مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 579-618
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 579-618
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمَوْضِعُ الَّذِي صَدَرَ فِيهِ مَا اعْتَقَدَهُ أَمَانًا نَصًّا، لِئَلَّا يَكُونَ غَدْرًا لَهُ، (وَإِنْ طَلَبَ بِهِ) ، أَيْ: الْأَمَانَ (لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَيَعْرِفَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ لَزِمَ إجَابَتُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَأْمَنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هِيَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

(وَمَنْ أُمِّنَ) مِنْ الْكُفَّارِ، بِأَنْ أَمَّنَهُ مُسْلِمٌ (فَرَدَّ الْأَمَانَ) ، بَطَلَ أَمَانُهُ، (أَوْ خَانَنَا) بَعْدَ أَنْ أَمَّنَاهُ، وَقَبِلَ الْأَمَانِ، (وَلَوْ بِصَوْلَتِهِ عَلَى مُسْلِمٍ لِقَتْلِهِ، بَطَلَ أَمَانُهُ) ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الضَّرَرِ عَلَيْنَا.

(وَيُعْقَدُ) الْأَمَانُ (لِرَسُولٍ وَمُسْتَأْمَنٍ) ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَمِّنَ رُسُلَ الْمُشْرِكِينَ» لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُمَا: أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: آمَنْت بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَوْ كُنْت قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَمَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إذْ لَوْ قَتَلْنَا رُسُلَهُمْ لَقَتَلُوا رُسُلَنَا، فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْمُرَاسَلَةِ، (وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: الرَّسُولُ وَالْمُسْتَأْمَنُ (مُدَّتَهُ) ، أَيْ: مُدَّةَ الْأَمَانِ نَصًّا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَاهَا.

(وَمَنْ أَسْلَمَ) قَبْلَ فَتْحٍ وَاشْتَبَهَ، (أَوْ أُعْطِيَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا فَفَتَحَهُ وَاشْتَبَهَ) بِحَرْبِيَّيْنِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ، أَوْ أُعْطِيَ الْأَمَانُ، (حَرُمَ قَتْلُهُمْ) نَصًّا، (وَ) حَرُمَ (رِقُّهُمْ) لِاشْتِبَاهِ الْمُبَاحِ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ أَوْ مَيِّتَةٍ بِمُذَكَّاةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَبَهُ الْمَذْكُورُ (لَوْ

نُسِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، (أَوْ اشْتَبَهَ مَنْ لَزِمَهُ قَوَدٌ) بِمَنْ لَا يَلْزَمُهُ، فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ (وَيَتَّجِهُ: أَوْ لَزِمَهُ غُرْمٌ كَدِيَةٍ) وَاشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ، فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اشْتَبَهَ مَا أُخِذَ مِنْ كَافِرٍ) بِحَقٍّ (بِمَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، فَيَنْبَغِي الْكَفُّ عَنْهُمَا) ، لِحَدِيثِ: «وَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَهَذَا فِيمَا إذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ مَا أُخِذَ مِنْ الْكَافِرِ بِحَقٍّ، أَمَّا إذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ الْجَمِيعَ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعًا.

(وَمَنْ جَاءَنَا بِلَا أَمَانٍ وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ أَوْ تَاجِرٌ) وَمَعَهُ مَا يَبِيعُهُ (وَصَدَّقَتْهُ عَادَةٌ، قُبِلَ) مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ نَصًّا، (وَإِلَّا) تُصَدِّقْهُ عَادَةٌ فَكَأَسِيرٍ، (أَوْ كَانَ جَاسُوسًا فَكَأَسِيرٍ) يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ

، (وَإِنْ لَقِيَتْ سَرِيَّةٌ أَعْلَاجًا، فَادَّعَوْا) أَنَّهُمْ جَاءُوا يَطْلُبُونَ (الْأَمَانَ، قُبِلَ) ، وَيُؤَمَّنُونَ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ) ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إذَا لَقِيَ عِلْجًا، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَلَا يُؤَمِّنْهُ، لِأَنَّهُ يَخَافُ شَرَّهُ) وَشَرْطُ الْأَمَانِ أَمْنُ شَرِّهِ، (وَإِنْ كَانُوا سَرِيَّةً فَلَهُمْ أَمَانُهُ) ، لِأَمْنِهِمْ شَرَّهُ (وَمَنْ جَاءَتْ بِهِ رِيحٌ) مِنْ كُفَّارٍ إلَيْنَا، (أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ) مِنْهُمْ فَوَصَلَ إلَيْنَا، (أَوْ أَبَقَ) مِنْ رَقِيقِهِمْ إلَيْنَا، (أَوْ شَرَدَ إلَيْنَا) مِنْ دَوَابِّهِمْ (فَ) هُوَ (لِآخِذِهِ) غَيْرُ مَخْمُوسٍ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَأَخْذُهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ الصَّيْدَ وَالْحَشِيشَ، (وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِلَا إذْنٍ وَلَوْ رَسُولًا أَوْ تَاجِرًا) ، أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ كَمَا فِي " الْمُبْدِعِ "

(وَمَنْ دَخَلَ مِنَّا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (دَارَهُمْ) ، أَيْ: الْكُفَّارِ، (بِأَمَانٍ

حَرُمَ عَلَيْهِ خِيَانَتُهُمْ) ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ بِشَرْطِ عَدَمِ خِيَانَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، (فَإِنْ خَانَهُمْ) شَيْئًا، (أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ) شَيْئًا (أَوْ اقْتَرَضَ) مِنْهُمْ (شَيْئًا، وَجَبَ رَدُّهُ لِرَبِّهِ) ، فَإِنْ جَاءُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَاهُ لَهُمْ، وَإِلَّا بَعَثَهُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

(وَإِنْ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ) مَالًا، (ثُمَّ أَسْلَمَ، لَزِمَهُ رَدُّ قَرْضٍ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً، ثُمَّ أَسْلَمَ لَزِمَهُ رَدُّ مَهْرِهَا إلَيْهَا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا

(وَإِنْ أَوْدَعَ) مُسْتَأْمَنٌ مَالًا (أَوْ أَقْرَضَ مُسْتَأْمَنٌ مُسْلِمًا، أَوْ) أَوْدَعَ أَوْ أَقْرَضَ مُسْتَأْمَنٌ (ذِمِّيًّا مَالًا أَوْ تَرَكَهُ) ، أَيْ: الْمَالَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، (ثُمَّ عَادَ لِدَارِ حَرْبٍ مُسْتَوْطِنًا) أَوْ (عَادَ مُحَارِبًا بَطَلَ أَمَانُهُ وَبَقِيَ أَمَانُ مَالِهِ) ، لِاخْتِصَاصِ الْمُبْطِلِ بِنَفْسِهِ، فَيَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِهِ وَإِنْ عَادَ لِدَارِ الْحَرْبِ رَسُولًا، أَوْ لِحَاجَةٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (وَلَوْ) كَانَ مَا تَرَكَهُ (عِنْدَ ذِمِّيٍّ) ثُمَّ (انْتَقَضَ عَهْدُهُ) لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ بَقِيَ أَمَانُ مَا كَانَ مَتْرُوكًا عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْمَنِ وَغَيْرِهِ (وَعِبَارَتُهُمَا) ، أَيْ: " الْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " (هُنَا تُوهِمُ) أَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: أَوْ انْتَقَضَ عَهْدُ ذِمِّيٍّ بَقِيَ مَالُهُ، مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ إذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ فَيْءٌ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْقَضُ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ ثَبَتَ فِي مَالِ الْحَرْبِيِّ بِدُخُولِهِ مَعَهُ، فَالْأَمَانُ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَصَالَةِ، كَمَا لَوْ بَعَثَهُ مَعَ وَكِيلٍ أَوْ مُضَارِبٍ، بِخِلَافِ مَالِ الذِّمِّيِّ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا، لِأَنَّهُ مُكْتَسَبٌ بَعْدَ عَقْدِ ذِمَّتِهِ.

(وَيَبْعَثُ) مَالَهُ (لَهُ إنْ طَلَبَهُ) ، لِبَقَاءِ الْأَمَانِ فِيهِ، (وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) بِنَحْوِ بَيْعٍ وَهِبَةٍ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، (وَإِنْ مَاتَ) بِدَارِ حَرْبٍ (فَ) مَالُهُ (لِوَارِثِهِ) ، لِأَنَّ الْأَمَانَ حَقٌّ لَازِمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ، فَبِمَوْتِهِ يَنْتَقِلُ لِوَارِثِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ مِنْ رَهْنٍ وَضَمَانٍ وَشُفْعَةٍ، (فَإِنْ عَدِمَ) وَارِثُهُ فَلَمْ يَكُنْ، (فَفَيْءٌ) لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَالِ ذِمِّيٍّ لَا وَارِثَ لَهُ، (وَإِنْ اسْتَرَقَّ) رَبُّ الْمَالِ (وَقَفَ) مَالُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ آخِرَ أَمْرِهِ، (فَإِنْ عَتَقَ أَخَذَهُ) إنْ شَاءَ، (وَإِنْ مَاتَ قِنًّا فَ) هُوَ (فَيْءٌ) ، لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ وَإِنْ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِلَا أَمَانٍ جَازَ قَتْلُهُ وَسَبْيُهُ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ فِي مَالِهِ لَا يُثْبِتُهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا لَوْ كَانَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

(وَإِذَا سَرَقَ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا، أَوْ قَتَلَ أَوْ غَصَبَ) ، أَوْ لَزِمَهُ مَالٌ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ (وَبَطَلَ أَمَانُهُ) بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، (ثُمَّ) خَرَجَ إلَيْنَا وَ (أَمِنَ) أَيْ: أَمَّنَّاهُ أَمَانًا (ثَانِيًا اسْتَوْفَى ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا لَزِمَهُ فِي أَمَانِهِ الْأَوَّلِ (مِنْهُ) ، لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.

[فَرْعٌ مَنْ أَمِنَ أَيْ أَمَّنَّاهُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِنَا مُدَّةً مَعْلُومَةً]

(فَرْعٌ: مَنْ أَمِنَ) ، أَيْ: أَمَّنَّاهُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ (فِي دَارِنَا مُدَّةً) مَعْلُومَةً، (وَبَلَغَهَا) ، أَيْ: الْمُدَّةَ (وَاخْتَارَ الْبَقَاءَ بِدَارِنَا، أَدَّى الْجِزْيَةَ) كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، (وَإِلَّا) يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ (فَهُوَ عَلَى مَأْمَنِهِ حَتَّى يَخْرُجَ) إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي أَمَّنَّاهُ فِيهِ

[فَصْلٌ إنْ أُسِرَ مُسْلِمٌ فَأُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً]

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أُسِرَ مُسْلِمٌ) ، أَيْ: أَسَرَهُ الْكُفَّارُ، (فَأُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً) مُعَيَّنَةً، أَيْ: أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ وَرَضِيَ بِالشَّرْطِ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ نَصًّا، لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (أَوْ) أُطْلِقَ (أَبَدًا، أَوْ) بِشَرْطِ (أَنْ يَأْتِيَ) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (وَيَرْجِعَ) إلَيْهِمْ (أَوْ أَنْ يَبْعَثَ) إلَيْهِمْ (مَالًا وَإِنْ عَجَزَ عَادَ إلَيْهِمْ) وَرَضِيَ، (لَزِمَهُ الْوَفَاءُ) ، لِحَدِيثِ: «إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ» وَلِأَنَّ الْوَفَاءَ مَصْلَحَةٌ لِلْأَسَارَى، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَمَّنُونَ بَعْدَهُ مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَإِنْ أَكْرَهُوهُ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ، وَلَوْ حَلَفَ لَهُمْ مُكْرَهًا، (إلَّا الْمَرْأَةَ) ، إذَا أُسِرَتْ ثُمَّ أُطْلِقَتْ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ، (فَلَا) يَحِلُّ لَهَا أَنْ (تَرْجِعَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا (وَعِنْدَ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ: (لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ فِي الْتِزَامِ الْإِقَامَةِ أَبَدًا، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ) انْتَهَى (وَيَتَّجِهُ: مُرَادُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابُ، مِنْ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِقَامَةِ أَبَدًا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ الْتَزَمَهُ (قَادِرٌ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ، وَإِلَّا) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ (فَكَمَا قَالَ الشَّيْخُ) فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَإِنْ أُطْلِقَ بِلَا شَرْطٍ، أَوْ) بِشَرْطِ (كَوْنِهِ رَقِيقًا، فَإِنْ ائْتَمَنُوهُ فَلَهُ الْهَرَبُ فَقَطْ) ، لِعَدَمِ شَرْطِهِ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ، وَشَرْطُ الرِّقِّ بَاطِلٌ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، (وَإِلَّا) يَأْتَمِنُوهُ (فَيَقْتُلُ وَيَسْرِقُ أَيْضًا) ، أَيْ: كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَهُ الْهَرَبُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ، (وَ) إذَا هَرَبَ جَازَ

لَهُ أَنْ (يُقَاتِلَهُمْ لَوْ لَحِقُوهُ) دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ وَاسْتِبْقَاءً لَهَا

(وَلَوْ جَاءَ عِلْجٌ) مِنْ كُفَّارٍ (بِأَسِيرٍ) مُسْلِمٍ (عَلَى أَنْ يُفَادِيَ) الْمُسْلِمَ (بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَجِدْ) قَالَ أَحْمَدُ: (لَمْ يُرَدَّ، وَيَفْدِيهِ الْمُسْلِمُونَ إنْ لَمْ يُفْدَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ أَحْمَدُ: وَالْخَيْلُ أَهْوَنُ مِنْ السِّلَاحِ، وَلَا يَبْعَثُ بِالسِّلَاحِ.

(وَلَوْ جَاءَنَا حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ مُسْلِمَةٌ لَمْ تُرَدَّ مَعَهُ وَيَرْضَى) لِيَتْرُكَهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، (وَيُرَدُّ الرَّجُلُ) إنْ لَمْ يَرْضَ بِتَرْكِهِ

(وَلَوْ سُبِيَتْ كَافِرَةٌ، فَجَاءَ ابْنُهَا يَطْلُبُ إطْلَاقَهَا لِيُحْضِرَ أَسِيرَنَا) ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: أَحْضِرْهُ (فَأَحْضَرَهُ، لَزِمَ إطْلَاقُهَا) ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا إجَابَتُهُ إلَى مَا سَأَلَ، فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ أُرِدْ إجَابَتَهُ، لَمْ يُجْبَرْ الْكَافِرُ عَلَى تَرْكِ أَسَيْرِهِ، وَرُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ، لِأَنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الشَّرْطُ، فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَبَنَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَهِمَ الْأَمَانَ مِنْ الْإِشَارَةِ

(وَإِنْ أَمِنَتْ حَرْبِيَّةٌ) بِأَنْ دَخَلَتْ دَارَنَا بِأَمَانٍ، (وَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا بِدَارِنَا، ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ) إلَى دَارِ الْحَرْبِ (لَمْ تُمْنَعْ إذَا رَضِيَ) زَوْجُهَا، أَوْ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْعِدَدِ

[بَابُ الْهُدْنَةِ]

(بَابُ الْهُدْنَةِ) (الْهُدْنَةُ) ، وَهِيَ لُغَةً: السُّكُونُ وَالدَّعَةُ، وَشَرْعًا: (عَقْدُ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ) مَعَ الْكُفَّارِ (مُدَّةً مَعْلُومَةً) ، وَهِيَ (لَازِمَةٌ) وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1] وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ﴾ [الأنفال: 61] وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«صَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ» وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَيُهَادِنَهُمْ حَتَّى يَقْوَوْا (بِعِوَضٍ) مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، (وَغَيْرُهُ) بِحَسْب الْمَصْلَحَةِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَتُسَمَّى مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ) مِنْ الدَّعَةِ، (وَمُعَاهَدَةً) مِنْ الْعَهْدِ بِمَعْنَى الْأَمَانِ، (وَمُسَالَمَةً) مِنْ السِّلْمِ بِمَعْنَى الصُّلْحِ، لِحُصُولِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَالْكُفَّارِ

(وَمَتَى زَالَ مَنْ عَقَدَهَا) ، أَيْ: الْهُدْنَةَ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ، (لَزِمَ) الْإِمَامَ (الثَّانِي الْوَفَاءُ) بِمَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ عَقَدَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، كَمَا لَا يَنْقُضُ حَاكِمٌ حُكْمَ غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِهِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ فِيهِ، لِأَنَّهَا عَقْدٌ مَعَ جُمْلَةِ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيلَ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ الْمُهَادَنِ أَهْلُهَا وَفِيهِ افْتِئَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ (وَلَا تَصِحُّ) الْهُدْنَةُ (إلَّا حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُ جِهَادٍ) لِمَصْلَحَةٍ، (فَمَتَى رَأَى) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (مَصْلَحَةً كَضَعْفِنَا) عَنْ الْقِتَالِ، أَوْ كَانَ فِي الْغَزْوِ مَشَقَّةٌ غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ، (أَوْ طَمَعٌ فِي إسْلَامِهِمْ) نَصًّا، قَطَعَ بِهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، (وَلَوْ بِمَالٍ مِنَّا ضَرُورَةً) مِثْلُ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْهَلَاكَ أَوْ الْأَسْرَ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِالْمَالِ، فَكَذَا هُنَا وَلِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ صَغَارٌ فَهُوَ دُونَ صَغَارِ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ الْمُفْضِي إلَى كُفْرِهِمْ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي " الْمَغَازِي " عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَهُوَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ يَعْنِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ: أَرَأَيْت إنْ جَعَلْتُ لَك ثُلُثَ ثَمَرِ الْأَنْصَارِ، أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ، أَوْ تَخْذُلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ: إنْ جَعَلْتَ الشَّطْرَ فَعَلْتُ» وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَمَا بَذَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مُدَّةً مَعْلُومَةً) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ: تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا (جَازَ، وَإِنْ طَالَتْ) الْمُدَّةُ (كَفَوْقِ عَشْرِ سِنِينَ) ، لِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ، فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا لِلْمَصْلَحَةِ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَ تَحْصِيلًا لَهَا.

(وَإِنْ زَادَ) الْإِمَامُ فِي الْهُدْنَةِ (عَلَى) مُدَّةِ (الْحَاجَةِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ) فَقَطْ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا، (وَإِنْ أُطْلِقَتْ مُدَّةٌ) ، فَلَمْ تُقَيَّدْ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، لِاقْتِضَائِهِ التَّأْبِيدَ، (أَوْ عُلِّقَتْ) الْهُدْنَةُ أَوْ الْمُدَّةُ (بِمَشِيئَتِهِ كَإِنْ شِئْنَا أَوْ شِئْتُمْ) أَوْ شَاءَ فُلَانٌ، أَوْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ، (لَمْ تَصِحَّ) الْهُدْنَةُ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقَةُ كَالْإِجَارَةِ

(وَمَتَى جَاءُوا) أَيْ: الْمَعْقُودُ مَعَهُمْ الْهُدْنَةَ (فِي) هُدْنَةٍ (فَاسِدَةٍ، مُعْتَقِدِينَ الْأَمَانَ، رُدُّوا) إلَى مَأْمَنِهِمْ (آمَنِينَ) ، وَلَمْ يُقِرُّوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِفَسَادِ الْأَمَانِ، (وَإِنْ شُرِطَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: شَرَطَ عَاقِدٌ (فِيهَا) ، أَيْ: الْهُدْنَةُ، شَرْطًا فَاسِدًا، (أَوْ) شُرِطَ (فِي عَقْدِ ذِمَّةٍ شَرْطٌ فَاسِدٌ، كَرَدِّ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ، أَوْ) رَدِّ (صَدَاقِهَا، أَوْ) رَدِّ (صَبِيٍّ أَسْلَمَ، أَوْ) رَدِّ (سِلَاحٍ أَوْ) شُرِطَ (إدْخَالُهُمْ الْحَرَمَ، بَطَلَ) الشَّرْطُ (دُونَ عَقْدٍ) كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَبُطْلَانُهُ فِي رَدِّ الْمَرْأَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَحَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ» وَفِي رَدِّ صَدَاقِهَا، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ بُضْعِهَا، فَلَا يَصِحُّ شَرْطًا لِغَيْرِهَا، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ يَضْعُفُ عَنْ التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ، وَفِي السِّلَاحِ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْنَا، وَفِي إدْخَالِهِمْ الْحَرَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] ، (كَ) مَا يُبْطِلُ الشَّرْطَ دُونَ الْعَقْدِ فِي (شَرْطِ نَقْضِهَا مَتَى شَاءَ) ، لِأَنَّ

الْكُفَّارَ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَيَفُوتُ مَعْنَى الْهُدْنَةِ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُ رَدِّ طِفْلٍ) مِنْهُمْ (لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ) كَكَوْنِهِ دُونَ التَّمْيِيزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ شَرْعًا، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِسْلَامُ لَوْ أَتَى بِهِ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ، (كَشَرْطِ رَدِّ رَجُلٍ جَاءَ) مِنْهُمْ (مُسْلِمًا لِلْحَاجَةِ) ، لِشَرْطِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ

(وَيُؤْمَرُ) ، أَيْ: يَأْمُرُ الْإِمَامُ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَقْتَ رَدِّهِ إلَيْهِمْ (سِرًّا بِقِتَالِهِمْ وَالْفِرَارِ) مِنْهُمْ، (وَلَا يُمْنَعُونَ أَخْذَهُ، وَلَا يُجْبَرُ هُوَ) ، أَيْ: الْمُسْلِمُ، (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْعَوْدِ مَعَهُمْ، (لَا سِيَّمَا مَعَ خَوْفٍ) مِنْهُمْ «لِأَنَّ أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ الْكُفَّارُ فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْت مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَك فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي طَرِيقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَفَّى اللَّهُ ذِمَّتَك، رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ وَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَلُمْهُ، بَلْ قَالَ: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو بَصِيرٍ، لَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، وَانْحَازَ إلَيْهِ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، فَجَعَلُوا لَا يَمُرُّ عَلَيْهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لَهَا وَأَخَذُوهَا وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهَا، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ يَضُمَّهُمْ إلَيْهِ وَلَا يَرُدَّ إلَيْهِمْ أَحَدًا جَاءَهُ، فَفَعَلَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فَإِنْ تَحَيَّزَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَقَتَلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، جَازَ، وَلَا يَدْخُلُونَ فِي الصُّلْحِ حَتَّى يَضُمَّهُمْ الْإِمَامُ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْكُفَّارِ لِلْخَبَرِ.

(وَلَوْ هَرَبَ مِنْهُمْ قِنٌّ فَأَسْلَمَ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصُّلْحِ (وَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّهُ مَلَكَ نَفْسَهُ بِإِسْلَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] ، (وَ) لَوْ عُقِدَتْ الْهُدْنَةُ (مَعَ عَدَمِ شَرْطِ) رَدٍّ (لَا) يَجُوزُ (رَدُّ) مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا، أَوْ بِأَمَانٍ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّهُ رَدٌّ إلَى بَاطِلٍ.
(وَإِنْ طَلَبَتْ امْرَأَةٌ) مُسْلِمَةٌ، أَوْ صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ (الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ إخْرَاجُهَا) " لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَقَفَتْ ابْنَةُ حَمْزَةَ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا عَلِيٌّ قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ إلَى مَنْ تَدْعُنِي؟ فَتَنَاوَلَهَا فَدَفَعَهَا إلَى فَاطِمَةَ حَتَّى صَوَّبَهَا الْمَدِينَةَ»

[فَصْلٌ وَيُؤْخَذُونَ أَيْ الْمُهَادِنُونَ زَمَنَ هُدْنَةٍ بِجِنَايَتِهِمْ عَلَى مُسْلِمٍ]

(فَصْلٌ) (وَيُؤْخَذُونَ) ، أَيْ: الْمُهَادِنُونَ زَمَنَ هُدْنَةٍ (بِجِنَايَتِهِمْ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ مَالٍ وَقَوَدٍ وَحْدِ قَذْفٍ وَسَرِقَةٍ) ، لِأَنَّ الْهُدْنَةَ تَقْتَضِي أَمَانَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَأَمَانَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، وَ (لَا) يُؤْخَذُونَ بِحَدٍّ (لِلَّهِ تَعَالَى كَزِنًا) ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُلْتَزِمِينَ أَحْكَامَنَا، (لَكِنْ يُقْتَلُ) مُهَادِنٌ (بِزِنًا بِمُسْلِمَةٍ) ، وَمِثْلُهُ لِوَاطٌ بِمُسْلِمٍ، (لِنَقْضِ الْعَهْدِ) وَيَأْتِي.
(وَيَجُوزُ قَتْلُ رَهَائِنِهِمْ إنْ قَتَلُوا رَهَائِنَنَا) جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَصَحَّحَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِقِتَالِنَا، أَوْ بِمُظَاهَرَةٍ عَلَيْنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، أَوْ أَخْذُ مَالَهُ

(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ حِمَايَتُهُمْ) مِمَّنْ تَحْتَ قَبْضَتِهِ، لِأَنَّهُ أَمَّنَهُمْ مِنْهُمْ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ حِمَايَتُهُمْ (مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ) ، لِأَنَّ الْهُدْنَةَ لَا تَقْتَضِيهِ (وَإِنْ سُبِيَ حُرٌّ كَافِرٌ وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (مِنْهُمْ، لَمْ يَصِحَّ لَنَا شِرَاؤُهُمْ) ، لِأَنَّهُمْ فِي عَهْدِنَا، وَلَيْسَ عَلَيْنَا اسْتِنْقَاذُهُمْ، لِكَوْنِ السَّابِي لَهُمْ لَيْسَ فِي

قَبْضَتِنَا (وَإِنْ سَبَى بَعْضُهُمْ وَلَدَ بَعْضٍ وَبَاعَهُ) ، صَحَّ، (أَوْ) بَاعَ (وَلَدَ نَفْسِهِ) صَحَّ، (أَوْ) بَاعَ (أَهْلَهُ صَحَّ) الْبَيْعُ وَلَنَا شِرَاءُ وَلَدِهِمْ وَأَهْلِهِمْ (كَحَرْبِيٍّ بَاعَ وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ) ، فَيَصِحُّ لَنَا شِرَاءُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي " حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ ": إذَا جَازَ لَهُمْ بَيْعُ وَلَدِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، فَالظَّاهِرُ: جَوَازُ هِبَتِهِمْ أَيْضًا، وَهَلْ لِلْحَرْبِيِّ هِبَةُ نَفْسِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ يَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ، فَلَوْ وَهَبَتْ امْرَأَةٌ حَرْبِيَّةٌ نَفْسَهَا لِمُسْلِمٍ، مَلَكَهَا، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا وَوَطْؤُهَا بِنَاءً عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ بَيْعُ وَلَدِهِ وَهِبَتُهُ، فَهِبَةُ نَفْسِهِ أَوْلَى ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي بَيْعِ الْوَلَدِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ لَيْسَ شِرَاءً حَقِيقِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعُ كَسْبٍ مِنْ الْكُفَّارِ بِبَذْلِ عِوَضٍ، فَلَا يَثْبُتُ الرِّقُّ فِيهِمْ إلَّا بَعْدَ أَخْذِهِمْ بِالْعِوَضِ أَوْ مَجَّانًا مِنْ بَائِعِهِمْ، أَوْ وَاهِبِهِمْ لِسَبْيِهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا رِقَّ عَلَيْهِمْ بَلْ هُمْ أَحْرَارٌ انْتَهَى وَإِنْ بَاعَ ذِمِّيٌّ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ غَيْرِهِ أَوْ أَهْلَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، فَكَانَ آكُدَ مِنْ الْهُدْنَةِ

(وَإِنْ خِيفَ) مِنْ مُهَادَنِينَ (نَقْضُ عَهْدِهِمْ بِقِتَالٍ لَنَا أَوْ مُظَاهَرَةٍ) عَلَيْنَا، (أَوْ أَمَارَةٍ تَدُلُّ) عَلَى النَّقْضِ، (نُبِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: جَازَ نَبْذُ الْإِمَامِ (إلَيْهِمْ) عَهْدَهُمْ بِأَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنْ لَا عَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] ، وَلَا يَصِحُّ نَقْضُهُ إلَّا مِنْ إمَامٍ (بِخِلَافِ ذِمَّةٍ فَلَا) تُنْبَذُ (بِمُجَرَّدِ خَوْفِ) خِيَانَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، لِأَنَّ الذِّمَّةَ مُؤَبَّدَةٌ وَتَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَى عَقْدِهَا بِطَلَبِهِمْ، وَفِيهَا نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ نَقَضَهُ بَعْضُهُمْ لَمْ يُنْقَضْ عَهْدُ الْبَاقِينَ وَأَيْضًا أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ وَلَا يُخْشَى مِنْهُمْ كَثِيرُ ضَرَرٍ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْهُدْنَةِ، (وَيَجِبُ إعْلَامُهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الْهُدْنَةِ

نَبْذَ الْعَهْدِ (قَبْلَ الْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ) ، لِلْآيَةِ.
(وَ) يَجِبُ (رَدُّ مَنْ بِدَارِنَا مِنْهُمْ إلَى مَأْمَنِهِ، وَيُسْتَوْفَى مَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ) كَغَيْرِهِمْ لِلْعُمُومَاتِ، (وَيُنْقَضُ عَهْدُ نِسَاءٍ) أَهْلِ هُدْنَةٍ (وَذُرِّيَتْ) هُمْ بِنَقْضِ رِجَالِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ» وَلَمَّا نَقَضَ قُرَيْشٌ عَهْدَهُ بَعْدَ الْهُدْنَةِ لَهُمْ حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مُؤَقَّتٌ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ، فَيَزُولُ بِنَقْضِهِ وَفَسْخِهِ كَالْإِجَارَةِ، بِخِلَافِ الذِّمَّةِ

(وَإِنْ نَقَضَهَا) ، أَيْ: الْهُدْنَةَ (بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: الْمُهَادَنِينَ، (فَأَنْكَرَ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَنْ نَقَضَ (بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) إنْكَارًا (ظَاهِرًا أَوْ كَاتَبُونَا) ، أَيْ: الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا (بِنَقْضِهِمْ) ، أَيْ: بِنَقْضِ الْآخَرِينَ، (أُقِرُّوا) ، أَيْ: الْبَاقُونَ عَلَى الْعَهْدِ (بِتَسْلِيمِ مَنْ نَقَضَ) الْهُدْنَةَ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ (أَوْ) بِ (تَمْيِيزِهِ) ، أَيْ: النَّاقِضُ (عَنْهُمْ) لِيَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِتَالِهِمْ، (فَإِنْ أَبَوْا) التَّسْلِيمَ أَوْ التَّمْيِيزَ (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى أَحَدِهِمَا، (انْتَقَضَ عَهْدُ الْكُلِّ) بِذَلِكَ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّمْيِيزِ أَوْ إسْلَامِ النَّاقِضِ صَارَ نَاقِضًا، لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ أَخْذِ النَّاقِضِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّمْيِيزُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ، لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ وَفِي الْإِنْصَافِ " فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: وَكَذَا، أَيْ: فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ يَعْتَزِلْهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ الْإِمَامُ وَفِي " الْمُنْتَهَى " كَالْمُصَنِّفِ خِلَافًا لَهُ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "، لِقَوْلِهِ: فَإِنْ امْتَنَعَ التَّمْيِيزُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ

[بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ]

(بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ) وَهِيَ لُغَةً: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالْأَمَانُ، لِحَدِيثِ: " يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، مِنْ أَذَمَّهُ، يَذُمُّهُ: إذَا جَعَلَ لَهُ عَهْدًا وَمَعْنَى عَقْدِ الذِّمَّةِ إقْرَارُ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، أَوْ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ.
وَالْأَصْلُ

فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الْآيَةَ وَحَدِيثُ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَعَلَيْهِ، يَكُونُ عَقْدُ الذِّمَّةِ (وَاجِبًا لِكِتَابِيٍّ وَنَحْوِهِ) كَمَجُوسِيٍّ، (إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطٌ) ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُهَا (بِبَذْلِ جِزْيَةٍ) مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْجَزَاءِ، وَتَأْتِي (كُلَّ عَامٍ) هِلَالِيٍّ، (وَالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا) ، وَهُوَ: قَبُولُ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، (مَا لَمْ تُخَفْ غَائِلَتُهُمْ) ، أَيْ: غَدْرُهُمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْنَا (وَلَا يَصِحُّ) عَقْدُهَا (إلَّا مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِتَعَلُّقِ نَظَرِ الْإِمَامِ بِهِ، دِرَايَتُهُ بِجِهَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَلِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ فَعَقْدُهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ

(وَصِفَتُهُ) أَيْ: عَقْدِ الذِّمَّةِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ: (أَقْرَرْتُكُمْ بِجِزْيَةٍ وَاسْتِسْلَامٍ) ، أَيْ: انْقِيَادٍ لِأَحْكَامِنَا (أَوْ يَبْذُلُونَ ذَلِكَ) مِنْ أَنْفُسِهِمْ، (فَيَقُولُ) إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ: (أَقْرَرْتُكُمْ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَقْدِهَا) ، أَيْ: الْجِزْيَةِ، كَقَوْلِهِ: عَاهَدْتُكُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدَارِنَا بِجِزْيَةٍ، (وَلَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَدْرِ جِزْيَةٍ) فِي الْعَقْدِ (وَالْجِزْيَةُ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ) ، أَيْ: الْكُفَّارِ (عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ) ، بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، (وَ) هُوَ: (الذِّلَّةُ) وَالِامْتِهَانُ (كُلَّ عَامٍ) فِي آخِرِهِ (بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَ) عَنْ (إقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا) ، فَإِنْ لَمْ يَبْذُلُوهَا لَمْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، (وَفِي " الْفُنُونِ ") لِابْنِ عَقِيلٍ: (بَقَاءُ النَّفْسِ مَعَ الذُّلِّ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ) ، بَلْ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (وَمَنْ عَدَّ الْحَيَاةَ مَعَ الذُّلِّ نِعْمَةً فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْإِصَابَةِ) ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ اللَّطَافَةِ وَحُسْنِ الِانْسِجَامِ

(وَلَا تُعْقَدُ) الذِّمَّةُ (إلَّا لِأَهْلِ كِتَابٍ) مِنْ تَوْرَاةٍ وَأَنْجِيلٍ (هُمْ يَهُودٌ وَنَصَارَى وَمَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ كَسَامِرَةَ) قَبِيلَةٌ مِنْ بَنْيِ إسْرَائِيلَ نُسِبَ إلَيْهِمْ السَّامِرِيُّ، وَيُقَالُ لَهُمْ فِي زَمَانِنَا سَمَرَةٌ، عَلَى وَزْنِ شَجَرَةٍ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ يَتَشَدَّدُونَ بِدِينِهِمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، (أَوْ تَدَيَّنَ بِالْأَنْجِيلِ كفرنج) وَهُمْ الرُّومُ، وَيُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَصْفَرِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ، نِسْبَةٌ إلَى فَرَنْجَةَ: بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه، وَبِسُكُونِ ثَالِثِهِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا فِرِنْجِيٌّ، ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ، (وَصَابِئِينَ) ، وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى نَصًّا وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفُلْكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ، فَحِينَئِذٍ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَأَصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ: هُمْ عَبَدَةُ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ: صَبَأَ إذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ صَبَأَ إذَا مَالَ، لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ إلَى مَا هُمْ فِيهِ، أَوْ مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَقِيلَ لَيْسُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى، وَلَا دِينَ لَهُمْ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ مَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَمَجُوسِيٍّ «لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا قِيلَ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ، فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ، وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَلَمْ تَنْهَضْ فِي إبَاحَةِ نِسَائِهِمْ وَحِلِّ ذَبَائِحِهِمْ (وَغَيْرُهُمْ) - أَيْ: غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالْكِتَابَيْنِ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ - (لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ) ، لِحَدِيثِ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» خَصَّ مِنْهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ، فَأَمَّا أَهْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ أُولَئِكَ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَرَائِعُ، إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ، كَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحُفَ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورَ دَاوُد.

(وَإِذَا اخْتَارَ كَافِرٌ لَا تُعْقَدُ لَهُ) الذِّمَّةُ كَوَثَنِيٍّ دِينًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَدْيَانِ، بِأَنْ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ أَوْ تَمَجَّسَ، وَلَوْ بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ كَالْأَصْلِيِّ، وَلَوْ كَانَ اخْتِيَارُهُ ذَلِكَ الدِّينَ (بَعْدَ التَّبْدِيلِ، أَوْ) كَانَ اخْتِيَارُهُ (الْآنَ وَلَهُ حُكْمُ الدِّينِ) الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فِي جِزْيَةٍ " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ " وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَسَأَلَ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَ (لَا) يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فِي (غَيْرِهَا) ، أَيْ: الْجِزْيَةِ (مِنْ حِلِّ ذَبِيحَةٍ وَمُنَاكَحَةٍ) إذَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ كِتَابِيَّانِ، وَحُكْمُهُ (كَمَنْ جُهِلَ حَالُهُ) وَلَمْ يَعْلَمْ عَلَى أَيْ دِينٍ هُوَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، (وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابِيٌّ) ، فَيُقِرُّ فِي الْجِزْيَةِ فَقَطْ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ، فَإِنَّهُ جُعِلَ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهِ (تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ) ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.

(وَلَوْ عُقِدَتْ) الذِّمَّةُ (لِ) لِكُفَّارٍ، (زَاعِمِ) ينَ أَنَّهُمْ أَهْلُ (كِتَابٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ) أَوْ نَحْوُهُمْ، (فَ) هُوَ (عَقْدٌ بَاطِلٌ) ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْجِزْيَةُ قُبِلَتْ مِنْهُ، لِعُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ اخْتَارَ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ وَأَقَلَّهُمَا كُفْرًا

(وَنَصَارَى الْعَرَبِ وَيُهَوِّدهُمْ وَمَجُوسِهِمْ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ) ، بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَظَاهِرُهُ: حَتَّى حَرْبِيٌّ مِنْهُمْ، لَمْ يَدْخُلْ

فِي صُلْحِ عُمَرَ، خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ (وَغَيْرُهُمْ كَمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخ) ، قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فَأَقَامُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ، يُقَالُ: تَنَخَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، (وَبَهْرَاءَ) ، بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا أَلْفٌ، وَزَانَ حَمْرَاءَ: قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ، (أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ) ، بِكَسْرِ الْكَافِ، (وَحِمْيَرَ) ، بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، (أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَمُضَرَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ بَذَلُوهَا) ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ مَعَهُمْ هَكَذَا

(وَيُؤْخَذُ عِوَضُهَا) ، أَيْ: الْجِزْيَةُ (زَكَاتَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ) " لِأَنَّ عُمَرَ ضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاتَانِ، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَانِ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، وَمِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا سَقَتْ الْمَاءُ الْخُمُسُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرُ " (حَتَّى مِمَّنْ لَمْ تَلْزَمْهُ جِزْيَةٌ) كَالصَّغِيرِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَالزَّمْنَى وَالْعُمْيِ وَالشُّيُوخِ وَنَحْوِهِمْ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالْأَنْفُسِ سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَمْوَالِ بِتَقْرِيرِهِمْ، فَتُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنْ السَّبِيِّ بِهَذَا الصُّلْحِ وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ، وَلِهَذَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ فَقِيرِهِمْ وَلَوْ مُعْتَمَلًا، وَلَا مِمَّنْ لَهُ مَالٌ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ غَيْرِ زَكَوِيٍّ كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَمَصْرِفُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةُ الْمُضَعَّفَةُ (كَ) مَصْرِفِ (جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا عِوَضُهَا، (لَا كَ) مَصْرِفِ (زَكَاةٍ) ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ، فَكَانَ جِزْيَةً، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: " هَؤُلَاءِ حَمْقَى رَضُوا بِالْمَعْنَى وَأَبَوْا الِاسْمَ "

(وَحَرُمَ تَجْدِيدُ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: الْمَذْكُورِينَ، (لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَكَذَا، فَلَا يُغَيَّرُ) عَقْدُهُ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ (وَلِلْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ (مُصَالَحَةُ مِثْلِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بِذَلِكَ) ، بِأَنْ لَا يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ جِزْيَةً، بَلْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الزَّكَوِيَّةِ زَكَاتَيْنِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ ذَلِكَ (خَشْيَةَ ضَرَرِهِمْ) ، فَإِنْ أُمِنَ ضَرَرُهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ

(وَيَفْسُدُ عَقْدُ ذِمَّةٍ إنْ شُرِطَ فِيهِ) شَرْطٌ فَاسِدٌ، مِثْلُ أَنْ يَشْرِطَ (أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، أَوْ) شُرِطَ فِيهِ (إظْهَارُ مُنْكَرٍ، أَوْ سُكْنَاهُمْ الْحِجَازَ وَنَحْوِهِ) ، لِفَسَادِ الشَّرْطِ، فَيَعُودُ عَلَى الْعَقْدِ بِالْبُطْلَانِ.

[فَصْلٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ]

(فَصْلٌ) (لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) ، لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَهِيَ بَدَلُ الْقَتْلِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ: " لَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَ) لَا عَلَى (مَجْنُونٍ، وَ) لَا (قِنٍّ وَ) لَا (زَمِنٍ وَ) لَا (أَعَمًى وَ) لَا (شَيْخٍ فَانٍ، وَ) لَا (امْرَأَةٍ) لِلْخَبَرِ، (وَلَوْ بَذَلَتْهَا) ، أَيْ: بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ (لِدُخُولِ دَارِنَا) ، فَلَا تُؤْخَذْ مِنْهَا، (وَتُمَكَّنُ) مِنْ دُخُولِهَا (مَجَّانًا) ، وَيُرَدُّ عَلَيْهَا مَا أَعْطَتْهُ لِفَسَادِ الْقَبْضِ (وَإِنْ تَبَرَّعَتْ) وَأَعْطَتْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، (قُبِلَتْ) مِنْهَا، وَتَكُونُ (هِبَةً لَا جِزْيَةً) ، فَإِنْ شَرَطَتْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَلَهَا ذَلِكَ، (وَكَهِيَ) ، أَيْ: كَالْمَرْأَةِ (كُلُّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) جِزْيَةٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وَيَأْتِي إذَا دَفَعَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا لِفَسَادِ الْقَبْضِ (وَلَا) جِزْيَةَ (عَلَى رَاهِبٍ بِصَوْمَعَةٍ دَائِمًا) ، لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ، (وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) ، أَيْ: الرَّاهِبِ بِصَوْمَعَةٍ، (مَا زَادَ عَلَى بُلْغَتِهِ) ، بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، فَلَا يَبْقَى بِيَدِهِ إلَّا بُلْغَتُهُ فَقَطْ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَالُنَا كَالرِّزْقِ الَّذِي لِلدُّيُورَةِ وَالْمَزَارِعِ إجْمَاعًا، قَالَ: وَيَجِبُ ذَلِكَ قَالَ: وَمَنْ لَهُ زِرَاعَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ،

وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهُمْ أَوْ مُعَاوِنُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، كَمَنْ يَدْعُو إلَيْهِمْ مِنْ رَاهِبٍ وَغَيْرِهِ، تَلْزَمُهُ إجْمَاعًا، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ بِلَا نِزَاعٍ وَقَوْلُهُ: دَائِمًا، يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَدَّدُ إلَى النَّاسِ وَيُخَالِطُهُمْ كَأَحَدِهِمْ، وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَكْتَسِبُ، أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي رُهْبَانٍ بِالْقُدْسِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (وَلَا) جِزْيَةَ (عَلَى خُنْثَى) مُشْكِلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا، (فَإِنْ بَانَ) الْخُنْثَى (رَجُلًا أُخِذَ لِلْمُسْتَقْبَلِ) مِنْ اتِّضَاحِ ذُكُورِيَّتِهِ (فَقَطْ) دُونَ الْمَاضِي، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ إذْ ذَاكَ (وَلَا) جِزْيَةَ (عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) ، أَيْ: مُكْتَسِبٍ، (يَعْجِزُ عَنْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وَلِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ جَعَلَ أَدْنَاهَا عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمِلِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَمَرَّ) فِي أَوَائِلِ الْأَرْضِينَ الْمَغْنُومَةِ أَنَّهُ (يَرْجِعُ فِي) قَدْرِ (جِزْيَةٍ) وَخَرَاجٍ، (لِتَقْدِيرِ إمَامٍ لَا لِمَا قَدَّرَهُ عُمَرُ) فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ، (وَوَضَعَ) الْإِمَامُ عُمَرُ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَ) عَلَى (الْمُتَوَسِّطِ نِصْفًا) أَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، (وَ) عَلَى (الْأَدْنَى اثْنَيْ عَشْرَ) دِرْهَمًا، وَضَعَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَيُجَابُ عَنْ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ: خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» بِأَنَّ الْفَقْرَ كَانَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ أَغْلَبُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمُجَاهِدٍ: مَا بَالُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ ، قَالَ: جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ، وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ التَّقْدِيرُ وَاجِبًا، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ صَغَارًا وَعُقُوبَةً، فَاخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِمْ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يُؤْخَذَ فِي الْجِزْيَةِ (عَنْ الِاثْنَيْ عَشْرَ) دِرْهَمًا (دِينَارٌ) ، لِأَنَّهُ يَعْدِلُهَا

قِيمَةً بِحَسَبِ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ (وَالْغَنِيُّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا) عُرْفًا، لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلَا تَوْقِيفَ هُنَا، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ.

(وَتَجِبُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى مُعْتَقٍ وَلَوْ لِمُسْلِمٍ) ، لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يُقَرَّ بِدَارِنَا بِلَا جِزْيَةٍ كَحُرٍّ أَصْلِيٍّ، (وَ) تَجِبُ عَلَى (مُبَعَّضٍ بِحِسَابِهِ) بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ كَالْإِرْثِ.

(وَمَنْ صَارَ أَهْلًا) لِجِزْيَةٍ، بِأَنْ بَلَغَ صَغِيرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ عَتَقَ قِنٌّ، أَوْ اسْتَغْنَى فَقِيرٌ (بِأَثْنَاءِ حَوْلٍ، أُخِذَ مِنْهُ) إذَا تَمَّ الْحَوْلُ (بِقِسْطِهِ) ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يُتِمَّ حَوْلَهُ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى إفْرَادِهِ بِحَوْلٍ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ (بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ) ، لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِهِ لَهُمْ (وَيُلَفَّقُ مِنْ إفَاقَةِ مَجْنُونٍ حَوْلٌ ثُمَّ يُؤْخَذُ) مِنْهُ جِزْيَةٌ، لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَخْذٌ لَهَا قَبْلَ كَمَالِ حَوْلِهَا، (وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ) الْجِزْيَةُ (عَنْهُ) نَصًّا وَقَالَ: يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ لَا أُجْرَةُ إقَامَةٍ بِدَارِنَا.
" رُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ فَطُولِبَ بِالْجِزْيَةِ، وَقِيلَ: إنَّمَا أَسْلَمَ تَعَوُّذًا.
قَالَ: إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي الْإِسْلَام مَعَاذًا، وَكَتَبَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةُ " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ.

وَ (لَا) تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ (إنْ مَاتَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (أَوْ جُنَّ أَوْ عَمِيَ وَنَحْوِهِ) كَأَنْ افْتَقَرَ بَعْدَ الْحَوْلِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ وَسُقُوطِ الْحَدِّ بِالْمَوْتِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَتُؤْخَذُ) الْجِزْيَةُ (مِنْ تَرِكَةِ مَيِّتٍ، وَمَالِ حَيٍّ) جُنَّ وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، (وَ) إنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ وَنَحْوُهُ (فِي أَثْنَائِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلُ، فَإِنَّهَا (تَسْقُطُ) ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ حَوْلِهَا، (وَمَتَى بَذَلُوا مَا) وَجَبَ (عَلَيْهِمْ) مِنْ جِزْيَةٍ، (لَزِمَ قَبُولُهُ) وَدَفْعُ مَنْ قَصَدَهُمْ

بِأَذًى إنْ لَمْ يَكُونُوا بِدَارِ حَرْبٍ، وَحَرُمَ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَالِهِمْ وَلَوْ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ، وَلَوْ شَرَطْنَا أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ ".

(وَلَا تَتَعَيَّنُ) الْجِزْيَةُ، أَيْ: أَخْذُهَا (مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، بَلْ) يُؤْخَذُ مِنْ (كُلِّ الْأَمْتِعَةِ بِالْقِيمَةِ) ، لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ، ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) عَنْ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ إذَا (تَوَلَّوْا بَيْعَهُمَا وَقَبَضُوهُ) ، أَيْ: الثَّمَنَ، لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا كَثِيَابِهِمْ، وَلَوْ بَذَلُوهَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ، جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَخْذُهَا، وَطَابَتْ لَهُ.

(وَتُؤْخَذُ) الْجِزْيَةُ (عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ) هِلَالِيَّةٍ كَالزَّكَاةِ، لِتَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ، (فَإِنْ انْقَضَتْ سُنُونَ) وَلَمْ تُؤْخَذْ، (اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا مُفَرَّقَةً) ، أَيْ: كُلُّ سَنَةٍ عَلَى حِدَةٍ، لِئَلَّا يَفُوتَ صَغَارُ سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ وَلَا تَتَدَاخَلُ، لِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ فِي كُلِّ حَوْلٍ، أَشْبَهَ الزَّكَاةَ وَالدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ (وَلَا يَتَدَاخَلُ صَغَارٌ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ أَخْذِ كُلِّ سَنَةٍ.

(وَيُمْتَهَنُونَ) ، أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وُجُوبًا (عِنْدَ أَخْذِهَا) ، أَيْ: الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، (وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] (وَ) يَقْبِضُهَا (الْآخِذُ) مِنْهُمْ وَهُوَ (جَالِسٌ) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مُسْتَحَقَّةٌ، (وَلَا يُقْبَلُ) مِمَّنْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ (إرْسَالُهَا) ، لِفَوَاتِ الصَّغَارِ.
(وَلَيْسَ لِمُسْلِمٍ تَوْكِيلٌ) ، أَيْ: أَنْ يَتَوَكَّلَ عَنْهُمْ (فِي أَدَائِهَا وَلَا) فِي (ضَمَانِهَا، وَلَا أَنْ يُحِيلَ مَنْ) ، أَيْ: ذِمِّيًّا وَجَبَتْ، (هِيَ) ، أَيْ: الْجِزْيَةُ (عَلَيْهِ بِهَا) ، لِفَوَاتِ الصَّغَارِ، (وَلَا يُعَذَّبُونَ) ، أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ (فِي أَخْذِهَا) ، أَيْ: الْجِزْيَةِ.

(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ تَعْجِيلِهَا، وَلَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ) ، لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ مَنْ نَقْضِ أَمَانِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعِوَضِ، وَلَا يَشُطُّ عَلَيْهِمْ.
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِمَالٍ كَثِيرٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسِبُهُ الْجِزْيَةَ، فَقَالَ: إنِّي لَأَظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمْ النَّاسَ، قَالُوا: لَا وَاَللَّهِ مَا أَخَذْنَا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا، قَالَ: بِلَا سَوْطٍ وَلَا نَوْطٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى يَدِي، وَلَا فِي سُلْطَانِي.

(وَيَصِحُّ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ، (ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَ) عَلْفَ (دَوَابِّهِمْ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ عُمَرَ شَرَطَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَنْ يُصْلِحُوا الْقَنَاطِرَ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ، وَلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ إضْرَارًا بِهِمْ (وَ) يَصِحُّ (أَنْ يُكْتَفَى بِهَا) ، أَيْ: الضِّيَافَةِ، (عَنْ الْجِزْيَةِ) ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا، وَلِفِعْلِ عُمَرَ، (وَيُعْتَبَرُ بَيَانُ قَدْرِهَا) ، أَيْ: الضِّيَافَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَ) قَدْرُ (أَيَّامِهَا، وَعَدَدُ مَنْ يُضِيفُ مِنْ رِجَالٍ وَفُرْسَانٍ كَ) أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: تُضَيِّفُونَ (فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةُ يَوْمٍ، كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خُبْزِ كَذَا، وَلِلْفَرَسِ مِنْ الشَّعِيرِ كَذَا، وَمِنْ التِّبْنِ كَذَا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَاعْتُبِرَ الْعِلْمُ بِهِ كَالنُّقُودِ، قَالَهُ الْقَاضِي (وَيُبَيِّنُ) لَهُمْ (الْمَنْزِلَ) ، أَيْ: مَنْزِلَ الضِّيفَانِ، (وَمَا عَلَى غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ) مِنْ الضِّيَافَةِ كَمَا فِي الْجِزْيَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ، وَأَنْ يُضَيِّفُوا مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَضَى عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَعَلَفَ دَوَابِّهِمْ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ.
(وَلَا تَجِبُ) ضِيَافَةٌ عَلَيْهِمْ (بِلَا شَرْطٍ) ، لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلَا يُكَلَّفُونَهَا مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَلَا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ، وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا بِأَرْفَعَ مِنْ طَعَامِهِمْ، لِقَوْلِ عُمَرَ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ

(وَإِنْ شُرِطَتْ) الضِّيَافَةُ (مُطْلَقَةً) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، (فَفِي " الشَّرْحِ) الْكَبِيرِ " (" وَالْفُرُوعِ " صَحَّ وَتَكُونُ مُدَّتُهَا) ، أَيْ: الضِّيَافَةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا: (يَوْمًا وَلَيْلَةً) ، لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَالْمَذْهَبُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهَا

، (وَلِلْمُسْلِمِينَ نُزُولٌ بِكَنَائِسَ وَبَيْعٍ) ، فَإِنَّ عُمَرَ صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ لِمَنْ يُجْتَازُ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَدْخُلُوهَا رُكْبَانًا، (فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا) ، أَيْ: الْمُسْلِمُونَ مَكَانًا (فَ) لَهُمْ النُّزُولُ (فِي الْأَفْنِيَةِ وَفُضُولِ الْمَنَازِلِ) ، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُمْ (تَحْوِيلُ صَاحِبِ مَنْزِلٍ) مِنْهُ، لِأَنَّهُ إضْرَارٌ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»

وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا، لَمْ يَعْقِدْ لَهُمْ الذِّمَّةَ (وَمَنْ امْتَنَعَ) مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ قَبِلَ (مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْبِرَ) عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ أُجْبِرُوا عَلَى الْقِيَامِ بِهِ (وَلَوْ بِقِتَالٍ) عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِمْ بِدُونِهِ، (فَإِنْ قَاتَلُوا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) بِالْقِتَالِ، (وَإِذَا تَوَلَّى إمَامٌ فَعَرَفَ) قَدْرَ (مَا عَلَيْهِمْ) مِنْ جِزْيَةٍ، (أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ ظَهَرَ) مَا عَلَيْهِمْ، (أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ) بِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ، لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَقَرُّوا عَقْدَ عُمَرُ، وَلَمْ يُجَدِّدُوهُ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا رَدَّهُ إلَى الصِّحَّةِ، (وَإِلَّا) يَعْرِفْ قَدْرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ، (رَجَعَ لِقَوْلِهِمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ (إنْ سَاغَ) ، أَيْ: صَلُحَ مَا ادَّعُوهُ جِزْيَةً، لِأَنَّهُمْ غَارِمُونَ، (وَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ مَعَ تُهْمَةٍ) يَذْكُرُونَ، لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِمْ، (فَإِنْ بَانَ) لِإِمَامٍ بَعْدَ ذَلِكَ (نَقْصٌ) ، أَيْ: أَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِنَقْصٍ عَمَّا كَانُوا يَدْفَعُونَ لِمَنْ قَبْلَهُ، (أَخَذَهُ) ، أَيْ: النَّقْصَ مِنْهُمْ، وَإِنْ قَالُوا: كُنَّا نُؤَدِّي كَذَا جِزْيَةً، وَكَذَا هَدِيَّةً حَلَّفَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ كُلَّهُ جِزْيَةٌ (وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ) : الْمَضْرُوبُ عَلَيْنَا (دِينَارٌ، وَبَعْضٌ) مِنْهُمْ قَالَ: (دِينَارَانِ، أَخَذَ كُلٌّ بِمَا يُقِرُّ بِهِ) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ،

لِأَنَّ أَقْوَالَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.

(وَإِذَا عَقَدَ إمَامٌ الذِّمَّةَ كَتَبَ أَسْمَاءَ أَهْلِهَا وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ) ، فَكَتَبَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، (وَ) كَتَبَ (حِلَاهُمْ) جَمْعُ: حِلْيَةٍ، بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، (فَيَكْتُبُ: طَوِيلٌ) ، أَوْ: قَصِيرٌ أَوْ رَبَعَةٌ، أَسْمَرُ أَوْ أَخْضَرُ أَوْ أَبْيَضُ، مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ أَوْ مَفْرُوقُهُمَا، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ ضِدُّهُمَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِهِ، وَكَتَبَ دِينَهُمْ، فَيَقُولُ: يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ، (وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِّيفًا) وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ، لِحَدِيثِ: «الْعِرَافَةُ حَقٌّ» (مُسْلِمًا) لِيَقْبَلَ خَبَرَهُ، يَجْمَعُهُمْ عِنْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَ (يَكْشِفُ حَالَ مَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ بِبُلُوغٍ وَنَحْوِهِ) كَإِسْلَامٍ وَاسْتِغْنَاءٍ وَإِفَاقَةٍ مِنْ جُنُونٍ، لِيَتَعَرَّفَ أَمْرَ الْجِزْيَةِ، (أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ أَوْ خَرَقَ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ) ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ.
(وَمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةٌ كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ، لِتَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ إذَا احْتَاجَ إلَيْهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ.

[فَرْعٌ مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّ مَعَهُمْ كِتَابَ النَّبِيِّ]

(فَرْعٌ: مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ مَعَهُمْ كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ لَا يَصِحُّ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ طُولِبُوا بِذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا كِتَابًا ذَكَرُوا أَنَّهُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَتَبَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ فِيهِ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ، فَوَجَدَ تَارِيخَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدٍ، وَقَبْلَ إسْلَامِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِهِ.

[بَابُ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ]

أَيْ: مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوَّلَهُمْ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ عَقْدُهَا لَهُمْ يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ حِفْظُهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ، (وَمَنْعُ مَنْ يُؤْذِيهِمْ) ، لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى ذَلِكَ، (وَفَكُّ أَسْرَاهُمْ) ، لِأَنَّهُمْ جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ

الْإِسْلَامِ، وَتَأَيَّدَ عَقْدُهُمْ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَعُونَتِنَا (بَعْدَ فَكِّ أَسْرَانَا) فَيَبْدَأُ بِفِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ (وَ) يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (دَفْعُ مَنْ قَصَدَهُمْ بِأَذَى إنْ لَمْ يَكُونُوا بِدَارِ حَرْبٍ) ، بَلْ كَانُوا بِدَارِنَا، وَلَوْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ بِبَلَدٍ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": وَالْمُنْفَرِدُونَ بِبَلَدٍ مُتَّصِلٍ بِبَلَدِنَا يَجِبُ ذَبُّ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ عَلَى الْأَشْبَهِ، وَلَوْ شَرَطْنَا أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " فَإِنْ كَانُوا بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يَلْزَمْنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ.

(وَحَرُمَ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ مَالِهِمْ) بَعْدَ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ.

(وَعَلَيْهِ أَخْذُهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي نَفْسٍ وَمَالٍ وَعِرْضٍ، وَ) فِي (إقَامَةِ حَدٍّ فِيمَا يُحَرِّمُونَهُ) ، أَيْ: يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ (كَزِنًا) ، فَمَنْ قَتَلَ أَوْ قَطَعَ طَرَفًا، أَوْ تَعَدَّى عَلَى مَالٍ، أَوْ قَذَفَ أَوْ سَبَّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أُخِذَ بِذَلِكَ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْن عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ الْيَهُودِ زَنَيَا فَرَجَمَهُمَا» (وَسَرِقَةٍ) ، فَمَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشَرْطِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ فِي دِينِهِمْ، وَقَدْ الْتَزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ، فَثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ كَالْمُسْلِمِ، وَ (لَا) يُحَدُّونَ فِي (مَا يُحِلُّونَهُ) ، أَيْ: يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ (كَخَمْرٍ) وَأَكْلِ خِنْزِيرٍ (وَنِكَاحِ) ذَاتِ (مَحْرَمٍ) ، لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا وَإِثْمًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِهِ كَمَا يَأْتِي، لِتَأَذِّينَا بِهِ، (وَعَقْدٍ فَاسِدٍ) يَرَوْنَ صِحَّتَهُ، وَلَوْ رَضُوا بِحُكْمِنَا، فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إلَيْنَا، (فَلَوْ تَزَوَّجَ يَهُودِيٌّ وَنَحْوُهُ) كَمَجُوسِيٍّ (بِنْتَ أَخِيهِ مَثَلًا لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَيَرِثُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) ، وَإِنْ كَانَ هَذَا النِّكَاحُ بَاطِلًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ أَيْ: لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ.

(وَإِنْ تَحَاكَمُوا) ، أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (إلَيْنَا) ، فَلَنَا الْحُكْمُ بِشَرْعِنَا وَالتَّرْكُ (أَوْ) تَحَاكَمَ إلَيْنَا (مُسْتَأْمَنَانِ بِاتِّفَاقِهِمَا) ، فَلَنَا الْحُكْمُ بِشَرْعِنَا وَالتَّرْكُ،

فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا حُكْمَنَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّينَ، (أَوْ اسْتَعْدَى ذِمِّيٌّ عَلَى) ذِمِّيٍّ (آخَرَ فَلَنَا الْحُكْمُ بِشَرْعِنَا وَالتَّرْكُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] .

(وَيَجِبُ) الْحُكْمُ (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ) تَحَاكَمَا إلَيْنَا لِمَا فِيهِ مِنْ إنْصَافِ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ رَدِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، (وَيَلْزَمُهُمْ حُكْمُنَا) إنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِالْتِزَامِهِمْ بِالْعَقْدِ ذَلِكَ شَرِيعَتُنَا.

(وَيَحْرُمُ إحْضَارُ يَهُودِيٍّ فِي سَبْتِهِ وَتَحْرِيمُهُ) ، أَيْ: السَّبْتِ (بَاقٍ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، (فَيُسْتَثْنَى شَرْعًا مِنْ عَمَلٍ فِي إجَارَةٍ) ، لِحَدِيثِ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ «وَأَنْتُمْ يَهُودُ عَلَيْكُمْ خَاصَّةً أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» . (وَيَتَّجِهُ: وَلِمُسْتَأْجِرِ) إنْسَانًا زَمَنًا مَعْلُومًا كَشَهْرٍ مَثَلًا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَ (لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، أَوْ عَلِمَ وَجَهِلَ تَحْرِيمَ سَبْتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ (الْفَسْخُ) إزَالَةً لِضَرَرِهِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ فِي كُلِّ سَبْتٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ) إذَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إلَيْهِ (أَنْ يَتَتَبَّعَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِهِمْ، وَلَا يَدْعُوهُمْ إلَى حُكْمِنَا) ، أَيْ: شَرِيعَتِنَا (نَصًّا) ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِإِقْرَارِنَا لَهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا الْحَجُّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا يُعَاقَبُونَ عَلَى سَائِرِ الْفُرُوعِ كَالتَّوْحِيدِ.

(وَلَا يُفْسَخُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بَيْعٌ فَاسِدٌ) كَخَمْرٍ وَنَحْوِهِ (تَقَابَضَاهُ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ (قَبْلَ تَرَافُعٍ إلَيْنَا، وَلَوْ أَسْلَمُوا) بَعْدَ التَّقَابُضِ، أَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ، لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِالتَّقَابُضِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً وَتَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ

بِتَقْدِيرِ إرَادَتِهِ، وَكَذَا سَائِرُ عُقُودِهِمْ، وَمُقَاسَمَاتِهِمْ إذَا تَقَابَضُوهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا مِنْ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، فَسَخَهُ حَاكِمُنَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فَنُقِضَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا، لِعَدَمِ لُزُومِهِمْ حُكْمَهُ، لِأَنَّهُ لَغْوٌ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.

(وَيُمْنَعُونَ مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ، وَكُتُبِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَتَفْسِيرٍ) ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ ابْتِذَالَ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ، (وَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَكَرِهَ بَيْعُهُمْ ثِيَابًا مَكْتُوبًا عَلَيْهَا ذِكْرُ اللَّهِ) تَعَالَى أَوْ كَلَامُهُ حِذْرًا مِنْ أَنْ يُمْتَهَنَ، و (لَا) يُكْرَهُ لَنَا بَيْعُهُمْ (كُتُبَ أَدَبٍ وَلُغَةٍ وَصَرْفٍ) لَا قُرْآنَ فِيهِ، وَلَا أَحَادِيثَ دُونَ كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ، فَيُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَأَوْلَى.

(وَيَلْزَمُهُمْ تَمْيِيزٌ عَنَّا بِقُبُورِهِمْ) تَمْيِيزًا ظَاهِرًا كَالْحَيَاةِ وَأَوْلَى، وَيَجِبُ مُبَاعَدَةُ مَقَابِرِهِمْ عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، لِئَلَّا تَصِيرَ الْمَقْبَرَتَانِ وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُهُمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَكَرِهَ جُلُوسٌ بِهَا) ، أَيْ: مَقَابِرِهِمْ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَهُمْ عَذَابٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]

(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ عَنَّا (بِحِلَاهُمْ بِحَذْفٍ) ، أَيْ: حَلْقِ، (مُقَدَّمِ شُعُورِ رُءُوسِهِمْ) بِأَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ وَهِيَ: مِقْدَارُ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: هُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ الْعَذَارِ وَالنَّزْعَتَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِالسَّالِفِ.
وَ (لَا) يَجْعَلُونَهُ (كَعَادَةِ الْأَشْرَافِ) بِأَنْ يَتَّخِذُوا شَرَابِينَ، (وَأَنْ لَا يُفَرِّقُوا شُعُورَهُمْ) بِأَنْ يَقْسِمُوا شُعُورَهُمْ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَجْعَلُوهُ ذُؤَابَتَيْنِ، لِأَنَّ الْفَرْقَ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ تَكُونُ شُعُورُ رُءُوسِهِمْ جَمَّةً، لِاشْتِرَاطِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا كَتَبُوهُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَتَبَ لَهُ عُمَرُ أَنْ امْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوا، رَوَاهُ الْخَلَّالُ.

(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ عَنَّا (بِكُنَاهُمْ وَأَلْقَابِهِمْ، فَيُمْنَعُونَ) مِنْ التَّكَنِّي بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ (نَحْوُ: أَبِي الْقَاسِمِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعِزِّ الدِّينِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا هُوَ فِي الْغَالِبِ فِي الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِمْ فِي الْخَبَرِ: وَلَا نَكَتْنِي بِكُنَاهُمْ، (وَلَا يُمْنَعُونَ مُطْلَقَ الْكُنَى) ، قَالَهُ أَحْمَدُ لِطَبِيبٍ نَصْرَانِيٍّ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ عُمَرَ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا بَأْسَ بِهِ، «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُسْقُفِ نَجْرَانَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، وَعُمَرُ قَالَ لِنَصْرَانِيٍّ: يَا أَبَا حَسَّانَ،

(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ عَنَّا إذَا رَكِبُوا (بِرُكُوبِهِمْ عَرْضًا، رِجْلَاهُ لِجَانِبٍ وَظَهْرُهُ لِ) جَانِبٍ (آخَرَ بِإِكَافٍ، وَهُوَ: الْبَرْذَعَةُ عَلَى غَيْرِ خَيْلٍ) ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِجَزِّ نَوَاصِيَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَشُدُّوا الْمَنَاطِقَ، وَأَنْ يَرْكَبُوا الْأَكُفَّ بِالْعَرْضِ.

(وَ) يَلْزَمُهُمْ التَّمْيِيزُ عَنَّا (بِلِبَاسٍ عَسَلِيٍّ لِيَهُودٍ، وَلِبَاسِ ثَوْبٍ أَدْكَنَ، وَهُوَ الْفَاخِتِيُّ) : لَوْنٌ يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ (لِلنَّصَارَى) ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
(وَ) مِمَّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ (شَدُّ خَرْقٍ) صُفْرٍ أَوْ زُرْقٍ (بِقَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ) ، بِحَيْثُ تَكُونُ الْخِرْقَةُ يُخَالِفُ لَوْنُهَا لَوْنَ الْقَلَانِسِ وَالْعَمَائِمِ، لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ (وَ) مِمَّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ شَدُّ (زُنَّارٍ، وَهُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ فَوْقَ ثِيَابِ نَصْرَانِيٍّ، وَتَحْتَ ثِيَابِ نَصْرَانِيَّةٍ) وَيَكْفِي الْغِيَارُ أَوْ الزُّنَّارُ، (وَيُغَايِرُ نِسَاءُ كُلٍّ) مِنْ يَهُودَ وَنَصَارَى (بَيْنَ لَوْنَيْ خُفٍّ) لِيَمْتَازُوا عَنَّا، وَلَا يُمْنَعُونَ فَاخِرَ الثِّيَابِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَالطَّيْلَسَانِ، لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ.

(وَ) يَلْزَمُهُمْ (لِدُخُولِ حَمَّامِنَا جُلْجُلٌ) ، وَهُوَ: الْجَرَسُ الصَّغِيرُ، (أَوْ خَاتَمٌ رَصَاصٌ وَنَحْوُهُ) كَحَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ، أَوْ طَوْقٍ مِنْ ذَلِكَ لَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، لِتَحْرِيمِهِمَا عَلَى الذُّكُورِ (بِرِقَابِهِمْ) ، لِيَتَمَيَّزُوا عَنَّا فِي الْحَمَّامِ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ صَلِيبٍ مَكَانَهُ، لِمَنْعِهِمْ مِنْ إظْهَارِهِ

(وَيُكْتَفَى بِتَمْيِيزِهِمْ بِالْعَمَائِمِ كَعِمَامَةٍ زَرْقَاءَ وَنَحْوِهَا) كَصَفْرَاءَ، لِحُصُولِ التَّمَيُّزِ الظَّاهِرِ بِهَا، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَقَبْلَهَا كَالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مَأْلُوفَةً لَهُمْ.
(وَلَوْ أَرَادُوا الْعُدُولَ عَنْ) لُبْسِ (ذَلِكَ مُنِعُوا) لِمُخَالَفَتِهِمْ زِيَّهُمْ الْمُعْتَادَ لَهُمْ.
(وَقَدْ مَرَّ) فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ

(يُكْرَهُ تَشَبُّهٌ بِهِمْ) بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَذْهَبِ (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، كَذَا قَالَ، وَعِبَارَتُهُ: وَإِنْ تَزَيَّا بِهَا، أَيْ: بِالْعِمَامَةِ الزَّرْقَاءِ مُسْلِمٌ، أَوْ عَلَّقَ صَلِيبًا بِصَدْرِهِ حُرِّمَ، وَلَمْ يَكْفُرْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ نَهْيٌ عَنْهُ إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ كُفْرَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ، وَقَالَ: وَلَمَّا كَانَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ، حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ لُبْسُهَا انْتَهَى وَقَوْلُهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ: يُكْرَهُ تَشَبُّهٌ بِهِمْ إذَا لَمْ يَقْوَ كَشَدِّ الزُّنَّارِ، وَلُبْسِ الْفَاخَّتِي، وَالْعَسَلِيِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَشَبُّهٍ مَحْضٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُونَهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا الْمُخْتَصُّ بِهِمْ كَالْعِمَامَةِ الزَّرْقَاءِ وَالْقَلْوَصَةِ، وَتَعْلِيقِ الصَّلِيبِ فِي الصَّدْرِ فَهَذَا لَا رَيْبَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مَخْصُوصًا بِمَا هُنَا، وَالْفَرْقُ مَا فِي هَذِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمُشَابَهَةِ، وَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَوِيَتْ الْمُشَابَهَةُ.

[فَصْلٌ الْقِيَام لأهل الذِّمَّة]

(فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ قِيَامٌ لَهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُمْ، (وَ) يَحْرُمُ قِيَامٌ (لِمُبْتَدِعٍ يَجِبُ هَجْرُهُ) كَرَافِضِي (وَ) يَحْرُمُ (تَصْدِيرُهُمْ

بِمَجَالِسَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَحْرُمُ (بُدَاءَتُهُمْ بِسَلَامٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَ) يَحْرُمُ بُدَاءَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ: (بِكَيْفَ أَصْبَحْت أَوْ) : كَيْفَ (أَمْسَيْت، أَوْ) : كَيْفَ (أَنْتَ أَوْ) : كَيْفَ (حَالُك) ، نَصَّ عَلَيْهِ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، حَيْثُ جَوَّزَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَهْلًا وَسَهْلًا، وَ: كَيْفَ أَصْبَحْت وَنَحْوُهُ فِي مَوْضِعٍ، وَجَزَمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ (وَيُنْوَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، (مُسْلِمٌ مَعَهُمْ) ، أَيْ: الذِّمِّيِّينَ (بِسَلَامٍ) لِأَهْلِيَّتِهِ لَهُ (وَيُضْطَرُّونَ لِأَضْيَقِ طُرُقٍ) لِلْخَبَرِ، (وَلَا يُوَقَّرُونَ كَمُسْلِمٍ) ، لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِمْ.

(وَيَجُوزُ) قَوْلُ مُسْلِمٍ لِذِمِّيٍّ: (أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك، مَعَ أَنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ كَرِهَ الدُّعَاءَ) لِكُلِّ أَحَدٍ (بِالْبَقَاءِ) وَنَحْوُهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ شَيْءٌ فَرَغَ مِنْهُ، إشَارَةً إلَى حَدِيثِ: «فَرَغَ رَبُّك مِنْ ثَلَاثٍ: رِزْقِك، وَأَجَلِك، وَشَقِيٍّ أَنْتَ أَوْ سَعِيدٍ» (وَ) يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (أَكْثَرَ) اللَّهُ (مَالَك وَوَلَدَك قَاصِدًا بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْجِزْيَةِ) ، لِيَنْتَفِعَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ.
(وَ) يَجُوزُ: (أَكْرَمَك اللَّهُ، وَهَدَاك، يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ لِأَحْمَدَ: يَقُولُ لَهُ: أَكْرَمَك اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَعْنِي: بِالْإِسْلَامِ.

(وَحَرُمَ تَهْنِئَتُهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ وَعِيَادَتُهُمْ) إذَا مَرِضُوا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي " التَّصْحِيحِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (وَ) حَرُمَ (شَهَادَةُ أَعْيَادِهِمْ) ، أَيْ: الْكُفَّارِ، وَ (لَا) يَحْرُمُ (بَيْعُنَا لَهُمْ) ، أَيْ: لِأَهْلِ الذَّمَّةِ (فِيهَا) ، أَيْ: أَعْيَادِهِمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُمْ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": يَحْرُمُ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ.
(وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (تَجُوزُ عِيَادَةٌ

لِرَجَاءِ إسْلَامٍ) ، فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ يَهُودِيًّا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

(وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) لَا يَعْلَمُهُ ذِمِّيًّا، (ثُمَّ عَلِمَهُ) ذِمِّيًّا، (سُنَّ قَوْلُهُ) لَهُ (جَهْرًا: رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقِيلَ: إنَّهُ كَافِرٌ، فَقَالَ: رُدَّ عَلَيَّ مَا سَلَّمْت عَلَيْك، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَك وَوَلَدَك، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَكْثَرُ لِلْجِزْيَةِ.

(وَإِنْ سَلَّمَ ذِمِّيٌّ) عَلَى مُسْلِمٍ، (لَزِمَ) الْمُسْلِمَ.
(رَدُّهُ، فَيُقَالُ) فِي رَدِّهِ: (وَعَلَيْكُمْ) أَوْ: عَلَيْكُمْ، بِلَا وَاوٍ، وَبِهَا أَوْلَى، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نُهِينَا، أَوْ أُمِرْنَا أَنْ لَا نَزِيدَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى: وَعَلَيْكُمْ» (وَيَكْتُبُ) الْمُسْلِمُ (فِي كِتَابٍ لِكَافِرٍ: سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى جَامِعٌ.

(وَإِنْ شَمَّتَهُ) ، أَيْ: الْمُسْلِمَ الْعَاطِسَ (كَافِرٌ أَجَابَهُ) الْمُسْلِمُ بِهَدَاكَ اللَّهُ، لِأَنَّ طَلَبَ الْهِدَايَةِ لَهُمْ جَائِزٌ.

(وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ وَتَشْمِيتُهُ) ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى: «إنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.

(وَ) يُكْرَهُ (تَعَرُّضٌ لِمَا يُوجِبُ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ.

(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُسْتَشَارَ) كَافِرٌ (وَيُؤْخَذَ بِرَأْيِهِ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ

(أَوْ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ (يَسْتَطِبَّ ذِمِّيًّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يَقِفْ عَلَى مُفْرَدَاتِهِ) الْمُبَاحَةِ، وَكَذَا مَا وَضَعَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَوْ عَمِلَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْلِطَهُ بِشَيْءٍ مِنْ السُّمُومَاتِ أَوْ النَّجَاسَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]

(وَيُمْنَعُونَ) ، أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ (مِنْ حَمْلِ سِلَاحٍ وَ) مِنْ تَعَلُّمِ (ثِقَافٍ) ، وَهُوَ: الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ، (وَ) مِنْ (رَمْيٍ) بِنَحْوِ نُبْلٍ، (وَ) مِنْ (لَعِبٍ بِرُمْحٍ وَدَبُّوسٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى الْحَرْبِ.

وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الْقُرْآنَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَلَّمُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَ) يُمْنَعُونَ مِنْ (تَعْلِيَةِ بِنَاءٍ فَقَطْ) لَا مِنْ مُسَاوَاتِهِ، لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى عُلُوِّ الْكُفْرِ، وَلَا إلَى اطِّلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِنَا (عَلَى) بُنْيَانِ (جَارٍ مُسْلِم، وَلَوْ رَضِيَ) الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ أَوْ قَصُرَ بُنْيَانُ الْمُسْلِمِ جِدًّا، فَلَيْسَ لَهُمْ التَّعْلِيَةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، زَادَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: يَدُومُ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ، وَرِضَاهُ يُسْقِطُ حَقَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ.
تَنْبِيهٌ يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى بِنَاءِ جَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاصِقْهُ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَارِ، قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَلِأَنَّ فِيهِ تَرَفُّعًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَمُنِعُوا مِنْهُ، كَالتَّصْدِيرِ فِي الْمَجَالِسِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ أَنَّ قِسْمَةَ الْوَقْفِ قِسْمَةُ مَنَافِعَ لَا تَلْزَمُ، لِسُقُوطِ حَقِّ مَنْ يُحْدِثُ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِاجْتِنَابِهِ مُحَرَّمٌ.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ

(وَيَجِبُ نَقْضُهُ) وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، أَيْ: مَا عَلَا مِنْ بِنَائِهِمْ عَلَى بِنَاءِ

جَارِهِمْ الْمُسْلِمِ، إزَالَةً لِعُدْوَانِهِمْ وَ (لَا) يُنْقَضُ مَا عَلَا مِنْ بِنَاءِ ذِمِّيٍّ (إنْ بَاعَهُ) الذِّمِّيُّ (لِمُسْلِمٍ) ، لِأَنَّهُ لَا غَضَاضَةَ بِهِ

(وَيَضْمَنُ) ذِمِّيٌّ عَلَا بِنَاؤُهُ عَلَى بِنَاءِ جَارِهِ الْمُسْلِمِ (مَا تَلِفَ بِهِ) ، أَيْ: الْبِنَاءِ الْمُعَلَّى (قِبَلَهُ) ، أَيْ: النَّقْضُ لِتَعَدِّيهِ بِالتَّعْلِيَةِ، لِعَدَمِ إذْنِ الشَّرْعِ فِيهَا.

وَ (لَا) يُهْدَمُ بِنَاءٌ عَالٍ (إنْ مَلَكُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ عَالِيًا) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعْلِيَةٌ، (وَلَا يُعَادُ) عَالِيًا (لَوْ انْهَدَمَ) مَا مَلَكُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ عَالِيًا، لِأَنَّهُ بَعْدَ انْهِدَامِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.

(وَ) إنْ تَشَعَّثَ الْعَالِي الَّذِي لَا يَجِبُ هَدْمُهُ وَلَمْ يَنْهَدِمْ، فَيَجُوزُ أَنْ (يَرُمَّ شُعْثَهُ) لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لَهُ لَا إنْشَاءُ تَعْلِيَةٍ.

(وَلَا) يُنْقَضُ بِنَاؤُهُمْ (إنْ بَنَى) مُسْلِمٌ (دَارًا عِنْدَهُمْ) فِي مَحَلَّتِهِمْ (دُونَ بِنَائِهِمْ) ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعْلُوا بِنَاءَهُمْ عَلَى بِنَائِهِ

(وَمَعَ شَكٍّ فِي سَبْقٍ) بِأَنْ وُجِدَتْ دَارُ ذِمِّيٍّ عَالِيَةُ عَلَى دَارِ مُسْلِمٍ بِجِوَارِهَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقَةِ مِنْهُمَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَا تُقَرُّ دَارُ الذِّمِّيِّ عَالِيَةً، بَلْ (يَهْدِمُ) مَا عَلَا مِنْ بِنَائِهَا، لِأَنَّ التَّعْلِيَةَ مُفْسِدَةٌ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي شَرْطِ جَوَازِهَا.

(وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ إحْدَاثِ كَنَائِسَ وَبِيَعٍ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (وَ) مِنْ (مُجْتَمَعٍ لِصَلَاةٍ وَصَوْمَعَةٍ لِرَاهِبٍ) ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لِقَوْلِ ابْن عُمَرَ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بِيعَةً وَلَا أَنْ يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا، وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَوَاسِطَ، أَوْ مَا فُتِحَ عَنْوَةً كَمِصْرِ وَالشَّامِ، وَلَا يَصِحُّ صُلْحُهُمْ عَلَى إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا بِنَاءُ مَجَامِعَ لِلْكُفْرِ (فَإِنْ فَعَلُوا) ، أَيْ: أَحْدَثُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، (وَجَبَ هَدْمُهُ) إزَالَةً لِعُدْوَانِهِمْ.
(لَا) يَجِبُ (هَدْمُ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا (وَقْتَ فَتْحِ) الْأَرْضِ

الَّتِي هِيَ بِهَا، (فَإِنْ شَرَطُوا) ، أَيْ: الْكُفَّارُ (الْإِحْدَاثَ) لِبِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ وَنَحْوِهَا (فِيمَا فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنَّهُ) ، أَيْ: الْبَلَدَ الْمَفْتُوحَ صُلْحًا (لَنَا) ، وَنُقِرُّهُ مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ، (جَازَ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ إلَّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ.
(وَيُمْنَعُونَ مِنْ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا) ، أَيْ: الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَنَحْوِهَا (أَوْ هُدِمَ ظُلْمًا) مِنْهَا، (وَلَوْ) كَانَ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا أَوْ هُدِمَ ظُلْمًا (كُلُّهَا) ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْهَدْمِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (كَ) مَا يُمْنَعُونَ مِنْ (زِيَارَتِهَا) ، أَيْ: الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِيهَا لِمَا لَمْ يَكُنْ، فَيَدْخُلُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» وَ (لَا) يُمْنَعُونَ (رَمَّ شُعْثَهَا) ، أَيْ: الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا اسْتِدَامَتَهَا، فَمَلَكُوا رَمَّ شُعْثَهَا.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْكَنَائِسُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا، لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَالْعَابِدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْغَافِلِينَ) عَنْ الْعِبَادَةِ (أَعْظَمُ أَجْرًا) ، وَفِي مَعْنَاهُ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْمَعَاصِي لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَائِهَا وَلِهَذَا قِيلَ: إنِّي اطَّلَعْت عَلَى الْبِقَاعِ وَجَدْتُهَا ... تَشْقَى كَمَا تَشْقَى الرِّجَالُ وَتَسْعَدُ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنِّي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ (وَحَرُمَ بَيْعُهُمْ) وَإِجَارَتُهُمْ (مَا يَعْمَلُونَهُ كَنِيسَةً أَوْ تِمْثَالًا) ، أَيْ: صَنَمًا (وَنَحْوَهُ) ، كَاَلَّذِي يَعْمَلُونَهُ صَلِيبًا، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

(وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ إظْهَارِ مُنْكَرٍ كَنِكَاحِ مَحَارِمَ، وَ) إظْهَارِ (عِيدٍ، وَ) إظْهَارِ (صَلِيبٍ وَ) إظْهَارِ (أَكْلٍ وَشُرْبٍ بِ) نَهَارِ (رَمَضَانَ، وَ) إظْهَارِ (خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) ، لِأَنَّهُ يُؤْذِينَا، (فَإِنْ فَعَلُوا) ، أَيْ: أَظْهَرُوا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا (أُتْلِفَ) إزَالَةً لِلْمُنْكَرِ.

(وَ) يُمْنَعُونَ مِنْ (رَفْعِ صَوْتٍ عَلَى مَيِّتٍ، وَ) مِنْ (قِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَ) مِنْ (ضَرْبِ نَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهِمْ) ، لِأَنَّ فِي شُرُوطِهِمْ لِابْنِ غُنْمٍ: وَأَنْ لَا نَضْرِبَ نَاقُوسًا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا، وَلَا نَظْهَرَ عَلَيْهَا، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَنْ لَا نُخْرِجَ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ لَا نَخْرُجَ بَاعُوثًا وَلَا سَعَانِينَ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَأَنْ لَا نُجَاوِرَهُمْ بِالْجَنَائِزِ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا.
وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِرَمَضَان لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ.
وَالْبَاعُوثُ: اسْتِسْقَاءُ النَّصَارَى.
وَالسَّعَانِينُ: عِيدٌ لِلنَّصَارَى قَبْلَ الْفِصْحِ بِأُسْبُوعٍ، يَخْرُجُونَ فِيهِ بِصُلْبَانِهِمْ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ": (وَإِنْ صُولِحُوا) ، أَيْ: الْكُفَّارُ، (فِي بِلَادِهِمْ) ، أَيْ: مَا فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ (عَلَى جِزْيَةٍ أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ فِيمَا سَبَقَ، لِأَنَّهُمْ فِي بِلَادِهِمْ أَشْبَهُوا أَهْلَ الْحَرْبِ زَمَنَ الْهُدْنَةِ.

(وَبَائِعُ خَمْرٍ) مِنْ الذِّمِّيِّينَ (لَنَا يُعَاقَبُ وَيُؤْخَذُ) ، أَيْ: يَأْخُذُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ (مِنْهُ الثَّمَنَ) الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِبُطْلَانِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَتَحْرِيمِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ (يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ) ، وَ (لَا) يُرَدُّ الثَّمَنُ (لِمُشْتَرٍ) مِنْهُمْ الْخَمْرَ، (فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ عِوَضٍ وَمُعَوَّضٍ) ، وَمَنْ بَاعَ خَمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَمْلِكْ ثَمَنَهُ، لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» فَيُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ (كَ) مَا قِيلَ فِي (مَهْرِ بَغْيٍ وَحُلْوَانِ كَاهِنٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ عِوَضٌ عَنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ) قَدْ (اُسْتُوْفِيَتْ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) ، لِأَنَّهُ كَالْمَالِ الْمَجْهُولِ

مَالِكُهُ، (وَ) هَذَا (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا، (وَقَالَ فِي بَيْعِ سِلَاحٍ فِي فِتْنَةٍ وَعِنَبٍ لِخَمْرٍ: يُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ) وَلَا يُرَدُّ لِمَالِكِهِ وَلَا لِلْبَائِعِ زَجْرًا لَهُمَا عَنْ ارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، (كَذَا قَالَ) فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ.
وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ فِي بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ وَالْعِنَبِ لِلْخَمْرِ تَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعَقْدِ، وَرَدَّ الثَّمَنِ الَّذِي قُبِضَ لِلْمُشْتَرِي وَالْمُثَمَّنِ لِلْبَائِعِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ تَلِفَ فَيَبْقَى الثَّمَنُ بِيَدِ الْبَائِعِ، لِئَلَّا يَذْهَبَ عَلَيْهِ مَالُهُ مَجَّانًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ فَيُقْضَى لِلْبَائِعِ بِعِوَضِهِ، بِخِلَافِ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَمَهْرِ الْبَغْيِ، وَأُجْرَةِ الْمَلُوطِ بِهِ وَالنَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي نَفْسِهَا، كَبَائِعِ نَحْوِ الْمَيْتَةِ أَوْ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِثَمَنِهَا، لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْعَيْنِ مُحَرَّمَةٌ، أَفَادَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

(وَيُمْنَعُونَ) ، أَيْ: الْكُفَّارُ، (دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ) بِحُدُودِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَجِّ لَا الْمَسْجِدِ (فَقَطْ) ، أَيْ: وَلَا حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُمْ حَرَمَ مَكَّةَ لِلْإِسْلَامِ، كَمَا فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَالْمُرَادُ حَرَمُ مَكَّةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: 28] ، أَيْ: ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ وَيُؤَيِّدُهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1] ، أَيْ: الْحَرَمِ، لِأَنَّهُ «أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ» ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ دُونَ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَاتِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمُهَا، لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّسُكِ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ، سَوَاءٌ أَذِنَ بِالدُّخُولِ مُسْلِمٌ أَوْ لَا، لِإِقَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (وَلَوْ بَذَلُوا مَالًا) لِأَجْلِ الدُّخُولِ (أَوْ صُولِحُوا عَلَيْهِ) ، أَيْ:

الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَلَمْ يُمَكَّنُوا، (وَمَا اُسْتُوْفِيَ مِنْ الدُّخُولِ مَلَكَ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَالِ) الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَخَلُوا إلَى انْتِهَاءِ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِمْ جَمِيعُ الْعِوَضِ، لِأَنَّهُمْ اسْتَوْفَوْا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ (حَتَّى غَيْرَ مُكَلَّفٍ) كَصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، (وَ) حَتَّى (رَسُولُهُمْ) ، أَيْ: الْكُفَّارُ، فَيُمْنَعُونَ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، لِعُمُومِ الْآيَةِ.
(وَيَخْرُجُ إمَامٌ إلَيْهِ) ، أَيْ: الرَّسُولِ إنْ أَبَى أَدَاءَ الرِّسَالَةِ إلَيْهِ (وَيُعَزِّرُ مَنْ دَخَلَ) مِنْهُمْ حَرَمَ مَكَّةَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْمَنْعِ، وَ (لَا) يُعَزَّرُ إنْ دَخَلَ (جَهْلًا) ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ، (وَيُخْرَجُ) وَيُهَدَّدُ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ.
(وَلَوْ) صَارَ الدَّاخِلُ مَرِيضًا أَوْ (مَيِّتًا) فَيُخْرَجُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ إخْرَاجُهُ حَيًّا، فَإِخْرَاجُ جِيفَتِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا جَازَ دَفْنُهُ بِالْحِجَازِ سِوَى حَرَمَ مَكَّةَ، لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ سَهْلٌ مُمْكِنٌ لِقُرْبِ الْحِلِّ مِنْهُ، وَخُرُوجُهُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مَيِّتٌ صَعْبٌ مُشِقٌّ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ.
(وَيُنْبَشُ إنْ دُفِنَ بِهِ) ، أَيْ: بِالْحَرَمِ، وَيُخْرَجُ مِنْهُ (مَا لَمْ يَبْلُ) ، فَيُتْرَكُ.
وَكَذَا لَوْ تَصَعَّبَ إخْرَاجُهُ لِنَتِنِهِ وَتَقَطُّعِهِ لِلْمَشَقَّةِ فِي إخْرَاجِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".

(وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ إقَامَةٍ بِالْحِجَازِ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ وَالْيَنْبُعِ وَفَدَكَ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ (وَقُرَاهَا) ، وَسُمِّيَ حِجَازًا لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ - بِكَسْرِ التَّاءِ، وَهِيَ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ، وَمَكَّةَ مِنْ تِهَامَةَ - وَبَيْنَ نَجْدٍ، وَهُوَ: مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْحِجَازِ، (تَبُوكَ وَنَحْوَهَا وَمَا دُونَ الْمُنْحَنَى، وَهُوَ: عُقْبَةُ الصَّوَّانُ مِنْ الشَّامِ كَمَعَانٍ) ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ «إنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْمُرَادُ: الْحِجَازُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَخْرَجَ أَحَدًا مِنْ الْيَمَنِ وَتَيْمَاءَ.
قَالَ أَحْمَدُ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا، يَعْنِي: أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ سُكْنَى الْكُفَّارِ بِهِ الْمَدِينَةِ وَمَا وَالَاهَا، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَخَيْبَرُ وَالْيَنْبُعُ وَفَدَكُ وَمَخَالِيفُهَا، (وَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ) ، أَيْ: الْحِجَازِ (بِلَا إذْنِ إمَامٍ) ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ (قَالَ أَصْحَابُنَا: الْمُرَادُ بِهِ: الْحِجَازُ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حُجِزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَحَدُّ الْجَزِيرَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ) الْأَصْمَعِيُّ وَ (أَبُو عُبَيْدٍ) الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: (مِنْ عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ) وَالرِّيفُ: أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ وَخِصْبٌ، وَالْجَمْعُ: أَرْيَافٌ (طُولًا، وَمِنْ تِهَامَةَ إلَى مَا وَرَاءَهَا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ) عَرْضًا قَالَ الْخَلِيلُ: إنَّمَا قِيلَ لَهَا جَزِيرَةٌ، لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشَةِ وَبَحْرَ فَارِسَ وَالْفُرَاتِ أَحَاطَتْ بِهَا وَنُسِبَتْ إلَى الْعَرَبِ، لِأَنَّهَا أَرْضُهَا وَمَسْكَنُهَا وَمَعْدِنُهَا، (فَإِنْ دَخَلُوا الْحِجَازَ لِتِجَارَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا (لَمْ يُقِيمُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، بَلْ يَنْتَقِلُوا) " لِأَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لِمَنْ دَخَلَ تَاجِرًا فِي إقَامَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " فَدَلَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الزَّائِدِ وَلَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَكَذَا فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ، وَمَوْضِعٍ رَابِعٍ، وَهَكَذَا، (فَإِنْ أَقَامُوا بِمَوْضِعٍ) وَاحِدٍ مِنْ الْحِجَازِ (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ عُزِّرُوا) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ فِي الْإِقَامَةِ (وَيُوَكَّلُونَ فِي) دَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ) مَنْ يَقْبِضْهُ لَهُمْ، (وَيُجْبَرُ مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِ) دَيْنٌ (حَالٌّ عَلَى وَفَائِهِ) ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) وَفَاؤُهُ لِنَحْوِ مَطْلٍ أَوْ تَغَيُّبٍ، (جَازَتْ إقَامَتُهُمْ لَهُ) إلَى اسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَفِي إخْرَاجِهِمْ قَبْلَهُ ذَهَابٌ لِمَا لَهُمْ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَوْكِيلٌ.
(وَمَنْ مَرِضَ) مِنْ كُفَّارٍ بِالْحِجَازِ (لَمْ يَخْرُجْ) مِنْهُ (حَتَّى يَبْرَأَ) ، لِمَشَقَّةِ الِانْتِقَالِ عَلَى الْمَرِيضِ، فَتَجُوزُ إقَامَتُهُ، (وَ) مَنْ يُمَرِّضُهُ.

وَ (إنْ مَاتَ) كَافِرٌ بِالْحِجَازِ (دُفِنَ بِهِ) ، لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ إقَامَتِهِ لِلْمَرَضِ.

(وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ مَسْجِدٍ) مِنْ مَسَاجِدِ الْحِلِّ (وَلَوْ أَذِنَ) لَهُ فِيهِ (مُسْلِمٌ) " لِأَنَّ عَلِيًّا بَصَرَ بِمَجُوسِيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ وَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ " وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ يَمْنَعُ، فَالشِّرْكُ أَوْلَى.
(وَعِنْدَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (يَجُوزُ) لِكَافِرٍ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ (إنْ رُجِيَ) مِنْهُ (إسْلَامٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَأَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ» وَأُجِيبَ عَنْهُ وَعَنْ نَظَائِرِهِ بِأَنَّهُ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إلَيْهِ، وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْمِلُونَ إلَيْهِ الرَّسَائِلَ وَالْأَجْوِبَةَ، وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ الدَّعْوَةَ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجَ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنْ الْكُفَّارِ.

(وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ) ، أَيْ: الْكَافِرِ (لِبِنَائِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَالذِّمِّيِّ) التَّاجِرِ (وَلَوْ أُنْثَى صَغِيرَةً) أَوْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى وَنَحْوَهُ، (أَوْ تَغْلِيبًا إنْ اتَّجَرَ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ) وَلَوْ إلَى غَيْرِ الْحِجَازِ (بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَصَاعِدًا) ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا (ثُمَّ عَادَ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْوَاجِبُ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي (سَافَرَ إلَيْهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْعُشْرِ مِمَّا مَعَهُ) ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " كِتَابِ الْأَمْوَالِ " عَنْ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ عَلَى

أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا " وَكَانَ ذَلِكَ بِالْعِرَاقِ، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِمَّا مَعَهُمْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ نَصًّا، وَلَا فِيمَا اتَّجَرُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ.
(وَيَمْنَعُهُ) ، أَيْ: وُجُوبَ نِصْفِ الْعُشْرِ (دَيْنٌ كَزَكَاةٍ) ، فَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِمَّا يُقَابِلُهُ (إنْ ثَبَتَ) الدَّيْنُ (بِبَيِّنَةٍ) ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ.

(وَيُصَدَّقُ) كَافِرٌ تَاجِرٌ (أَنَّ جَارِيَةً مَعَهُ أَهْلُهُ) ، أَيْ: زَوْجَتُهُ، (أَوْ) أَنَّهَا (بِنْتُهُ، وَنَحْوَهُمَا) كَأُخْتِهِ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ مِلْكِهِ لَهَا، فَلَا تُعْشَرُ (وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَعَ حَرْبِيٍّ اتَّجَرَ إلَيْنَا الْعُشْرُ) سَوَاءٌ عَشَرُوا أَمْوَالَنَا أَوْ لَا، " لِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ " وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ.
و (لَا) يُؤْخَذُ عُشْرٌ وَلَا نِصْفُهُ (مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ مَعَهُمَا) ، أَيْ: الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ فَوَجَبَ فِيهِ كَالْعِشْرِينِ فِي زَكَاةِ مُسْلِمٍ.

(وَلَا) يُؤْخَذُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ (أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ كُلَّ عَامٍ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ شَيْخًا نَصْرَانِيًّا جَاءَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: إنَّ عَامِلَك عَشَرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، قَالَ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ.
ثُمَّ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ أَنْ لَا يَعْشُرَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً " وَكَالْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ.
وَمَتَى أَخَذَ مِنْهُمْ كَتَبَ لَهُمْ بَرَاءَةً، لِتَكُونَ حُجَّةً مَعَهُمْ، فَلَا يُعْشَرُونَ ثَانِيًا، لَكِنْ إنْ كَانَ مَعَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ أُخِذَ مِنْ الزَّائِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْشَرْ.

(وَلَا يُعْشَرُ ثَمَنُ خَمْرٍ، وَ) لَا ثَمَنُ (خِنْزِيرٍ) نَصًّا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ " حَمَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ جِزْيَةً وَخَرَاجًا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، (وَالْمُرَادُ: مَا لَمْ يَقْبِضُوا ثَمَنَهُمَا) مِمَّنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُمَا، فَيُعْشَرُ كَبَاقِي أَمْوَالِهِمْ، فِي

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل