مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ، وَمَبِيعٍ فِي ذِمَّةٍ أَوْ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَفِي سَلَمٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَبَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ.
(وَ) تَصِحُّ الْإِقَالَةُ (مِنْ مُضَارِبٍ وَشَرِيكٍ، وَلَوْ بِلَا إذْنِ) رَبِّ الْمَالِ وَالشَّرِيكِ الْآخَرِ، (وَ) تَصِحُّ مِنْ (مُفْلِسٍ بَعْدَ حَجْرِ) الْحَاكِمِ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) يَصِحُّ مِنْ (نَاظِرِ) وَقْفٍ (وَ) مِنْ (وَلِيِّ) نَحْوِ يَتِيمٍ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِمَصْلَحَةٍ فِيهِنَّ) ؛ لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا.
(وَ) تَصِحُّ (بِلَا شُرُوطِ بَيْعٍ) ، كَمَا لَوْ تَقَايَلَا فِي آبِقٍ أَوْ شَارِدٍ، كَمَا لَوْ فُسِخَ فِيهَا لِخِيَارِ شَرْطٍ، بِخِلَافِ بَيْعٍ.
وَتَصِحُّ بِلَفْظِهَا (وَبِلَفْظِ صُلْحٍ، وَ) بِلَفْظِ (بَيْعٍ، وَبِمَا يَدُلُّ عَلَى مُعَاطَاةٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى فَيُكْتَفَى بِمَا أَدَّاهُ، كَالْبَيْعِ.
(وَلَا خِيَارَ فِيهَا) ، أَيْ: الْإِقَالَةِ، لَا لِمَجْلِسٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، وَالْفَسْخُ لَا يُفْسَخُ.
(وَلَا شُفْعَةَ) فِيهَا، نَصًّا، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
(وَلَا يَحْنَثُ بِهَا) ، أَيْ: الْإِقَالَةِ (مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ) ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، (وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: لَا يَبَرُّ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعَنَّ، سَوَاءٌ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(وَمُؤْنَةُ رَدِّ) مَبِيعٍ تَقَايَلَا فِيهِ (عَلَى بَائِعٍ) ، لِرِضَاهُ بِبَقَاءِ الْمَبِيعِ أَمَانَةً بِيَدِ مُشْتَرٍ بَعْدَ التَّقَايُلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ رَدِّهِ، كَوَدِيعٍ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، لِاعْتِبَارِهِ مَرْدُودًا.
(وَلَا تَمْنَعُ) الْإِقَالَةُ (رُجُوعَ أَبٍ فِي هِبَةٍ) ، أَيْ: لَوْ وَهَبَ وَالِدٌ وَلَدَهُ شَيْئًا، ثُمَّ بَاعَ الْوَلَدُ مَا وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْوَلَدِ بِإِقَالَةٍ، لَمْ يَمْنَعْ رُجُوعَ الْأَبِ فِيهِ، كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى الِابْنِ بِفَسْخِ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَجَعَ إلَيْهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ رُجُوعَ الْأَبِ.
(وَلَا تَصِحُّ مَعَ تَلَفِ مُثَمَّنٍ) ، سَوَاءٌ احْتَاجَ لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ أَوْ لَا، لِفَوَاتِ مَحَلِّ
الْفَسْخِ، وَتَصِحُّ مَعَ تَلَفِ ثَمَنٍ، (وَ) لَا مَعَ (مَوْتِ عَاقِدٍ) بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ، لِعَدَمِ تَأَتِّيهَا.
(وَ) كَذَا لَا تَصِحُّ مَعَ (غَيْبَةِ أَحَدِهِمَا) ، فَلَوْ قَالَ: أَقِلْنِي وَهُوَ غَائِبٌ، لَمْ تَصِحَّ، لِاعْتِبَارِ رِضَاهُ، وَالْغَائِبُ حَالُهُ مَجْهُولٌ.
(وَلَا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنٍ) مَعْقُودٍ بِهِ، (أَوْ) مَعَ (نَقْصِهِ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقَالَةِ رَدُّ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَا كَانَ لَهُ، فَلَوْ قَالَ مُشْتَرٍ لِبَائِعٍ: أَقِلْنِي، وَلَك كَذَا، فَفَعَلَ، فَقَدْ كَرِهَهُ أَحْمَدُ، لِشَبَهِهِ بِمَسَائِلِ الْعِينَةِ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا، وَيَبْقَى لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَضْلُ دَرَاهِمَ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: لَكِنَّ مَحْذُورَ الرِّبَا هُنَا بَعِيدٌ جِدًّا، (مَا لَمْ يَسْتَأْنِفَا) ، أَيْ: الْمُتَبَايِعَانِ بَيْعًا آخَرَ بِزِيَادَةٍ عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، أَوْ نَقْصٍ عَنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَيَجُوزُ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) يُبَاحُ (قَصْدُ) عَاقِدٍ بِالْإِقَالَةِ (مَسْأَلَةَ عِينَةٍ) ، فَإِنْ فَعَلَهَا، وَقَصَدَ بِهَا الْمُعَيَّنَةَ، صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَلَمْ يَطْلُبْ لَهُ أَكْلُ الزِّيَادَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْإِقَالَةُ (مِنْ وَكِيلٍ) فِي عَقْدٍ (بِلَا إذْنِ مُوَكِّلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكَّلْ فِي الْفَسْخِ.
(وَتَصِحُّ) الْإِقَالَةِ فِي إجَارَةٍ (مِنْ مُؤَجِّرِ وَقْفٍ) إنْ كَانَ (الِاسْتِحْقَاقُ كُلُّهُ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَالِكِ لَهُ، وَظَاهِرُهُ إنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مُشْتَرَكًا أَوْ لِمُعَيَّنٍ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جُمْلَةٍ، لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ، وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَالْفَسْخُ) بِالْإِقَالَةِ أَوْ غَيْرِهَا (رَفْعُ عَقْدٍ مِنْ حِينِ فَسْخٍ) ، لَا مِنْ أَصْلِهِ، كَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، (فَمَا حَصَلَ مِنْ) كَسْبٍ و (نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَلِمُشْتَرٍ) ، لِحَدِيثِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ) .
(وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ) حَاكِمٍ (بِصِحَّةِ) عَقْدِ (بَيْعٍ فَاسِدٍ بَعْدَ) تَقَايُلٍ، لِحُصُولِ (فَسْخِ) الْعَقْدِ وَارْتِفَاعِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَا يُحْكَمُ بِهِ.
[بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ]
الرِّبَا مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَهُوَ لُغَةً الزِّيَادَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] ، أَيْ: عَلَتْ وَارْتَفَعَتْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] ، أَيْ أَكْثَرَ عَدَدًا، وَهُوَ (مِنْ الْكَبَائِرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] .
وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وَهُوَ) شَرْعًا (تَفَاضُلٌ فِي) [أَشْيَاءَ] كَمَكِيلٍ بِجِنْسِهِ، أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، (وَنَسَاءٌ فِي أَشْيَاءَ) ، كَمَكِيلٍ بِمَكِيلٍ، وَمَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ - وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ - (مُخْتَصٌّ بِأَشْيَاءَ) ، وَهِيَ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ، (وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا) ، أَيْ: تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا، نَصًّا فِي الْبَعْضِ، وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي مِنْهَا، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
(فَيَحْرُمُ رِبَا فَضْلٍ فِي كُلِّ مَكِيلٍ) بِجِنْسِهِ، (أَوْ مَوْزُونٍ) مِنْ نَقْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، مَطْعُومٍ، كَسُكَّرٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقُطْنٍ (بِجِنْسِهِ) ، لِمَا رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَيَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (غَيْرَ مَطْعُومٍ) ، كَأُشْنَانٍ وَنَوْرَةٍ وَقُطْنٍ وَحَرِيرٍ وَصُوفٍ وَحِنَّاءٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا، (أَوْ قَلَّ)
الْمَبِيعُ، (كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَةٍ) ، أَوْ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِتَسَاوِيهَا فِي الْكَيْلِ، (وَفِيمَا) ، أَيْ: يَسِيرٍ (دُونَ الْأَرُزَّةِ مِنْ نَقْدِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ.
و (لَا) يَحْرُمُ الرِّبَا (فِي مَاءٍ) بِحَالٍ، لِإِبَاحَتِهِ أَصْلًا، وَعَدَمِ تَمَوُّلِهِ عَادَةً.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَالِيَّةَ، لَكِنْ لَمَّا ضَعُفَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ الْكَيْلُ فِيهِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ.
(وَلَا) رِبَا (فِيمَا لَا يُوزَنُ عُرْفًا لِصِنَاعَتِهِ) ، لِارْتِفَاعِ سِعْرِهِ بِهَا (مِنْ غَيْرِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَيَحْرُمُ فِيهِمَا مُطْلَقًا، (كَمَعْمُولٍ مِنْ نُحَاسٍ) ، كَأَسْطَالٍ وَدُسُوت، (وَ) مَعْمُولٍ مِنْ (حَدِيدٍ) ، كَنِعَالٍ وَسَكَاكِينَ (وَ) كَمَعْمُولٍ مِنْ حَرِيرٍ و (قُطْنٍ) ، كَثِيَابٍ (وَنَحْوِهِ) ، كَأَكْسِيَةٍ مِنْ صُوفٍ وَثِيَابٍ مِنْ كَتَّانٍ، (فَمَصْنُوعٌ مِنْ نَقْدٍ يُبَاعُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا لَا قِيمَةً) سَوَاءٌ مَاثَلَهُ فِي الصِّنَاعَةِ أَوْ لَا لِعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ حَيْثُ جَوَّزَ بَيْعَ مَصْنُوعٍ مُبَاحِ الِاسْتِعْمَالِ، كَخَاتَمٍ وَنَحْوِهِ بِجِنْسِهِ بِقِيمَتِهِ حَالًّا، جَعْلًا لِلزَّائِدِ فِي مُقَابَلَةِ الصَّنْعَةِ.
(وَلَا) رِبَا (فِي فُلُوسٍ) يُتَعَامَلُ بِهَا (عَدَدًا - وَلَوْ) كَانَتْ (نَافِقَةً - حَيْثُ لَا نَسَاءَ) ، لِخُرُوجِهَا عَنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَعَدَمٍ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَعِلَّةُ الرِّبَا فِي [الذَّهَبِ] وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُمَا مَوْزُونَيْ جِنْسٍ، وَفِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ كَوْنُهُنَّ مَكِيلَاتِ جِنْسٍ، نَصًّا، وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ مَوْزُونٍ وَمَكِيلٍ، لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، فَيَجِبُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِثْبَاتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَثْبُتُ عِلَّتُهُ فِيهِ، وَلَا يَجْرِي فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، كَجَوْزٍ وَبَيْضٍ وَحَيَوَانٍ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةٍ) مِنْ مَكِيلٍ بِصُبْرَةٍ مِنْ (جِنْسِهَا) ، كَصُبْرَةِ تَمْرٍ بِصُبْرَةِ تَمْرٍ (إنْ عَلِمَا كَيْلَهُمَا) ، أَيْ: الصُّبْرَتَيْنِ، وَعَلِمَا (تَسَاوِيَهُمَا وَخُلُوَّهُمَا عَنْ مُخَالِفٍ لَهُمَا) ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّمَاثُلُ، (لَكِنْ لَا يَضُرُّ) فِي التَّمَاثُلِ وُجُودُ (يَسِيرٍ نَحْوِ حَبَّاتِ شَعِيرٍ) أَوْ تِبْنٍ، أَوْ عَقْدٍ (بِحِنْطَةٍ) وَنَحْوِهَا، إذْ لَا تَخْلُو الْحُبُوبُ غَالِبًا مِنْ ذَلِكَ، (أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ لَمْ يَعْلَمَا كَيْلَهُمَا وَلَا تَسَاوِيَهُمَا، (وَتَبَايَعَاهُمَا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَكُيِّلَتَا، فَكَانَتَا سَوَاءً) ، لِوُجُودِ التَّمَاثُلِ، فَإِنْ نَقَصَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى، بَطَلَ، وَكَذَا زُبْرَةُ حَدِيدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، لَمْ يَجِبْ التَّمَاثُلُ.
وَيَأْتِي.
لَكِنْ إنْ تَبَايَعَا صُبْرَةً مِنْ بُرٍّ بِصُبْرَةٍ مِنْ شَعِيرٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَكُيِّلَتَا فَزَادَتْ إحْدَاهُمَا، فَالْخِيَارُ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (حَبٍّ جَيِّد) بِحَبٍّ (خَفِيفٍ) مِنْ جِنْسِهِ، إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا؛ لِأَنَّهُ مِعْيَارُهُمَا الشَّرْعِيُّ، وَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ الْقِيمَةِ.
و (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ حَبٍّ بِحَبٍّ (مُسَوَّسٍ) مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِالتَّمَاثُلِ، وَالْجَهْلُ بِهِ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَكِيلٍ) ، كَتَمْرٍ وَبُرٍّ وَشَعِيرٍ (بِجِنْسِهِ وَزْنًا) ، كَرِطْلِ تَمْرٍ بِرِطْلِ تَمْرٍ، (وَ) لَا بَيْعُ (مَوْزُونٍ) ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَزَبَدٍ (بِجِنْسِهِ كَيْلًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا، بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدَّيْنِ بِمُدَّيْنِ، فَمَنْ زَادَ، أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» . فَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمَوْزُونَاتِ بِالْوَزْنِ وَفِي الْمَكِيلَاتِ بِالْكَيْلِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، خَرَجَ عَنْ الْمَشْرُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إذْ الْمُسَاوَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي مِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ.
(إلَّا إذَا عُلِمَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ) ، أَيْ: الْمَكِيلِ الْمَبِيعِ بِجِنْسِهِ وَزْنًا، أَوْ الْمَوْزُونِ الْمَبِيعِ بِجِنْسِهِ كَيْلًا (فِي مِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ) فَيَصِحُّ الْمَبِيعُ، لِلْعِلْمِ بِالتَّمَاثُلِ.
(وَيَصِحُّ) الْبَيْعُ (إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ) ، كَتَمْرٍ بِبُرٍّ (كَيْلًا) - وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَوْزُونًا - (وَوَزْنًا) - وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا - (وَجُزَافًا) ،
لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، فَجَازَ جُزَافًا، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ لَا يُدْرَى مَا كَيْلُ هَذَا وَمَا كَيْلُ هَذَا، مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(وَ) يَصِحُّ (بَيْعُ لَحْمٍ بِمِثْلِهِ) وَزْنًا (مِنْ جِنْسِهِ) رَطْبًا وَيَابِسًا (إذَا نُزِعَ عَظْمُهُ) ، فَإِنْ بِيعَ يَابِسٌ مِنْهُ بِرَطْبٍ، لَمْ يَصِحَّ، لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ، أَوْ لَمْ يُنْزَعْ عَظْمُهُ، لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْلِ بِالتَّسَاوِي.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ لَحْمٍ (بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) ، كَقِطْعَةٍ مِنْ نَحْوِ إبِلٍ بِشَاةٍ؛ لِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ وَلَا جِنْسِهِ، فَجَازَ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (عَسَلٍ بِمِثْلِهِ) كَيْلًا (إذَا صُفِّيَ) كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ شَمْعَةٍ، وَإِلَّا، لَمْ يَصِحَّ لِمَا سَبَقَ، إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَإِلَّا، جَازَ التَّفَاضُلُ كَعَسَلِ قَصَبٍ بِعَسَلِ نَحْلٍ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (فَرْعٍ) مِنْ جِنْسٍ (مَعَهُ) ، أَيْ: الْفَرْعِ (غَيْرُهُ لِمَصْلَحَتِهِ) ، كَجُبْنٍ، فَإِنَّ فِيهِ مِلْحًا لِمَصْلَحَتِهِ، أَوْ مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَسَمْنٍ (بِنَوْعِهِ، كَجُبْنٍ بِجُبْنٍ مُتَمَاثِلًا) وَزْنًا، وَكَسَمْنٍ بِسَمْنٍ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا إنْ كَانَ مَائِعًا، وَإِلَّا فَوَزْنًا، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ فَرْعٍ مَعَهُ غَيْرُهُ لِمَصْلَحَتِهِ أَوْ لَا (وَ) بِنَوْعٍ (غَيْرِ نَوْعِهِ، كَزُبْدٍ بِمَخِيضٍ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا) ، كَرَطْلِ زُبْدٍ بِرَطْلِ مَخِيضٍ، لِاخْتِلَافِهِمَا نَوْعًا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَإِنْ كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا مَا دَامَ الِانْفِصَالُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالتَّمْرِ وَنَوَاهُ.
و (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مِثْلِ زُبْدٍ بِسَمْنٍ، لِاسْتِخْرَاجِهِ) ، أَيْ: السَّمْنِ (مِنْهُ) ، أَيْ: الزُّبْدِ فَيُشْبِهُ بَيْعَ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
(وَلَا) بَيْعُ (مَا) ، أَيْ: شَيْءٍ (مَعَهُ مَا) ، أَيْ شَيْءٌ (لَيْسَ لِمَصْلَحَتِهِ،
كَكِشْكٍ بِنَوْعِهِ) ، أَيْ كِشْكٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ.
(أَوْ) ، أَيْ: وَلَا بَيْعُ فَرْعٍ مَعَهُ غَيْرُهُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (بِفَرْعِ غَيْرِهِ، كَكِشْكٍ بِجُبْنٍ) أَوْ بِهَرِيسَةٍ، لِعَدَمِ إمْكَانِهِ التَّمَاثُلَ.
(وَلَا بَيْعُ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ، كَأَقِطٍ أَوْ جُبْنٍ) أَوْ زُبْدِ أَوْ لَبَنٍ أَوْ مَخِيضٍ (بِلَبَنِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْهُ، أَشْبَهَ بَيْعَ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، و (لَا) بَيْعُ (زَيْتٍ بِزَيْتُونٍ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ (وَ) لَا (شَيْرَجٍ بِسِمْسِمٍ) ، لِمَا مَرَّ.
(وَلَا) بَيْعُ (نَوْعٍ مَسَّتْهُ النَّارُ) ، كَخُبْزِ شَعِيرٍ (بِنَوْعِهِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ) ، كَعَجِينِ شَعِيرٍ، لِذَهَابِ النَّارِ بِبَعْضِ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا، فَيُجْهَلُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا.
(وَالْجِنْسُ مَا) ، أَيْ: مُسَمًّى خَاصٌّ (شَمِلَ أَنْوَاعًا) ، أَيْ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً بِالْحَقِيقَةِ، وَالنَّوْعُ مَا شَمِلَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً بِالشَّخْصِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا بِاعْتِبَارِ مَا تَحْتَهُ، وَالْجِنْسُ نَوْعًا بِاعْتِبَارِ مَا فَوْقَهُ، (كَالذَّهَبِ) يَشْمَلُ الْبَنْدُوقِيَّ وَالتَّكْرُورِيَّ وَغَيْرَهُمَا، (وَالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ) لِشُمُولِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَنْوَاعَ (وَ) فُرُوعُ الْأَجْنَاسِ كَالْأَدِقَّةِ (وَالْأَخْبَازِ وَالْأَدْهَانِ) وَالْخُلُولِ وَنَحْوِهَا أَجْنَاسٌ، فَدَقِيقُ الْبُرِّ جِنْسٌ، وَخُبْزُهُ جِنْسٌ، وَدَقِيقُ الشَّعِيرِ جِنْسٌ، وَخُبْزُهُ جِنْسٌ، وَزَيْتُ الْقُرْطُمِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ السَّلْجَمِ جِنْسٌ، وَزَيْتُ الْكَتَّانِ جِنْسٌ، وَهَكَذَا، وَدُهْنُ وَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ وَيَاسَمِينٍ وَنَحْوِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ إنْ كَانَتْ مِنْ دُهْنٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَقَاصِدُهَا.
(وَاللَّحْمُ وَاللَّبَنُ وَالْجُبْنُ وَالسَّمْنُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهَا) ، فَلَحْمُ الْإِبِلِ جِنْسٌ، وَلَبَنُهَا جِنْسٌ وَجُبْنُهَا جِنْسٌ، وَسَمْنُهَا جِنْسٌ، وَهَكَذَا الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ (لَكِنَّ الْبَقَرَ وَالْجَامُوسَ) نَوْعَا (جِنْسٍ) وَاحِدٍ، (وَالضَّأْنَ وَالْمَعْزَ) نَوْعَا (جِنْسٍ) ، لَا يُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَا الْبَخَاتِيُّ وَالْعُرْبُ.
(وَاللَّحْمُ الْأَبْيَضُ، كَسَمِينِ الظَّهْرِ) وَالْجَنْبِ، (وَاللَّحْمُ الْأَحْمَرُ جِنْسٌ) وَاحِدٌ يَتَنَاوَلُهُ اللَّحْمُ (وَنَحْرُ بَقَرٍ أَهْلِيَّةٍ وَ) بَقَرٍ (وَحْشِيَّةٍ جِنْسَانِ) ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَقَرَةٍ أَهْلِيَّةٍ، بِبَقَرَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ، (وَالشَّحْمُ
وَالْمُخُّ وَالْأَلْيَةُ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - (وَالْقَلْبُ وَالطِّحَالُ) - بِكَسْرِ الطَّاءِ - وَالرِّئَةُ وَالْكُلْيَةُ وَالْكَبِدُ وَالْكَارِعُ أَجْنَاسٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْلَيْ لَحْمِ بَقَرٍ بِرَطْلِ شَحْمٍ مِنْهُ، وَرَطْلِ شَحْمٍ مِنْهُ بِرَطْلَيْ مُخٍّ مِنْهُ - وَالْمُخُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْعِظَامِ - وَرَطْلُ شَحْمٍ بِرَطْلِ أَلْيَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ دَقِيقٍ رِبَوِيٍّ) كَدَقِيقِ ذُرَةٍ (بِدَقِيقٍ) مِثْلًا بِمِثْلٍ، (إذَا اسْتَوَيَا) أَيْ: الدَّقِيقَانِ (نُعُومَةً، لِتَسَاوِيهِمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ) فَجَازَ، كَبَيْعِ التَّمْرِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَطْبُوخِهِ) ، أَيْ: الرِّبَوِيِّ (بِمَطْبُوخِهِ) مِنْ جِنْسِهِ، كَرَطْلِ سَمْنٍ بَقَرِيٍّ بِرَطْلٍ مِنْهُ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (خُبْزِهِ بِخُبْزِهِ) ، كَخُبْزِ بُرٍّ بِخُبْزِ بُرٍّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، (إذَا اسْتَوَيَا) ، أَيْ: الْخُبْزَانِ (نِشَافًا أَوْ رُطُوبَةً) ، لَا إنْ اخْتَلَفَا، (لَكِنْ لَا يَضُرُّ يَسِيرُ زِيَادَةِ أَخْذِ نَارٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ الْخُبْزَيْنِ (أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ) ، لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ عَادَةً.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (عَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ) كَمُدِّ مَاءِ عِنَبٍ بِمِثْلِهِ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ) ، كَرُطَبٍ بِرُطَبٍ، وَعِنَبٍ بِعِنَبٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (يَابِسِهِ بِيَابِسِهِ) ، كَتَمْرٍ بِتَمْرٍ، وَزَبِيبٍ بِزَبِيبٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَنْزُوعٍ نَوَاهُ) مِنْ زَبِيبٍ وَتَمْرٍ (بِمِثْلِهِ) مَنْزُوعِ النَّوَى مِنْ جِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، كَمَا لَوْ كَانَا مَعَ نَوَاهُمَا، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (نَوًى بِتَمْرٍ فِيهِ نَوًى - وَلَوْ مُتَفَاضِلًا -) يَدًا بِيَدٍ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (تَمْرٍ فِيهِ نَوًى بِمِثْلِهِ) ، أَيْ: بِتَمْرٍ فِيهِ نَوًى مِثْلًا بِمِثْلٍ، و (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ (مَعَ نَوَاهُ بِمَا) ، أَيْ: بِمَنْزُوعِ النَّوَى (مَعَ نَوَاهُ) ، لِزَوَالِ التَّبَعِيَّةِ، فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، (وَلَا) بَيْعُ (مَنْزُوعٍ نَوَاهُ بِمَا نَوَاهُ فِيهِ) ، لِعَدَمِ التَّسَاوِي، (وَلَا) بَيْعُ (خَلِّ عِنَبٍ بِخَلِّ زَبِيبٍ) - وَلَوْ مُتَمَاثِلًا - لِانْفِرَادِ خَلِّ الزَّبِيبِ بِالْمَاءِ (بَلْ) يَجُوزُ بَيْعُ (خَلِّ كُلٍّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ (بِمِثْلِهِ) ، لِتَسَاوِيهِمَا
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) : يَصِحُّ بَيْعُ (خَلِّ رُطَبٍ بِخَلِّ تَمْرٍ) ، لِمَا فِي خَلِّ التَّمْرِ مِنْ الْمَاءِ، (بَلْ) يَصِحُّ بَيْعُ (كُلٍّ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ) ، لِتَسَاوِيهِمَا قِيَاسًا عَلَى الْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (وَ) لَا يَصِحُّ بَيْعُ (خَلِّ زَبِيبٍ بِخَلِّ تَمْرٍ) ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَاءِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، كَمَا لَا يَخْفَى، (أَوْ) خَلُّ زَبِيبٍ بِخَلِّ (رُطَبٍ) ، لِانْفِرَادِ خَلِّ الزَّبِيبِ بِالْمَاءِ (بَلْ) يَصِحُّ بَيْعُ (خَلِّ عِنَبٍ) بِخَلِّ (رُطَبٍ) ، لِتَقَارُبِ اسْتِوَائِهَا فَهُمَا كَالْمُتَمَاثِلِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) بَيْعُ (حَبٍّ) مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَذُرَةٍ وَنَحْوِهَا (بِدَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ) ، لِانْتِشَارِ أَجْزَاءِ الْحَبِّ بِالطَّحْنِ، فَيَتَعَذَّرُ التَّسَاوِي، وَلِأَخْذِ النَّارِ مِنْ السَّوِيقِ، (وَلَا) بَيْعُ (دَقِيقٍ حَبٍّ) ، كَبُرٍّ (بِسَوِيقِهِ) لِأَخْذِ النَّارِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكَحَبٍّ مَقْلِيٍّ بِنِيءٍ، (وَلَا) بَيْعُ (خُبْزٍ بِحَبِّهِ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ) ، لِلْجَهْلِ بِالتَّسَاوِي، لِمَا فِي الْخُبْزِ مِنْ الْمَاءِ، (وَلَا) بَيْعُ (نِيئِهِ) ، أَيْ الرِّبَوِيِّ (بِمَطْبُوخِهِ) ، كَلَحْمٍ نِيءٍ بِلَحْمٍ مَطْبُوخٍ مِنْ جِنْسِهِ، لِأَخْذِ النَّارِ مِنْ الْمَطْبُوخِ، (وَلَا) بَيْعُ (أَصْلِهِ) ، كَعِنَبٍ (بِعَصِيرِهِ) ، كَبَيْعِ لَحْمٍ مِنْ حَيَوَانِهِ مِنْ جِنْسِهِ، (وَلَا) بَيْعُ (خَالِصِهِ) ، أَيْ: الرِّبَوِيِّ، كَلَبَنٍ بِمَشُوبِهِ، (أَوْ مَشُوبِهِ بِمَشُوبِهِ) ، لِانْتِفَاءِ التَّسَاوِي، أَوْ الْجَهْلِ بِهِ (وَلَا) بَيْعُ (رَطْبِهِ) ، أَيْ الْجِنْسِ الرِّبَوِيِّ (بِيَابِسِهِ) ، كَرُطَبٍ بِتَمْرٍ، وَعِنَبٍ بِزَبِيبٍ، لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، قَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ حُكْم الْمُحَاقَلَةُ]
(وَلَا تَصِحُّ الْمُحَاقَلَةُ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُحَاقَلَةِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، (وَهِيَ) مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْحَقْلِ، وَهُوَ الزَّرْعُ إذَا تَشَعَّبَ قَبْلَ أَنْ تَغْلُظَ سُوقُهُ، وَقِيلَ: الْحَقْلُ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ "
كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ، أَوْ كِرَاؤُهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَقِيلَ: بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ طِيبِهِ، أَوْ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ مِنْ الْحَقْلِ وَهُوَ الْفَدَّانُ، وَالْمَحَاقِلُ الْمَزَارِعُ.
قَالَ فِي " الْمُطْلِعِ " وَفِي الِاصْطِلَاحِ (بَيْعُ الْحَبِّ) ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ (الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ) مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ، كَبَيْعِ بُرٍّ مُشْتَدٍّ فِي سُنْبُلِهِ (وَيَصِحُّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ، كَبَيْعِ بُرٍّ مُشْتَدٍّ فِي سُنْبُلِهِ بِشَعِيرٍ أَوْ فِضَّةٍ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسَاوِي، فَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ الْحَبُّ وَبِيعَ - وَلَوْ بِجِنْسِهِ - لِمَالِكِ الْأَرْضِ، أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، صَحَّ إنْ انْتَفَعَ بِهِ.
(وَلَا) بَيْعُ (الْمُزَابَنَةِ) مِنْ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَزْبِنُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ وَيُرَاوِدُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الشَّرْطِيُّ زَبِينًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّاسَ بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ، (وَهِيَ) ، أَيْ: الْمُزَابَنَةُ شَرْعًا: (بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(إلَّا فِي الْعَرَايَا) جَمْعُ عَرِيَّةٍ (وَهِيَ بَيْعُ رُطَبٍ عَلَى نَخْلٍ خَرْصًا بِمِثْلِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ) الرُّطَبُ (إذَا جَفَّ) ، وَصَارَ تَمْرًا (كَيْلًا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَسَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا، وَأُقِيمَ الْخَرْصُ مَكَانَهُ، لِلْحَاجَةِ، فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِأَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ، لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِيهَا، وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، (لِمُحْتَاجٍ لِرُطَبٍ، وَلَا ثَمَنَ) ، أَيْ: ذَهَبَ أَوْ فِضَّةَ (مَعَهُ) ، لِحَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: «قُلْت لِزَيْدٍ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ، فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَتَبَايَعُونَ بِهِ رُطَبًا، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَتَبَايَعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا» (بِشَرْطِ حُلُولٍ وَتَقَابُضٍ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ (بِمَجْلِسِ عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ شُرُوطُهُ، إلَّا
مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهُ فِي الْعَرَايَا، فَالْقَبْضُ (فِيمَا) عَلَى (نَخْلٍ بِتَخْلِيَةٍ، وَفِي تَمْرٍ بِكَيْلٍ) ، أَوْ نَقْلٍ، لِمَا عُلِمَ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ تَمْرٍ عِنْدَ نَخْلٍ، (فَلَوْ) تَبَايَعَا، وَ (سَلَّمَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ مَشَيَا، فَسَلَّمَ الْآخَرُ) قَبْلَ تَفَرُّقٍ، (صَحَّ) ، لِحُصُولِ الْقَبْضِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ لَوْ كَانَ مَجْذُوذًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَالرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، لِيُؤْخَذَ شَيْئًا فَشَيْئًا، لِحَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَى التَّفَكُّهِ، لَا لِحَاجَةِ الْبَائِعِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا لِلرُّطَبِ، أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَمَعَهُ نَقْدٌ، لَمْ تَصِحَّ.
وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَرِيَّةِ كَوْنُهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ تَرَكَ الْعَرِيَّةَ مُشْتَرِيهَا حَتَّى أَتْمَرَتْ، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَيَأْتِي.
(وَلَا تَصِحُّ فِي بَقِيَّةِ الثِّمَارِ) ، لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، إلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ» ، وَلِأَنَّ الْعَرَايَا رُخْصَةٌ، وَلَا يُسَاوِيهَا غَيْرُهَا فِي كَثْرَةِ الِافْتِئَاتِ، وَسُهُولَةِ الْخَرْصِ، (وَلَا) تَصِحُّ (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَكْثَرَ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ، (وَلَوْ مِنْ عَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي صَفَقَاتٍ) اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ.
(وَلَا يَضُرُّ تَعَدُّدُ الْعَرَايَا لِبَائِعٍ) ، كَمَا لَوْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّةً مِنْ شَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ، فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جَازَ حَيْثُ كَانَ مَا أَخَذَهُ كُلُّ وَاحِدٍ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى إنْسَانٌ عَرِيَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ شَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَفِيهَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جَازَ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ، (وَبَطَلَ) الْبَيْعُ (إنْ أَتَمَرَ) الرُّطَبُ، أَيْ: صَارَ تَمْرًا (قَبْلَ أَخْذِهِ) ، وُقُوفًا مَعَ مَوْرِدِ النَّصِّ.
(وَيَصِحُّ، بَيْعُ نَوْعَيْ جِنْسٍ) مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ بِنَوْعَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَيَصِحُّ بَيْعُ (نَوْعٍ بِنَوْعَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ) ، كَبَيْعِ (دِينَارِ قِرَاضَةٍ، وَهِيَ قِطَعُ ذَهَبٍ، أَوْ) قِطَعُ (فِضَّةٍ وَ) دِينَارٍ (صَحِيحٍ) مَعَهَا، بِدِينَارَيْنِ (صَحِيحَيْنِ أَوْ قِرَاضَتَيْنِ) إذَا تَسَاوَتْ وَزْنًا، (أَوْ) بَيْعُ دِينَارٍ (صَحِيحٍ) بِدِينَارٍ (صَحِيحٍ) مِثْلِهِ وَزْنًا، (وَ) كَبَيْعِ (حِنْطَةٍ حَمْرَاءَ وَسَمْرَاءَ) بِحِنْطَةٍ (بَيْضَاءَ) ، وَعَكْسِهِ، (وَ) كَبَيْعِ
(تَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ وَبَرْنِيِّ بِإِبْرَاهِيمِيٍّ) ، وَعَكْسِهِ، وَكَبَرْنِيِّ وَصَيْحَانِيٍّ بِمَعْقِلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمِيٍّ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِثْلِيَّةُ فِي الْوَزْنِ أَوْ الْكَيْلِ، لَا الْقِيمَةُ وَالْجَوْدَةُ، وَالْمَعْقِلِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعْقِلِ بْنِ بَشَّارٍ، وَالْبَرْنِيُّ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ تَمْرٌ أَصْفَرُ مُدَوَّرٌ، وَهُوَ أَجْوَدُ التَّمْرِ.
(وَ) يَصِحُّ، بَيْعُ (لَبَنٍ بِذَاتِ لَبَنٍ) - وَلَوْ مِنْ جِنْسِهِ - (وَ) بَيْعُ (صُوفٍ بِمَا) ، أَيْ: حَيَوَانٍ (عَلَيْهِ صُوفٌ) مِنْ جِنْسِهِ، (وَ) بَيْعُ (ذَاتِ لَبَنٍ) بِمِثْلِهَا، (أَوْ ذَاتِ صُوفٍ بِمِثْلِهَا) [؛ لِأَنَّ النَّوَى] بِالتَّمْرِ وَالصُّوفَ وَاللَّبَنَ بِالْحَيَوَانِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَا أَثَرَ لَهُ.
(وَ) بَيْعُ (دِرْهَمٍ فِيهِ نُحَاسٌ بِنُحَاسٍ) خَالِصٍ، (أَوْ) بِدِرْهَمٍ (مُسَاوِيهِ فِي غِشٍّ بِيَقِينٍ) فَإِنْ زَادَ غِشُّ أَحَدِهِمَا، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَكَذَا إنْ جُهِلَ؛ لِأَنَّ النُّحَاسَ فِي الدِّرْهَمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، أَشْبَهَ، الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ، وَحَبَّاتِ شَعِيرٍ بِحِنْطَةٍ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (تُرَابِ مَعْدِنٍ) بِغَيْرِ جِنْسِهِ، (وَ) بَيْعُ تُرَابِ (صَاغَةٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ إذَنْ، فَإِنْ بِيعَ تُرَابُ مَعْدِنٍ ذَهَبٍ أَوْ صَاغَةٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ، اُعْتُبِرَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ بِالْمَجْلِسِ، وَلَا تَضُرُّ جَهَالَةُ الْمَقْصُودِ، لِاسْتِتَارِهِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فِي الْمَعْدِنِ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ تُرَابُ الصَّاغَةِ، وَلَا يَصِحُّ بِجِنْسِهِ، لِلْجَهْلِ بِالتَّسَاوِي.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (مَا مُوِّهَ بِنَقْدٍ بِنَحْوِ دَارٍ) ، كَبَابٍ وَشُبَّاكٍ، (لَا حُلِيَّ بِجِنْسِهِ) ، أَيْ: النَّقْدِ الْمُمَوَّهِ بِهِ (وَ) بَيْعُ (نَخْلٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ) أَوْ رُطَبٌ (بِمِثْلِهِ) ، أَيْ: بِنَخْلٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ أَوْ رُطَبٌ، (وَ) بَيْعُ نَخْلٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ (بِتَمْرٍ) ، أَوْ رُطَبٍ؛ لِأَنَّ الرِّبَوِيَّ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، (وَثَمَرَةُ كُلٍّ) مِنْ نَخْلٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ (لِبَائِعِهِ) . (وَيَتَّجِهُ إنْ قَصَدَ الثَّمَرَ أَيْضًا) بِالْبَيْعِ حَالَ الْعَقْدِ (وَلَا) يَصِحُّ، لِشَبَهِهَا
بِمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِجِنْسِهِ مَعَهُمَا) ، أَيْ: الْعِوَضَيْنِ، (أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمِثْلِهِمَا) ، أَيْ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ - وَلَوْ أَنَّ الْمُدَّيْنِ وَالدِّرْهَمَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ - (أَوْ) بَيْعُ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ (بِمُدَّيْنِ) مِنْ عَجْوَةٍ، (أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ) ، وَكَبَيْعِ مُحَلًّى بِذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَوْ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، نَصًّا لِحَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» ) . وَلِلْأَصْحَابِ فِي تَوْجِيهِ الْبُطْلَانِ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: مَأْخَذُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا اجْتَمَعَتْ بِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ انْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْهُ، وَهَذَا يُؤَدِّي هُنَا إمَّا إلَى الْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، أَوْ إلَى الْجَهْلِ، بِالتَّسَاوِي، وَكِلَاهُمَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ، فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ بِمُدَّيْنِ يُسَاوِيَانِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، كَانَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ، وَيَبْقَى مَدٌّ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثٍ، وَذَلِكَ رِبًا.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: سَدُّ ذَرِيعَةِ الرِّبَا، لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا الصَّرِيحِ، كَبَيْعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كِيسٍ بِمِائَتَيْنِ
جَعْلًا لِلْمِائَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْكِيسِ، وَقَدْ لَا يُسَاوِي دِرْهَمًا، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ إيمَاءٌ لِهَذَا الْمَأْخَذِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ) مَا مَعَ الرِّبَوِيِّ (يَسِيرًا لَا يُقْصَدُ) بِعَقْدٍ، (كَخُبْزٍ فِيهِ مِلْحٌ بِمِثْلِهِ) ، أَيْ: يُخْبَزُ فِيهِ مِلْحٌ، (وَ) كَخُبْزٍ فِيهِ مِلْحٌ (بِمِلْحٍ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْحَ فِي الْخُبْزِ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَزْنٍ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، (أَوْ) يَكُونَ مَا مَعَ الرِّبَوِيِّ (كَثِيرًا) لَا يُقْصَدُ، (لَكِنْ) جُعِلَ فِيهِ (
لِمَصْلَحَةِ
الْمَقْصُودِ، كَمَاءٍ بِخَلِّ تَمْرٍ أَوْ) خَلِّ (زَبِيبٍ وَدِبْسٍ) ، فَلَا يَمْنَعُ الْمَاءُ بَيْعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخَلِّ وَالدِّبْسِ (بِمِثْلِهِ) ، فَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ التَّمْرِ بِخَلِّ التَّمْرِ، وَخَلِّ الزَّبِيبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ، وَدِبْسِ التَّمْرِ بِدِبْسِ التَّمْرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَا أَثَرَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ إنْ كَانَ مَعَ الرِّبَوِيِّ (مَاءٌ) كَثِيرٌ، لَكِنَّهُ (لَيْسَ لِمَصْلَحَتِهِ) ، أَيْ: مَصْلَحَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، (كَلَبَنٍ مَشُوبٍ) بِمَاءٍ إذَا بِيعَ (بِمِثْلِهِ) ، وَكَالْأَثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ إذَا بِيعَتْ بِأَثْمَانٍ خَالِصَةٍ، فَلَا يَجُوزُ، لِلْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ.
(وَيَصِحُّ) قَوْلُهُ: (أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ، وَبِالنِّصْفِ الْآخَرِ فُلُوسًا) ، كَدَفْعِ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ بِنِصْفِهِ نِصْفًا، وَبِنِصْفِهِ فُلُوسًا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا، لِوُجُودِ التَّسَاوِي.
ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ أَنَّ) - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - (صَارِفَ) قِطَعِ (دَرَاهِمَ) عَدَدٍ (بِنَحْوِ قِرْشٍ مَثَلًا) ، كَرِيَالٍ (إذَا) أَعْطَى مَنْ يُصَارِفُهُ الْقِرْشَ، وَ (أَخَذَ) بَدَلَ بَعْضِ قِطَعِ دَرَاهِمَ، وَأَخَذَ (تَتِمَّتَهُ فُلُوسًا أَوْ حَاجَةً، يَجُوزُ) ، وَقَوْلُهُمْ: أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَبِالْآخَرِ فُلُوسًا، لَيْسَ بِقَيْدٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، بَلْ إنْ كَانَتْ الْفُلُوسُ مِقْدَارَ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، جَازَ، طَلَبًا لِلْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، وَلَا يَرِدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ بَيْعِ دِرْهَمٍ فِيهِ غِشٌّ بِدِرْهَمٍ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْغِشِّ يَقِينًا، فَإِنَّ ذَاكَ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ فِي دِرْهَمٍ مِثْلِهِ، وَأَمَّا هُنَا فَبَيْعُ قِرْشٍ بِقِطَعِ دَرَاهِمَ، وَتَتِمَّتِهِ فُلُوسًا أَوْ غَيْرَهَا، وَهَذَا لَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ
وَدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ
، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ [إنْ]
ثَبَتَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَيَصِحُّ قَوْلُهُ: أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا، وَبِالنِّصْفِ الْآخَرِ (حَاجَةً) ، كَلَحْمٍ، (أَوْ) قَوْلُهُ لِمَنْ أَعْطَاهُ دِرْهَمَيْنِ: (أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وَبِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ) ، لِوُجُودِ التَّسَاوِي؛ لِأَنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ فِي الدِّرْهَمِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ مَعَ الْفُلُوسِ أَوْ الْحَاجَةِ، وَقِيمَةَ الْفُلُوسِ أَوْ الْحَاجَةِ كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ.
(وَ) يَصِحُّ (قَوْلُهُ لِصَايِغٍ: صُغْ لِي خَاتَمًا) مِنْ فِضَّةٍ (وَزْنُهُ دِرْهَمٌ، وَأُعْطِيَكَ مِثْلَ زِنَتِهِ، وَ) أُعْطِيَكَ (أُجْرَتَكَ دِرْهَمًا، وَلِلصَّائِغِ أَخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي مُقَابَلَةِ) فِضَّةِ (الْخَاتَمِ، وَ) الدِّرْهَمُ (الثَّانِي أُجْرَةٌ لَهُ) ، وَلَيْسَ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ.
. (وَمَرْجِعُ كَيْلٍ عُرْفُ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) مَرْجِعُ (وَزْنٍ عُرْفُ مَكَّةَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)
لِحَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكَ بْنِ عُمَيْرٍ مَرْفُوعًا: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» . (وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ هُنَاكَ) ، أَيْ: بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ (يُعْتَبَرُ) عُرْفُهُ (فِي مَوْضِعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا، أَشْبَهَ الْقَبْضَ وَالْحِرْزَ، (فَإِنْ اخْتَلَفَ) عُرْفٌ فِي بِلَادِهِ، (اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ) مِنْهَا، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لَهُ عُرْفٌ غَالِبٌ، (رُدَّ إلَى أَقْرَبِ مَا يُشْبِهُهُ بِالْحِجَازِ) ، كَرَدِّ الْحَوَادِثِ إلَى أَقْرَبِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِهَا.
(وَكُلُّ مَائِعٍ) ، كَلَبَنٍ وَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ (وَحَبٍّ وَثَمَرٍ، كَتَمْرٍ فَدُونَهُ مَكِيلٌ) ، فَرُطَبٌ وَبُسْرٌ وَبَاقِي ثَمَرِ النَّخْلِ، وَكَزَبِيبٍ وَبُنْدُقٍ وَفُسْتُقٍ وَلَوْزٍ وَبُطْمٍ وَعُنَّابٍ وَمِشْمِشٍ يَابِسٍ وَزَيْتُونٍ مَكِيلٌ، وَكَذَا سَائِرُ الْحُبُوبِ، وَالْمِلْحُ وَالْأُشْنَانُ وَالْأَبَازِيرُ وَالصَّعْتَرُ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَيَجُوزُ التَّعَامُلُ بِكَيْلٍ لَمْ يُعْهَدْ.
(وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُطْلَقًا) مَسْبُوكًا كَانَ أَوْ لَا مَوْزُونٌ، (وَغَيْرِ مَعْمُولٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَغَزْلِ كَتَّانٍ وَقُطْنٍ وَحَرِيرٍ وَقَزٍّ وَشَعْرٍ) وَصُوفٍ وَوَبَرٍ مَوْزُونٌ، (وَكَذَا شَمْعٌ وَعِنَبٌ وَزَعْفَرَانٌ) وَوَرَسٌ (وَعُصْفُرٌ وَخُبْزٌ وَجُبْنٌ وَلُؤْلُؤٌ) وَزِئْبَقٌ (مَوْزُونٌ، وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْمَوْزُونِ (زُبْدٌ وَسَمْنٌ جَامِدٌ وَعَجْوَةٌ تَجَبَّلَتْ) وَزُجَاجٌ وَطِينٌ أَرْمَنِيٌّ يُؤْكَلُ دَوَاءً وَلَحْمٌ وَشَحْمٌ، (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، (فَمَعْدُودٌ لَا رِبًا فِيهِ، كَحَيَوَانٍ وَجَوْزٍ وَبَيْضٍ وَرُمَّانٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَسَفَرْجَلٍ وَخَوْخٍ وَخُضَرٍ وَبِقَوْلٍ) بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا، وَإِجَّاصٍ وَكُلِّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، (وَ) كَذَا (مَعْمُولٌ مِنْ مَوْزُونٍ كَثِيَابٍ وَخَوَاتِمَ وَإِبَرٍ وَسَكَاكِينَ، وَنَحْوِهَا) ، كَسُيُوفٍ وَدُرُوعٍ.
[فَصْلٌ حُكْم رِبَا النَّسِيئَةِ]
(فَصْلٌ وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ) - مِنْ النَّسَاءِ بِالْمَدِّ - وَهُوَ التَّأْخِيرُ - (بَيْنَ مَا) ، أَيْ: مَبِيعَيْنِ (اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ) ، وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَشَرْطٌ لِتَحْرِيمِ الْفَضْلِ، كَمَا أَنَّ الزِّنَا عِلَّةُ الْحَدِّ،
وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ لِلرَّجْمِ، كَبَيْعِ (مُدِّ بُرٍّ بِمِثْلِهِ) أَيْ: مُدِّ بُرٍّ (أَوْ بِشَعِيرٍ وَكَبَيْعِ) دِرْهَمٍ مِنْ (قَزٍّ) بِرَطْلٍ مِنْ (خُبْزٍ، فَيُشْتَرَطُ) لِذَلِكَ (حُلُولٌ وَقَبْضٌ بِالْمَجْلِسِ) - سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ - وَتَمَاثَلَ - إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ - وَتَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا عِلَّتُهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَحَرُمَ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالصَّرْفِ.
تَنْبِيهٌ: التَّقَابُضُ هُنَا وَحَيْثُ اُعْتُبِرَ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ، لَا لِصِحَّتِهِ، إذْ الْمَشْرُوطُ لَا يَتَقَدَّمُ شَرْطَهُ.
وَ (لَا) يُعْتَبَرُ ذَلِكَ (إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا) ، أَيْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، كَسُكَّرٍ بِدَرَاهِمَ، وَحَرِيرٍ بِدَنَانِيرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ النَّسَاءُ فِي ذَلِكَ لَسُدَّ بَابُ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ - وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ الشَّرْعُ - وَأَصْلُ رَأْسِ مَالِهِ النَّقْدَانِ، (إلَّا فِي صَرْفِهِ) ، أَيْ: النَّقْدِ (بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ، فَكَنَقْدٍ) ، نَصًّا، فَيُشْتَرَطُ الْحُلُولُ وَالْقَبْضُ، إلْحَاقًا لَهَا بِالنَّقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ " الْمُنَقِّحُ "، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُنْتَهَى "، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَوَّزَ النَّسَاءَ فِي صَرْفِ الْفُلُوسِ بِالنَّقْدِ، تَبَعًا لِاخْتِيَارِ ابْنِ عَقِيلٍ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
(وَيَحِلُّ نَسَاءٌ) ، أَيْ: تَأْخِيرٌ (فِي) بَيْعِ (مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ) ، كَبُرٍّ بِسُكَّرٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ، أَشْبَهَ بَيْعَ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ بِغَيْرِهِ، (وَ) يَحِلُّ نَسَاءٌ (فِيمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا فَضْلٍ، كَثِيَابٍ) بِثِيَابٍ أَوْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَحَيَوَانٍ) بِحَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَبِنٍ بِتَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ) بِالْهَمْزِ، (وَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ - وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ) - «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ»
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْغَرِيبِ "، فَمِنْ صُورَةِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ حَالًّا مِنْ عُرُوضٍ وَأَثْمَانٍ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ، فَلَا يَصِحُّ، وَمِنْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا جَعْلُهُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ) ، بِأَنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ، فَيَقُولَ: جَعَلْتُ مَا فِي ذِمَّتِكَ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ عَلَى كَذَا.
(وَلَا) يَصِحُّ (تُصَارَفُ الْمَدِينَيْنِ بِجِنْسَيْنِ فِي ذِمَّتِهَا مِنْ نَقْدٍ) ، بِأَنْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو ذَهَبٌ، وَلِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ فِضَّةٌ، وَتُصَارِفَاهُمَا، وَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدُهُمَا أَوْ هُمَا، فَلَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، (أَوْ رِبَوِيٌّ) ، بِأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا بُرٌّ وَلِلْآخَرِ شَعِيرٌ وَتَبَايَعَاهُمَا.
(وَتَصِحُّ مُعَاوَضَةٌ) ، أَيْ: مُصَارَفَةٌ وَغَيْرُهَا (إنْ أُحْضِرَ عِوَضٌ) ، أَيْ: أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ، (أَوْ كَانَ) أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ دَيْنًا وَالْآخَرُ (أَمَانَةً عِنْدَهُ) أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، (وَتَعَاوَضَا عَلَى مَا يَرْضَيَانِهِ مِنْ السِّعْرِ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، فَيَجُوزُ مَا تَرَاضَيَا بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى سِعْرٍ لَا يُرِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَنْ تَرَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى سِعْرٍ أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الْوَاجِبُ.
(وَمَنْ عَلَيْهِ دِينَارٌ دَيْنًا، فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ مُتَفَرِّقَةً) شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَإِنْ أَعْطَاهُ (كُلَّ نَقْدَةٍ بِحِسَابِهَا مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الدِّينَارِ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ هَذَا الدِّرْهَمَ عَنْ عُشْرِ دِينَارٍ مَثَلًا أَوْ هَذَانِ الدِّرْهَمَانِ عَنْ خُمُسِهِ، (صَحَّ) الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) ، بِأَنْ أَعَطَاهُ، وَسَكَتَ، (ثُمَّ تَحَاسَبَا بَعْدَ) إعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ، (فَصَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ، فَلَا) يَصِحُّ، (لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ) عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَ (وَكَّلَ غَرِيمَهُ) رَبَّ الْحَقِّ (فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ) لِلْمَدِينِ، (وَ) فِي (أَخْذِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا) ، أَيْ: السِّلْعَةِ، (فَبَاعَ) الْوَكِيلُ السِّلْعَةَ (بِغَيْرِ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ، (لَمْ يَصِحَّ أَخْذُهُ) ، أَيْ: الْوَكِيلِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، نَصًّا، (لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي مُصَارَفَةِ نَفْسِهِ) ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
(وَيَتَّجِهُ الصِّحَّةُ) ، أَيْ: صِحَّةُ أَخْذِ الْوَكِيلِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ (مَعَ إذْنِهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ (فِيهَا) ، أَيْ: الْمُصَارَفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ عَلَيْهِ دِينَارٌ) دَيْنًا (فَبَعَثَ إلَى غَرِيمِهِ) صَاحِبِ الدِّينَارِ (دِينَارًا) نَاقِصًا (وَتَتِمَّتُهُ دَرَاهِمَ) ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، (أَوْ) (أَرْسَلَ مَنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ غَرِيمَهُ) الَّذِي لَهُ الدَّنَانِيرُ فِي ذِمَّتِهِ (إلَى مَنْ لَهُ) ، أَيْ: لِلْمُرْسِلِ (عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، وَقَالَ) الْمُرْسِلُ لِغَرِيمِهِ: (خُذْ) قَدْرَ (حَقِّكَ مِنْهُ دَنَانِيرَ، فَقَالَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ) لِلرَّسُولِ: (خُذْ دَرَاهِمَ) صِحَاحًا (بِالدَّنَانِيرِ) ، (لَمْ يَجُزْ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي الصَّرْفِ، وَلَوْ أَخَذَ الرَّسُولُ رَهْنًا أَوْ عِوَضًا عَنْهُ بَعَثَهُ الْمَدِينُ، فَذَهَبَ، فَمِنْ مَالِ بَاعِثٍ.
(وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ بِعَقْدٍ، فَأَعْطَى عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الدَّرَاهِمِ (دَنَانِيرَ، ثُمَّ انْفَسَخَ) الْعَقْدُ، (رَجَعَ) مُعْطِي الدَّنَانِيرَ (بِالدَّرَاهِمِ) الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، لَا بِمَا أُعْطِيَ عَنْهَا
[فَصْلٌ الصَّرْفُ بَيْعُ نَقْدٍ بِنَقْدِ]
(فَصْلٌ وَالصَّرْفُ بَيْعُ نَقْدٍ بِنَقْدِ) مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ - مَأْخُوذٌ مِنْ الصَّرِيفِ وَهُوَ تَصْوِيتُ النَّقْدِ بِالْمِيزَانِ - (وَيَبْطُلُ) صَرْفٌ كَبُطْلَانِ (سَلَمٍ بِتَفَرُّقٍ) بِبَدَنٍ (يُبْطِلُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ) قَبْلَ تَقَابُضٍ، (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِمَوْتِ) أَحَدِ الْمُتَصَارِفَيْنِ (قَبْلَ تَقَابُضٍ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي صَرْفٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَدًا بِيَدٍ» . وَفِي سَلَمٍ قُبِضَ رَأْسُ مَالِهِ، لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
(وَإِنْ تَأَخَّرَ) تَقَابُضٌ فِي صَرْفٍ، أَوْ فِي رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ (فِي بَعْضٍ) مِنْ ذَلِكَ، (بَطَلَ) ، أَيْ: الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمُتَأَخِّرِ قَبْضُهُ (فَقَطْ) ، لِفَوَاتِ
شَرْطِهِ، وَصَحَّا فِيمَا قَبَضَ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَيَقُومُ الِاعْتِيَاضُ مِنْ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَسُقُوطُهُ عَنْ ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا مَقَامَ قَبْضِهِ.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلٌ) مِنْ الْعَاقِدِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ عَقْدٍ (فِي قَبْضٍ رِبَوِيٍّ) وَسَلَمٍ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلٍ مَقَامَ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ (مَا دَامَ مُوَكِّلُهُ بِالْمَجْلِسِ) ، أَيْ: مَجْلِسِ الْعَقْدِ، لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، سَوَاءٌ بَقِيَ الْوَكِيلُ بِالْمَجْلِسِ إلَى قَبْضٍ أَوْ فَارَقَهُ ثُمَّ عَادَ وَقَبَضَ؛ لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ، فَإِنْ فَارَقَ مُوَكِّلٌ قَبْلَهُ، بَطَلَ، وَإِنْ وَكَّلَ فِي الْعَقْدِ، اُعْتُبِرَ حَالُ الْوَكِيلِ، وَلَا يَبْطُلُ صَرْفٌ وَنَحْوُهُ بِاشْتِرَاطِ خِيَارٍ فِيهِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، وَيَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ.
(وَإِنْ تَصَارَفَا عَلَى عَيْنَيْنِ) ، أَيْ: مُعَيَّنَيْنِ (مِنْ جِنْسَيْنِ) ، كَصَارَفْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ تَصَرُّفُهُمَا (بِلَا وَزْنٍ) مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْعَقْدِ (أَوْ) بِلَا (إخْبَارِ) صَاحِبِهِ (بِهِ) ، أَيْ: بِأَنَّ وَزْنَهُ كَذَا، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَا: وَلَوْ بِوَزْنٍ مُتَقَدِّمٍ، (لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ) ، إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ صَرِيحًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَظَهَرَ غَصْبٌ) ، أَيْ: أَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ مَغْصُوبٌ، بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، (أَوْ) ظَهَرَ (عَيْبٌ فِي جَمِيعِهِ) ، أَيْ: جَمِيعِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ - (وَلَوْ) كَانَ الْعَيْبُ (يَسِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَنُحَاسٍ بِنَقْدٍ - بَطَلَ الْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبِعْتُكَ هَذَا الْبَغْلَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فَرَسٌ، (وَإِنْ ظَهَرَ) الْغَصْبُ أَوْ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ (فِي بَعْضِهِ) ، بِأَنْ صَارَفَهُ دِينَارَيْنِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَوَجَدَ أَحَدَ الدِّينَارَيْنِ مَغْصُوبًا أَوْ مَعِيبًا، (بَطَلَ) الْعَقْدُ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَعِيبِ (فَقَطْ) بِمَا يُقَابِلُهُ، وَصَحَّ فِي السَّلِيمِ بِمَا يُقَابِلُهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْعَيْبُ (مِنْ جِنْسِهِ) ، أَيْ: جِنْسِ الْمَعِيبِ، (كَرَدَاءَةٍ)
مِنْ وُضُوحٍ فِي الذَّهَبِ، وَسَوَادٍ وَخُشُونَةٍ فِي الْفِضَّةِ، وَكَوْنِهَا تَتَفَطَّرُ عِنْدَ الضَّرْبِ، (أَوْ تَغَيَّرَ سَكُّهُ) ، كَكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِسِكَّةِ السُّلْطَانِ، (أَوْ تَبَيَّنَ نَقْصٌ، فَلِآخِذِهِ) الَّذِي صَارَ إلَيْهِ الْمَعِيبُ (الْخِيَارُ) بَيْنَ فَسْخٍ وَإِمْسَاكٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ، لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ أَخَذَ غَيْرَهُ أَخَذَ مَا لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهِ، (فَإِنْ رَدَّهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبَ، ((بَطَلَ) الْعَقْدُ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبَ، (فَلَهُ أَرْشُهُ) ، أَيْ الْمَعِيبِ) كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ الْمَبِيعَةِ (بِالْمَجْلِسِ) ، لِاعْتِبَارِ التَّقَابُضِ فِيهِ، (لَا مِنْ جِنْسِ) النَّقْدِ (السَّلِيمِ) ، لِئَلَّا يَصِيرَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَكَذَا يَجُوزُ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ (بَعْدَ الْمَجْلِسِ) إنْ جُعِلَ الْأَرْشُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا) ، أَيْ: النَّقْدَيْنِ، كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إذَنْ، (وَكَذَا كُلُّ رِبَوِيٍّ نَسَاءٍ بِيعَ) بِرِبَوِيٍّ مِنْ (غَيْرِ جِنْسِهِ) مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (فَبُرٌّ) بِيعَ (بِشَعِيرٍ، وَوُجِدَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْبُرِّ أَوْ الشَّعِيرِ (عَيْبٌ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (بَعْدَ تَفَرُّقٍ فَأَرْشٌ بِدِرْهَمٍ) ، أَيْ: أَخْذُ أَرْشِهِ، (أَوْ) أَخْذُ (نَحْوِهِ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِي عِلَّةِ الْكَيْلِ، جَازَ) ، لِمَا سَبَقَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ، جَازَ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ، لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ.
(وَإِنْ تَصَارَفَا [عَلَى] جِنْسَيْنِ، بِذِمَّةٍ) كَدِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةً، (وَتَقَابَضَا قَبْلَ تَفَرُّقٍ) ، ثُمَّ ظَهَرَ عَيْبٌ فِي أَحَدِهِمَا - (وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ - فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ) ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَيْبٌ، (وَلَهُ) إنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ (قَبْلَ تَفَرُّقٍ إبْدَالُهُ) بِسَلِيمٍ، لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى مُطْلَقٍ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ مِنْ الْعَيْبِ، (أَوْ) أَخْذُ (أَرْشِهِ) ، أَيْ: الْعَيْبِ.
(وَيَتَّجِهُ لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: التَّفَرُّقُ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ، وَ (لَهُ إمْسَاكٌ مَعَ أَرْشِ) عَيْبِهِ، لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَ (لَا) يُؤْخَذُ الْأَرْشُ (مِنْ جِنْسِهِمَا) ، أَيْ: السَّلِيمِ وَالْمَعِيبِ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ رَدُّهُ (وَأَخْذُ بَدَلِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ بَعْدَهُ، كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ (بِمَجْلِسٍ رُدَّ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ أَخْذِ بَدَلِهِ، (بَطَلَ الْعَقْدُ) ، لِحَدِيثِ: «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ»
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، فَتَفَرَّقَا) ، أَيْ: الْمُتَصَارِفَانِ مِنْ الْمَجْلِسِ (قَبْلَ رَدِّ) مَعِيبٍ (وَأَخْذِ بَدَلِهِ، بَطَلَ) الصَّرْفُ، لِلتَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، (وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: الْعِوَضَيْنِ مِنْ جِنْسٍ فِي صَرْفٍ (دُونَ) الْعِوَضِ (الْآخَرِ) ، بِأَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، كَصَارَفْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَذَا، وَهَذِهِ الْفِضَّةَ بِدِينَارٍ مِصْرِيٍّ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبٌ، (فَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُعَيَّنِ وَمَا فِي الذِّمَّةِ (حُكْمُ نَفْسِهِ) ، فَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ الْمُعَيَّنَ وَالْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَمِنْ جِنْسِهِ يُخَيَّرُ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَفِيهِ حُكْمُ التَّصَارُفِ عَلَى جِنْسَيْنِ فِي الذِّمَّةِ إذَا ظَهَرَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمَا، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، فَإِنْ عَلِمَهُ قَبْلَ تَفَرُّقٍ فَلَهُ إبْدَالُهُ أَوْ أَرْشُهُ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَهُ إمْسَاكُهُ مَعَ الْأَرْشِ، وَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ
(وَالْعَقْدُ عَلَى عَيْنَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ مِنْ جِنْسٍ) كَهَذَا الدِّينَارِ بِهَذَا الدِّينَارِ، كَالْعَقْدِ عَلَى رِبَوِيَّيْنِ (مِنْ جِنْسَيْنِ) ، لَكِنْ لَا أَرْشَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ وَاحِدٍ، كَبُرٍّ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ بِبُرٍّ كَذَلِكَ، (إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُ أَرْشٍ مُطْلَقًا) ، لَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا مِنْ الْجِنْسِ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ إنْ كَانَ مِنْ الْجِنْسِ، وَإِلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
(وَلَا بُدَّ) فِيمَا إذَا كَانَ الْعَيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (مِنْ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ) كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، (وَلَوْ) كَانَ الْعِلْمُ بِهَا (بِوَزْنٍ) أَوْ كَيْلٍ (مُتَقَدِّمٍ) عَلَى الْعَقْدِ، (أَوْ) كَانَ (بِخَبَرِ صَاحِبِهِ) حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ
(وَيَتَّجِهُ) اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ، (وَلَوْ) ظَهَرَ الْعِلْمُ بِهَا (بَعْدَ تَبَايُعٍ) لِلْعَيْنَيْنِ (إنْ) اُعْتُبِرَ بِمِعْيَارِهِمَا (فَبَانَ - سَوَاءٌ) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فَاعْتُبِرَتْ، فَبَانَتْ كَذَلِكَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَإِنْ) (تَلِفَ عِوَضٌ قُبِضَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (فِي صَرْفِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مَثَلًا، (ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ) ، أَيْ: التَّالِفِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ، كَأَنْ شَاهَدَهُ قَبْلَ تَلَفِهِ (- وَقَدْ تَفَرَّقَا -) (فُسِخَ صَرْفٌ) ، أَيْ: فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، (وَرُدَّ مَوْجُودٌ) لِبَاذِلِهِ، (وَتَبْقَى) قِيمَةُ مَعِيبٍ (تَالِفٍ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ) ، لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ، (فَيَرُدُّ) مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ (مِثْلَهُ) ، أَيْ: الْمَعِيبِ دَرَاهِمَ مَعِيبَةً، [أَوْ] يَرُدُّ (قِيمَتَهُ إنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) ، أَيْ، عَلَى رَدِّ الْقِيمَةِ.
قَالَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَنَقَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ
(وَيَصِحُّ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ فِي) الصَّرْفِ إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، (وَلَوْ تَفَرَّقَا) ، أَيْ: الْمُتَصَارِفَانِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ كَجُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ، وَقَدْ حَصَلَ قَبْضُهُ بِالْمَجْلِسِ، وَ (لَا) يَصِحُّ أَخْذُهُ (مِنْ جِنْسِهِمَا) بَعْدَ التَّفَرُّقِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِيمَا يُوهِمُ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَصِحُّ أَخْذُ أَرْشِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مُوَافِقٌ لِمَا سَبَقَ
[فَصْلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ الشِّرَاءُ مِنْ الْآخَرِ مِنْ جِنْسِ مَا صَرَفَ بِلَا مُوَاطَأَةٍ]
(فَصْلٌ: وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ (الشِّرَاءُ مِنْ الْآخَرِ مِنْ جِنْسِ مَا صَرَفَ) الْآخَرُ مِنْهُ (بِلَا مُوَاطَأَةٍ) ، كَأَنْ صَرَفَ مِنْهُ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ صَرَفَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ، بِدِينَارٍ آخَرَ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَفْعَلْ بِعْ التَّمْرَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَا اشْتَرَى مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْفِ الْحَاجَةِ
(وَصَارِفُ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ) إنْ (أَعْطَى فِضَّةً أَكْثَرَ) مِمَّا بِالدِّينَارِ (لِيَأْخُذَ) رَبُّ الدِّينَارِ (قَدْرَ حَقِّهِ) مِمَّا أُعْطِيَهُ، (فَأَخَذَ) صَاحِبُ الدِّينَارِ مِنْ الْفِضَّةِ قَدْرَ حَقِّهِ، (جَازَ) هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمَا - (وَلَوْ) كَانَ أَخْذُهُ قَدْرَ حَقِّهِ (بَعْدَ تَفَرُّقٍ) - لِوُجُودِ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِلتَّمْيِيزِ، (وَالزَّائِدُ) عَنْ قَدْرِ حَقِّهِ (أَمَانَةٌ) لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، فَلَوْ دَفَعَ لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا لِيَأْخُذَ مِنْهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، فَتَلِفَ مِنْهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ خَمْسَةٌ قَبْلَ التَّمْيِيزِ، كَانَ التَّالِفُ عَلَيْهِمَا أَسْدَاسًا، عَلَى الدَّافِعِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ سُدُسُ الْخَمْسَةِ، وَيَبْقَى لَهُ أَرْبَعَةٌ وَسُدُسٌ، وَذَلِكَ سُدُسُ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الثَّلَاثِينَ بَيْنَهُمَا أَسْدَاسًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إذَا طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ اقْتِرَاضَ دِينَارٍ فَدَفَعَ لَهُ جُمْلَةَ دَنَانِيرَ فَتَلِفَتْ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، (فَلَا يَضْمَنُ زَائِدًا) تَلِفَ بِيَدِهِ (آخِذٌ) - فَاعِلُ يَضْمَنُ - مِنْ (دَنَانِيرَ) أُعْطِيَهَا (لِيَخْتَارَ وَاحِدًا) مِنْهَا (قَرْضًا) ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَلَمْ يُفَرِّطْ، إذْ الدَّنَانِيرُ بِيَدِهِ أَمَانَةٌ، وَهِيَ لَا تُضْمَنْ إلَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ التَّفْرِيطِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بَعْدَمَا تَلِفَ مِنْ الزَّائِدِ فِيمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْفِضَّةَ لِيُخْرِجَ مِنْهَا قَدْرَ حَقِّهِ، صَارَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ فَمَا تَلِفَ مِنْهَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا فِيهَا، بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الْمُقْرِضِ شَيْءٌ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُ فِي الدَّنَانِيرِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) لَوْ صَارَفَ (خَمْسَةَ دَرَاهِمَ) فِضَّةً (بِنِصْفِ دِينَارٍ فَأَعْطَى) صَارِفَ الْفِضَّةِ (دِينَارًا، صَحَّ) الصَّرْفُ، لِحُصُولِ الْقَبْضِ بِالْمَجْلِسِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: قَابِضِ الدِّينَارِ (مُصَارَفَتُهُ بَعْدَ) ذَلِكَ (بِالْبَاقِي) مِنْ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ.
(وَلَوْ اقْتَرَضَ) صَارِفُ الْخَمْسَةِ دَرَاهِمَ (الْخَمْسَةَ) الَّتِي دَفَعَهَا لِصَاحِبِ الدِّينَارِ، (وَصَارَفَهُ بِهَا عَنْ) النِّصْفِ (الْبَاقِي) [مِنْ الدِّينَارِ، (صَحَّ بِلَا حِيلَةٍ) ، لِوُجُودِ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حِيلَةٌ] ، لَمْ يَصِحَّ (وَهِيَ) ، أَيْ: الْحِيلَةُ (التَّوَسُّلُ إلَى مُحَرَّمٍ بِمَا ظَاهِرُهُ الْإِبَاحَةُ، وَالْحِيَلُ كُلُّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ) أُمُورِ (الدِّينِ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ - وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ - فَهُوَ قِمَارٌ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْن فَرَسَيْنِ - وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ - فَلَيْسَ بِقِمَارٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
فَجَعَلَهُ قِمَارًا مَعَ إدْخَالِ الْفَرَسِ الثَّالِثِ، لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ مَعْنَى الْقِمَارَ، وَهُوَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ آخِذًا أَوْ مَأْخُوذًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا دَخَلَ تَحَيُّلًا عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمِ.
وَسَائِرُ الْحِيَلِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(كَأَنْ يُظْهِرَا) ، أَيْ: الْمُتَعَاقِدَانِ (عَقْدًا) ظَاهِرُهُ الْإِبَاحَةُ، (يُرِيدَانِ بِهِ مُحَرَّمًا مُخَادَعَةً) وَتَوَسُّلًا إلَى فِعْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الرِّبَا وَنَحْوِهِ، أَوْ إسْقَاطِ وَاجِبٍ لَهُ - تَعَالَى - أَوْ دَفْعِ حَقٍّ، (فَيَحْرُمُ قَرْضُهُ شَيْئًا لِيَبِيعَهُ) ، أَيْ: الْمُقْرِضُ لِلْمُسْتَقْرِضِ (سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، تَوَسُّلًا لِجَرِّ النَّفْعِ) ، وَكَمَسْأَلَةِ الْعِينَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ مَعَ الْإِجَارَةِ الْآتِيَةِ.
(وَذَكَرَ) خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (ابْنُ الْقَيِّمِ) فِي كِتَابِهِ " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، (صُوَرًا كَثِيرَةً جِدًّا) . فَلْتُرَاجَعْ هُنَاكَ.
فَمِمَّا ذُكِرَ فِيهِ قَوْلُهُ: فَصْلٌ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْحِيَلِ وَتَحْرِيمِهَا أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - إنَّمَا أَوْجَبَ الْوَاجِبَاتِ، وَحَرَّمَ الْمُحَرَّمَاتِ، لِمَا تَتَضَمَّنَ مِنْ مَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَالشَّرِيعَةُ لِقُلُوبِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَالدَّوَاءِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ الدَّاءُ إلَّا بِهِ، فَإِذَا احْتَالَ الْعَبْدُ عَلَى تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ
وَإِسْقَاطَ مَا فَرَضَ اللَّهُ، وَتَعْطِيلَ مَا شَرَعَ اللَّهُ، كَانَ سَاعِيًا فِي دِينِ اللَّهِ بِإِفْسَادٍ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: إبْطَالُ مَا فِي الْأَمْرِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مِنْ حِكْمَةِ الشَّارِعِ، وَنَقْضِ حِكْمَتِهِ، فِيهِ وَمُنَاقَضَةٍ لَهُ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُحْتَالَ بِهِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ حَقِيقَةٌ، وَلَا هُوَ مَقْصُودَهُ، بَلْ الْمَقْصُودُ لَهُ هُوَ الْمُحَرَّمُ نَفْسُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كُلَّ الظُّهُورِ، فَإِنَّ الْمُرَابِيَ مَثَلًا مَقْصُودُهُ الرِّبَا الْمُحَرَّمُ، وَصُورَةُ الْبَيْعِ الْجَائِزِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُتَحَيِّلُ عَلَى إسْقَاطِ الزَّكَاةِ بِتَمْلِيكِ مَالِهِ لِمَنْ لَا يَهَبُهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا حَقِيقَةً، مَقْصُودُهُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ، وَظَاهِرُ الْهِبَةِ الْمَشْرُوعَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لَهُ.
الثَّالِثُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الشَّارِعِ الْحَكِيمِ، وَإِلَى شَرِيعَتِهِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَدَوَاؤُهَا وَشِفَاؤُهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَحَيَّلَ عَلَى قَلْبِ الدَّوَاءِ أَوْ الْغِذَاءِ إلَى ضِدِّهِ، فَجَعَلَ الْغِذَاءَ دَوَاءً، وَالدَّوَاءَ غِذَاءً، إمَّا بِتَغَيُّرِ اسْمِهِ أَوْ صُورَتِهِ مَعَ حَقِيقَتِهِ، لَأَهْلَكَ النَّاسَ، فَمَنْ عَمَدَ إلَى الْأَدْوِيَةِ الْمُسَهِّلَةِ، فَغَيَّرَ صُورَتَهَا أَوْ أَسْمَاءَهَا، وَجَعَلَهَا غِذَاءً لِلنَّاسِ، أَوْ عَمَدَ إلَى السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ، فَغَيَّرَ صُورَتَهَا أَوْ أَسْمَاءَهَا، وَجَعَلَهَا أَدْوِيَةً، أَوْ إلَى الْأَغْذِيَةِ فَغَيَّرَ أَسْمَاءَهَا وَصُوَرَهَا، كَانَ سَاعِيًا بِالْفَسَادِ بِالطَّبِيعَةِ، كَمَا أَنَّ هَذَا سَاعٍ بِالْفَسَادِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ لِلْقُلُوبِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ لَلْأَبَدَانِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ جِدًّا
(وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ) دَنَانِيرَ مَثَلًا (وَزْنًا، فَوَفَّاهَا) ، أَيْ: الْعَشَرَةَ (عَدَدًا، فَوُجِدَتْ) الْعَشَرَةُ (وَزْنًا أَحَدَ عَشَرَ) دِينَارًا، فَالدِّينَارُ (الزَّائِدُ مَشَاعٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ) لِمَالِكِهِ الْمُقْبِضِ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْقَابِضَ (قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ) عَلَى أَنَّهُ عِوَضُ مَالِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ، (وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ) بِصَرْفٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ وَغَيْرِهِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ صَارَفَ بِوَدِيعَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ آخَرَ دِينَارٌ وَدِيعَةً، فَصَارَفَ رَبُّ الدِّينَارِ الْوَدِيعَ، صَحَّ - وَلَوْ
شَكَّ فِي بَقَائِهَا -[وَفِي الْمِثَالِ لَا إنْ] ظَنَّ عَدَمَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمَهُ حَالَ الْعَقْدِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا.
(وَمَنْ) (بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ مُعَيَّنَيْنِ بِإِخْبَارِ صَاحِبِهِ) الْبَاذِلِ لَهُ (بِوَزْنِهِ) ثِقَةً بِهِ، (وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: الدِّينَارَيْنِ (نَاقِصًا) عَنْ وَزْنِهِ الْمَعْهُودِ، (أَوْ) وَجَدَهُ (زَائِدًا) عَنْ وَزْنِهِ الْمَعْهُودِ، (بَطَلَ الْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا، (وَ) إنْ كَانَا (فِي الذِّمَّةِ) بِأَنْ قَالَ: بِعْتُكَ دِينَارًا بِدِينَارٍ وَوَصَفَاهُمَا - وَقَدْ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا - ثُمَّ وَجَدَ أَحَدَهُمَا زَائِدًا، (فَالزَّائِدُ بِيَدِ قَابِضٍ مَشَاعٌ مَضْمُونٌ) لِرَبِّهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْقَابِضِ (دَفْعُ عِوَضِهِ) ، أَيْ: الزَّائِدِ لِرَبِّهِ (مِنْ جِنْسِهِ) ، أَيْ: الزَّائِدِ، (وَ) مِنْ (غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ، (وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (فَسْخُ الْعَقْدِ) ، أَمَّا الْقَابِضُ فَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا، بِغَيْرِهِ، وَالشَّرِكَةُ عَيْبٌ، وَأَمَّا الدَّافِعُ، فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِ الزَّائِدِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَجْلِسِ، اسْتَرْجَعَهُ رَبُّهُ، وَدَفَعَ بَدَلَهُ.
(وَيَجُوزُ صَرْفٌ وَمُعَامَلَةٌ) بِنَقْدٍ (مَغْشُوشٍ) مِنْ جِنْسِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ الصَّرْفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِنَقْدٍ مَغْشُوشٍ (غَيْرِ جَارٍ) بَيْنَ النَّاسِ، لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ.
(وَلَوْ كَانَ) غَشَّهُ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) ، كَالدَّرَاهِمِ تُغَشُّ بِنُحَاسٍ (لِمَنْ يَعْرِفُهُ) ، أَيْ: الْغِشَّ، لِعَدَمِ الْغَرَرِ، وَكَذَا يَجُوزُ ضَرْبُ النَّقْدِ الْمَغْشُوشِ.
نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ الْإِمَامِ فِي دَرَاهِمَ يُقَالُ لَهَا الْمُسَيِّبَةُ عَامَّتُهَا نُحَاسٌ إلَّا شَيْئًا فِيهَا فِضَّةٌ، فَقَالَ: إذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ كَالْفُلُوسِ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا بَأْسٌ، وَلِأَنَّ غَايَتَهُ اشْتِمَالُهُ عَلَى جِنْسَيْنِ وَلَا غَرَرَ فِيهِمَا، وَلِاسْتِفَاضَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، (وَأَلَّا) يَعْرِفَ قَابِضُهُ
غِشَّهُ، (حَرُمَ) ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ.
(وَالْكِيمْيَا غِشٌّ، فَتَحْرُمُ) ؛ لِأَنَّهَا تُشَبِّهُ الْمَصْنُوعَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِالْمَخْلُوقِ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ مُحَرَّمَةٌ (بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثَبَتَتْ عَلَى الروباص أَوْ لَا، وَيَقْتَرِنُ بِهَا) ، أَيْ: الْكِيمْيَاءِ (كَثِيرٌ مِنْ السِّيمِيَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ السِّحْرِ) وَالزُّجَاجُ مَصْنُوعٌ لَا مَخْلُوقٌ، وَمَنْ ظَنَّ زِيَادَةَ الْمَالِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ، عُوقِبَ بِنَقِيضِهِ، كَالْمُرَابِي، وَهِيَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ الرِّبَا، لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا، (وَلَوْ كَانَتْ) الْكِيمْيَاءُ (حَقًّا مُبَاحًا، لَوَجَبَ فِيهَا خُمْسٌ) ، كَالرِّكَازِ، أَوْ وَجَبَتْ فِيهَا (زَكَاةٌ) كَالزُّرُوعِ وَالثَّمَرِ وَالْمَعْدِنِ، (وَلَمْ يُوجِبْ عَالِمٌ فِيهَا شَيْئًا) ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا.
(وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَارُونَ عَمِلَهَا بَاطِلٌ) ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا إلَّا فَيْلَسُوفٌ أَوْ اتِّحَادِيٌّ أَوْ مَلِكٌ ظَالِمٌ، (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُتُبٍ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِنَاعَتِهَا، وَيَجُوزُ إتْلَافُهَا) ، لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا.
(انْتَهَى) مُلَخَّصًا.
(وَيَتَّجِهُ بِنَاءُ هَذَا) أَيْ: مَا قَالَهُ الشَّيْخُ (عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ قَلْبِ الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً) ، كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ قَلْبَهَا بَاطِلٌ فِي الشَّرْعِ مُحَالٌ فِي الْعَقْلِ، وَمَا وُجِدَ مِنْهَا كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّمْوِيهَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِالسِّيمِيَاءِ وَسِحْرِ الْعُيُونِ.
قَالَ تَعَالَى عَنْ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66] . وَالْحَالُ لَا، إنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ الْأَعْيَانُ تَنْقَلِبُ حَقِيقَةً، (فَلَا) يَكُونُ فِعْلُ الْكِيمْيَاءِ مَحْظُورًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لِمَا يَتَرَتَّبُ
عَلَيْهَا مِنْ ظُهُورِ الْغِشِّ وَعَوْدِهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ انْقِلَابِهَا حَقِيقَةً يُؤْمَنُ مَا يُتَرَقَّبُ مِنْ ضَرَرِ النَّاسِ بِسَبَبِهَا، وَهَذَا اعْتِقَادُ الْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا ثَبَتَتْ عَلَى الروباص، فَلَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَلَهُمْ افْتِرَاءَاتٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاللَّائِقُ أَنْ يُقَالَ: (إنَّ لِلَّهِ) سُبْحَانَهُ (خَوَاصَّ وَأَسْرَارًا) خَلَقَهَا وَأَوْدَعَهَا (فِي الْعَالَمِ) ، أَيْ: عَالَمِ الْجَمَادَاتِ، (يَنْقَلِبُ بِهَا نَحْوُ النُّحَاسِ) ، كَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهِ (ذَهَبًا خَالِصًا) ، يَظْهَرُ لِلرَّائِي، وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، (لَكِنَّهُ نَادِرُ الْوُقُوعِ) ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ لَكِنَّهُ عَزِيزٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَفِي أُخْرَى لَكِنَّهُ غَيْرُ نَيِّرٍ، أَيْ: لَيْسَ رَوْنَقُهُ كَرَوْنَقِ الذَّهَبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.
(وَيَحْرُمُ كَسْرُ السِّكَّةِ الْجَائِزَةِ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، (وَلَوْ) كَانَ كَسْرُهَا (لِصِيَاغَةٍ وَإِعْطَاءِ سَائِلٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، (إلَّا أَنْ يُخْتَلَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ رَدِيءٌ أَوْ جَيِّدٌ؟) فَيَجُوزُ كَسْرُهَا اسْتِظْهَارًا لِحَالِهِ.
(وَكَانَ) عَبْدُ اللَّهِ (بْنُ مَسْعُودٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَكْسِرُ الزُّيُوفَ، أَيْ: النُّحَاسَ وَهُوَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ اجْتَمَعَ عِنْدَ السُّلْطَانِ دَرَاهِمُ زُيُوفٌ، فَإِنَّهُ يَسْبِكُهَا وَلَا يَبِيعُهَا.
(وَلَا يَحِلُّ) ، أَيْ: لَا يُبَاحُ بِلَا كَرَاهَةٍ (لِقَابِضِهَا) ، أَيْ: الزُّيُوفِ (إخْرَاجُهَا فِي مُعَامَلَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، لِمَا فِيهِ) ، أَيْ: إخْرَاجُهَا (مِنْ تَغْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ) وَإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ قَابِضَهَا رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ، وَأَخْرَجَهَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ
حَالَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا.
وَقَالَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَغُرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ " لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ.
انْتَهَى.
وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَتَوَقَّى لَفْظَ الْحَرَامِ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ تَحْرِيمَهُ مِمَّا فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ، أَوْ اخْتِلَافٍ، فَيَقُولُ: أَكْرَهُهُ، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْحَرَامِ عَلَى مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ وَتَعَارَضَتْ أَدِلَّتُهُ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، فَقَالَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ: لَا أَقُولُ هِيَ حَرَامٌ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ: لَا أَقُولُ حَرَامٌ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي إطْلَاقِ لَفْظَةِ الْحَرَامِ دُونَ مَعْنَاهَا، لِاخْتِلَافِ النُّصُوصِ وَالصَّحَابَةِ فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ فِي الْكَلَامِ، حَذَرًا مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116] . أَفَادَهُ ابْنُ رَجَبٍ.
(وَكُرِهَ كَتْبُ قُرْآنٍ) ، أَيْ: عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْحِيَاصَةِ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي (وَنَثْرُهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى النَّاسِ.
وَيَأْتِي فِي الْوَلِيمَةِ: يُكْرَهُ نِثَارٌ وَالْتِقَاطُهُ.
(وَأَوَّلُ ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ) فِي الْإِسْلَامِ (عَلَى عَهْدِ الْحَجَّاجِ) الثَّقَفِيِّ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ تَحْرِيمُ النُّقُودِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ) وَضَرْبُهُ غَيْرَهَا لَهُمْ، (لِيُفْسِدَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ) ، وَيَتَّجِرَ بِمَا ضَرَبَ، بَلْ يَضْرِبُ لَهُمْ النُّقُودَ بِقِيمَتِهَا مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ فِي التِّجَارَةِ فِيهَا ظُلْمًا عَظِيمًا، مِنْ أَبْوَابِ ظُلْمِ النَّاسِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّهُ إذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا صَارَتْ عَرَضًا، وَإِذَا ضَرَبَ لَهُمْ نُقُودًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا بِنَقْصِ أَسْعَارِهِمْ، فَظَلَمَهُمْ فِيمَا يَضْرِبُهُ بِإِغْلَاءِ سِعْرِهَا
(وَكُرِهَ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاِتِّخَاذُهُ، نَصًّا) وَتَقَدَّمَ.
(وَكُرِهَ ضَرْبٌ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ.
قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا رُخِّصَ لَهُمْ، رَكِبُوا الْعَظَائِمَ.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ مُنِعَ مِنْ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ، (وَيُعْطِي أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
[فَصْلٌ يَتَمَيَّزُ ثَمَنٌ عَنْ مُثَمَّنٍ بِبَاءِ الْبَدَلِيَّةِ]
(فَصْلٌ وَيَتَمَيَّزُ ثَمَنٌ عَنْ مُثَمَّنٍ بِبَاءِ الْبَدَلِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: الْعِوَضَيْنِ (نَقْدٌ، فَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ) الْبَاءُ، فَهُوَ (ثَمَنٌ) ، فَدِينَارٌ بِثَوْبٍ، الثَّمَنُ الثَّوْبُ، لِدُخُولِ الْبَاءِ عَلَيْهِ (وَيَصِحُّ اقْتِضَاءُ نَقْدٍ مِنْ) نَقْدٍ (آخَرَ) ، كَذَهَبٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَعَكْسِهِ (إنْ أَحْضَرَ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: النَّقْدَيْنِ، وَإِلَّا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، (أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمَانَةً) أَوْ عَارِيَّةً أَوْ غَصْبًا (وَ) النَّقْدُ (الْآخَرُ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ) ، كَثَمَنٍ وَقَرْضٍ وَأُجْرَةٍ اُسْتُوْفِيَ نَفْعُهَا، بِخِلَافِ دَيْنِ كِتَابَةٍ وَجُعِلَ قَبْلَ عَمَلٍ وَرَأْسِ مَالٍ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ.
(وَلَوْ) كَانَ مَا فِي الذِّمَّةِ غَيْرَ حَالٍّ، كَكَوْنِهِ مُؤَجَّلًا وَقَضَاهُ عَنْهُ بِسِعْرِ يَوْمِ الْقَضَاءِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (بِسِعْرِ يَوْمِهِ) ، أَيْ: يَوْمِ الِاقْتِضَاءِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَبِيعُ الْأَبْقِرَةَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ، وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّرَاهِمَ، وَبِالدَّرَاهِمِ وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ صَرْفٌ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ اشْتِغَالُ ذِمَّةٍ، وَاعْتُبِرَ سِعْرُ يَوْمِ الْقَضَاءِ، لِلْجَبْرِ، وَلِجَرَيَانِ ذَلِكَ مَجْرَى الْقَضَاءِ فَتَقَيَّدَ بِالْمِثْلِ، وَهُوَ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةِ، لِتَعَذُّرِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَيُجْبَرُ هَذَا عَلَى دَفْعِهِ، وَهَذَا عَلَى قَبُولِهِ، وَبِهِ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ (إنْ تَشَاحَّا) فِي ذَلِكَ، (وَإِلَّا)
بِأَنْ تَرَاضَيَا، جَازَ الِاقْتِضَاءُ (بِأَنْقَصَ) مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَزْيَدَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا، فَإِنْ رَدَّا رَجَحَ مِنْ الْقَرْضِ وَنَحْوِهِ، أَوْ أَجْوَدَ مِنْهُ، جَازَ نَدْبًا، وَإِنْ رَضِيَ الْمُقْرِضُ (بِأَقَلَّ مِنْهُ) أُبْرِئَ مِنْ الْبَاقِي.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَقَدَّمَ فِي (فَصْلِ وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ) بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَتَعَاوَضَا عَلَى مَا يَرْضَيَانِهِ مِنْ السِّعْرِ.
[تَنْبِيهٌ لَوْ سُمِّيَ فِي عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أُجْرَةٍ ثُمَّ تغير سعر المعاملة]
تَنْبِيهٌ: لَوْ سُمِّيَ فِي عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أُجْرَةٍ اُسْتُوْفِيَ نَفْعُهَا أَلْفٌ مِنْ الْفُلُوسِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ سِعْرُ الْمُعَامَلَةِ، فَلَا يَجِبُ إلَّا مَا يُسَمَّى أَلْفًا عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا طَرَأَ، فَلَوْ كَانَ الْمُسَمَّى فِي الْمِثَالِ نَوْعًا مِنْ الْفِضَّةِ، وَكَانَتْ سَائِرُ أَنْوَاعِهَا مُسْتَوِيَةً رَوَاجًا وَثَمَنًا، ثُمَّ تَغَيَّرَ السِّعْرُ، وَكَانَ التَّغَيُّرُ فِي بَعْضِهَا كَثِيرًا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهَا مَا كَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَالْوَسَطُ مُرَاعَاةً لِلْمَصْلَحَتَيْنِ، وَدَفْعًا لِأَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ سِعْرُ يَوْمِ الِاقْتِضَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ نَقْدٍ عَنْ نَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، وَإِذَا تَحَصَّلَ رِيعُ الْوَقْفِ عِنْدَ النَّاظِرِ أَوْ الْجَابِي، فَنُودِيَ عَلَيْهِ بِرُخْصٍ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي صَرْفٍ، بِأَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الصَّرْفَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَحَصَلَ الرِّيعُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، وَأُخِّرَ الصَّرْفُ يَوْمًا وَاحِدًا مَعَ حُضُورِ الْمُسْتَحَقِّينَ فِي الْبَلَدِ، عَصَى وَأَثِمَ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ بِالْمُنَادَاةِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَحَبْسِهِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّينَ، وَإِنْ نُودِيَ عَلَيْهِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - بِزِيَادَةٍ، كَانَتْ لِلْوَقْفِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، بِأَنْ كَانَ شَرْطُ الْوَقْفِ الصَّرْفَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَثَلًا، فَحَصَلَ الرِّيعُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، أَوْ حَصَلَ عِنْدَ
الْوَقْتِ الَّذِي شَرَطَ الصَّرْفَ عِنْدَهُ بَعْضُ الرِّيعِ وَهُوَ يَسِيرٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَأُخِّرَ لِيَجْتَمِعَ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَهَذَا لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ، وَالنَّقْصُ الْحَاصِلُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْوَقْفِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ سِهَامِ الْمُسْتَحَقِّينَ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ رَخُصَتْ أُجْرَةُ عَقَارِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْوَقْفِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ فَضْلَةٌ، وَلَا يَنْقُصُ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ مِنْ مَعَالِيمِ الْمُسْتَحَقِّينَ، وَلَوْ نُودِيَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِزِيَادَةٍ، كَانَتْ لِلْوَقْفِ، وَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَتِمَّةٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قُبَيْلَ بَابِ الْهِبَةِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا) كِتَابًا أَوْ نَحْوَهُ (بِنِصْفِ دِينَارٍ، لَزِمَهُ) نِصْفٌ مِنْ دِينَارٍ، (ثُمَّ إنْ اشْتَرَى) شَيْئًا (آخَرَ) ، كَثَوْبٍ (بِنِصْفٍ آخَرَ، لَزِمَهُ) نِصْفٌ أَيْضًا، لِدُخُولِهِ بِالْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، (وَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُ) ، أَيْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ (عَنْهُمَا صَحِيحًا) ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا، فَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، أَوْ اشْتَرَى بِمُكَسَّرَةٍ وَأَعْطَى عَنْهَا صِحَاحًا أَقَلَّ مِنْهَا، أَوْ بِصِحَاحٍ وَأَعْطَى عَنْهَا مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَجُزْ، لِلتَّفَاضُلِ، (لَكِنْ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ) ، أَيْ: إعْطَاءَ صَحِيحٍ عَنْ الشِّقَّيْنِ (فِي الْعَقْدِ الثَّانِي، أَبْطَلَهُ) ، لِتَضَمُّنِهِ اشْتِرَاطَ زِيَادَةٍ عَنْ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، (وَ) اشْتِرَاطُ ذَلِكَ (قَبْلَ لُزُومِ) الْعَقْدِ (الْأَوَّلِ بِخِيَارِ) مَجْلِسٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، (يُبْطِلُهُمَا) ، أَيْ: الْعَقْدَيْنِ، لِوُجُودِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ انْبِرَامِهِ لَازِمًا.
(وَتَتَعَيَّنُ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ) بِتَعْيِينٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ (غَيْرُهَا) ، أَيْ: غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (بِتَعْيِينٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ قَوْلًا وَاحِدًا بِلَا رَيْبٍ (فِي جَمِيعِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْغَصْبِ، فَتَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، كَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْآخَرَ
(وَتُمْلَكُ) دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ (بِهِ) ، أَيْ: بِالتَّعْيِينِ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، (فَلَا يَصِحُّ إبْدَالُهَا) إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى عَيْنِهَا، لِتَعَيُّنِهَا، (وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) ، أَيْ: مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ (فِيهَا قَبْلَ قَبْضٍ، وَ) إنْ تَلِفَتْ، أَوْ تَغَيَّبَتْ، فَهِيَ (مِنْ ضَمَانِهِ) ،
كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ: إنْ لَمْ تَحْتَجْ لِوَزْنٍ أَوْ عَدٍّ وَنَحْوِهِ) ، كَذَرْعٍ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، لِاحْتِيَاجِهَا لِحَقِّ تَوْفِيَةٍ، وَتَكُونُ مِنْ ضَمَانِ بَاذِلٍ، فَيَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا طَرَأَ مِنْ زِيَادَةِ السِّعْرِ أَوْ نَقْصِهِ، إذْ لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، لَمْ يَكُنْ سِوَاهَا.
(وَيَبْطُلُ غَيْرُ نِكَاحٍ وَخُلْعٍ) وَطَلَاقٍ (وَعِتْقٍ) عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ (وَ) غَيْرُ (صُلْحٍ) بِهَا (عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ (بِكَوْنِهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الْمُعَيَّنَةِ (مَغْصُوبَةً) ، كَالْمَبِيعِ يَظْهَرُ مُسْتَحَقًّا، (أَوْ) بِكَوْنِهَا (مَعِيبَةً) عَيْبًا (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) ، كَكَوْنِ الدَّرَاهِمِ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مُسَمٍّ لَهُ، يَبْطُلُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ (فِي بَعْضٍ هُوَ كَذَلِكَ) ، أَيْ: مَغْصُوبٌ أَوْ مَعِيبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (فَقَطْ) ، كَسَوَادِ دِرْهَمٍ، وَوُضُوحِ دَنَانِيرَ، (يُخَيَّرُ مُشْتَرِيهَا بَيْنَ فَسْخِ) الْعَقْدِ الْمَعِيبِ (أَوْ إمْسَاكٍ، وَلَا أَرْشَ كَمَا مَرَّ) ، فَيُمْسِكُ بِلَا أَرْشٍ إنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِثْلَيْنِ، كَدِينَارٍ بِدِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ، أَوْ إلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَإِنْ تَعَاقَدَا عَلَى جِنْسَيْنِ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَلَهُ الْأَرْشُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، إنْ جَعَلَاهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ.
[تَتِمَّة يَحْصُلُ التَّعْيِينُ بِالْإِشَارَةِ]
ِ، سَوَاءٌ ضَمَّ إلَيْهَا الِاسْمَ أَمْ لَا، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِهَذِهِ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِعْتُكَ هَذَا بِهَذَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْعِوَضَيْنِ، وَيَحْصُلُ التَّعْيِينُ أَيْضًا بِالِاسْمِ، كَبِعْتُكَ عَبْدِي سَالِمًا، أَوْ دَارِي بِمَوْضِعِ كَذَا، أَوْ بِمَا فِي يَدِي أَوْ كِيسِي مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ
(وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ تَعَيَّنَ، قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ "، خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي يَعْلَى وَحَفِيدِهِ الشَّهِيرِ بِأَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُمَا جَزَمَا بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ (لَا يَضْمَنُهُ أَجْنَبِيٌّ تَصَدَّقَ بِهِ) بِلَا أَمْرٍ مِنْ عَيْنِهِ
(وَيَحْرُمُ رِبًا بِدَارِ حَرْبٍ، وَلَوْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ) ، كَمَا يَحْرُمُ فِي دَارِ
الْإِسْلَامِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَمَانٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ، وَعُمُومِ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ، كَدَارِ الْبَغْيِ فِي أَنَّهُ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمَا، وَحَدِيثُ مَكْحُولٍ مَرْفُوعًا: «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ» رُدَّ بِأَنَّهُ خَبَرٌ مَجْهُولٌ، لَا يُتْرَكُ لَهُ تَحْرِيمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ.
وَ (لَا) يَحْرُمُ الرِّبَا (بَيْنَ سَيِّدٍ وَرَقِيقٍ - وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ -) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَالَ كُلُّهُ لِلسَّيِّدِ، (أَوْ مُكَاتَبًا فِي مَالٍ كِتَابَةً فَقَطْ) ، بِأَنْ عَوَّضَهُ عَنْ مُؤَجَّلِهَا دُونَهُ.
وَيَأْتِي لَا يَجُوزُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ.
[بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(الْأُصُولُ) : جَمْعُ أَصْلٍ وَهُوَ مَا يَتَفَرَّعُ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ (هُنَا أَرْضٌ وَدُورٌ وَبَسَاتِينُ وَنَحْوُ مَعَاصِرَ) ، كَحَمَّامَاتٍ (وَطَوَاحِينَ.
وَالثِّمَارُ) : جَمْعُ ثَمَرٍ، كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ، وَهِيَ (مَا حَمَلَتْهُ الْأَشْجَارُ، سَوَاءٌ أُكِلَ أَوْ لَا) ، فَيَشْمَلُ الْقَرْظَ وَنَحْوَهُ.
(فَمَنْ) (بَاعَ) دَارًا، (أَوْ رَهَنَ) دَارًا، (أَوْ وَقَفَ) دَارًا (أَوْ أَقَرَّ) بِدَارٍ، (أَوْ وَصَّى) بِدَارٍ، وَيَتَّجِهُ، (أَوْ جَعَلَهَا) ، أَيْ: الدَّارَ (نَحْوَ صَدَاقٍ) كَعِوَضِ طَلَاقٍ وَخُلْعٍ (وَأُجْرَةٍ) . وَهُوَ مُتَّجِهٌ (تَنَاوَلَ) ذَلِكَ (أَرْضَهَا) . قَالَ فِي (" الْمُبْدِعِ " مَا لَمْ تَكُنْ وَقْفًا، كَسَوَادِ الْعِرَاقِ) وَمِصْرَ وَالشَّامِ، وَمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَسَاكِنِ دُخُولُهَا،
وَالسَّوَادُ هُوَ سَوَادُ كِسْرَى الَّذِي فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، سُمِّيَ سَوَادًا، لِسَوَادِهِ بِالزُّرُوعِ وَالْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَاخَمَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي لَا زَرْعَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ، كَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ أَرْضِهِمْ إلَيْهِ ظَهَرَتْ لَهُمْ خُضْرَةُ الزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ، وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالسَّوَادِ فِي الِاسْمِ، فَسَمَّوْا خُضْرَةَ الْعِرَاقِ سَوَادًا، وَسُمِّيَ عِرَاقًا، لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ حِينَ خَلَتْ مِنْ جِبَالٍ تَعْلُو، أَوْ أَوْدِيَةٍ تُخْفَضْ، وَحَدُّهُ طُولًا مِنْ حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ إلَى عَبَّادَانَ، وَعَرْضًا مِنْ عذيب الْفَارِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ، فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ فَرْسَخًا، وَعَرْضُهُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا إلَّا قَرْيَاتٍ سَمَّاهَا أَحْمَدُ بانقيا، وَأَرْضَ بَنِي صلوبا وَالْحِيرَةَ وَأُلَّيْسَ كَانُوا صُلْحًا، فَأَمَّا الْعِرَاقُ فَهُوَ فِي الْعَرْضِ مُسْتَوْعِبٌ لِعَرْضِ السَّوَادِ عُرْفًا، وَيَقْصُرُ عَنْ طُولِهِ فِي الْعَرْضِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ فِي شَرْقِيِّ دِجْلَةَ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَعْمَالِ الْبَصْرَةِ مِنْ جَزِيرَةِ عَبَّادَانَ، فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا [يَقْصُرُ عَنْ طُولِ السَّوَادِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا، وَعَرْضُهُ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا] كَالسَّوَادِ.
قَالَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ: يَكُونُ ذَلِكَ مُكَسَّرًا عَشَرَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ (بِمَعْدِنِهَا الْجَامِدِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الْجَارِي.
(وَلِبَائِعٍ لَمْ يَعْلَمْ) أَنْ فِي الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ مَعْدِنًا جَامِدًا (الْفَسْخُ) وَالْإِمْضَاءُ، وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ فِيهَا بِئْرٌ أَوْ عَيْنُ مَاءٍ، وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ إعْلَامُ الْبَائِعِ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَتَاعًا فَوَجَدَهُ خَيْرًا مِمَّا اشْتَرَى.
(وَ) تَنَاوَلَ (بِنَاءَهَا) ، أَيْ: الدَّارِ، لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّاهَا، (وَ) تَنَاوَلَ (فِنَاءَهَا) - بِكَسْرِ الْفَاءِ.
مَا اتَّسَعَ أَمَامَهَا - (إنْ كَانَ) لَهَا فِنَاءٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الدُّورِ لَا فِنَاءَ لَهَا، (وَ) تَنَاوَلَ (مُتَّصِلًا بِهَا) ، أَيْ: الدَّارِ (لِمَصْلَحَتِهَا، كَسَلَالِيمَ) مِنْ خَشَبٍ مُسَمَّرَةٍ - جَمْعُ سُلَّمٍ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَفْتُوحَةً، وَهِيَ الْمِرْقَاةُ - مَأْخُوذَةٌ مِنْ السَّلَامَةِ تَفَاؤُلًا، (وَكَرُفُوفٍ مُسَمَّرَةٍ، وَكَأَبْوَابٍ) مَنْصُوبَةٍ وَحَلْقِهَا، (وَكَرَحًى مَنْصُوبَةٍ، وَكَخَوَابٍ مَدْفُونَةٍ، وَأَجْرِفَةٍ مَبْنِيَّةٍ) ، وَأَسَاسَاتِ حِيطَانٍ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَةُ لِمَصْلَحَتِهَا، أَشْبَهَ الْحِيطَانَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّلَالِيمُ وَالرُّفُوفُ مُسَمَّرَةً، أَوْ
كَانَتْ الْأَبْوَابُ وَالرَّحَى غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ، أَوْ الْخَوَابِي غَيْرَ مَدْفُونَةٍ، لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا، أَشْبَهَتْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِيهَا، (وَ) تَنَاوَلَ (مَا فِيهَا) ، أَيْ: الدَّارِ (مِنْ شَجَرٍ) مَغْرُوسٍ (وَ) مِنْ (عُرُشٍ) - جَمْعِ عَرِيشٍ - (وَهِيَ الظُّلَّةُ) لِاتِّصَالِهِمَا بِهَا (أَوْ) هِيَ (مَا تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْكَرْمُ) قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ كَنْزٍ وَحَجَرٍ مَدْفُونَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُودَعَانِ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا، أَشْبَهَ السِّتْرَ وَالْفُرُشَ، بِخِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْجَارِ الْمَخْلُوقَةِ، فَإِنْ ضَرَبَ بِعُرُوقِ الْأَشْجَارِ وَنَقَصَتْ الْأَرْضُ فَعَيْبٌ.
(وَلَا) يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ (مُنْفَصِلٍ) ، (كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ وَبَكْرَةٍ وَقُفْلٍ وَفُرُشٍ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَشْمَلُهُ، وَلَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، (وَ) لَا (مِفْتَاحٍ) لِنَحْوِ دَارٍ (وَحَجَرِ رَحًى فَوْقَانِيٍّ) ، لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ وَتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، وَإِنْ قَالَ مَثَلًا بِعْتُكَ هَذِهِ الطَّاحُونَ أَوْ الْمَعْصَرَةَ وَنَحْوَهَا، شَمِلَ الْحَجَرَ الْفَوْقَانِيَّ كَالتَّحْتَانِيِّ، لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، (وَلَا) مَا فِيهَا مِنْ (مَعْدِنٍ جَارٍ، وَمَا نَبَعَ) ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا يَجْرِي مِنْ الْمَاءِ فِي نَهْرٍ إلَى مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْحِيَازَةِ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَ) لَا يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ (رُفُوفٍ مَوْضُوعَةٍ عَلَى أَوْتَادٍ بِلَا تَسْمِيرٍ أَوْ) بِلَا (غَرْزٍ بِحَائِطٍ) ، لِعَدَمِ اتِّصَالِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُسَمَّرَةً أَوْ مَغْرُوزَةً فِي الْحَائِطِ دَخَلَتْ، (وَ) كَذَا (خَوَابٍ مَوْضُوعَةٌ بِلَا تَطْيِينٍ عَلَيْهَا) ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْبَيْعُ، لِعَدَمِ اتِّصَالِهَا بِالْأَرْضِ.
(وَيَتَّجِهُ دُخُولُ عُلُوِّ بَيْتٍ) وَهُوَ مَا فَوْقَ سَقْفِهِ الْمَشْهُورِ بِالْهَوَاءِ (بِيعَ) ذَلِكَ الْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، وَ (لَا) يَدْخُلُ (مَا فَوْقَهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ (مِنْ مَسْكَنٍ مُسْتَقِلٍّ) إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) مَنْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ أَوْ وَقَفَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ أَوْصَى (بِأَرْضٍ أَوْ بُسْتَانٍ) أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا أَوْ عِوَضَ خُلْعٍ وَنَحْوِهِ، (دَخَلَ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ) فِيهَا - وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا - لِاتِّصَالِهِمَا بِهِمَا، وَكَوْنِهِمَا مِنْ حُقُوقِهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ أَرْضٍ وَبُسْتَانٍ (شَجَرٌ مَقْطُوعٌ وَمَقْلُوعٌ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَالتَّبَعِيَّةُ انْقَطَعَتْ بِانْفِصَالِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَا يَدْخُلُ (بِنَاءٌ مَهْدُومٌ) ، لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ بِانْهِدَامِهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَدْخُلُ فِي نَحْوِ بَيْعِ أَرْضٍ (مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ) وَأُرْزٍ (وَقُطْنِيَّاتٍ) ، وَهِيَ الْفُولُ وَالْعَدَسُ وَالْحِمَّصُ وَالْجُلُبَّانُ وَالتُّرْمُسُ وَاللُّوبِيَا وَالْكِرْسِنَّةُ وَالْبِسِلَّةُ وَنَحْوُهَا - وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِقُطُونِهَا، أَيْ: مُكْثِهَا بِالْبُيُوتِ، (وَكَجَزَرٍ وَفُجْلٍ وَثُومٍ) وَبَصَلٍ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ يُرَادُ لِلنَّقْلِ، أَشْبَهَ الشَّجَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ، (وَيَبْقَى) فِي الْأَرْضِ (فَقَطْ إلَى وَقْتِ أَخْذِهِ لِمُعْطٍ، وَلَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ) ، كَالثَّمَرَةِ [ (بِلَا أُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُسْتَثْنَاةٌ لَهُ، (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) ، أَيْ: الزَّرْعَ (آخِذٌ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ] ، فَإِنْ شَرَطَهُ آخِذٌ، (فَهُوَ لَهُ) قَصِيرًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّهُ بِالشَّرْطِ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، (وَإِنْ حَصَدَهُ) ، أَيْ: الزَّرْعَ بَائِعٌ (قَبْلَ أَوَانِهِ) ، أَيْ: الْحَصَادِ، (لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ ذَلِكَ الزَّرْعِ، (لَمْ يَمْلِكْ) الْبَائِعُ (الِانْتِفَاعَ) بِهَا، لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا مَتَاعٌ لَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِي شَهْرٍ، فَتَكَلَّفَ نَقْلَهُ فِي يَوْمٍ لِيَنْتَفِعَ بِالدَّارِ فِي غَيْرِهِ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، لِانْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْهَا، وَإِنَّمَا أُمْهِلَ لِلتَّحْوِيلِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، دَفْعًا لِضَرَرِهِ، وَحَيْثُ تَكَلَّفَهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ.
[فَرْعٌ الْبُسْتَانُ اسْمٌ لِأَرْضٍ وَشَجَرٍ وَحَائِطٍ]
(فَرْعٌ: الْبُسْتَانُ اسْمٌ لِأَرْضٍ وَشَجَرٍ وَحَائِطٍ) بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَرْضَ الْمَكْشُوفَةَ لَا تُسَمَّى بِهِ، (وَمَنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَثُلُثَ بِنَائِهَا، أَوْ) بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ (وَثُلُثَ غِرَاسِهَا، أَوْ) بِعْتُكَ هَذَا (الْبُسْتَانَ وَثُلُثَ غِرَاسِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ) مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ (إلَّا الْجُزْءُ الْمُسَمَّى) ، لِقَرِينَةِ الْعَطْفِ.
(وَإِنْ كَانَ مَا فِي الْأَرْضِ يُجَذُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَرَطْبَةٍ) - بِفَتْحِ الرَّاءِ - وَهِيَ الْفَصَّةُ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَهِيَ قَتٌّ، (وَبُقُولٍ، كَنَعْنَاعٍ) وَشَمَرٍ، (أَوْ) كَانَ مَا فِيهَا (تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ كَقِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ) وَدُبَّاءَ وَهِنْدِبَاءَ، أَوْ يَتَكَرَّرُ زَهْرُهُ، كَوَرْدٍ وَيَاسَمِينٍ (فَأُصُولُ) جَمِيعِ هَذِهِ (لِآخِذٍ) بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ، أَشْبَهَ الشَّجَرَ، (وَجُذَّةٌ ظَاهِرَةٌ) وَقْتَ عَقْدٍ لِمُعْطٍ، (وَزَهْرٌ تَفَتَّحَ وَلُقَطَةٌ أَوْلَى لِمُعْطٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُجْنَى مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ، أَشْبَهَ الشَّجَرَ الْمُؤَبَّرَ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُعْطِي (قَطْعُهُ) ، أَيْ: مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ جِزَّةً ظَاهِرَةً وَلُقَطَةً أَوْلَى وَقْتَ عَقْدٍ (فِي الْحَالِ) ، أَيْ: فَوْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ غَيْرَ مَا كَانَ ظَاهِرًا، فَيَعْسُرُ التَّمْيِيزُ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ [آخِذٌ] دُخُولَ مَا لِبَائِعٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَرَطَهُ كَانَ لَهُ، (وَقَصَبُ سُكَّرٍ كَزَرْعٍ) ، يَبْقَى لِمُعْطٍ إلَى أَوَانِ أَخْذِهِ، (وَ) قَصَبٌ (فَارِسِيٌّ كَثَمَرَةٍ) ، فَمَا ظَهَرَ مِنْهُ فَلِمُعْطٍ، وَيَقْطَعُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ الَّذِي يُؤْخَذُ فِيهِ، (وَعُرُوقُهُ) ، أَيْ: الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ (لِمُشْتَرٍ) [وَنَحْوِهِ] ؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكْ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا، أَشْبَهَتْ الشَّجَرَةَ، فَإِنْ طَلَبَ (مِنْ بَائِعٍ) وَنَحْوِهِ (إزَالَةَ عُرُوقِ) قَصَبِ (سُكَّرٍ مُضِرَّةٍ بِالْأَرْضِ لَزِمَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ الْأَرْضِ خَالِيَةً، وَكَذَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ عُرُوقِ قُطْنٍ وَذُرَةٍ، كَنَقْلِ مَتَاعٍ وَتَسْوِيَةِ حُفَرٍ، لِمَا فِي بَقَائِهَا مِنْ الضَّرَرِ، (وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعٍ) ، عَلَى الْبَائِعِ إزَالَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُشْتَرِي.
(وَبَذْرٌ يَبْقَى أَصْلُهُ مِنْ نَحْوِ رَطْبَةٍ) ، كَبُقُولٍ وَقِثَّاءٍ وَبَاذِنْجَانٍ، (كَشَجَرٍ) يَتْبَعُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا لَوْ كَانَ ظَاهِرًا، فَأَوْلَى إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا،
وَلِأَنَّهُ يُتْرَكُ فِيهَا لِلْبَقَاءِ (مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاصِدُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْبَذْلِ الَّذِي يَبْقَى أَصْلُهُ (الشَّتْلَ) : فَإِنْ أُرِيدَ مِنْهُ النَّقْلُ مِنْ مَكَانِهِ لِيُشْتَلَ فِي مَكَان آخَرَ، (فَهُوَ لِبَائِعٍ) ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ.
(وَمَا لَا يَبْقَى) أَصْلُهُ فِي الْأَرْضِ، كَبَذْرِ بُرٍّ وَقُطْنِيَّاتٍ، (فَكَزَرْعٍ) لِبَائِعٍ وَنَحْوِهِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ، (وَلِمُشْتَرٍ جَهِلَهُ) ، أَيْ: جَهِلَ بَذْرًا لَا يَتْبَعُ الْأَرْضَ، بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، (الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ) بَيْعٍ، لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ، (وَ) بَيْنَ (إمْضَاءٍ مَجَّانًا) بِلَا أَرْشٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِي الْأَرْضِ، (وَيَسْقُطُ) خِيَارُ مُشْتَرٍ (إنْ حَوَّلَهُ) ، أَيْ: الْبَذْرَ بَائِعٌ مِنْ أَرْضٍ (مُبَادِرًا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ) ، لِزَوَالِ الْعَيْبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ الْأَرْضَ، (أَوْ وَهَبَهُ) ، أَيْ: وَهَبَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ (مَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ) ، أَيْ: الْبَاذِلِ، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لَأَنْ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا يَبْذُرُهَا فِيهَا، صَحَّ وَدَخَلَ تَبَعًا، (وَكَذَا مُشْتَرٍ نَخْلًا) عَلَيْهَا طَلْعٌ (ظَنَّ) الْمُشْتَرِي (طَلْعَهَا لَمْ يَتَشَقَّقْ) ، فَيَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ (فَبَانَ مُتَشَقِّقًا) ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَيَسْقُطُ إنْ وَهَبَهُ بَائِعٌ الطَّلْعَ، (لَكِنَّهُ لَا يَسْقُطُ) خِيَارُ مُشْتَرٍ (بِقَطْعٍ) لِطَلْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إزَالَةِ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِفَوَاتٍ، كَثَمَرَةِ ذَلِكَ الْعَامِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّهُ بِتَحْوِيلِهِ الْبَذْرَ يَزُولُ الْعَيْبُ، فَيَنْتَفِعُ الْمُشْتَرِي بِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّرْعِ.
وَيَثْبُتُ خِيَارٌ لِمُشْتَرٍ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا (ظَنَّ دُخُولَ زَرْعٍ أَوْ) دُخُولَ (ثَمَرَةٍ) عَلَى شَجَرٍ مِمَّا يَكُونُ (لِبَائِعٍ، كَمَا لَوْ جَهِلَ وُجُودَهُمَا) ، أَيْ: الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ مَالِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِمَا فِيهِمَا، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَالْمُشْتَرِي لِلْمَعِيبِ يَظُنُّهُ صَحِيحًا، لِتَفَرُّدِهِ بِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ذَلِكَ الْعَامَ، (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ فِي جَهْلٍ، كَذَلِكَ إنْ جَهِلَهُ مِثْلُهُ، كَعَامِّيٍّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، (وَلَا تَدْخُلُ مَزَارِعُ قَرْيَةٍ) بِيعَتْ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ (بِلَا نَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ، كَبَذْلِ ثَمَنٍ كَثِيرٍ) لَا يَصْلُحُ إلَّا فِيهَا، (أَوْ ذِكْرِ حُدُودَهَا) ، أَيْ: الْمَزَارِعِ، أَوْ الْمُسَاوِمَةِ عَلَى أَرْضِهَا، أَوْ ذِكْرِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ الَّذِي فِيهَا، (وَإِلَّا) تُذْكَرُ مَزَارِعُهَا، وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهَا، فَيَدْخُلْ فِي بَيْعِ قَرْيَةٍ (بُيُوتٌ وَحِصْنٌ) إنْ كَانَ بِهَا، وَسُوَرٌ (دَائِرًا عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُسَمَّى الْقَرْيَةِ، (وَ) يَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا (الشَّجَرُ) الْقَائِمُ (بَيْنَ بِنَائِهَا) تَبَعًا لَهَا، (وَأُصُولُ بُقُولٍ وَزَرْعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ) قَرِيبًا، وَلَا يَدْخُلُ زَرْعٌ وَلَا بَذْرَةٌ، وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْقَرْيَةِ مِنْ نَحْوِ مَفَاتِحَ وَأَحْجَارِ رَحًى فَوْقِيَّةٍ وَأَحْبَالٍ وَبَكَرَاتٍ وَأَدْلِيَةٍ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ الْمُتَّصِلِ مِنْ عَرْشٍ وَخَوَابٍ مَبْنِيَّةٍ وَأَبْوَابٍ مُرَكَّبَةٍ وَحَجَرِ رَحًى سُفْلَانِيٍّ إنْ كَانَ مَنْصُوبًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ دَارٍ.