مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رِوَايَةٍ جَزَمَ بِهَا فِي " الرَّوْضَةِ " " وَالْغُنْيَةِ " وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْحَلَالُ الْمُطْلَقُ طَعَامُ الْأَنْبِيَاءِ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَيَحِلُّ لَهُمْ ثَمَنُ) الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (لَوْ أَسْلَمُوا) ، وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمْ، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» .
[فَرْعٌ تَعْشِيرُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ]
(فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَعْشِيرُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُلَفُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْمُلُوكُ عَلَى النَّاسِ) بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ (إجْمَاعًا) ، قَالَ الْقَاضِي: لَا يُسَوَّغُ فِيهَا اجْتِهَادٌ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّ صَاحِبَ الْمَكْسِ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ يُؤْخَذُ كَمَا هُوَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ الْقَارِيّ أَنْ ارْكَبْ إلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بَيْتُ الْمَكْسِ فَاهْدِمْهُ، ثُمَّ احْمِلْهُ إلَى الْبَحْرِ فَانْسِفْهُ فِيهِ نَسْفًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ مِصْرَ وَالرَّمْلَةِ.
وَحَدِيثِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لِوَلِيٍّ) فِي نِكَاحٍ (يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ) ، أَيْ: الْعُشْرَ، (مَنَعَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ التَّزْوِيجِ مِمَّنْ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْهُ) ، أَيْ: الْعُشْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ مَكْسٌ.
[فَصْلٌ تَهَوَّدَ النَّصْرَانِيُّ]
(فَصْلٌ) (وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ) لَمْ يُقَرَّ (أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ لَمْ يُقَرَّ) ، لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدِّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أُقِرَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَيُقَرُّ عَلَيْهِ ثَانِيًا، (فَإِنْ أَبَى مَا كَانَ عَلَيْهِ) مِنْ الدِّينِ، (وَ) أَبَى (الْإِسْلَامَ هُدِّدَ وَحُبِسَ وَضُرِبَ) حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَرْجِعَ إلَى دِينِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، (وَلَمْ يُقْتَلْ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَا يُقْتَلُ لِلشُّبْهَةِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى الْيَهُودُ نَصْرَانِيًّا فَهَوَّدُوهُ) ، أَيْ: جَعَلُوهُ يَهُودِيًّا (عُزِّرُوا) لِفِعْلِهِمْ مُحَرَّمًا، وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَفْظًا وَحُكْمًا.
(وَإِنْ انْتَقَلَا) ، أَيْ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ، (أَوْ) انْتَقَلَ (مَجُوسِيٌّ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ) ، لَمْ يُقَرَّ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ دِينِهِ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ، و (لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ) نَصًّا، لِأَنَّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ قَدْ أُقِرَّ بِبُطْلَانِهَا، فَلَا يُقَرُّ عَلَيْهَا كَالْمُرْتَدِّ، (فَإِنْ أَبَاهُ) ، أَيْ: الْإِسْلَامَ (قُتِلَ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةً) ، أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالْمُرْتَدِّ (وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ كِتَابِيٍّ) وَلَوْ مَجُوسِيًّا (إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ) بِأَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ أُقِرَّ، لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَأَعْلَى مِنْ دِينِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَأُقِرَّ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ أَصْلُ دِينِهِ (أَوْ تَمَجَّسَ وَثَنِيٌّ) ، أَيْ: أَحَدُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ، (أُقِرَّ) عَلَى الْمَجُوسِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَزَنْدَقَ ذِمِّيٌّ) بِأَنْ لَمْ يَتَّخِذْ دِينًا مُعَيَّنًا (لَمْ يُقْتَلْ لِأَجْلِ جِزْيَةٍ نَصًّا) ، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ.
(وَإِنْ كُذَّبَ نَصْرَانِيٌّ بِمُوسَى، خَرَجَ مِنْ دِينِهِ) ، أَيْ: النَّصْرَانِيَّةِ لِتَكْذِيبِهِ لِنَبِيِّهِ عِيسَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: 50] (وَلَمْ يُقَرَّ عَلَى غَيْرِ إسْلَامٍ) ، فَإِنْ أَبَاهُ (فَ) إنَّهُ (يُقْتَلُ بَعْدَ اسْتِتَابَةِ) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْمُرْتَدِّ، (لَا إنْ كَذَّبَ يَهُودِيٌّ بِعِيسَى) ، فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِنَبِيِّهِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
[فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ (وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ مَنْ أَبَى) مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (بَذْلَ جِزْيَةٍ، أَوْ) أَبَى (الصَّغَارَ، أَوْ) أَبَى (الْتِزَامَ حُكْمِنَا) ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَوْ لَا، وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِهَا حَاكِمُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قِيلَ: الصَّغَارُ: الْتِزَامُ أَحْكَامِنَا، (أَوْ قَاتَلَنَا مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ أَهْلِ حَرْبٍ) ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْقِتَالِ، (أَوْ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ مُقِيمًا) لَا لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا، لِصَيْرُورَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، (أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ) ، لِمَا " رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ أَرَادَ اسْتَكْرَاهُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا، فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ، فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ".
(وَيَتَّجِهُ) : لَوْ طَلَّقَ ذِمِّيٌّ زَوْجَتَهُ رَجْعِيًّا، فَأَسْلَمَتْ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَوَطِئَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، (لَا) يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِوَطْئِهِ لَهَا (زَمَنَ عِدَّتِهَا مِنْهُ، وَلَمْ يُسْلِمْ) لِلشُّبْهَةِ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُقُوعَ طَلَاقٍ قَطُّ، فَشُبْهَتُهُ أَقْوَى مِنْ شُبْهَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ إذَا (لَاطَ بِمُسْلِمٍ) ، وَإِنْ كَانَ اللِّوَاطُ أَفْحَشَ مِنْ الزِّنَا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَالطِّبَاعُ تَنْفِرُ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ قَالُوا فِي
الْحُدُودِ: إنَّهُ كَالزِّنَا، وَكَذَلِكَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ قَاسَهُ عَلَى الزِّنَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، (أَوْ أَصَابَهَا) ، أَيْ: وَطِئَ الذِّمِّيُّ الْمُسْلِمَةَ (بِاسْمِ نِكَاحٍ) لَا إنْ أَصَابَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ قَبْلَ إزَالَةِ يَدِهِ عَنْهَا لِلشُّبْهَةِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ فِي زِنَاهُ) ، أَيْ: الذِّمِّيِّ مِنْ حَيْثُ نَقْضُ الْعَهْدِ (أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْمُسْلِمِ بَلْ يَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ) ، وَالِاشْتِهَارُ، (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِيهِ شَيْءٌ.
(أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا) ، لِعَدَمِ وَفَائِهِ بِمُقْتَضَى الذِّمَّةِ مِنْ أَمْنِ جَانِبِهِ (أَوْ تَجَسَّسَ أَوْ آوَى جَاسُوسًا) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ الِامْتِنَاعَ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، (أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ ذَكَرَ كِتَابَهُ أَوْ دِينَهُ) ، أَيْ: الْإِسْلَامَ، (أَوْ رَسُولَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِسُوءٍ) . (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ذَكَرَ (نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، بِسُوءٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] ، وَهَذَا فِي حَقِّ نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ فَلَا يَظْهَرُ، وَطَائِفَةُ السَّمَارَةِ لَهُمْ حَطٌّ وَتَسَلُّطٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، لَا سِيَّمَا سَيِّدَنَا دَاوُد وَابْنَهُ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السُّوءُ مَنْسُوبًا إلَى التَّوْرَاةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ يَهُوذَا ضَاجَعَ ابْنَتَهُ وَلُوطًا ضَاجَعَ ابْنَتَيْهِ، وَهَذَا مِنْ افْتِرَائِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ أَقْرَرْنَاهُمْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِذِكْرِهِمْ بِذَلِكَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَذِيَّةٌ لَنَا، وَفِي ضِمْنِهِ تَكْذِيبٌ لِنَبِيِّنَا، وَهَضْمٌ لِدِينِنَا كَمَا
لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ، فَقَالَ لَهُ: كَذَبْت، قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: يُقْتَلُ، أَوْ) ، أَيْ: وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ مَنْ (تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ) عَمْدًا.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ الصَّغِيرِ ". (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ (مَعْصُومٍ) ، فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِقَتْلِ مُرْتَدٍّ وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ أَوْ قَاتِلٍ مَعْصُومٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ فَتَنَهُ) ، أَيْ: فَتَنَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ (عَنْ دِينِهِ) ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَاتَلَهُمْ.
وَ (لَا) يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ (بِقَذْفِهِ) ، أَيْ: الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا، (وَ) لَا بِ (إيذَائِهِ بِسِحْرٍ فِي تَصَرُّفِهِ) نَصًّا.
كَإِبْطَالِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَهُ
(وَلَا إنْ أَظْهَرَ) الذِّمِّيُّ (مُنْكَرًا، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ) ، فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ فِيهِ غَضَاضَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ خُصُوصًا بِسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ.
(وَلَا) يُنْتَقَضُ بِنَقْضِ عَهْدِهِ (عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ) الْبَالِغِينَ الْمَوْجُودِينَ، لِأَنَّ النَّقْضَ وُجِدَ مِنْهُ دُونَهُمْ، فَاخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ، فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ وَلَوْ لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ وَمَنْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ وَوَلَدَتْهُ
بَعْدَ النَّقْضِ، فَإِنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَيُسْبَى، لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأَمَانِ لَهُ وَإِنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بِالنَّاقِضِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُضُوا لَكِنْ خَافَ مِنْهُمْ النَّقْضَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْبَذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، لِأَنَّهُ عَقَدَ الذِّمَّةَ لِحَقِّهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ، فَإِنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ) ، أَيْ: الْمُنْتَقَضِ عَهْدَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ نَائِبُهُ) عِنْدَ غَيْبَتِهِ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَوْ قَالَ: تُبْت، كَأَسِيرٍ) حَرْبِيٍّ بَيْنَ رِقٍّ وَقَتْلٍ وَمِنْ فِدَاءٍ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا أَمَانَ لَهُ قَدَرْنَا عَلَيْهِ بِدَارِنَا بِغَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا عَهْدٍ وَلَا شُبْهَةَ ذَلِكَ، أَشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِيَّ، وَمَالُهُ فَيْءٌ، لِأَنَّ الْمَالَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِمَالِكِهِ حَقِيقَةً وَقَدْ اُنْتُقِضَ عَهْدُ الْمَالِكِ فِي نَفْسِهِ، فَكَذَا فِي مَالِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَمَان مُوَضَّحًا.
(وَيَحْرُمُ قَتْلُهُ) لِنَقْضِ الْعَهْدِ (إنْ أَسْلَمَ، وَلَوْ كَانَ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ".
(وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَحْرُمُ قَتْلُ سَابِّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إنْ كَانَ سَبَّهُ (بِغَيْرِ قَذْفٍ) ، وَأَمَّا قَاذِفُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَيَأْتِي فِي الْقَذْفِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا) يَحْرُمُ (رِقُّهُ) ، أَيْ: مَنْ أَسْلَمَ، لِأَنَّهُ عَصَمَ نَفْسَهُ بِإِسْلَامٍ لِلْخَبَرِ، (لَا إنْ رُقَّ قَبْلَ) إسْلَامِهِ، فَلَا يَزُولُ رِقُّهُ بِهِ بَلْ يَسْتَمِرُّ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى مَنْ اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ جِنَايَاتٌ مِنْ قَتْلٍ وَدِيَةٍ وَدُيُونٍ اُسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ، لِأَنَّهَا حُقُوقُ آدَمِيِّينَ،
فَلَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(وَقِيلَ: يُقْتَلُ سَابُّهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِكُلِّ حَالٍ) وَإِنْ أَسْلَمَ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالسَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (وَقَالَ) الشَّيْخُ: (إنْ سَبَّهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (حَرْبِيٌّ، ثُمَّ تَابَ بِإِسْلَامِهِ، قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إجْمَاعًا) ، لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقَيْنِ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ ": وَالدَّلَالَةُ عَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِ الذِّمِّيِّ لِسَبِّهِ اللَّهَ أَوْ كِتَابَهُ أَوْ دِينَهُ أَوْ رَسُولَهُ وَوُجُوبِ قَتْلِهِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ إذَا أَتَى بِذَلِكَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَمَّا الْكِتَابُ، فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] . . . إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فَلَا يَجُوزُ الْإِمْسَاكُ عَنْ قَتْلِهِمْ إلَّا إذَا كَانُوا صَاغِرِينَ حَالَ إعْطَائِهِمْ الْجِزْيَةَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ مِنْ حِينِ بَذْلِهَا وَالْتِزَامِهَا إلَى تَسْلِيمِهَا وَإِقْبَاضِهَا، فَإِنَّهُمْ إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ وَشَرَعُوا فِي الْإِعْطَاءِ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ إلَى أَنْ يُقْبِضُونَاهَا، فَيَتِمُّ الْإِعْطَاءُ، فَمَتَى لَمْ يَلْتَزِمُوهَا أَوْ الْتَزَمُوهَا أَوَّلًا وَامْتَنَعُوا مِنْ تَسْلِيمِهَا ثَانِيًا لَمْ يَكُونُوا مُلْتَزِمِينَ لِلْجِزْيَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْطَاءِ لَمْ يُوجَدْ وَإِذَا كَانَ الصَّغَارُ حَالًّا لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ سَبَّ نَبِيِّنَا فِي وُجُوهِنَا، وَشَتَمَ رَبَّنَا عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ، وَطَعَنَ فِي دِينِنَا فِي مَجَامِعِنَا، فَلَيْسَ بِصَاغِرٍ، لِأَنَّ الصَّاغِرَ: الذَّلِيلُ الْحَقِيرُ، وَهَذَا فِعْلُ مُتَعَزِّزٍ مُرَاغِمٍ، بَلْ هَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِذْلَالِ لَنَا وَالْإِهَانَةِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الصَّغَارُ: الذُّلُّ وَالضَّيْمُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ إظْهَارَ
السَّبِّ وَالشَّتْمِ لِدِينِ الْأُمَّةِ، الَّذِي بِهِ اُكْتُسِبَ شَرَفَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَيْسَ فِعْلُ رَاضٍ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ قِتَالُهُمْ وَاجِبًا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا صَاغِرِينَ، وَلَيْسُوا بِصَاغِرِينَ، كَانَ الْقِتَالُ مَأْمُورًا بِهِ، وَكُلُّ مَنْ أُمِرْنَا بِقِتَالِهِ مِنْ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إذَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّا إذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ أَنْ نُقَاتِلَهُمْ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَعْقِدَ لَهُمْ الذِّمَّةَ بِدُونِهَا، وَلَوْ عُقِدَ لَهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، فَيَبْقَى ذَلِكَ عَلَى الْإِبَاحَةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(وَقَالَ: مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ دِيوَانَ الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْجَيْشَ.
(وَقَالَ: إنْ جَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ) ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، (عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ إمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِمَا دُونَهُ) ، لِإِتْيَانِهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَ (لَا) يُعَاقَبُ بِذَلِكَ (إنْ قَالَهُ سِرًّا) فِي نَفْسِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) ذِمِّيٌّ: (هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ الْكِلَابُ أَوْلَادُ الْكِلَابِ إنْ أَرَادَ طَائِفَةً مُعَيَّنَةً) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (عُوقِبَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ) عَنْ أَنْ يَعُودَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ الشَّنِيعِ (وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْعُمُومِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَوَجَبَ قَتْلُهُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
(وَمَنْ جَاءَنَا بِأَمَانٍ، فَحَصَلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَكَذِمِّيٍّ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ دُونَ ذُرِّيَّتِهِ.
وَتَخْرُجُ نَصْرَانِيَّةٌ لِشِرَاءِ زُنَّارٍ، وَلَا يَشْتَرِيهِ مُسْلِمٌ لَهَا، لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكُفْرِ، وَلَا يَأْذَنُ الْمُسْلِمُ لِزَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ أَمَتِهِ كَذَلِكَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى عِيدٍ أَوْ تَذْهَبَ إلَى عِيدٍ أَوْ تَذْهَبَ إلَى بَيْعَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا ذَلِكَ.
[كِتَابُ الْبَيْعِ]
ِ قَدَّمَهُ عَلَى الْأَنْكِحَةِ وَمَا بَعْدَهَا؛ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَلِبَاسٍ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُهْتَمَّ بِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى؛ إذْ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، فَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهِ.
وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَبَعَثَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ يُقِيمُ مِنْ الْأَسْوَاقِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ.
وَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِقْرَارِهِ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ غَالِبًا، فَفِي تَجْوِيزِ الْبَيْعِ وُصُولٌ لِغَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ.
وَهُوَ مَصْدَرُ بَاعَ يَبِيعُ إذَا مَلَكَ، وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى شَرَى، وَكَذَلِكَ شَرَى يَكُونُ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ: بَاعَ وَأَبَاعَ بِمَعْنًى، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْبَاعِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ.
وَشَرْعًا: (مُبَادَلَةُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ) ، أَيْ دَفْعُهَا وَأَخْذِ عِوَضِهَا، فَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَهِيَ كُلُّ جِسْمٍ أُبِيحَ نَفْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ مُطْلَقًا، فَخَرَجَ نَحْوُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ النَّجِسَةِ وَالْحَشَرَاتِ وَالْكَلْبِ وَلَوْ لِصَيْدٍ (أَوْ) مُبَادَلَةُ (مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِأَنْ لَا تَخْتَصَّ إبَاحَتُهَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، كَمَمَرِّ دَارٍ وَبُقْعَةٍ تُحْفَرُ بِئْرًا، بِخِلَافِ نَحْوِ جِلْدِ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ، فَلَا يُبَاعُ هُوَ، وَلَا نَفْعُهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مُطْلَقًا،
بَلْ فِي الْيَابِسَاتِ (بِإِحْدَاهُمَا) ، أَيْ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ مُطْلَقًا.
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُبَادَلَةٍ، فَيَشْمَلُ نَحْوَ بَيْعِ كِتَابٍ بِكِتَابٍ، أَوْ بِمَمَرٍّ فِي دَارٍ، وَبَيْعِ نَحْوِ مَمَرٍّ فِي دَارٍ بِكِتَابٍ، أَوْ بِمَمَرٍّ فِي دَارٍ أُخْرَى (أَوْ) مُبَادَلَةُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ مُطْلَقًا، (بِمَالٍ فِي الذِّمَّةِ) مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَكَذَا مُبَادَلَةُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِعَيْنٍ مَالِيَّةٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ، أَوْ بِمَالٍ فِي الذِّمَّةِ، إذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ (لِلْمِلْكِ) احْتِرَازًا عَنْ إعَارَةِ ثَوْبِهِ لِيُعِيرَهُ الْآخَرُ فَرَسَهُ (عَلَى التَّأْبِيدِ) بِأَنْ لَمْ تَتَقَيَّدْ مُبَادَلَةُ الْمَنْفَعَةِ بِمُدَّةٍ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَتَخْرُجُ الْإِجَارَةُ.
(غَيْرَ رِبًا وَقَرْضٍ) إخْرَاجٌ لَهُمَا؛ فَإِنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ، وَالْقَرْضُ وَإِنْ قُصِدَ فِيهِ الْمُبَادَلَةُ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِيهِ الْإِرْفَاقُ.
(وَأَرْكَانُهُ) ؛ أَيْ الْبَيْعِ (إنْ لَمْ يَكُنْ ضِمْنِيًّا) ؛ كَ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي.
فَإِذَا أَعْتَقَهُ؛ صَحَّ الْعِتْقُ عَنْ السَّائِلِ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ، مَعَ أَنَّهُ هُنَا لَمْ تُوجَدْ الْأَرْكَانُ كُلُّهَا.
(أَرْبَعَةٌ: مُتَعَاقِدَانِ) ، وَهُمَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِ (وَمَعْقُودٌ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ الْمَبِيعُ (وَصِيغَةٌ) قَوْلِيَّةٌ، (أَوْ مُعَاطَاةٌ) .
وَبَدَأَ بِالصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ، فَقَالَ: (فَيَنْعَقِدُ) الْبَيْعُ إنْ أُرِيدَ حَقِيقَتُهُ؛ بِأَنْ رَغِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيمَا بَذَلَهُ مِنْ الْعِوَضِ، (لَا) إنْ وَقَعَ (هَزْلًا) بِلَا قَصْدٍ لِحَقِيقَتِهِ.
(وَيُقْبَلُ) ، قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا أَنَّهُ وَقَعَ هَزْلًا (بِيَمِينِهِ مَعَ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ.
(وَلَا) إنْ وَقَعَ (تَلْجِئَةً وَأَمَانَةً وَهُوَ) ؛ أَيْ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ وَالْأَمَانَةِ (إظْهَارُهُ) ؛ أَيْ الْبَيْعِ الَّذِي أُظْهِرَ؛ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ؛ (لِدَفْعِ ظَالِمٍ) عَنْ الْبَائِعِ، (وَلَا يُرَادُ) الْبَيْعُ (بَاطِنًا) ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ النِّيَّةُ فَقَطْ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمَضْمُونَةِ) عَلَى الْقَابِضِ هُوَ (اتِّفَاقُهُمَا) ؛ أَيْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إذَا جَاءَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ أَعَادَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ عَلَى الْبَائِعِ (مِلْكَهُ) الْمَأْخُوذَ مِنْهُ
(يَنْتَفِعُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْبَيْعِ (مُشْتَرٍ بِإِجَارَةٍ وَسَكَنٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَرُكُوبِ مَا يُرْكَبُ، وَحَلْبِ مَا يُحْلَبُ، (وَهُوَ عَقْدُ) الْبَيْعِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ (بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَمَقْصُودُهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُتَبَايِعَيْنِ (إنَّمَا هُوَ الرِّبَا بِإِعْطَاءِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ لِأَجَلٍ، وَمَنْفَعَةُ الدَّارِ رِبْحٌ) ؛ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى قَرْضٌ بِعِوَضٍ، وَالْوَاجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ إلَى الْبَائِعِ، وَرَدُّ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي مَا قَبَضَهُ مِنْهُ ثَمَنًا عَنْ الْمَبِيعِ.
لَكِنْ يُحْسَبُ لِلْبَائِعِ مِنْهُ مَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَالِ الَّذِي سَمَّيَا أُجْرَةً.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي سَكَنَ؛ حُسِبَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ فَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ بِقَدْرِهِ، وَيُرَدُّ الْفَضْلُ (بِإِيجَابٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِ يَنْعَقِدُ - كَقَوْلِ بَائِعٍ (بِعْتُكَ) كَذَا، (أَوْ مَلَّكْتُك) كَذَا، (أَوْ وَلَّيْتُكَ) كَذَا، أَيْ: بِعْتُكَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَهُمَا يَعْلَمَانِهِ.
(أَوْ أَشْرَكْتُكَ) فِيهِ فِي بَيْعِ الشَّرِكَةِ وَتَأْتِي صُورَةُ التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ فِي السَّادِسِ مِنْ بَابِ الْخِيَارِ (أَوْ وَهَبْتُكَ) هَذَا بِكَذَا، (أَوْ أَعْطَيْتُكَهُ) بِكَذَا.
وَيَقُولُ؛ كَقَوْلِ مُشْتَرٍ: (ابْتَعْتُ) ذَلِكَ، (أَوْ قَبِلْت أَوْ تَمَلَّكْتُ، أَوْ اشْتَرَيْتُ أَوْ أَخَذْتَ، وَنَحْوَهُ) كَ اسْتَبْدَلْتُ.
(وَشَرْطٌ) لِانْعِقَادِ بَيْعٍ (كَوْنُ قَبُولٍ عَلَى وَفْقِ إيجَابٍ قَدْرًا) ؛ فَلَوْ خَالَفَ؛ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَهُ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَانِيَةٍ؛ لَمْ يَنْعَقِدْ وَكَوْنُهُ عَلَى وَفْقِهِ (نَقْدًا وَصِفَةً وَحُلُولًا وَأَجَلًا.
فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفِ) دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ (صَحِيحَةٍ مَثَلًا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ) ؛ كَ اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ نِصْفُهَا صَحِيحٌ وَنِصْفُهَا مُكَسَّرٌ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ حَالَّةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِأَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى رَجَبٍ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: إلَى شَعْبَانَ، (لَمْ يَصِحَّ) الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِلْإِيجَابِ، لَا قَبُولَ لَهُ.
(وَصَحَّ تَقَدُّمُ قَبُولٍ) عَلَى إيجَابٍ (بِلَفْظِ أَمْرٍ) ، وَيَأْتِي مِثَالُهُ أَوْ بِلَفْظِ مَاضٍ فَقَطْ مُجَرَّدٍ عَنْ نَحْوِ اسْتِفْهَامٍ، كَتَرَجٍّ وَتَمَنٍّ؛ كَقَوْلِ مُشْتَرٍ لِبَائِعٍ: (بِعْنِي)
كَذَا بِكَذَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ؛ صَحَّ، وَهَذَا مِثَالُ الْأَمْرِ.
(أَوْ) قَالَ مُشْتَرٍ: (اشْتَرَيْتُ) مِنْك هَذَا بِكَذَا، (فَيَقُولُ) الْبَائِعُ: (بِعْتُكَ وَنَحْوَهُ) مِمَّا تَقَدَّمَ؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَهَذَا مِثَالُ الْمَاضِي.
(أَوْ) قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي هَذَا بِكَذَا، أَوْ اشْتَرَيْتُهُ مِنْك بِكَذَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: (بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ، أَوْ) هُوَ (مُبَارَكٌ عَلَيْك) أَوْ قَالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ بَاعَكَ) ؛ صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إنْ قَالَ الْبَائِعُ: (بِعْتُهُ) بِكَذَا، (فَقَالَ) الْمُشْتَرِي: (أَنَا آخُذُهُ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ بِأَخْذِهِ.
فَلَوْ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْكَ، صَحَّ؛ لِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
(وَلَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: (أَبِعْتنِي) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، (أَوْ لَيْتَك) بِعْتَنِي، بِالتَّمَنِّي، أَوْ لَعَلَّكَ تَبِيعُنِي، بِالتَّرَجِّي، (أَوْ تَبِيعُنِي) ، بِالْمُضَارِعِ.
وَهَذِهِ مُحْتَرَزَاتُ قَوْلِهِ: بِلَفْظِ الْأَمْرِ، أَوْ مَاضٍ فَقَطْ، مُجَرَّدٍ عَنْ نَحْوِ اسْتِفْهَامٍ وَتَمَنٍّ، (أَوْ قَالَ بَائِعٌ لِمُشْتَرٍ: اشْتَرِهِ بِكَذَا، أَوْ ابْتَعْهُ بِكَذَا، فَقَالَ) مُشْتَرٍ: (اشْتَرَيْتُهُ، أَوْ ابْتَعْتُهُ) ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، (مَا لَمْ يَقُلْ بَائِعٌ بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: بَعْدَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ: بِعْتُكَ وَنَحْوَهُ كَمَلَّكْتُكَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ".
(وَصَحَّ تَرَاخِي أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَنْ الْآخَرِ.
(وَالْبَيِّعَانِ بِالْمَجْلِسِ لَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْعَ عُرْفًا؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ مِنْهُمَا، أَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، (فَلَا) يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْ الْعَقْدِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَا بِالرَّدِّ.
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَضُرُّ التَّشَاغُلُ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، إذَا صَدَرَ الْعَقْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
(لَا) إنْ صَدَرَ مِنْ (مُتَوَلِّي طَرَفَيْهِ) ؛ أَيْ: الْعَقْدِ، (لِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَنْ الْآخَرِ؛ كَصُدُورِ الْعَقْدِ مِنْ مُتَوَلِّي طَرَفَيْهِ فِي (نِكَاحٍ) ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُ فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ، وَلَا
يَلْزَمُ قَوْلُهُ: وَقَبِلْتُ ذَلِكَ لَهُ، أَوْ يَقُولَ: تَزَوَّجْتُهَا لِفُلَانٍ، وَلَا يَلْزَمُ (قَوْلُهُ) : وَقَبِلْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الزَّوْجَ فَيَكْفِي قَوْلُهُ: تَزَوَّجْتُهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: وَقَبِلْتُ ذَلِكَ لِنَفْسِي.
وَالْبَيْعُ كَذَلِكَ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مَا بَطَلَ) بِهِ الْعَقْدُ (مِمَّا مَرَّ) مِنْ الصُّوَرِ؛ (يَصِحُّ) ؛ أَيْ: يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (إذَا قَبَضَ) الثَّمَنَ؛ (لِوُجُودِ الْمُعَاطَاةِ إذَنْ) ؛ أَيْ: وَقْتَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ يَشْتَرِي مِنْ الْبَقَّالِ وَالْبَزَّازِ وَالْقَصَّابِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بِنَفْسِهِ تَارَةً، وَبِوَكِيلِهِ تَارَةً أُخْرَى، مِنْ غَيْرِ مُسَاوَمَةٍ، وَلَا قَطْعِ ثَمَنٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ، يُحَاسِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَدْفَعُ لَهُ الثَّمَنَ.
فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْقَبْضُ فِي الْمُعَاطَاةِ كُلَّ مَرَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا؛ لَضَاقَ الْأَمْرُ، وَلَزِمَ إبْطَالُ غَالِبِ الْعُقُودِ، وَاشْتِغَالُ الذِّمَمِ بِفَسَادِ الْمُعَامَلَةِ.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا يَسَعُ النَّاسُ الْعَمَلَ بِغَيْرِهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ مُسْتَنْبِطِهِ عَلَى نَظَرِهِ الدَّقِيقِ، وَاسْتِخْرَاجِهِ الْأَنِيقِ.
(وَإِنْ كَاتَبَ) الْبَائِعُ (أَوْ رَاسَلَ غَائِبًا) عَنْ الْمَجْلِسِ قَائِلًا: (إنِّي بِعْتُكَ) كَذَا بِكَذَا، (أَوْ) إنِّي (بِعْتُ فُلَانًا كَذَا) ، وَنَسَبَهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ بِكَذَا، (فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي) الْبَيْعَ (حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ) ، صَحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ التَّرَاخِيَ مَعَ غِيبَةِ الْمُشْتَرِي لَا يَدُلُّ عَلَى إعْرَاضِهِ عَنْ الْإِيجَابِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، فَفَرَّقَ الْمُصَنِّفُ فِي تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا، وَمَا إذَا كَانَ غَائِبًا وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ فِي النِّكَاحِ
قَالَ فِي رَجُلٍ يَمْشِي إلَيْهِ قَوْمٌ: فَقَالُوا: زَوِّجْ فُلَانًا فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُهُ عَلَى أَلْفٍ، فَرَجَعُوا إلَى الزَّوْجِ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ (هَلْ يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ) الْعَاقِدُ الْآخَرُ حَاضِرًا اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا جَازَ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْمَجْلِسِ، كَمَا قُلْنَا فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ.
(وَيَنْعَقِدُ) الْبَيْعُ (فِي غَيْرِ كِتَابَةٍ) وَفِي غَيْرِ ضِمْنِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ: (اعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا) كَأَلْفٍ مَثَلًا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) يَنْعَقِدُ أَيْضًا فِي غَيْرِ (تَوَلِّي طَرَفَيْهِ) ؛ أَيْ: الْعَقْدِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِمُعَاطَاةٍ) نَصًّا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ.
جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ اسْتِعْمَالُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي بَيْعِهِمْ، وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبِيَاعَاتِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ؛ كَقَوْلِ الْمُشْتَرِي: (أَعْطِنِي بِهَذَا) الدِّرْهَمِ (خُبْزًا، فَيُعْطِيهِ) الْبَائِعُ (مَا يُرْضِيهِ) ، وَهُوَ سَاكِتٌ، أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ، فَيَأْخُذُهُ، وَهُوَ سَاكِتٌ.
(أَوْ يُسَاوِمُهُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ، فَيَقُولُ) بَائِعُهَا: (خُذْهَا) ، فَيَأْخُذُهَا، وَهُوَ سَاكِتٌ، (وَنَحْوَهُ) ؛ كَ أَعْطَيْتُكهَا، (أَوْ هِيَ لَكَ، أَوْ) يَقُولُ (خُذْ هَذِهِ) السِّلْعَةَ (بِدِرْهَمٍ فَيَأْخُذُهَا) مُشْتَرٍ وَهُوَ سَاكِتٌ (أَوْ) يَقُولُ مُشْتَرٍ: (كَيْفَ تَبِيعُ الْخُبْزَ؟ فَيَقُولُ) الْبَائِعُ: (كَذَا بِدِرْهَمٍ، فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: خُذْهُ) ؛ أَيْ: الدِّرْهَمَ، (أَوْ اتَّزِنْهُ) ، فَيَأْخُذُهُ، (أَوْ وَضَعَ) مُشْتَرٍ (ثَمَنَهُ) الْمَعْلُومَ لِمِثْلِهِ (عَادَةً، وَأَخَذَهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْضُوعَ ثَمَنُهُ (عَقِبَهُ) ؛ أَيْ: عَقِبَ وَضْعِ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَ) قَالَ
(فِي " الْمُبْدِعِ " ظَاهِرُهُ) الصِّحَّةُ، (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ حَاضِرًا) ؛ لِلْعُرْفِ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ (هَذَا) ، أَيْ: وَضْعِ الثَّمَنِ وَأَخْذُ الْمُثَمَّنِ فِي غَيْبَةِ الْمَالِكِ (فِي) مَبِيعٍ (يَسِيرٍ) عُرْفًا، كَحُزَمِ الْبَقْلِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ ثَمَنُهُ، بِخِلَافِ مَبِيعٍ لَهُ شَأْنٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ مَالِكِهِ، أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُعْتَبَرُ فِي) صِحَّةِ بَيْعٍ (مُعَاطَاةُ مُعَاقَبَةُ الْقَبْضِ) لِلطَّلَبِ، فِي نَحْوِ خُذْ هَذَا بِدِرْهَمٍ، (أَوْ) مُعَاقَبَةُ (الْإِقْبَاضِ) لِلطَّلَبِ، فِي نَحْوِ أَعْطِنِي بِهَذَا خُبْزًا؛ لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ عَدَمُ التَّأْخِيرِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيِّ، بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا؛ فَفِي الْمُعَاطَاةِ أَوْلَى نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قُنْدُسٍ.
وَالْعَطْفُ بِالْفَاءِ، فِي نَحْوِ فَيُعْطِيهِ وَمَا بَعْدَهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِي الْمُعَاطَاةِ مُبْطِلٌ، وَلَوْ كَانَا بِالْمَجْلِسِ لَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ؛ لِضَعْفِهَا عَنْ الصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
(وَكَذَا هِبَةٌ وَهَدِيَّةٌ وَصَدَقَةٌ) ؛ فَتَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ؛ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الْمَعْنَى، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، اسْتِعْمَالُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: اعْتِبَارُ الْقَبْضِ، أَوْ الْإِقْبَاضِ: (لِصِحَّةِ الْبَيْعِ إذَنْ) ؛ أَيْ: وَقْتَ التَّنَاوُلِ، (وَإِلَّا؛ فَيَصِحُّ) الْبَيْعُ (بِقَبْضٍ مُتَأَخِّرٍ) عَنْ التَّنَاوُلِ.
- وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبْضُ - لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَقَدَّمَ آنِفًا مَعَنَا.
(وَلَا بَأْسَ بِذَوْقٍ مَبِيعٍ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ) عِلْمٌ (عِنْدَ شِرَاءٍ نَصًّا وَلَوْ بِلَا إذْنٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " " وَالْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهَا، (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: مَعَ الْإِذْنِ، (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَرَّةً: لَا أَدْرِي) إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَالْوَرَعُ الْعَمَلُ بِالثَّانِي.
[فَصْلٌ شُرُوطُ الْبَيْعِ]
(فَصْلٌ) (وَشُرُوطُهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ (سَبْعَةٌ) أَحَدُهَا: (الرِّضَا) بِأَنْ يَتَبَايَعَا اخْتِيَارًا؛ فَلَا يَصِحُّ إنْ أُكْرِهَ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» ، (إلَّا مِنْ مُكْرَهٍ بِحَقٍّ؛ كَرَاهِنٍ) يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ، (وَمُحْتَكِرٍ) يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ غَلَّتِهِ زَمَنَ غَلَاءٍ، (وَمَدِينٌ مُمْتَنِعٍ) مِنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ؛ فَيُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ عَقَارِهِ
الشَّرْطُ (الثَّانِي: الرُّشْدُ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ أَيْ: حُرًّا مُكَلَّفًا رَشِيدًا؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا مِنْ صَغِيرٍ، وَنَائِمٍ، وَسَكْرَانَ، وَمُبَرْسَمٍ، وَسَفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الرِّضَا، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الرُّشْدُ، كَالْإِقْرَارِ، (إلَّا فِي) شَيْءٍ (يَسِيرٍ) ؛ كَرَغِيفٍ، وَحُزْمَةِ بَقْلٍ، وَقِطْعَةِ حَلْوَى وَنَحْوِهَا؛ فَيَصِحُّ مِنْ قِنٍّ " صَغِيرٍ، وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَسَفِيهٍ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمْ لِخَوْفِ ضَيَاعِ الْمَالِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْيَسِيرِ، وَإِلَّا (إذَا أَذِنَ لِمُمَيِّزٍ وَسَفِيهٍ وَلِيُّهُمَا) ؛ فَيَصِحُّ - وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] (وَيَحْرُمُ) إذْنُ وَلِيٍّ لَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِمَا (بِلَا مَصْلَحَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ.
(وَيَتَّجِهُ) وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى وَلِيِّ مُمَيِّزٍ وَسَفِيهٍ حِفْظُ مَالِهِمَا، وَتَنْمِيَتُهُ، وَفِعْلُ مَا فِيهِ (حَظٌّ) وَمَصْلَحَةٌ لَهُمَا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ بِلَا مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِمَا؛ فَيَكُونُ مُفَرِّطًا، (وَيَضْمَنُ) مَا أَتْلَفَاهُ مِنْ مَالِهِمَا بِفِعْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُسَلِّطُ
لَهُمَا عَلَى مَا يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِمَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ) أَذِنَ (لِقِنٍّ سَيِّدُهُ) ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ؛ لِزَوَالِ الْحَجْرِ عَنْهُ بِإِذْنٍ لَهُ، (وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُمَيِّزٍ وَسَفِيهٍ قَبُولُ هِبَةٍ، وَوَصِيَّةٍ بِلَا إذْنِ) وَلِيٍّ لَهُمَا؛ كَالْبَيْعِ؛ هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ لَوْ قَبِلَ الْمُمَيِّزُ مَا أُهْدِيَ أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ؛ يَصِحُّ قَبُولُهُ، وَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، (وَلَكِنْ) عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَحْفَظَهُ لَهُ؛ كَبَاقِي مَالِهِ، ثُمَّ (يَتَصَرَّفُ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْهَدِيَّةِ أَوْ الْوَصِيَّةِ مُمَيِّزٌ (إذَا بَلَغَ) رَشِيدًا؛ (لِرِضَا رَبِّهَا بِذَلِكَ) .
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": الصَّوَابُ الصِّحَّةُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ (صِحَّتَهُ) ، أَيْ صِحَّةَ قَبُولِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ (مِنْ مُمَيِّزٍ) بِلَا إذْنِ وَلِيِّهِ؛ (كَعَبْدٍ) ؛ أَيْ: كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ مَحْضٌ، فَهُوَ كَاحْتِشَاشِهِ وَاصْطِيَادِهِ، وَيَكُونَانِ لِسَيِّدِهِ، (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ قِنٍّ فِي ذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا شِرَاءٌ بِعَيْنٍ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ؛ (كَسَفِيهٍ) بِجَامِعِ الْحَجْرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَتُقْبَلُ هَدِيَّةٌ مِنْ مُمَيِّزٍ أُرْسِلَ بِهَا) ، وَمِمَّنْ دُونَهُ فِي السِّنِّ حُرًّا كَانَ أَوْ رَقِيقًا، كَقَبُولِ (إذْنِهِ فِي دُخُولِ مَنْزِلٍ) ؛ عَمَلًا بِالْعُرْفِ.
(قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى فِي جَامِعِهِ ": (وَ) تُقْبَلُ هَدِيَّةٌ (مِنْ كَافِرٍ وَفَاسِقٍ) أُرْسِلَ بِهَا، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا فِي مَوْضِعٍ؛ يَقْبَلُهُ مِنْهُ (إذَا ظَنَّ صِدْقَهُ) بِقَرِينَةٍ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ ": وَهَذَا مُتَّجِهٌ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: كَوْنُ مَبِيعٍ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ ثَمَنًا كَانَ أَوْ مُثَمَّنًا (مَالًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُقَابَلُ بِهِ، (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْمَالُ شَرْعًا (مَا يُبَاحُ نَفْعُهُ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ؛ (بِخِلَافِ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ) ؛ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ نَفْعُهُ إلَّا فِي الْيَابِسَاتِ، (وَ) يُبَاحُ (اقْتِنَاؤُهُ بِلَا حَاجَةٍ) ، فَيَخْرُجُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ؛ كَالْحَشَرَاتِ، وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مُحَرَّمٌ؛ كَخَمْرٍ، وَمَا لَا يُبَاحُ إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ؛ كَالْمَيْتَةِ، وَمَا لَا يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ كَالْكَلْبِ؛ (كَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) ؛ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِمَا، وَتَبَايُعِهِمَا فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، (وَكَدُودِ " قَزٍّ " وَبَذْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْحَرِيرُ الَّذِي هُوَ أَفْخَرُ الْمُلَابِسِ؛ بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا، (وَكَنَحْلٍ مُنْفَرِدٍ) عَنْ كُوَّارَتِهِ؛ أَيْ: خَارِجٍ عَنْهَا، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهِ شَرَابٌ فِيهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، فَهُوَ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، (أَوْ) نَحْلٍ (مَعَ كِوَارَتِهِ) خَارِجًا عَنْهَا، وَنَحْلٍ مَعَ كِوَارَتِهِ (فِيهَا إذَا شُوهِدَ دَاخِلًا إلَيْهَا) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ.
(وَشَرْطُ مَعْرِفَتِهِ) ؛ أَيْ: النَّحْلِ (بِفَتْحِ رَأْسِهَا) أَيْ: الْكِوَارَاتِ؛ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُشَاهَدَتُهُ دَاخِلًا إلَيْهَا، بَلْ يَكْفِي رُؤْيَتُهُ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ: (وَخَفَاءُ بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ) ؛ أَيْ: صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ (كَالصُّبْرَةِ) ؛ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهَا اسْتِتَارُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَالْمَذْهَبُ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ دَاخِلًا إلَيْهَا؛ فَلَا يَكْفِي فَتْحُ رَأْسِهَا وَمُشَاهَدَتُهُ فِيهَا.
جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَيَدْخُلُ الْعَسَلُ) الْمَوْجُودُ فِي الْكِوَارَةِ حَالَ الْبَيْعِ (تَبَعًا) لَهَا كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، وَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَا كَانَ مَسْتُورًا) مِنْ النَّحْلِ (بِأَقْرَاصِهِ) ، وَلَمْ يُعْرَفْ لِلْجَهَالَةِ، (وَلَا) بَيْعُ (كِوَارَةٍ بِمَا فِيهَا مِنْ عَسَلٍ وَنَحْلٍ) لِلْجَهَالَةِ
(وَكَهِرٍّ) فَيَصِحُّ بَيْعُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا» ) .
وَالْأَصْلُ فِي اللَّامِ لِلْمِلْكِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يُبَاحُ نَفْعُهُ
وَاقْتِنَاؤُهُ؛ أَشْبَهَ الْبَغْلَ، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْفَائِقِ " " وَالْهَدْيِ " " وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ "؛ فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوا عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِهِ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، فَقَالَ: (زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ» ) وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مِنْهَا، أَوْ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا
(وَكَفِيلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ نَفْعُهُ وَاقْتِنَاؤُهُ؛ أَشْبَهَ الْبَغْلَ.
(وَمَا يُصَادُ عَلَيْهِ كَبُومَةٍ) تُجْعَلُ (شباشا) ؛ أَيْ: تُخَاطُ عَيْنَاهَا وَتُرْبَطُ؛ لِيَنْزِلَ عَلَيْهَا الطَّيْرُ، (وَكُرِهَ فِعْلُ ذَلِكَ) بِالْبُومَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهَا.
(أَوْ) يُصَادُ (بِهِ؛ كَدِيدَانٍ وَسِبَاعِ بَهَائِمَ) تَصْلُحُ لِصَيْدٍ؛ كَفُهُودِ.
(وَكَطَيْرٍ لِقَصْدِ صَوْتِهِ) ؛ كَهَزَارٍ وَبَبَّغَاءٍ - وَهِيَ الدَّرَّةُ - وَبُلْبُلٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ - وَإِنْ كُرِهَ حَبْسُهُ لِذَلِكَ - لِلتَّلَذُّذِ بِصَوْتِهِ؛ (لِكَوْنِهِ) ؛ أَيْ: حَبْسِهِ (مِنْ الْبَطَرِ) ؛ وَهُوَ قِلَّةُ احْتِمَالِ النَّعْمَةِ وَالدَّهَشِ وَالْحِيرَةِ، وَالطُّغْيَانِ بِالنَّعْمَةِ، وَكَرَاهَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْكَرَاهَةَ.
(وَالْأَشِرُ) : هُوَ النِّشَادُ وَالِاخْتِيَالُ.
قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَيُعَدُّ سَفَهًا) ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، (أَوْ) جَوَارِحِ طَيْرٍ (تَصْلُحُ لِصَيْدٍ) ؛ كَبَازٍ وَصَقْرٍ (وَوَلَدِهَا وَفَرْخِهَا وَبَيْضِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، (إلَّا الْكَلْبَ) ؛ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ.
وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ (بَقِيَّةِ حَشَرَاتٍ؛ كَعَقْرَبٍ وَفَأْرٍ) وَخَنَافِسَ وصراصر وَحَيَّاتٍ.
(وَ) لَا يَصِحُّ بَيْعُ (سِبَاعِ) بَهَائِمَ لَا تَصْلُحُ لِصَيْدٍ، وَلَا (جَوَارِحَ لَا تَصْلُحُ) لِصَيْدٍ؛ كَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ وَسَبُعٍ، وَلَا جَوَارِحَ طَيْرٍ؛ (كَنِسْرٍ وَغُرَابٍ) لَا يُؤْكَلُ، وَعَقْعَقٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهَا كَالْحَشَرَاتِ.
(وَمَنْ قَتَلَ كَلْبًا) يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ (مُعَلَّمًا) الصَّيْدَ؛ (أَسَاءَ لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، وَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ؛ فَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ
غَيْرِ أَسْوَدِ بَهِيمٍ وَعَقُورٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " هُنَاكَ.
(وَحَرُمَ اقْتِنَاءُ) كَلْبٍ (غَيْرِ مُعَلَّمٍ - وَلَوْ لِحِفْظِ بُيُوتٍ - خِلَافًا لِجَمْعٍ) ، مِنْهُمْ الْحَارِثِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ كِتَابِهِ، فِي الْوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الْكَلْبِ: وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ بِمَا عَدَا كَلْبَ الصَّيْدِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، (غَيْرَ كَلْبِ مَاشِيَةٍ وَصَيْدٍ وَحَرْثٍ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ تَرْبِيَةُ جَرْوٍ صَغِيرٍ لِذَلِكَ) ؛ أَيْ: لِمَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ؛ لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ مَا يُبَاحُ.
وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً وَهُوَ يُرِيدُ الْعَوْدَةَ إلَيْهِ؛ لَمْ يَحْرُمْ اقْتِنَاؤُهُ فِي مُدَّةِ تَرْكِهِ وَكَذَا لَوْ اقْتَنَاهُ لِزَرْعٍ لَوْ حَصَدَ الزَّرْعَ؛ أُبِيحَ اقْتِنَاؤُهُ حَتَّى يَزْرَعَ زَرْعًا آخَرَ.
وَكَذَا لَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ، أَوْ بَاعَهَا وَهُوَ يُرِيدُ شِرَاءَ غَيْرِهَا؛ فَلَهُ إمْسَاكُ كَلْبِهَا لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الَّتِي يَشْتَرِيهَا.
(وَمَنْ مَاتَ وَفِي يَدِهِ كَلْبٌ) يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ؛ (فَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِهِ) ؛ كَسَائِرِ الِاخْتِصَاصِ، (وَيَجُوزُ إهْدَاءُ كَلْبٍ مُبَاحٍ، وَالْإِثَابَةُ عَلَيْهِ) ، لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ.
(وَكَقِرْدٍ لِحِفْظٍ) ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ، (وَلَا) يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ (لِلَّعِبِ، وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ) قَالَ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِطَافَةِ بِهِ، وَاللَّعِبِ.
فَأَمَّا بَيْعُهُ لِحِفْظٍ الْمَتَاعِ وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ؛ فَيَجُوزُ؛ كَالصَّقْرِ، (وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ لِلَّعِبِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَعَلَقٍ لِمَصِّ دَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ.
(وَكَلَبَنِ آدَمِيَّةٍ) انْفَصَلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ؛ كَلَبَنِ الشَّاةِ، (لَا) لَبَنِ (رَجُلٍ وَيُكْرَهُ) ؛ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
(وَكَقِنٍّ مُرْتَدٍّ) ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَخَشْيَةُ هَلَاكِهِ لَا تَمْنَعُ بَيْعَهُ، وَكَقِنٍّ (مَرِيضٍ، وَلَوْ مَأْيُوسًا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْرَأُ، فَيُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَقِنٍّ (جَانٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، خَطَأً كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَوْ عَمْدًا؛ عَلَى نَفْسٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْجَبَتْ الْقِصَاصَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَقٌّ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ بَيْعُهُ؛ كَالدَّيْنِ، وَلِجَاهِلٍ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْجِنَايَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْأَرْشِ؛ كَالْعَيْبِ، وَيَأْتِي
وَكَقِنٍّ (قَاتَلَ فِي مُحَارَبَةٍ) تَحَتَّمَ قَتْلُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ إلَى قَتْلِهِ، أَوْ يُعْتَقُ فَيَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِهِ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ (أَمَةٍ لِمَنْ بِهِ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ) كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَادُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَفِي تَحْرِيمِ وَطْئِهَا وَجْهَانِ، أَوْلَاهُمَا: لَيْسَ لَهَا مَنْعُهُ) لِمِلْكِهِ لَهَا وَلِمَنَافِعِهَا، (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ حَكَاهُ) عَنْهُمْ (ابْنُ الْعِمَادِ) فِي كِتَابِ " التِّبْيَانِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ الْحَيَوَانِ.
(وَيَتَّجِهُ بَلْ) يَجُوزُ لَهَا أَنْ (تَمْنَعَهُ؛ لِلْإِيذَاءِ؛ لِأَنَّ) وَطْأَهُ يُؤْذِيهَا، وَ (الْإِيذَاءُ حَرَامٌ) ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأُمَّ الْجَذْمَاءَ أَوْ الْبَرْصَاءَ يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ حَضَانَةِ وَلَدِهَا، مَعَ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَعْقِلُ النَّفْرَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا التَّأَذِّي بِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَنْذُورٍ عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ؛ لِوُجُوبِ عِتْقِهِ بِالنَّذْرِ؛ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بِبَيْعِهِ بِخِلَافِ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَيْتَةٍ، وَلَوْ طَاهِرَةً) كَالْعَقْرَبِ وَمَيْتَةِ الْآدَمِيِّ؛
لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهَا (غَيْرَ نَحْوِ سَمَكٍ وَجَرَادٍ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ الَّتِي لَا تَعِيشُ إلَّا فِيهِ؛ لِحِلِّ مَيْتَتِهَا.
(وَلَا) بَيْعَ (سِرْجِينٍ نَجِسٍ) ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى نَجَاسَتِهِ
وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ بَيْعِ سِرْجِينٍ طَاهِرٍ، كَرَوْثِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ.
(وَيَتَّجِهُ) يَحْرُمُ بَيْعُ سِرْجِينٍ (مُتَنَجِّسٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) بَيْعُ (دُهْنٍ نَجِسٍ) كَشَحْمِ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهَا، (أَوْ) دُهْنِ (مُتَنَجِّسٍ) ؛ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ لَاقَتْهُ نَجَاسَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِغَسْلٍ، أَشْبَهَ نَجَسَ الْعَيْنِ؛ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، (وَلَوْ لِكَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ شَيْءٌ حُرِّمَ ثَمَنُهُ؛ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (وَيَجُوزُ) دَفْعُ أَدْهَانٍ مُتَنَجِّسَةٍ لِكَافِرٍ (فِي فِكَاكِ) أَسِيرٍ (مُسْلِمٍ) ؛ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الْأَسْرِ، وَهَذَا لَيْسَ بَيْعًا حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِدَاءٌ.
وَعَلَى دَافِعِ ذَلِكَ أَنْ (يُعْلِمَ الْكَافِرَ بِنَجَاسَتِهِ) ؛ أَيْ: الدُّهْنِ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ؛ فَلَا يَبِيعُهُ لِمُسْلِمٍ.
(وَيَجُوزُ اسْتِصْبَاحٌ) بِدُهْنٍ (مُتَنَجِّسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى، بِأَنْ تُجْعَلَ فِي إبْرِيقٍ وَيُصَبُّ مِنْهَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَلَا يُمَسُّ أَوْ يَدَعُ عَلَى رَأْسِ الْجَرَّةِ الَّتِي فِيهَا الدُّهْنُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا، وَيُطَيِّنُهُ عَلَى رَأْسِ إنَاءِ الدُّهْنِ، وَكُلَّمَا نَقَصَ دُهْنُ السِّرَاجِ صَبَّ فِيهِ مَاءً بِحَيْثُ يَرْفَعُ الدُّهْنَ، فَيَمْلَأُ السِّرَاجَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (تِرْيَاقٍ فِيهِ لُحُومُ حَيَّاتٍ) ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ فَخَلَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ
خَالِيًا مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ وَمِنْ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ كَسَائِرِ الْمَعَاجِينِ الْخَالِيَةِ مِنْ مُحَرَّمٍ.
(وَلَا) بَيْعُ (سُمُومٍ قَاتِلَةٍ؛ كَسُمِّ الْأَفَاعِي) ؛ لِخُلُوِّهَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ، (فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ نَبَاتٍ) مَسْمُومٍ، (فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ يَقْتُلُ قَلِيلُهُ؛ فَكَذَلِكَ) بَيْعُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) بِأَنْ انْتَفَعَ بِهِ؛ وَأَمْكَنَ التَّدَاوِي بِيَسِيرِهِ؛ (جَازَ؛ كَبَيْعِ سَقَمُونْيَا وَنَحْوِهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ.
(وَحُرِّمَ بَيْعُ مُصْحَفٍ) مُطْلَقًا، وَلَوْ فِي دَيْنٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ابْتِذَالِهِ وَتَرْكِ تَعْظِيمِهِ، (وَلَا يَصِحُّ) بَيْعُهُ (لِكَافِرٍ فَقَطْ) دُونَ الْمُسْلِمِ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُ مَعَ الْحُرْمَةِ.
(خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ مَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِهِ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": وَلَا يَصِحُّ لِكَافِرٍ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى ".
(وَإِنْ مَلَكَهُ) ؛ أَيْ: الْكَافِرُ، (بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ)
(وَيَتَّجِهُ كَنَسْخِهِ) بِيَدِهِ، أَوْ اسْتِنْسَاخِهِ بِأُجْرَةٍ، (وَاسْتِيلَائِهِ) عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ اسْتِنْقَاذِهِ إيَّاهُ مِنْ (حَرْبِيٍّ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَنْهُ) خَشْيَةَ امْتِهَانِهِ
(وَكَذَا) ، أَيْ: كَبَيْعِ الْمُصْحَفِ (إجَارَتُهُ) ، فَتَحْرُمُ وَلَا تَصِحُّ.
(وَيَأْتِي ذِكْرُهُ) فِي بَابِهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ، (وَكَذَا) يَحْرُمُ بَذْلُ مُصْحَفٍ (فِي سَائِرِ عُقُودٍ) كَبَذْلِهِ عِوَضًا عَنْ (مَهْرٍ) ، وَبَدَلِ عِوَضِ (خُلْعٍ) ، وَبَدَلِ أُجْرَةٍ نَحْوِ عَقَارٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعِهِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
وَاتِّجَاهُهُ فِي مَحَلِّهِ.
(تَنْبِيهٌ) يَلْزَمُ بَذْلُ الْمُصْحَفِ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ، وَلَوْ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَى رَبِّهِ.
(وَلَا يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ) ؛ أَيْ: الْمُصْحَفِ مِمَّنْ يَبْتَذِلُهُ؛ (اسْتِنْقَاذًا) لَهُ؛ كَشِرَاءِ الْأَسِيرِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُكْرَهُ (إبْدَالُهُ لِمُسْلِمٍ بِمُصْحَفٍ آخَرَ) ، وَلَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ، وَلَا عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ، بِخِلَافِ أَخْذِ ثَمَنِهِ.
وَلَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ - وَلَوْ فِي دَيْنٍ - لَمْ يُبَعْ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ نَسْخُهُ) ؛ أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِأُجْرَةٍ) حَتَّى مِنْ مُحْدِثٍ وَكَافِرٍ بِلَا حَمْلٍ وَلَا مَسٍّ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ.
وَيَجُوزُ (وَقْفُهُ) ؛ أَيْ: الْمُصْحَفِ، (وَهِبَتُهُ، وَوَصِيَّةٌ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِيَاضَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ.
(وَيَصِحُّ شِرَاءُ كُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وَنَحْوِهَا) كَتَنْجِيمٍ، وَسِحْرٍ، وَكِيمْيَاءَ، وَكُتُبٍ مُبْتَدَعَةٍ (لِيُتْلِفَهَا) ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ مَالِيَّةِ الْوَرَقِ، وَتَعُودُ وَرَقًا مُنْتَفَعًا بِهِ بِالْمُعَالَجَةِ.
وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ (خَمْرٍ لِيُرِيقَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهَا، وَلَا مَالِيَّةَ.
وَلَا شِرَاءُ (آلَةِ لَهْوٍ لِيَكْسِرَهَا) ؛ كَمِزْمَارٍ، وَطُنْبُورٍ، وَنَرْدٍ، وَشَطْرَنْجٍ، وَنَحْوِهِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ (مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ) وَقْتَ الْعَقْدِ، وَكَذَا الثَّمَنُ (مِلْكًا تَامًّا) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكًا تَامًّا الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَالْإِثَارَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ مُسْتَأْجِرِ أَرْضِ الْوَقْفِ، مِنْ حَرْثٍ وَزَرْعٍ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِحْيَاءِ بِذَلِكَ، (بِخِلَافِ نَحْوِ مَكِيلٍ) ؛ كَمَوْزُونٍ، وَمَعْدُودٍ، وَمَزْرُوعٍ (قَبْلَ قَبْضٍ) ؛ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ حَتَّى يُقْبَضَ؛ لِعَدَمِ تَمَامِ الْمِلْكِ فِيهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَالِكُ (أَسِيرًا) ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِمِلْكِهِ، إذْ الْأَسْرُ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ، (أَوْ) يَكُونُ (مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ (مِنْ مَالِكٍ) وَقْتَ عَقْدٍ؛ لِقِيَامِ
الْمَأْذُونِ لَهُ مَقَامَ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ نَفْسِهِ، (أَوْ) يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ مِنْ شَارِعٍ كَوَلِيٍّ صَغِيرٍ، وَنَاظِرِ وَقْفٍ (وَقْتَ عَقْدِ) الْبَيْعِ، (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
(فَلَوْ بَاعَ أَوْ رَهَنَ قِنًّا يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا، فَبَانَ) أَنْ مُورَثَهُ قَدْ مَاتَ، وَصَارَ الْقِنُّ (مِلْكَهُ) أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَأْذُونٌ لَهُ بِالْإِذْنِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ وُكِّلَ فِيهِ؛ (صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمُعَامَلَاتِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ.
(فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ فُضُولِيٍّ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، (وَلَوْ أُجِيزَ) تَصَرُّفُهُ (بَعْدَ) وُقُوعِهِ، (إلَّا إنْ اشْتَرَى) الْفُضُولِيُّ (فِي ذِمَّتِهِ) وَنَوَى الشِّرَاءَ لِشَخْصٍ لَمْ يُسَمِّهِ، فَيَصِحُّ، أَوْ اشْتَرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَدَفَعَهُ مِنْ (نَقْدٍ حَاضِرٍ، وَنَوَى) الشِّرَاءَ (لِشَخْصٍ لَمْ يُسَمِّهِ) ؛ فَيَصِحُّ، سَوَاءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ، أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَاَلَّذِي نَقَدَهُ إنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ؛ لَمْ يَصِحَّ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ.
إنَّمَا أَخْرَجْتُ كَلَامَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ لِيُوَافِقَ أَصْلَيْهِ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ فِي الذِّمَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(ثُمَّ إنْ أَجَازَهُ) أَيْ: الشِّرَاءَ (مَنْ اُشْتُرِيَ لَهُ) ، وَلَمْ يُسَمِّ (مِلْكَهُ مِنْ حِينِ شِرَاءٍ) ؛ فَمَنَافِعُهُ وَنَمَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اُشْتُرِيَ لِأَجْلِهِ، وَنَزَّلَ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْوَكِيلِ، (وَإِلَّا) يُجْزِهِ مَنْ اُشْتُرِيَ لَهُ؛ (وَقَعَ) الشِّرَاءُ (لِمُشْتَرٍ، وَلَزِمَهُ) حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ، (وَلَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُشْتَرِي (تَصَرُّفٌ فِيهِ) ؛
أَيْ: الْمَبِيعِ (قَبْلَ) ؛ أَيْ: قَبْلَ عَرْضِهِ عَلَى مَنْ اُشْتُرِيَ لَهُ.
(وَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ) عَقْدٍ (مُخْتَلَفٍ فِيهِ) مَنْ يَرَاهُ (كَتَصَرُّفِ فُضُولِيٍّ أُجِيزَ؛ صَحَّ) الْعَقْدُ، وَاعْتُبِرَتْ آثَارُهُ مِنْ حِينِ (حَكَمَ) لَا مِنْ حِينِ (عَقَدَ) . ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَاطِلٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى الْحُكْمِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (لَا يَمْلِكُهُ) الْبَائِعُ، وَلَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ (كَحُرٍّ، وَمُبَاحٍ قَبْلَ حِيَازَتِهِ) ؛ لِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
(إلَّا مَوْصُوفًا) بِصِفَاتِ سَلَمٍ (لَمْ يُعَيَّنْ) ؛ فَيَصِحُّ؛ لِقَبُولِ ذِمَّتِهِ لِلتَّصَرُّفِ (إذَا قَبَضَ) الْمَبِيعَ، (أَوْ) قَبَضَ (ثَمَنَهُ بِمَجْلِسِ عَقْدٍ) ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ أَحَدُهُمَا فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بِلَفْظِ) سَلَفٍ، أَوْ (سَلَمٍ) - وَلَوْ قَبَضَ ثَمَنَهُ بِمَجْلِسِ عَقْدٍ -؛ لِأَنَّ السَّلَمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
(وَالْمَوْصُوفُ الْمُعَيَّنُ، كَبِعْتُكَ عَبْدِي فُلَانًا، وَيَسْتَقْصِي صِفَتَهُ) بِكَذَا؛ فَيَصِحُّ (وَيَجُوزُ تَفَرُّقٌ) فِيهِ (قَبْلَ قَبْضٍ) لَهُ، أَوْ لِثَمَنِهِ؛ كَمَبِيعٍ (حَاضِرٍ) بِالْمَجْلِسِ؛ كَأَمَةٍ مَلْفُوفَةٍ بِيعَتْ بِالصِّفَةِ
(وَيَنْفَسِخُ عَقْدٌ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ؛ لِفَقْدِ صِفَةٍ) مِنْ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ فِيهِ؛ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ.
بِخِلَافِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ؛ فَلَهُ رَدُّهُ، وَطَلَبُ بَدَلِهِ.
(وَ) يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ (بِتَلَفٍ قَبْلَ قَبْضٍ) ؛ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْعَقْدِ.
(بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ) ، وَهُوَ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ: (وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ) ذِكْرِ (صِفَةٍ فِيهِمَا) ؛ أَيْ: فِي الْمُعَيَّنِ، وَالْمَوْصُوفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ (عَلَى عَقْدٍ) ؛ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي (سَلَمٍ) ؛ كَأَنْ يَقُولَ بَائِعٌ: (بِعْتُكَ) صَاعَ بُرٍّ صِفَتُهُ كَذَا، (أَوْ) يَقُولَ مُشْتَرٍ: (أُرِيدُ أَنْ أُسَلِّفُكَ فِي صَاعِ بُرٍّ، وَوَصَفَهُ) بِصِفَاتٍ، (ثُمَّ يَقُولُ أَسْلَفْتُكَ فِيهِ) عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، (أَوْ)
يَقُولُ مُشْتَرٍ: (اشْتَرَيْتُ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ) ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ بِمَا فُتِحَ عَنْوَةً) ، وَلَمْ يُقَسَّمْ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ؛ كَمَزَارِعِ (مِصْرَ وَالشَّامِ) وَمَا جَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا خَوْفًا مِنَّا، أَوْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَلَيْهَا؛ (لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ (وَكَذَا الْعِرَاقُ) لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ أُقِرَّتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا بِالْخَرَاجِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يَصِحُّ.
ذَكَرَهَا الْحَلْوَانِيُّ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَذَكَرَهُ قَوْلًا عِنْدَنَا.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِنَا، وَقَدْ جَوَّزَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إصْدَاقَهَا، وَقَالَهُ الْمَجْدُ.
(غَيْرَ الْحِيرَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، مَدِينَةٍ قُرْبَ الْكُوفَةِ، وَغَيْرَ أُلَّيْسٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، مَدِينَةٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَغَيْرَ (بانقيا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ قَافٌ سَاكِنَةٌ، مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، نَاحِيَةٍ بِالنَّجَفِ، دُونَ الْكُوفَةِ، وَغَيْرَ (أَرْضٍ بِنَحْوِ صَلُوبًا) ، بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَضَمِّ اللَّامِ، بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ، تَلِيهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ؛ (لِفَتْحِهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الْأَمَاكِنِ (صُلْحًا، فَهِيَ كَمَنْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا) ؛ كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهَا مِلْكُ أَرْبَابِهَا، (إلَّا الْمَسَاكِنَ) ، وَلَوْ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً، فَيَصِحُّ بَيْعُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ حَالَ الْفَتْحِ مَوْجُودَةً، أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، (وَلَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ فَتْحٍ، وَآلَتُهَا) أَيْ الْمَسَاكِنِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اقْتَطَعُوا الْخِطَطَ فِي الْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَبَنَوْهَا مَسَاكِنَ، وَتَبَايَعُوهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَكَغَرْسٍ مُتَجَدِّدٍ.
(وَيَتَّجِهُ فِي مَسَاكِنَ) فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ إذَا (بِيعَتْ، فَلَا تَدْخُلُ الْأَرْضُ تَبَعًا) لَهَا، بَلْ الْأَرْضُ تَبْقَى وَقْفًا؛ كَالْمَزَارِعِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ
مِنْ الْغَفْلَةِ عَمَّا أَسْلَفَهُ فِي بَابِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ، حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَمْسَحُ دَارِهِ، وَيَخْرُجُ عَنْهَا وَرَعًا؛ لِأَنَّ بَغْدَادَ حِينَ فُتِحَتْ كَانَتْ مَزَارِعَ؛ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ وَغَيْرِهِ هُنَاكَ؛ أَنَّ الْمَوْقُوفَ إنَّمَا هُوَ الْمَزَارِعُ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ حُمِلَ فِعْلُ الْإِمَامِ عَلَى الْوَرَعِ، كَمَا حَمَلَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ أَهْلَ بَغْدَادَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ عَنْ أَرْضِ الْمَسَاكِنِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَ الْأَمْرَ بِهِ؛ إذْ هُوَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَنُقِلَ عَنْهُ، وَاشْتُهِرَ.
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ؛ أَنَّ الْمَسَاكِنَ مَمْلُوكَةٌ أَرْضًا وَبِنَاءً وَلَمْ تَزَلْ تُبَاعُ، وَتُوهَبُ وَتُوقَفُ، وَتَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ إمَام لَهَا) ؛ أَيْ: الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً (لِمَصْلَحَةٍ) رَآهَا؛ كَاحْتِيَاجِهَا لِلْعِمَارَةِ، وَلَا يَعْمُرُهَا إلَّا مَنْ يَشْتَرِيهَا؛ كَصِحَّةِ (وَقْفِهِ) لَهَا، (وَإِقْطَاعِهِ) إيَّاهَا (تَمْلِيكًا) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِهِ.
وَحُكْمُهُ بِذَلِكَ يَصِحُّ كَبَقِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، هَذَا مَعْنَى مَا عَلَّلَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " صِحَّةَ الْبَيْعِ مِنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى صِحَّةَ بَيْعِهِ، أَوْ وَقْفِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِمَا يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ.
وَفِي صِحَّةِ الْوَقْفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إمَّا مَوْقُوفَةٌ؛ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا ثَانِيًا، أَوْ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَالْوَقْفُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَقْفَ هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْإِرْصَادِ وَالْإِفْرَازِ لِشَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ، لِيَصِلُوا إلَيْهِ بِسُهُولَةٍ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَصِحُّ بَيْعُهَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ (غَيْرَ إمَامٍ، وَحَكَمَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ (مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَنَفَذَ كَسَائِرِ مَا فِيهِ اخْتِلَافٌ.
(وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا) ؛ أَيْ: الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً، مُدَّةً مَعْلُومَةً، بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إقْرَارِهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَضَرَبَ عُمَرُ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهُ أُجْرَةً لَهَا.
وَالْمُسْتَأْجِرُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ) رِبَاعِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ، (وَلَا إجَارَةُ رِبَاعِ) بِكَسْرِ
الرَّاءِ (مَكَّةَ) ، وَلَا رِبَاعِ الْحَرَمِ (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الرِّبَاعُ (الْمَنَازِلُ، وَكَذَا بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ) كَالْمَسْعَى، وَالْمَرْمَى وَالْمَوْقِفِ، وَنَحْوِهَا، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ بِقَاعِ الْمَنَاسِكِ (أَوْلَى) مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ؛ (إذْ هِيَ) ؛ أَيْ: بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ؛ (كَالْمَسَاجِدِ) ؛ لِعُمُومِ نَفْعِهَا؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ: لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا» ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا: «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا، وَحَرَامٌ إجَارَتُهَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ
وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ) عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الرِّبَاعِ وَالْحَرَمِ، وَإِجَارَتِهِمَا (بِفَتْحِهَا عَنْوَةً، بَلْ لِلنَّهْيِ) الْمَذْكُورِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " حَيْثُ عَلَّلَا عَدَمَ الصِّحَّةِ بِفَتْحِهَا عَنْوَةً.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: إنَّمَا حُرِّمَ بَيْعُ رِبَاعِهَا، وَإِجَارَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ حَرِيمُ الْبَيْتِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخْصِيصُ بِمِلْكِهِ، وَتَحْجِيرِهِ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَ إلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْهُ سَكَنَهُ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَجَبَ بَذْلُ فَاضِلِهِ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَسْلَكُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ " وَسَلَكَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى.
وَعَلَّلَ الشَّارِحُ بِالنَّهْيِ وَالْفَتْحِ عَنْوَةً، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ فَتْحَ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؛ لَيْسَ كَافِيًا فِي الْعِلَّةِ.
وَدَلِيلُ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ) فِي رِبَاعِ مَكَّةَ، (لَمْ يَأْثَمْ بِدَفْعِهَا) ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَيَجِبُ بَذْلُ فَاضِلِ مَسْكَنٍ لِمُحْتَاجٍ مَجَّانًا) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ؛
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَاءٍ عِدٍّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الدَّالِ؛ أَيْ: الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ، مَا لَمْ يَحُزْهُ؛ (كَمَاءِ عَيْنٍ) ، (وَنَفْعِ بِئْرٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ، فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَعْدِنٍ جَارٍ) إذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ (فَقَطْ) ، بِخِلَافِ الْجَامِدِ؛ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، وَيَأْتِي مِثَالُ الْمَعْدِنِ الْجَارِي؛ (كَقَارٍ، وَمِلْحٍ، وَنِفْطٍ) مَا لَمْ يَحُزْهُ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ؛ فَلَا يُمْلَكُ؛ كَالْمَاءِ الْعِدِّ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (نَابِتٍ مِنْ كَلَأٍ وَشَوْكٍ، وَنَحْوِهِ) ؛ كَأُشْنَانٍ نَابِتٍ فِي أَرْضٍ قَبْلَ حِيَازَتِهِ، وَطَائِرٍ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ وَلَوْ مَحُوطَةً، وَسَمَكٍ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ بِأَرْضِهِ (مَا لَمْ يَحُزْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْحَوْزِ، فَإِذَا حَازَهُ (وَلَوْ بِمَصَانِعَ مُعَدَّةٍ) مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ فِيهَا؛ (فَلَا يَدْخُلُ) شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (فِي بَيْعِ أَرْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُحَازَ، (وَلَكِنَّ مُشْتَرِيَهَا) ؛ أَيْ: الْأَرْضِ (أَحَقُّ بِهِ) أَيْ: بِمَا فِي الْأَرْضِ؛ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ، (وَمَنْ أَخَذَهُ مَلَكَهُ) بِحَوْزِهِ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إلَّا مَا حُمِلَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْأَمْوَالِ.
وَفِي مَعْنَاهُ الْكَلَأُ، وَالشَّوْكُ، وَنَحْوُهُ وَالْمَعْدِنُ الْجَارِي.
(وَحُرِّمَ دُخُولٌ لِأَجْلِ أَخْذِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْأَرْضِ إنْ حُوِّطَتْ) ؛ لِتُعَدِّيهِ بِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَلَكَهُ مَعَ تَحْرِيمِ الدُّخُولِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُحَوَّطْ؛ (جَازَ) دُخُولُهُ لِأَخْذِهِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ (بِلَا ضَرَرٍ) عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِالدُّخُولِ حُرِّمَ.
(وَحُرِّمَ) عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (مَنْعُ مُسْتَأْذِنٍ) فِي دُخُولٍ (إذَنْ) .
(وَيَتَّجِهُ) وَلِمُسْتَأْذِنٍ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ أَرْضِ الْغَيْرِ، أَنْ (يَدْخُلَ قَهْرًا) ، وَيَأْخُذَ مَا يَحْتَاجُهُ مِمَّا فِيهَا مِنْ الْمُبَاحِ، إنْ لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ بِدُخُولِهِ، فَإِنْ حَصَلَ ضَرَرٌ،
فَلَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ؛ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَطُلُولٌ) جَمْعُ طَلٍّ - وَهُوَ الْمَطَرُ الْخَفِيفُ - (يَجْنِي) ، أَيْ: يَتَغَذَّى (نَحْلٌ مِنْهَا) ؛ أَيْ: الطُّلُولِ، عَلَى الزَّهْرِ وَالشَّجَرِ مِنْ النَّدَى، (كَكَلَأٍ) فِي الْحُكْمِ، (وَأَوْلَى) بِالْإِبَاحَةِ مِنْ الْكَلَأِ، (وَنَحْلُ رَبِّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ) ؛ أَيْ: بَطَلَ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، (لَكِنْ لَا شَيْءَ) لِمَالِكِ أَرْضٍ (عَلَى رَبِّ نَحْلِ غَيْرِهِ) ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا، وَلَا يَكَادُ يَجْتَمِعُ مِنْهُ مَا يَعْدِلُ شَيْئًا إلَّا بِمَشَقَّةٍ
[فَرْعٌ بَيْعُ دَارٍ تَسْتَحِقُّ زَوْجَةٌ مُعْتَدَّةٌ سُكْنَاهَا]
(فَرْعٌ) يَصِحُّ بَيْعُ دَارٍ تَسْتَحِقُّ زَوْجَةٌ (مُعْتَدَّةٌ لِوَفَاةِ) زَوْجِهَا (سُكْنَاهَا) ؛ أَيْ: الدَّارِ، (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةُ (حَامِلٌ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا لِمَنَافِعِ الدَّارِ، لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ عَيْنِهَا، كَالْمُؤَجَّرَةِ، (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) فَإِنَّهُ قَالَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ: الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) ، أَيْ: الْمَبِيعِ، وَكَذَا الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالْمَعْدُومِ، (فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفِ مُعَيَّنٍ مِنْ نَحْوِ إنَاءٍ وَسَيْفٍ) مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَوْ كُسِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ مُفْرَدًا إلَّا بِإِتْلَافِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَالِيَّةِ.
وَلَا بَيْعُ نِصْفِ مُعَيَّنٍ مِنْ (حَيَوَانٍ) ، بِخِلَافِ بَيْعِ جُزْءٍ مُشَاعًا؛ فَيَصِحُّ.
وَلَا بَيْعُ (دَيْنٍ) كُلِّهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ (لِغَيْرِ مَدِينٍ) ؛ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، (وَلَا) بَيْعُ قِنٍّ (آبِقٍ) ؛ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ، وَلَا نَحْوُ جَمَلٍ (شَارِدٍ) عُلِمَ مَكَانُهُ، أَوْ لَا؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» .
وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ بِمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ، (وَلَوْ) كَانَ بَيْعُ آبِقٍ
وَشَارِدٍ (لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَوَهُّمٍ لَا يُنَافِي تَحَقُّقَ عَدَمِهِ وَلَا ظَنَّهُ، بِخِلَافِ ظَنِّ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ مَغْصُوبٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (سَمَكٍ بِمَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ (إلَّا) سَمَكًا (مَرْئِيًّا) لِصَفَاءِ الْمَاءِ (بِمَاءٍ مَحُوزٍ يَسْهُلُ أَخْذُهُ مِنْهُ) ؛ كَحَوْضٍ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مُمْكِنٌ تَسْلِيمُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بِطَشْتٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ بِحَيْثُ يَعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَحُوزٍ كَمُتَّصِلٍ بِنَهْرٍ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (طَائِرٍ) بِمَوْضِعٍ (يَصْعُبُ أَخْذُهُ) مِنْهُ؛ كَكَوْنِهِ عَلَى سَطْحٍ، وَلَوْ أَلِفَ الرُّجُوعَ، (أَوْ) كَانَ الطَّائِرُ (فِي الْهَوَاءِ، وَأَلِفَ الرُّجُوعَ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، (إلَّا) إذَا كَانَ بِمَكَانٍ مُغْلَقٍ - وَلَوْ طَالَ زَمَنُ تَحْصِيلِهِمَا -؛ أَيْ: السَّمَكِ وَالطَّائِرِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مَغْصُوبٍ إلَّا لِغَاصِبِهِ) الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِغَصْبِهِ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَهُ لَهُ رَبُّهُ؛ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ (أَوْ لِقَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ) ؛ أَيْ: الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ؛ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ لِعَدَمِ الْغَرَرِ (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُشْتَرِي الَّذِي كَانَ قَادِرًا حِينَهُ (الْفَسْخُ إنْ عَجَزَ) عَنْ تَحْصِيلِ الْمَغْصُوبِ؛ لِتَأَخُّرِ التَّسْلِيمِ
الشَّرْطُ (السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ مَبِيعٍ) ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بِهِ غَرَرٌ، وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ، كَالْمُسْلَمِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا عُلِمَ الْمَبِيعُ، وَحَدِيثُ: «مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ إذَا أَرَادَ شِرَاءَهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ، (بِرُؤْيَةِ مُتَعَاقِدَيْنِ) بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ بِرُؤْيَةٍ يُعْرَفُ بِهَا الْمَبِيعُ، مُقَارَنَةً رُؤْيَتُهُ لِلْعَقْدِ، بِأَنْ لَا تَتَأَخَّرَ عَنْهُ، فَإِنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَمِثْلُهُ الْبَائِعُ إذَا بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ؛ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ، فَلَمْ يَصِحَّ
مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا مِنْهُمَا، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الرِّضَا مِنْهُمَا (لِجَمِيعِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيَةٍ؛ لِوَجْهَيْ ثَوْبٍ مَنْقُوشٍ (أَوْ) بِرُؤْيَةِ (بَعْضٍ) مِنْ مَبِيعٍ (يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّتِهِ) ؛ كَرُؤْيَةِ (أَحَدِ وَجْهَيْ ثَوْبٍ غَيْرِ مَنْقُوشٍ) ، وَرُؤْيَةِ (وَجْهِ رَقِيقٍ) ، وَرُؤْيَةِ (ظَاهِرِ صُبْرَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ مِنْ حَبٍّ وَثَمَرٍ) ، وَرُؤْيَةِ (مَا فِي ظُرُوفٍ) وَأَعْدَالٍ (مِنْ جِنْسٍ مُتَسَاوِي) الْأَجْزَاءِ وَنَحْوِهَا؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ بِذَلِكَ؛ (فَلَا يَصِحُّ) الْبَيْعُ (إنْ سَبَقَتْ رُؤْيَةٌ) مِنْ مُشْتَرٍ (الْعَقْدَ) ؛ أَيْ: عَقْدَ الْبَيْعِ، (بِزَمَنٍ يَتَغَيَّرُ فِيهِ مَبِيعٌ) ظَاهِرًا (وَلَوْ) كَانَ التَّغَيُّرُ فِيهِ (شَكًّا) ؛ بِأَنْ مَضَى زَمَنٌ يَشُكُّ فِي تَغَيُّرِهِ تُغَيِّرَا ظَاهِرًا فِيهِ فِي وُجُودِ شَرْطِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَإِنْ سَبَقَتْ الْعَقْدَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ عَادَةً تَغَيُّرًا ظَاهِرًا صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ، وَلَا حَدَّ لِذَلِكَ الزَّمَنِ؛ إذْ الْمَبِيعُ مِنْهُ مَا يُسْرِعُ مِنْ تَغَيُّرِهِ، وَمَا يَتَبَاعَدُ، وَمَا يَتَوَسَّطُ، فَيَتَغَيَّرُ كُلٌّ بِحَسَبِهِ.
(وَلَا إنْ أَرَاهُ صَاعًا) مِنْ صُبْرَةٍ، (وَيَبِيعُهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِهِ) ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْعَقْدِ، (وَهُوَ بَيْعُ النَّمُوذَجِ) بِفَتْحِ النُّونِ، مِثَالُ الشَّيْءِ، مُعَرَّبٌ، وَالْأُنْمُوذَجُ لَحْنٌ، قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (إنْ قَالَ) : بِعْتُكَ (هَذَا الْبَغْلَ، فَبَانَ فَرَسًا أَوْ) قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا (الزَّيْتَ، فَبَانَ شَيْرَجًا) ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا (الثَّوْبَ الْقُطْنَ، فَبَانَ كَتَّانًا) بِضَمِّ الْكَافِ، (وَنَحْوُهُ) ؛ كَبِعْتُك هَذِهِ النَّاقَةَ، فَتَبَيَّنَ جَمَلًا؛ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ (وَكَرُؤْيَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ (مَعْرِفَتُهُ بِلَمْسٍ أَوْ شَمٍّ، أَوْ ذَوْقٍ) فِيمَا يُعْرَفُ بِهَذِهِ؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ.
(أَوْ) مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ (بِوَصْفِ مَا) أَيْ: مَبِيعٍ (يَصِحُّ سَلَمٌ فِيهِ، بِمَا) ؛ أَيْ: وَصْفٍ (يَكْفِي فِيهِ) أَيْ: السَّلَمُ، بِأَنْ يَذْكُرَ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ
غَالِبًا، وَيَأْتِي فِي السَّلَمِ؛ لِقِيَامِ ذَلِكَ مَقَامَ رُؤْيَتِهِ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ، فَالْبَيْعُ بِالْوَصْفِ مَخْصُوصٌ بِمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَيَصِحُّ تَقَدُّمُ الْوَصْفِ عَلَى الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ؛ كَتَقَدُّمِ الرُّؤْيَةِ فِي الْعَقْدِ؛ (فَيَصِحُّ بَيْعُ أَعْمَى وَشِرَاؤُهُ فِي نَحْوِ) مَبِيعٍ (مَذُوقٍ) وَمَشْمُومٍ وَمَلْمُوسٍ، عَرَفَهُ بِذَوْقٍ أَوْ شَمٍّ أَوْ لَمْسٍ؛ كَمَا يَصِحُّ (تَوْكِيلُهُ) ؛ أَيْ: الْأَعْمَى فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، سَوَاءً كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ أَوْ لَا.
(ثُمَّ إنْ وَجَدَ) مُشْتَرٍ (مَا وُصِفَ) لَهُ، (أَوْ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) الْعَقْدَ بِزَمَنٍ (يَسِيرٍ) لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ تَغَيُّرًا ظَاهِرًا (مُتَغَيِّرًا فَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عَيْبِهِ، (وَيَحْلِفُ) مُشْتَرٍ (إنْ اخْتَلَفَا) فِي نَقْصِهِ صِفَةً، أَوْ تَغَيُّرِهِ عَمَّا كَانَ رَآهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي؛ (فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) مِنْ مُشْتَرٍ بِنَقْصِ صِفَتِهِ أَوْ تَغَيُّرِهِ (مِنْ سَوْمٍ وَنَحْوِهِ) كَوَطْءِ أَمَةٍ بِيعَتْ كَذَلِكَ، فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ لِذَلِكَ، وَ (لَا) يَسْقُطُ خِيَارُهُ (إنْ اسْتَعْمَلَهُ) ؛ أَيْ: الْبَيْعَ الْمَوْصُوفَ، أَوْ الْمُتَقَدِّمَةَ رُؤْيَتُهُ (بِطَرِيقِ رَدٍّ؛ كَرُكُوبِ دَابَّةٍ) لِيَرُدَّهَا، (وَحَلْبِ شَاةٍ) ؛ لِلِاخْتِبَارِ، (وَطَحْنِ رَحًى؛ لِلِاخْتِبَارِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالنَّقْصِ، أَوْ التَّغَيُّرِ.
(وَإِنْ أَسْقَطَ) مُشْتَرٍ (حِصَّةَ مَنْ رُدَّ) بِنَقْصِ صِفَةٍ شُرِطَتْ أَوْ تَغَيَّرَ بَعْدَ رُؤْيَةٍ (فَلَا أَرْشَ) لَهُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا يُعْتَاضُ عَنْهَا، وَكَالْمُسْلَمِ فِيهِ.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ حَمْلٍ بِبَطْنٍ) مُفْرَدًا عَنْ أُمِّهِ إجْمَاعًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِلْجَهَالَةِ بِهِ؛ إذْ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ، وَلَا صِفَاتُهُ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: بَيْعُ الْحَمْلِ بِالْبَطْنِ (بَيْعُ الْمَضَامِينِ) وَالْمَجْرِ قَالَ ابْنُ خَطِيبِ الدَّهْشَةِ: الْمَضَامِينُ وَالْمَلَاقِيحُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا فِي بُطُونِ النُّوقِ مِنْ الْأَجِنَّةِ، (لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ) قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَجْرُ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، وَالْمَجْرُ الرِّبَا، وَالْمَجْرُ الْقِمَارُ، وَالْمَجْرُ الْمُحَاقَلَةُ، وَالْمُزَابَنَةُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا.
وَلَا بَيْعُ (لَبَنٍ بِضَرْعٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِجَهَالَةِ صِفَتِهِ وَقَدْرِهِ، أَشْبَهَ الْحَمْلَ.
وَلَا بَيْعُ (نَوًى بِتَمْرٍ) ، أَيْ: فِيهِ كَبَيْضٍ فِي طَيْرٍ.
وَلَا بَيْعُ (صُوفٍ عَلَى ظَهْرٍ) ؛ لِلْخَبَرِ، (إلَّا) إذَا؛ بِيعَ الْحَمْلُ وَاللَّبَنُ وَالنَّوَى وَالصُّوفُ (تَبَعًا) لِأَصْلِهِ؛ بِأَنْ بَاعَ الْأَصْلَ، وَسَكَتَ عَنْ الْفُرُوعِ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْحَامِلِ وَذَاتِ اللَّبَنِ وَالتَّمْرِ وَذَاتِ الصُّوفِ، إنْ اتَّحَدَ مَالِكُهُمَا، أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْوَرَثَةُ أَمَةً مُوصًى بِحَمْلِهَا، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْحَمْلَ مِلْكٌ لِلْغَيْرِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَائِهِ لَفْظًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِيمَا إذَا بَاعَ أَمَةً حَامِلًا بِحُرٍّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى شَرْعًا.
وَيَأْتِي.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْأَصْلِ مَعَ ذِكْرِ فَرْعِهِ، كَقَوْلِ بَائِعٍ: (بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ وَحَمْلَهَا) ، أَوْ هَذِهِ الشَّاةَ، وَمَا فِي ضَرْعِهَا مِنْ لَبَنٍ، أَوْ مَا عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ صُوفٍ، مِثْلُهُ بِعْتُكَ هَذِهِ (الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا مِنْ بَذْرٍ) لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ الْأَصْلَ وَسَكَتَ فَيَتْبَعُهُ الْفَرْعُ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّبَعِيَّةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ وَكَبَيْعِ الدَّارِ يَتْبَعُهُ أَسَاسَاتُ الْحِيطَانِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (عَسْبِ فَحْلٍ) ، أَيْ: ضِرَابُهُ؛ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ - وَهِيَ الْأَجِنَّةُ - وَالْمَضَامِينُ مَا فِي صِلَابِ الْفُحُولِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبِيعُونَ الْحَمْلَ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، وَالْفَحْلُ يَبِيعُونَ ضِرَابَهُ فِي عَامِهِ أَوْ أَعْوَامِهِ.
وَلَا بَيْعُ (نِتَاجِ نِتَاجٍ) ، وَيُقَالُ لَهُ: حَبَلُ الْحَبَلَةِ.
وَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ
الصِّحَّةِ مِنْ بَيْعِ الْحَمْلِ.
(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ (مَا) قَدْ (تَحْمِلُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ أَوْ) مَا قَدْ تَحْمِلُ هَذِهِ الدَّابَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَعَ أَنَّهُ مَجْهُولٌ أَيْضًا، وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ حَالَ الْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ بَيْعُ (مِسْكٍ فِي فَارٍ) - وَهُوَ وِعَاؤُهُ وَسُمِّيَ النَّافِجَةَ - مَا لَمْ يُفْتَحْ وَيُشَاهَدْ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، كَاللُّؤْلُؤِ فِي الصَّدَفِ هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَلَا) بَيْعُ (لِفْتٍ أَوْ بَصَلٍ، وَنَحْوِهِ) ؛ كَثُومٍ، وَفُجْلٍ، وَجَزَرٍ، وَقُلْقَاسٍ (قَبْلَ قَلْعٍ) ، نَصًّا؛ لِجَهَالَتِهِ بِاسْتِتَارِ مَا يُرَادُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا وَرَقُهُ فَقَطْ.
(وَلَا) بَيْعُ (ثَوْبٍ مَطْوِيٍّ) ، وَلَوْ قَالَ النَّسْجُ تَامٌّ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " حَيْثُ لَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ يَتَبَايَعُونَ الثِّيَابَ الْمَطْوِيَّةَ، وَيَكْتَفُونَ بِتَقْلِيبِهِمْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّتِهَا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ " الْمُغْنِي ": وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَلَهُ الرَّدُّ، وَالْإِمْسَاكُ وَالْأَرْشُ (فَقَوْلُهُ) : فَنَشَرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَطْوِيًّا، وَكَوْنُهُ يَمْلِكُ (رَدَّهُ) بِالْعَيْبِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، (أَوْ) ثَوْبٍ (نُسِجَ بَعْضُهُ عَلَى أَنْ يُنْسَجَ بَقِيَّتُهُ) ، وَلَوْ مَنْشُورًا؛ لِلْجَهَالَةِ وَالتَّعْلِيقِ (فَإِنْ أَحْضَرَ) بَائِعٌ مَا نَسَجَهُ مِنْ الثَّوْبِ، وَأَحْضَرَ بَقِيَّتَهُ (لُحْمَتَهُ وَبَاعَهَا) ، أَيْ: اللُّحْمَةَ (مَعَهُ) ؛ أَيْ: مَعَ الثَّوْبِ، (وَشَرَطَ) مُشْتَرٍ (عَلَى بَائِعٍ نَسْجَهُ) ، أَيْ: الثَّوْبِ؛ (صَحَّ) الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ؛ إذْ هُوَ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ عَطَاءٍ) : وَهُوَ قِسْطُهُ مِنْ الدِّيوَانِ (قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَغِيبٌ، فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا بَيْعُ (رُقْعَةٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيْعُ الْعَطَاءِ دُونَهَا.
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَعْدِنٍ وَحِجَارَتِهِ) قَبْلَ حَوْزِهِ إنْ كَانَ جَارِيًا.
وَتَقَدَّمَ وَكَذَا إنْ كَانَ جَامِدًا وَجُهِلَ.
وَلَا يَصِحُّ (سَلَفٌ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَعْدِنِ، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِيهِ، فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
(وَلَا) بَيْعُ (مُلَامِسِهِ، كَبِعْتُكَ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ) فَعَلَيْكَ بِكَذَا، (أَوْ) عَلَى أَنَّكَ (إنْ لَمَسْتَهُ) فَعَلَيْكَ بِكَذَا، لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَلَّقٌ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، (أَوْ أَيَّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ فَعَلَيْكَ بِكَذَا) ؛ لِوُرُودِ الْبَيْعِ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ.
(وَلَا) بَيْعُ (مُنَابَذَةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ» ) كَقَوْلِهِ (مَتَى) نَبَذْتَ هَذَا الثَّوْبَ فَعَلَيْكَ بِكَذَا (أَوْ إنْ نَبَذْتَ؛) أَيْ: طَرَحْتَ (هَذَا) الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ فَلَكَ بِكَذَا (أَوْ أَيَّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ فَلَكَ بِكَذَا) ؛ فَلَا يَصِحُّ، لِلْجَهَالَةِ، أَوْ التَّعْلِيقِ.
وَلَا يَصِحُّ (بَيْعُ الْحَصَاةِ كَارْمِهَا فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا) ، أَوْ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ إذَا رَمَيْتُهَا بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى رَمَيْتُ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ، وَتَعْلِيقِ الْبَيْعِ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» ) .
(وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا لَمْ يُعَيَّنْ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدٍ، وَكَشَاةٍ مِنْ قَطِيعٍ وَكَشَجَرَةٍ مِنْ بُسْتَانٍ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ، (وَلَوْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمْ) ، أَيْ: الْعَبِيدِ، وَالشِّيَاهِ، وَالْأَشْجَارِ (وَلَا) بَيْعُ (الْجَمِيعِ إلَّا غَيْرَ مُعَيَّنٍ) ؛ بِأَنْ بَاعَ الْعَبِيدَ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْقَطِيعَ إلَّا شَاةً مُبْهَمَةً، أَوْ الشَّجَرَ إلَّا وَاحِدَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُسْتَثْنَى؛ صَحَّ الْبَيْعُ وَالِاسْتِثْنَاءُ.
(وَلَا) بَيْعُ (شَيْءٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا إلَّا مَا) أَيْ: قَدْرًا مِنْ الْمَبِيعِ (يُسَاوِي دِرْهَمًا) ، لِجَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى.
(وَيَصِحُّ) بَيْعُ شَيْءٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا (إلَّا بِقَدْرِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ) قَوْلِهِ: (بِعْتُكَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِعَشَرَةٍ) ، وَذَلِكَ لَا جَهَالَةَ فِيهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ إنْ قَالَ: (كُلَّمَا أَخَذْتَ قَفِيزًا) مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا (فَعَلَيْكَ دِرْهَمٌ، أَوْ) قَالَ: كُلَّمَا (أَوْقَدْت مِنْ) هَذَا (الدُّهْنِ رِطْلًا فَعَلَيْكَ دِرْهَمٌ) ؛ لِجَهَالَةِ الْمَأْخُوذِ وَالْمَوْقُودِ ابْتِدَاءً، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِيهِمَا، (وَصَحَّ) قَوْلُ شَخْصٍ لِآخَرَ: (كُلَّمَا أَعْتَقْتَ عَبْدًا) مِنْ عَبِيدِك (فَعَلَيَّ ثَمَنُهُ) ، فَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدًا مِنْهُمْ، صَحَّ الْعِتْقُ وَرَجَعَ عَلَى الْقَائِلِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ.
(وَ) يَصِحُّ (بَيْعُ مَا شُوهِدَ مِنْ نَحْوِ حَيَوَانٍ) ؛ كَقَطِيعٍ يُشَاهَدُ كُلُّهُ، (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ مَا شُوهِدَ مِنْ (ثِيَابٍ) مُعَلَّقَةٍ أَوْ لَا، وَنَحْوِهَا، (وَإِنْ جَهِلَا) ؛ أَيْ: الْمُتَعَاقِدَانِ (عَدَدَهُ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعَ الْمُشَاهَدَ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَعْرِفَتُهُ لَا مَعْرِفَةُ عَدَدِهِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ أَمَةٍ (حَامِلٍ بِحُرٍّ) ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ وَقَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يُسْتَثْنَى بِاللَّفْظِ، كَبَيْعِ أَمَةٍ مُزَوَّجَةٍ، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشَّرْعِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهَا بِاللَّفْظِ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ) ، كَمَا قَبْلَ الذَّبْحِ، (وَ) بَيْعُ (لَحْمِهِ) وَهُوَ (فِي جِلْدِهِ) قَبْلَ سَلْخِهِ عَنْهُ، وَبَيْعُ (جِلْدِهِ وَحْدَهُ) أَيْ: دُونَ لَحْمِهِ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ (مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ، كَرُمَّانٍ وَبَيْضٍ) ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى بَيْعِهِ كَذَلِكَ لِفَسَادِهِ إذَا أُخْرِجَ مِنْ قِشْرِهِ.
(وَ) بَيْعُ (بَاقِلَاءَ) وَحِمَّصٍ (وَجَوْزٍ) وَلَوْزٍ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَفُسْتُقٍ فِي قِشْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِحَائِلٍ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، أَشْبَهَ الْبَيْضَ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (طَلْعٍ قَبْلَ تَشَقُّقِهِ) ، (وَ) بَيْعُ (حَبٍّ مُشْتَدٍّ فِي سُنْبُلِهِ) ؛
لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَعَلَ الِاشْتِدَادَ غَايَةً لِلْمَنْعِ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا.
(وَيَدْخُلُ السَّاتِرُ) لِنَحْوِ جَوْزٍ [بَلَغَ] ، وَحَبٍّ مُشْتَدٍّ، مِنْ قِشْرٍ وَتِبْنٍ (تَبَعًا) ، كَنَوَى ثَمَرٍ، (وَيَبْطُلُ بَيْعٌ بِاسْتِثْنَائِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ تِبْنٍ قَبْلَ تَصْفِيَةِ حَبٍّ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ الْقِشْرَ دُونَ مَا دَاخَلَهُ، أَوْ التَّمْرَ دُونَ نَوَاهُ.
(وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (قَفِيزٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ) ، وَهِيَ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ صُبْرَةً لِإِفْرَاغِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّحَابِ فَوْقَ السَّحَابِ: صَبِيرٌ، وَيُقَالُ: صَبَرْتُ الْمَتَاعَ إذَا جَمَعْتَهُ، وَضَمَمْتَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، (إنْ تَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهَا، وَزَادَتْ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَفِيزِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَئِذٍ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْلَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ؛ أَشْبَهَ بَيْعَ جُزْءٍ مَشَاعٍ مِنْهَا؛ كَرُبُعِهَا، أَوْ ثُلُثِهَا، سَوَاءٌ عَلِمَا مَبْلَغَ قُفْزَانِهَا، أَوْ جَهِلَاهُ، (وَإِلَّا) تَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا (فَلَا) يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَفِيزٍ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى يُعَيِّنَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى قَفِيزٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ أَجْزَاؤُهَا؛ (كَصُبْرَةِ بَقَّالٍ) ، وَمُحَدَّدٍ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ (بِجَمِيعِ مَا بِيعَ بِهِ) مِنْ بُرٍّ مُخْتَلِفٍ أَوْ صَافٍ، (وَشَعِيرٍ مُخْتَلِفٍ أَوْ صَافٍ) وَبَاعَ قَفِيزًا مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ تَسَاوِي أَجْزَائِهَا الْمُؤَدِّي إلَى الْجَهَالَةِ بِالْقَفِيزِ الْمَبِيعِ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ (رَطْلٍ) مَثَلًا (مِنْ دَنٍّ) نَحْوِ عَسَلٍ، أَوْ زَيْتٍ، (أَوْ) رَطْلٍ (مِنْ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَرَصَاصٍ وَنُحَاسٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَبِتَلَفِ) الصُّبْرَةِ، أَوْ مَا فِي الدَّنِّ، أَوْ الزُّبْرَةِ (مَا عَدَا قَدْرَ مَبِيعٍ) مِنْ ذَلِكَ (يَتَعَيَّنُ) الْبَاقِي؛ لَأَنْ يَكُونَ مَبِيعًا؛ لِتَعَيُّنِ الْمَحَلِّ لَهُ، وَإِنْ بَقِيَ بَعْضُ الْمَبِيعِ؛ أَخَذَهُ بِقِسْطِهِ، (وَلَوْ فَرَّقَ قُفْزَانًا) مِنْ صُبْرَةٍ تَسَاوَتْ أَجْزَاؤُهَا، (وَبَاعَ) مِنْهَا قَفِيزًا (وَاحِدًا مُبْهَمًا) أَوْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ تَسَاوِي أَجْزَائِهَا) أَيْ: الْقُفْزَانِ (صَحَّ) الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفَرِّقْهَا
[وَيَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةٍ] جُزَافًا (مَعَ جَهْلِهِمَا)
أَيْ: الْمُتَبَايِعَيْنِ، (أَوْ عِلْمِهِمَا) بِقَدْرِهَا؛ لِعَدَمِ التَّغْرِيرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَمَعَ عِلْمِ بَائِعٍ وَحْدَهُ) قَدْرُهَا (يَحْرُمُ) عَلَيْهِ بَيْعُهَا جُزَافًا نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَلِمَ مَبْلَغَ شَيْءٍ؛ فَلَا يَبِيعُهُ جُزَافًا حَتَّى يُعَيِّنَهُ» : وَلِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ إلَى الْبَيْعِ جُزَافًا مَعَ عِلْمِهِ بِقَدْرِ الْكَيْلِ إلَّا لِلتَّغْرِيرِ ظَاهِرًا (وَيَصِحُّ) الْبَيْعُ مَعَ التَّحْرِيمِ؛ لِعِلْمِ الْمَبِيعِ بِالْمُشَاهَدَةِ (وَلِمُشْتَرٍ) كَتَمَهُ بَائِعٌ الْقَدْرَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ (الرَّدَّ) ؛ لِأَنَّ كَتْمَهُ ذَلِكَ غِشٌّ وَغَرَرٌ، (وَكَذَا) مَعَ (عِلْمِ مُشْتَرٍ وَحْدَهُ) بِقَدْرِ الصُّبْرَةِ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهَا جُزَافًا مَعَ جَهْلِ بَائِعٍ بِهِ، (وَلِبَائِعٍ الْفَسْخُ) بِهِ؛ لِتَغْرِيرِ الْمُشْتَرِي لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ مَعْرِفَةُ بَاطِنِ الصُّبْرَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ، اكْتِفَاءً بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهَا؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا تَسَاوِي مَوْضِعِهَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ (كَتَدْلِيسٍ) ؛ أَيْ: كَمَا يَحْرُمُ عَلَى بَائِعٍ تَدْلِيسُ صُبْرَةٍ؛ (بِجَعْلِ جَيِّدٍ فَوْقَ) رَدِيءٍ؛ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى مُشْتَرٍ (عَكْسُهُ) ؛ أَيْ: جَعْلُهُ الرَّدِيءَ فَوْقَ الْجَيِّدِ، (أَوْ) جَعَلَ بَائِعٌ الصُّبْرَةَ (فَوْقَ رَبْوَةٍ) ، أَوْ دَكَّةٍ، أَوْ حَجَرٍ يُنْقِصُهَا، أَوْ الرَّدِيءَ، أَوْ الْمَبْلُولَ فِي بَاطِنِهَا، كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْغِشِّ مِنْ الْأَرْضِ، (وَعَكْسُهُ) كَجَعْلِ الصُّبْرَةِ عَلَى حُفْرَةٍ، (وَلِمُشْتَرٍ) لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فَوْقَ رَبْوَةٍ الْخِيَارُ بَيْنَ (فَسْخٍ أَوْ أَخْذِ تَفَاوُتِ) مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، لَكِنْ لَوْ ظَهَرَ أَنَّ بَاطِنَهَا خَيْرٌ مِنْ ظَاهِرِهَا، أَوْ ظَهَرَ تَحْتَهَا حُفْرَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ بَائِعٌ؛ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ، وَلِبَائِعٍ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُفْرَةِ، أَوْ بَانَ بَاطِنُهَا خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَلِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ، وَأَخْذِ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ؛ بِأَنْ تُقَوَّمَ غَيْرَ مَغْشُوشَةٍ بِهِ، وَيُؤْخَذُ بِقِسْطٍ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةٍ عُلِمَ قُفْزَانُهَا إلَّا قَفِيزًا) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -