مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزْمًا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ.
(وَهِيَ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةٌ لِعُمَرَ، فَفِي الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ» وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُرَاوَحَةِ، وَهِيَ: التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ.
(عِشْرُونَ رَكْعَةً بِرَمَضَانَ) ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالسِّرُّ فِيهِ؛ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ، فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَهَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ الشَّافِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً» (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ) عَلَى الْعِشْرِينَ نَصًّا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ يَقُومُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِسَبْعٍ.
(وَتُسَنُّ) صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَصَلَّى بِهِمْ التَّرَاوِيحَ، (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ) بِنِيَّةِ التَّرَاوِيحِ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ تُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ) ، أَيْ: وُجُوبِ نِيَّةِ التَّرَاوِيحِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(بِنِيَّتِهَا) ، أَيْ: التَّرَاوِيحِ (فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) ،
لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» فَيَنْوِيَ أَنَّهُمَا مِنْ التَّرَاوِيحِ، أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، (وَيُسْتَرَاحُ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ بِجِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ، (وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ اسْتِرَاحَةٍ) بَيْنَهَا، (وَلَا يُسَنُّ دُعَاءٌ إذَا اسْتَرَاحَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، لِعُمُومِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] (وَفِعْلُهَا بِمَسْجِدٍ) أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا مَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةٍ، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، وَمَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ، وَقَالَ: مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ، وَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيٍّ، وَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
(وَ) فِعْلُهَا (أَوَّلَ لَيْلٍ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ أَوَّلَهُ (وَيُوتِرُ بَعْدَهَا) ، أَيْ: التَّرَاوِيحِ (فِي الْجَمَاعَةِ نَدْبًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ.
(وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ غَيْرَ إمَامٍ) كَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ (أَنْ يُوتِرَ بَعْدَهُ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَحَبَّ) مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ) فِي وِتْرِهِ؛ (قَامَ إذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ (فَشَفَعَهَا) أَيْ: الرَّكْعَةَ الْوِتْرَ (بِأُخْرَى) ثُمَّ إذَا تَهَجَّدَ أَوْتَرَ، فَيَنَالُ فَضِيلَةَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَفَضِيلَةَ جَعْلِ وِتْرِهِ آخِرَ صَلَاةٍ.
(وَإِنْ أَوْتَرَ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْإِمَامِ (ثُمَّ أَرَادَ التَّهَجُّدَ لَمْ يُنْقِضْ) ، أَيْ: لَمْ يَشْفَعْ (وِتْرُهُ بِرَكْعَةٍ وَصَلَّى) تَهَجُّدَهُ، (وَلَمْ يُوتِرْ) ، لِحَدِيثِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ
الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ.
فَقَالَتْ: ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ.
(وَكُرِهَ تَطَوُّعٌ بَيْنَ تَرَاوِيحَ) نَصَّ عَلَيْهِ.
رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رُخْصَةٌ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ أَتُصَلِّي وَإِمَامُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا.
وَ (لَا) يُكْرَهُ (طَوَافٌ) بَيْنَ التَّرَاوِيحِ.
وَلَا بَعْدَهَا وَسُكَّانُ أَهْلِ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا.
وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (تَعْقِيبٌ.
وَهُوَ صَلَاتُهُ بَعْدَهَا) . أَيْ: التَّرَاوِيحِ (وَبَعْدَ وِتْرِ جَمَاعَةٍ) سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ رَجَعُوا إلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ، أَوْ لَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا تَرْجِعُوا إلَّا لِخَيْرٍ تُرْجُونَهُ، وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا.
وَلِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ فَلَمْ يُكْرَهْ.
كَمَا لَوْ أَخَّرُوهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ.
(وَسُنَّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ خَتْمَةٍ فِي تَرَاوِيحَ) لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ.
(وَلَا) يَسُنُّ أَنْ (يَزِيدَ) الْإِمَامُ عَلَى خَتْمَةٍ، كَرَاهِيَةِ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشُقُّ.
سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ.
(إلَّا أَنْ يُوتِرُوا) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
(وَ) سُنَّ أَنْ (يَبْتَدِئَهَا) . أَيْ: التَّرَاوِيحَ (أَوَّلَ لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ) يَعْنِي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ.
لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، (فَإِذَا سَجَدَ) لِلتِّلَاوَةِ (قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ، (وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ وَيَدْعُو عَقِبَهَا) بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ (قَبْلَ رُكُوعِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَأَى أَهْلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُونَهُ.
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ يَفْعَلُونَهُ وَبِمَكَّةَ.
وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِالْقُرْآنِ وَاجْعَلْهُ لِي إمَامًا وَنُورًا وَهُدًى وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نَسِيتُ وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْتُ، وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَأَبُو بَكْرٍ الضَّحَّاكُ فِي الشَّمَائِلِ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثٌ مُعْضِلٌ.
وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ غَيْرَهُ.
انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا قِيلَ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ، بَلْ نَقَلُوا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شِئْتَ.
لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَسَاهَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الدَّعَوَاتِ، وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي رِوَايَةِ مَنْ يُعْرَفُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ.
انْتَهَى.
وَالْمُخْتَارُ: الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» وَلَمْ يَدْعُ حَاجَةً إلَى غَيْرِهِ، (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) إذَا دَعَا، لِمَا سَبَقَ، (وَيُطِيلُ) الْقِيَامَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَيَعِظُ بَعْدَ الْخَتْمِ نَصًّا.
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ.
وَقِرَاءَةُ الْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ بِدْعَةٌ إجْمَاعًا.
[فَصْلٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ]
(فَصْلٌ) (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ) أَيْ: النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ) نَفْلٍ مُطْلَقٍ بِ (نَهَارٍ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ.
(وَوَقْتُهُ) أَيْ: النَّفْلِ (مِنْ غُرُوبِ) شَمْسٍ (لِطُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَ) فِعْلُهُ (بَعْدَ نَوْمٍ أَفْضَلُ) مِنْهُ قَبْلَهُ، (وَالتَّهَجُّدُ: مَا) كَانَ (بَعْدَ نَوْمٍ، وَالنَّاشِئَةُ) : مَا كَانَ (بَعْدَ رَقْدَةٍ) .
قَالَ أَحْمَدُ: النَّاشِئَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ، وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ، وَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا، أَيْ: تَثَبُّتًا، تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ، وَتَعِي ذَلِكَ.
(وَنِصْفُهُ) ، أَيْ: اللَّيْلِ (الْآخِرُ: أَفْضَلُ مِنْ) نِصْفِهِ (الْأَوَّلِ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ وَفِي رِوَايَةٍ: حِين يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا، أَوْ نِصْفُهُ الْآخِرُ أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) ، لِلْخَبَرِ.
(وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ) ، أَيْ: الَّذِي يَلِي النِّصْفَ الْأَوَّلَ (أَفْضَلُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ ضَمَّ إلَيْهِ السُّدُسَ السَّادِسَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ - وَقَدْ سُئِلَ: «أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ؛ قِيلَ لَهُ: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَنْ خَافَ أَدْلَجَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ -؛ فَغَيْرُهُ أَصَحُّ مِنْهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلَ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَصَفَ تَهَجُّدَهُ، وَقَالَ: ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» .
(وَسُنَّ قِيَامُ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمُنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
(وَ) سُنَّ (افْتِتَاحُهُ) ، أَيْ: قِيَامِ اللَّيْلِ (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَفْتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُد.
(وَ) سُنَّ (نِيَّتُهُ) ، أَيْ: قِيَامِ اللَّيْلِ (عِنْدَ) إرَادَةِ (نَوْمِهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَقُومَ؛ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
(وَكَانَ) قِيَامُ اللَّيْلِ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] الْآيَةَ، (وَلَمْ يُنْسَخْ) وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
انْتَهَى.
وَالْوِتْرُ غَيْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ، اسْتَظْهَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ فِي فَصْلِ الْخَصَائِصِ.
(وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِهِ) ، أَيْ: اللَّيْلِ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِيَامِهِ كُلِّهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَفْوِيتِ حَقٍّ.
وَعَنْ أَنَسٍ: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» كَسِلَ: بِكَسْرِ السِّينِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ
مَرْفُوعًا «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلَا: تَفْعَلْ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَقُومُهُ) أَيْ: اللَّيْلَ (كُلَّهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا عَلِمْتُ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» وَظَاهِرُهُ حَتَّى لَيَالِيَ الْعَشْرِ، وَاسْتَحَبَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِيِ كُلِّهَا؛ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، (إلَّا لَيْلَةَ عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَفِي مَعْنَاهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لِلْخَبَرِ.
(وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ) مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهَا (فَفَعَلَهَا) أَيْ: تِلْكَ الْعِبَادَةَ؛ (فَهُوَ) أَيْ: فِعْلُهَا مَعَ الْمَشَقَّةِ، (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا (مِمَّنْ لَا تَشُقُّ عَلَيْهِ، لِاعْتِيَادِهَا) إذْ مَنْ اعْتَادَ شَيْئًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ عَسِرًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ لِلْمُكْرِهِ نَفْسِهِ عَمَلَيْنِ: جِهَادٌ وَطَاعَةٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (عَكْسَهُ) مِنْهُمْ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ، فَالْبَاذِلُ لِذَلِكَ طَاعَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَازِلِ وَالْمَقَامَاتِ، وَالْآخَرُ مِنْ أَرْبَابِ السُّلُوكِ وَالْبِدَايَاتِ.
(وَسُنَّ تَنَفُّلٌ بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ) ، وَهُوَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ مِنْ
الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] الْآيَةَ.
قَالَ: كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي سَاعَةَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يَكُونَ لَهُ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَيَقْضِيَهَا بِفَوْتٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ؛ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَاسْتَحَبَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَاتٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (إذَا نَشِطَ طَوَّلَهَا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْشَطْ؛ (خَفَّفَهَا) ، لِحَدِيثِ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» . (وَ) سُنَّ أَنْ (يَقْضِيَ تَهَجُّدَهُ قَبْلَ ظُهْرٍ) ، لِمَا رَوَى: أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ؛ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» .
(وَ) سُنَّ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ) مَا وَرَدَ، قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَيْلِ فَصِيحِ ثَعْلَبٍ: الصَّبَاحُ عِنْدَ الْعَرَبِ: مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى الزَّوَالِ، ثُمَّ الْمَسَاءُ: إلَى آخِرِ نِصْفِ اللَّيْلِ.
انْتَهَى.
وَمِنْ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ، وَأَنَّهُ يَكْفِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِيتُ، بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا؛ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ؛ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» ` رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) سُنَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (نَوْمٍ وَانْتِبَاهٍ) مِنْهُ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ: حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ؛ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا.
وَاذَا اسْتَيْقَظَ؛ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (سَفَرٍ مَا وَرَدَ) ، وَمِنْهُ: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ؛ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِي هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ؛ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وَمَعْنَى مُقْرِنِينَ: مُطِيقِينَ.
(وَمِنْهُ) أَيْ: الْوَارِدِ (بَعْدَ انْتِبَاهٍ) مِنْ نَوْمٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ إنْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا؛ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى؛ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ.
وَمِنْهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَ مَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، سُبْحَانَكَ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» .
تَتِمَّةٌ: سُنَّ أَنْ يُقَالَ لِمُسَافِرٍ سَفَرًا مُبَاحًا: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك، وَزَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى.
[فَرْعٌ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ]
(فَرْعٌ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ صَلَحَتْ أَفْلَحَ) وَنَجَا، (وَإِلَّا) تَصْلُحْ خَابَ وَخَسِرَ، (وَإِذَا نَقَصَ فَرْضُهُ) بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، كَعَدَمِ خُشُوعٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَبَثٍ (كَمَّلَ) نَقْصَهُ (مِنْ نَفْلِهِ) ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ النَّوَافِلُ، وَنُدِبَ الْإِكْثَارُ مِنْهَا، (وَكَذَا بَاقِي أَعْمَالِهِ) مِنْ زَكَاةٍ وَحَجٍّ إذَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ ذَلِكَ كَمَّلَ مِنْ نَفْلِهِ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
[فَصْلٌ صَلَاةُ اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى]
(فَصْلٌ) (وَصَلَاةُ لَيْلٍ وَنَهَارٍ مَثْنَى) أَيْ: يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدَ.
وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «صَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً بِاتِّفَاقِنَا، وَلِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوِتْرِ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِاللَّيْلِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ فَكَانَتْ سُنَّتَهَا بِرَكْعَتَيْنِ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَنَّ تَجَاوُزَ الرَّكْعَتَيْنِ يَتَعَرَّضُ بِهِ لِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا أَبْعَدُ مِنْهُ فَكَانَ أَوْلَى، وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ سَرْدًا: سُنَّةُ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةُ، وَسُنَّةُ الْعَصْرِ، لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ.
(وَإِنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا؛ فَلَا بَأْسَ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) كَوْنُ الْأَرْبَعِ (بِتَشَهُّدَيْنِ) كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (أَوْلَى مِنْ سَرْدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا.
(وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ أَرْبَعٍ تَطَوَّعَ بِهَا نَهَارًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةٌ) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ.
(وَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (نَهَارًا) ؛ صَحَّ، وَكُرِهَ (أَوْ) زَادَ عَلَى (ثِنْتَيْنِ لَيْلًا وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيَا) نَهَارًا أَوْ لَيْلًا (بِسَلَامٍ وَاحِدٍ؛ صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدْ صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ» وَهُوَ، تَطَوُّعٌ، فَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ.
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ» لِإِمْكَانِ التَّعَدُّدِ (وَكُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالضُّحَى لِوُرُودِهِ.
(وَيَصِحُّ تَطَوُّعٌ بِرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَثَلَاثِ وَخَمْسٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ اسْتَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَةً، قَالَ: هُوَ تَطَوُّعٌ، فَمَنْ
شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ وَصَحَّ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ تَقْصِيرُ الْوِتْرِ رَكْعَةً، (وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ لِحَدِيثِ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْوِتْرِ.
(وَ) يَصِحُّ تَطَوُّعٌ (جَالِسًا) وَلَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، وَ (لَا) يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ (مُضْطَجِعًا) .
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْإِفَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَدَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَنْهُمَا، (غَيْرَ مَعْذُورٍ) ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُضْطَجِعًا.
(وَأَجْرُ) صَلَاةِ (قَاعِدٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ نِصْفُ) أَجْرِ (صَلَاةِ قَائِمٍ) ، لِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَعْذُورُ؛ فَأَجْرُهُ قَاعِدًا كَأَجْرِهِ قَائِمًا لِلْعُذْرِ.
(وَسُنَّ تَرَبُّعُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي جَالِسًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِمَحَلِّ قِيَامٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
(وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ (إنْ شَاءَ) رَكَعَ مِنْ قُعُودٍ، وَإِنْ شَاءَ (قَامَ فَرَكَعَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (ثَنْيُ رِجْلَيْهِ بِرُكُوعٍ) أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعٍ (وَسُجُودٍ) ، رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، (وَكَثْرَتُهُمَا) ، أَيْ: الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (أَفْضَلُ مِنْ طُولِ قِيَامٍ) ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ، وَهُوَ: الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، وَأَمَّا نَفْسُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَأَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْقِيَامِ، فَاعْتَدَلَا، وَكَهَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعْتَدِلَةً، فَكَانَ إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بِحَسَبِ
ذَلِكَ حَتَّى يَتَقَارَبَا (إلَّا مَا وَرَدَ) عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَطْوِيلُهُ) كَصَلَاةِ كُسُوفٍ، (فَاتِّبَاعُهُ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْ السُّجُودِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وَلِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ آكَدُ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعَالِمِ وَسَيِّدِ الْقَوْمِ.
(وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ جَمَاعَةً) كَمَا تُفْعَلُ فُرَادَى لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعَاتِهِ مُنْفَرِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَمَا سُنَّ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا، كَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ إنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ؛ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً.
(وَإِسْرَارُهُ) ، أَيْ: التَّطَوُّعِ (أَفْضَلُ) ، وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهِ نَهَارًا، لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَالْمُرَادُ: غَيْرُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي بَابِهِمَا.
(سِيَّمَا لِخَائِفٍ) بِجَهْرِهِ بِالتَّطَوُّعِ (رِيَاءً) فَيُسِرُّهُ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ.
(وَجَازَ جُلُوسٌ لِمُبْتَدِئٍ نَفْلًا قَائِمًا كَعَكْسِهِ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَسُومِحَ فِي التَّطَوُّعِ تَرْكُ الْقِيَامِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ.
(وَسُنَّ اسْتِغْفَارٌ بِسَحَرٍ وَإِكْثَارٌ مِنْهُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] وَسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ.
أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي: فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ: يَقُولُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَمَتُكَ بِنْتُ عَبْدِكَ، أَوْ بِنْتُ أَمَتِكَ: وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا عَبْدُكَ لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ.
[فَصْلٌ صَلَاةُ الضُّحَى]
(فَصْلٌ) (تُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(غَبًّا) بِأَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ بَعْضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّهَا دُونَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَلَا تُشَبَّهُ بِهِمَا.
(وَاسْتَحَبَّ جُمُوعٌ مُحَقِّقُونَ) .
مِنْهُمْ: الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَابْنِ تَمِيمٍ (فِعْلَهَا كُلَّ يَوْمٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (لِمَنْ لَمْ يَقُمْ لَيْلًا) حَتَّى لَا يَفُوتُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَلَهُ قَاعِدَةٌ فِي ذَلِكَ.
(وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) .
لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
صَلَّاهَا دُونَهَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَرَكْعَتِي الضُّحَى» وَصَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَسِتًّا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
(وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ، صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
(وَوَقْتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الضُّحَى: (مِنْ خُرُوجِ) وَقْتِ (نَهْيٍ) أَيْ: ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ.
(إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ) أَيْ: إلَى دُخُولِ وَقْتِ النَّهْيِ بِقِيَامِ الشَّمْسِ.
(وَأَفْضَلُهُ) أَيْ: وَقْتِ صَلَاةِ الضُّحَى (إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) ، لِحَدِيثِ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا) بِسَلَامٍ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَيُرْوَى عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، «أَنَّهُ صَلَّاهَا كَذَلِكَ سَرْدًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ» . (وَيَتَّجِهُ عَلَى هَذَا) أَيْ: فِعْلُ سَعْدٍ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (جَوَازُ صَلَاةِ الضُّحَى) بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ (وَ) جَوَازُ صَلَاةِ (التَّرَاوِيحِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يُعَضِّدُهُ (عِبَارَةُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ صَلَّى) رَسُولُ اللَّهِ، (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ) أَيْ: الْوِتْرُ (تَطَوُّعٌ؛ فَأَلْحَقْنَا بِهِ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ) ، لِعَدَمِ الْفَارِقِ.
[تَتِمَّةٌ فَضَائِلُ صَلَاة الضُّحَى]
تَتِمَّةٌ: لِصَلَاةِ الضُّحَى فَضَائِلُ لَا تُحْصَى، مِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى، لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا؛ غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ) إذَا هَمَّ بِأَمْرٍ، أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ.
(وَلَوْ فِي خَيْرٍ كَحَجٍّ وَجِهَادٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا (وَيُبَادِرُ بِهِ) ، أَيْ: الْخَيْرِ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الِاسْتِخَارَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ؛ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ وَهِيَ، أَيْ: صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ: رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَهُمَا: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ - خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ لَهُ.
(وَيَقُولُ فِيهِ: مَعَ الْعَافِيَةِ وَلَا يَكُونُ مَعَ الِاسْتِخَارَةِ عَازِمًا عَلَى الْأَمْرِ) الَّذِي يَسْتَخِيرُ فِيهِ، (أَوْ) عَلَى (عَدَمِهِ؛ فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ فِي التَّوَكُّلِ ثُمَّ يَسْتَشِيرُ، فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي شَيْءٍ؛ فَعَلَهُ) ، فَيَنْجَحُ مَطْلُوبُهُ.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ) لِ (آدَمِيٍّ، وَهُمَا) أَيْ: صَلَاةُ الْحَاجَةِ: (رَكْعَتَانِ) يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ (يُثْنِي عَلَى اللَّهِ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرَتْهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إلَّا قَضَيْتَهَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) . لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّوْبَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى) ، لِحَدِيثِ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؛ إلَّا غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] . . . إلَى آخِرِ الْآيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
(وَكَذَا) تُسَنُّ (رَكْعَتَا سُنَّةِ وُضُوءٍ عَقِبَهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ: حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ؛ فَقَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْتُ فِي ذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَلَا تُسَنُّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) : مَا يُعْجِبُنِي؛ قِيلَ لِمَ؟ قَالَ: (لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ) ، وَنَفَضَ يَدَهُ، كَالْمُنْكِرِ، وَلَمْ يَرَهَا
مُسْتَحَبَّةً.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: (وَإِنْ فَعَلَهَا) إنْسَانٌ؛ (فَلَا بَأْسَ، لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ الضَّعِيفِ، بِمَعْنَى: أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ.
وَمِثْلُهُ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَالْمَنَامَاتِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، لَا اسْتِحْبَابَ وَلَا غَيْرَهُ؛ لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيمَا عُلِمَ حُسْنُهُ، وَقُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَاعْتِقَادُ مُوجِبِهِ مِنْ قَدْرِ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
(وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ) لِلْخَبَرِ، وَيَأْتِي.
(وَهِيَ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشَرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهَا) ، أَيْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، (فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ (عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولَهَا (كَذَلِكَ) أَيْ: عَشْرًا (فِي سُجُودِهِ ثُمَّ) يَقُولَهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ عَشْرًا ثُمَّ) يَقُولَهَا (فِي سُجُودِهِ ثَانِيًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ قَبْلَ قِيَامِهِ) ، ثُمَّ يَأْتِي بِذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ.
(يَفْعَلُهَا) أَيْ: صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا، (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً؛ (فَفِي الْعُمْرِ مَرَّةً) ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «يَا عَمَّاهُ: أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ، إذَا أَنْتَ فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ غُفِرَ لَكَ ذَنْبُكَ: أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَقَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، خَطَؤُهُ وَعَمْدُهُ، صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ، سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ؟ عَشْرُ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.» ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ) الَّتِي تُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، (وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ) الشَّهِيرَةُ: بِالْأَلْفِيَّةِ؛ (فَبِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (وَقَالَ: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِيهَا فَضْلٌ، وَكَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ انْتَهَى وَاسْتِحْبَابُ قِيَامِهَا كَلَيْلَةِ الْعِيدِ مَيْلُ) زَيْنِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَجَبٍ الْبَغْدَادِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ (اللَّطَائِفِ) فِيمَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ الْوَظَائِفِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ، وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ، بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ كَرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَأَوَّلِ لَيْلَةِ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: وَلَيْلَةِ نِصْفِ رَجَبٍ، وَفِي الْغُنْيَةِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِضَعْفِ الْأَخْبَارِ، وَهُوَ قِيَاسُ نَصِّهِ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَأَوْلَى.
وَفِي آدَابِ الْقَاضِي صَلَاةُ الْقَادِمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةَ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[فَصْلٌ يُسَنُّ بِتَأَكُّدِ سُجُود تِلَاوَة عَقِبَ سَجْدَة التِّلَاوَة]
(فَصْلٌ) (يُسَنُّ بِتَأَكُّدِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ عَقِبَهَا) أَيْ: عَقِبَ تِلَاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107] وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ وَلِمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّجْمِ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ؛ نَزَلَ فَسَجَدَ، فَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ؛ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمُرُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ " وَقَالَ فِيهِ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ؛ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ.
وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: 15] الْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ، فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا، وَلِذَلِكَ قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ.
(لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) لَهُ (وَهُوَ مَنْ يَقْصِدُ السَّمَاعَ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى فِي طَوَافٍ.
وَ (لَا) يُسَنُّ السُّجُودُ لِ (سَامِعٍ) مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِمَاعِ، رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ: مَا جَلَسْنَا لَهَا وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا؛ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ.
(وَشُرِطَ) لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ (كَوْنُ قَارِئٍ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ) أَيْ: يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَلَوْ فِي نَفْلٍ، (فَلَا يَسْجُدُ)
مُسْتَمِعٌ (إنْ لَمْ يَسْجُدْ) تَالٍ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى، وَفِيهِ كَلَامٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمٍ وَهُوَ غُلَامٌ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ: اُسْجُدْ فَإِنَّكَ إمَامُنَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
(وَلَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ (قُدَّامَهُ) أَيْ: الْقَارِئِ، (أَوْ عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ) ، أَيْ: التَّالِي عَنْ سَاجِدٍ مَعَهُ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ بِهِ إذَنْ، فَإِنْ سَجَدَ عَنْ يَمِينِهِ مَعَهُ جَازَ، وَكَذَا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ إذَا كَانَ (خَلْفَهُ) ، أَيْ: الْقَارِئُ فَذًّا أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ (فَذًّا) قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَسْجُدُ (رَجُلٌ) مُسْتَمِعٌ وَلَا خُنْثَى (لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ وَ) تِلَاوَةِ (خُنْثَى) ، لِعَدَمِ صِحَّةِ ائْتِمَامِهِ بِهِمَا.
(وَيَسْجُدُ) مُسْتَمِعٌ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، (لِتِلَاوَةِ) رَجُلٍ أُمِّيٍّ وَلِتِلَاوَةِ (زَمِنٍ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامَ لَيْسَا رُكْنًا فِي السُّجُودِ وَلِتِلَاوَةِ مُمَيِّزٍ، لِصِحَّةِ إمَامَتَهُ فِي النَّفْلِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ لِتِلَاوَةِ (فَاسِقٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ قُوَّةَ التَّعْلِيلِ فِيمَا يَأْتِي آنِفًا تَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ فِي الْقَارِئِ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِ خِيَانَتِهِ فِي شَيْءٍ، فَهُوَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ فِي هَذَا السُّجُودِ.
(وَلَا يَضُرُّ رَفْعُ رَأْسِ مُسْتَمِعٍ) قَبْلَ رَفْعِ قَارِئٍ، (وَ) كَذَا لَا يَضُرُّ (سَلَامُهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَمِعُ (قَبْلَ) سَلَامِ (قَارِئٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا لَهُ حَقِيقَةً، بَلْ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْفَعُ قَبْلَ إمَامِهِ كَسُجُودِ الصُّلْبِ.
(وَسُنَّ تَكَرُّرُ سُجُودٍ بِتَكْرَارِ تِلَاوَةٍ) لِأَنَّهَا سَبَبُهُ، فَتُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا كَرَكْعَتِي الطَّوَافِ.
وَإِنْ سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ غَيْرُ قِيمَةٍ، وَمِثْلُهُ مَنْ يُكَرِّرُ التِّلَاوَةَ لِلْحِفْظِ.
وَيُسَنُّ السُّجُودُ لِلتِّلَاوَةِ (حَتَّى فِي طَوَافٍ وَصَلَاةٍ مَعَ قَصْرٍ فَصَلَ) بَيْنَ التِّلَاوَةِ أَوْ الِاسْتِمَاعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، (فَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ) تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ اسْتَمَعَهَا (بِشَرْطٍ) وَهُوَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ لِعَدَمٍ أَوْ ضَرَرٍ.
(وَيُومِئُ رَاكِبٌ) بِالسُّجُودِ لِلتِّلَاوَةِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ، (وَيَسْجُدُ مَاشٍ) مُسَافِرٍ بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ كَمَا يَسْجُدُ لِلنَّافِلَةِ.
(وَكُرِهَ جَمْعُ آيَاتِ سُجُودٍ) فِي وَقْتٍ لِيَسْجُدَ لَهَا، (وَ) كُرِهَ (حَذْفُهَا) ، أَيْ: آيَاتِ السُّجُودِ بِأَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى لَا يَسْجُدَ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ، بَلْ نُقِلَتْ كَرَاهَتُهُ، وَسَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا (وَهِيَ) أَيْ: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ) سَجْدَةً فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ عِنْدَ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: 205] وَفِي النَّحْلِ، وَفِي الْإِسْرَاءِ عِنْدَ
﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَفِي مَرْيَمَ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] وَ (فِي الْحَجِّ ثِنْتَانِ) الْأُولَى عِنْدَ ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وَالثَّانِيَةُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] وَفِي النَّمْلِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] وَفِي الم السَّجْدَةِ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وَفِي فُصِّلَتْ ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] وَفِي آخَرِ النَّجْمِ، وَفِي الِانْشِقَاقِ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] وَآخِرِ اقْرَأْ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ.
«وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: الِانْشِقَاقِ، وَفِي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَسَجْدَةُ ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ (سَجْدَةُ شُكْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيهَا» .
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ.
(تَبْطُلُ بِهَا صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) كَسَائِرِ سَجَدَاتِ الشُّكْرِ.
(وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ كَ) صَلَاةِ (نَافِلَةٍ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهَا مِنْ شَرْطٍ) كَطَهَارَةٍ وَاجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ (وَ) مِنْ (رُكْنٍ) وَكَسُجُودٍ عَلَى
الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَطُمَأْنِينَةٍ وَرَفْعٍ مِنْهُ (وَ) مِنْ (وَاجِبٍ) كَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ، لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ، فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ، (سِوَى تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) ؛ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، (وَتَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِمَا التَّشَهُّدُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
(وَكَذَا جُلُوسٌ) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، أَيْ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ (لِ) أَجْلِ (تَسْلِيمٍ) ، بَلْ يُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ (عَلَى مَا بَحَثَهُ فِي الْإِقْنَاعِ) تَبَعًا لِلْإِنْصَافِ، لَكِنَّ أَصْلَ الْبَحْثِ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَعِبَارَتُهُ: قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيَجْلِسُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: النَّدْبُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يُعْقِبُهُ، فَشُرِعَ لِيَكُونَ سَلَامُهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.
(وَالْأَفْضَلُ سُجُودٌ عَنْ قِيَامٍ) ، لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ، فَإِذَا انْتَهَتْ، إلَى السَّجْدَةِ، قَامَتْ، فَسَجَدَتْ وَتَشْبِيهًا لَهَا بِصَلَاةِ النَّفْلِ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) نَدْبًا إذَا أَرَادَ السُّجُودَ، (وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) نَصًّا (وَإِنْ زَادَ فِي سُجُودِهِ عَلَى قَوْلِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، مِمَّا وَرَدَ؛ فَحَسَنٌ، وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْوَارِدِ: (اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ) ، أَيْ: اُمْحُ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا: أَوْ اجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذِكْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَمِنْهُ أَيْضًا: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ.
(وَلَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ إلَّا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ إنْ سَجَدَ) إمَامُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةٌ غَيْرُ قِرَاءَةِ إمَامِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ فِي حَقِّهِ.
وَ (لَا) يَسْجُدُ مَأْمُومٌ (لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ)
لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ (غَيْرِ إمَامِهِ) سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرَ الْمَأْمُومِ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ، وَالْمَأْمُومَ مُشْتَغِلٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ.
(وَلَا) يَسْجُدُ (إمَامٌ) أَوْ مُنْفَرِدٌ (لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (فَإِنْ فَعَلَ) عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا سُجُودًا.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ وَهُوَ (نَاسٍ) أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، (وَكَذَا) لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ (جَاهِلٍ) الْحُكْمَ سَوَاءٌ، كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا، كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا رُكْنًا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ وَفَسَادَهَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْعَمْدِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَقِيسٌ عَلَى مَا لَوْ سَجَدَ لِلشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ بِجَامِعِ عَدَمِ إبَاحَتِهِ لَهُمَا، وَنَصُّهُمْ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ سَجَدَ لِشُكْرٍ فِيهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَلْزَمُ مَأْمُومًا مُتَابَعَةُ إمَامِهِ) فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ (فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَيَتَّجِهُ) مَحَلَّ لُزُومِ الْمَأْمُومِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ: (إنْ سَمِعَ) قِرَاءَتَهُ، لَوْلَا الْمَانِعُ مِنْ السَّمَاعِ؛ كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ، وَكَذَا لَوْ أَحَسَّ بِهَوِيِّهِ إلَى السُّجُودِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) يَلْزَمُ مَأْمُومًا مُتَابَعَةُ إمَامِهِ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاةِ سِرٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ، بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ، (فَلَوْ تَرَكَهَا) ، أَيْ: تَرَكَ الْمَأْمُومُ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَلِغَيْرِ مُصَلٍّ أَنْ يَسْجُدَ لِسُجُودِ تَالٍ مُصَلٍّ، إذَا اسْتَمَعَ لَهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَكُرِهَ قِرَاءَةُ إمَامٍ) آيَةَ (سَجْدَةٍ بِصَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَ لَهَا خَلَطَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَإِلَّا تَرَكَ السُّنَّةَ.
(وَ) كُرِهَ (سُجُودُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (لَهَا) ، أَيْ: التِّلَاوَةِ لِصَلَاةِ سِرٍّ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى مَنْ مَعَهُ.
(وَيُخَيَّرُ مَأْمُومٌ) سَجَدَ إمَامُهُ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَتَرْكِهَا، (وَ) كَوْنُ الْمَأْمُومِ (يُتَابِعُ) إمَامَهُ (أَوْلَى) ، لِعُمُومِ «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» .
(وَإِذَا سَجَدَ مُصَلٍّ) لِلتِّلَاوَةِ، (ثُمَّ قَامَ؛ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، (وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ) ، لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ.
(وَلَا يُجْزِئُ رُكُوعُ صَلَاةٍ وَلَا سُجُودِهَا عَنْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، أَشْبَهَ سُجُودَ الصَّلَاةِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِسُجُودٍ لَهَا وَلِسُجُودِ التِّلَاوَةِ (لِعَالِمٍ)
بِالْحُكْمِ (إنْ نَوَاهُمَا) ، أَيْ: سُجُودَ الصَّلَاةِ مَعَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، لِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ.
(وَ) يَتَّجِهُ: أَنَّهَا (لَا تُجْزِئُ) سَجْدَةً نَوَى بِهَا ذَلِكَ (لِنَاسٍ وَ) لَا (جَاهِلٍ) فَيُعِيدُ سُجُودَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَّ سُجُودُ شُكْرٍ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعَمٍ) عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، (وَ)
عِنْدَ (انْدِفَاعِ نِقَمٍ عَامَّةٍ) لَهُ وَلِلنَّاسِ، (أَوْ خَاصَّةٍ بِهِ ظَاهِرَةٍ) ؛ كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ، لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ؛ خَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
«وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْت عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ سَلَّمْت عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَّ سَاجِدًا حِينَ جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي السُّنَنِ وَقَالَ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
«وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ فِي أُمَّتِهِ فَأُجِيبَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ مِنْ الْخَوَارِجِ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وسَجَدَ كَعْبٌ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ نَشْتَرِطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورَ؛ (فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى) ، وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ.
(وَإِنْ سَجَدَ لِشُكْرٍ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ، لَا) مِنْ (جَاهِلٍ وَنَاسٍ) ، كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا سُجُودًا (وَصِفَتُهُ) ، أَيْ: سُجُودِ الشُّكْرِ.
(وَأَحْكَامُهُ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) ، فَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ، وَيَقُولُ فِيهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَيُسَلِّمُ؛ وَتُجْزِئُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَمَنْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ) ؛ سَجَدَ نَدْبًا بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ، أَيْ: وَبِغَيْرِ حُضُورِهِ، (وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ، تَفْضِيلًا وَإِنْ كَانَ) مُبْتَلًى (فِي بَدَنِهِ؛ سَجَدَ، وَقَالَ ذَلِكَ، وَكَتَمَهُ مِنْهُ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ:
كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قِرْدٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نُغَاشٍ» - بِالنُّونِ، وَالْغَيْنِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - قِيلَ: نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيلَ: الْمُبْتَلَى، وَقِيلَ: مُخْتَلِطُ الْعَقْلِ.
(وَلَا يُكْرَهُ سُجُودٌ) لِلَّهِ تَعَالَى، (وَتَعْفِيرُ وَجْهٍ بِتُرَابٍ، لِدُعَاءٍ) ، أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ، وَلَا شَيْءَ يَمْنَعُهُ، (وَالْمَكْرُوهُ) هُوَ (السُّجُودُ بِلَا سَبَبٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ.
[فَصْلٌ أَوْقَاتُ النَّهْي عَنْ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ) (أَوْقَاتِ النَّهْي) عَنْ الصَّلَاةِ: (خَمْسَةٌ) ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ؛ فَالْأَوْقَاتُ الْخَمْسَةُ: أَحَدُهَا: (مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ (لِطُلُوعِ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ؛ فَلَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ.
وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ خِطَابٍ، فَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى مِنْهُ.
(وَ) الثَّانِي: (مِنْ طُلُوعِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ (لِارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ.
(وَ) الثَّالِثُ: (عِنْدَ قِيَامِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ (حَتَّى تَزُولَ) .
(وَ) الرَّابِعُ: (مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَلَوْ) كَانَتْ (مَجْمُوعَةً) مَعَ ظُهْرٍ فِي (وَقْتِ ظُهْرٍ، لِ) شُرُوعِهَا فِي (غُرُوبٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالظَّهِيرَةُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقَائِمُهَا: الْبَعِيرُ يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ، وَتَضَيُّفُ: بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، أَيْ: تَمِيلُ، وَمِنْهُ: الضَّيْفُ، تَقُولُ: أَضَفْتُ فُلَانًا إذَا أَمَلْتَهُ إلَيْكَ وَأَنْزَلْتَهُ عِنْدَكَ.
(وَلَا اعْتِبَارَ) لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ (بِصَلَاةِ غَيْرِهِ) ، بَلْ الِاعْتِبَارُ بِصَلَاتِهِ نَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ وَلَوْ صَلَّى غَيْرَهُ، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْد مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، (وَ) الِاعْتِبَارُ بِفَرَاغِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، (لَا بِشُرُوعِهِ) فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا (قَبْلَ فَرَاغِهَا) ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ التَّطَوُّعِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِفَرَاغِهَا.
(وَ) الْخَامِسُ: (عِنْدَ غُرُوبِ) شَمْسٍ (حَتَّى يَتِمَّ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (فَيَحْرُمُ إيقَاعُ) صَلَاةِ (تَطَوُّعٍ أَوْ) إيقَاعُ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ مَا اُسْتُثْنِيَ (فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ) الْخَمْسَةِ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ، فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْي وَهُوَ فِيهَا؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهَا، قَالَ
فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(حَتَّى صَلَاةٍ عَلَى قَبْرٍ) ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دُونَ شَهْرٍ، (وَ) حَتَّى صَلَاةٍ عَلَى مَيِّتٍ (غَائِبٍ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إنَّمَا أُبِيحَتْ وَقْتَ النَّهْيِ خَشْيَةَ الِانْفِجَارِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالْغَائِبُ.
(وَلَا يَقْطَعُهَا) ، أَيْ: صَلَاةَ التَّطَوُّعِ (إنْ دَخَلَ وَقْتُ نَهْيٍ وَهُوَ) أَيْ: الْمُتَطَوِّعُ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ، (قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ إتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ يُخَفِّفُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) : حَيْثُ جَازَ لِلْمُتَطَوِّعِ إتْمَامُ مَا شَرَعَ فِيهِ مَعَ التَّخْفِيفِ؛ فَيَجِبُ (جُلُوسُهُ) إنْ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ حَالَ تَلَبُّسِهِ فِي سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَوْرًا، لِيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ) ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَشَهُّدٍ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتَمَّ نَفْلَهُ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَأْثَمُ بِاسْتِدَامَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَنْعَقِدُ) التَّطَوُّعُ (إنْ ابْتَدَأَهُ) مُصَلٍّ (فِيهَا) ، أَيْ: أَوْقَاتِ النَّهْيِ، (وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِكَوْنِهِ وَقْتَ نَهْيٍ، لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
(أَوْ) كَانَ مَا تَطَوَّعَ بِهِ (لَهُ سَبَبٌ، كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) وَشُكْرٍ، (وَصَلَاةِ كُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ، (وَقَضَاءِ) سُنَّةٍ (رَاتِبَةٍ) كَسُنَّةِ صُبْحٍ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ، (وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ، وَسُنَّةِ وُضُوءٍ وَاسْتِخَارَةٍ، لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا حَاضِرَةٌ، وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَ (لَا) يَحْرُمُ إيقَاعُ نَافِلَةٍ (تَبَعًا) كَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا) تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ مِمَّنْ دَخَلَهُ (حَالَ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ) ؛ فَيَفْعَلُهَا وَلَوْ حَالَ قِيَامِ الشَّمْسِ قَبْلَ زَوَالِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ، إلَّا يَوْمَ جُمُعَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) إلَّا (سُنَّةَ فَجْرٍ حَاضِرَةٍ قَبْلَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ.
(وَ) إلَّا (سُنَّةَ ظُهْرٍ مَجْمُوعَةٍ) مَعَ عَصْرٍ.
(وَلَوْ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ الْعَصْرِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، «قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا، فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا؛ فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ جَمْعٌ، فَلِذَلِكَ صَحَّحَ الشَّارِحُ أَنَّ الرَّاتِبَةَ تُقْضَى بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
(وَ) إلَّا (رَكْعَتَيْ طَوَافٍ) ، لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(وَ) إلَّا (إعَادَةَ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ لِأَجْلِ الْإِعَادَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
(وَيَجُوزُ فِعْلُ) صَلَاةٍ (مَنْذُورَةٍ) نَذْرًا مُطْلَقًا فِيهَا، (وَ) يَجُوزُ (نَذْرُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ، (وَ) يَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا (قَضَاءُ فَوَائِتَ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا؛ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِحَدِيثِ «إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ؛ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تَجُوزُ (صَلَاةُ جِنَازَةٍ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ) ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَتَقَدَّمَ.
وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ فِي الْحَدِيثِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الْخَمْسِ، أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ لِطُولِ مُدَّتِهِمَا، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا إنْ خِيفَ عَلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْقَصِيرَةِ لِلْعُذْرِ.
(وَمَكَّةَ كَغَيْرِهَا فِي النَّهْيِ) عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
(وَإِنْ) أَرَادَ التَّطَوُّعَ، وَ (شَكَّ فِي دُخُولِهِ) ، أَيْ: وَقْتِ النَّهْيِ؛ (فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) ، أَيْ: إبَاحَةُ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يُتَيَقَّنَ دُخُولُهُ.
(وَيَتَّجِهُ: وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) ، أَيْ: إذَا تَيَقَّنَ دُخُولَ وَقْتِ النَّهْيِ.
وَشَكَّ فِي خُرُوجِهِ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ]
(فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ) (الْقِرَاءَةُ تُبَاحُ بِكُلِّ زَمَانٍ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَمَكَانٍ) فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَالصَّحَارَى وَغَيْرِهَا، (وَ) بِكُلِّ (حَالٍ) ، أَيْ: قَائِمًا كَانَ أَوْ جَالِسًا، مُضْطَجِعًا أَوْ عَلَى جَنْبٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ.
(وَلَوْ مَعَ نَجَاسَةِ فَمٍ) أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ، (لِسِوَى مُتَخَلٍّ وَمَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ) ؛ فَتُحْرَمُ عَلَيْهِمَا.
(وَتُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ (عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مِنْ طَهَارَةِ) الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، (وَاسْتِقْبَالِ) قِبْلَةٍ، (وَلَا بَأْسَ بِهَا لِمُضْطَجِعٍ، وَمَاشٍ وَنَحْوِهِ) كَرَاكِبٍ، (وَلَا تُكْرَهُ بِطَرِيقٍ) .
قَالَ إبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ.
(أَوْ) ، أَيْ: وَلَا بَأْسَ بِهَا (مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ مَعَ نَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ ذَكَرٍ وَ) ، حَالَ مَسِّ (نَحْوِ زَوْجَةٍ) وَجَارِيَةٍ مُبَاحَةٍ لَهُ.
(وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (بِمَوَاضِعَ قَذِرَةٍ) تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.
(وَ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (حَالَ خُرُوجِ رِيحٍ) مِنْ قَارِئٍ، فَإِذَا غَلَبَهُ الرِّيحُ؛ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ، ثُمَّ يَشْرَعُ بِهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (جَهْرٌ بِهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ (مَعَ جِنَازَةٍ) ، وَيَأْتِي.
(وَكَرِهَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةَ (ابْنُ عَقِيلٍ بِأَسْوَاقٍ يُنَادَى فِيهَا بِبَيْعٍ.
وَحَرُمَ رَفْعُ صَوْتِ) الْقَارِئ (بِهَا) ، أَيْ: بِالْقِرَاءَةِ بِأَسْوَاقٍ (مَعَ اشْتِغَالِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ (بِتِجَارَةٍ وَعَدَمُ اسْتِمَاعِهِمْ لَهُ) قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ مَأْثَمٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ السُّوقِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ، وَلَا أَهْلَ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِمَاعَ، وَذَلِكَ (لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِنَانِ) ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ مَعَ اشْتِغَالِ أَهْلِهَا بِتِجَارَتِهِمْ، وَعَدَمِ اسْتِمَاعِهِمْ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِنَانِ.
(وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ بِقِرَاءَةِ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ التَّحْرِيمُ) : أَيْ: تَحْرِيمُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ (لِلْإِيذَاءِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لَهُمْ الْقِرَاءَةُ إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُهَا) ، أَيْ: السُّرْعَةِ (أَكْمَلُ) ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيلَ مُسْتَحَبٌّ.
(وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ) ، وَقَالَ حَرْبٌ: حَسَنَةٌ، وَهِيَ: (بِأَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ، ثُمَّ يَقْطَعَ، ثُمَّ يَقْرَأَ غَيْرُهُ) بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ، وَهَكَذَا؛ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ بِرَمَضَانَ.
(وَحَكَى الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا) أَيْ: قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ (حَسَنَةٌ، كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمَعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ) .
وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَذِكْرٍ؛ فَعَنْهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْهُ، كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَا أَكْرَهَهُ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى عَمَلٍ إلَّا أَنْ يُكْثِرُوا، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: يَعْنِي: يَتَّخِذُوهُ عَادَةً.
قَالَ فِي الْفُنُونِ: أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ لَيَالِيَ يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً.
(وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) وَالْأَصْحَابُ (قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ، وَقَالَ: هِيَ بِدْعَةٌ) ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ، إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ، وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ.
(فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا) ، أَيْ: الْأَلْحَانِ (تَغْيِيرُ نَظْمِ الْقُرْآنِ، كَجَعْلِ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا: حَرُمَ) ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: عَنْ تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ، (فَقَالَ لِلسَّائِلِ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُقَالَ لَكَ: يَا مو حَامِدُ؟) فَقَالَ: لَا (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (التَّلْحِينُ الَّذِي يُشْبِهُ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ) .
وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ، وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ.
يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ: تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّرَنُّمُ، وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ: يَتَغَنَّى بِهِ.
(وَسُنَّ تَعَوُّذٌ قَبْلَ قِرَاءَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] . (وَ) سُنَّ (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (عِنْدَ قَطْعِهَا) ، أَيْ: الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، (عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ) عَلَيْهِ، لِجَعْلِهِ مِنْ آلِ الْقُرْآنِ.
(وَ) سُنَّ (سُؤَالُ ثَبَاتٍ) عَلَيْهَا، (وَ) إلْهَامِ قَصْدٍ (إخْلَاصٌ) فِي الْقِرَاءَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ.
(وَإِنْ قَطَعَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةَ (قَطْعَ تَرْكٍ) وَإِهْمَالٍ، (ثُمَّ أَرَادَهَا؛ أَعَادَ التَّعَوُّذَ، وَ) إنْ قَطَعَهَا (قَطْعًا لِعُذْرٍ، عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ) الْعُذْرُ (كَتَنَاوُلِ شَيْءٍ) أَوْ إعْطَائِهِ، أَوْ أَجَابَ سَائِلًا أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ؛ (فَلَا) يُعِيدُ التَّعَوُّذَ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ - قَالَ فِي الْآدَابِ -: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا، ثُمَّ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِهَا إذَنْ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ؛ سَقَطَتْ.
(وَتَفَهُّمٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ (وَتَدَبُّرٌ بِقَلْبٍ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجِهِ كَثِيرًا بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ) ، «لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمُ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُفِضْ إلَى زِيَادَةِ حَرْفٍ فِيهِ أَوْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ.
وَمِنْ الْآدَابِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُوسَى: الْبُكَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَبْكِ فَلْيَتَبَاكَ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ، وَيَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ الْعَذَابِ، وَلَا يَقْطَعَهَا لِحَدِيثِ النَّاسِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إلَّا مِنْ
حَاجَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ بِمَعْنَاهَا، وَأَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذَا قَرَأَ قَاعِدًا، وَيَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ، وَيَفْصِلَ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ، وَيَتْرُكَ الْمُبَاهَاةَ، وَلَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا، بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَقَنَاعَةٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.
زَادَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ: وَأَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ، أَوْ نِيَامٍ، أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ.
(وَيُمَكِّنَ حُرُوفَ مَدٍّ وَلِينٍ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] . (وَذَكَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ) مِنْ الثَّوَابِ؛ فَقَالَ: (وَتَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْهِمَّةِ وَتَرْكِ الْمُثَبِّطَاتِ عَنْ السَّيْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (الْإِسْرَاعُ) بِالْقِرَاءَةِ (أَفْضَلُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْقِرَاءَةِ، (وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ: بِكُلِّ حَرْفٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً) ؛ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَعْرَبَهُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَةً» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلُ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرِهِ) ، وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78] (وَقِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ، يَعْنِي: مِنْ الْقُرَّاءِ) السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) تَعَالَى، (وَ) قِرَاءَةُ (الْأُخْرَى بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ) (جَائِزٌ وَلَوْ بِصَلَاةٍ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ) ، أَيْ: تَغْيِيرٌ (لِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ) فَيَمْتَنِعُ، وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: إنْ كَانَتْ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُرَتَّبَةً عَلَى الْأُخْرَى؛ فَالْمَنْعُ
تَحْرِيمٌ، كَقِرَاءَةٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] بِرَفْعِهِمَا، أَوْ نَصْبِهِمَا، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا تُجِيزُهُ الْعَرَبِيَّةُ، وَلَا يَصْلُحُ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَقَامِ الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قَرَأَ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الرِّوَايَةِ؛ لَا يَجُوزُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَتَخْلِيطٌ عَلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ؛ فَإِنَّهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ لَا مَنْعَ فِيهِ، وَإِنْ كُنَّا نَعِيبُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ، الْعَارِفِينَ بِالرِّوَايَاتِ، لَكِنْ مِنْ وَجْهِ تَسَاوِي الْعُلَمَاءِ بِالْعَوَامِّ، لَا مِنْ وَجْهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ؛ إذْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ تَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِمْ قِرَاءَةَ كُلِّ رِوَايَةٍ عَلَى حِدَةٍ، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ تَمْيِيزُ الْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ.
(وَسُنَّ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلُهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، يَعْنِي: إنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ، أَفْضَلُ مِنْ السُّرْعَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُرْآنِ فَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُرَتِّلُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالْمُسْرِعُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَأَعْتَقَ عَدَدًا مِنْ الْعَبِيدِ قِيمَتَهُمْ رَخِيصَةٌ.
(وَ) سُنَّ (إعْرَابُهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ، لِحَدِيثِ: «أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَالْتَمِسُوا فِي إعْرَابِهِ» ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْإِعْرَابُ هُنَا: (مَعْرِفَةُ مَعَانِي أَلْفَاظِهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ.
(وَأَمَّا الْإِعْرَابُ النَّحْوِيُّ؛ فَيَجِبُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا، وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقِرَاءَةَ) ، ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
(وَتُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ (بِمُصْحَفٍ) لِإِشْغَالِ حَاسَّةِ الْبَصَرِ بِالْعِبَادَةِ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَكَادُ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا.
(وَ) يُسَنُّ (اسْتِمَاعٌ لَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ، لِيُشَارِكَ الْقَارِئَ فِي أَجْرِهِ.
(وَكُرِهَ حَدِيثٌ عِنْدَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ (بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
(وَسُنَّ حِفْظُ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا، وَحِفْظُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ، وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يُعْطَوْا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ، وَهِيَ حَرِيصَةٌ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنْ الْإِنْسِ.
انْتَهَى.
قَالَ الدَّمِيرِيِّ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ هُوَ النَّازِلُ بِالْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: 3] ، أَيْ: تَتْلُو الْقُرْآنَ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرَ جِبْرِيلَ، أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ بَقَاءُ حِفْظِهِ لَهُ جُمْلَةً؛ لَكِنْ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ مُدَارَسَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ الْقُرْآنَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يُلْهِمُهُ إلْهَامًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَبْلِيغِهِ، وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حِفْظُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّهُ يَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ (مِنْ شَخْصٍ) وَاحِدٍ (لَا أَنْ كُلًّا) مِنْ جَمَاعَةٍ (يَحْفَظُ بَعْضًا) مِنْ الْقُرْآنِ، بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ مَا مَعَهُمْ لَاجْتَمَعَ جَمِيعُهُ؛ فَلَا