مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شَاغِلٌ، (وَالْآخَرُ بِدُونِهِ) - أَيْ: الشَّاغِلِ - (وَنَحْوِهِ مِمَّا تَفُوتُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ) ؛ كَأَنْ شَرَطَا أَنْ يُحَطَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدًا مِنْ خُطَّابِهِ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ؛ (لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِمُنَافَاتِهِ لِمَوْضُوعِ الْمُسَابَقَةِ، وَإِذَا عَقَدَا، أَوْ لَمْ يَذْكُرَا أَقْوَاسًا؛ صَحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ تَبَيُّنُ كَوْنِهِ) - أَيْ: الرَّمْيِ - (مُفَاضَلَةً) وَمُحَاطَّةٍ وَمُبَادَرَةً؛ لِأَنَّ غَرَضَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ إصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الِانْتِهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِالْعَكْسِ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا دَخَلَ فِيهِ (فَالْمُفَاضَلَةُ؛ كَقَوْلِهِمْ أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةٍ؛ فَقَدْ سَبَقَ) ، فَأَيُّهُمَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ؛ فَهُوَ السَّابِقُ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَيَلْزَمُ فِيهَا إتْمَامُ الرَّمْيِ إنْ كَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ، أَوْ تَبَيُّنُ كَوْنِ الرَّمْيِ (مُبَادَرَةً كَأَيِّنَا سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً؛ فَقَدْ سَبَقَ) وَنَحْوُهُ، فَإِذَا رَمَيَا عَشَرَةً عَشَرَةً، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا، وَلَمْ يُصِبْ الْآخَرُ خَمْسًا؛ فَمُصِيبُ الْخَمْسِ هُوَ السَّابِقُ أَصَابَ الْآخَرُ مَا دُونَهَا أَوْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا.
(وَلَا يَلْزَمُ إنْ سَبَقَ إلَيْهَا) - أَيْ: الْخَمْسَةِ - (وَاحِدٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْآخَرُ أَرْبَعًا إتْمَامُ الرَّمْيِ) عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ السَّبَقَ قَدْ صَارَ لِلسَّابِقِ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَشْرِ خَمْسًا؛ فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا، وَلَا يُكْمِلَانِ الرَّشْقَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ قَدْ وُجِدَتْ، وَاسْتَوَيَا فِيهَا، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الرَّمْيِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ بِهِ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، أَوْ يُسْقِطَ بِهِ سَبَقَ صَاحِبِهِ؛ لَزِمَ الْإِتْمَامُ؛ إلَّا فَلَا، (أَوْ) تَبَيَّنَ كَوْنُ الرَّمْيِ (مُحَاطَّةً؛ بِأَنْ) اشْتَرَطَا أَنْ (يَحُطَّ مَا تَسَاوَيَا فِيهِ مِنْ إصَابَةٍ مَنْ رَمْيٍ مَعْلُومٍ مَعَ تُسَاوِيهِمَا فِي عَدَدِ الرَّمَيَاتِ؛ فَأَيُّهُمَا فَضَلَ) صَاحِبَهُ (بِإِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدْ سَبَقَ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفَاضَلَةِ وَالْمُحَاطَّةُ؛ أَنَّ الْمُحَاطَّةَ تُقَدَّرُ فِيهَا الْإِصَابَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُفَاضَلَةِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ " فَالْمُفَاضَلَةُ اشْتِرَاطُ إصَابَةِ عَدَدٍ مِنْ عَدَدٍ فَوْقَهُ كَإِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَا رَمْيَهُمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ أَحْرَزَا سَبَقَهُمَا،
وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا تِسْعَةً وَالْآخَرُ عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ؛ فَقَدْ فَضَلَ.
وَالْمُحَاطَّةُ أَنْ يَشْتَرِطَا حَطَّ مَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ مِنْ الْإِصَابَةِ فِي رَشْقٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا فَضَلَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدْ سَبَقَ، وَجَعَلَ فِي الْإِقْنَاعِ " الْمُفَاضَلَةَ هِيَ الْمُحَاطَّةُ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ.
(فَإِنْ أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ) فِي الْمُفَاضَلَةِ، (أَوْ قَالَا) ؛ أَيْ: شَرَطَا أَنَّهَا (خواصل) - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - (تَنَاوَلَهَا) ؛ أَيْ: تَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْإِصَابَةَ (عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ) .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ خُصِلَتْ مُنَاضِلِي خَصْلَةً وَخَصْلًا، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْفَرْعَ وَالْقَرْطَسَةَ، يُقَالُ قَرْطَسَ إذَا أَصَابَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الْإِصَابَةِ، لَكِنْ يُسَنُّ (وَإِنْ قَالَا) ؛ أَيْ: اشْتَرَطَا أَنْ الْإِصَابَةَ (خَوَاسِقُ) - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - (أَوْ) شَرَطَا (خَوَازِقَ - بِالزَّايِ - أَوْ) شَرَطَا (مُقَرْطِسَ) ، وَهِيَ (مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَثَبَتَ فِيهِ) . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ: الْخَوَازِقُ: بِالزَّايِ لُغَةً فِي الْخَاسِقِ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ وَالْمُقَرْطِسُ بِمَعْنَى الْحَازِقِ، (أَوْ) شَرَطَا أَنْ الْإِصَابَةَ (خَوَارِقُ - بِالرَّاءِ - أَوْ مُوَارَقُ) ، وَهِيَ (مَا خَرَقَهُ) - أَيْ: الْغَرَضَ - (وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (خَوَاصِرُ) ، وَهِيَ (مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ) - أَيْ: الْغَرَضِ - وَمِنْهُ قِيلَ الْخَاصِرَةُ؛ لِأَنَّهَا فِي جَانِبِ الْإِنْسَانِ، (أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (خَوَارِمُ) ، وَهِيَ (مَا خَرَمَ جَانِبَهُ) . أَيْ: الْغَرَضِ - (أَوْ) اشْتَرَطَا أَنَّهَا (حَوَابِّي) - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَهِيَ (مَا وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَثَبَ إلَيْهِ) - أَيْ: الْغَرَضِ - وَمِنْهُ يُقَالُ حَبَا الصَّبِيُّ.
فَبِأَيِّ صِفَةٍ قَيَّدَ الْمُتَنَاضِلُونَ الْإِصَابَةَ تَقَيَّدَتْ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَقَيَّدَ بِهِ ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ بِمُوجِبِهِ، وَحَصَلَ السَّبَقُ بِإِصَابَةِ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ عَلَى مَا قَيَّدُوا بِهِ، (أَوْ شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْهُ كَدَائِرَتِهِ) - أَيْ: الْغَرَضِ - (تَقَيَّدَتْ) الْمُنَاضَلَةُ (بِهِ) - أَيْ: بِمَا شَرَطَاهُ - لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَتَقَيَّدَ الْمُنَاضَلَةُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ.
وَإِنْ شَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالْحَوَابِيَ مَعًا؛ صَحَّ؛ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ
(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ إصَابَةٍ نَادِرَةٍ كَتِسْعَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ وُجُودِهَا، فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ، وَلَا يَصِحُّ تَنَاضُلُهُمَا عَلَى أَنَّ السَّبَقَ لِأَبْعَدِهِمَا رَمْيًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الرَّمْيِ الْإِصَابَةُ، لَا مِنْ بُعْدِ الرَّمْيِ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ خواصل فَأَصَابَ الْغَرَضَ بِنَصْلِ السَّهْمِ؛ حُسِبَ لَهُ كَيْفَ كَانَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَاصِلَ الَّذِي أَصَابَ الْقِرْطَاسَ، فَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ الْغَرَضَ بِعَرْضِهِ أَوْ بِفَوْقِهِ وَهُوَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْوَتَرُ، نَحْوُ أَنْ يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ، فَيُصِيبُ فَوْقُهُ الْغَرَضَ، أَوْ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَيْنِ فَأَصَابَتْ الْقِطْعَةُ الْأُخْرَى الْغَرَضَ؛ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ إصَابَةً.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ، وَهُوَ مَا يُرْمَى طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا وَارْتِفَاعًا مِنْ الْأَرْضِ) بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ؛ لِاخْتِلَافِ الْإِصَابَةِ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، وَغِلَظِهِ وَرِقَّتِهِ، وَارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ، وَالْغَرَضُ: مَا تُقْصَدُ إصَابَتُهُ بِالرَّمْيِ، وَهُوَ مَا يُنْصَبُ فِي الْهَدَفِ مِنْ قِرْطَاسٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهَا.
سُمِّيَ غَرَضًا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ، وَيُسَمَّى شَارَةً وَشَنًّا.
وَفِي الْقَامُوسِ الْقِرْطَاسُ كُلُّ أَدِيمٍ يُنْصَبُ لِلنِّضَالِ، وَالْهَدَفُ مَا يُنْصَبُ الْغَرَضُ عَلَيْهِ إمَّا تُرَابٌ مَجْمُوعٌ أَوْ حَائِطٌ أَوْ غَيْرُهُمَا كَخَشَبَةٍ وَحَجَرٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ النِّضَالِ ذِكْرُ الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ، خِلَافًا لِلتَّرْغِيبِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ الرُّمَاةِ يَخْتَارُ التَّأَخُّرَ، فَإِنْ ذُكِرَ الْمُبْتَدِئُ كَانَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنَا الْمُبْتَدِئَ عِنْدَ الْعَقْدِ، ثُمَّ تَرَاضَيَا بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا.
(وَإِنْ تَشَاحَّا) - أَيْ: الْمُتَنَاضِلَانِ - (فِي الِابْتِدَاءِ) - بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ - (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَدِئَ أَحَدُهُمَا بِالرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُصِيبُ مِنْهُمَا، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَصِيرَ إلَى الْقُرْعَةِ، لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ بَدَأَ بِالرَّمْيِ.
(وَسُنَّ تَعْيِينُ بَادٍ عِنْدَ عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، (فَإِنْ بَادَرَ غَيْرُ الْأَحَقِّ فَرَمَى؛ فَرَمْيُهُ عَبَثٌ) لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ سَهْمُهُ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
(وَيَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَا) - أَيْ: الْمُتَنَاضِلَانِ - (سَهْمًا سَهْمًا، وَ) أَنْ يَرْمِيَا (خَمْسًا خَمْسًا، وَأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (جَمِيعَ الرَّشْقِ) .
وَإِنْ شَرَطَا شَيْئًا حُمِلَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَطْلَقَا تَرَاسَلَا سَهْمًا؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ.
(وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ) هُوَ رَمْيُ الْقَوْمِ بِأَجْمَعِهِمْ جَمِيعَ السِّهَام، (بَدَأَ الْآخَرُ فِي) الْوَجْهِ (الثَّانِي) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، (فَإِنْ شَرَطَا الْبُدَاءَةَ لِأَحَدِهِمَا فِي كِلَا الْوُجُوهِ) ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُنَاضَلَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَهَذَا تَفَاضُلٌ.
(وَإِنْ فَعَلَاهُ) أَيْ الْبَدْءَ فِي الرَّمْيِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ (بِرِضَاهُمَا؛ صَحَّ؛) لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي جَوْدَةِ الرَّمْيِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ؛ جَازَ لِتَسَاوِيهِمَا، وَإِنْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا رَشْقَةً، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ رَشْقَةً؛ جَازَ، أَوْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا عَدَدًا، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ مِثْلَهُ؛ جَازَ، وَعُمِلَ بِهِ: لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
(وَسُنَّ جَعْلُ غَرَضَيْنِ) فِي الْمُنَاضَلَةِ (يَرْمِيَانِ) ؛ أَيْ: يَرْمِي الرَّسِيلَانِ (أَحَدَهُمَا) - أَيْ: أَحَدَ الْغَرَضَيْنِ - (ثُمَّ يَمْضِيَانِ إلَيْهِ) - أَيْ: الْغَرَضِ - (فَيَأْخُذَانِ السِّهَامَ، وَيَرْمِيَانِ) الْغَرَضَ (الْآخَرَ) ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِعْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَيُرْوَى) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: رَأَيْت حُذَيْفَةَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ يَقُولُ أَنَا بِهَا فِي قَمِيصٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِثْلُهُ وَيُرْوَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا - أَيْ: عُبَّادًا - وَإِذَا كَانَ غَرَضًا (فَبَدَأَ أَحَدُهُمَا بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرُ) بِالْغَرَضِ (الثَّانِي) ؛ لِحُصُولِ التَّعَادُلِ، وَإِنْ جَعَلُوا غَرَضًا وَاحِدًا؛ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَإِذَا تَشَاحَّا فِي مَوْضِعِ الْوَقْفِ هَلْ هُوَ عَنْ يَمِينِ الْغَرَضِ أَوْ يَسَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِثْلَ
أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْمَوْقِفَيْنِ يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، أَوْ يَسْتَقْبِلُ رِيحًا يُؤْذِيهِ اسْتِقْبَالُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ يَسْتَدْبِرُهَا؛ قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ اسْتِدْبَارَهَا؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهُمَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْطِ الْمُنَاضَلَةِ اسْتِقْبَالُ ذَلِكَ؛ فَالشَّرْطُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ؛ لِدُخُولِهِمْ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى الرَّمْيِ لَيْلًا؛ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَوْقِفَانِ سَوَاءً فِي اسْتِدْبَارِ الشَّمْسِ كَانَ الْوُقُوفُ إلَى الَّذِي يَبْدَأُ فَيَتْبَعُهُ الْآخَرُ، فَإِذَا صَارَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَقَفَ الثَّانِي حَيْثُ شَاءَ، وَيَتْبَعُهُ الْأَوَّلُ لِيَسْتَوْفِيَا.
(وَإِنْ أَطَارَتْهُ) - أَيْ: الْغَرَضَ - (الرِّيحُ فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ) - أَيْ: الْغَرَضِ - (وَشَرْطُهُمْ) - أَيْ: الْمُتَنَاضِلَيْنِ - (خَوَاسِقَ وَنَحْوَهُ) كَخَوَاسِقَ وَمُقَرْطِسٍ؛ (لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا.
[وَإِنْ وَقَعَ - السَّهْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَرَضِ اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى رَامِيهِ لِتَبَيُّنِ خَطَئِهِ] .
وَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي الْغَرَضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ الْغَرَضُ حُسِبَتْ الرَّمْيَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ اتَّفَقَا عَلَى رَمْيِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ عَلَى وَجْهٍ إذَا وَقَعَ السَّهْمُ فِيهِ حُسِبَ عَلَى رَامِيهِ، وَإِنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ، فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ؛ اُحْتُسِبَ بِهِ لِرَامِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ مَوْضِعَهُ لَأَصَابَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَا أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ.
وَلَوْ كَانَ الْغَرَضُ جِلْدًا وَخِيطَ عَلَيْهِ كَشَنْبَرِ الْمُنْخُلِ، وَجَعَلَا لَهُ عُرًى وَخُيُوطًا تُعَلَّقُ بِهِ فِي الْعُرَى، فَأَصَابَ السَّهْمُ الشَّنْبَرَ أَوْ الْعُرَى وَشَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ اُعْتُدَّ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَضِ.
وَأَمَّا الْمَعَالِيقُ وَهِيَ الْخُيُوطُ؛ فَلَا يُعْتَدُّ بِإِصَابَتِهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْغَرَضِ.
(وَإِنْ عَرَضَ) لِأَحَدِهِمَا (عَارِضٌ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ؛ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِالسَّهْمِ) وَلَا عَلَيْهِ (- وَلَوْ أَصَابَ -) وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْعَارِضَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الصَّوَابِ إلَى الْخَطَإِ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْخَطَإِ إلَى الصَّوَابِ، وَإِنْ حَالَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ فَنَفَذَ مِنْهُ وَأَصَابَ الْغَرَضَ؛ حُسِبَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ سِدَادِ الرَّمْيِ وَقُوَّتِهِ (وَإِنْ عَرَضَ مَطَرٌ، أَوْ ظُلْمَةٌ) عِنْدَ الرَّمْيِ؛
(جَازَ تَأْخِيرُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَطَرَ يُرْخِي الْوَتَرَ، وَالظُّلْمَةَ عُذْرٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ الرَّمْيُ نَهَارًا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَاهُ لَيْلًا، فَيَلْزَمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً مُنِيرَةً اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا رَمَيَا فِي ضَوْءِ شَمْعَةٍ أَوْ مِشْعَلٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا التَّطْوِيلَ وَالتَّشَاغُلَ عِنْدَ الرَّمْيِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مِنْ مَسْحِ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَعَلَّ صَاحِبَهُ يَنْسَى الْقَصْدَ الَّذِي أَصَابَا بِهِ، أَوْ يَفْتُرُ؛ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَطُولِبَ بِالرَّمْيِ، وَلَا يُزْعَجُ بِالِاسْتِعْجَالِ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ يُمْنَعُ مِنْ تَحْرِيرِ الْإِصَابَةِ.
(وَكُرِهَ) لِلْأَمِينِ أَوْ الشُّهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَضَرَ (مَدْحُ أَحَدِهِمَا أَوْ) مَدْحُ (الْمُصِيبِ، وَعَيْبُ الْمُخْطِئِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ: وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ الْجَوَازُ فِي مَدْحِ الْمُصِيبِ وَالْكَرَاهَةُ فِي عَيْبِ غَيْرِهِ.
قَالَ (: وَيُتَوَجَّهُ) الْجَوَازُ (كَذَلِكَ فِي مَدْحِ شَيْخٍ لِطَالِبٍ) أَيْ: يَجُوزُ مَدْحُ الْمُصِيبِ مِنْ الطَّلَبَةِ؛ وَيُكْرَهُ عَيْبُ غَيْرِهِ.
(وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ") : قُلْتُ: (إنْ) كَانَ (مَدْحُهُ لِتَحْرِيضِهِ عَلَى الِاشْتِغَالِ قَوِيَ الِاسْتِحْبَابُ، وَإِنْ أَفْضَى) مَدْحُهُ (لِتَعَاظُمِ الْمَمْدُوحِ) أَوْ كَسْرِ قَلْبِ غَيْرِهِ (قَوِيَ التَّحْرِيمُ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
(وَيُمْنَعُ كُلٌّ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَغِيظُ صَاحِبَهُ كَأَنْ يَرْتَجِزَ وَيَفْتَخِرَ) وَيَتَبَجَّحَ بِالْإِصَابَةِ، (أَوْ يُعَنِّفَ صَاحِبَهُ عَلَى الْخَطَإِ) ، وَيُظْهِرَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ، (وَكَذَا حَاضِرٌ مَعَهُمَا) يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُك) - أَيْ: إصَابَتُك فِيهَا - (أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِك) فَلَكَ دِرْهَمٌ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجُعْلَ فِي مُقَابَلَةِ إصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَشَرَةِ أَقَلُّهُ سِتَّةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّهُ بِالْأَقَلِّ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ.
(وَلَا) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ: ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، فَإِنْ كَانَ خَطَؤُك أَكْثَرَ مِنْ صَوَابِك (فَلَكَ دِرْهَمٌ) لِأَنَّهُ قِمَارٌ، أَوْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً، فَإِنْ أَخْطَأَتْهَا فَعَلَيْك دِرْهَمٌ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ
مِنْ الْقَائِلِ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الرَّامِي لِأَجْنَبِيٍّ: إنْ أَخْطَأَتْ فَلَكَ دِرْهَمٌ؛ لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ.
(أَوْ) قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً، فَإِنْ كَانَ صَوَابُك أَكْثَرَ (فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْتَ بِهِ دِرْهَمٌ) ؛ صَحَّ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْتَ بِهِ مِنْهَا دِرْهَمٌ، أَوْ قَالَ فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ زَائِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُصِيبَاتِ دِرْهَمٌ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ مَعْلُومٌ بِتَقْدِيرِهِ بِالْإِصَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: اسْتَقِ لِي مِنْ هَذَا الْبِئْرِ، وَلَك بِكُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ، أَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَلَهُ بِكُلِّ عَبْدٍ دِرْهَمٌ.
(أَوْ قَالَ: ارْمِ هَذَا السَّهْمَ فَإِنْ أَصَبْتَ بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ؛ صَحَّ؛ وَلَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَالَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالًا فِي فِعْلٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَكُنْ نِضَالًا؛ لِأَنَّ النِّضَالَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ عَلَى أَنْ يَرْمُوا جَمِيعًا، وَيَكُونَ الْجُعْلُ لِبَعْضِهِمْ إذَا كَانَ سَابِقًا
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
ِ: بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَارَ إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْبَطَّالِ عَيَّارٌ؛ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعَارَهُ وَعَارَهُ كَ أَطَاعَهُ وَطَاعَهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِلْجَوْهَرِيِّ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعَارِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهَا، وَقِيلَ: إنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعُرْيِ الَّذِي هُوَ التَّجَرُّدُ؛ لِتَجَرُّدِهَا عَنْ الْعِوَضِ، كَمَا تُسَمَّى النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبَةُ عَرِيَّةً؛ لِتَعَرِّيهَا عَنْهُ، وَقِيلَ التَّعَاوُرُ وَهُوَ التَّنَاوُبُ لِجَعْلِ الْمَالِكِ نَوْبَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا.
وَهِيَ (الْعَيْنُ الْمَأْخُوذَةُ) مِنْ مَالِكِهَا - وَلَوْ لِمَنْفَعَتِهَا - أَوْ وَكِيلِهِ (لِلِانْتِفَاعِ بِهَا) مُطْلَقًا، أَوْ زَمَنًا مُقَدَّرًا (بِلَا عِوَضٍ) مِنْ الْآخِذِ لَهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَتُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِعَارَةِ مَجَازًا، وَالْعَارَةُ بِمَعْنَى الْعَارِيَّةِ.
قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
فَاخْلُفْ وَأَتْلِفْ إنَّمَا الْمَالُ عَارَةٌ ... وَكُلُّهُ مَعَ الدَّهْرِ الَّذِي هُوَ آكِلُهُ
(مَعَ الِانْفِرَادِ) - أَيْ: انْفِرَادِ الْمُسْتَعِيرِ - (بِحِفْظٍ) لِلْعَيْنِ الْمُعَارَةِ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكُهَا مَعَهَا، أَمَّا إذَا كَانَ مَالِكُهَا مَعَهَا كَمَا لَوْ أَرْكَبَ دَابَّتَهُ لِإِنْسَانٍ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ فَالْحِفْظُ عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِعَدَمِ انْفِرَادِهِ بِحِفْظِهَا، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ؛ لِتَلَفِهَا تَحْتَ يَدِ مَالِكِهَا (وَالْإِعَارَةُ: إبَاحَةُ نَفْعِهَا) - أَيْ: الْعَيْنِ - أَيْ: رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ (لَا هِبَتَهُ) ؛ إذْ الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الشَّيْءِ؛ كَمَا يَسْتَفِيدُهُ فِيهِ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ (بِلَا عِوَضٍ) ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ: الْعَوَارِيُّ، وَفَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالْوَلَدُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» [قَالَ] التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دِرْعًا يَوْمَ حُنَيْنٌ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّة وَاسْتِحْبَابِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْأَعْيَانِ جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ جَمِيعًا.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْإِعَارَةُ؛ لِكَوْنِهَا مِنْ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ وَلَا تَجِبُ؛ لِحَدِيثِ: «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ وَلِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» .
وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: الزَّكَاةُ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»
وَالْآيَةُ فَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ بِالزَّكَاةِ،
وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إذَا جَمَعَ ثُلُثَهَا فَلَهُ الْوَيْلُ إذَا سَهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَرَدَ أَوْ مَنَعَ الْمَاعُونَ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْإِعَارَةُ (بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا) ؛ كَقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ أَبَحْتُكَ الِانْتِفَاعَ بِهِ، أَوْ يَقُولُ الْمُسْتَعِيرُ أَعِرْنِي هَذَا أَوْ أَعْطِينِيهِ أَرْكَبُهُ، أَوْ أَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَيُسَلِّمُهُ الْمُعِيرُ إلَيْهِ، وَنَحْوُهُ كَاسْتَرِحْ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَكَدَفْعِهِ الدَّابَّةَ لِرَفِيقِهِ عِنْدَ تَعَبِهِ، وَتَغْطِيَتِهِ بِكِسَائِهِ إذَا رَآهُ بَرَدَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبِرِّ، فَصَحَّتْ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ؛ كَدَفْعِ الصَّدَقَةِ، وَمَتَى رَكِبَ الدَّابَّةَ أَوْ اسْتَبْقَى الْكِسَاءَ عَلَيْهِ كَانَ دَفْعُ ذَلِكَ قَبُولًا.
قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛ كَمَا لَوْ سَمِعَ مَنْ يَقُولُ: أَرَدْتُ مَنْ يُعِيرُنِي كَذَا، فَأَعْطَاهُ كَذَا؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ لَا عَقْدٌ، نَقَلَهُ بِمَعْنَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ " التَّرْغِيبِ "، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
(وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ الْإِعَارَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا (كَوْنُ عَيْنٍ) مُعَارَةٍ (مُنْتَفَعًا بِهَا مَعَ بَقَائِهَا) كَالدُّورِ وَالْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ فَرَسًا» وَمِنْ صَفْوَانَ أَدْرُعًا، وَسُئِلَ عَنْ حَقِّ الْإِبِلِ فَقَالَ: «إعَارَةُ دَلْوِهَا وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا» ، فَثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا.
(فَدَفْعُ مَا لَا يَبْقَى؛ كَطَعَامٍ تَبَرُّعٌ مِنْ دَافِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا مَعَ تَلَفِ عَيْنَهُ، لَكِنْ إنْ أَعْطَى الْأَطْعِمَةَ وَالْأَشْرِبَةَ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ يَكُنْ) الطَّعَامُ أَوْ الشَّرَابُ (بِلَفْظِ عَارِيَّةٍ) ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِهَا (فَهُوَ قَرْضٌ) يَجِبُ عَلَى آخِذِهِ رَدُّ بَدَلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا فَثَبَتَ بِذِمَّتِهِ قَرْضًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (كَوْنُ مُعِيرٍ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ شَرْعًا) ؛ إذْ الْإِعَارَةُ نَوْعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةُ مَنْفَعَةٍ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ كَوْنُ (مُسْتَعِيرٍ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ لَهُ) بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ؛ بِأَنْ يَصِحَّ مِنْهُ قَبُولُهَا، أَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ بِالْهِبَةِ، (فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ نَحْوِ مُضَارِبٍ) كَنَاظِرِ وَقْفٍ وَوَلِيِّ يَتِيمٍ؛ لِمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَقْفِ وَالْيَتِيمِ، (وَ) لَا تَصِحُّ إعَارَةُ (مُكَاتَبٍ) لِمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ، (وَلَا) تَصِحُّ إعَارَةٌ (لِنَحْوِ صَغِيرٍ) كَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ (بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِلتَّصَرُّفِ.
(وَصَحَّ فِي) إعَارَةُ (مُؤَقَّتَةٍ شَرْطُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتَصِيرُ إجَارَةً) تَغْلِيبًا لِلْمَعْنَى؛ كَالْهِبَةِ إذَا شُرِطَ فِيهَا ثَوَابٌ مَعْلُومٌ كَانَتْ بَيْعًا، تَغْلِيبًا لِلْمَعْنَى عَلَى اللَّفْظِ، فَإِذَا أُطْلِقَتْ الْإِعَارَةُ، أَوْ جُهِلَ الْعِوَضُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ.
وَفِي " التَّلْخِيصِ ": (لَوْ أَعَارَهُ عَبْدَهُ) أَوْ نَحْوَهُ (عَلَى أَنْ يُعِيرَهُ الْآخَرُ فَرَسَهُ) أَوْ نَحْوَهُ، فَفَعَلَا، (فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لَا تُضْمَنُ) ؛ لِلْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَا عَمَلًا مَعْلُومًا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ لِتَعْلِفَهَا، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ لِتُمَوِّنَّهُ، وَإِنْ عَيَّنَا الْمُدَّةَ وَالْمَنْفَعَةَ؛ صَحَّتْ إجَارَةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ سَقَطَتْ مِنْهُ وَرَقَةٌ فِيهَا أَحَادِيثُ وَفَوَائِدُ، فَأَخَذْتُهَا، فَتَرَى أَنْ أَنْسَخَهَا وَأُسْمِعَهَا، قَالَ: لَا، إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا.
(وَ) تَصِحُّ (إعَارَةُ نَقْدٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَنَحْوِهِ) كَمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، فَإِنْ اسْتَعَارَ النَّقْدَ لِيُنْفِقَهُ، أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ اسْتَعَارَ الْمَكِيلَ أَوْ الْمَوْزُونَ لِيَأْكُلَهُ وَأَطْلَقَ، (فَقَرْضٌ) ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَرْضِ، وَهُوَ مُغَلَّبٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَ (لَا) تَكُونُ اسْتِعَارَةُ النَّقْدِ (لِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ) قَرْضًا، بَلْ عَارِيَّةٌ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ النَّقْدَ لِلْوَزْنِ، أَوْ (لِيَرْهَنَهُ أَوْ يُعَايِرَ عَلَيْهِ) ؛ فَإِنَّهَا تَصِحُّ كَالْإِجَارَةِ لِذَلِكَ، وَكَذَا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ.
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (كَوْنُ نَفْعِ) عَيْنٍ (مُبَاحًا) لِمُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّ
الْإِعَارَةَ إنَّمَا تُبِيحُ لَهُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَعِيرَ إنَاءً مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لِيَشْرَبَ فِيهِ، وَلَا حُلِيًّا مُحَرَّمًا عَلَى رَجُلٍ لِيَلْبَسَهُ، وَلَا أَمَةً لِيَطَأَهَا، حَيْثُ صَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ أَجْلِهِ، (وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) - أَيْ: النَّفْعِ الْمُبَاحِ - (كَإِعَارَةِ كَلْبٍ لِصَيْدٍ) أَوْ مَاشِيَةٍ (وَفَحْلٍ لِضِرَابٍ) ؛ لِأَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ مُبَاحٌ، وَلَا مَحْظُورَ فِي إعَارَتِهِمَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْعِوَضُ الْمَأْخُوذُ فِي ذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ امْتَنَعَتْ إجَارَتُهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي حَقِّ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إطْرَاقَ فَحْلِهَا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَهِيَ) - أَيْ: الْإِعَارَةُ (أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ) ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ، فَتَصِحُّ إعَارَةُ الْكَلْبِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي جَعَالَةٍ، (وَبَابُ الْجَعَالَةِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ) ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ تَصِحُّ عَلَى الْعِبَادَةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
(وَتَجِبُ إعَارَةُ مُصْحَفٍ لِمُحْتَاجٍ لِقِرَاءَةٍ) فِيهِ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ.
نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكُهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الْإِعَارَةِ أَيْضًا فِي كُتُبٍ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهَا مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَأَهْلِ الْفَتَاوَى.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) تَجِبُ إعَارَةُ (كُلِّ) شَيْءٍ (مُضْطَرٍّ إلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) ؛ إذْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَعْصُومِ وَاجِبٌ، وَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِالْإِعَارَةِ؛ فَالْإِعَارَةُ وَاجِبَةٌ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ بِلَفْظِ: وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ؛ وَجَبَ بَذْلُهُ مَجَّانًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَعَدَمِ حَاجَةِ رَبِّهِ إلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَنْبَغِي لِمَنْ مَلَكَ كِتَابًا أَنْ لَا يَبْخَلَ بِإِعَارَتِهِ لِمَنْ هُوَ أَهْلُهُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي إفَادَةُ الطَّالِبِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأَشْيَاخِ وَتَفْهِيمِ الْمُشْكِلِ.
(وَتَحْرُمُ إعَارَةُ قِنٍّ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ لِخِدْمَتِهِ) خَاصَّةً؛ كَمَا تَحْرُمُ إجَارَتُهُ لَهَا، فَإِنْ أَعَارَهُ أَوْ آجَرَهُ لِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ غَيْرِ الْخِدْمَةِ؛ صَحَّتَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ.
وَتَحْرُمُ إعَارَةُ صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَهُ لَهُ مُحَرَّمٌ؛ كَمَا تَحْرُمُ (إعَارَةُ مَا يَحْرُمُ) اسْتِعْمَالُهُ لِشَخْصٍ (مَمْنُوعًا مِنْهُ) شَرْعًا؛ (كَنَحْوِ طِيبٍ) وَمَخِيطٍ (لِمُحْرِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَإِنْ أَعَارَ الصَّيْدَ لِلْمُحْرِمِ، فَتَلِفَ بِيَدِ الْمُحْرِمِ؛ ضَمِنَهُ لِلَّهِ بِالْجَزَاءِ وَلِلْمَالِكِ بِالْقِيمَةِ.
وَتَحْرُمُ إعَارَةُ آنِيَةٍ لِمَنْ يَتَنَاوَلُ بِهَا مُحَرَّمًا، مِنْ نَحْوِ خَمْرٍ، وَإِعَارَةِ (إنَاءِ نَقْدٍ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، (وَ) إعَارَةُ (سِلَاحٍ فِي فِتْنَةٍ) ، وَإِعَارَةُ دَابَّةٍ مِمَّنْ يُؤْذِي عَلَيْهَا مُحْتَرَمًا.
(وَ) إعَارَةُ (أَمَةٍ) أَوْ عَبْدٍ (لِغِنَاءٍ) أَوْ نَوْحٍ أَوْ زَمْرٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) إعَارَةُ (دَارٍ) لِفِعْلِ (مَعْصِيَةٍ) فِيهَا، أَوْ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، أَوْ يَشْرَبُ فِيهَا مُسْكِرًا؛ كَإِجَارَةِ ذَلِكَ، وَتَحْرُمُ إعَارَةُ بُضْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ، (وَتُكْرَهُ إعَارَةُ أَمَةٍ جَمِيلَةٍ لِمَأْمُونٍ) إذَا كَانَ شَابًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ إعَارَتُهَا لِصَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مُحْرِمٍ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا.
(وَتَحْرُمُ) إعَارَتُهَا (هِيَ) - أَيْ: الْأَمَةُ الْجَمِيلَةُ - (وَإِعَارَةُ) غُلَامٍ (أَمْرَدَ لِغَيْرِهِ) - أَيْ لِغَيْرِ مَأْمُونٍ؛ كَمَا تَحْرُمُ (إجَارَتُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْفَاحِشَةِ، (لَا سِيَّمَا الْعَزَبُ) .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَجُوزُ إعَارَتُهَا لِلْعُزَّابِ الَّذِينَ لَا نِسَاءَ لَهُمْ مِنْ قَرَابَاتٍ وَلَا زَوْجَاتٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ، وَتَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِهَا؛ كَغَيْرِ الْمُعَارَةِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ؛ كَمُؤَجَّرَةٍ، وَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي وَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ.
فَإِنْ وَطِئَ الْمُسْتَعِيرُ الْأَمَةَ الْمُعَارَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ إذَنْ، وَكَذَا هِيَ يَلْزَمُهَا الْحَدُّ إنْ طَاوَعَتْهُ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ زِنًا، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ جَاهِلًا بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ سُرِّيَّتِهِ، أَوْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» .
وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهَا إنْ جَهِلَتْ أَوْ أُكْرِهَتْ وَوَلَدُهُ حُرٌّ وَيُلْحَقُ بِهِ؛ لِلشُّبْهَةِ، وَتَجِبُ
قِيمَتُهُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ فِي وَطْئِهِ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا وَلَوْ مُطَاوَعَةً، لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَةِ الْمَوْطُوءَةِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ فِي الْوَطْءِ، فَلَا مَهْرَ وَلَا أَرْشَ وَلَا فِدَاءَ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ.
وَأَمَّا إعَارَةُ الْأَمَةِ لِلْخِدْمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً أَوْ شَوْهَاءَ؛ جَازَ لِسَيِّدِهَا أَنْ يُعِيرَهَا مُطْلَقًا؛ لِلْأَمْنِ عَلَيْهَا، وَالْجَوَازُ يَحْتَمِلُ نَفْيَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَصْلَ الْعَارِيَّةِ النَّدْبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ لِلْعَارِيَّةِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ.
(وَكُرِهَ اسْتِعَارَةُ أَصْلِهِ) كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَإِنْ عَلَوَا (لِخِدْمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْوَلَدِ اسْتِخْدَامُ أَحَدِهِمْ؛ فَكُرِهَتْ اسْتِعَارَتُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يُكْرَهُ لِلْفَرْعِ (إعَارَتُهُ) - أَيْ أَصْلِهِ - لِأَجْنَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، لِتَسَبُّبِهِ فِي امْتِهَانِهِ.
قَالَ الْخَلْوَتِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا: وَعَلَى قِيَاسِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنْ يُعِيرَهُ لِذَلِكَ؛ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ انْتَهَى.
وَلِلْمُسْتَعِيرِ رَدُّ الْعَارِيَّة مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً.
(وَصَحَّ رُجُوعُ مُعِيرٍ) فِي عَارِيَّةٍ، (وَلَوْ قَبْلَ أَمَدٍ عَيَّنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكُلَّمَا اسْتَوْفَى شَيْئًا فَقَدْ قَبَضَهُ، وَاَلَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ (إلَّا) أَنْ يَأْذَنَ الْمُعِيرُ فِي شَغْلِ الْمُعَارِ بِشَيْءٍ (فِي حَالٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ) - أَيْ: بِرُجُوعِ الْمُعِيرِ فِي الْعَارِيَّةِ - (مُسْتَعِيرٌ) ؛ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْمُنَفِّرِ شَرْعًا، (فَمَنْ أَعَارَ سَفِينَةً لِحَمْلٍ) أَوْ لَوْحًا لِرَفْعِ سَفِينَةٍ، فَرَفَعَهَا بِهِ وَوَلَجَ فِي الْبَحْرِ، (أَوْ) أَعَارَ (أَرْضًا) لِدَفْنِ مَيِّتٍ أَوْ لِزَرْعٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ مُعِيرٌ فِي الْعَارِيَّةِ، وَلَا يُطَالِبُ بِالسَّفِينَةِ أَوْ اللَّوْحِ مَا دَامَتْ السَّفِينَةُ فِي اللُّجَّةِ، (حَتَّى تُرْسِي) - بِضَمِّ التَّاءِ -
لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، فَإِذَا أَرْسَتْ جَازَ الرُّجُوعُ؛ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ قَبْلَ دُخُولِهَا الْبَحْرَ؛ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَيْسَ لِمُعِيرٍ أَرْضًا لِزَرْعٍ الرُّجُوعُ بِهَا حَتَّى (يُحْصَدَ) الزَّرْعُ (فِي أَوَانِهِ) ، وَلَيْسَ لِمُعِيرٍ تَمْلِيكُ زَرْعٍ بِقِيمَتِهِ نَصًّا؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ مِمَّا يُحْصَدُ فَصْلًا، فَيَحْصُدُهُ الْمُسْتَعِيرُ وَقْتَ أَخْذِهِ عُرْفًا؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ إذَنْ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا لِمُعِيرٍ أَرْضًا لِدَفْنٍ الرُّجُوعُ حَتَّى (يُبْلَى) الْمَيِّتُ.
قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: وَيَصِيرُ رَمِيمًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: بِأَنْ يَصِيرَ رَمِيمًا، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ الْعِظَامِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ، وَلَعَلَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالرَّمِيمُ الْبَالِي.
(وَصَحَّ رُجُوعُ) مُعِيرٍ فِي أَرْضِهِ (قَبْلَ دَفْنِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، (وَلَا أُجْرَةَ) عَلَى مُسْتَعِيرٍ (مُنْذُ رَجَعَ) الْمُعِيرُ؛ أَيْ: مِنْ حِينِ رَجَعَ إلَى حِينِ زَوَالِ ضَرَرِ الْمُسْتَعِيرِ حَيْثُ كَانَ الرُّجُوعُ يَضُرُّ بِهِ إذَنْ، وَلَا إذَا أَعَارَ لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى حِينِ تَمَلُّكِهِ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعِهِ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ، أَوْ بَقَائِهِ إذَا أَبَى الْمُعِيرُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَتَّفِقَا، وَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا إذَا ضَرَّ بِالْمُسْتَعِيرِ إذَنْ، فَلَا يَمْلِكُ طَلَبَ بَدَلِهَا كَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ، وَلِأَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْغَرْسَ أَوْ الْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ أَوْ يَقْلَعُهُ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ، كَانَ إبْقَاؤُهُ فِي أَرْضِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَا يَمْلِكُ طَلَبَ الْمُسْتَعِيرِ بِالْأُجْرَةِ؛ كَمَا قَبْلَ الرُّجُوعِ.
(إلَّا فِي الزَّرْعِ) إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ أَوَانِ حَصَادِهِ، وَهُوَ لَا يُحْصَدُ قَصِيلًا، فَإِنَّ لَهُ أُجْرَةً مِثْلَ الْأَرْضِ الْمُعَارَةِ مِنْ حِينِ رَجَعَ إلَى حِينِ الْحَصَادِ؛ لِوُجُوبِ تَبَعِيَّتِهِ فِي أَرْضِ الْمُعِيرِ إلَى أَوَانِ حَصَادِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ بِدَلِيلِ رُجُوعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّرْعَ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَهُوَ قَصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَرْسِ، فَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ نَقْصَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْغَرْسِ وَآلَاتِ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا اخْتَارَ قَلْعَ زَرْعِهِ رُبَّمَا يُفَوِّتُ عَلَى
الْمَالِكِ الِانْتِفَاعَ بِأَرْضِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَبْقَى بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَى حَصَادِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ أُجْرَةَ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ تَجِبُ مِنْ حِينِ رُجُوعِ الْمُعِيرُ - (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ - (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ مَنْ زَرَعَ أَرْضًا مُعَارَةً فِي الْحُكْمِ (لَوْ رَجَعَ مُعِيرُ دَابَّةٍ) فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ أَنَّ الْأُجْرَةَ تَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ حِينِ رُجُوعِ الْمَالِكِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ (- وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ مُسْتَعِيرٌ) بِرُجُوعِهِ - (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) - أَيْ: الْمَالِكُ - (لَوْ أَبَاحَهُ) ؛ أَيْ: أَبَاحَ شَخْصًا (أَكْلَ شَيْءٍ) مِنْ الْمَطْعُومَاتِ، ثُمَّ بَدَّلَهُ، (فَرَجَعَ قَبْلَ) أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ (- وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ) رُجُوعَ الْمَالِكِ - (ضَمِنَ) قِيمَةَ مَا أَكَلَهُ، قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ - وَتَصَرُّفَاتُهُ غَيْرُ نَافِدَةٍ مِنْ حِينِ الْعَزْلِ، وَهَذَا مِثْلُهُ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ) - أَيْ: الْمُبِيحِ بِلَا بَيِّنَةٍ - (أَنَّهُ رَجَعَ) عَنْ الْإِبَاحَةِ (قَبْلَ أَكْلِهِ) - أَيْ: الْمَأْذُونِ لَهُ - لِيُغَرِّمَهُ قِيمَةَ مَا أَكَلَهُ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مُعِيرُ دَابَّةٍ لِعَاجِزٍ) عَنْ الْمَشْيِ (صَارَ) بِبَرِّيَّةٍ (مُنْقَطِعَةٍ) ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ يَضُرُّ بِالْمُسْتَعِيرِ، وَالضَّرَرُ يُزَالُ، كَمَنْ أَعَارَ سَفِينَةً وَصَارَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَأَرَادَ أَخْذَهَا قَبْلَ أَنْ تُرْسِي؛ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ إزَالَةً لِضَرَرِ الْمُسْتَعِيرِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ الْمَيِّتَ) الَّذِي دُفِنَ فِي أَرْضٍ مُعَارَةٍ (لَوْ أَخْرَجَهُ نَحْوَ سَبُعٍ)
كَذِئْبٍ وَضَبُعٍ (لَا يُعَادُ) ؛ أَيْ: لَيْسَ لِوَلِيِّهِ إعَادَةُ دَفْنِهِ فِي الْأَرْضِ الْمُعَارَةِ (بِلَا إذْنٍ) صَرِيحٍ مِنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْعَارِيَّةِ انْقَضَى بِتَفْرِيغِ الْمُعَارَةِ، فَلَا تُشْغَلُ ثَانِيًا بِدُونِ إذْنِ مَالِكِهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ إعَارَةَ ثَوْبٍ لِصَلَاةٍ عُرْيَانَا بَعْدَ الشُّرُوعِ) فِيهَا (يَمْنَعُ) الْمُعِيرَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الثَّوْبِ قَبْلَ إتْمَامِهَا وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.
(كَإِعَارَةِ حَائِطٍ لِحَمْلِ) أَطْرَافِ (خَشَبٍ) لِمُحْتَاجٍ إلَى (تَسْقِيفٍ) ، وَلَمْ يُمْكِنْ التَّسْقِيفُ إلَّا بِوَضْعِ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ، وَلَا ضَرَرَ، فَوَضَعَ الْخَشَبَ (وَبَنَى عَلَيْهِ، أَوْ) إعَارَةُ حَائِطٍ لِتَعْلِيَةَ (سُتْرَةٍ) عَلَيْهِ، (وَبُنِيَتْ) السُّتْرَةُ، (وَلَمْ يَتَضَرَّرْ) رَبُّ الْحَائِطِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الْمُعِيرُ مِنْ الرُّجُوعِ مَا دَامَ الْخَشَبُ أَوْ بِنَاءُ السُّتْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ وَقَعَتْ لَازِمَةً ابْتِدَاءً.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْكَ مَا يَنْقُصُ بِالْقَلْعِ لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَلَعَهُ انْقَلَعَ مَا فِي مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي حَائِطِهِ قَبْلَ وَضْعِ الْخَشَبِ وَبَعْدَ وَضْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ: فَإِنْ خِيفَ سُقُوطُ الْحَائِطِ بَعْدَ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَيْهِ؛ لَزِمَ إزَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْحَائِطِ السُّقُوطَ، لَكِنْ اسْتَغْنَى الْمُسْتَعِيرُ عَنْ إبْقَاءِ الْخَشَبِ عَلَيْهِ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ إزَالَتُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، (فَإِنْ سَقَطَ) الْخَشَبُ عَنْ الْحَائِطِ الْمُعَارِ لِوَضْعِهِ، (أَوْ سَقَطَتْ) السُّتْرَةُ (لِهَدْمِ) الْحَائِطِ (أَوْ غَيْرِهِ) ؛ كَسُقُوطِ الْخَشَبِ أَوْ
السُّتْرَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحَائِطِ؛ (لَمْ يُعَدْ) الْخَشَبُ وَلَا السُّتْرَةُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قَبْلَ سُقُوطِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُسْتَعِيرِ بِإِزَالَةِ الْمَأْذُونِ فِي وَضْعِهِ، وَقَدْ زَالَ (إلَّا بِإِذْنِهِ) - أَيْ: الْمُعِيرِ - (أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) ، بِأَنْ لَا يُمْكِنَ تَسْقِيفٌ إلَّا بِهِ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْحَائِطُ) سَوَاءٌ أُعِيدَ الْحَائِطُ؛ بِآلَتِهِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ.
(وَيَتَّجِهُ فِي حَجَرٍ) مُعَارٍ مُدَّةً مُؤَقَّتَةً (بَنَى) مُسْتَعِيرٌ (عَلَيْهِ) - أَيْ: الْحَجَرِ - ثُمَّ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ؛ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ أَوْ (- أَخْذِ قِيمَتِهِ -) أَيْ: الْحَجَرِ - (أَوْ) تَرْكِهِ بَا (لْأُجْرَةِ) ؛ أَيْ: بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَتِمَّةٌ: مُدَّةُ الْعَارِيَّة إمَّا مُطْلَقَةٌ أَوْ مُقَيَّدَةٌ، فَإِنْ أَطْلَقَهَا الْمُعِيرُ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِزَمَنٍ؛ فَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْعَارِيَّةِ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُعِيرُ، وَإِنْ وَقَّتَهَا الْمُعِيرُ فَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْعَارِيَّةِ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُعِيرُ، أَوْ يَنْقَضِي الْوَقْتُ، فَإِذَا انْقَضَى الْوَقْتُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ؛ لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِعَارَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَارُ أَرْضًا وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِعَارَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَغْرِسَ، وَلَا يَبْنِيَ، وَلَا يَزْرَعَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَثَ بِهِ الْإِعَارَةُ، أَوْ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْإِعَارَةِ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
(فَصْلٌ: وَمَنْ أُعِيرَ أَرْضًا لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَشَرَطَ) الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (قَلْعَهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ - (بِوَقْتٍ) عَيَّنَهُ لَهُ، (أَوْ) شَرَطَ الْقَلْعَ حَالَ (رُجُوعٍ) ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ؛ (لَزِمَ) الْمُسْتَعِيرَ قَلْعُ مَا غَرَسَهُ أَوْ بَنَاهُ (عِنْدَهُ) - أَيْ: عِنْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ - أَوْ عِنْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ: وَظَاهِرُهُ (وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ) ، أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُعِيرُ بِالْقَلْعِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» .
قَالَ فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَاخِلٌ فِي الْعَارِيَّةِ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْأَرْضِ نَقْصُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، وَ (لَا) يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ (تَسْوِيَتُهَا) - أَيْ: الْأَرْضِ إذَا حَصَلَ فِيهَا حُفَرٌ (بِلَا شَرْطِ) الْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ذَلِكَ؛ لِرِضَاهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ، (وَحَيْثُ لَا شَرْطَ) مِنْ الْمُعِيرِ (قَلَعَ) غِرَاسَهُ وَبِنَاءَهُ بِوَقْتٍ أَوْ رُجُوعٍ، (وَلَمْ يَقْلَعْ مُسْتَعِيرٌ) ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَلْعُ؛ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ؛ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» .
وَالْمُسْتَعِيرُ إنَّمَا حَصَلَ غِرَاسُهُ، أَوْ بِنَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ قَلْعَهُ؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بِنَقْصِ قِيمَةِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ، وَإِلْزَامُهُ بِالْقَلْعِ مَجَّانًا يُخْرِجُهُ إلَى حُكْمِ الْعُدْوَانِ وَالضَّرَرِ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَمَتَى أَمْكَنَ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِيرُ.
(وَلَوْ قَلَعَ) الْمُسْتَعِيرُ غِرَاسَهُ وَبِنَاءَهُ بِاخْتِيَارِهِ (سَوَّاهَا) - أَيْ: الْأَرْضَ مِنْ الْحُفَرِ وُجُوبًا - لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إلْجَاءٍ، أَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَخَذَ غَرْسَهُ، أَوْ بِنَاءَهُ مِنْ الْمَشْفُوعِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ قَلْعُهُ بِلَا نَقْصٍ، وَأَبَاهُ مُسْتَعِيرٌ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُجْبَرُ فِيهَا بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ؛ (فَلِمُعِيرٍ أَخْذُهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ - (قَهْرًا بِقِيمَتِهِ) ؛ كَالشَّفِيعِ، مَا لَمْ يَخْتَرْ مُسْتَعِيرٌ قَلْعَهُ، وَتَفْرِيغُ الْأَرْضِ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ مُسْتَعِيرٌ: أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمُعِيرَ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ
يَتْبَعُهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِي الْبَيْعِ وَلَا تَتْبَعُهُمَا فِيهِ، (أَوْ) - أَيْ: وَلِمُعِيرٍ - (قَلْعُهُ) - أَيْ: الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ - (جَبْرًا، وَيَضْمَنُ) الْمُعِيرُ (نَقْصَهُ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ دَفْعًا لِضَرَرِهِ وَضَرَرِ الْمُسْتَعِيرِ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَمُؤْنَةُ الْقَلْعِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ كَالْمُسْتَأْجِرِ.
(وَيَتَّجِهُ لَا) ؛ أَيْ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ (إبْقَاؤُهُ) - أَيْ: الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ - (بِالْأُجْرَةِ) ، مَا لَمْ يَرْضَ الْمُعِيرُ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِبْقَائِهِ بِالْأُجْرَةِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ بِهَا كَيْفَ شَاءَ؛ (كَمَا لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مُشْتَرٍ) أَرْضًا، (ثُمَّ فَسَخَ) عَقْدَ (الْبَيْعِ بِنَحْوِ عَيْبٍ) وَجَدَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ؛ كَأَنْ وَجَدَهَا سَبِخَةً، أَوْ مَأْوَى اللُّصُوصِ، أَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ بِتَقَايُلٍ؛ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ تَمَلُّكُ الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ قَهْرًا، أَوْ قَلْعُهُ وَضَمَانُ نَقْصِهِ لِلْمُشْتَرِي، (وَكَمَا فِي) إنْسَانٍ (بَائِعٍ) أَرْضًا مِنْ (مُفْلِسٍ) ، فَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى، ثُمَّ (رَجَعَ) بَائِعُ الْأَرْضِ؛ فَلِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ الْقَلْعُ، فَإِنْ أَبَوْهُ، وَطَلَبَ الْبَائِعُ التَّمَلُّكَ بِالْقِيمَةِ مَلَكَهُ، وَكَذَا إذَا طَلَبَ الْقَلْعَ مَعَ ضَمَانِ النَّقْصِ.
قَالَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ "، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى (مُشْتَرٍ) أَرْضًا (بِعَقْدٍ فَاسِدٌ) وَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى، ثُمَّ رُدَّتْ الْأَرْضُ لِمَالِكِهَا؛ فَلِلْغَارِسِ قَلْعُ غِرَاسِهِ، فَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ؛ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ تَمَلُّكُهُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ الْقَلْعُ وَضَمَانُ النَّقْصِ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّمَلُّكِ أَوْ الْقَلْعِ (مَا لَمْ يَرْضَيَا) - أَيْ: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ بِإِبْقَاءِ الْبِنَاءِ، أَوْ الْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ الْمُعَارَةِ بِالْأُجْرَةِ - لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، فَإِنْ أَجْرَيَا عَقْدَ الْإِجَارَةِ؛ صَحَّ مِنْ حِينَئِذٍ، وَلَا أُجْرَةَ لِمَا مَضَى، (وَكَانَ قِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ) مِنْ أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ كَمَا تَجِبُ فِي الصَّحِيحِ.
(طَرَدَهُ) - أَيْ: الْقِيَاسُ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ.
(فِي الْجَمِيعِ) - أَيْ: فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِاتِّجَاهِ.
(وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ) أَوْجَبْنَا بَقَاءَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يَبِيدَ، وَلَمْ نُوجِبْ الْقَلْعَ جَبْرًا أَوْ نَحْوَهُ كَمَا هُوَ (لِرِضَا رَبِّ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ ابْتِدَاءً) - أَيْ: وَقْتَ عَقَدٍ -
(بِالْأُجْرَةِ، فَاسْتُصْحِبَتْ) الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ بِالْأُجْرَةِ لِدُخُولِهِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً وَأَمَّا فِي الْعَارِيَّةِ.
وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى بَذْلِ عِوَضٍ، فَاسْتُصْحِبَ ذَلِكَ أَيْضًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَإِنْ أَبَى مُعِيرٌ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ وَالْقَلْعَ مَعَ ضَمَانِ النَّقْصِ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ (مُسْتَعِيرٌ) مِنْ دَفْعِ (الْأُجْرَةِ) - أَيْ أُجْرَةِ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ - (وَمِنْ الْقَلْعِ) ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، (وَبِيعَتْ أَرْضٌ بِمَا فِيهَا) مِنْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ عَلَيْهِمَا (إنْ رَضِيَا) - أَيْ: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ - (أَوْ) رَضِيَ بِهِ (أَحَدُهُمَا، وَيُجْبَرُ الْآخَرُ) بِطَلَبِ مَنْ رَضِيَ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِإِزَالَةِ الْمُضَارَبَةِ، وَتَحْصِيلُ مَالِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِذَا بِيعَا (دُفِعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) مِنْ الثَّمَنِ (قِيمَتُهَا فَارِغَةً) مِنْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ.
(وَ) دُفِعَ (الْبَاقِي) مِنْ الثَّمَنِ (لِلْآخَرِ) ، وَهُوَ رَبُّ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ رَبِّ أَرْضٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ (بَيْعُ مَالِهِ مُنْفَرِدًا) مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ، (وَيَكُونُ مُشْتَرٍ كَبَائِعٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ؛ أَيْ: فَيَقُومُ الْمُشْتَرِي لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَقَامَ الْبَائِعِ، فَمُشْتَرِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُعِيرِ وَمُشْتَرِي الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ
بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ، وَكَذَا الْإِجَارَةُ.
(وَإِنْ أَبَيَا) - أَيْ: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ - (الْبَيْعَ تُرِكَ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ بِحَالِهِ) وَاقِفًا فِي الْأَرْضِ (حَتَّى يَصْطَلِحَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، (وَالْأُجْرَةُ) عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ حِينِ رُجُوعِ مُعِيرٍ بِهِ نَظِيرَ بَقَاءِ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ فِي مُعَارَةٍ (مَا دَامَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا) ، وَلَا أُجْرَةَ لِلْمُعِيرِ أَيْضًا فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ مِنْ حِينِ رُجُوعٍ فِي أَرْضٍ أَعَارَهَا لِدَفْنٍ قَبْلَ أَنْ يَبْلَى الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِلَا أُجْرَةٍ كَالْخَشَبِ عَلَى الْحَائِطِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْتَعِيرِ إذَنْ، فَلَا يَمْلِكُ طَلَبَ بَدَلِهَا؛ كَالْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ.
(وَكَعَارِيَّةٍ مَا) - أَيْ: شِقْصٍ - (بِيعَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) إذَا غَرَسَ فِيهِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَنَى؛ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ، فَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ؛ لِتَضَمُّنِهِ إذْنًا.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَلَهُ تَمَلُّكٌ بِالْقِيمَةِ كَغَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ، (لَا مَا اُسْتُؤْجِرَ بِهِ) - أَيْ: بِعَقْدٍ فَاسِدٍ - (بَلْ) مَا اُسْتُؤْجِرَ بِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَأْجُورِ بِعَقْدٍ (صَحِيحٍ) ، مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مُدَّةَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَمُسْتَعِيرٍ.
وَقَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": الْقَابِضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ الْمَالِكِ إذَا غَرَسَ أَوْ بَنَى فَلِلْمَالِكِ تَمَلُّكُهُ بِالْقِيمَةِ؛ كَغَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا يُقْلِعُ إلَّا مَضْمُونًا؛ لِاسْتِنَادِهِ إلَى الْإِذْنِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ انْتَهَى.
قَالَهُ الْبُهُوتِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى " بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ " الْمُبْدِعِ " وَحِينَئِذٍ " تَعْلَمُ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْمُسْتَعِيرِ إنَّمَا هُوَ فِي عَدَمِ الْقَلْعِ مَجَّانًا، لَا فِي لُزُومِ الْأُجْرَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ، مِنْ لُزُومِ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا فِي الْغَصْبِ مِنْ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، لَكِنْ فِي الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ.
انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَشْبِيهَ الْمَأْجُورِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ بِالْمَأْجُورِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْلَى مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْمَقْبُوضِ عَارِيَّةً؛ دَفْعًا لِلْإِيهَامِ.
(وَلِمُعِيرٍ) مَعَ تَبْقِيَةِ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (الِانْتِفَاعُ بِأَرْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَهَا وَمَنْفَعَتَهَا (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِمَا فِيهَا) مِنْ غَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ وَبِنَائِهِ؛ لِاحْتِرَامِهِمَا بِإِذْنِ الْمُعِيرِ فِي وَضْعِهِمَا.
(وَلِمُسْتَعِيرٍ) غَرَسَ الْأَرْضَ (الدُّخُولُ لِسَقْيٍ وَإِصْلَاحٍ وَأَخْذِ ثَمَرٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي فِعْلِ شَيْءٍ إذْنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ، وَ (لَا) يَجُوزُ لِمُسْتَعِيرٍ الدُّخُولُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ) كَمَبِيتٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ بِصَلَاحِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) - أَيْ: الدُّخُولُ لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ - إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ (مَحُوطَةٍ) فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ إذْ غَيْرُ الْمَحُوطَةِ لَا يُمْنَعُ دَاخِلُهَا لِتَفَرُّجٍ وَنَحْوِهِ، إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهَا، فَإِنْ أَضَرَّ مُنِعَ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ تَفَرُّجَ النَّاسِ وَنُزَهَهُمْ فِي بَسَاتِينِ الْغَيْرِ) الْمَحُوطَةِ إذَا كَانَتْ مُغْلَقَةً أَبْوَابُهَا أَوْ مَنْطُورَةً (بِلَا إذْنٍ حَرَامٌ) ؛ لِأَنَّ التَّحْوِيطَ عَلَامَةٌ عَلَى عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ غَرَسَ) مُسْتَعِيرٌ (أَوْ بَنَى) فِيمَا اسْتَعَارَهُ كَذَلِكَ (بَعْدَ رُجُوعِ) مُعِيرٍ؛ فَغَاصِبٌ، (أَوْ) غَرَسَ أَوْ بَنَى بَعْدَ (أَمَدِهَا) أَيْ: بَعْدَ أَمَدٍ ذُكِرَ - (فِي) عَارِيَّةٍ (مُؤَقَّتَةٍ) - وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بَعْدَهُ بِالرُّجُوعِ - فَغَاصِبٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِانْتِفَاعِ إذَا وُقِّتَ بِزَمَنٍ تَقَيَّدَ بِهِ، (أَوْ جَاوَزَ) مُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ (مَسَافَةً قُدِّرَتْ؛ فَغَاصِبٌ) ؛ لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَهَرَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِزَوَالِ الْإِعَارَةِ بِالرُّجُوعِ، وَبِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا إذَا قُيِّدَتْ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُدَّةٍ) بِأَنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَعَرْتُكَهَا سَنَةً،
فَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ بَلْ سَنَتَيْنِ؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِعَارَةِ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ.
(وَيَلْزَمُ) الْمُسْتَعِيرَ (أُجْرَةُ مِثْلٍ) لِقَدْرٍ (زَائِدٍ) عَلَى مُدَّةٍ أَوْ مَسَافَةٍ (فَقَطْ) ؛ لِحُصُولِ التَّعَدِّي فِي الزَّائِدِ، دُونَ مَا قَبْلَهُ.
(وَمَنْ حَمَلَ سَيْلٌ إلَى أَرْضِهِ بَذْرَ غَيْرِهِ) ، فَنَبَتَ فِيهَا؛ فَالزَّرْعُ (لِرَبِّهِ) - أَيْ لِرَبِّ الْبَذْرِ - وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ قَلْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ (مُبْقًى لِحَصَادٍ) ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِ رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ يُحْصَدُ قَصِيلًا حُصِدَ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ: (بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ إلْزَامَ رَبِّ الْأَرْضِ تَبْقِيَةُ زَرْعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ إضْرَارٌ بِهِ، فَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الزَّرْعِ عَلَى قَلْعِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ مَالِكُهُ قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحُفَرِ، وَمَا نَقَصَتْ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ.
(وَحَمْلُهُ) - أَيْ: السَّيْلِ (لِغَرْسٍ أَوْ نَوًى وَنَحْوِهِ) كَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَفُسْتُقٍ (إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ مَالِكِ ذَلِكَ - (فَيَنْبُتُ) فِي الْأَرْضِ الَّتِي حَمَلَهُ السَّيْلُ إلَيْهَا فِي الْحُكْمِ؛ (كَعَارِيَّةٍ) . لِرَبِّ الْأَرْضِ تَمَلُّكُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعُهُ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ وَلَا يَقْلَعُهُ مَجَّانًا، لِعَدَمِ عُدْوَانِ رَبِّهِ؛ وَمِثْلُهُ لَوْ غَرَسَ مُشْتَرٍ شِقْصًا مَشْفُوعًا فَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ؛ فَلَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعُهُ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ (إلَّا أَنَّهُ) - أَيْ: رَبُّ الْغَرْسِ - إنْ اخْتَارَ قَلْعَهُ؛ (فَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُسَوِّيَ حُفَرًا) حَصَلَتْ بِسَبَبِ غَرْسِهِ، (وَلَا) عَلَيْهِ أَنْ (يَضْمَنَ نَقْصًا) حَصَلَ فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِ قَلْعٍ؛ لِحُصُولِ الْغَرْسِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ.
(وَإِنْ حَمَلَ) السَّيْلُ (أَرْضًا بِغَرْسِهَا إلَى) أَرْضٍ (أُخْرَى فَنَبَتَ كَمَا كَانَ) قَبْلَ نَقْلِهِ؛ فَهُوَ لِمَالِكِهِ لِعَدَمِ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِيهِ، (وَلَا يُجْبَرُ) رَبُّ أَرْضٍ مَحْمُولَةٍ بِشَجَرِهَا (عَلَى إزَالَتِهِ) - أَيْ: الشَّجَرِ - لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (وَمَا تُرِكَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ -
أَيْ: تَرَكَهُ مَالِكُهُ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) الْمُنْتَقِلِ إلَيْهَا (مِمَّا مَرَّ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ نَوًى وَنَحْوِهِ؛ (فَلَا شَيْءَ) - أَيْ: أُجْرَةَ عَلَيْهِ - أَيْ التَّارِكِ لِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَقْلُهُ؛ (لِحُصُولِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ) وَلَا عُدْوَانِهِ (وَإِنْ شَاءَ مَحْمُولٌ إلَيْهِ) الْغَرْسُ؛ (أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ) بِقِيمَتِهِ، (أَوْ قَلَعَهُ) ، وَضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ مِنْ عَيْنِ مُعَارَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ]
(فَصْلٌ: وَمُسْتَعِيرٌ فِي اسْتِيفَاءِ نَفْعٍ) مِنْ عَيْنِ مُعَارَةٍ (بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ) كَمُسْتَأْجِرٍ، [فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ] ؛ لِمِلْكِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ أَخَفُّ، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلزَّرْعِ [لَمْ يَغْرِسْ وَلَمْ يَبْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلْغَرْسِ] أَوْ الْبِنَاءِ؛ فَلَيْسَ لَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا يَخْتَلِفُ، وَكَمُسْتَأْجِرٍ أَيْضًا فِي أَنَّهُ (يَمْلِكُ) اسْتِيفَاءَ نَفْعٍ بِعَيْنِهِ، وَ (مِثْلُهُ) - أَيْ: النَّفْعِ - (ضَرَرًا فَمَا دُونَ) النَّفْعِ فِي الضَّرَرِ مِنْ نَوْعِهِ، فَإِذَا أَعَارَهُ لِزَرْعِ الْبُرِّ فَلَهُ زَرْعُهُ وَزَرْعُ الشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ، [لَا] مَا فَوْقَهُ ضَرَرًا كَدُخْنٍ وَذُرَةٍ، وَإِذَا أَعَارَهُ لِلرُّكُوبِ لَمْ يَحْمِلْ، وَعَكْسُهُ، وَكَذَا إنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ شَجَرَةٍ فَانْقَلَعَتْ لَمْ يَمْلِكْ غَرْسَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ اخْتَصَّ بِشَيْءٍ لَمْ يُجَاوِزْهُ، فَإِنْ زَرَعَ أَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مَا لَيْسَ لَهُ زَرْعُهُ أَوْ غَرْسُهُ أَوْ بِنَاؤُهُ فَكَغَاصِبٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا) - أَيْ: الْإِعَارَةِ - (تَعْيِينُ نَوْعِ الِانْتِفَاعِ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ؛ فَلَا أَثَرَ لِلْجَهَالَةِ فِيهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ قَطْعِهَا بِالْفَسْخِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
(فَلَوْ أُعِيرَ) عَيْنًا (مُطْلَقًا) ؛ بِأَنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صِفَةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ (مَلَكَ) الْمُسْتَعِيرُ (الِانْتِفَاعَ بِهَا) بِالْمَعْرُوفِ (فِي كُلِّ مَا صَلَحَتْ لَهُ عُرْفًا؛ كَأَرْضٍ) مَثَلًا (تَصْلُحُ لِغَرْسٍ وَزَرْعٍ وَبِنَاءٍ وَغَيْرِهِ) ؛ فَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي أَيِّ ذَلِكَ أَرَادَ.
(وَ) مَا كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ (كَثَوْبٍ لِلُبْسٍ وَبِسَاطٍ لِفَرْشٍ) ؛
فَالْإِطْلَاقُ فِيهِ كَالتَّقْيِيدِ؛ لِتَعْيِينِ نَوْعِ الِانْتِفَاعِ بِالْعُرْفِ، فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِنْسَاخُ الْكِتَابِ الْمُعَارِ، وَلَهُ دَفْعُ الْخَاتَمِ الْمُعَارِ إلَى مَنْ يَنْقُشُ لَهُ عَلَى مِثَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ وَاقِعَةٌ لَهُ؛ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ.
(وَاسْتِعَارَةُ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ لَا يُسْتَفَادُ سَفَرٌ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لِلرُّكُوبِ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ (إلَّا) إذَا كَانَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ (فِي قُرًى صَغِيرَةٍ) عُرْفًا، لِعَدَمِ اعْتِيَادِهِمْ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ أَهَالِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى الْكَبِيرَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ لَا يَسَعُهُمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ؛ إذْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ دَوَابُّهُمْ مَحَلًّا لِكُلِّ مُحْتَاجٍ، فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ، وَحِينَئِذٍ (فَيُسَافِرُ) مِنْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ (بِهَا) - أَيْ: بِالدَّابَّةِ الَّتِي اسْتَعَارَهَا لِلرُّكُوبِ - (لِقُرًى حَوَالَيْهَا لَا) ، [أَيْ: لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا] لِمَحَلٍّ (بَعِيدٍ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي ذَلِكَ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُعِيرُ مُسْتَعِيرٌ وَلَا يُؤَجِّرُ) الْمُعَارَ، وَلَا يَرْهَنَهُ (إلَّا بِإِذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُبِيحَهَا، وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا، بِخِلَافِ مُسْتَأْجِرٍ، وَتَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا يُودِعُهُ، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ،
وَلَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ انْتَهَى.
وَلَا يَضْمَنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ الْإِذْنِ مِنْ الْمُعِيرِ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ كَالْمُسْتَأْجِرِ مِنْ رَبِّهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ.
وَإِذَا آجَرَ الْمُسْتَعِيرُ بِإِذْنِ الْمُعِيرُ الْعَارِيَّة؛ فَالْأُجْرَةُ لِرَبِّهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ، (فَإِنْ خَالَفَ) الْمُسْتَعِيرُ بِأَنْ أَعَارَهُ بِلَا إذْنِ الْمُعِيرِ، (فَتَلِفَتْ) الْعَارِيَّةُ (عِنْدَ) الْمُسْتَعِيرِ [الثَّانِي] ؛ (ضَمِنَ) رَبُّ الْعَيْنِ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةَ (أَيَّهُمَا شَاءَ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّطَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ دَابَّةً فَأَكَلَتْهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ فَاتَا عَلَى مَالِكِهِمَا فِي يَدِهِ، (وَالْقَرَارُ) فِي ضَمَانِهِمَا (عَلَى الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَتَلَفُ الْعَيْنِ إنَّمَا حَصَلَ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ) الثَّانِي بِالْحَالِ؛ أَيْ: بِأَنَّ لِلْعَيْنِ مَالِكًا لَمْ يَأْذَنْ فِي إعَارَتِهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّرَهَا بِلَا إذْنِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الثَّانِي عَالِمًا بِالْحَالِ، بَلْ ظَنَّهَا مِلْكَ الْمُعِيرِ لَهُ؛ (ضَمِنَ الْعَيْنَ) فَقَطْ (فِي عَارِيَّةٍ) - أَيْ: فِيمَا تُضْمَنُ فِيهِ - لِدُخُولِهِ عَلَى ضَمَانِهَا، بِخِلَافِ مَا لَا تُضْمَنُ فِيهِ؛ كَأَنْ تَلِفَتْ فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، أَوْ أَرْكَبَهَا مُنْقَطِعًا، وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْهَا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الْمُعِيرُ مَالِكًا، فَكَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُعِيرَ مُسْتَعِيرٌ.
(وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى) الْمُسْتَعِيرِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ بِدَفْعِهَا لَهُ، عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَكْسُ ذَلِكَ لَوْ أَجَّرَهَا لِجَاهِلٍ بِالْحَالِ؛ فَيَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَيْنِ.
(وَالْعَوَارِيُّ الْمَقْبُوضَةُ مَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا) فَرَّطَ أَوْ لَا، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ.
عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلِحَدِيثِ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمِ.
وَأَشَارَ أَحْمَدُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةِ، بِأَنَّ الْعَارِيَّةَ أَخَذَتْهَا الْيَدُ الْوَدِيعَةُ دُفِعَتْ إلَيْكَ، وَلِأَنَّهُ أَخْذُ مِلْكِ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَلَا إذْنٍ فِي إتْلَافٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَقَاسَهُ
فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ (بِقِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ يَوْمَ تَلِفَ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فَوَاتُ الْعَارِيَّةِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الضَّمَانِ بِهِ؛ إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ التَّلَفِ وَقْتُهُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، (وَمِثْلُ مِثْلَيْهِ) ؛ كَصَنْجَةٍ مِنْ نُحَاسٍ لَا صِنَاعَةَ بِهَا اسْتَعَارَهَا لِيَزِنَ بِهَا، فَتَلِفَتْ؛ فَعَلَيْهِ مِثْلُ وَزْنِهَا مِنْ نَوْعِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا فِي الْقِيمَةِ.
(وَلَوْ شُرِطَ عَدَمُ ضَمَانِهَا) فَيَلْغُو الشَّرْطُ، وَلَا يَسْقُطُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ؛ كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً لَا يَزُولُ عَنْ حُكْمِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ، أَوْ كَانَ مَضْمُونًا لَا يَزُولُ عَنْ حُكْمِهِ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَاسِدٌ، (لَكِنْ لَا يَضْمَنُ مَوْقُوفٌ) عَلَى جِهَةِ بِرٍّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ (عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَالْفُقَرَاءِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ مُسْتَعِيرٌ كَالطَّلْقِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(كَكُتُبِ عِلْمٍ وَسِلَاحٍ) مَوْقُوفٌ عَلَى (غُزَاةٍ) إذَا اسْتَعَارَهَا لِيَنْظُرَ فِيهَا أَوْ لِيَلْبِسَهَا عِنْدَ قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَتَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْتَعِيرُ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ ضَمَانِهَا، لِكَوْنِ قَبْضِهَا عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ الْمُسْتَعِيرُ بِنَفْعِهِ؛ لِكَوْنِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ وَالْغَزْوِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمِلْكِ فِيهِ لَيْسَ لِمُعَيَّنٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ [مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَتْ قَنْطَرَةٌ مَوْقُوفَةٌ بِسَبَبِ مَشْيِهِ عَلَيْهَا.
انْتَهَى.
قَالَ فِي " شَرَحَ الْإِقْنَاعِ " وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى مُعَيَّنٍ، وَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ مُسْتَعِيرُهُ كَالطَّلْقِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَرَهُ انْتَهَى.
قُلْتُ: مَا بَحَثَهُ شَارِحُ " الْإِقْنَاعِ " يُؤَيِّدُ هَذَا الِاتِّجَاهَ، وَإِنْ اسْتَعَارَ الْكُتُبَ الْمَوْقُوفَةَ وَنَحْوَهَا بِرَهْنٍ وَتَلِفَتْ؛ رَدَّ الرَّهْنَ إلَى رَبِّهِ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي
الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَيَرُدُّ الرَّهْنَ لِرَبِّهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ فَرَّطَ لِفَسَادِهِ، وَيَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِتَفْرِيطِهِ أَوْ تَعَدِّيهِ؛ (كَحَيَوَانٍ مُوصَى بِنَفْعِهِ) تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِهِ (عِنْدَ مُوصٍ لَهُ) ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُسْتَحَقٌّ لِقَابِضِهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعَمْرٌو وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمَانِ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا فَلِمَا عَارَضَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُخَصِّصَةِ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُغِلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَيْسَ بِمَأْخُوذٍ مِنْ الْجِنَايَةِ وَالْغُلُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ اسْتِغْلَالِ الْغَلَّةِ، يُقَالُ هَذَا غَلٌّ فَهُوَ مُغِلٌّ إذَا أَخَذَ الْغَلَّةَ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْخَبَرِ، لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُتَنَقِّلِ أَيْ: غَيْرَ الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ يَصِيرُ مُسْتَغِلًّا، وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُعِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَيْنِ الْمُعَارَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطَ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَكَذَا) - أَيْ كَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالسِّلَاحِ وَالْحَيَوَانِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فِي الْحُكْمِ - حُكْمُ (عَوَارٍ غَيْرِ مَنْقُولَةٍ؛ كَعَقَارٍ) مِنْ دَارٍ وَنَحْوِهَا (خُسِفَ) ؛ أَيْ: ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ، وَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ خَسْفًا؛ أَيْ: غَابَ بِهِ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: 81] وَخَسَفَ هُوَ فِي الْأَرْض، وَخَسَفَ بِهِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، (أَوْ هُدِمَ بِنَحْوِ صَاعِقَةٍ) كَمَطَرٍ وَبَرَدٍ وَثَلْجٍ (أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ) ؛ فَلَا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ أَرْكَبَ) إنْسَانٌ (دَابَّتَهُ) شَخْصًا (مُنْقَطِعًا لِلَّهِ) تَعَالَى؛ (فَتَلِفَتْ) الدَّابَّةُ (تَحْتَهُ) - أَيْ: الْمُنْقَطِعِ - (وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِحِفْظِهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الطَّالِبُ لِرُكُوبِهِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ (كَرَدِيفِ رَبِّهَا) ؛ أَيْ: الدَّابَّةِ؛ بِأَنْ أَرْكَبَ مَعَهُ آخَرَ عَلَى الدَّابَّةِ، فَتَلِفَتْ تَحْتِهِمَا؛ لَمْ يَضْمَنْ الرَّدِيفُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ بِيَدِ مَالِكِهَا، (وَكَرَائِضٍ) وَهُوَ الَّذِي يَرْكَبُ الدَّابَّةَ لِيُعَلِّمَهَا السَّيْرَ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، (وَكَوَكِيلٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَعِيرٍ، (وَكَتَغْطِيَةِ ضَيْفِهِ بِلِحَافٍ فَاحْتَرَقَ عَلَيْهِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُنْقَطِعِ) كَمَا لَوْ أَرْكَبَهَا لِشَخْصٍ تَوَدُّدًا؛ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِحِفْظِهَا، فَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْقَطِعِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلطَّلَبِ، وَإِنَّمَا أَرْكَبَهُ الْمَالِكُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قَالَ) لِرَبِّ الدَّابَّةِ: (لَا أَرْكَبُ إلَّا بِأُجْرَةٍ، فَقَالَ) لَهُ رَبُّهَا (مَا آخُذُ أُجْرَةً) - وَلَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا - وَأَخَذَهَا؛ فَهِيَ عَارِيَّةٌ تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يَبْذُلْهَا إلَّا كَذَلِكَ، (أَوْ اسْتَعْمَلَ مُودَعٌ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ رَبِّهَا فَهِيَ عَارِيَّةٌ) ، فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُسْتَعِيرٌ (وَلَدَ عَارِيَّةٍ سُلِّمَ مَعَهَا) بِتَلَفِهِ عِنْدَهُ (بِلَا تَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِعَارَةِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ؛ أَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ وَقْتَ عَقْدٍ مَبِيعٍ؛ فَعَلَيْهِ هُنَا يَكُونُ مُعَارًا، قُلْتُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْعَيْنِ؛ بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمَنَافِعِ؛ وَلَا مَنْفَعَةَ لِلْحَمْلِ يُرَدُّ عَلَيْهَا الْعَقْدُ.
(وَلَا) يَضْمَنُ مُسْتَعِيرٌ (زِيَادَةً مُتَّصِلَةٍ حَصَلَتْ) - أَيْ: حَدَثَتْ فِي مُعَارَةٍ (عِنْدَهُ) ، ثُمَّ تَلِفَتْ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ عَقْدِ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهَا، (وَيَضْمَنُ) مُسْتَعِيرٌ (زِيَادَةً) كَانَتْ مَوْجُودَةً (عِنْدَ عَقْدٍ؛ كَسِمَنٍ زَالَ عِنْدَ مُسْتَعِيرٍ) ؛ لِتَلَفِهِ تَحْتَ يَدِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: إنْ لَمْ تَذْهَبْ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ.
وَ (لَا) يَضْمَنُ مُسْتَعِيرٌ (إنْ بَلِيَتْ هِيَ) - أَيْ: الْعَارِيَّة - (أَوْ) بَلِيَ (جُزْؤُهَا بِاسْتِعْمَالِهَا بِمَعْرُوفٍ) كَخَمْلِ مِنْشَفَةٍ وَطِنْفَسَةٍ بِكِسْرَتَيْنِ فِي اللُّغَةِ الْعَالِيَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: ابْنُ السِّكِّيتِ، وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ (فِيمَا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْإِتْلَافِ الْحَاصِلِ بِهِ، وَمَا أُذِنَ فِي إتْلَافِهِ لَا يُضْمَنُ؛ كَالْمَنَافِعِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَتْ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَلَا ضَمَانَ.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ": فِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا بِهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيمَنْ أَرْكَبَ دَابَّتَهُ مُنْقَطِعًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَضْمَنُ إذْ أُتْلِفَتْ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا، (فَإِنْ حَمَلَ) الْمُسْتَعِيرُ (فِي الْقَمِيصِ تُرَابًا) ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ، (أَوْ) حَمَلَ فِيهِ (قُطْنًا) ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ، (أَوْ اسْتَظَلَّ بِالْبِسَاطِ مِنْ الشَّمْسِ) ، فَتَلِفَ؛ (ضَمِنَ؛ لِتَعَدِّيهِ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا اسْتَعَارَهُ فِي غَيْرِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِثْلُهُ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْتَعِيرٍ بِيَمِينِهِ فِي عَدَمِ تَعَدِّيهِ) الِاسْتِعْمَالَ الْمَعْهُودَ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَيَجِبُ) عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (رَدُّ) الْعَارِيَّة (بِطَلَبِ مَالِكٍ) لَهُ بِالرَّدِّ، وَلَوْ لَمْ يَنْقَضِ غَرَضُهُ مِنْهَا، أَوْ يَمْضِي الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ هُوَ الْمُسَلِّطُ لِحَبْسِ الْعَيْنِ - وَقَدْ انْقَطَعَ بِالطَّلَبِ - وَيَجِبُ الرَّدُّ أَيْضًا (بِانْقِضَاءِ غَرَضٍ) مِنْ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحَبْسِ - وَقَدْ زَالَ - (أَوْ انْتِهَاءِ مُدَّةٍ) إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ مُؤَقَّتَةً؛ لِانْتِهَائِهَا، (أَوْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ - لِبُطْلَانِ الْعَارِيَّةِ بِذَلِكَ؛
لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) الْمُسْتَعِيرُ الرَّدَّ فِيمَا ذَكَرَ فَتَلِفَتْ الْعَارِيَّةُ؛ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا (مَعَ أُجْرَةِ مِثْلِهَا) لِمُدَّةِ تَأْخِيرِهِ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُسْتَعِيرِ (مُؤْنَةُ رَدِّ) الْعَارِيَّةِ إلَى مَالِكِهَا.
كَمَغْصُوبٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
وَإِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ الرَّدِّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ؛ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ (أَخْذٍ) .
وَ (لَا) يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (مُؤْنَتُهَا) - أَيْ: الْعَارِيَّة - مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ مَا دَامَتْ [ (عِنْدَهُ) ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى مَالِكِهَا؛ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ رَدُّهَا]- أَيْ: الْعَارِيَّةِ - إلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ (لِمَوْضِعِ أَخْذِهَا) مِنْهُ؛ كَالْمَغْصُوبِ، (إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى) رَدِّهَا إلَى (غَيْرِهِ) ، وَيَبْرَأُ بِذَلِكَ مِنْ ضَمَانِهَا.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَحْمِلَ الْعَارِيَّةَ لِلْمُعِيرِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ الَّذِي اسْتَعَارَهَا فِيهِ، (فَلَوْ طَالَبَ) الْمُسْتَعِيرَ (بِمِصْرَ بِدَابَّةٍ) كَانَ (أَخَذَهَا بِدِمَشْقَ، فَإِنْ كَانَتْ) الدَّابَّةُ (مَعَهُ لَزِمَهُ دَفْعُهَا) إلَى رَبِّهَا لِعَدَمِ الْعُذْرِ [وَإِلَّا] تَكُنْ مَعَهُ بِمِصْرَ (فَلَا) يَلْزَمُهُ حَمْلُهَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إنَّمَا اقْتَضَى الرَّدَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذَ، وَإِعَادَةَ الشَّيْءِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَجِبُ مَا زَادَ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ اسْتَعَارَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَكَلْبٍ مُبَاحِ الِاقْتِنَاءِ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ، أَوْ أَخَذَ حُرًّا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ أَبْعَدَهُ عَنْ بَيْتِ أَهْلِهِ؛ لَزِمَهُ الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلَوْ مَاتَ الْحُرُّ لَمْ يَضْمَنْهُ.
(وَيَبْرَأُ) مُسْتَعِيرٌ (بِرَدِّ عَارِيَّةِ إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ) - أَيْ: بِجَرَيَانِ الرَّدِّ (عَلَى يَدِهِ كَسَائِسٍ) رَدَّ إلَيْهِ الدَّابَّةَ، (وَخَازِنٍ وَزَوْجَةٍ) مُتَصَرِّفِينَ فِي مَالِهِ، (وَوَكِيلٍ عَامٍّ فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ) .
قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ "؛ فَلَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ: إذَا سَلَّمَهَا إلَى
امْرَأَتِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ نُطْقًا، وَلَا يَبْرَأُ مُسْتَعِيرٌ (بِرَدِّهَا) - أَيْ: الدَّابَّةَ - (إلَى إصْطَبْلِهِ) - بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مَكْسُورَةٍ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ - غَيْرِ عَرَبِيٍّ، (أَوْ) إلَى (غُلَامِهِ) ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِخِدْمَتِهِ، وَقَضَاءِ أُمُورِهِ، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا، أَوْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَأْخُذُهَا مِنْهُ، أَوْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا لِأَحَدٍ، أَوْ إلَى (عِيَالِهِ الَّذِينَ لَا عَادَةَ لَهُمْ بِقَبْضِ مَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَبْرَأْ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ، وَكَرَدِّ السَّارِقِ مَا سَرَقَهُ إلَى الْحِرْزِ.
[فَرْعٌ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ]
(فَرْعٌ: مَنْ سَلَّمَ لِشَرِيكِهِ نَحْوَ دَابَّةٍ) كَثَوْبٍ وَآنِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِيَحْفَظَهَا لَهُ، فَتَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِهِ، (فإ) ن (اسْتَعْمَلَهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ مَجَّانًا فَعَارِيَّةٌ) تُضْمَنُ مُطْلَقًا، وَإِنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِرُكُوبِهَا لِمَصَالِحِهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ عَلَيْهَا فَعَارِيَّةٌ أَيْضًا.
(وَيَتَّجِهُ فَلَوْ غُصِبَتْ) الدَّابَّةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ؛ (ضَمِنَ) الْمَأْذُونُ (نَفْعَهَا) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَبِدُونِهِ) ؛ أَيْ: إنْ اسْتَعْمَلَهَا بِدُونِ إذْنِ شَرِيكِهِ؛ (فَغَصْبٌ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، (وَ) إنْ أَخَذَهَا مِنْ شَرِيكِهِ (بِأُجْرَةٍ فَهِيَ إجَارَةٌ) لَا تُضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَإِلَّا بِأَنْ أَخَذَهَا مِنْ شَرِيكِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ فَهِيَ (أَمَانَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ إذَا قُبِضَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ يَكُونُ نِصْفُهُ مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا، وَنِصْفُ الشَّرِيكِ أَمَانَةُ، فَلَا (تُضْمَنُ) بِدُونِ تَعَدٍّ أَوْ (تَفْرِيطٍ) كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، وَإِنْ فَرَّطَ الشَّرِيكُ (بِسَوْقِ) الدَّابَّةِ (فَوْقَ الْعَادَةِ) ؛ ضَمِنَ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ "، وَإِنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِيَعْلِفَهَا، وَيَقُومَ بِمَصْلَحَتِهَا
وَنَحْوِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي نَظِيرِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهَا أَوْ تَنَاوُبُهُ مَعَهُ؛ لَمْ يَضْمَنْ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ.
(وَيَتَّجِهُ لَوْ اسْتَعْمَلَهَا) - أَيْ: الدَّابَّةَ - (بِإِذْنِ) شَرِيكِهِ بِأَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا (فِي مُقَابَلَةِ عَلَفِهَا؛ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ) ؛ لِاشْتِرَاطِ عَلَفِهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إجَارَةٌ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا، وَفِي " التَّلْخِيصِ " إذَا أَعَارَهُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُعِيرَهُ الْآخَرُ فَرَسَهُ؛ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَهَذَا رُجُوعٌ إلَى أَنَّهَا كِنَايَةٌ فِي عَقْدٍ آخَرَ [، وَالْفَسَادُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ آخَرَ،] وَإِمَّا لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَيْهِ خَرَّجَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ عَبْدِي لِتُمَوِّنَّهُ أَوْ دَابَّتِي لِتَعْلِفَهَا، فَعَلَى كُلٍّ لَا ضَمَانَ بِلَا تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِهِ، لَا ضَمَانَ فِي فَاسِدِهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.
تَتِمَّةٌ: وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا؛ فَلِمَالِكِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِعَدَمِ إذْنِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ.
يُطَالِبُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، أَمَّا الدَّافِعُ فَلِتَعَدِّيهِ بِالدَّفْعِ، وَأَمَّا الْقَابِضُ فَلِقَبْضِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا بِالْحَالِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْمُعِيرَ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِالْأُجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَعِيرُ عَالِمًا، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُعِيرُ والمعار إلَيْهِ وَكَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ]
(فَصْلٌ: وَإِنْ دَفَعَ) إلَيْهِ دَابَّةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا، ثُمَّ (اخْتَلَفَا) - أَيْ: الْمَالِكُ وَالْقَابِضُ - (فَقَالَ) الْمَالِكُ: (آجَرْتُك.
قَالَ) الْقَابِضُ: (بَلْ أَعَرْتنِي) ، وَكَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ (قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ) مِنْ الْقَبْضِ (لَهَا أُجْرَةٌ؛ فَقَوْلُ قَابِضٍ) بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجَارَةِ،
وَتُرَدُّ لِمَالِكِهَا.
(وَ) إنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا (بَعْدَهَا) - أَيْ: بَعْدَ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ - فَالْقَوْلُ (قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَا مَضَى) مِنْ الْمُدَّةِ (فَقَطْ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الْقَابِضِ، فَقُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ، فَادَّعَى الْمَالِكُ بَيْعَهَا وَالْآخَرُ هِبَتَهَا؛ إذْ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، وَأَمَّا الْبَاقِي مِنْ الْمُدَّةِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَقْدِ.
(وَ) إذَا حَلَفَ الْمَالِكُ (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَثْبُتُ بِدَعْوَى الْمَالِكِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ قَدْ تَلِفَتْ، وَقَالَ الْمَالِكُ: آجَرْتُكهَا، وَقَالَ الْقَابِضُ: أَعَرْتنِيهَا؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُهَا الْمُطَالَبَةَ بِقِيمَتِهَا، لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُسْقِطُ ضَمَانَهَا، وَهُوَ الْإِجَارَةُ، وَلَا نَظَرَ إلَى إقْرَارِ الْمُسْتَعِيرِ بِالْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ [رَدَّ] قَوْلَهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْإِجَارَةِ؛ فَبَطَلَ إقْرَارُهُ، (وَكَذَا [لَوْ] ادَّعَى) زَارِعٌ أَرْضَ غَيْرِهِ (أَنَّهُ زَرَعَ) الْأَرْضَ (عَارِيَّةً، وَقَالَ رَبُّهَا) : زَرَعْتَهَا (إجَارَةً) ؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، (وَ) إنْ قَالَ الْقَابِضُ لِلْمَالِكِ: (أَعَرْتَنِي، أَوْ) .
قَالَ لَهُ: (آجَرْتَنِي، قَالَ) الْمَالِكُ: بَلْ (غَصَبْتَنِي) ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا عَقِبَ الْعَقْدِ - وَالْبَهِيمَةُ قَائِمَةٌ - أَخَذَهَا مَالِكُهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَلَمْ يَفُتْ مِنْهَا شَيْءٌ لِيَأْخُذَهَا الْمَالِكُ عِوَضَهُ، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا - وَقَدْ مَضَى مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ - فَقَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ، فَتَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْقَابِضِ لِلْعَيْنِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ، وَاخْتَلَفَا فَفِي مَسْأَلَةُ دَعْوَى الْقَابِضُ الْعَارِيَّةَ وَالْمَالِكُ الْغَصْبَ هُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى ضَمَانِ الْعَيْنِ إذْ كُلٌّ مِنْ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ مَضْمُونٌ مُخْتَلِفَانِ فِي الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِيهَا لِدَعْوَاهُ الْغَصْبَ، وَالْقَابِضُ يُنْكِرُهَا بِدَعْوَاهُ الْعَارِيَّةَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، فَيَحْلِفُ، وَتَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْقَابِضِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي دَعْوَى الْقَابِضِ
الْإِجَارَةِ مَعَ دَعْوَى الْمَالِكِ الْغَصْبَ هُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى وُجُوبِ الْأُجْرَةِ، مُخْتَلِفَانِ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، فَيَغْرَمُ الْقَابِضُ قِيمَتَهَا فِي صُورَتَيْ دَعْوَى الْإِجَارَةِ وَدَعْوَى الْعَارِيَّةِ حَيْثُ ادَّعَى الْمَالِكُ الْغَصْبَ فِيهِمَا، وَيَغْرَمُ الْقَابِضُ أَيْضًا أُجْرَةَ مِثْلِهَا إلَى حِينِ التَّلَفِ فِيهِمَا، (أَوْ) قَالَ الْمَالِكُ: (أَعَرْتُكَ الْعَيْنَ قَالَ) الْقَابِضُ: (بَلْ آجَرْتَنِي - وَالْبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ - فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَابِضِ بِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ، (وَكَذَا) لَوْ قَالَ الْقَابِضُ: (أَعَرْتَنِي، أَوْ قَالَ: آجَرْتَنِي، فَقَالَ) الْمَالِكُ: (غَصَبْتَنِي) - وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ - فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ (فِي) وُجُوبِ (الْأُجْرَةِ، وَ) فِي وُجُوبِ (رَفْعِ الْيَدِ) وَرَدِّ الْعَيْنِ لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْقَابِضُ، (وَ) إنْ قَالَ الْمَالِكُ: (أَعَرْتُكَ) ، فَقَالَ الْقَابِضُ: أَوْدَعْتَنِي؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ، (أَوْ) قَالَ الْمَالِكُ: (غَصَبْتَنِي، فَقَالَ) الْقَابِضُ: (أَوْدَعْتَنِي؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ) بِيَمِينِهِ، (وَلَهُ) - أَيْ: الْمَالِكُ - عَلَى الْقَابِضِ (قِيمَةُ) عَيْنٍ (تَالِفَةٍ) ؛ لِثُبُوتِ حُكْمِ الْعَارِيَّةِ بِحَلِفِهِ عَلَيْهِ وَلَا أُجْرَةَ (وَكَذَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي (عَكْسِهَا) ؛ كَقَوْلِ الْمَالِكِ: (أَوْدَعْتُكَ، فَقَالَ) الْقَابِضُ: بَلْ (أَعَرْتَنِي) ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ أَيْضًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَهُ) - أَيْ: الْمَالِكُ - عَلَى الْقَابِضِ (أُجْرَةُ مَا انْتَفَعَ بِهَا) - أَيْ: الْعَيْنِ - وَيَرُدُّهَا إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ عَلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهَا بِأَنْ قَالَ مُسْتَعِيرٌ: رَدَدْتُهَا، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ؛ فَقَوْلُ مَالِكٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّدِّ، وَكَالْمَدِينِ إذَا ادَّعَى أَدَاءَ الدَّيْنِ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: مَنْ بَعَثَ رَسُولًا يَسْتَعِيرُ لَهُ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا مِنْ بَغْدَادَ إلَى الْكُوفَةِ مَثَلًا، فَجَاءَ إلَى الْمُعِيرِ، فَاسْتَعَارَهَا مِنْهُ لِيَرْكَبَهَا إلَى الْحِلَّةِ، فَرَكِبَهَا الْمُسْتَعِيرُ إلَى الْكُوفَةِ، وَلَا يَدْرِي، فَعَطِبَتْ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّسُولِ إنْ اعْتَرَفَ بِالْكَذِبِ، وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْتَعِيرِ: كَذَلِكَ أَمَرْتَنِي وَكَذَّبَهُ الْمُسْتَعِيرُ؛ فَلَا يَكُونُ الرَّسُولُ هُنَا شَاهِدًا؛ لِأَنَّهُ خَصَمٌ، وَالْمُسْتَعِيرُ ضَامِنٌ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ إلَى الْكُوفَةِ.
[كِتَابُ الْغَصْبِ وَجِنَايَةِ الْبَهَائِمِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ الْإِتْلَافِ]
(كِتَابُ الْغَصْبِ) وَجِنَايَةِ الْبَهَائِمِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ الْإِتْلَافِ، وَهُوَ مَصْدَرُ غَصَبَ يَغْصِبُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَيُقَالُ: اغْتَصَبَهُ يَغْتَصِبُهُ اغْتِصَابًا وَالشَّيْءُ مَغْصُوبٌ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ سِيدَهْ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، وَالسَّرِقَةُ نَوْعٌ مِنْ الْغَصْبِ.
وَرَوَى جَابِرٌ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَالْغَصْبُ فِي الشَّرْعِ (اسْتِيلَاءُ غَيْرِ حَرْبِيٍّ) بِفِعْلٍ يُعَدُّ الِاسْتِيلَاءُ (عُرْفًا عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ) مِنْ مَالٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ (قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ) ، فَتَخْرُجُ الشُّفْعَةُ، وَمِنْهُ الْمَأْخُوذُ مَكْسًا وَنَحْوُهُ، فَلَا يَحْصُلُ بِلَا اسْتِيلَاءٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اسْتِيلَاءَ الْحَرْبِيِّ عَلَى مَالِنَا لَيْسَ غَصْبًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّ السَّرِقَةَ وَالنَّهْبَ وَالِاخْتِلَاسَ لَيْسَتْ غَصْبًا؛ لِعَدَمِ الْقَهْرِ فِيهَا وَأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ مُوَلِّيهِ لَيْسَ غَصْبًا؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَكُونُ اسْتِيلَاءُ مُسْتَأْجِرٍ (عَلَى) عَيْنٍ (مُؤَجَّرَةٍ بِأُجْرَةٍ) مَعْلُومَةٍ مَعَ فَلَسِ مُسْتَأْجِرٍ غَصْبًا، (وَ) لَا اسْتِيلَاءُ مُشْتَرٍ عَلَى شِقْصٍ (بِيعَ بِثَمَنٍ) مَعْلُومٍ (مَعَ) ظُهُورِ (فَلَسِ) مُشْتَرٍ غَصْبًا، لِمُصَادَفَةِ ذَلِكَ عَقْدًا صَحِيحًا ابْتِدَاءً، وَظُهُورُ الْفَلَسِ لَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
(وَيُضْمَنُ عَقَارٌ) - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - بِغَصْبٍ، لِحَدِيثِ: «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِ أَرَضِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِمَعْنَاهُ؛ وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ» . وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ؛ كَسُكْنَاهُ الدَّارَ وَمَنْعِ صَاحِبِهَا مِنْهَا؛ أَشْبَهَ أَخْذَ الدَّابَّةِ وَالْمَتَاعِ.
(وَ) تُضْمَنُ (أُمُّ وَلَدٍ) بِغَصْبٍ؛ لِجَرَيَانِهَا مَجْرَى الْمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فِي الْإِتْلَافِ؛ لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً كَالْقِنِّ؛ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ، فَلَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ.
(وَ) يُضْمَنُ (قِنٌّ بِغَصْبٍ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى - وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ - كَسَائِرِ الْمَالِ.
(وَاسْتِيلَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمَنْ رَكِبَ دَابَّةً وَاقِفَةً) لَيْسَ عِنْدَهَا رَبُّهَا، أَوْ كَانَ عِنْدَهَا لَكِنْ رَكِبَهَا (بِلَا إذْنِهِ؛ فَهُوَ غَاصِبٌ، وَلَوْ لَمْ يُسَيِّرْهَا) ، بَلْ تَرَكَهَا وَاقِفَةً.
وَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِيلَاءِ (فَمَنْ دَخَلَ أَرْضِ شَخْصٍ أَوْ دَارِهِ) ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ (بِلَا إذْنِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ إيَّاهَا) ؛ لَمْ يَضْمَنْ بِدُخُولِهِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِيلَاءَ؛ كَمَا لَوْ دَخَلَ صَحْرَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ مَا يَضْمَنُ بِالْعَارِيَّةِ، وَهَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَارِيَّةُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ فِيهَا؛ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَصْبُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ.
[فَائِدَةٌ لَا يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ نَقْلُ الْعَيْنِ]
ِ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ الِاسْتِيلَاءِ، فَلَوْ دَخَلَ دَارًا قَهْرًا وَأَخْرَجَ رَبَّهَا؛ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ قَهْرًا وَلَمْ يَدْخُلْ، أَوْ دَخَلَ مَعَ حُضُورِ رَبِّهَا وَقُوَّتِهِ؛ فَلَا، وَإِنْ دَخَلَ قَهْرًا، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ؛ فَقَدْ غَصَبَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يُرِدْ الْغَصْبَ فَلَا، وَإِنْ دَخَلَهَا قَهْرًا فِي غَيْبَةِ رَبِّهَا؛ فَغَاصِبٌ - وَلَوْ كَانَ فِيهَا قُمَاشُهُ - ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(وَلَا تَثْبُتُ يَدُ غَاصِبٍ عَلَى بُضْعٍ) - بِضَمِّ الْبَاءِ - وَجَمْعُهُ أَبْضَاعٌ كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالْجِمَاعِ وَالتَّزْوِيجِ، وَالْبِضَاعُ الْجِمَاعُ لَفْظًا وَمَعْنًى، (فَيَصِحُّ) مِنْ مَالِكٍ (تَزْوِيجُ أَمَةٍ غُصِبَتْ) وَهِيَ بِيَدِ غَاصِبِهَا - وَلَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً، (وَلَا يَضْمَنُ) الْغَاصِبُ (مَهْرَهَا لَوْ) حَبَسَهَا عَنْ النِّكَاحِ حَتَّى (فَاتَ) نِكَاحُهَا (بِكِبَرِهَا، وَلَا) يَضْمَنُ الْغَاصِبُ (نَفْعَهُ) - أَيْ: الْبُضْعَ - لِأَنَّ النَّفْعَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ إذَا كَانَ مِمَّا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ بِالْإِجَارَةِ، وَالْبُضْعُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ غَصَبَ) شَخْصٌ (خَمْرَ مُسْلِمٍ ضَمِنَ) الْغَاصِبُ (مَا تَخَلَّلَ بِيَدِهِ) مِنْهَا إنْ تَلِفَتْ قَبْلَ رَدِّهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ خَلًّا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ مَا تَخَلَّلَ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ لَمْ تَزُلْ عَنْهَا بِالْغَصْبِ، فَكَأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ فِي يَدِهِ، وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٌ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ خَمْرُ الذِّمِّيِّ إذَا تَخَلَّلَ بِيَدِ الْغَاصِبِ يَجِبُ رَدُّهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ قَبْلَ التَّخَلُّلِ، فَبَعْدَهُ أَوْلَى.
وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا تَخَلَّلَ مِمَّا جَمَعَ) مِنْ خَمْرٍ (بَعْدَ إرَاقَةٍ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؛ لِزَوَالِ يَدِهِ هُنَا بِالْإِرَاقَةِ.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) - أَيْ: الْمُتَخَلَّلُ بَعْدَ الْإِرَاقَةِ - (لِمُرِيقِهِ) يَمْلِكُهُ بِحَوْزِهِ كَالْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَهُ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْإِرَاقَةِ لَمْ يَكُنْ مَالًا، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مِلْكٌ بِمُجَرَّدِهَا، بَلْ بِجَمْعِهِ بَعْدَ التَّخْلِيلِ، (إلَّا أَنْ تُحِيلَ)
الْمُرِيقَ عَلَى التَّخْلِيلِ، فَيَمْنَعُ مِنْ تَنَاوُلِهَا، لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَجِبُ رَدُّ خَمْرَةِ ذِمِّيِّ مُسْتَتِرَةٍ) غُصِبَتْ (كَخَمْرِ خَلَّالٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ إمْسَاكِهَا، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ دُهْنًا مُتَنَجِّسًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ.
.
(وَ) يَجِبُ رَدُّ (كَلْبٍ يُقْتَنَى) كَكَلْبٍ لِصَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ وَحَرْثٍ؛ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَ (لَا) يَجِبُ رَدُّ (قِيمَتِهَا) - أَيْ: الْخَمْرَ - لِذِمِّيٍّ أَوْ خَلَّالٍ، وَلَا الْكَلْبِ (مَعَ تَلَفٍ) ؛ لِتَحْرِيمِهِمَا؛ فَهُمَا كَالْمَيْتَةِ.
(وَلَا) يَلْزَمُ رَدُّ (جِلْدِ مَيْتَةٍ غُصِبَ) - وَلَوْ دَبَغَهُ - (لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِدَبْغٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ (يَلْزَمُ رَدُّهُ) - أَيْ: جِلْدَ الْمَيِّتَةِ الَّذِي دُبِغَ - إنْ كَانَ (بَاقِيًا لِمَنْ يَرَى طَهَارَتَهُ) ؛ كَحَنَفِيٍّ غَصَبَهُ آخَرُ جِلْدَ مَيْتَةٍ بِطُهْرٍ لَوْ دُبِغَ، فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَوِّلٌ عِنْدَهُ، (وَكَذَا أَكْلُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) ؛ كَدُهْنٍ مُتَنَجِّسٍ غُصِبَ مِمَّنْ يَرَى طَهَارَتَهُ بِغَسْلِهِ، فَيَلْزَمُ رَدُّهُ إلَيْهِ، (وَ) إذَا رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى (الْحَاكِمِ) ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ (يَحْكُمَ) إلَّا (بِمَذْهَبِهِ) ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ حُكِمَ بِرَدِّهِ، وَإِلَّا فَلَا، (وَمَعَ تَلَفِ) الْجِلْدِ (لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ) بِرَدِّ بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَوِّلٍ، وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ يَجِبُ رَدُّهُ حَيْثُ قُلْنَا: يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا كَالْكَلْبِ الْمُقْتَنَى، وَصَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ الْقِيَاسُ،
وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ رَجَبٍ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْمُوضِحُ وَقَالَ: وَصَرَّحُوا بِوُجُوبِ رَدِّهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.
(وَلَا يُضْمَنُ حُرٌّ) كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا (بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ) ؛ بِأَنْ حَبَسَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ وَالشُّرْبَ، فَمَاتَ عِنْدَهُ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا عَلَى الْحُرِّ، (وَتُضْمَنُ ثِيَابُ) حُرٍّ (صَغِيرٍ وَحُلِيِّهِ) - وَإِنْ لَمْ يَنْزِعْهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ مَالٌ، وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا مُمَانَعَةَ مِنْهُ عَنْ ذَلِكَ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مُنْفَرِدًا.
وَعَلَى مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ بَيْتِ أَهْلِهِ رَدُّهُ إلَيْهِ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (هُوَ) - أَيْ: الصَّغِيرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَمَحَلُّ عَدَمِ ضَمَانِ الصَّغِيرِ، (مَا لَمْ يَغُلَّهُ) ؛ أَيْ: يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ حَدِيدَةً مُسْتَدِيرَةً، (أَوْ يُتْلِفَ الصَّغِيرَ بِنَحْوِ حَيَّةٍ) بِأَنْ يُلْقِيَهُ مَكْتُوفًا بِفَضَاءٍ، فَتَمُرُّ بِهِ دَابَّةٌ فَتَقْتُلُهُ، (كَمَا) يَأْتِي (فِي الدِّيَاتِ) مُفَصَّلًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، (وَيَتَّجِهُ وَمَعَ بَقَاءِ صَغِيرٍ) فِي الْحَيَاةِ (يُلْزَمُ) الْغَاصِبُ (بِتَحْصِيلِهِ) ، وَرَدِّهِ إلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تُضْمَنُ (دَابَّةٌ) غُصِبَتْ، وَ (عَلَيْهَا مَالِكُهَا الْكَبِيرُ وَمَتَاعُهُ) ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِ مَالِكِهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ الْكَبِيرِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالتِّسْعِينَ.
(وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ) - أَيْ: الْحُرَّ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا - (كُرْهًا) فِي خِدْمَةٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ؛ لِاسْتِيفَائِهِ مَنَافِعَهُ الْمُتَقَوِّمَةَ، فَضَمِنَهَا؛ كَمَنَافِعِ الْيَدِ، (أَوْ حَبَسَهُ) - أَيْ: الْحُرَّ - (مُدَّةً) لَهَا أُجْرَةٌ (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ) مُدَّةَ حَبْسِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ الْحَبْسِ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا؛