالْأَمَانُ إنَّمَا كَانَ حَالَ الْبِرَازِ، وَقَدْ زَالَ وَأَعَانَ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى قَتْلِ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ حِينَ أَثْخَنَ عُبَيْدَةَ، وَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ عَوْنُ صَاحِبِهِمْ، وَقِتَالُ مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُبَارِزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ سَبَبٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ اسْتَنْجَدَهُمْ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الرِّضَى بِفِعْلِهِمْ انْتَقَضَ أَمَانُهُ، وَجَازَ قَتْلُهُ.

(وَتَجُوزُ خُدَعَةٌ) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ: الِاسْمُ مِنْ الْخِدَاعِ، أَيْ: إرَادَةُ الْمَكْرِ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَالْخَدِيعَةِ (فِي الْحَرْبِ لِمُبَارِزٍ وَغَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا بَارَزَ عَلِيًّا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا بَرَزْت لِأُقَاتِلَ اثْنَيْنِ، فَالْتَفَتَ عَمْرٌو فَوَثَبَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، فَضَرَبَهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: خَدَعْتنِي، فَقَالَ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ.

(وَ) يَجُوزُ (قَتْلُهُ) ، أَيْ: الْكَافِرِ (قَبْلَ مُبَارَزَةٍ) ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، (إلَّا إنْ جَرَتْ عَادَةٌ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِلْبِرَازِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ) ، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، (وَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا أَوْ أَثْخَنَهُ) ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمَقْتُولِ (فَلَهُ سَلَبُهُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ، وَيَأْتِي، سَوَاءٌ قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَلَوْ شَرَطَ) السَّلَبَ (لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْقَاتِلِ، لِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ، (وَكَذَا مَنْ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ قَدِمَ عَلَى مُبَارَزَةِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ذَفَفَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، «وَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ» ، لِأَنَّهُ أَثْبَتُهُ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": ذَفَفَ: أَجْهَزَ، وَمَعْنَاهُ: أَثْبَتَ قَتْلَهُ وَأَسْرَعَهُ وَتَمَّمَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ (عَبْدًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا بِإِذْنِ) إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ، لِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(لَا مُخْذِلًا وَمُرْجِفًا وَكُلَّ عَاصٍ) كَرَامٍ بَيْنَنَا بِفِتَنٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ السَّلَبَ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ (بِشَرْطِ كَوْنِ كَافِرٍ مُمْتَنِعًا) أَيْ: مُتَيَقِّظًا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَهُ سَلَبُهُ (لَا) إنْ قَتَلَهُ

(مُشْتَغِلًا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ) كَنَائِمٍ (أَوْ مُنْهَزِمًا) ، فَلَا يُسْتَحَقُّ سَلَبُهُ بَعْدَ التَّغْرِيرِ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ قَتْلَ شَيْخٍ فَانٍ، وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ، هَذَا إذَا كَانَ مُنْهَزِمًا مَعَ الْكُفَّارِ فِي حَالِ انْهِزَامِهِمْ كُلِّهِمْ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَانْهَزَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مُتَحَيِّزًا، فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (غَيْرَ مُتَحَيِّزٍ) إلَى فِئَةٍ (أَوْ مُتَحَرِّفٍ) لِقِتَالٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ "

(وَكَذَا لَوْ قَطَعَ) مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ جِهَادٍ (أَرْبَعَتَهُ) ، أَيْ: يَدَيْ الْكَافِرِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ لِقِصَّةِ أَبِي جَهْلٍ.
(وَإِنْ قَطَعَ) مُسْلِمٌ (يَدَهُ) ، أَيْ: الْكَافِرِ (وَرِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ) ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، لِعَدَمِ الِانْفِرَادِ بِقَتْلِهِ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ، (أَوْ أَسَرَهُ) إنْسَانٌ (فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ) ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، (أَوْ قَتَلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) اشْتَرَكُوا فِيهِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، (أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَالسَّلَبُ: مَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْكَافِرِ الْمَقْتُولِ (مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَسِلَاحٍ، وَدَابَّتِهِ الَّتِي قَاتَلَ عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا) مِنْ آلَتِهَا، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا، وَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، فَأَشْبَهَ السِّلَاحَ، وَلَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَرَعَهُ عَنْهَا، وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ، (فَدَخَلَ) فِي السَّلَبِ (دِرْعٌ وَمِغْفَرُ وَبَيْضَتُهُ وَتَاجُ وَمِنْطَقَةُ) وَلَوْ مُذَهَّبَةً، (وَأَسْوِرَةُ وران وَخُفُّ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ وَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَلَتٍّ وَقَوْسٍ وَنُشَّابٍ) ، لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنْ الثِّيَابِ، (فَأَمَّا نَفَقَتُهُ) ، أَيْ: الْمَقْتُولِ، (وَرَحْلُهُ وَخَيْمَتُهُ وَجَنِيبُهُ) أَيْ: الدَّابَّةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ رَاكِبَهَا حَالَ الْقِتَالِ، (ف) هُوَ (غَنِيمَةٌ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَلَبِهِ.

. (وَيَجُوزُ سَلَبُ الْقَتْلَى وَتَرْكُهُمْ عُرَاةً) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتِيلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (وَكُرِهَ تَلَثُّمٌ فِي قِتَالٍ عَلَى أَنْفٍ) نَصًّا، (لَا لِبْسُ عَلَامَةٍ) يُعْرَفُ بِهَا (كَرِيشِ نَعَامٍ) ، بَلْ يُبَاحُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ شُجَاعًا.

[فَصْلٌ يَحْرُمُ غَزْوٌ بِلَا إذْنِ الْأَمِيرِ]

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ غَزْوٌ بِلَا إذْنِ الْأَمِيرِ) ، لِرُجُوعِ أَمْرِ الْحَرْبِ إلَيْهِ، لِعِلْمِهِ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِ وَمَكَامِنِهِ وَكَيْدِهِ، (إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ) مِنْ الْكُفَّارِ (يَخَافُونَ طَلَبَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ: شَرَّهُ وَأَذَاهُ، فَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِلَا إذْنِهِ، لِتَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ، «لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجًا عَنْ الْمَدِينَةِ تَبِعَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: خَيْرُ رِجَالِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ» (أَوْ) عَرَضَتْ لَهُمْ (فُرْصَةٌ يَخَافُونَ فَوْتَهَا) بِتَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ، (فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ) ذُو مَنَعَةٍ أَوَّلًا، (أَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ وَلَوْ عَبْدًا دَارَ حَرْبٍ بِلَا إذْنِ) إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، (فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ، لِعِصْيَانِهِمْ) بِالِافْتِئَاتِ عَلَى الْإِمَامِ، لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَنَاسَبَ حِرْمَانَهُمْ.

(وَإِنْ بَعَثَ إمَامٌ جَيْشًا) أَوْ سَرِيَّةً (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَقُتِلَ) الْأَمِيرُ (أَوْ مَاتَ، فَلِلْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) «كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ لَمَّا قُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضِيَ أَمْرَهُمْ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُمْ، وَسَمَّى خَالِدًا يَوْمَئِذٍ سَيْفَ اللَّهِ» (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْإِمَارَةُ دَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ) ، وَأَظْهَرُوا التَّجَلُّدَ وُجُوبًا، لِئَلَّا يَطْمَعَ بِهِمْ الْعَدُوُّ.

(وَلَا يُقِيمُوا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ بِلَا أَمِيرٍ وَلَا يُؤَخَّرُ جِهَادٌ، لِعَدَمِ إمَامٍ) ، لِئَلَّا يَسْتَوْلِيَ الْعَدُوُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَظْهَرَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ.

(فَإِنْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ قَسَمُوهَا عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ) ، كَمَا يُقَسِّمُهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي (قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (وَتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الْإِمَاءِ حَتَّى يَقُومَ إمَامٌ) ، فَيُقَسِّمُهَا (احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ، وَمَنْ

أَخَذَ) مِنْ الْجَيْشِ أَوْ أَتْبَاعِهِ (مِنْ دَارِ حَرْبٍ رِكَازًا أَوْ مُبَاحًا لَهُ قِيمَةٌ) فِي مَكَانِهِ (ف) هُوَ (غَنِيمَةٌ) ، لِحَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي جَوَيْرِيَةَ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: «لَقِيت بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فِي إمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْنَا مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَانِي مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ، لَأَعْطَيْتُك، ثُمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَلَيَّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبَيْت» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَتُهُ هُنَاكَ كَالْأَقْلَامِ وَالْمِسَنِّ، فَلِآخِذِهِ، وَلَوْ صَارَ لَهُ قِيمَةٌ بِنَقْلِهِ وَمُعَالَجَتِهِ.

(وَ) مَنْ أَخَذَ (طَعَامًا وَلَوْ سُكَّرًا وَنَحْوَهُ) كَحَلْوَى وَمَعَاجِينَ، (أَوْ) أَخَذَ (عَلَفًا وَلَوْ بِلَا إذْنِ) أَمِيرٍ، (وَ) لَا (حَاجَةَ، فَلَهُ أَكْلُهُ، وَلَهُ إطْعَامُ سَبِيٍّ اشْتَرَاهُ وَنَحْوُهُ) كَعَبْدِهِ وَغُلَامِهِ، (وَ) لَهُ (عَلَفُ دَابَّتِهِ وَلَوْ) كَانَتْ (لِتِجَارَةٍ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَلِسَعِيدٍ: أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ إنَّا أَصَبْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْغَلَّةِ، وَكَرِهْت أَنْ أَتَقَدَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ: دَعْ النَّاسَ يَعْلِفُونَ وَيَأْكُلُونَ، فَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِيهِ خُمُسُ اللَّهِ، وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ و (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْلِفَ مِنْهُ دَابَّةً (لِصَيْدٍ كَفَهْدٍ وَجَارِحٍ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيَرُدُّ فَاضِلًا) مِنْ طَعَامٍ وَعَلَفٍ، (وَلَوْ) كَانَ (يَسِيرًا) ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، (وَ) يَرُدُّ (ثَمَنَ مَا بَاعَ) مِنْ طَعَامٍ وَعَلَفٍ لِلْخَبَرِ، (وَيَجُوزُ قِتَالٌ بِسِلَاحٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَيَرُدُّهُ) مَعَ حَاجَةٍ وَعَدَمِهَا، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِعِظَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.

و (لَا) يَجُوزُ الْقِتَالُ (عَلَى فَرَسٍ) أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ، (وَلَا

لِبْسُ ثَوْبٍ مِنْهَا) ، لِحَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ عُرْضَةٌ لِلْعَطَبِ غَالِبًا، وَقِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ السِّلَاحِ

(وَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (أَخْذُ شَيْءٍ مُطْلَقًا) مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ (مِمَّا أُحْرِزَ) مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ الْأَخْذُ قَبْلَ جَمْعِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ نَحْوِ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ فَإِذَا جُمِعَ ثَبَتَ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ وَصَارَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُ شَيْءٍ (وَكَّلَ بِهِ إمَامٌ مَنْ يَحْفَظُهُ) ، لِأَنَّهُ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَمَّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ بِحِيَازَةِ مَنْ وَكَّلَهُ الْإِمَامُ.

(وَلَا) تَجُوزُ (التَّضْحِيَةُ بِشَيْءٍ) يَجِبُ (فِيهِ الْخُمْسُ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، (أَوْ) ، أَيْ: لَا يَجُوزُ (غَسْلُ ثَوْبٍ بِصَابُونٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ فِي الْمَغْنَمِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَجُوزُ (اتِّخَاذُ نَعْلٍ وَنَحْوِهِ) كَجِرَبِ (مِنْ جُلُودِ) الدَّوَابِّ الْمَغْنُومَةِ، وَلَا خُيُوطٍ وَحِبَالٍ بَلْ يُرَدُّ فِي الْمَغْنَمِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِ (لِحَاجَةِ دَهْنِ بَدَنِهِ وَدَابَّتِهِ) بِدُهْنٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ (وَ) لَهُ (شُرْبُ شَرَابٍ كَجُلَّابٍ وسكنجبيل) لِحَاجَةٍ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الطَّعَامِ.

(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدٍ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْفَاضِلُ) مِمَّا أَخَذَهُ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ أُعْطِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ بِأَلْفٍ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَخْذُهُ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْفَاضِلُ يُصْرَفُ (فِي الْغَزْوِ) ، لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيَصْرِفَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَلَزِمَ إنْفَاقُهُ فِيهَا، كَوَصِيَّةِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ، وَلَا يَتْرُكُ لِأَهْلِهِ شَيْئًا مِمَّا أُعْطِيهِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ حَتَّى يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ، فَيَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ.

(وَإِنْ أَخَذَ دَابَّةً غَيْرَ عَارِيَّةٍ وَ) لَا (حَبِيسٍ لِغَزْوِهِ عَلَيْهَا مَلَكَهَا بِهِ) ، أَيْ: بِالْغَزْوِ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ

عُمَرَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْلَا أَنَّهُ مَلَكَهُ مَا بَاعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ مِنْ عُمَرَ فَيُقِيمُهُ لِلْبَيْعِ، فِي الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ عَلَيْهِ، أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنْ لَمْ يَغْزُ رَدَّهَا وَمَعْنَى أَضَاعَهُ: أَهْزَلَهُ.
(وَمِثْلُهَا) : الدَّابَّةُ (سِلَاحٌ وَتُرْسٌ وَنَفَقَةٌ) أُعْطِيَ ذَلِكَ لِيَغْزُوَ بِهِ، (فَيَمْلِكُ أَخْذَهُ) بِالْغَزْوِ، فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ لِغَيْرِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ، فَلَا بَأْسَ.
(وَلَا تُرْكَبُ دَوَابُّ السَّبِيلِ فِي حَاجَةِ) نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُسْبَلْ لِذَلِكَ، (بَلْ) تُرْكَبُ وَتُسْتَعْمَلُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى لِأَنَّهَا سُبِّلَتْ لِذَلِكَ، أَوْ تُرْكَبُ لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهَا، (وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ) مُسْتَوْفَى وَسَهْمُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ كَمَنْ غَزَا عَلَيْهِ يُعْطِي مِنْهُ نَفَقَتَهُ وَالْبَاقِي لَهُ.

[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ]

(بَابُ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ) يُقَالُ: غَنِمَ فُلَانٌ الْغَنِيمَةَ يَغْنَمُهَا، وَاشْتِقَاقُهُمَا مِنْ الْغُنْمِ، وَأَصْلُهُ: الرِّبْحُ وَالْفَضْلُ، وَالْمَغْنَمُ مُرَادِفٌ لِلْغَنِيمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] وَقَدْ اُشْتُهِرَ وَصَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1]

الْآيَةَ، ثُمَّ صَارَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَخُمُسُهَا لِغَيْرِهِمْ، (وَخُصَّتْ بِهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (هَذِهِ الْأُمَّةُ) دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرَكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهِيَ) ، أَيْ: الْغَنِيمَةُ: (مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ حَرْبِيٍّ) خَرَجَ بِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ خَرَاجٍ وَنَحْوِهِ (قَهْرًا بِقِتَالٍ) خَرَجَ بِهِ مَا جَلَوْا، (وَتَرَكُوهُ) فَزَعًا وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ الْعُشْرِ إذَا اتَّجَرُوا إلَيْنَا وَنَحْوُهُ.
(وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا أُخِذَ) مِنْ (فِدْيَةِ) أَسْرَى (أَوْ هَدِيَّةٍ لِلْأَمِيرِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ) الْغَانِمِينَ (بِدَارِ حَرْبٍ وَ) ، أَمَّا الْحَاصِلُ لِلْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْهَدَايَا (بِدَارِنَا) فَهُوَ (لِمُهْدَى لَهُ) بِلَا نِزَاعٍ.

(وَيَمْلِكُ أَهْلُ حَرْبِ مَا لَنَا بِقَهْرٍ) حَتَّى عَبْدَ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ، فَكَذَا عَكْسُهُ، كَالْبَيْعِ، وَكَمَا يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّوَابُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ (مِلْكًا مُقَيَّدًا لَا يُسَاوِي أَمْلَاك الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى) لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ إذَا أَدْرَكَهُ يَأْخُذُهُ إمَّا مَجَّانًا أَوْ بِالثَّمَنِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي، فَيَمْلِكُ أَهْلُ حَرْبٍ مَا أَخَذُوهُ مِنَّا قَهْرًا، (وَلَوْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ) ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (أَوْ) ، أَيْ: وَيَمْلِكُونَ مَا (شَرَدَ) إلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّنَا (أَوْ أَبَقَ) إلَيْهِمْ مِنْ رَقِيقِنَا (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ الْآبِقُ (قِنًّا مُسْلِمًا) ، فَيَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْقَوَاعِدِ "، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَتَذْكِرَةِ " ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُحَرَّرِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(أَوْ أَلْقَتْهُ رِيحٌ إلَيْهِمْ) مِنْ سُفُنِنَا، (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِمُسْلِمٍ وَمُكَاتَبٍ، لِأَنَّهُمَا يُضَمَّنَانِ إلَيْهِمْ مِنْ سُفُنِنَا، (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِمُسْلِمٍ وَمُكَاتَبٍ، لِأَنَّهُمَا يُضَمَّنَانِ بِقِيمَتِهِمَا عَلَى مُتْلِفِهِمَا، فَمَلَكُوهُ كَالْقِنِّ، (وَ) مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مِلْكِهِمْ مَالَ الْمُسْلِمِ بِأَخْذِهِ أَنَّهُ (يَنْفَسِخُ بِهِ) ، أَيْ: بِاسْتِيلَاءِ أَهْلِ حَرْبٍ (نِكَاحُ أَمَةٍ) مُزَوَّجَةٍ اسْتَوْلُوا عَلَيْهَا وَحْدَهَا لِمِلْكِهِمْ رَقَبَتَهَا وَمَنَافِعَهَا، وَكَنِكَاحِ كَافِرَةٍ سُبِيَتْ وَحْدَهَا.

(وَ) مِنْهُ (لَوْ بَقِيَ مَالُ مُسْلِمٍ مَعَهُمْ) ، أَيْ: الْحَرْبِيِّينَ حَوْلًا (أَوْ أَحْوَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِ

، (أَوْ كَانَ) مَا أَخَذُوهُ (عَبْدًا) أَوْ أَمَةً، (فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُعْتَقْ) ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، (أَوْ كَانَتْ) الْمَأْخُوذَةُ (أَمَةً) وَطِئَهَا سَيِّدُهَا، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، (فَلَهُ) ، أَيْ: سَيِّدِهَا (وَطْءُ) أُخْتٍ لَهَا (بَاقِيَةٍ) فِي مِلْكِهِ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَأْخُوذَةِ

(أَوْ أَسْلَمَ مَنْ) ، أَيْ: حَرْبِيٌّ (بِيَدِهِ) مَالٌ لِمُسْلِمٍ، فَهُوَ لَهُ نَصًّا، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَإِذَا أَسْلَمُوا وَفِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ لَهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
(أَوْ جَاءَنَا) حَرْبِيٌّ (بِأَمَانٍ) وَفِي يَدِهِ مَالُ مُسْلِمٍ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ قَهْرًا، (فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِسَبَبِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ، (وَلَا يَمْلِكُونَ) حَبِيسًا وَلَا (وَقْفًا) ، عَبْدًا كَانَ أَوْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ.

(وَلَا يَضْمَنُ) أَهْلُ حَرْبٍ (مَا) أَتْلَفُوهُ مِمَّا (اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ) مِنْ أَمْوَالِنَا (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ وَقْفًا أَوْ مِلْكًا بِالْإِجْمَاعِ، (وَيُعْمَلُ) بِوَسْمٍ عَلَى حَبِيسٍ، لِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، كَمَا يُعْمَلُ (بِقَوْلِ مَأْسُورٍ) اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْآنَ (هُوَ مِلْكُ فُلَانٍ وَيُرَدُّ لَهُ) إذَا عَرَفَهُ وَلَا يُقْسَمُ نَصًّا،

وَكَذَا أُصِيبَ مَرْكَبٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فِيهَا نَوَاتِيَّةٌ، وَقَالُوا: هَذَا لِفُلَانٍ، وَهَذَا لِفُلَانٍ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا قَدْ عُرِفَ صَاحِبُهُ لَا يُقْسَمُ (وَلَا) يَمْلِكُونَ (حُرًّا وَلَوْ ذِمِّيًّا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِحَالٍ، فَإِذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى ذِمَّتِهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ بَاقِيَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ نَقْضَهَا

(وَيَلْزَمُ فِدَاؤُهُ) ، أَيْ: الذِّمِّيِّ مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ، (ك) مَا يَلْزَمُ فِدَاءُ (مُسْلِمٍ وَلَا) يَجُوزُ (فِدَاءُ) أَسِيرٍ (بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاحٍ) ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، (وَلَا) فِدَاءُ (بِمُكَاتَبٍ وَ) لَا (أُمِّ وَلَدٍ) وَلَوْ كَافِرَيْنِ، لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا.

(وَلِمُشْتَرٍ أَسِيرًا) مِنْ كَافِرٍ (رُجُوعٌ) عَلَى الْأَسِيرِ (بِثَمَنِهِ بِنِيَّةٍ) ، أَيْ: نِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَ مَا انْقَسَمَ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُشْتَرَى، وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ يَلْزَمُهُ فِدَاءُ نَفْسِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ، فَإِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ عَنْهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (فَيُقْبَلُ قَوْلُ أَسِيرٍ فِي قَدْرِهِ) ، لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ

(وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ حَرْبٍ (مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ) مَالُ (مُعَاهِدٍ) ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ (مَجَّانًا) ، أَيْ: بِلَا عِوَضٍ، (وَلَوْ بِسَرِقَةٍ) وَعُرِفَ رَبُّهُ، (فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ) إنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ قِسْمَةٍ (مَجَّانًا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ عَبْدًا لَهُ أَبَقَ إلَى الْعَدُوِّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى ابْنِ عُمَرَ» وَعَنْهُ قَالَ: «ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَلِقَوْلِ عُمَرَ: مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ يُقْسَمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ.

(وَلَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَبِّهِ) وَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لِأَنَّ قِسْمَتَهُ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُقْسَمْ (وَ) إنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ (بِشِرَاءٍ أَوْ) قِتَالٍ وَأَدْرَكَهُ رَبُّهُ (بَعْدَ قِسْمَتِهِ غَنِيمَةً فَهُوَ) ، أَيْ: رَبُّهُ، (أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ أَنْ نُقْسِمَهُ فَهُوَ لَك، وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» وَلِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ضَيَاعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَحِرْمَانِ أَخْذِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَحَقُّهَا يَنْجَبِرُ بِالثَّمَنِ، فَرُجُوعُ صَاحِبِ الْمَالِ فِي عَيْنِ مَالِهِ بِثَمَنِهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ كَأَخْذِ الشَّخْصِ بِالشُّفْعَةِ، (وَلَوْ بَاعَهُ) ، أَيْ: مَالَ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ أَوْ أَخَذَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، لَزِمَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ، لِصُدُورِهِ مِنْ مَالِكٍ فِي مِلْكِهِ، (وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ) مَجَّانًا إنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ كُفَّارٍ مَجَّانًا، وَبِثَمَنِهِ إنْ كَانَ أَخَذَ مِنْهُمْ بِشِرَاءٍ أَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ (مِنْ آخَرَ مُشْتَرٍ وَ) آخَرَ (مُتَّهِبٍ) كَأَوَّلٍ أَخْذٍ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي " الْقَوَاعِدِ ": وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَمْنَعُ الصَّرْفَ كَالشُّفْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ (مَا وُقِفَ أَوْ عَتَقَ) لِمَنْعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ: لَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَخَذَهَا.

وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً مُزَوَّجَةً أَوْ أَخَذَ مِنْهُمْ أُمَّ وَلَدٍ؛ رُدَّتْ الْحُرَّةُ الْمُزَوَّجَةُ لِزَوْجِهَا، وَرُدَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهَا، (وَيَلْزَمُ سَيِّدًا أَخْذُهَا) قَبْلَ قِسْمَةٍ مَجَّانًا، وَبَعْدَ قِسْمَةٍ بِثَمَنِهَا، وَلَا يَدَعْهَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ وَوَلَدُهُمَا، أَيْ: الْحُرَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مِنْهُمْ، أَيْ: الْحَرْبِيَّيْنِ، كَوَلَدِ زِنَا، وَوَلَدِ

مُلَاعَنَةٍ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَإِنْ أَبَى وَلَدُهَا مِنْهُمْ الْإِسْلَامَ (ضُرِبَ وَحُبِسَ حَتَّى يُسْلِمَ وَيَتُوبَ مِنْ كُفْرِهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ كَمَفْقُودِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ هَذَا) ، أَيْ: عُدِمَ قَتْلُهُ (إذَا كَانَتَا) ، أَيْ: الْحُرَّةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ (كَافِرَتَيْنِ) ، لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ كَافِرٍ وَكَافِرَةٍ، وَمَا دَامَا فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُمَا، (إلَّا) بِأَنْ كَانَتَا مُسْلِمَتَيْنِ (فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ) تَبَعًا لِأُمِّهِ، فَلَا يُقِرُّ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[فَصْلٌ تُمْلَكُ غَنِيمَةٌ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهَا]

(فَصْلٌ) (وَتُمْلَكُ غَنِيمَةٌ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهَا) وَلَوْ (بِدَارِ حَرْبٍ) نَصًّا، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ التَّامَّ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَقَدْ وُجِدَ لِثُبُوتِ أَيْدِينَا عَلَيْهَا حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ عَنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُمْ فِي الْعَبِيدِ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْمِلْكُ لَا يَزُولُ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ (كَعِتْقِ عَبْدٍ حَرْبِيٍّ) أَسْلَمَ و (لَحِقَ بِنَا) ، يَعْنِي: وَيَدُلُّ عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ بِالْقَهْرِ أَنَّ عَبْدَ الْحَرْبِيِّ لَمَّا قَهَرَهُ بِإِسْلَامِهِ وَلُحُوقِهِ بِنَا صَارَ حُرًّا، (وَفِي " الْمُنْتَهَى " هُنَا نَظَرٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَالَ هُنَا: كَعِتْقِ عَبْدٍ حَرْبِيٍّ، وَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ أَسْلَمَا،

وَلَحِقَا بِنَا فَقَيَّدَ الْعِتْقَ وَالْإِبَانَةَ عَلَى حُصُولِ أَمْرَيْنِ الْإِسْلَامِ وَاللُّحُوقِ بِنَا، مَعَ أَنَّهُ أَسْلَفَ قَبْلُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْحَبِيسَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، أَوْ نَزَلَ مِنْ حِصْنٍ، فَهُوَ حُرٌّ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِإِسْلَامٍ بَلْ صَرَّحَ بِحُصُولِهِ بِالْأَمَانِ، وَيَأْتِي فِي نِكَاحِ الْكُفَّارِ أَنَّ الْكَافِرَةَ لَا تَبِينُ بِمُجَرَّدِ لُحُوقِهَا بِدَارِنَا، أَيْ: مَا لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتُهَا قَبْلَ إسْلَامِ زَوْجِهَا، فَيَكُونُ مَا فِي الْمُنْتَهَى " هُنَا مَخْرَجٌ عَلَى ضَعِيفٍ.

(وَيَجُوزُ قِسْمَتُهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (فِيهَا) ، أَيْ: دَارِ الْحَرْبِ، لِمَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَبِيعُونَ غَنَائِمَهُمْ، وَيُقَسِّمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ، «وَلَمْ يَقْفُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَةٍ قَطُّ أَصَابَ فِيهَا غَنِيمَةً إلَّا خَمَّسَهُ، وَقَسَمَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْفُلَ، مِنْ ذَلِكَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ وَحُنَيْنٍ» .

(وَ) يَجُوزُ (بَيْعُهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا، (فَلَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (عَدُوٌّ) بَعْدَ أَنْ تَبَايَعُوهَا (بِمَكَانِهَا) ، فَأَخَذَهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ، (ف) هِيَ (مِنْ) ضَمَانِ (مُشْتَرٍ) ، سَوَاءٌ فَرَّطَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهَذَا نَمَاؤُهُ لِلْمُشْتَرِي، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْبُوضٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.

(وَشِرَاءُ الْأَمِيرِ مِنْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (لِنَفْسِهِ إنْ وَكَّلَ مَنْ جُهِلَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) ، أَيْ: الْأَمِيرُ فِي الشِّرَاءِ مِنْهَا، (صَحَّ) شِرَاؤُهُ لَهُ، لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمُحَابَاةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ وَكَّلَهُ الْأَمِيرُ فِي بَيْعِ الْغَنِيمَةِ، وَفِي الشِّرَاءِ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَلَا لِلْأَمِيرِ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي نَصِّ الْأَمَامِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَغْنَمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، لِأَنَّهُ يُحَابِي، وَلِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ وَكِيلِ نَفْسِهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ، (حَرُمَ) الشِّرَاءُ نَصًّا.

(وَيَتَّجِهُ: وَلَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ فِي غَزْوَةِ جَلُولَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَابِي.
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَأَنَّ ابْنَ الْأَمِيرِ مِثْلُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَتُضَمُّ غَنِيمَةُ سَرَايَا الْجَيْشِ إلَى غَنِيمَتِهِ) أَيْ: الْجَيْشِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِينَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَتُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدَتِهِمْ» وَ «فِي تَنْفِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبْعُ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ» دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ نَفَّدَ الْإِمَامُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ جَيْشَيْنِ، أَوْ سَرِيَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ انْفَرَدَ كُلٌّ بِمَا غَنِمَهُ، لِانْفِرَادِهِ بِالْجِهَادِ، بِخِلَافِ الْمَبْعُوثِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.

(وَيَبْدَأُ فِي قَسْمٍ بِدَفْعِ سَلَبٍ) لِأَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، دُفِعَ إلَيْهِ إنْ عُرِفَ (ثُمَّ بِأُجْرَةِ جَمْعِ) غَنِيمَةٍ (وَحَمْلِهَا وَحِفْظِ) هَا، لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا، كَعَلَفِ دَوَابِّهَا، (وَ) دَفْعِ (جُعْلِ مَنْ دَلَّ عَلَى مَصْلَحَةٍ) مِنْ مَاءٍ أَوْ قَلْعَةٍ أَوْ ثُغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا إلَى حِصْنٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَبِ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ، قُلْت: هَذَا مِنْ النَّفْلِ، فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْخُمُسِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَيَأْتِي.
(ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِي) عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، (ثُمَّ) يُخَمِّسُ (خُمُسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ) ، مِنْهَا: (سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَصْرِفُهُ كَالْفَيْءِ) فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهَا.
(وَكَانَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَدْ خُصَّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (مِنْ الْمَغْنَمِ بِالصَّفِيِّ، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّفِيُّ: (مَا يَخْتَارُهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَبْلَ قِسْمَةِ) غَنِيمَةٍ مِنْهَا (كَجَارِيَةٍ وَثَوْبٍ وَسَيْفٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ: إنَّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمْ

الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمِ الصَّفِيِّ، إنَّكُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «وَأَنْ تُعْطُوا سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّفِيَّ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ، وَانْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَلَى الْحَقِّ

(وَسَهْمٍ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ) دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: «لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَتَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَلَمْ نُنْكِرْ فَضْلَهُمْ، لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إخْوَانِنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْك بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، فَقَالَ: إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
(حَيْثُ كَانُوا) ، أَيْ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِالْقَرَابَةِ، أَشْبَهَ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ، (غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي أَقَارِبَهُ كُلَّهُمْ، وَفِيهِمْ الْغَنِيُّ كَالْعَبَّاسِ» (وَلَا شَيْءَ لِمَوَالِيهِمْ) ، لِأَنَّهُ لَيْسُوا مِنْهُمْ، (وَ) لَا (أَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ) مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْفَعْ لِأَقَارِبِ أُمِّهِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَلَا إلَى بَنِي عَمَّاتِهِ كَالزُّبَيْرِ، (وَلَا) شَيْءَ (لِبَاقِي قُرَيْشٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَسَهْمٍ لِفُقَرَاءِ الْيَتَامَى، وَهُمْ) ، أَيْ: الْيَتَامَى: (مَنْ لَا أَبَ لَهُ) ، أَيْ: مَاتَ أَبُوهُ، (وَلَمْ يَبْلُغْ) ، لِحَدِيثِ: «لَا يُتْمَ

بَعْدَ احْتِلَامٍ» وَاعْتُبِرَ فَقْرُهُمْ، لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ لِحَاجَتِهِمْ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْمَالِ أَنْفَعُ مِنْ وُجُودِ الْأَبِ

(وَلَوْ جَهِلَ بَقَاءَ أَبِيهِ) ، فَلَا يُعْطَى لِصِفَةِ الْيُتْمِ، (إذْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: أَبِيهِ، (وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ) ، أَيْ: أَهْلِ الْحَاجَةِ، (وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْفُقَرَاءُ، فَهُمْ) ، أَيْ: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، (صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، إلَّا) فِي (الزَّكَاةِ) ، فَهُمْ صِنْفَانِ، وَتَقَدَّمَ.

(وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءٍ السَّبِيلِ، فَيُعْطَى الْجَمِيعُ) مِنْ الْخُمُسِ (كَزَكَاةٍ) ، فَيُعْطَى الْمِسْكِينُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَكَذَا الْيَتِيمُ، وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ (بِشَرْطِ إسْلَامِ الْكُلِّ) ، لِأَنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ، فَلَا حَقَّ لِكَافِرٍ فِيهِ كَزَكَاةٍ، وَلَا لِقِنٍّ، (وَيَعُمُّ بِذَلِكَ مَنْ يَجْمَعُ الْبِلَادَ) مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ (حَسَبَ الطَّاقَةِ) ، فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ إلَى عُمَّالِهِ بِالْأَقَالِيمِ، وَيَنْظُرُ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ اسْتَوَتْ فَرَّقَ كُلَّ خُمُسٍ فِيمَا قَارَبَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَمَرَ بِحَمْلِ الْفَضْلِ، فَيُدْفَعُ لِمُسْتَحِقِّهِ كَمِيرَاثٍ.

(فَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) سَهْمَهُمْ، (رُدَّ فِي كُرَاعٍ، وَهُوَ: الْخَيْلُ وَ) فِي (سِلَاحٍ) عِدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
(وَمَنْ فِيهِ) مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْخُمُسِ (سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ، كَابْنِ سَبِيلٍ مِسْكِينٍ يَتِيمٍ أَخَذَ بِهَا) ، لِأَنَّهَا أَسْبَابُ أَحْكَامٍ، فَوَجَبَ ثُبُوتُ أَحْكَامِهَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ، (لَكِنْ لَوْ أَخَذَ لِيُتْمِهِ، فَزَالَ فَقْرُهُ) بِأَنْ اسْتَغْنَى بِمَا أُعْطِيهِ لِيُتْمِهِ، (لَمْ يُعْطَ لِفَقْرِهِ) شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا، (ثُمَّ يَبْدَأُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ الْبَاقِيَةِ) لِلْغَانِمِينَ (بِنَفَلٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: النَّفَلُ: (الزَّائِدُ عَلَى السَّهْمِ لِمَصْلَحَةٍ) ، لِانْفِرَادِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ بِهِ، فَقُدِّمَ عَلَى الْقِسْمَةِ كَالسَّلَبِ (كَعَمَلِ مَا فِيهِ غَنَاءٌ) لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَنَفَّلَ السَّرَايَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، (أَوْ) قَوْلِ الْأَمِيرِ (مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ كَذَا) أَوْ مَنْ طَلَعَ حِصْنًا أَوْ نَقَبَهُ، أَوْ دَلَّ

عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ مَاءٍ، فَلَهُ كَذَا، (ثُمَّ يَرْضَخُ) الْإِمَامُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الرَّضْخُ: (عَطَاءٌ دُونَ السَّهْمِ) لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيَرْضَخُ (لِمُمَيِّزٍ وَقِنٍّ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٍ عَلَى مَا يَرَاهُ إمَامٌ) أَوْ نَائِبُهُ (عَلَى قَدْرِ نَفْعِهِمْ) ، فَيُفَضِّلُ الْمُقَاتِلَ وَذَا الْبَأْسِ، وَمَنْ تَسْقِي الْمَاءَ وَتُدَاوِي الْجَرْحَى عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، (إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ) ، أَيْ: الرَّضْخُ (لِرَاجِلٍ سَهْمُ رَاجِلٍ وَلَا لِفَارِسٍ سَهْمُ فَارِسٍ) ، لِئَلَّا يُسَاوِي مَنْ يُسْهَمُ لَهُ، (وَلِمُبَعَّضٍ بِالْحِسَابِ مِنْ رَضْخٍ وَإِسْهَامٍ) كَحَدٍّ، وَدِيَةٍ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّفَلَ وَالرَّضْخَ يَكُونُ إخْرَاجُهُمَا بَعْدَ إخْرَاجِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي.
شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ الرَّضْخَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَمْ نَرَهُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ كَذَلِكَ.

(وَإِنْ غَزَا قِنٌّ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ رَضَخَ لَهُ) ، أَيْ: الْقِنُّ، (وَقَسَمَ لَهَا) ، أَيْ: الْفَرَسِ تَحْتَهُ، لِأَنَّ سَهْمَهَا لِمَالِكِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ فَرَسٌ أُخْرَى كَمَا لَوْ كَانَتَا مَعَ السَّيِّدِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ فَرَسَانِ) ، لِأَنَّهُ لَا سَهْمَ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي.

تَنْبِيهٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ انْكَشَفَ حَالُهُ قَبْلَ أَنْ تُقْضَى الْحَرْبُ وَالْقِسْمَةُ، أَوْ بَعْدَهُمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أُتِمَّ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ

(وَإِنْ كَانَ الْغَانِمُ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ فَقَطْ) كَعَبِيدٍ وَصِبْيَانٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَغَنِمُوا، أَخَذَ الْإِمَامُ خُمُسَهُ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ، لِعُمُومِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
(فَهَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) ، لِأَنَّهُمْ

تَسَاوَوْا كَالْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ، (أَوْ) يُقَسَّمُ (عَلَى مَا يَرَاهُ إمَامٌ) مِنْ مُفَاضَلَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ رِجَالٌ أَحْرَارٌ؟ (احْتِمَالَانِ) أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ.

(وَإِنْ غَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ كُفَّارٍ وَحْدَهُمْ فَغَنِمُوا) ، فَغَنِيمَتُهُمْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، وَحَيْثُ كَانَتْ لَهُمْ، (فَهَلْ يُؤْخَذُ خُمُسُ غَنِيمَتِهِمْ؟ احْتِمَالَانِ) مُتَسَاوِيَانِ، (ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي) بَعْدَ مَا سَبَقَ (بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، لِقَصْدِ قِتَالٍ) قَاتَلَ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ حَتَّى تُجَّارِ الْعَسْكَرِ، وَأُجَرَائِهِمْ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُقَاتِلِ رِدْءٌ لِلْمُقَاتِلِ وَيُسَهَّمُ لِخَيَّاطٍ وَخَبَّازٍ وَبَيْطَارٍ وَنَحْوهمْ حَضَرُوا، نَصًّا، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْقِتَالِ مِنْ تُجَّارٍ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا نَفْعَ فِيهِمْ، (أَوْ بَعَثَ فِي سَرِيَّةٍ أَوْ) بَعَثَ (لِمَصْلَحَةٍ كَرَسُولٍ وَدَلِيلٍ وَجَاسُوسٍ، وَمَنْ خَلَّفَهُ الْأَمِيرُ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ، وَغَزَا وَلَمْ يَمُرَّ) الْأَمِيرُ بِهِ فَيَرْجِعُ، لِأَنَّهُ فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْإِسْهَامِ مِمَّنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ وَلَمْ يُقَاتِلْ (وَلَوْ مَعَ مَنْعِ غَرِيمٍ لَهُ أَوْ) مَنْعِ (أَبٍ) لَهُ، لِتَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ بِحُضُورِ الصَّفِّ، وَلَا يُسَهَّمُ لِمَنْ (لَا يُمْكِنُهُ قِتَالٌ) لِمَرَضٍ (وَلَا لِدَابَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ) قِتَالٌ (عَلَيْهَا لِمَرَضٍ) كَزَمَانَةٍ وَشَلَلٍ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْجِهَادِ، بِخِلَافِ حُمَّى يَسِيرَةٍ وَصُدَاعٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَنَحْوِهِ، فَيُسَهَّمُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ.

و (لَا) يُسَهَّمُ (لِمُخْذِلٍ وَمُرْجِفٍ وَنَحْوِهِمَا) كَرَامٍ بَيْنَنَا بِفِتَنٍ، وَمُكَاتِبٍ بِأَخْبَارِنَا، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الدُّخُولِ مَعَ الْجَيْشِ، أَشْبَهَ الْفَرَسَ الْعَجِيفَ (وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ) ، أَيْ: التَّخْذِيلَ وَالْإِرْجَافَ وَنَحْوَهُ، (وَقَاتَلَ) لِعِصْيَانِهِ (وَلَا يُرْضَخُ لَهُ) ، أَيْ: الْمُخْذِلِ وَالْمُرْجِفِ وَنَحْوِهِ، (وَلَا) يُسَهَّمُ، وَلَا يُرْضَخُ (لِمَنْ نَهَاهُ الْأَمِيرُ أَنْ يَحْضُرَ) فَلَمْ يَنْتَهِ لِمُخَالَفَتِهِ، (وَ)

لَا (كَافِرٍ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) ، أَيْ: الْأَمِيرَ، (وَ) لَا (عَبْدٍ لَمْ يَأْذَنْ) لَهُ (سَيِّدُهُ) فِي غَزْوٍ لِعِصْيَانِهِمَا، (و) لَا (طِفْلٍ وَ) لَا (مَجْنُونٍ) ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمَا لِلْقِتَالِ، (وَ) لَا (مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ) كَافِرَيْنِ لِعِصْيَانِهِ.

فَيُقَسَّمُ (لِلرَّاجِلِ وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ، وَيُسَمَّى: الْعَتِيقُ، ثَلَاثَةُ) أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: «لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ هَكَذَا لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا» ، (وَ) لِلْفَارِسِ (عَلَى فَرَسٍ هَجِينٍ، وَهُوَ مَا أَبُوهُ فَقَطْ عَرَبِيٌّ، أَوْ) عَلَى فَرَسٍ (مُقْرِفٍ عَكْسُ الْهَجِينِ) ، وَهُوَ: مَا أُمُّهُ فَقَطْ عَرَبِيَّةٌ، (أَوْ) عَلَى فَرَسِ (بِرْذَوْنٍ، وَهُوَ: مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ، سَهْمَانِ) : سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمٌ لِفَرَسِهِ، لِحَدِيثِ مَكْحُولٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الْهَجِينَ سَهْمًا» رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَعَنْ عُمَرَ شَبَهُهُ.

(وَإِنْ غَزَا اثْنَانِ عَلَى فَرَسِهِمَا، فَلَا بَأْسَ) بِهِ (وَسَهْمُهُ لَهُمَا) بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا فِيهِ كَسَائِرِ نَمَائِهِ، (وَسَهْمُ) فَرَسٍ (مَغْصُوبٍ) غَزَا عَلَيْهِ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ (لِمَالِكِهِ) نَصًّا وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الرَّضْخِ، لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَعَ مَالِكِهِ، وَلِأَنَّ سَهْمَهُ يُسْتَحَقُّ بِنَفْعِهِ، وَنَفْعُهُ لِمَالِكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ لَهُ.

(وَ) سَهْمُ فَرَسٍ (مُعَارٍ وَمُسْتَأْجَرٍ وَحَبِيسٍ لِرَاكِبِهِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْهَامِ، لِقِتَالِهِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِ لِنَفْعِ الْفَرَسِ، فَاسْتَحَقَّ سَهْمَهُ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُهُ حَبِيسًا لِأَنَّهُ حُبِسَ عَلَى مَنْ يَغْزُو عَلَيْهِ (وَيُعْطَى) رَاكِبُ حَبِيسٍ (نَفَقَةُ الْحَبِيسِ) مِنْ سَهْمِهِ، لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ (وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ) مِنْ خَيْلِ الرَّجُلِ فَيُعْطَى صَاحِبُهُمَا

خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لَهُ، وَأَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ لِفَرَسَيْهِ الْعَرَبِيِّينَ، لِحَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسْهِم لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِرَجُلٍ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ» وَرَوَى مَعْنَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّ لِلْمُقَاتِلِ حَاجَةً إلَى الثَّانِي، لِأَنَّ إدَامَةَ رُكُوبِ فَرَسٍ وَاحِدٍ تُضْعِفُهُ، وَتَمْنَعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا زَادَ.
(وَلَا شَيْءَ) مِنْ سَهْمٍ، وَلَا رَضْخٍ (لِغَيْرِ الْخَيْلِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ، وَكَانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ غَزَاةٌ مِنْ غَزَوَاتِهِ مِنْ الْإِبِلِ، بَلْ هِيَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ، وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَلَيْهَا كَرٌّ وَلَا فَرٌّ.

[فَصْلٌ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْغَانِمِينَ]

(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ) مِنْ الْغَانِمِينَ (وَلَوْ) كَانَ (مُفْلِسًا) ، فَسَهْمُهُ لِلْبَاقِي (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُسْقِطُ حَقُّ مُفْلِسٍ بِإِسْقَاطِهِ لَهُ (بَعْدَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَيَأْتِي - فِي بَابِ الْحَجْرِ - أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَ (سَفِيهًا)

لِمَنْعِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ أَيْضًا، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَلَا سَفِيهًا (ف) يَصِحُّ إسْقَاطُهُ وَيَكُونُ سَهْمُهُ (لِلْبَاقِي) مِنْ الْغَانِمِينَ، لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ، فَإِذَا أَسْقَطَ أَحَدُهُمْ حَقَّهُ كَانَ لِلْبَاقِينَ (وَإِنْ أَسْقَطَ الْكُلُّ) حَقَّهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ (ف) هِيَ (فَيْءٌ) تُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ

(وَإِذَا لَحِقَ) بِالْجَيْشِ (مَدَدٌ أَوْ) تَفَلَّتَ (أَسِيرٌ) قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ (وصَارَ الْفَارِسُ رَاجِلًا) قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ صَارَ الرَّاجِلُ فَارِسًا (أَوْ تَبَيَّنَ ذُكُورِيَّةُ خُنْثَى أَوْ أَسْلَمَ) مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ كَافِرًا (أَوْ بَلَغَ) صَبِيٌّ (أَوْ عَتَقَ) قِنٌّ (قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ) (جُعِلُوا) جَمِيعُهُمْ (كَمَنْ كَانَ فِيهَا) ، أَيْ: الْوَقْعَةِ (كُلِّهَا كَذَلِكَ) ، أَيْ: عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقَضَّتْ الْحَرْبُ، وَهُوَ عَلَيْهَا جَعْلًا لَهُمْ، كَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْعَةِ، لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا تَصِيرُ لِلْغَانِمِينَ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ

(وَلَا قَسْمَ لِمَنْ مَاتَ أَوْ انْصَرَفَ أَوْ أُسِرَ قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَقَضِّي الْحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوهَا وَقْتَ انْتِقَالِ الْغَنِيمَةِ إلَى مِلْكِ الْغَانِمِينَ (لَا) إنْ مَاتَ أَوْ انْصَرَفَ أَوْ أُسِرَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: تَقَضِّي الْحَرْبِ، فَيُقْسَمُ لَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ.

(وَحَرُمَ قَوْلُ إمَامٍ) أَوْ نَائِبِهِ: (مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَ) هُوَ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنْ الْقِتَالِ، وَظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ لِلِاغْتِنَامِ عَلَى التَّسَاوِي، فَلَا يَنْفَرِدُ الْبَعْضُ بِشَيْءٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» فَذَاكَ حِينَ كَانَتْ لَهُ، ثُمَّ صَارَتْ لِلْغَانِمِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَسْتَحِقُّهُ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ أَخْذُهُ (إلَّا فِيمَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ) كَأَحْجَارٍ وَقُدُورٍ كِبَارٍ، وَحَطَبٍ وَنَحْوِهِ، (وَتَرَكَ فَلَمْ يَشْتَرِ) لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، فَيَجُوزُ قَوْلُ الْإِمَامِ، مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَلَهُ (وَلِإِمَامٍ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، وَ) لَهُ (إحْرَاقُهُ) إنْكَاءً لِلْعَدُوِّ، لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ.

(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ لَهُ إحْرَاقَهُ (إنْ كَانَ بِدَارِ حَرْبٍ) وَإِلَّا يَكُنْ بِدَارِ حَرْبٍ، فَلَيْسَ لَهُ إحْرَاقُهُ، لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ رَغَّبَ فِي شِرَاءِ مَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ (حَرُمَ) قَوْلُ: مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْمَرْغُوبِ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْذُ الْإِمَامِ لَهُ لِنَفْسِهِ وَإِحْرَاقُهُ، فَيُبَاعُ حِينَئِذٍ، وَيُضَمُّ ثَمَنُهُ لِلْمَغْنَمِ.

(وَيَصِحُّ) ، أَيْ: يَجُوزُ (تَفْضِيلُ بَعْضِ الْغَانِمِينَ لِمَعْنَى فِيهِ) مِنْ حُسْنِ رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، فَيُنْفَلُ (وَيُخَصُّ) إمَامٌ (بِكِلَابٍ) يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهَا (مَنْ شَاءَ) مِنْ الْجَيْشِ، (وَأَمْكَنَ قِسْمَتُهَا، قُسِمَتْ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، (وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا) ، أَيْ: الْكِلَابِ (عَدَدٌ) مِنْ الْجَيْشِ، (وَأَمْكَنَ قِسْمَتُهَا، قُسِمَتْ) بَيْنَهُمْ (عَدَدًا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ) ، لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) قِسْمَتُهَا (وَتَنَازَعُوا فِي جَيِّدِ) هَا، (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ، إذْ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا.

(وَيُكْسَرُ صَلِيبٌ وَيُقْتَلُ خِنْزِيرٌ) نَصًّا (وَيُصَبُّ خَمْرٌ وَلَا يُكْسَرُ إنَاءٌ بِهِ نَفْعٌ) نَصًّا (وَيَتَّجِهُ) : لَا يُكْسَرُ مِنْ الْآنِيَةِ (غَيْرُ) إنَاءٍ (نَقْدٍ) ، لِحُرْمَةِ اتِّخَاذِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا تَصِحُّ إجَارَةٌ لِجِهَادٍ) ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كَالْحَجِّ (فَيُسْهَمُ لَهُ) ، أَيْ: أَجِيرِ الْجِهَادِ، وَإِنْ أَخَذَ أُجْرَةً رَدَّهَا (كَأَجِيرِ خِدْمَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَتَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (لِحِفْظِ) غَنِيمَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَلِسَوْقِ دَوَابِّهَا وَرَعْيِهَا، (وَلَا يَسْقُطُ سَهْمُهُ) بِإِيجَارِهِ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَعَامِ السَّبْيِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَذْلُهُ، وَيُبَاحُ لِلْأَجِيرِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ آجَرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ، فَحَلَّتْ الْأُجْرَةُ، كَالدَّلِيلِ عَلَى الطَّرِيقِ.

(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ) وَلَوْ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، (فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ) ، لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ.

(أَوْ أُسِرَ) بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، (ف) سَهْمُهُ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا فِي حَالٍ لَوْ قُسِمَتْ فِيهِ صَحَّتْ قِسْمَتُهَا، وَكَانَ لَهُ سَهْمُهُ مِنْهَا، فَيَجِبُ إبْقَاؤُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَنْفَكَّ مِنْ الْأَسْرِ.

(وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (وَلَهُ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ (فِيهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (حَقُّ) ، أَدَبٍ، (أَوْ لِوَلَدِهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ فِيهَا حَقُّ (أَدَبٍ) لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، (وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ) ، أَيْ: تَأْدِيبِهِ (الْحَدَّ) ، لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْغَنِيمَةُ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ، فَيَكُونُ لِلْوَاطِئِ حَقٌّ فِي الْجَارِيَةِ، وَإِنْ قَلَّ، فَيُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْهُ كَالْمُشْتَرَكَةِ وَكَجَارِيَةِ ابْنِهِ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ، (مَهْرُهَا) يُطْرَحُ فِي الْقِسْمِ، (إلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، ف) يَلْزَمُهُ (قِيمَتُهَا) تُطْرَحُ فِي الْقِسْمِ، لِأَنَّ اسْتِيلَادَهَا كَإِتْلَافِهَا، (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ) ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْمُشْتَرَكَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِمِلْكِهِ إيَّاهَا حِينَ الْعُلُوقِ فَيَنْعَقِدُ الْوَلَدُ حُرًّا

(وَإِنْ أَعْتَقَ) بَعْضُ الْغَانِمِينَ (قِنًّا) مِنْ الْغَنِيمَةِ، (أَوْ كَانَ) فِي الْغَنِيمَةِ قِنٌّ (يَعْتِقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ، (عَتَقَ قَدْرَ حَقِّهِ) لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، (وَالْبَاقِي) مِنْهُ (كَعِتْقِهِ شِقْصًا) مِنْ مُشْتَرَكٍ عَلَى مَا يَأْتِي، (لَا) إنْ أَعْتَقَ (أَسِيرًا) رَجُلًا (قَبْلَ حُكْمٍ بِرِقِّهِ) ، فَلَا يُعْتَقُ، «لِأَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّ عَلِيٍّ وَعَقِيلًا أَخَا عَلِيٍّ كَانَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، فَلَمْ يَعْتِقَا عَلَيْهِمَا» ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، بَلْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ.

(وَالْغَالُّ، وَهُوَ: مَنْ كَتَمَ مَا غَنِمَ، أَوْ) : كَتَمَ (بَعْضَهُ، لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِوُجُودِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِرْمَانُ سَهْمِهِ فِي خَبَرٍ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ قِيَاسٌ، فَبَقِيَ بِحَالِهِ، وَلَا يُحْرَقُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَحْلِهِ، (وَيَجِبُ حَرْقُ رَحْلِهِ كُلِّهِ وَقْتَ غُلُولِهِ) ، لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً كَأَكْلِهِ وَنَحْوِهِ، و (لَا) يُحْرَقُ (مَا حَدَثَ) لِلْغَالِّ مِنْ مَتَاعٍ بَعْدَ غُلُولِهِ، إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، فَيُحْرَقُ رَحْلُهُ (مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) ، فَلَا يُحْرَقُ، لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي، وَمَحَلُّ إحْرَاقِ رَحْلِهِ (إذَا كَانَ حَيًّا) ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ لَمْ يُحْرَقْ نَصًّا، لِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ (حُرًّا) ، فَلَا يُحْرَقُ رَحْلُ رَقِيقٍ، لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ (مُكَلَّفًا) لَا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ (مُلْتَزِمًا) لِأَحْكَامِنَا، وَإِلَّا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى مَا لَا يُعْتَقَدُ تَحْرِيمُهُ (وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى وَذِمِّيًّا) ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، (لَا) إنْ كَانَ الْغَالُّ (مُعَاهِدًا وَمُسْتَأْمَنًا) ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُلْتَزِمَيْنِ لِأَحْكَامِنَا (وَلَا يُحْرَقُ سِلَاحٌ وَمُصْحَفٌ وَحَيَوَانٌ بِآلَتِهِ) كَسَرْجِهِ وَبَرْذعَتِه، (وَ) لَا (نَفَقَةٌ) ، لِأَنَّهَا لَا تُحْرَقُ عَادَةً (وَكُتُبُ عِلْمٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ بَلْ فِي بَعْضِ دُنْيَاهُ (وَثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَالْكُلُّ) ، أَيْ: كُلُّ مَا لَا يُحْرَقُ (لَهُ) ، أَيْ: الْغَالِّ كَسَائِرِ مَالِهِ (وَيُعَزَّرُ) الْغَالُّ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، (وَلَا يَنْبَغِي) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَيُؤْخَذُ مَا غَلَّ لِلْمَغْنَمِ) ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْغَانِمِينَ،

فَتَعَيَّنَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ.

(فَإِنْ تَابَ بَعْدَ قِسْمَةٍ أَعْطَى الْإِمَامَ خُمُسَهُ) لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، (وَتَصَدَّقَ بِبَقِيَّتِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ) ، لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ مُسْتَحِقُّوهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَجُوزُ تَصَدُّقُهُ بِبَقِيَّتِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ (مَعَ تَعَذُّرِ دَفْعٍ لَهُمْ) أَمَّا إذَا أَمْكَنَ دَفْعُ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ تَصَدُّقُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَإِنْ تَابَ الْغَالُّ قَبْلَ قِسْمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ فِي الْمَغْنَمِ، (وَلَيْسَ بِغَالٍّ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ) ، لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، (أَوْ سَتَرَ عَلَى غَالٍّ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْغَالِّ (مَا أُهْدِيَ لَهُ مِنْهَا) ، أَيْ: مِمَّا غَلَّهُ مِنْهَا، أَوْ بَاعَهُ إمَامٌ أَوْ حَابَاهُ، وَلَا يُحْرَقُ رَحْلُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَالٍّ.

(وَإِنْ أَتْلَفَ عَبْدٌ مَا غَلَّهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ، (ف) هُوَ (فِي رَقَبَتِهِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْغُلُولَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَا بِيَدِهِ لَمْ يُحْرَقْ مَتَاعُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغُلُولِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَيَثْبُتُ حُكْمُ غُلُولٍ بِإِقْرَارٍ) مِنْ غَالٍّ (أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ) ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَيُوجِبُ عُقُوبَةً، أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.

[بَابٌ الْأَرْضُونَ الْمَغْنُومَةُ]

(بَابٌ: الْأَرْضُونَ الْمَغْنُومَةُ) أَيْ: الْمَأْخُوذَةُ مِنْ كُفَّارٍ (ثَلَاثٌ) ، أَيْ: ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ إحْدَاهَا (عَنْوَةً) ، أَيْ: قَهْرًا، وَغَلَبَةً، (وَهِيَ مَا أُجْلُوا) ، أَيْ: أَجْلَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا الْحَرْبِيِّينَ (عَنْهَا بِالسَّيْفِ، وَيُخَيَّرُ إمَامٌ) فِيهَا (تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ) كَالتَّخْيِيرِ فِي الْأُسَارَى، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَاهُ أَصْلَحَ (لَا) تَخْيِيرَ (تَشَبُّهٍ) ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ (بَيْنَ قِسْمَتِهَا بَيْنَ غَانِمِينَ كَمَنْقُولٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَسَمَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَحَوَائِجِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ فَتُمَلَّكُ الْأَرْضُ بِقِسْمَتِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ، وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا، وَلَا عَلَى مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ أَوْ صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ كَأَرْضِ الْحِيرَةِ وَالْيَمَنِ وبانقيا، أَوْ أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ، كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ، (وَبَيْنَ وَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ) ، كَمَا وَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ، وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَيَانًا - أَيْ: لَا شَيْءَ لَهُمْ - مَا فَتَحْت عَلَى قَرْيَةٍ إلَّا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْتَسِمُونَهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَفْظٍ يَحْصُلُ بِهِ) الْوَقْفُ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، فَحُكْمُهَا قَبْلَ الْوَقْفِ حُكْمُ الْمَنْقُولِ (وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا) الْإِمَامُ بَعْدَ وَقْفِهَا (خَرَاجًا) مُسْتَمِرًّا (يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ مِنْ مُسْلِمٍ) وَمُعَاهَدٍ (وَذِمِّيٍّ وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذُ (أُجْرَةً لَهَا) كُلُّ عَامٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " كِتَابِ الْأَمْوَالِ " أَنَّ عُمَرَ

قَدِمَ الْجَابِيَةَ، فَأَرَادَ قَسْمَ الْأَرْضِينَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: وَاَللَّهِ إذَنْ لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ، إنَّك إنْ قَسَمْتَهَا الْيَوْمَ صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، ثُمَّ يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا، وَهُوَ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَصَارَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْمَاجِشُونِ، قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، وَخُذْ خُمُسَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنَّنِي أَحْبِسُهُ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ: اقْسِمْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِينِي بِلَالًا وَذَوِيهِ، فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ.
(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ) ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، (وَلَا نَقْضُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَقْفٍ أَوْ قِسْمَةٍ، أَوْ فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ) ، أَيْ: تَغْيِيرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ اللَّازِمِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا اُسْتُؤْنِفَ فَتْحُهُ (الثَّانِيَةُ: مَا جَلَوَا) ، أَيْ: أَهْلَهَا (عَنْهَا خَوْفًا مِنَّا، وَحُكْمُهَا كَالْأُولَى) فِي التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، (لَا أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا) ، صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": لَكِنْ لَا تَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِوَقْفِ الْإِمَامِ لَهَا، لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَ أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا تَبَعًا لِلْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، (وَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَنَّ مِصْرَ وَالشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَقْفُ) الْإِمَامِ (عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

(الثَّالِثَةُ: الْمُصَالَحُ عَلَيْهَا) ، وَهِيَ نَوْعَانِ: (فَمَا صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضَ (لَنَا) وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ

بِالْخَرَاجِ، (فَ) هِيَ (كَالْعَنْوَةِ) فِي التَّخْيِيرِ أَيْضًا، قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ، وَلَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامِهِمْ، وَجَزَمَ فِي " الْإِقْنَاعِ " بِأَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ كَجَعْلِهِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ مَعَ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى ضَعِيفٍ (وَ) النَّوْعُ الثَّانِي: مَا صُولِحُوا (عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضُ (لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَهُوَ) ، أَيْ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِهَا (كَجِزْيَةٍ إنْ أَسْلَمُوا) سَقَطَ عَنْهُمْ، (أَوْ انْتَقَلَتْ) الْأَرْضُ (لِمُسْلِمٍ سَقَطَ) عَنْهُمْ كَسُقُوطِ جِزْيَةٍ بِإِسْلَامٍ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى ذِمِّيٍّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصُّلْحِ لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا، وَتُسَمَّى هَذِهِ دَارُ عَهْدٍ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ لَا يُمْنَعُونَ فِيهَا إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ وَلَا بَيْعَةٍ كَمَا يَأْتِي، (وَيُقِرُّونَ فِيهَا بِلَا جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ إسْلَامٍ، (بِخِلَافِ مَا قَبْلُ) مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، (فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ كَافِرٍ بِهَا سَنَةً بِلَا جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا دَارُ إسْلَامٍ.

(وَيَرْجِعُ فِي) قَدْرِ (خَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ إلَى تَقْدِيرِ إمَامٍ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ) عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَتُطِيقُهُ الْأَرْضُ الَّتِي يَضَعُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لَهَا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا مَا وَضَعَهُ إمَامٌ، فَلَا يُغَيِّرُهُ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ أَيْضًا فِي نَظَائِرِهِ (يَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي قَدْرِ خَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ إلَى تَقْدِيرِ إمَامٍ (مَا لَمْ يُجْحِفْ) فِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ، بِأَنْ يُحَمِّلَ الْأَرْضَ زِيَادَةً عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهَا، أَوْ يَضْرِبَ جِزْيَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، أَوْ يُنْقِصَ نَقْصًا فَاحِشًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لِأَنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحَرِّي الْعَدْلِ

فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا، وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاَللَّهِ لَوْ زِدْت عَلَيْهِمْ فَلَا يُجْهِدُهُمْ، فَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُمْ وَ (لَا) يَرْجِعُ فِي قَدْرِ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ (إلَى تَقْدِيرِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ الْخَلَّالُ: نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَعَامَّةُ شُيُوخِنَا، قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ " اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ كَأُجْرَةِ الْمَسَاكِنِ.
(وَكَانَ عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، يَعْنِي: أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى الطَّعَامِ دِرْهَمًا وَقَفِيزَ حِنْطَةٍ، وَعَلَى الشَّعِيرِ دِرْهَمًا وَقَفِيزَ شَعِيرٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَفِيزُ: (ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، قِيلَ بِالْمَكِّيِّ) ، قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " (وَقِيلَ) : ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ (بِالْعِرَاقِيِّ، وَهُوَ نِصْفُ الْمَكِّيِّ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعِرَاقِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَفِيزِ الْحَجَّاجِيِّ (فَعَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ يَكُونُ) الْقَفِيزُ (سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا عِرَاقِيًّا، وَهُوَ قَفِيزُ الْحَجَّاجِ، وَهُوَ صَاعُ عُمَرَ نَصًّا) وَأَمَّا الْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ، فَهُوَ: مَكُّوكَانِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ رَطْلًا عِرَاقِيًّا، (وَ) قَالَ (فِي " الْمُحَرَّرِ ") : الْأَشْهَرُ عَنْهُ - أَيْ: عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ (جَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ) دَرَاهِمَ، (وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ، (وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطَبَةِ سِتَّةَ) دَرَاهِمَ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَهَذَا الَّذِي وَظَّفَهُ عُمَرُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ: أَنَّ جَرِيبَ الزَّرْعِ الْحِنْطَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ.
(وَالْجَرِيبُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي مِثْلِهَا) ، أَيْ: فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ، وَهُوَ مِائَةُ قَصَبَةٍ مُكَسَّرَةٍ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ ضَرْبُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ فِي الْآخَرِ، فَيَصِيرُ أَحَدُهُمَا كَسْرًا لِلْآخَرِ (وَالْقَصَبَةُ) : مَا يَمْسَحُ بِهِ الْمُزَارِعُ، كَالذِّرَاعِ لِلْبَزِّ، وَاخْتِيرَ الْقَصَبُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ وَلَا يَقْصُرُ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْخَشَبِ، وَهِيَ: (سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ) عُمَرَ، وَهُوَ ذِرَاعٌ (وَسَطٌ) ، أَيْ: بِيَدِ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الطُّولِ، (وَقَبْضَةِ وَإِبْهَامِ قَائِمٍ) ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَبْضَةِ وَإِبْهَامِ، بِالْجَرِّ: عَطْفٌ عَلَى: بِذِرَاعِ، (فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَسِتِّمِائَةٍ) مُكَسَّرًا، لِأَنَّ الْقَصَبَةَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا، فَتَكُونُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَةً تَضْرِبُهَا فِي مُكَسَّرِ الْجَرِيبِ، وَهُوَ مِائَةُ ذِرَاعٍ يَخْرُجُ مَا ذُكِرَ (وَمَا بَيْنَ شَجَرٍ مِنْ بَيَاضِ أَرْضٍ) ، وَهُوَ الْخَالِي مِنْ الشَّجَرِ (تَبَعٌ لَهَا) ، أَيْ: لِلشَّجَرِ، فَلَا يُؤْخَذُ سِوَى خَرَاجِ الشَّجَرِ.

(وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَسَاكِنَ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، (وَإِنَّمَا كَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَمْسَحُ دَارِهِ) بِبَغْدَادَ، (وَيُخْرِجُ عَنْهَا) الْخَرَاجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، (وَرَعًا) مِنْهُ، (لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ حِينَ فُتِحَتْ مَزَارِعَ) وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَزَارِعَ حِينَ فَتْحِهِ، وَجُعِلَ مَسَاكِنَ يَجِبُ فِيهِ الْخَرَاجُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُ الْإِمَامِ عَلَى الْوَرَعِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً.

(وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِ مَكَّةَ وَ) لَا عَلَى مَزَارِعِ (الْحَرَمِ) ، لِأَنَّ مَزَارِعَ الْحَرَمِ (كَهِيَ) ، أَيْ: كَمَزَارِعِ مَكَّةَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهَا شَيْئًا، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، وَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهَا عَنْ أَرْضِ مَكَّةَ.
(وَحَرُمَ بِنَاؤُهُ وَاخْتِصَاصُهُ بِهِ) ، أَيْ: بِالْبِنَاءِ (فِيهِمَا) ، أَيْ: فِي مَكَّةَ وَالْحَرَمِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّضْيِيقِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ.
(وَيَتَّجِهُ: جَوَازُ إعَادَةِ مَا) ، أَيْ: بِنَاءٌ قَدِيمٌ (انْهَدَمَ) مِنْ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ بِلَا رَيْبٍ فِي ذَلِكَ، (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ الْبِنَاءَ) فِيهِمَا (لَا يَحْرُمُ إلَّا إنْ خِيفَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْبِنَاءِ (تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ) فِي مَنَازِلِهِمْ وَأَدَاءِ مَنَاسِكِهِمْ، (وَإِلَّا) يُخَفْ مِنْهُ التَّضْيِيقُ، (فَلَا) يَحْرُمُ (وَ) إذَا تَحَرَّى عَدَمَ الضَّرَرِ، وَبَنَى شَيْئًا فَ (هُوَ أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ كَمُتَحَجِّرِ مَوَاتٍ، (فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ دَفَعَهُ لِمُحْتَاجٍ) يَرْتَفِقُ بِهِ (مَجَّانًا) أَيْ: بِلَا عِوَضٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

(فَالْخَرَاجُ عَلَى أَرْضٍ لَهَا مَا تُسْقَى بِهِ وَلَوْ لَمْ تُزْرَعْ) كَالْمُؤَجَّرَةِ وَ (لَا) خَرَاجَ عَلَى (مَا لَا يَنَالُهُ مَاءٌ) مِنْ الْأَرَاضِيِ (وَلَوْ أُمْكِنَ زَرْعُهُ وَإِحْيَاؤُهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ) لِأَنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ إذَا أَحْيَا وَزَرَعَ وَجَبَ خَرَاجُهُ وَيَأْتِي: لَا خَرَاجَ عَلَى مُسْلِمٍ فِيمَا أَحْيَاهُ مِنْ أَرْضٍ عَنْوَةً (وَمَا لَمْ يَنْبُتْ أَوْ يَنَلْهُ الْمَاءُ) إلَّا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، (فَنِصْفُ خَرَاجِهِ فِي كُلِّ عَامٍ) لِأَنَّ نَفْعَهَا عَلَى النِّصْفِ، فَكَذَا خَرَاجُهَا.

(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ يَبِسَتْ الْكُرُومُ بِجَرَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَقَطَ مِنْ الْخَرَاجِ حَسْبَمَا تَعَطَّلَ مِنْ النَّفْعِ)

لِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ النَّفْعُ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَجُزْ الْمُطَالَبَةُ بِالْخَرَاجِ انْتَهَى) لِأَنَّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا خَرَاجَ لَهُ.

(وَ) يَجِبُ (الْخَرَاجُ عَلَى مَالِكٍ دُونَ مُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ) ، لِأَنَّهُ عَلَى رَقَبَةِ الْأَرْضِ كَفِطْرَةِ الْعَبْدِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْخَرَاجُ (كَالدَّيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّيهِ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ (يُحْبَسُ بِهِ مُوسِرٌ) ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ أُجْرَةَ الْمَسَاكِنِ، (وَيُنْظَرُ بِهِ مُعْسِرٌ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] (وَمَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَهُوَ) وَمَنْ يَنْقُلُهَا إلَيْهِ (أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ كَالْمُسْتَأْجِرِ) إلَّا أَنَّ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ لَمْ تُقَدَّرْ لِلْحَاجَةِ، (وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ كَذَلِكَ) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ فِي يَدِ مُوَرِّثِهِمْ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا) ، أَيْ: الْأَرْضُ، (مِنْهُ وَدَفْعُهَا لِغَيْرِهِ) ، لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ، (فَإِنْ آثَرَ) الَّذِي بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ (بِهَا أَحَدًا صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَوَّلِ، (كَمَا يَأْتِي فِي) بَابِ إحْيَاءِ (الْمَوَاتِ) مُفَصَّلًا.

(وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِهِ) الْخَرَاجِيَّةِ (أُجْبِرَ عَلَى إجَارَتِهَا) لِمَنْ يَعْمُرُهَا، (أَوْ) عَلَى (رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا لِتُدْفَعَ لِمَنْ يَعْمُرُهَا وَيَقُومُ بِخَرَاجِهَا) ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُعَطِّلُهَا عَلَيْهِمْ.
(وَكُرِهَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَقَبَّلَ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً بِمَا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجٍ لِأَنَّ إعْطَاءَهُ فِي مَعْنَى الْمَذَلَّةِ)

تَتِمَّةٌ: إنْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْأَرْضِ فِي كَوْنِهَا خَرَاجِيَّةً أَوْ عُشْرِيَّةً، وَأَمْكَنَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنْ اتَّهَمَ اسْتَحْلَفَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى الشَّوَاهِدِ الدِّيوَانِيَّةِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا عَلِمَ صِحَّتَهَا، وَوَثِقَ بِكِتَابَتِهَا، وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهَا تُهْمَةٌ.

(وَيَجُوزُ) لِصَاحِبِ

الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ (أَنْ يُرْشِيَ الْعَامِلَ) الْقَابِضَ لِخَرَاجِهِ (وَيُهْدِيَ لَهُ لِدَفْعِ ظُلْمٍ) فِي خَرَاجِهِ، لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى كَفِّ الْيَدِ الْعَادِيَةِ عَنْهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَرْشُوَهُ أَوْ يُهْدِيَهُ (لِيَدَعَ) عَنْهُ (خَرَاجًا) ، لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ، فَهُوَ كَرِشْوَةِ الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ لَهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ (وَالْهَدِيَّةُ الدَّفْعُ) ، أَيْ: الْعَيْنُ الْمَالِيَّةُ الْمَدْفُوعَةُ لِمُهْدًى إلَيْهِ (ابْتِدَاءً) بِلَا طَلَبٍ.
(وَالرِّشْوَةُ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ: الدَّفْعُ (بَعْدَ الطَّلَبِ) مَنْ أَخَذَهَا (وَأَخْذُهُمَا) ، أَيْ: الرِّشْوَةُ وَالْهَدِيَّةُ (حَرَامٌ) لِحَدِيثِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ»

(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَفْرِقَةُ خَرَاجٍ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ) ، لِأَنَّ مَصْرِفَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ (وَمَصْرِفُهُ) ، أَيْ: الْخَرَاجُ (كَفَيْءٍ) ، لِأَنَّهُ مِنْهُ، فَيَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا.
(وَإِنْ رَأَى إمَامٌ الْمَصْلَحَةَ فِي إسْقَاطِهِ) أَيْ: الْخَرَاجِ (عَمَّنْ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامُ، (وَضَعَهُ) فِيهِ مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَنْفَعُهُمْ كَفَقِيهٍ، وَمُؤَذِّنٍ وَنَحْوِهِ (جَازَ) لَهُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ، ثُمَّ رَدِّهِ إلَيْهِ.
(وَلَا يَحْتَسِبُ بِمَا ظَلَمَ فِي خَرَاجِهِ مِنْ عُشْرٍ) وَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُ غَصْبٌ.
(وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَنْوِهِ) ، أَيْ: مَا ظَلَمَ بِهِ (زَكَاةٌ حَالَ دَفْعٍ) ، فَإِنْ نَوَاهُ زَكَاةً جَازَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ لَوْلَا مُصَادَمَةُ النَّصِّ، إذْ نِيَّةُ الدَّافِعِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ غَصْبًا

(وَمَنْ أَقَامَ بِبَلْدَةٍ تَطْلُبُ مِنْهَا الْكُلَفَ بِحَقٍّ وَغَيْرِهِ بِنِيَّةِ الْعَدْلِ، أَوْ تَقْلِيلِ الظُّلْمِ مَهْمَا أَمْكَنَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَالْمُجَاهَدِ فِي سَبِيلِهِ) تَبَارَكَ وَتَعَالَى (ذَكَرَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ لِقِيَامِهِ بِالْقِسْطِ وَالْإِنْصَافِ، وَمَنْ بَاشَرَ جِبَايَتَهَا، وَتَحْصِيلُهَا إعَانَةٌ لِمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ لَا لِلْآخِذِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، فَمَأْجُورٌ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ، (وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ) مَعَهُ، أَيْ: مَعَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (أَخَّرَ زَكَاةَ السَّائِمَةِ فِي تَحْرِيمِ تَوْفِيرِ بَعْضِهِمْ) ، أَيْ: النَّاسُ، وَحِمَايَتُهُ وَجَعَلَ قِسْطَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ

[بَابُ الْفَيْءِ]

(بَابُ الْفَيْءِ) أَصْلُهُ مِنْ الرُّجُوعِ يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ إذَا رَجَعَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَسُمِّيَ الْمَالُ الْحَاصِلُ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فَيْئًا لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] الْآيَتَيْنِ، وَهُوَ: (مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ كَافِرٍ) غَالِبًا (بِحَقٍّ بِلَا قِتَالٍ كَجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ) مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، (وَعُشْرِ تِجَارَةِ حَرْبِيٍّ اتَّجَرَ إلَيْنَا، وَنِصْفُهُ) ، أَيْ: نِصْفُ عُشْرِ تِجَارَةٍ (لِذِمِّيٍّ) اتَّجَرَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، (وَزَكَاةُ تَغْلِبِي) كَذَلِكَ، (وَمَا تُرِكَ) مِنْ كُفَّارٍ لِمُسْلِمِينَ (فَزَعًا) مِنْهُمْ، (أَوْ) تُرِكَ (عَنْ مَيِّتٍ مُطْلَقًا) مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ كَافِرًا (وَلَا وَارِثَ) لَهُ، لِيَسْتَغْرِقَ كَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي مَالِ ذِمِّيٍّ لَا وَارِثَ لَهُ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيَأْتِي أَنَّ مَالَهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حِفْظًا لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ، لَا أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ

وَارِثٌ لَهُ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ فَيْئًا نَوْعُ تَسَاهُلٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِحَقٍّ: مَا أُخِذَ مِنْ كَافِرٍ ظُلْمًا، وَقَوْلُهُ بِلَا قِتَالٍ: الْغَنِيمَةُ (وَمَصْرِفُهُ) ، أَيْ: الْفَيْءِ الْمَصَالِحُ، (وَ) مَصْرِفُ (خُمْسِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ الْمَصَالِحُ) ، لِعُمُومِ نَفْعِهَا، وَدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى تَحْصِيلِهَا، قَالَ عُمَرُ: مَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ، إلَّا الْعَبِيدُ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ، وَقَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7] . . . حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] ، فَقَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُقَاتِلَةِ (وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمُّ مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ وَكِفَايَةِ أَهْلِهِ) ، أَيْ: الثَّغْرِ (وَحَاجَةِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) ، لِأَنَّ أَهَمَّ الْأُمُورِ حِفْظُ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْنُهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَسَدُّ الثُّغُورِ وَعِمَارَتُهَا وَكِفَايَتُهَا بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، (ثُمَّ) بِ (الْأَهَمِّ فَالْأَهَمُّ مِنْ سَدِّ بَثْقٍ) ، بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ: الْمَكَانُ الْمُنْفَتِحُ مِنْ جَانِبِ النَّهْرِ، وَسَدُّهُ جَرْفَ الْجُسُورِ لِيَعْلُوَ الْمَاءُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ (وَ) مِنْ (كَرْيِ نَهْرٍ لِتَنْظِيفِهِ) مِمَّا يُعِيقُ الْمَاءَ عَنْ جَرَيَانِهِ، (وَ) مِنْ (عَمَلِ قَنْطَرَةٍ وَنَحْوِ مَسَاجِدَ) كَمَدَارِسَ وَرُبُطٍ (وَرِزْقِ قُضَاةٍ وَفُقَهَاءَ وَمُؤَذِّنِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ) كَإِصْلَاحِ السُّبُلِ وَالطُّرُقَاتِ، (وَلَا يُخَمَّسُ) الْفَيْءُ نَصًّا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَهُ إلَى أَهْلِ الْخُمْسِ كَمَا أَضَافَ إلَيْهِمْ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ، فَإِيجَابُ الْخُمْسِ فِيهِ لِأَهْلِهِ دُونَ بَاقِيهِ مُنِعَ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَوْ أُرِيدَ الْخُمُسُ مِنْهُ لَذَكَرَهُ كَمَا فِي خُمْسِ الْغَنِيمَةِ (وَيُقْسَمُ فَاضِلٌ) عَمَّا يَعُمُّ نَفْعُهُ (إنْ كَانَ بَيْنَ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ) ، لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوهُ بِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ فَاسْتَوَوْا فِيهِ كَالْمِيرَاثِ، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يُقَدَّمُ مُحْتَاجٌ، وَصَحَّحَهُ) ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلَ (الشَّيْخُ)

تَقِيُّ الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي حَقِّهِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حِفْظِ نَفْسِهِ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْعُدَّةِ، وَلَا بِالْهَرَبِ لِفَقْرِهِ، بِخِلَافِ الْغَنِيِّ، (وَ) اخْتَارَ أَبُو حَكِيمٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا حَظَّ لِنَحْوِ رَافِضَةٍ فِيهِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ) قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] . (وَتُسَنُّ بُدَاءَةٌ) عِنْدَ قَسْمٍ (بِأَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَيَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ، لِقُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بِبَنِي الْمُطَّلِبِ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ثُمَّ بِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ثُمَّ بِبَنِي نَوْفَلٍ، لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ، ثُمَّ بِبَنِي عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَتَقَدَّمَ بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى، لِأَنَّ خَدِيجَةَ مِنْهُمْ، فَفِيهِمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ حَتَّى تَنْقَضِيَ قُرَيْشٌ، لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلَكِنْ أَبْدَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ حَتَّى تَنْقَضِيَ قُرَيْشٌ فَوَضْعُ الدِّيوَانِ عَلَى ذَلِكَ (وَقُرَيْشٌ قِيلَ: بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ) ، قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْمُبْدِعِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي " التَّبْيِينِ " (وَقِيلَ: بَنُو فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ) بْنِ كِنَانَةَ، (ثُمَّ بِأَوْلَادِ الْأَنْصَارِ) ، وَهُمْ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قُدِّمُوا عَلَى غَيْرِهِمْ، لِسَابِقَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، (فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِيمَا سَبَقَ، فَأَسْبَقُ إسْلَامًا، فَأَسَنُّ، فَأَقْدَمُ هِجْرَةً وَسَابِقَةً بِإِسْلَامٍ، وَيُفَضَّلُ بَيْنَهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الْعَطَاءِ (بِسَابِقَةٍ) فِي إسْلَامٍ (وَنَحْوِهَا) كَسَبْقٍ بِهِجْرَةٍ، لِأَنَّ عُمَرَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَابِقِ، وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قُوتِلَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«قَسَمَ النَّفَلَ بَيْنَ أَهْلِهِ مُتَفَاضِلًا عَلَى قَدْرِ غِنَائِهِمْ» وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ فَرَضَ عُمَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَلِأَهْلِ بَدْرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَلِأَهْلِ الْفَتْحِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ وَلَمْ يُفَضِّلْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ.
(وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ دِيوَانًا يَكْتُبُ فِيهِ أَسْمَاءَ الْمُقَاتِلَةِ، وَ) يَكْتُبُ فِيهِ (قَدْرَ أَرْزَاقِهِمْ) ضَبْطًا لَهُمْ وَلِمَا قُدِّرَ لَهُمْ، (وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، وَيَجْمَعُهُمْ وَقْتَ غَزْوٍ وَعَطَاءٍ) ، لِيَسْهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الْإِمَامِ، (وَلَا يَجِبُ عَطَاءٌ إلَّا لِبَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ بَصِيرٍ صَحِيحٍ يُطِيقُ الْقِتَالَ) ، وَيَتَعَرَّفُ قَدْرَ حَاجَةِ أَهْلِ الْعَطَاءِ وَكِفَايَتَهُمْ، وَيَزِيدُ ذَا الْوَلَدِ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهِ، وَذَا الْفَرَسِ مِنْ أَجْلِ فَرَسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فِي مَصَالِحِ الْحَرْبِ حَسَبَ مُؤْنَتَهُمْ فِي كِفَايَتِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِينَةٍ لَمْ يَحْتَسِبْ مُؤْنَتَهُمْ، وَيَنْظُرُ فِي أَسْعَارِ بِلَادِهِمْ، لِأَنَّ الْأَسْعَارَ تَخْتَلِفُ، وَالْفَرْضُ الْكِفَايَةُ، (وَيُخْرِجُ) ، أَيْ: يُخْرِجُ الْأَمِيرُ (مِنْ الْمُقَاتِلَةِ) مَعْذُورًا.
(وَيَتَّجِهُ: وَ) لَهُ إخْرَاجُ (مُتَعَدٍّ نَفْعُهُ) مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، كَعَالِمٍ مُتَصَدِّرٍ لِتَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِرْشَادِهِمْ لِمَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ أَمْرِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ خَشْيَةَ أَنْ يَهْلَكَ، فَيَفُوتَ عَلَى النَّاسِ مَا كَانَ وَاصِلًا إلَيْهِمْ مِنْ خَيْرِهِ الْعَامِّ، وَنَفْعِهِ التَّامِّ، خُصُوصًا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسُدُّ مَسَدَّهُ لَوْ فُقِدَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ (بِمَرَضٍ) ، أَيْ: مَنْ

بِهِ مَرَضٌ (لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَزَمَانَةٍ) وَسُلٍّ وَفَالِجٍ (وَيَسْقُطُ حَقُّهُ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْقِتَالِ، بِخِلَافِ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَحُمَّى وَصُدَاعٍ.
(وَبَيْتُ الْمَالِ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ) ، لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِهِمْ (يَضْمَنُهُ مُتْلِفُهُ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتْلَفَاتِ، (وَيَحْرُمُ أَخْذٌ مِنْهُ بِلَا إذْنِ إمَامٍ) ، لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ.
(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ الْعَطَاءِ دَفَعَ لِوَرَثَتِهِ حَقَّهُ) ، لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، فَانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَقِيَاسُهُ جِهَاتُ الْأَوْقَافِ إذَا مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ اسْتِحْقَاقِهِ يُعْطَى لِوَرَثَتِهِ.
(وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْأَجْنَادِ دَفَعَ لِامْرَأَتِهِ، وَصِغَارِ أَوْلَادِهِ كِفَايَتَهُمْ) لَتَطِيبَ قُلُوبُ الْمُجَاهِدِينَ إذَا عَلِمُوا أَنَّ عِيَالَهُمْ يُكْفَوْنَ الْمُؤْنَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ تَوَفَّرُوا عَلَى الْجِهَادِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوْلَادُ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ فَيُدْفَعُ لِأَوْلَادِ الْعَالِمِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ كِفَايَتَهُمْ، كَمَا كَانَ يُدْفَعُ لِأَبِيهِمْ لِيَرْغَبُوا فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، (فَإِذَا بَلَغَ ذَكَرُهُمْ أَهْلًا لِقِتَالٍ) ، وَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، (فُرِضَ لَهُ إنْ طَلَبَ) ، لِأَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ كَأَبِيهِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) يَطْلُبْ ذَلِكَ (تُرِكَ كَالْمَرْأَةِ وَالْبَنَاتِ) لِلْجُنْدِيِّ الْمَيِّتِ (إذَا تَزَوَّجْنَ) ، فَيُتْرَكْنَ لِغِنَائِهِنَّ بِنَفَقَةِ أَزْوَاجِهِنَّ.

[بَابُ الْأَمَانِ]

(بَابُ الْأَمَانِ الْأَمَانُ: ضِدُّ الْخَوْفِ) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ بِهِ) ، أَيْ: الْأَمَانُ (قَتْلٌ وَرِقٌ وَأَسْرٌ وَأَخْذُ مَالَ) ، لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْأَمَانِ، (وَلَا جِزْيَةَ) عَلَى مُسْتَأْمَنٍ (مُدَّةَ أَمَانٍ) ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ أُبِيحَ لَهُ الْمُقَامُ بِدَارِنَا مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ جِزْيَةٍ نَصًّا.
(وَشُرِطَ كَوْنُهُ) ، أَيْ: الْأَمَانُ (مِنْ مُسْلِمٍ) ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا، لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَالْحَرْبِيِّ، (عَاقِلٍ) لَا طِفْلٌ وَمَجْنُونٌ، لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ (مُخْتَارٍ) ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ (غَيْرِ سَكْرَانَ) ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ، (وَلَوْ) كَانَ الْعَاقِلُ (قِنًّا أَوْ أُنْثَى أَوْ مُمَيَّزًا أَوْ أَسِيرًا) ، فَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ، لِقَوْلِ عُمَرَ: الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ أَمَانُهُ، رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ، (وَ) لَا تُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ، نَصًّا «لِإِجَارَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَبَا الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ، وَفِيهِ: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» ، أَيْ: لَا نَفْلٌ وَلَا فَرْضٌ عَلَى أَحَدِ تَفَاسِيرِهِ

(لَوْ) كَانَ الْأَمَانُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ (لِأَسِيرٍ) كَافِرٍ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": يَصِحُّ أَمَانُ غَيْرِ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ الْكَافِرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالرِّعَايَتَيْنِ " وَالنَّظْمِ " " وَالْحَاوِيَيْنِ "

وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " لِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجَّرْت أَحْمَائِي، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمْ بَابِي، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ.
فَقَالَ لَهَا: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَجَّرْنَا مَنْ أَجَّرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ، إنَّمَا يُجِيرُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَخَصَّهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " بِالْإِمَامِ وَالْأَمِيرِ فَقَطْ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ لِخِلَافِهِ

(وَ) شَرْطُ الْأَمَانِ (عَدَمُ ضَرَرٍ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، (وَأَنْ لَا يَزِيدَ) الْأَمَانُ (عَلَى عَشْرِ سِنِينَ) ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ (وَيَتَّجِهُ: وَيَبْطُلُ) أَمَانٌ زَادَتْ مُدَّتُهُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ (فِيمَا) ، أَيْ: فِي الْقَدْرِ الَّذِي (زَادَ) عَلَيْهَا (فَقَطْ) ، لَا فِي كُلِّهِ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (مُنَجَّزًا) كَقَوْلِهِ: أَنْتِ آمِنٌ، (وَ) يَصِحُّ (مُعَلَّقًا) نَحْوُ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ آمِنٌ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» وَيَصِحُّ أَمَانٌ (مِنْ إمَامٍ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، (وَ) يَصِحُّ (مِنْ أَمِيرٍ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ جُعِلَ بِإِزَائِهِمْ لِقِتَالِهِمْ) ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا مَعَ غَيْرِهِمْ فَكَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) يَصِحُّ (مِنْ كُلِّ أَحَدٍ) يَصِحُّ أَمَانُهُ (لِقَافِلَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرَيْنِ عُرْفًا) وَاخْتَارَ ابْنُ الْبَنَّا (كَمِائَةٍ فَأَقَلُّ) ، فَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ بَلَدٍ أَوْ رُسْتَاقٍ، أَوْ جَمْعٍ كَبِيرٍ، لَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ بِإِزَائِهِمْ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ صَحَّ أَمَانُهُ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (قَبْلَ إخْبَارِهِ بِهِ) (إذَا كَانَ عَدْلًا كَمُرْضِعَةٍ عَلَى فِعْلِهَا) ، وَقَاسَمَ وَنَحْوَهُ، (وَلَا يَنْقُضُهُ) ، أَيْ: أَمَانُ مُسْلِمٍ (إمَامٌ) حَيْثُ صَحَّ لِوُقُوعِهِ لَازِمًا (إلَّا إذَا خَافَ خِيَانَةً) مِمَّنْ أُعْطِيَهُ فَيَنْقُضُهُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ

، (وَإِنْ ادَّعَى الْأَمَانَ أَسِيرٌ) وَأَنْكَرَهُ مَنْ جَاءَ بِهِ (فَقَوْلُ مُنْكَرِهِ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَإِبَاحَةُ دَمِ الْحَرْبِيِّ.

(وَمَنْ طَلَبَ) مِنْ الْكُفَّارِ (الْكَفَّ لِيَدُلَّ عَلَى كَذَا) ، فَبَعَثَ مَعَهُ قِوَامًا لِيَدُلَّهُمْ (فَامْتَنَعَ) مِنْ الدَّلَالَةِ، (ضَرَبَ عُنُقَهُ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمَانِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ.

(وَيَصِحُّ) الْأَمَانُ (بِ) كُلِّ (قَوْلٍ) يَدُلُّ عَلَيْهِ (كَسَلَامٍ) ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْأَمَانِ (وَ) كَقَوْلِهِ (أَنْتَ) آمِنٌ (أَوْ: بَعْضُك) آمِنٌ (أَوْ يَدُك وَنَحْوُهَا) مِنْ أَعْضَائِهِ كَ: رَأْسِك (آمِنٌ، وك) قَوْلِهِ: (لَا بَأْسَ عَلَيْك، وَأَجَرْتُك، وَقِفْ وَأَلْقِ سِلَاحَك، وَقُمْ لَا تَذْهَلْ، وَمَتْرَسُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَآخِرِهِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، (وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: لَا تَخَفْ) ، قَالَ عُمَرُ: إذَا قُلْتُمْ: لَا بَأْسَ، أَوْ: لَا تَذْهَلْ، أَوْ مَتَرْسٌ، فَقَدْ أَمَّنْتُمُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ (وَ) كَذَلِكَ يَحْصُلُ الْأَمَانُ لِكَافِرٍ (بِشِرَائِهِ، قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إذَا اشْتَرَاهُ لِيَقْتُلَهُ فَلَا يَقْتُلُهُ) ، لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ فَقَدْ أَمَّنَهُ (وَ) يَصِحُّ أَمَانٌ (بِإِشَارَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْأَمَانُ (كَإِمْرَارِ يَدِهِ) كُلِّهَا (أَوْ بَعْضِهَا عَلَيْهِ، بِإِشَارَةٍ بِسَبَّابَتِهِ إلَى السَّمَاءِ) وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ نُطْقِهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ إلَى السَّمَاءِ إلَى مُشْرِكٍ، فَنَزَلَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ لَقَتَلْتُهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَتَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ عَدَمُ فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْبَيْعِ، وَيَصِحُّ بِرِسَالَةٍ وَكِتَابَةٍ، لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْإِشَارَةِ، (وَيَسْرِي) الْأَمَانُ (إلَى مَنْ مَعَهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَأْمَنُ (مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ) تَبَعًا لَهُ، (إلَّا أَنْ يَخُصَّ بِهِ) كَ: أَنْتَ آمِنٌ دُونَ أَهْلِك وَمَالِكَ، فَلَا يَسْرِي إلَيْهِمَا.

(وَيَجِبُ رَدُّ مُعْتَقِدِ غَيْرِ الْأَمَانِ أَمَانًا إلَى مَأْمَنِهِ) ، أَيْ:

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل