مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 206-245
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 206-245
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَنَّهُ كَنَّى بِالْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْوَطْءُ عَنْ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْخَلْوَةُ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] فَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْخَلْوَةُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضَاءِ وَهُوَ الْخَالِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَقَدْ خَلَا بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَتَزُولُ) الْخَلْوَةُ (بِمُمَيِّزٍ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ أَعْمَى) نَصًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَاقِلًا (أَوْ مَجْنُونًا) وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ الزَّوْجُ مُسْلِمًا وَالزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً (مَعَ عِلْمِهِ) بِأَنَّهَا عِنْدَهُ (وَلَمْ تَمْنَعْهُ) الزَّوْجَةُ مِنْ وَطْئِهَا، فَإِنْ مَنَعَتْهُ مِنْهُ، لَمْ يَتَقَرَّرْ الصَّدَاقُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّمْكِينُ التَّامُّ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْخَلْوَةُ مُقَرَّرَةً، (إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَطَأُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَقَدْ خَلَا (وَ) كَانَتْ الزَّوْجَةُ (يُوطَأُ مِثْلُهَا) فَإِنْ كَانَ دُونَ عَشْرٍ وَكَانَتْ دُونَ تِسْعٍ، لَمْ يَتَقَرَّرْ؛ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوَطْءِ.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ) أَيْ: الزَّوْجِ بَعْدَ أَنْ خَلَا بِزَوْجَتِهِ (عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقُدِّمَتْ الْعَادَةُ هُنَا عَلَى الْأَصْلِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (فَكَذَا دَعْوَى إنْفَاقِهِ) عَلَى زَوْجَةٍ مُقِيمٍ مَعَهَا (فَإِنَّ الْعَادَةَ هُنَاكَ) أَيْ: فِي الْإِنْفَاقِ (أَقْوَى وَهُوَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ دَعْوَى إنْفَاقِهِ (مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ) لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا فِي عَدَمِ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ.
(وَلَوْ) كَانَ (نَائِمًا أَوْ بِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (عَمًى) نَصًّا إنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ بِذَلِكَ (أَوْ) كَانَ (بِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ مَانِعٌ حِسِّيٌّ (أَوْ) كَانَ (بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ حِسِّيٌّ كَجَبٍّ) بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ (وَرَتْقٍ) بِأَنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ رَتْقَاءَ أَيْ: مَسْدُودَةَ الْفَرْجِ، أَوْ كَانَتْ هَزِيلَةً.
أَوْ مَانِعٌ (شَرْعِيٌّ كَحَيْضٍ وَإِحْرَامٍ وَصَوْمٍ) وَاجِبٍ، فَإِذَا خَلَا بِهَا وَلَوْ فِي حَالٍ مِنْ هَذِهِ تَقَرَّرَ الصَّدَاقُ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ نَفْسَهَا مُقَرِّرَةٌ لِلْمَهْرِ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ

التَّمْكِينُ التَّامُّ، وَالْمَنْعُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ فِعْلِهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّمْكِينِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ النَّفَقَةِ وَيُقَرَّرُ الْمَهْرُ كَامِلًا (لِمَسِّ) الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ لِشَهْوَةٍ (وَنَظَرٍ لِفَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ) لَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ بَدَنِهَا وَلَوْ بِلَا خَلْوَةٍ فِيهِمَا، نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] . الْآيَةَ، وَحَقِيقَةُ الْمَسِّ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ (وَ) يُقَرِّرُهُ كَامِلًا (تَقْبِيلُهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ، فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ كَالْوَطْءِ وَلِأَنَّهُ نَالَ مِنْهَا شَيْئًا لَا يُبَاحُ لِغَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كَامِلًا (وَلَوْ) كَانَ فِعْلُهُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (فِي) نِكَاحٍ (فَاسِدٍ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ، الْفَاسِدَ يَنْعَقِدُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّحِيحِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالِاعْتِدَادِ مِنْهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ فِيهِ بِالْعَقْدِ، وَتَقَرُّرِهِ بِالْمُفَارِقَةِ وَبِالْخَلْوَةِ، فَلِذَلِكَ لُزُومُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ضَمَانُ عَقْدٍ لِضَمَانِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَضَمَانُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ضَمَانُ تَلَفٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ عَقْدٍ، قَالَهُ فِي: " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(فَالْخَلْوَةُ) حُكْمُهَا (كَالْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ مَهْرٍ وَلُزُومِ عِدَّةٍ وَثُبُوتِ نَسَبٍ) إذَا خَلَا بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَلَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلَمْ تَكُنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرْءِ؛ وَلِأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ؛ فَهِيَ فِي حُكْمِ

الزَّوْجَاتِ (وَفِيهِ) أَيْ: فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ (نَظَرٌ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُهُ إلَّا بِالْوَطْءِ وَهُوَ رِوَايَةٌ.
قَالَ فِي: " الْإِنْصَافِ " وَأَمَّا لُحُوقُ النَّسَبِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: فِي صَائِمٍ خَلَا بِزَوْجَتِهِ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُمْكِنٍ، رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَلْزَمُهُ، لِثُبُوتِ الْفِرَاشِ، وَهِيَ أَصَحُّ، وَالْأُخْرَى: قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ إلَّا بِالْوَطْءِ انْتَهَى.
وَكَذَا فِي ثُبُوتِ (رَجْعَةٍ) عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا (وَ) فِي (تَحْرِيمِ أُخْتِهَا) إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (وَ) فِي تَحْرِيمِ (أَرْبَعٍ سِوَاهَا) إذَا طَلَّقَهَا (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) .

وَلَا يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كَامِلًا (إنْ تَحَمَّلَتْ بِمَائِهِ) أَيْ مَنِيِّ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِمْتَاعَ مِنْهُ بِهَا (وَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ: بِتَحَمُّلِ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ (عِدَّةٌ) فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ الْحَمْلِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ بِقَوْلِهِ: (فِي) كِتَابِ (الْعِدَدِ) وَلَا بِتَحَمُّلِهَا مَاءَ الرَّجُلِ، أَيْ: وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِتَحَمُّلِهَا مَاءَ الرَّجُلِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ مَشَى صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " عَلَى أَحَدِهِمَا هُنَا كَالْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَمَشَى فِي الْعِدَدِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَالْمُعْتَمَدُ مَا مَشَى عَلَيْهِ هُنَا كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (وَ) يَثْبُتُ بِتَحَمُّلِهَا مَاءَ الرَّجُلِ (تَحْرِيمُ أُخْتِهَا وَ) تَحْرِيمُ (أَرْبَعٍ سِوَاهَا، وَكَذَا) يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ (مُصَاهَرَةٍ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَعَلَى هَذَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ كَمَوْطُوءَتِهِمَا (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (فِي) قَوْلِهِ فِي بَابِ (الْمُحَرَّمَاتِ) فِي النِّكَاحِ أَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ، قَالَ: شَارِحُهُ: أَيْ: مَنِيَّهُ بِقُطْنَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا تَحْرُمُ بِنْتُهَا عَلَيْهِ، لِعَدَمِ الدُّخُولِ بِهَا انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مَا يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ "، وَعِبَارَتُهُ: وَلَا يَحْرُمُ فِي مُصَاهَرَةٍ إلَّا تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ انْفَرَدَ بِهِ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَتَبِعَهُ

عَلَيْهِ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " هُنَا مَعَ أَنَّهُ مَشَى فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى خِلَافِهِ (وَكَذَا) يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ (نَسَبِ) وَلَدٍ حَمَلَتْ بِهِ مِنْهُ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَنِيُّ الَّذِي تَحَمَّلَتْهُ (مِنْ أَجْنَبِيٍّ) غَيْرِ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُ ذَلِكَ الْحَمْلِ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ (لَا) يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدٍ انْعَقَدَ مِنْ (مَاءِ زِنًا) كَمَا لَوْ زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَاسْتَخْرَجَتْ الْمَزْنِيُّ بِهَا مَاءَهُ، فَأَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى وَ (تَحَمَّلَتْهُ) فَحَمَلَتْ مِنْهُ، أَوْ عَزَلَ الزَّانِي فَأَخَذَتْ الْمَزْنِيُّ بِهَا مَاءَهُ، وَتَحَمَّلَتْهُ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ ذَلِكَ الْوَلَدِ؛ إذْ لَوْ كَانَ مِنْ زِنًا مَحْضٍ لَا يُنْسَبُ لِأَبِيهِ؛ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
وَ (لَا تَحْصُلُ بِهِ رَجْعَةٌ) فَلَوْ تَحَمَّلَتْ رَجْعِيَّةٌ بِمَنِيِّ مُطَلِّقِهَا لَمْ يَكُنْ تَحَمُّلُهَا رَجْعَةً، وَإِذَا تَحَمَّلَتْ بِمَاءِ أَجْنَبِيٍّ فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ.

(وَلَوْ اتَّفَقَا) أَيْ: الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ الَّتِي خَلَا بِهَا (عَلَى أَنْ لَمْ يَطَأْ) هَا (فِي الْخَلْوَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِهَا لَمْ يَسْقُطْ مَهْرٌ وَلَا) وُجُوبُ (عِدَّةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا؟ مِمَّا يَلْزَمُهُ (وَلَا تَثْبُتُ) بِخَلْوَةٍ (أَحْكَامُ وَطْءٍ مِنْ إحْصَانٍ) فَلَا يَصِيرَانِ مُحْصَنَيْنِ؛ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الزِّنَا (وَحِلُّهَا لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا) فَلَا تَحِلُّ بِالْخَلْوَةِ، بَلْ بِالْوَطْءِ؛ لِحَدِيثِ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» (وَلُزُومُ غُسْلٍ) إذْ لَا الْتِقَاءَ لِلْخِتَانَيْنِ فِيهَا، (وَ) لَا يَجِبُ بِهَا (كَفَّارَةٌ) إذَا خَلَا بِهَا فِي الْحَيْضِ أَوْ الْإِحْرَامِ (وَلَا) يَثْبُتُ بِهَا (خُرُوجٌ مِنْ عُنَّةٍ وَ) لَا (حُصُولُ فَيْئَةٍ) مِنْ مُولٍ، وَلَا تَفْسُدُ بِهَا الْعِبَادَاتُ (وَ) لَا يَثْبُتُ بِهَا (تَحْرِيمُ رَبِيبَةٍ، وَلَا حُصُولُ رَجْعَةٍ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِالْوَطْءِ وَلَمْ يُوجَدْ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَا الزَّوْجَانِ أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ صَدَاقٍ]

فَصْلٌ (وَإِذَا) (اخْتَلَفَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (أَوْ) اخْتَلَفَ (وَرَثَتُهُمَا) أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ (أَوْ) اخْتَلَفَ (وَلِيَّاهُمَا، أَوْ) اخْتَلَفَ (زَوْجٌ وَوَلِيُّ زَوْجَةِ) نَحْوِ صَغِيرٍ، (وَعَكْسِهِ) كَأَنْ اخْتَلَفَ وَلِيُّ زَوْجٍ نَحْوِ صَغِيرٍ مَعَ زَوْجَةٍ رَشِيدَةٍ أَوْ مَعَ وَلِيِّ غَيْرِهَا أَوْ مَعَ وَرَثَتِهَا (فِي قَدْرِ صَدَاقٍ) بِأَنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُك عَلَى عِشْرِينَ، فَتَقُولُ: بَلْ عَلَى ثَلَاثِينَ (أَوْ) فِي (عَيْنِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ، فَتَقُولُ: بَلْ هَذِهِ الْأَمَةُ، أَوْ فِي صِفَتِهِ بِأَنْ قَالَ: عَلَى عَبْدٍ زِنْجِيٍّ، فَقَالَتْ: بَلْ أَبْيَض (أَوْ فِي جِنْسِهِ) بِأَنْ قَالَ: عَلَى فِضَّةٍ، فَتَقُولُ: عَلَى ذَهَبٍ (أَوْ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ) الصَّدَاقُ؛ بِأَنْ ادَّعَتْ وَطْئًا أَوْ خَلْوَةً، وَأَنْكَرَ (فَقَوْلُ زَوْجٍ) بِيَمِينِهِ (أَوْ وَلِيِّهِ) بِيَمِينِهِ (أَوْ وَارِثِهِ بِيَمِينِهِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ وَارِثُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلِيِّ (فَحَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَ) يَحْلِفُ (عَلَى الْبَتِّ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْيَمِينِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَيَحْلِفُ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَيَتَّجِهُ:) مَحَلُّ حَلِفِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ (إنْ لَمْ يَحْضُرْ الْعَقْدَ) فَإِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ، فَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ وَعَيْنِهِ وَجِنْسِهِ وَصَنْعَتِهِ، لَا فِي دَعْوَى الْوَطْءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَقِرُّ بِهِ الصَّدَاقُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

وَإِذَا اخْتَلَفَا أَوْ وَرَثَتُهُمَا أَوْ وَلِيَّاهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلِيُّ الْآخَرِ أَوْ وَارِثُهُ (فِي قَبْضِ) صَدَاقٍ؛ فَقَوْلُهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ (أَوْ) فِي (تَسْمِيَةِ مَهْرِ) الْمِثْلِ بِأَنْ قَالَ: لَمْ أُسَمِّ لَك مَهْرًا، وَقَالَتْ: بَلْ سَمَّيْت لِي قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) فِي رِوَايَةٍ إنْ وُجِدَتْ بِيَمِينِهَا، (أَوْ) قَوْلُ وَلِيِّهَا إنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا، أَوْ قَوْلُ (وَرَثَتِهَا) إنْ كَانَتْ مَيِّتَةً (بِيَمِينٍ خِلَافًا لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي " التَّنْقِيحِ " وَكَأَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُصَنِّفِ " لِلْمُنْتَهَى " ذُهُولٌ عَنْ الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ إشَارَتِهِ لِلْخِلَافِ، وَقَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَفِي تَسْمِيَةٍ، فَقَوْلُهُ - أَيْ: الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ، وَمَا قَالَهُ فِي: " الْإِقْنَاعِ " مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ.
قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَهَا الْمُتْعَةُ بِنَاءً عَلَى مَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ يُفْتَى.

(وَ) إنْ قَالَ الزَّوْجُ: (لَيْسَ لَهَا عَلَيَّ صَدَاقٌ فَ) الْقَوْلُ: (قَوْلُهَا قَبْلَ دُخُولٍ، وَبَعْدَهُ فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ مِثْلٍ: سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّاهَا) الصَّدَاقَ (أَوْ) ادَّعَى أَنَّهَا (أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ) أَوْ قَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مُوجِبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (أَنَّ مَا دَفَعَهُ) الزَّوْجُ إلَيْهَا مُدَّعِيًا أَنَّهُ صَدَاقٌ فَقَالَتْ: بَلْ دَفَعَهُ إلَيَّ (هِبَةً) فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَمِثْلُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ (لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ) مَا دَفَعَهُ الزَّوْجُ إلَيْهَا (جِنْسَ مَهْرٍ) وَاجِبٍ عَلَيْهِ (فَلَهَا رَدُّهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا) الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ.

(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ مُكَرَّرٍ عَلَى صَدَاقَيْنِ، سِرًّا وَعَلَانِيَةً بِ) أَنْ عَقَدَ سِرًّا عَلَى صَدَاقٍ، وَعَلَانِيَةً عَلَى صَدَاقٍ آخَرَ (أَخَذَ) الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ (الزَّائِدِ مُطْلَقًا) نَصًّا؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِدُ صَدَاقَ السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ، وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقَ

الْعَلَانِيَةِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ السِّرُّ أَكْثَرَ فَقَدْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ الْعَلَانِيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْعَلَانِيَةُ أَكْثَرَ فَقَدْ بَذَلَ لَهَا الزَّائِدَ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ زَادَهَا فِي صَدَاقِهَا.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعٍ عَقَدَ عَلَى صَدَاقَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَزْيَدُ مِنْ الْآخَرِ أَنْ الزَّائِدَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ تَجَمُّلًا (وَيَدِينُ فِي) دَعْوَاهُ إرَادَةَ (الْأَقَلِّ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَّجِهُ: (أَنَّهُ يُقْبَلُ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا إنْ اعْتَرَفَتْ) الزَّوْجَةُ (أَنَّهُ) صَدَرَ (عَقْدٌ) بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأَقَلِّ أَوْ لَا، ثُمَّ (تَكَرَّرَ) الْعَقْدُ ثَانِيًا بِالزَّائِدِ بِلَا فُرْقَةٍ تَخَلَّتْ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا فِي السِّرِّ انْعَقَدَ عَلَى مَهْرٍ قَلِيلٍ، فَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَيْسَ لَهَا سِوَاهُ؛ وَإِنْ أَكَذَبَتْهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ.
انْتَهَى وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ.

(وَتَلْحَقُ بِهِ) أَيْ: الْمَهْرِ (زِيَادَةٌ بَعْدَ عَقْدٍ) مَا دَامَتْ فِي حِبَالِهِ، وَمَعْنَى لُحُوقِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (فِيمَا يُقَرِّرُهُ) أَيْ: الْمَهْرُ كَامِلًا كَمَوْتٍ وَدُخُولٍ وَخَلْوَةٍ (وَ) فِيمَا (يُنَصِّفُهُ) كَطَلَاقٍ وَخُلْعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: 24] . وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ، فَكَانَ حَالَةُ الزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى ثَمَنٍ، أَوْ أُجْرَةٍ وَعَقَدَا بِأَكْثَرَ تَجَمُّلًا؛ فَالثَّمَنُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، دُونَ مَا عَقَدَا بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَنْعَقِدَانِ هَزْلًا

وَتَلْجِئَةً، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَلَا تُغْتَفَرُ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَتَلْحَقُ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِيمَا (يُسْقِطُهُ) أَيْ: الصَّدَاقُ كَحُصُولِ الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَتِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ (وَتَمَلُّكِ) الزِّيَادَةِ (بِهِ) أَيْ: يَجْعَلُهَا (مِنْ حِينِهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ، لَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَلَا وُجُودُهُ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بَعْدَ سَبَبِهِ مِنْ حِينِهِ (فَمَا) زَادَهُ زَوْجٌ (بَعْدَ عِتْقِ زَوْجَةٍ لَهَا) دُونَ سَيِّدِهَا، وَكَذَا لَوْ بِيعَتْ، ثُمَّ زِيدَ فِي صَدَاقِهَا؛ فَالزِّيَادَةُ لِمُشْتَرٍ دُونَ بَائِعٍ.

(وَلَوْ قَالَ) لَهَا (زَوْجٌ) وَقَدْ عَقَدَاهُ سِرًّا بِمَهْرٍ وَعَلَانِيَةً بِمَهْرٍ (هُوَ عَقْدٌ) وَاحِدٌ (أُسِرَّ ثُمَّ أُظْهِرَ) فَالْوَاجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ (وَقَالَتْ:) الزَّوْجَةُ هُمَا (عَقْدَانِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ) فَالْقَوْلُ: (قَوْلُهَا) بِيَمِينِهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ، وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إنْ دَخَلَ بِهَا وَنَحْوُهُ (وَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ إنْ ادَّعَى إبَانَةً قَبْلَ دُخُولٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَهُ (فَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا) جَرَيَانَ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ سُئِلَتْ (فَ) إنْ (ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا) فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ (ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا ثَانِيًا، وَحَلَفَتْ) عَلَى ذَلِكَ (اسْتَحَقَّتْ) مَا ادَّعَتْهُ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ؛ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.

(وَإِنْ اتَّفَقَا قَبْلَ عَقْدٍ عَلَى مَهْرٍ) كَمِائَةٍ (وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ) كَمِائَتَيْنِ (تَجَمُّلًا؛ فَالْمَهْرُ عَقْدٌ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلَافِهَا، وَسَوَاءٌ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَلَانِيَةِ أَوْ لَا (وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (أَنَّهَا تَفِي) أَيْ: نَدْبًا (بِمَا وَعَدَتْ بِهِ) وَشَرَطَتْهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا مَهْرَ السِّرِّ، قَالَهُ: الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) لَوْ اتَّفَقَا عَلَى مَهْرٍ، وَعَقَدَا (بِأَقَلَّ) مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ تَسَتُّرًا، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَهَا الزَّوْجُ مَا شَرَطَهُ لَهَا (وَيَفِي بِمَا وَعَدَ) لِئَلَّا يَكُونَ غَادِرًا، وَلِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

[فَصْلٌ هَدِيَّةُ زَوْجٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمَهْرِ]

فَصْلٌ (وَهَدِيَّةُ زَوْجٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمَهْرِ) نَصًّا (فَمَا) أَهْدَاهُ الزَّوْجُ مِنْ هَدِيَّةٍ (قَبْلَ عَقْدٍ إنْ وَعَدُوهُ) بِأَنْ يُزَوِّجُوهُ (وَلَمْ يَفُوا) بِأَنْ زَوَّجُوا غَيْرَهُ (رَجَعَ بِهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَهَا فِي نَظِيرِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ هُوَ لَا رُجُوعَ لَهُ كَالْمُجَامِلِ إذَا لَمْ يَفِ بِالْعَمَلِ.

(وَمَا قَبَضَ) أَيْ: قَبَضَهُ بَعْضُ أَقَارِبِهَا كَاَلَّذِي يُسَمُّونَهُ (مَأْكَلَةٌ بِسَبَبِ نِكَاحٍ؛ فَحُكْمُهُ كَمَهْرٍ فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيُسْقِطُهُ وَيُنَصِّفُهُ) وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا، وَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِهِ، إلَّا الْأَبَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشَّرْطِ وَبِلَا شَرْطٍ مِنْ مَالِهَا مَا شَاءَتْ بِشَرْطِهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ حُكْمِ الْمَجْعُولِ مَأْكَلَةً كَمَهْرٍ حَيْثُ قَبَضَهُ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ أَمَّا (قَبْلَ قَبْضِ) ذَلِكَ (فَلَهُ) أَيْ: الْخَاطِبِ (الرُّجُوعُ) بِمَا شَرَطَهُ لَهُمْ (لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ) لَمْ يُقْبَضْ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ كَمَنْ أَخْرَجَ مَالًا لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

(فَلَوْ اتَّفَقُوا) أَيْ: الْخَاطِبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّهَا (عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَأَعْطَى) الْخَاطِبُ (أَبَاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا) مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ (فَمَاتَتْ قَبْلَ عَقْدٍ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَامِ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْخَاطِبُ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ.

(وَمَا كَتَبَ فِيهِ الْمَهْرَ لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ

سَوَاءٌ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهِ ذَلِكَ لَوْحًا أَوْ قِطْعَةَ حَرِيرٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ طَلُقَتْ (قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ الْعَادَةَ أَخْذُهَا لِذَلِكَ.

(وَتَرُدُّ هَدِيَّةً) عَلَى زَوْجٍ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَدِيَّةٍ أَهْدَاهَا الْخَاطِبُ (بَعْدَ عَقْدٍ) يُرَدُّ بِحُصُولِ فُرْقَةٍ (لِأَنَّ مَا) أُهْدِيَ (قَبْلَهُ) أَيْ: الْعَقْدِ (تَقَرَّرَ بِهِ) أَيْ: بِالْعَقْدِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(فِي كُلِّ فُرْقَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مُسْقِطَةٍ لِلْمَهْرِ) كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ وَنَحْوِهِ وَفِي فُرْقَةٍ قَهْرِيَّةٍ (كَفَسْخٍ) مِنْ قِبَلِهَا (لِفَقْدِ كَفَاءَةٍ وَعَيْبٍ قَبْلَ دُخُولٍ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّهُ وَهَبَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُ الرُّجُوعِ كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قِيَاسُ ذَلِكَ لَوْ وَهَبَتْهُ هِيَ شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ طَلَّقَ وَنَحْوَهُ (وَتَثْبُتُ) الْهَدِيَّةُ لِلزَّوْجَةِ (مَعَ) فَسْخٍ لِلنِّكَاحِ (مُقَرَّرٌ لَهُ) أَيْ الصَّدَاقُ كَوَطْءٍ وَخَلْوَةٍ (أَوْ) مُقَرَّرٌ (لِنِصْفِهِ) كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي الْهَدِيَّةِ إذَنْ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْدِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا (وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا بِسَبَبِ عَقْدِ) بَيْعٍ وَنَحْوِهِ (كَدَلَّالِ) وَكَيَّالٍ وَوَزَّانٍ.
(فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ) فِي " النَّظَرِيَّاتِ " (إنْ فُسِخَ) بَيْعٌ (بِنَحْوِ إقَالَةٍ مِمَّا يَقِفُ عَلَى تَرَاضٍ) مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا ثُمَّ يَفْسَخَانِ الْبَيْعَ (لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ الْمَأْخُوذُ؛ لِلُزُومِ الْبَيْعِ، وَإِلَّا يَقِفُ الْفَسْخُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا (كَفَسْخٍ لِعَيْبٍ يَرُدُّهُ) أَيْ: الْمَأْخُوذُ بِسَبَبِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ (وَقِيَاسُهُ) أَيْ: قِيَاسُ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (نِكَاحٌ فُسِخَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ كَفَاءَةِ) الزَّوْجِ (أَوْ) ظُهُورِ

(عَيْبٍ) فِي أَحَدِهِمَا (فَيَرُدَّهُ) أَيْ: يَرُدُّ الْخَاطِبُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ تَوَسُّطِهِ التَّزْوِيجَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى عَقْدٍ لَمْ يَسْلَمْ، وَ (لَا) يَرُدُّ الْمَأْخُوذُ إنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ (لِرِدَّةٍ وَرَضَاعٍ وَمُخَالَعَةٍ) وَذَلِكَ حِكَايَةٌ لِكَلَامِهِ بِمَعْنَاهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ " الْإِنْصَافِ ". (وَيَتَّجِهُ هُوَ) أَيْ: قَوْلُهُ: لَا لِرِدَّةٍ وَرَضَاعٍ وَمُخَالَعَةٍ (مُخَالِفٌ) عُمُومَهُ (لِمَا مَرَّ) مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: وَمَا أُخِذَ مَأْكَلَةً بِسَبَبِ نِكَاحٍ فَكَمَهْرٍ فِيمَا يُقَرِّرُهُ وَيُسْقِطُهُ وَيُنَصِّفُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ كَرِدَّتِهَا وَرَضَاعِهَا وَمُخَالَعَتِهَا مُسْقِطَةٌ لِلْمَهْرِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ رَدُّ الْآخِذِ كَسِمْسَارٍ فِي النِّكَاحِ جَمِيعَ مَا أَخَذَهُ؛ إذْ لَا دَخْلَ لِلزَّوْجِ هُنَا فِي ذَلِكَ، وَمُقْتَضَى قِيَاسِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنْ لَا يَرُدَّ، فَحَصَلَتْ الْمُخَالَفَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ الْمَهْرَ يَتَنَصَّفُ، لَا يَسْقُطُ، وَحِينَئِذٍ لَا مُخَالَفَةَ، وَالثَّانِي: أَنَّ مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ فَكَمَهْرٍ فِيمَا يُقَرِّرُهُ.
. . إلَخْ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ وَيَرُدَّ النِّصْفَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهِ، وَمُقْتَضَى قِيَاسِهِ أَنْ يَحْصُلَ الْكُلُّ، فَحَصَلَتْ الْمُخَالَفَةُ (إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْخَاطِبِ فَقَطْ) أَيْ: لَا عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَفِي الْجُمْلَةِ؛ إذْ الرَّدُّ فِيمَا تَقَدَّمَ النِّصْفُ، وَفِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الْكُلُّ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

[فَصْلٌ فِي الْمُفَوِّضَةِ]

(الْمُفَوِّضَةُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا، فَالْكَسْرُ عَلَى إضَافَةِ الْفِعْلِ لِلْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ، وَالْفَتْحُ عَلَى إضَافَتِهِ لِوَلِيِّهَا، وَالتَّفْوِيضُ فِي اللُّغَةِ الْإِهْمَالُ كَأَنَّ الْمَهْرَ أُهْمِلَ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا وَالتَّفْوِيضُ (ضَرْبَانِ تَفْوِيضُ بِضْعٍ) وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ (بِأَنْ يُزَوِّجَ أَبٌ بِنْتَهُ الْمُجْبَرَةَ) بِلَا مَهْرٍ (أَوْ) يُزَوِّجَ الْأَبُ (غَيْرَهَا بِإِذْنِهَا) بِلَا مَهْرٍ (أَوْ) يُزَوِّجَ (غَيْرَ الْأَبِ) كَأَخٍ يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ (بِإِذْنِهَا بِلَا مَهْرٍ) سَوَاءٌ سَكَتَ عَنْ الصَّدَاقِ أَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] وَلِحَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا رَجُلٌ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٌ مِنَّا، مِثْلَ مَا قَضَيْت» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَصْلَةَ وَالِاسْتِمْتَاعَ، دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ يَزِيدَ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": الْوَكْسُ كَالْوَعْدِ - النُّقْصَانُ.
وَالشَّطَطُ: الظُّلْمُ وَالتَّبَاعُدُ عَنْ الْحَقِّ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: (تَفْوِيضُ مَهْرٍ) بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَهْرَ إلَى رَأْيِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا (كَ) قَوْلُهُ زَوَّجْتُك بِنْتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ نَحْوِهِمَا (عَلَى مَا شَاءَتْ) الزَّوْجَةُ (أَوْ) عَلَى مَا (شَاءَ) الزَّوْجُ، (أَوْ) عَلَى مَا شَاءَ (فُلَانٌ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ) غَيْرَ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ يَقُولَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكهَا عَلَى مَا شِئْنَا أَوْ عَلَى حُكْمِنَا أَوْ حُكْمِك أَوْ حُكْمِ زَيْدٍ (فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ (وَيَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِي تَزْوِيجِهَا إلَّا عَلَى صَدَاقٍ وَلَكِنَّهُ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ، وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (حَالَةَ عَقْدٍ) فِي الضَّرْبَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ لِمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ (وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: التَّفْوِيضِ طَلَبُ فَرْضِهِ، (وَ) لَهَا (مَعَ فَسَادِ تَسْمِيَةٍ) كَأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى نَحْوِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (طَلَبُ فَرْضِهِ) قَبْلَ دُخُولٍ وَبَعْدَهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ مَهْرٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.

(وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (لَهُ) أَيْ لِزَوْجِهَا (مِنْهُ) أَيْ: مَهْرِ الْمِثْلِ (قَبْلَ فَرْضِهِ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ بَعْدَ الْجُرْحِ (فَإِذَا حَصَلَ) مِنْ الزَّوْجِ فِعْلٌ (مُقَرِّرٌ) لِصَدَاقِ مَنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ كَدُخُولِهِ بِهَا (فَلَا شَيْءَ لَهَا) لِأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ بِاخْتِيَارِهَا (وَإِنْ طَلُقَتْ) مَنْ أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَ دُخُولٍ (فَ) لَهَا عَلَيْهِ (الْمُتْعَةُ) ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] فَأَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ بِالطَّلَاقِ.

(فَإِنْ تَرَاضَيَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ الْجَائِزَا التَّصَرُّفِ (فِي فَرْضِهِ) أَيْ الْمَهْرِ (وَلَوْ عَلَى) شَيْءٍ (قَلِيلٍ صَحَّ) سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ لَا، وَلَهَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا فَقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ فَرَضَ لَهَا يَسِيرًا فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا وَجَبَ لَهَا وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَظِّهِ؛ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ بَذْلُ أَكْثَرِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ

فَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الرِّضَى بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا (وَإِلَّا) يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ (فَرَضَهُ حَاكِمٌ بِقَدْرِهِ) أَيْ: مَهْرِ الْمِثْلِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَالنَّقْصُ عَنْهُ مَيْلٌ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا يَحِلُّ الْمَيْلُ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، كَسِلْعَةٍ أُتْلِفَتْ يُقَوِّمُهَا بِمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ.
(وَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ مَهْرِ مِثْلٍ لِيُتَوَصَّلَ) لِإِمْكَانِ (فَرْضِهِ) وَمَتَى صَحَّ الْفَرْضُ صَارَ الْمَهْرُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ تَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ (وَ) إذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ (يَلْزَمُهَا فَرْضُهُ) لِمَهْرِ الْمِثْلِ (كَ) مَا يَلْزَمُهَا (حُكْمُهُ) يَعْنِي يَلْزَمُ الزَّوْجَيْنِ مَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ رَضِيَا بِهِ أَوْ لَمْ يَرْضَيَا، كَمَا يَلْزَمُهَا حُكْمُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " (فَدَلَّ) عَلَى (أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ) وَهُوَ هُنَا فَرْضُ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّ مُجَرَّدَ فَرْضِهِ سَبَبٌ لِمُطَالَبَتِهَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ " (كَتَقْدِيرِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (أُجْرَةَ مِثْلٍ وَنَفَقَةٍ) وَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنِ مِثْلٍ أَوْ جَعْلِ (حُكْمٍ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: أَيْ: مُتَضَمَّنٌ لِلْحُكْمِ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ صَرِيحٍ (فَلَا يُغَيِّرُهُ حَاكِمٌ آخَرُ) لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْتَقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ كَيُسْرِ) مُنْفِقٍ (أَوْ عُسْرَةِ مُنْفِقٍ) فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغَلَاءٍ وَرُخْصٍ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، وَلَيْسَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ فَرَضَ لَهَا غَيْرُ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ مَهْرَ مِثْلِهَا فَرَضِيَتْهُ لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا حَاكِمٍ.
(فَإِنْ حَصَلَ قَبْلَ فَرْضِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (مَا يُسْقِطُ الْمَهْرَ) كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا لِرِدَّتِهَا أَوْ إرْضَاعِهَا مِمَّنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا (فَلَا مُتْعَةَ) لَهَا؛ لِقِيَامِ الْمُتْعَةِ مَقَامَ نِصْفِ الْمُسَمَّى، فَسَقَطَتْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسْقُطُ فِيهِ (أَوْ) حَصَلَ قَبْلَ قَبْضِهِ (مَا يُقَرِّرُهُ) كَالدُّخُولِ (فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ اسْتِقْرَارَ الْمُسَمَّى، فَكَذَا مَهْرُ الْمِثْلِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ؛ لِلِاسْتِقْرَارِ (وَلَا مُتْعَةَ) لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَكَالدُّخُولِ سَائِرُ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ لَمْ تَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَوْ لَا، وَلِأَنَّهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فَلَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ، لِأَنَّهَا كَالْبَدَلِ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ (أَوْ) حَصَلَ قَبْلَ فَرْضِهِ (مَا يُنَصِّفُهُ) أَيْ الْمَهْرَ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَطَلَاقِهِ

الزَّوْجَةَ (فَ) لَهَا (الْمُتْعَةُ) نَصًّا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.

(وَهِيَ) أَيْ الْمُتْعَةُ (مَا يَجِبُ عَلَى زَوْجٍ) حُرٍّ (لِ) زَوْجَةٍ (حُرَّةٍ أَوْ) مَا يَجِبُ عَلَى (سَيِّدِهِ) أَيْ: الْقِنِّ (لِ) زَوْجَةٍ (حُرَّةٍ) زَوَّجَهُ بِهَا (أَوْ) مَا يَجِبُ عَلَى (سَيِّدِ) قِنٍّ لِسَيِّدِ (أَمَةٍ) أَوْ مَا يَجِبُ عَلَى حُرٍّ لِسَيِّدِ أَمَةٍ بِطَلَاقِهَا قَبْلَ دُخُولٍ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ.
(وَلَوْ عَتَقَتْ) أَمَةٌ فَوَّضَ سَيِّدُهَا مَهْرَهَا (أَوْ بِيعَتْ) ثُمَّ فَرَضَ لَهَا الْمَهْرَ؛ كَانَ الْمَهْرُ لِمُعْتَقِهَا أَوْ بَائِعِهَا (لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا) أَصْلًا (أَوْ سَمَّى) لَهَا مَهْرًا (فَاسِدًا) كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (خِلَافًا الْجَمْعُ) مِنْهُمْ الْخِرَقِيِّ وَالشِّيرَازِيُّ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ كَصَاحِبِ " الرِّعَايَتَيْنِ " " وَالنَّظْمِ " وُجُوبُ الْمُتْعَةِ دُونَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَفْهُومُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْفَاسِدَةَ كَعَدَمِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْمُفَوِّضَةَ (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ) نَصًّا اعْتِبَارًا بِحَالِ الزَّوْجَةِ لِلْآيَةِ (فَأَعْلَاهَا) أَيْ: الْمُتْعَةِ (خَادِمٌ عَلَى) زَوْجٍ (مُوسِرٍ) وَالْخَادِمُ الرَّقِيقُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَأَدْنَاهَا) أَيْ: الْمُتْعَةِ (كِسْوَةٌ تُجْزِئُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (فِي صَلَاتِهَا) وَهِيَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ أَوْ ثَوْبٌ تُصَلِّي فِيهِ بِحَيْثُ يَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ (عَلَى مُعْسِرٍ) أَيْ: فَقِيرٍ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ، وَقُيِّدَتْ بِمَا يُجْزِئُهَا فِي صَلَاتِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ الْكِسْوَةِ.

(وَلَا تَسْقُطُ مُتْعَةٌ بِهِبَتِهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (لَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ وَإِبْرَائِهَا إيَّاهُ مِنْ (مَهْرِ مِثْلٍ قَبْلَ فُرْقَةٍ) لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] وَلِأَنَّهَا إنَّمَا وَهَبَتْهُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْمُتْعَةُ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا قَبْلَ الْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ

كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِنْ وَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمُفَوِّضَةِ شَيْئًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولٍ وَفَرْضٍ؛ فَلَهَا الْمُتْعَةُ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ؛ فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا قَبْلَهُ، وَكَنِصْفِ الْمُسَمَّى.

(وَتُسَنُّ مُتْعَةٌ لِمُطَلَّقَةٍ بَعْدَ دُخُولٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] الْآيَةَ.
وَلَمْ تَجِبْ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْمُطَلَّقَاتِ قِسْمَيْنِ؛ وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِغَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَنِصْفَ الْمُسَمَّى لِلْمَفْرُوضِ لَهُنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قِسْمٍ بِحُكْمِهِ وَلَا مُتْعَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمُطَلَّقَاتِ، وَمُتْعَةُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا كَمَهْرِهَا، لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ نِصْفِهِ كَمَا مَرَّ.

(وَيَجُوزُ دُخُولٌ بِزَوْجَةٍ قَبْلَ إعْطَائِهَا شَيْئًا؛ وَلَوْ) كَانَتْ الزَّوْجَةُ (مُفَوِّضَةً) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ عَلَى قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ إعْطَاؤُهَا شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ) لَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ.
فَقَالَ: أَعْطِهَا دِرْعَك، فَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا» . وَهَذَا وَشِبْهَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا قَبْلَ الدُّخُولِ مُوَافَقَةً لِلْأَخْبَارِ؛ وَلِعَادَةِ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلِتَخْرُجَ الْمُفَوِّضَةُ عَنْ شِبْهِ الْمَوْهُوبَةِ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَقْطَعَ لِلْخُصُومَةِ.

(وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا) أَيْ: الْمُفَوِّضَةِ (كَأُمٍّ وَأُخْتٍ وَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ وَغَيْرِهِنَّ) كَبِنْتِ أَخٍ وَبِنْتِ عَمٍّ (الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى) لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَلَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا» لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ لِحَسَبِهَا، لِلْأَثَرِ، وَحَسَبُهَا يَخْتَصُّ بِهِ أَقَارِبُهَا وَيَزْدَادُ الْمَهْرُ لِذَلِكَ، وَيَقِلُّ لِعَدَمِهِ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي (فِي مَالٍ وَجَمَالٍ وَعَقْلٍ وَأَدَبٍ وَسِنٍّ وَبَكَارَةٍ أَوْ ثُيُوبَةٍ وَبَلَدٍ) وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُلِّ مَا يَخْتَلِفُ لِأَجَلِهِ بِالصَّدَاقِ، لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَقْصُودَةٌ فِيهِ فَاعْتُبِرَتْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي نِسَائِهَا (إلَّا دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا) لِأَنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَهْرِهَا فَتُقَدَّرُ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْفَضِيلَةِ (أَوْ) لَمْ يُوجَدْ فِي نِسَائِهَا (إلَّا فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا) كَأَرْشِ الْعَيْبِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ نِصْفِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ (وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ) نِسَائِهَا (فِي تَأْجِيلِ) مَهْرٍ أَوْ بَعْضِهِ (وَغَيْرِهِ) فَإِنْ كَانَ عَادَةُ عَشِيرَتِهَا التَّأْجِيلُ فِي الْمَهْرِ فُرِضَ مُؤَجَّلًا وَإِلَّا فُرِضَ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ تَسْمِيَةُ مَهْرٍ كَثِيرٍ لَا يَسْتَوْفُونَهُ قَطُّ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُقَالُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً، فَلِذَلِكَ لَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ) عَادَتُهُنَّ فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ (أَوْ) اخْتَلَفَتْ (الْمُهُورُ) قِلَّةً وَكَثْرَةً (أَخَذَ) بِمَهْرٍ (وَسَطٍ) لِأَنَّهُ الْعَدْلُ (حَالٌّ) مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ) مِنْ النِّسَاءِ (كَلَقِيطَةٍ اُعْتُبِرَ شِبْهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (فَإِنْ عُدِمْنَ) أَيْ نِسَاءُ بَلَدِهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ مَنْ يُشْبِهُهَا (فَ) الِاعْتِبَارُ (بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهَا) لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ: وَلَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَقَارِبُهَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ غَيْرِهِنَّ، كَمَا تُعْتَبَرُ

الْقَرَابَةُ الْبَعِيدَةُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ (وَمَنْ كَانَ عَادَتُهُمْ التَّخْفِيفُ) فِي الْمَهْرِ (عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْمِقْدَارِ فَكَذَا فِي التَّخْفِيفِ.

[فَصْلٌ وَلَا مَهْرَ بِفُرْقَةٍ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ خَلْوَةٍ]

فَصْلٌ (وَلَا مَهْرَ بِفُرْقَةٍ قَبْلَ دُخُولٍ) أَوْ خَلْوَةٍ (فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا مَهْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ، فَيَخْلُو مِنْ الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ (وَإِنْ وَطِئَ أَوْ خَلَا بِهَا) فِيهِ (اسْتَقَرَّ) عَلَيْهِ (الْمُسَمَّى) نَصًّا لِمَا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ عَائِشَةَ، وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا.
قَالَ الْقَاضِي: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ الْمَهْرُ؛ فَيَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ بِاعْتِرَافِهِمَا وَاسْتِقْرَارِهِ بِالْخَلْوَةِ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّهُ مَعَ فَسَادِهِ يَنْعَقِدُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (بِخِلَافِ بَيْعٍ فَاسِدٍ) تَلِفَ (فَ) إنَّ (فِيهِ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا ثَمَنَهُ) ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ قَدْ يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَأَكْثَرُهَا مُنْتَفٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ.

(وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ بِوَطْءٍ، وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (مِنْ مَجْنُونٍ فِي) نِكَاحٍ (بَاطِلٍ إجْمَاعًا) كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ (لِجَاهِلَةِ تَحْرِيمٍ) . (وَ) يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ (بِشُبْهَةٍ) كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مَمْلُوكَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ

عَلِمْنَاهُ كَبَدَلِ مُتْلَفٍ (وَ) يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَيْضًا (بِإِكْرَاهِ) امْرَأَةٍ (عَلَى زِنًا) إنْ كَانَ الْوَطْءُ فِي قُبُلٍ وَ (لَا) يَجِبُ الْمَهْرُ بِوَطْئِهَا فِي (دُبُرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ (وَ) لَا يَجِبُ الْمَهْرُ فِي (لِوَاطٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِبَدَلِهِ، وَلَا هُوَ إتْلَافٌ لِشَيْءٍ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ، وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ (دُونَ أَرْشِ بَكَارَةٍ) فَلَا يَجِبُ مَعَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِبِكْرٍ مِثْلِهَا، فَلَا تَجِبُ مَرَّةً أُخْرَى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أَجْنَبِيَّةً أَوْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَ لِلْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ لِلْقَرِيبِ، كَالْمَالِ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الزِّنَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ دُونَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ إذَا كَانَ (فِي غَيْرِ أَمَةٍ غُصِبَتْ) أَمَّا وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ فَفِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعًا، وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ أَنَّهُ يَجِبُ بِوَطْءِ غَاصِبٍ عَالِمٍ تَحْرِيمَهُ حَدٌّ وَمَهْرُ أَمَةٍ وَأَرْشُ بَكَارَةٍ وَنَقْصٌ بِوِلَادَةٍ، وَتُضْمَنُ لَوْ مَاتَتْ بِنِفَاسٍ، وَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِرَبِّهَا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
.

(وَيَتَعَدَّدُ) الْمَهْرُ (بِتَعَدُّدِ شُبْهَةٍ) كَأَنْ تَشْتَبِهَ الْمَوْطُوءَةُ بِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ الْحَالُ، وَيَعْرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ تَشْتَبِهَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ تَشْتَبِهُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ، ثُمَّ تَشْتَبِهَ بِزَوْجَتِهِ الْأُخْرَى أَوْ بِأَمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ يَتَعَدَّدُ بِوَطْئِهِ مُكَاتَبَتِهِ إنْ اسْتَوْفَتْ مَهْرَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالنِّهَايَةِ " (وَ) يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ (إكْرَاهٍ) عَلَى زِنًا بِمُكْرَهَةٍ كُلَّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» أَيْ: نَالَ مِنْهُ، وَهُوَ الْوَطْءُ، لِأَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِحْلَالِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحِلِّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، وَهِيَ الْوَطْءُ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِبُضْعٍ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ، فَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ، وَهِيَ الْمَهْرُ، وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ.

تَنْبِيهٌ: لَوْ اتَّحَدَ الْإِكْرَاهُ، وَتَعَدَّدَ الْوَطْءُ فَالْوَاجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ، وَ (لَا) يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ وَطْءٍ (بِشُبْهَةٍ) وَاحِدَةٍ مِثْلُ أَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْمَوْطُوءَةُ بِزَوْجَتِهِ وَ (دَامَتْ) تِلْكَ الشُّبْهَةُ حَتَّى وَطِئَ مِرَارًا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ أَيْضًا بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لِدُخُولِهَا عَلَى أَنْ تَسْتَحِقَّ مَهْرًا وَاحِدًا.

(وَمَنْ طَلَّقَ قَبْلَ دُخُولٍ) وَخَلْوَةٍ طَلْقَةً (ثُمَّ وَطِئَ يَظُنُّ أَنْ لَا إبَانَةَ لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ (وَ) لَزِمَهُ أَيْضًا (نِصْفُ مُسَمًّى) بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَجِبُ) مَهْرٌ (بِوَطْءِ مَيِّتَةٍ) كَالْحَيَّةِ (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي وَطْءِ مَيِّتَةٍ إذَا كَانَتْ (غَيْرَ زَوْجَتِهِ) أَمَّا زَوْجَتُهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهَا حَيَّةً وَمَيِّتَةً؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ لَهُ تَغْسِيلُهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ عُلَقِ النِّكَاحِ بَاقٍ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا مَيِّتَةً مَعَ مَا يَجِبُ بِوَطْءِ غَيْرِهَا.
قَالَ الْقَاضِي فِي جَوَابِ مَسْأَلَةٍ: وَوَطْءُ الْمَيِّتَةِ مُحَرَّمٌ وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ انْتَهَى، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

وَ (لَا) يَجِبُ مَهْرٌ بِوَطْءِ (مُطَاوِعَةٍ) عَلَى زِنًا، لِأَنَّهُ إتْلَافُ بُضْعٍ بِرِضَى مَالِكِهِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَسَوَاء كَانَ الْوَطْءُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (غَيْرَ أَمَةٍ) فَيَجِبُ لِسَيِّدِهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى زَانٍ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بُضْعَهَا، وَيَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ وَطْئِهَا وَلَوْ مُطَاوَعَةً؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَهْرِ لِلسَّيِّدِ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، أَوْ غَيْرَ

(مُبَعَّضَةٍ) طَاوَعَتْ عَلَى الزِّنَا؛ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِهَا بِطَوَاعِيَتِهَا، بَلْ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا (بِقَدْرِ رِقٍّ) لِأَنَّ رِضَاهَا لَا يُسْقِطُ حَقَّ غَيْرِهَا مِنْ مَهْرِهَا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا (غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ) كَصَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ طَاوَعَتْ عَلَى الزِّنَا؛ فَعَلَى وَاطِئُهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ إذْنَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا فَهُنَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

(وَعَلَى مَنْ أَذْهَبَ عُذْرَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: بَكَارَةَ (أَجْنَبِيَّةٍ) غَيْرَ زَوْجَتِهِ (بِلَا وَطْءٍ) كَمَا لَوْ دَفَعَهَا أَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي قُبُلِهَا (أَرْشُ بَكَارَتِهَا) لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ عِوَضِهِ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى أَرْشِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ (وَهُوَ) أَيْ: أَرْشُ الْبَكَارَةِ (مَا بَيْنَ مَهْرِ ثَيِّبٍ وَبِكْرٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ؛ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالرِّعَايَتَيْنِ " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " " وَالْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " " وَالشَّرْحِ " وَكَلَامُهُمْ أَوَّلًا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ حُكُومَةٌ، قَالُوا: لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ دِيَتِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْحُكُومَةِ؛ كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ، وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " فِي الْجِنَايَاتِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: إذْهَابُ الْعُذْرَةِ (زَوْجٌ) بِلَا وَطْءٍ (ثُمَّ طَلَّقَ) الَّتِي أَذْهَبَ عُذْرَتَهَا بِلَا وَطْءٍ (قَبْلَ دُخُولٍ) بِهَا وَخَلْوَةٍ وَنَحْوِ قُبْلَةٍ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ بِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَنْ أَذْهَبَ عُذْرَةَ زَوْجَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ تَقَرُّرِ الْمَهْرِ؛ فَعَلَيْهِ

نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا فِي الْعَقْدِ (إنْ كَانَ) قَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا (وَإِلَّا) يَكُنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا، فَعَلَيْهِ لَهَا (الْمُتْعَةُ) هَذَا مَعَ إتْلَافِ الزَّوْجِ عُذْرَتَهَا وَحْدَهُ (وَ) أَمَّا لَوْ أَتْلَفَهَا (مَعَ مُشَارَكَةِ أَجْنَبِيٍّ) لَهُ فِي الْإِتْلَافِ وَلَوْ مَحْرَمِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
فَائِدَةٌ قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ مَنْ دَخَلَ بِهَا، فَوَضَعَتْ فِي يَوْمِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِيهِ، وَطَلَّقَ قَبْلَ دُخُولِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فِي يَوْمِهَا مَنْ دَخَلَ بِهَا؛ فَقَدْ اسْتَحَقَّتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِالنِّكَاحِ مَهْرَيْنِ وَنِصْفَ.

(وَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ) كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ (قَبْلَ طَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ) لِأَنَّهُ نِكَاحٌ يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَاحْتَاجَ إلَى إيقَاعِ فُرْقَةٍ كَالصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا بِلَا فُرْقَةٍ يُفْضِي إلَى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ وَفَسَادَ نِكَاحِ الْآخَرِ (فَإِنْ أَبَاهُمَا) أَيْ: الطَّلَاقَ وَالْفَسْخَ (زَوْجٌ فَسَخَهُ حَاكِمٌ) نَصًّا؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا بِثَالِثٍ حَتَّى يُطَلِّقَ الْأَوَّلَانِ أَوْ يُفْسَخَ نِكَاحُهُمَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ بِالْإِجْمَاعِ كَنِكَاحِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ أَوْ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِ زِنًا وَإِلَّا فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْغَيْرِ أَوْ مُعْتَدَّةٌ، وَعَالِمٌ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ بِالْحَالِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً؛ لِأَنَّهُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ كَوْنُهَا فِي عِدَّةٍ؛ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِمَا نَالَ مِنْ فَرْجِهَا.

[فَصْلٌ لِزَوْجَةٍ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرًا]

فَصْلٌ (وَلِزَوْجَةٍ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ الدُّخُولِ لَوْ كَانَتْ (مُكْرَهَةً) عَلَيْهِ (مَنْعُ نَفْسِهَا) مِنْ زَوْجٍ (حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرًا حَالًّا) كُلَّهُ أَوْ الْحَالُّ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسَمَّى لَهَا (بِالْعَقْدِ) وَالْمُفَوِّضَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تَتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَهْرِ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَ (لَا) تَمْنَعُ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ (مُؤَجَّلًا) لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الطَّلَبَ بِهِ وَلَوْ (حَلَّ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ، فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ.
(وَ) لِوَلِيِّ غَيْرِ رَشِيدَةٍ (أَنْ يُطَالِبَ بِهِ) أَيْ: بِحَالِّ مَهْرِهَا وَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ لِاسْتِمْتَاعٍ لِصِغَرٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ (وَلَهَا زَمَنُ مَنْعِهَا) نَفْسَهَا مِنْ أَجْلِ قَبْضِ مَهْرِهَا الْحَالِّ نَفَقَةٌ (إنْ صَلَحَتْ لِاسْتِمْتَاعٍ) وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ قِبَلِهِ، عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَكَذَا صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " إنَّمَا لَهَا النَّفَقَةُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَذَلَ لَهَا الصَّدَاقَ وَهِيَ غَائِبَةٌ لَمْ يُمْكِنْهُ تَسْلِيمُهَا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، (وَ) لَهَا زَمَنُ مَنْعِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ مَهْرٍ حَالٍّ (سَفَرٌ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ، فَصَارَتْ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، وَبَقَاءُ دِرْهَمٍ مِنْهُ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ؛ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَمَتَى سَافَرَتْ بِلَا إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ (وَلَوْ قَبَضَتْهُ) أَيْ: الْمَهْرَ الْحَالَّ (وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ بَانَ)

الْمَقْبُوضُ (مَعِيبًا؛ فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا) حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ أَوْ أَرْشَهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ.

(وَلَوْ أَبَى كُلٌّ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (تَسْلِيمَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ الزَّوْجُ: لَا أُسَلِّمْ الْمَهْرَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا، وَقَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ حَالَّ مَهْرِي (أُجْبِرَ زَوْجٌ) أَوَّلًا عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ (ثُمَّ) أُجْبِرَتْ (زَوْجَةٌ) عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرُ إتْلَافِ الْبُضْعِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ.
(وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِهِ) أَيْ: بِبَذْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ (أُجْبِرَ الْآخَرُ) لِانْتِفَاءِ عُذْرِهِ فِي التَّأْخِيرِ.

(وَلَوْ أَبَتْ) زَوْجَةٌ (التَّسْلِيمَ) أَيْ: تَسْلِيمَ نَفْسِهَا (بِلَا عُذْرٍ) لَهَا (فَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (اسْتِرْجَاعُ مَهْرٍ قُبِضَ) مِنْهُ؛ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ (وَ) إنْ كَانَ إبَاؤُهَا (لِعُذْرٍ) يَمْنَعُ تَسْلِيمَهَا نَفْسَهَا كَكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً وَنَحْوَهُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (تَسْلِيمَهُ) أَيْ: الصَّدَاقَ كَمَهْرِ الصَّغِيرَةِ، وَلِوُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ، لِخِلَافِ النَّفَقَةِ (وَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا مُطَاوِعَةً (أَوْ خَلَا بِهَا مُطَاوِعَةً) ثُمَّ أَرَادَتْ الِامْتِنَاعَ لَمْ تَمْلِكْ (مَنْعَ نَفْسِهَا) مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِاسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ بِالتَّسْلِيمِ بِرِضَاهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ بَعْدُ؛ لِحُصُولِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا كَالْمَبِيعِ إذَا أَخَذَهُ الْبَائِعُ كُرْهًا.

(وَإِنْ أَعْسَرَ) زَوْجٌ (بِمَهْرٍ حَالٍّ وَلَوْ بَعْدَ وَطْءٍ) فَلِزَوْجَةٍ (حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ الْفَسْخَ) لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى الْعِوَضِ: أَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ صَرِيحًا بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهَا الْفَسْخُ؛ وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِذَلِكَ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ (وَلَا يَسْقُطُ) مَهْرُهَا (لِاسْتِقْرَارِهِ) بِالدُّخُولِ وَهَذَا الِاتِّجَاهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ.

(وَلَا فَسْخَ) لِمَنْ تَزَوَّجَتْهُ (عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ، وَحَيْثُ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَ الْعُسْرَةِ أَوْ تَزَوَّجَتْهُ، عَالِمَةً بِهَا، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا الْحَالَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ.
(وَالْخِيرَةُ فِي الْفَسْخِ لِزَوْجَةٍ، حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ وَسَيِّدِ أَمَةٍ) إذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَهْرِ لَهُمَا، وَالصَّدَاقَ عِوَضُ مَنْفَعَتِهِمَا، وَ (لَا) خِيرَةَ (لِوَلِيِّ) زَوْجَةٍ (صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فِي الصَّدَاقِ دُونَ وَلِيِّهَا، وَقَدْ تَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ الْفَسْخُ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ، كُلٌّ يَعْتَقِدُ حِلَّهَا لَهُ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

[بَابُ الْوَلِيمَةِ وَآدَابُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]

َ (وَهِيَ اجْتِمَاعٌ لِطَعَامِ عُرْسٍ خَاصَّةً) لَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ (وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ) إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرَ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ، وَأَعْلَمُ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُبْدِعِ " وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: أَوْلَمَ الرَّجُلُ إذَا اجْتَمَعَ عَقْلُهُ وَخُلُقُهُ وَأَصْلُ الْوَلِيمَةِ

تَمَامُ الشَّيْءِ وَاجْتِمَاعُهُ، وَيُقَالُ لِلْقَيْدِ: وَلْمٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةً، لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: أَوْلَمَ إذَا صَنَعَ وَلِيمَةً.
(وَعَقِيقَةٌ لِذَبْحٍ لِمَوْلُودٍ) وَتَقَدَّمَتْ فِي الْأُضْحِيَّةِ (وَشُنْدَخِيَّةٌ) وَيُقَالُ: شُنْدُخٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (لِطَعَامِ إمْلَاكٍ عَلَى زَوْجَةٍ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ مُشَنْدَخٌ؛ أَيْ: يَتَقَدَّمُ غَيْرَهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ الدُّخُولَ.
(وَعَذِيرَةٌ وَإِعْذَارٌ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (لِطَعَامِ خِتَانٍ) وَيُقَالُ: الْعُذْرَةُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (وَخُرْسَةٌ وَخُرْسٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالسِّينُ مُهْمَلَةٌ وَيُقَالُ بِالصَّادِ (لِطَعَامِ وِلَادَةٍ) أَيْ: لِخُلُوصِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ الطَّلْقِ (وَحِذَاقٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَحْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ (لِطَعَامٍ عِنْدَ حِذَاقِ صَبِيٍّ بِخَتْمِهِ) أَيْ: يَوْمَ خَتْمِهِ (الْقُرْآنَ) قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". وَمُشْدَاخٌ لِمَأْكُولٍ فِي خِتْمَةِ (الْقَارِئِ وَنَقِيعَةٍ) مِنْ النَّقْعِ وَهُوَ الْغُبَارُ أَوْ النَّحْرُ أَوْ الْقَتْلُ تُصْنَعُ (لِقُدُومِ غَائِبٍ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ غَيْبَتُهُ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ.
(وَتُحْفَةٌ) اسْمٌ (لِطَعَامٍ قَادِمٍ) يَصْنَعُهُ هُوَ (فَالتُّحْفَةُ مِنْهُ) أَيْ: الْقَادِمِ (وَالنَّقِيعَةُ لَهُ) وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فِي " تُحْفَةِ الْوَدُودِ ": الْقَادِمُ هُوَ الزَّائِرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ سَفَرٍ (وَعَتِيرَةٌ) مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ الطَّعَامِ، بَلْ هِيَ (ذَبِيحَةٌ) تُذْبَحُ (أَوَّلَ) يَوْمٍ فِي (رَجَبٍ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ (وَالْقِرَى اسْمٌ لِطَعَامِ الضَّيْفَانِ) وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الدَّعَوَاتِ (وَوَكِيرَةٌ لِدَعْوَةِ بِنَاءٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ: السَّكَنُ الْمُتَجَدِّدُ انْتَهَى مِنْ الْوَكْرِ، وَهُوَ الْمَأْوَى وَالْمُسْتَقَرُّ (وَوَضِيمَةٌ) اسْمٌ (لِطَعَامِ مَأْتَمٍ) بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقَ، وَأَصْلُهُ اجْتِمَاعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (وَمَأْدُبَةٌ) بِضَمِّ الدَّالِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا اسْمٌ (لِكُلِّ دَعْوَةٍ لِسَبَبٍ وَغَيْرِهِ) وَالْآدِبُ بِوَزْنِ فَاعِلٍ صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ، وَفِي " الْمُنْتَهَى " (وَلَمْ يَخُصُّوهَا) أَيْ: الدَّعْوَةَ (لِإِخَاءٍ وَتَسَرٍّ بِاسْمٍ) بَلْ الْمَأْدُبَةُ تَشْمَلُهَا وَالْفَرْعُ وَالْفَرَعَةُ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدٍ لِلنَّاقَةِ (وَتُسَمَّى الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ الْجَفَلَى) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ

وَالْقَصْرُ، وَتُسَمَّى الدَّعْوَةُ (الْخَاصَّةُ النَّقَرَى) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ وَقَالَ الشَّاعِرُ: نَحْنُ فِي الْمُشَتَّاتِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ أَيْ: يَدْعُو قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ.

(وَتُسَنُّ الْوَلِيمَةُ بِعَقْدٍ) قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ "؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَعَلَهَا وَأَمَرَ بِهَا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِينَ قَالَ لَهُ تَزَوَّجْت: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَقَالَ أَنَسٌ: «مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، جَعَلَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو النَّاسَ، فَأَطْعَمَهُمْ لَحْمًا وَخُبْزًا حَتَّى شَبِعُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تُسْتَحَبُّ بِالدُّخُولِ وَفِي الْإِنْصَافِ " قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ؛ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا وَهَذَا؛ وَكَمَالُ السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُولِ (وَ) لَكِنْ (جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِيَسِيرٍ) انْتَهَى.
(وَهِيَ) أَيْ: الْوَلِيمَةُ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَوْ قُلْت: كَمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (أَوْ) أَيْ: وَإِنْ (نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) فِي عَقْدِهِ أَوْ عُقُودٍ (وَنَوَاهَا عَنْ الْكُلِّ) أَجْزَأَتْهُ؛ لِتَدَاخُلِ أَسْبَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَقِيقَةِ، وَكَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ) الْوَلِيمَةُ (عَنْ شَاةٍ، قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ " الْمُوَفَّقُ " " وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَتَقَدَّمَ.

(وَتَجِبُ حَيْثُ لَا عُذْرَ نَحْوَ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَشُغْلٍ) كَكَوْنِهِ أَجِيرًا خَاصًّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ (إجَابَةُ دَاعٍ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ، وَلَوْ) كَانَ الدَّاعِي (أُنْثَى وَقِنٍّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، وَكَسْبُهُ طَيِّبٌ) إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ (أَوَّلَ مَرَّةٍ) بِأَنْ يَدْعُوهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَا يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ إلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَهِيَ) أَيْ: الْإِجَابَةُ (حَقٌّ لِلدَّاعِي، فَتَسْقُطُ بِعَفْوِهِ) عَنْ الْمَدْعُوِّ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ، (وَ) قَدَّمَ (فِي التَّرْغِيبِ لَا يَلْزَمُ قَاضِيًا حُضُورًا) أَيْ: وَلِيمَةَ الْعُرْسِ؛ لِمَظِنَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي دَفْعِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

(وَتُكْرَهُ إجَابَةُ مَنْ فِي مَالِهِ) حَلَالٌ وَ (حَرَامٌ) كَكَرَاهَةِ (أَكْلِهِ مِنْهُ وَمُعَامَلَتِهِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَ) قَبُولِ (هِبَتِهِ وَ) قَبُولِ (صَدَقَتِهِ) قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «وَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (وَتَقْوَى الْكَرَاهَةُ وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ حَرَامٍ وَقِلَّتِهِ) وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَالِ حَرَامًا؛ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تَحْرِيمَ بِالِاحْتِمَالِ اسْتِصْحَابًا بِالْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْأَكْلِ أَوْلَى حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْحِلَّ؛ لِلشَّكِّ.
فَائِدَةٌ: وَيَنْبَغِي صَرْفُ الشُّبُهَاتِ فِي الْأَبْعَدِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ، فَالْأَقْرَبِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِ فَيَتَحَرَّى فِيهِ الْحَلَالَ، ثُمَّ مَا وَلِيَ الظَّاهِرَ مِنْ اللِّبَاسِ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الشِّيرَازِيُّ، وَالْأَزَجِيُّ وَغَيْرِهِمَا (تَحْرِيمَ الْأَكْلِ مُطْلَقًا) وَلَوْ قَلَّ الْحَرَامُ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ حَرَامًا، (وَ) اخْتَارَ (جَمْعٌ) أَيْضًا مِنْهُمْ " الْخِرَقِيِّ " وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِنْهَاجِ " (وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ) حَرُمَ الْأَكْلُ، وَإِلَّا فَلَا: إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيمَنْ وَرِثَ مَالًا فِيهِ حَرَامٌ إنْ عَرَفَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْفَسَادُ تَنَزَّهَ عَنْهُ (وَ) اخْتَارَهُ (جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ قَدَّمَ أَنَّهُ (إنْ زَادَ) الْحَرَامُ (عَلَى الثُّلُثِ) حَرُمَ الْأَكْلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.

(فَإِنْ دَعَّى) رَبُّ الطَّعَامِ (لِلْوَلِيمَةِ الْجَفَلَى) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيُقَالُ: الْأَجْفَلِيُّ، كَقَوْلِهِ: (أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا لِلطَّعَامِ) أَوْ قَالَ رَسُولُ رَبِّ الْوَلِيمَةِ: أُمِرْتُ أَنْ أَدْعُوَ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ، أَوْ أَنْ أَدْعُوَ كُلَّ مَنْ شِئْت كُرِهَتْ إجَابَتُهُ، أَوْ دَعَاهُ رَبُّ الْوَلِيمَةِ (أَوْ) رَسُولُهُ بِعَيْنِهِ (فِي) الْمَرَّةِ (الثَّالِثَةِ) كَمَا لَوْ دَعَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ إنْ أَحَبَّ أَجَابَ فِي الثَّانِي، وَلَا يُجِيبُ فِي الثَّالِثِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالثَّالِثَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا.
(أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ) لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إذْلَالُهُ؛ وَهُوَ يُنَافِي إجَابَتَهُ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِكْرَامِ؛ وَلِأَنَّ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِ بِالْحَرَامِ وَالنَّجِسِ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وَكَذَا مَنْ يَحْرُمُ هَجْرُهُ كَمُبْتَدَعٍ وَمُتَجَاهِرٍ بِمَعْصِيَةٍ.

(وَتُسَنُّ) إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَهُ دَاعٍ لِلْوَلِيمَةِ (بِثَانِي مَرَّةٍ) كَمَا لَوْ دُعِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ دَعَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا عَيَّنَتْهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ إلَّا مَعَ خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ؛ فَتَحْرُمُ الْإِجَابَةُ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ.

(وَفِعْلُ الدَّعَوَاتِ) غَيْرُ الْوَلِيمَةِ (مُبَاحَةٌ) فَلَا تُكْرَهُ وَلَا تُسْتَحَبُّ نَصًّا، أَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَلِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَمْ يَأْمُرْ بِإِجَابَتِهَا، وَلَبَيَّنَهَا، وَأَمَّا عَدَمُ اسْتِحْبَابِهَا؛ فَلِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُفْعَلُ فِي عَهْدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ.
فَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ: دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ الْعَاصِ إلَى أَخْتَانٍ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، وَقَالَ: كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُدْعَى إلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ: (غَيْرَ عَقِيقَةٍ فَتُسَنُّ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَغَيْرَ دَعْوَةِ (مَأْتَمٍ فَتُكْرَهُ) وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ فِي الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْهُنَّ لَا غَيْرُ (وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا) أَيْ: الدَّعَوَاتِ غَيْرَ الْوَلِيمَةِ (مُسْتَحَبَّةٌ) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا: «أُمِرْنَا بِإِجَابَةِ الدَّاعِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَدْنَى أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِمَا فِيهَا مِنْ جَبْرِ قَلْبِ الدَّاعِي وَتَطَيُّبِ خَاطِرِهِ، وَدُعِيَ أَحْمَدُ إلَى خِتَانٍ؛ فَأَجَابَ وَأَكَلَ (غَيْرَ مَأْتَمٍ فَتُكْرَهُ) إجَابَةُ دَاعِيهِ لِمَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ.

(وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ حَضَرَ طَعَامًا دُعِيَ إلَيْهِ (أَكْلُهُ) مِنْهُ (وَلَوْ) كَانَ (صَائِمًا) تَطَوُّعًا؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَانَ فِي دَعْوَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ عَنْ الْقَوْمِ نَاحِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ يَوْمًا ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شِئْت» . وَلِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ (إلَّا) إنْ كَانَ صَوْمُهُ (صَوْمًا وَاجِبًا) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ قَطْعُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدَعْ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُصَلِّ أَيْ: يَدَعْ (وَإِنْ أَحَبَّ) الْمُجِيبُ (دَعَا) لِلْخَبَرِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ صَائِمٌ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ؛ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ عَنْهُ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ (وَانْصَرَفَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» . تَتِمَّةٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ الْأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي كَانَ تَمَامُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ فِطْرِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْإِلْحَاحُ فِي الطَّعَامِ أَيْ: الْأَكْلِ لَلْمَدْعُوِّ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفِطْرِ فِي التَّطَوُّعِ أَوْ الْأَكْلِ إنْ كَانَ مُفْطِرًا؛ فَإِنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ، وَإِذْ أَلْزَمَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْمَسْأَلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ صَائِمًا لِيُفْطِرَ، وَلَا إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا لِيَأْكُلَ، وَلَا يَنْبَغِي لَلْمَدْعُوِّ إذَا رَأَى أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الْفِطْرِ فِي النَّفْلِ مَفَاسِدُ أَنْ يَمْتَنِعَ، فَإِنَّ فِطْرَهُ جَائِزٌ انْتَهَى، وَيَحْرُمُ أَخْذُ طَعَامٍ مِنْ الْوَلِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ.

(وَمَنْ دَعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (أَجَابَ الْكُلَّ إنْ أَمْكَنَهُ) بِأَنْ لَمْ يَتَعَارَضْ وَقْتُ الْحُضُورِ (وَإِلَّا) يُمْكِنُهُ (أَجَابَ الْأَسْبَقَ قَوْلًا) لِوُجُوبِ إجَابَتِهِ بِدُعَائِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِدُعَاءِ مَنْ بَعْدَهُ، وَلَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ

مَعَ إجَابَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبْقٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْجَمْعُ (فَالْأَدْيَنُ) مِنْ الدَّاعِينَ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الدِّينِ (فَالْأَقْرَبُ رَحِمًا) لِمَا فِي تَقْدِيمِهِ مِنْ صِلَتِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ وَعَدَمِهَا؛ (فَ) الْأَقْرَبُ (جِوَارًا) لِحَدِيثِ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ أُجِيبَ أَقْرَبُهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا» وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبِرِّ، فَقُدِّمَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ (أَقْرَعَ) فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ.

[فَصْلٌ حُكْم إجَابَة الْوَلَائِم غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لأهل الْعِلْم]

فَصْلٌ (يُكْرَهُ لِأَهْلِ فَضْلٍ وَعِلْمٍ إسْرَاعُ الْإِجَابَةِ) إلَى الْوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّسَاهُلُ فِيهِ (لِأَنَّ فِيهِ بِذْلَةً وَدَنَاءَةً) وَشَرُّهَا (وَلَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ ذَرِيعَةً لِلتَّهَاوُنِ بِهِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ.
وَمَنَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ إجَابَةِ ظَالِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُبْتَدِعٍ وَمُفَاخِرٍ بِهَا، أَوْ فِيهَا مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَةٍ إلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِلَّا يَكُنْ مُضْحِكًا بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ إذَا كَانَ يُضْحِكُ قَلِيلًا (وَكَرِهَ الشَّيْخُ عَبْدِ الْقَادِرِ) قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ (حُضُورَ) الْوَلَائِمِ مُطْلَقًا (غَيْرَ وَلِيمَةِ عُرْسٍ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ كَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُمْنَعُ الْمُحْتَاجُ وَيَحْضُرُ الْغَنِيُّ.
وَتَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيَهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا» . وَفِي التَّرْغِيبِ إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْأَرْذَالِ وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تَزْرِي بِمِثْلِهِ؛ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ الْوُجُوبَ، وَاشْتَرَطَ الْحِلَّ وَعَدَمِ الْمُنْكَرِ وَأَمَّا هَذَا الشَّرْطُ فَلَا أَصْلَ لَهُ كَمَا أَنَّ مُخَالَطَتَهُ

هَؤُلَاءِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ، وَفِي الْجِنَازَةِ لَا تَسْقُطُ الْحُضُورُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّكَبُّرِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ فَقَدْ اشْتَمَلَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَكْرُوهٍ.

(وَمَنْ عَلِمَ أَنْ فِي الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا كَزَمْرٍ وَخَمْرٍ وَطَبْلٍ مُحَرَّمٍ وَعُودٍ وَجُنْكٍ) وَرَبَابٍ (وَآنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَفُرُشٍ مُحَرَّمَةٍ، وَأَمْكَنَهُ إزَالَةُ ذَلِكَ) الْمُنْكَرِ (حَضَرَ وُجُوبًا وَ) أَزَالَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِذَلِكَ فَرْضَيْنِ: إجَابَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ (لَمْ يَحْضُرْ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ فِيهَا الْخَمْرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ أَوْ سَمَاعِهِ بِلَا حَاجَةٍ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمَدْعُوُّ (فَحَضَرَ فَشَاهَدَهُ) أَيْ: الْمُنْكَرَ (أَزَالَهُ وَجَلَسَ) بَعْدَ ذَلِكَ؛ إجَابَةً لِمَنْ دَعَاهُ (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى إزَالَتِهِ (انْصَرَفَ) لِئَلَّا يَكُونَ قَاصِدًا لِرُؤْيَتِهِ أَوْ سَمَاعِهِ.
وَرَوَى نَافِعٌ قَالَ: «كُنْت أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ؛ حَتَّى قُلْت: لَا؛ فَأَخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْخَلَّالُ، وَخَرَجَ أَحْمَدُ عَنْ وَلِيمَةٍ فِيهَا آنِيَةُ فِضَّةٍ، فَقَالَ الدَّاعِي نُحَوِّلُهَا، فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
وَيُفَارِقُ مَنْ لَهُ جَارٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالزَّمْرِ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ الْمَقَامُ؛ فَإِنَّ تِلْكَ حَالُ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ مِنْ الضَّرَرِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ عَلِمَ الْمَدْعُوُّ بِهِ) أَيْ: بِالْمُنْكَرِ (وَلَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ؛ أُبِيحَ لَهُ الْجُلُوسُ) وَالْأَكْلُ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ وَسَمَاعُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَأُبِيحَ لَهُ الِانْصِرَافُ لِإِسْقَاطِ حُرْمَةِ نَفْسِهِ بِإِيجَادِ الْمُنْكَرِ.

(وَإِنْ شَاهَدَ صُوَرًا مُعَلَّقَةً فِيهَا صُوَرُ حَيَوَانٍ) وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا، وَأَمْكَنَهُ قَطْعُ رُءُوسِهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَجَلَسَ إجَابَةً لِلدَّاعِي، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ (كُرِهَ) جُلُوسُهُ إلَّا أَنْ تُزَالَ؛ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَقْتَسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ، فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْهَا، وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا يَحْرُمُ صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ، وَيُبَاحُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ إذَنْ عُقُوبَةً لِلْفَاعِلِ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِالصُّوَرِ الْمُعَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ كُرِهَ لَهُ الدُّخُولُ وَ (لَا) يُكْرَهُ جُلُوسُهُ (إنْ كَانَتْ هِيَ) أَيْ: السُّتُورُ الْمُصَوَّرَةُ (مَبْسُوطَةً) عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ) كَانَتْ (عَلَى وِسَادَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْت لَهُ سَهْوَةً بِنَمَطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: أَتَسْتُرِينَ الْجُدُرَ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ؟ فَهَتَكَهُ.
قَالَتْ: فَجَعَلْتُ مِنْهُ مِنْبَذَتَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى إحْدَاهُمَا» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالسَّهْوَةُ: الصُّفَّةُ أَوْ الْمِخْدَعُ بَيْنَ بَيْتَيْنِ أَوْ شِبْهُ الرَّفِّ أَوْ الطَّاقِ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ أَوْ بَيْتٌ صَغِيرٌ شِبْهُ الْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَعْوَادٍ وَثَلَاثَةٍ يُعَارِضُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَمْتِعَةِ، قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: وَالنَّمَطُ مُحَرَّكَةٌ ظِهَارَةُ فِرَاشٍ مَا، أَوْ ضَرْبٌ مِنْ الْبُسُطِ، أَوْ ثَوْبُ صُوفٍ يُطْرَحُ عَلَى الْهَوْدَجِ، قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا.
وَالْمِنْبَذَتَانِ تَثْنِيَةُ مِنْبَذَةٍ كَمِكْنَسَةٍ، وَهِيَ الْوِسَادَةُ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَبْسُوطَةً تُدَاسُ وَتُمْتَهَنُ، فَلَمْ تَكُنْ مَعْزُوزَةً مُعَظَّمَةً؛ فَلَا تُشْبِهُ الْأَصْنَامَ الَّتِي تُعْبَدُ وَمَتَى قُطِعَ مِنْ الصُّورَةِ الرَّأْسُ أَوْ مَا لَا يَبْقَى بَعْدَ ذَهَابِهِ حَيَاةٌ؛ فَلَا كَرَاهَةَ، وَكَذَا لَوْ صُوِّرَتْ ابْتِدَاءً بِلَا رَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ: يَحْرُمُ التَّصْوِيرُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلذَّكَرِ، وَمَا نُسِجَ بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ (وَكُرِهَ سِتْرُ حِيطَانٍ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا أَوْ) بِسُتُورِ (صُوَرٍ غَيْرِ حَيَوَانٍ) كَشَجَرٍ (بِلَا ضَرُورَةٍ) مِنْ (حَرٍّ وَبَرْدٍ) وَهُوَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ؛ لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَعْرَسْت فِي عَهْدِ أَبِي، فَأَذِنَ إلَى النَّاسِ، وَكَانَ فِيمَنْ أَذِنَ أَبُو أَيُّوبَ، وَقَدْ سَتَرَ بَيْتِي بِحُبَارَى أَخْضَرَ فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَاطَّلَعَ فَرَأَى الْبَيْتَ مُسْتَتِرًا بِحُبَارَى أَخْضَرَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَسْتُرُ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحْيَا: غَلَبَتْنَا النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ فَقَالَ مَنْ خَشِيت أَنْ يَغْلِبْنَهُ لَمْ أَخْشَ أَنْ يَغْلِبْنَك، ثُمَّ قَالَ: لَا أَطْعَمُ لَك طَعَامًا، وَلَا أَدْخُلُ لَك بَيْتًا، ثُمَّ خَرَجَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْحُبَارَى ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ، وَلَا يَحْرُمُ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَفُعِلَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ تَغْطِيَةٌ لِلْحِيطَانِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَجْصِيصٍ، وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ (إنْ لَمْ تَكُنْ) السُّتُورُ (حَرِيرًا، وَيَحْرُمُ جُلُوسٌ مَعَهُ) أَيْ: سِتْرُ الْحِيطَانِ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَرِيرِ وَتَعْلِيقُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) يَحْرُمُ (جُلُوسٌ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ سِتْرِ الْحِيطَانِ بِالْحَرِيرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْمُنْكَرِ.
(وَ) يَحْرُمُ (تَعْلِيقُ مَا فِيهِ صُوَرُ حَيَوَانٍ وَسِتْرُ جُدُرٍ بِهِ وَتَصْوِيرُهُ وَمَرَّ حُكْمُهُ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ) مُسْتَوْفَى.
(وَيَتَّجِهُ فَتَحْرُمُ الزِّينَةُ بِهِ) أَيْ: بِالْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ (لِلسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) كَالْأَمِيرِ (إلَّا لِمُكْرَهٍ) عَلَى التَّزَيُّنِ بِهِ؛ فَإِنْ هَدَّدَ إنْسَانٌ قَادِرٌ عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ؛ فَيُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَيَتَّقِيهِ) أَيْ التَّزَيُّنَ وُجُوبًا (مَا أَمْكَنَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] (وَيَحْرُمُ جُلُوسُ مُخْتَارٍ) عَلَى حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، وَ (لَا) يَحْرُمُ (تَفَرُّجٌ) عَلَى زِينَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ مِنْ إنْسَانٍ (مَارٍّ) عَلَيْهَا أَوْ مَرَّتْ بِهِ الزِّينَةُ، فَتَفَرَّجَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّخِذٍ، وَلَا مُسْتَعْمِلٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.

(وَحَرُمَ أَكْلٌ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ قَرِينَةٍ) مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ (أَوْ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى إذْنٍ كَتَقْدِيمِ طَعَامٍ وَدُعَائِهِ إلَيْهِ (وَلَوْ كَانَ أَكْلُهُ مِنْ بَيْتِ قَرِيبِهِ أَوْ صَدِيقِهِ وَلَوْ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا.
وَلِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ؛ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَأَخْذِ الدَّرَاهِمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَدُعَاءٌ لِوَلِيمَةٍ وَتَقْدِيمُ طَعَامٍ) إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِالْأَكْلِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْغُنْيَةِ (إذْنٌ فِيهِ) أَيْ: الْأَكْلِ (إذَا كَمُلَ وَضْعُهُ، وَلَمْ يُلْحَظْ انْتِظَارُ أَحَدٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَهُ الرَّسُولُ فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا دُعِيت فَقَدْ أُذِنَ لَك.
وَ (لَا) الدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنًا (فِي الدُّخُولِ إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ: الطَّعَامُ (مِنْ قُدِّمَ إلَيْهِ) بِتَقْدِيمِهِ لَهُ (بَلْ يَهْلِكُ) الطَّعَامُ بِالْأَكْلِ (عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا) ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلُ؛ فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) مَعَ الدُّعَاءِ إلَى الْوَلِيمَةِ أَوْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ (إذْنٌ ثَانٍ لِأَكْلٍ كَطَبِيبٍ دُعِيَ لِفَصْدٍ وَخَيَّاطٍ) دُعِيَ (لِتَفْصِيلٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ، فَيَكُونُ الْعُرْفُ إذْنًا فِي التَّصَرُّفِ، وَلَا يَجُوزُ لِلضِّيفَانِ قَسْمُهُ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَهُ، فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (يُسْتَحَبُّ وَلَوْ لِمُتَوَضِّئٍ غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَكْلٍ مُتَقَدِّمًا) رَبَّهُ وَغَسْلُهُمَا (بَعْدَهُ) أَيْ: الْأَكْلِ (مُتَأَخِّرًا بِهِ رَبَّهُ وَ) يَسْتَحِقُّ غَسْلَ فَمِهِ بَعْدَهُ، وَأَنْ (يَتَوَضَّأَ الْجُنُبُ قَبْلَ) أَيْ: الْأَكْلِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
(وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ بِإِنَاءٍ أَكَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا) يُكْرَهُ غَسْلُهُمَا (بِطِيبٍ) كَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ (وَكُرِهَ) غَسْلُهُمَا (بِطَعَامٍ) وَهُوَ الْقُوتُ (وَلَوْ بِدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَاءَ) وَنَحْوَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمِلْحُ لَيْسَ بِقُوتٍ، وَإِنَّمَا يُصْلَحُ بِهِ الْقُوتُ.
فَعَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ الْغَسْلُ بِهِ وَ (لَا) بَأْسَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ (بِنُخَالَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُوتًا (أَوْ لِحَاجَةٍ) دَعَتْ لِاسْتِعْمَالِ الْقُوتِ (كَدَبْغٍ بِدَقِيقِ شَعِيرٍ وَتَدَاوٍ بِلَبَنٍ لِجَرَبٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ.

(وَتُسَنُّ تَسْمِيَةٌ جَهْرًا عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . وَقِيسَ عَلَيْهِ الشُّرْبُ (فَيَقُولُ) الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (بِسْمِ اللَّهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَإِنْ زَادَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَحَسَنٌ) ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ.
انْتَهَى.
(فَإِنْ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ) الْأَكْلِ (قَالَ) نَدْبًا (بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) لِلْخَبَرِ، وَيُسَمِّي الْمُمَيِّزُ (وَيُسَمَّى عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ) لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ بِهَا أَخْرَسُ وَنَحْوُهُ كَالْوُضُوءِ (وَحَمِدَ) اللَّهَ الْآكِلُ وَالشَّارِبُ (إذَا فَرَغَ) مِنْ أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَمِمَّا وَرَدَ) مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) مِنْهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُعَاذٌ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَدَعَا لِرَبِّ الطَّعَامِ) نَدْبًا (وَمِنْهُ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ) لِلْخَبَرِ.

(وَ) يُسَنُّ (أَكْلُهُ مِمَّا يَلِيهِ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ (لَا أَنْوَاعَ) مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَنْوَاعٌ، فَلَهُ التَّنَاوُلُ مِنْهَا، أَوْ كَانَ الطَّعَامُ فَاكِهَةً فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ؛ فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ، فَخَبَطَتْ يَدَيَّ فِي نَوَاحِيهَا، فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ مِنْ طَعَامٍ وَاحِدٍ.
ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: أَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ مِمَّا لَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِذَلِكَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَقْذِرُ مِنْهُ بَلْ يَسْتَشْفِي مِنْهُ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ تَتَبُّعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلدُّبَّاءِ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (بِيَمِينِهِ) وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمِمَّا يَلِيهِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ «كُنْت يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَلَا بَأْسَ) بِالْأَكْلِ (بِمِلْعَقَةٍ) وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّهَا تُعْتَبَرُ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ (وَ) يُسَنُّ أَكْلُهُ (بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» . وَلَمْ يُصَحِّحْ أَحْمَدُ حَدِيثَ أَكْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَفِّهِ (فَيُكْرَهُ) الْأَكْلُ (بِأَقَلَّ) مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ كِبْرٌ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (بِأَكْثَرَ) مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ شَرَهٌ، مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةً.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ.

(وَ) يُسَنُّ (تَخْلِيلُ مَا عَلَقَ بِأَسْنَانِهِ) مِنْ طَعَامٍ.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ.
وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا، وَرُوِيَ: «تَخَلَّلُوا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجِدَ مِنْ أَحَدِكُمْ رِيحَ الطَّعَامِ» . قَالَ النَّاظِمُ: وَيُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخِلَالُ، وَلَا يَبْتَلِعُهُ لِلْخَبَرِ.

(وَ) يُسَنُّ (مَسْحُ الصَّحْفَةِ) الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا (وَ) يُسَنُّ (أَكْلُ مَا تَنَاثَرَ) مِنْهُ أَوْ سَقَطَ مِنْهُ مِنْ الْفَمِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ أَذًى؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَقَعَتْ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْسَحْ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ وَلْيَأْكُلْهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَ) يُسَنُّ لِمَنْ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ (غَضُّ طَرْفِهِ عَنْ جَلِيسِهِ) لِئَلَّا يَسْتَحْيِيَ (وَ) يُسَنُّ (إيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لِمَدْحِهِ تَعَالَى فَاعِلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: 9] الْآيَةَ (وَشُرْبُهُ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا، وَلَا تَعُبُّوهُ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» . وَالْكُبَادُ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، قِيلَ: وَجَعُ الْكَبِدِ، وَيَعُبُّ اللَّبَنَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ (وَسُنَّ تَمَضْمُضٌ مِنْ شُرْبٍ) قَالَهُ فِي " الْآدَابِ "، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تُسْتَحَبَّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ

مَا لَهُ دَسَمٌ (وَ) سُنَّ (لَعْقُ أَصَابِعِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، أَوْ يُلْعِقَهَا غَيْرَهُ) ؛ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَيْهِ حَتَّى يَلْعَقَهَا» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ؛ (وَيُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُلِّ ابْتِدَاءٍ، وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ، وَقَدْ يُقَالُ فِي أَكْلِ كُلِّ لُقْمَةٍ فَعَلَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ) انْتَهَى.

(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْآكِلِ (أَنْ يَجْلِسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ) وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الِاتِّكَاءِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ، وَيُجِيدَ فِي الْمَضْغِ وَيُطِيلَ الْبَلْعَ) لِأَنَّهُ أَجْوَدُ هَضْمًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَتَمُّ مِنْ الْإِطَالَةِ (وَاسْتَحَبَّ) بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَصْغِيرُ الْكِسَرِ يَعْنِي اللُّقَمَ (وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُ ضَرِيرٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) مِنْ الطَّعَامِ لِيَتَنَاوَلَ مِمَّا يَشْتَهِيهِ (وَيَنْوِي نَدْبًا بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ) لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . تَنْبِيهٌ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَأَ الْأَكْبَرُ وَالْأَعْلَمُ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِالْأَكْلِ؛ لِحَدِيثِ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا السَّبْقُ إلَى الْأَكْلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَالشَّرَهِ.
(وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ، وَمَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَمَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ، وَمَعَ الْإِخْوَانِ بِالِانْبِسَاطِ وَالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ) وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ، وَيَتَكَلَّفُ الِانْبِسَاطَ، قَالَ أَحْمَدُ يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا انْتَهَى.
وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ.
(وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ لَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ، بَلْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَعْرُوفِ) وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْمُضِيفِ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ أَنْ لَا يَتَصَدَّرَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ مَكَانًا أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ

مِنْهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ) الْمَدْعُوُّ (بِإِجَابَتِهِ) الدَّعْوَةَ (نَفْسَ الْأَكْلِ) لِأَنَّهُ سِمَةُ الْبَهَائِمِ، (بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَصِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ سُوءِ ظَنِّ تَكَبُّرٍ بِهِ) لِيُثَابَ عَلَيْهِ.
(وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ ضَيْفِهِ لِبَابِ الدَّارِ) تَتْمِيمًا لِإِكْرَامِهِ (وَيَحْسُنُ أَنْ يَأْخُذَ بِرِكَابِهِ إلَى رِكَابِ ضَيْفِهِ) إذَا رَكِبَ (وَوَرَدَ) فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لَا يَرْجُوهُ، وَلَا يَخَافُهُ، غُفِرَ لَهُ» قَالَهُ فِي " الْآدَابِ " (وَلَهُ) أَيْ رَبِّ الطَّعَامِ (تَخْصِيصُ بَعْضِ الضِّيفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إنْ لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرَهُ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا) مِنْ الطَّعَامِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ) أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ (وَ) فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " يُسْتَحَبُّ (لِأَهْلِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْكُلُوا بَعْدَ فَرَاغِ الضِّيفَانِ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ: «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَذَهَبَ بِالضَّيْفِ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ.
فَقَالَ: نَوِّمِي صِبْيَانَك، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَدِّمِي مَا عِنْدَك لِلضَّيْفِ، وَنُوهِمُهُ أَنَّا نَأْكُلُ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] » وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى إبْقَاءِ شَيْءٍ أَبْقَاهُ وَإِلَّا مَسَحَ الْإِنَاءَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا.
(وَ) (أَكْلُهُ مَعَ زَوْجَةٍ وَطِفْلٍ وَمَمْلُوكٍ، وَتَكْثِيرِ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ) وَلَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ؛ لِتَكْثُرَ الْبَرَكَةُ، وَلَعَلَّهُ صَادَفَ صَالِحًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَيُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل