مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِأَنْ جَبَاهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِلَا بَعْثِ عُمَّالٍ، (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْهَا (شَيْئًا) ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(وَيَجُوزُ كَوْنُ حَامِلِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (وَرَاعِيهَا وَنَحْوِ كَيَّالٍ) كَسَائِقٍ وَحَافِظٍ (مِمَّنْ مَنَعَهَا كَكَافِرٍ وَذَوِي قُرْبَى، لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ لَا لِعِمَالَتِهِ) ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ وَالْجَابِي وَنَحْوِهِمَا.
(وَإِنْ شَاءَ إمَامٌ جَعَلَ لِعَامِلٍ أَخْذَ زَكَاةٍ وَتَفْرِيقِهَا) لِقِصَّةِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (أَخْذَهَا فَقَطْ) وَيُفَرِّقُهَا الْإِمَامُ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ أَوْ مَا دُونَ الْمَسَافَةِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُ فِي جَمْعِهَا وَ (أَطْلَقَ) ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَمْ يَنْهَهُ، (فَلَهُ تَفْرِيقُهَا) فِي مُسْتَحَقِّيهَا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟ أَخَذْنَاهَا كَمَا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَا تُفَرِّقْهَا (فَلَا) يُفَرِّقُهَا لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ.
(وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ (مَالِكِ) مَالٍ مُزَكًّى (عَلَى عَامِلٍ بِوَضْعِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ فِي (غَيْرِ مَوْضِعِهَا) ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وَلَا تَجُرُّ لَهُ نَفْعًا، لِبَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ فِيهَا، (وَيُصَدَّقُ) رَبُّ الْمَالِ (فِي دَفْعِهَا لَهُ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا يَمِينٍ وَلَوْ بَعْدَ دَفْعِهَا لَهُ) ، لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى عِبَادَتِهِ (وَيَسْتَرِدُّهَا) الْمَالِكُ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْعَامِلِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ (مَا بَقِيَتْ بِيَدِهِ) لِيَضَعَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، (وَإِلَّا) تَكُنْ بَاقِيَةً، بَلْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ (فَلَا) اسْتِرْدَادَ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ دَفْعِهَا لَهُ، إلَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا، هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الْإِقْنَاعِ " وَلَا فِي الْمُنْتَهَى " وَهِيَ كَمَا تَرَى لَا طَائِلَ تَحْتَهَا.
(وَيَحْلِفُ عَامِلٌ لِمُسْتَحِقٍّ) زَكَاةً أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ (وَيَبْرَأُ) مِنْ عُهْدَتِهَا، فَتَضِيعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(وَإِنْ ثَبَتَ) عَلَى عَامِلٍ أَخْذُ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا (دَفَعَهَا) الْعَامِلُ (لَهُ) ، أَيْ: لِرَبِّ الْمَالِ، (وَلَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَابِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِلَا تَخَاصُمٍ) بَيْنَ عَامِلٍ وَشَاهِدٍ، قُبِلَتْ، وَ (غَرِمَ) عَامِلٌ لِلْفُقَرَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَإِنَّمَا قُبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَإِنْ شَهِدَ مُسْتَحِقٌّ) كَفَقِيرٍ وَنَحْوِهِ (لِعَامِلٍ أَوْ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَلْبِ النَّفْعِ.
(وَيَصْدُقُ عَامِلٌ فِي قَبْضِ زَكَاةٍ مِنْ رَبِّهَا وَلَوْ عُزِلَ) كَحَاكِمٍ أَقَرَّ بِحُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، (أَوْ) أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهَا إلَّا (بِجُعْلٍ) وَيَأْخُذُهُ (وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ (فِي) دَعْوَى (دَفْعِ) زَكَاةٍ (لِفَقِيرٍ) فَيَبْرَأُ مِنْهَا.
(وَ) يُصَدَّقُ (فَقِيرٌ فِي عَدَمِهِ) ، أَيْ: الدَّفْعِ إلَيْهِ مِنْهَا، وَظَاهِرُهُ: بِلَا يَمِينٍ، وَيَأْخُذُ زَكَاةً أُخْرَى.
(وَمَا خَانَ) الْعَامِلُ (فِيهِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ) لِيَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحَقِّيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَ (لَا) يَأْخُذُهُ (أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، لَكِنْ إنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ، فَلَهُمْ أَخْذُهُ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْعَامِلَ (دَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ) ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يَلْزَمُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(فَرْعٌ: لِعَامِلٍ بَيْعُ زَكَاةٍ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لِمَصْلَحَةٍ، وَيَصْرِفُهَا فِي الْأَحَظِّ لِفُقَرَاءَ حَتَّى فِي إجَارَةُ مَسْكَنٍ) لِنَحْوِ فَقِيرٍ، وَ (لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَا يَصِحُّ) بَيْعُهُ شَيْئًا مِنْهَا، (وَيَضْمَنُ) إنْ بَاعَ شَيْئًا بِمِثْلِ مِثْلِيٍّ وَقِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ.
(الرَّابِعُ: مُؤَلَّفٌ) لِلْآيَةِ، (وَحُكْمُهُ بَاقٍ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَيُعْطَوْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُحْمَلُ تَرْكُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إعْطَاءَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إعْطَائِهِمْ فِي خِلَافَتِهِمْ، لَا لِسُقُوطٍ سَهْمِهِمْ، فَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَ " أَعْطَى أَبُو بَكْرٍ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَمَنَعَ وُجُودَ الْحَاجَةِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النُّفُوسِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا يُخْفِي فَسَادَهُ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْمُؤَلَّفُ: (السَّيِّدُ الْمُطَاعُ فِي عَشِيرَتِهِ) ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِلتَّأْلِيفِ، وَإِنْ خُشِيَ شَرُّهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى ظَالِمٍ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْمِ الْمُؤَلَّفِ لَهُ.
(مِمَّنْ) ، أَيْ: كَافِرٍ (يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ كَخَوَارِجَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَعَثَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: إنِّي إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) مُسْلِمٌ (يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: " هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْضِخُ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَةِ قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ،
وَإِذَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَابُوهُ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّفْسِيرِ ". (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (إسْلَامُ نَظِيرِهِ) ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا رَجَاءَ إسْلَامِ نَظِيرِهِمَا، (أَوْ) لِأَجْلِ (جِبَايَتِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إلَّا بِالتَّخْوِيفِ، (أَوْ) لِأَجْلِ (دَفْعٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونُوا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ دَفَعُوا الْكُفَّارَ عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا.
(أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (نُصْحٌ فِي الْجِهَادِ) ، فَيُعْطَى لِذَلِكَ (وَيُعْطَى) مُؤَلَّفٌ مِنْ زَكَاةٍ (مَا) ، أَيْ: قَدْرًا (يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُطَاعِ فِي عَشِيرَتِهِ (فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ، وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (إنَّهُ مُطَاعٌ) فِي عَشِيرَتِهِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِعَدَمِ تَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ) مُؤَلَّفٍ (مَا أَخَذَهُ) إنْ أُعْطِيَ (لِكَفِّ شَرِّهِ كَهَدِيَّةٍ لِعَامِلٍ) وَرِشْوَةٍ، لِحَدِيثِ: «هَدَايَا الْعُمَّالُ غُلُولٌ» (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُعْطِيَ لِكَفِّ شَرِّهِ، بَلْ لِيَقْوَى إيمَانُهُ، أَوْ يُسْلِمَ نَظِيرَهُ، أَوْ يَنْصَحَ فِي الْجِهَادِ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ (حَلَّ) لَهُ مَا أَخَذَهُ كَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ.
(الْخَامِسُ: مُكَاتَبٌ) قَدَرَ عَلَى تَكَسُّبٍ، أَوَّلًا: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] ، (وَلَوْ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمِ) كِتَابَةٍ لِئَلَّا يَحِلَّ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ.
فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ (فَيُعْطَى) الْمُكَاتَبُ (وَفَاءَ دَيْنِ كِتَابَتِهِ، وَلَوْ مَعَ قُوَّةِ كَسْبٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يُعْطَى الْمُكَاتَبُ مِنْ الزَّكَاةِ (لِجِهَةِ فَقْرِهِ، لِأَنَّهُ قِنٌّ) مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَالْقِنُّ لَا يُعْطَى مِنْهَا.
(وَيُجْزِئُ) مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، و (لَا) يَشْتَرِي (بِعَرْضٍ رَقَبَةٍ لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ) لِرَحِمٍ أَوْ تَعْلِيقٍ،
(فَيُعْتِقُهَا) عَنْ زَكَاتِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، لِأَنَّ الرَّقَبَةَ إذَا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ، وَتَقْدِيرُهَا: وَهِيَ فِي إعْتَاقِ الرِّقَابِ، (وَلَهُ وَلَاؤُهَا) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . (وَ) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا) نَصًّا، لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنْ الْأَسْرِ، فَهُوَ كَفَكِّ الْقِنِّ مِنْ الرِّقِّ، وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (وَمِثْلُهُ) لَوْ (دَفَعَ لِفَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ) ، فَيُجْزِئُهُ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يُعْتِقَ قِنَّهُ أَوْ مُكَاتَبًا عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ زَكَاتِهِ، لِأَنَّ أَدَاءَ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ تَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ.
وَكَذَا لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ مِنْهَا لِمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ التِّجَارَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهِمْ لَا فِي عَيْنِهِمْ.
(وَمَا أَعْتَقَ إمَامٌ أَوْ سَاعٍ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ، وَمَا أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ فَوَلَاؤُهُ لَهُ.
(السَّادِسُ: غَارِمٌ) وَهُوَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (تَدَيَّنَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) ، أَيْ: وَصْلٍ، كَقَبِيلَتَيْنِ، أَوْ أَهْلِ قَرْيَتَيْنِ، (وَلَوْ بَيْنَ أَهْلِ ذِمَّةٍ) تَشَاجَرُوا فِي دِمَاءٍ أَوْ أَمْوَالٍ وَخِيفَ مِنْهُ، فَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ رَجُلٌ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَالْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ مَالًا عِوَضًا عَمَّا بَيْنَهُمْ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، فَكَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ لِئَلَّا يُجْحِفَ بِسَادَةِ الْقَوْمِ الْمُصْلِحِينَ ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَمَالَةَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ يَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، فَأَقَرَّتْ
الشَّرِيعَةُ ذَلِكَ، وَأَبَاحَتْ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ تَحَمَّلَ، (إتْلَافًا أَوْ نَهْبًا عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ) تَحَمَّلَ مَالًا (لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ) ، فَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَأَشْبَهَ الْمُؤَلَّفَ وَالْعَامِلَ.
(إنْ لَمْ يَدْفَعْ مِنْ مَالِهِ) مَا تَحَمَّلَهُ، لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ مِنْهُ لَمْ يَصِرْ مَدِينًا، وَإِنْ اقْتَرَضَ وَوَفَّاهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ لِوَفَائِهِ، لِبَقَاءِ الْغُرْمِ (أَوْ لَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ) فَلَهُ الْأَخْذُ، لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَك بِهَا.» (أَوْ) تَحَمَّلَ (دَيْنَ ضَمَانٍ) ، بِأَنْ ضَمِنَ غَيْرَهُ فِي دَيْنٍ (وَأَعْسَرَ) ضَامِنٌ مَعَ مَضْمُونٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةٍ لِوَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِمَا، وَلَا إلَى أَحَدِهِمَا.
الثَّانِي مِنْ ضَرْبَيْ الْغَارِمِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَدَيَّنَ لِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ كُفَّارٍ، أَوْ) تَدَيَّنَ (مُكَاتَبٌ لِعِتْقِ) نَفْسِهِ (أَوْ) تَدَيَّنَ (لِنَفْسِهِ) فِي (شَيْءٍ) مُبَاحٍ، (أَوْ) تَدَيَّنَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ (مُحَرَّمٍ وَتَابَ) مِنْهُ (وَأَعْسَرَ) بِالدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] (وَيُعْطَى) غَارِمٌ (وَفَاءَ دَيْنِهِ كَمُكَاتَبٍ) ، لِانْدِفَاعِ حَاجَتِهِمَا بِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ مَا لَزِمَهُ (دَيْنًا لِلَّهِ) تَعَالَى، كَحَجٍّ فَسَدَ، وَعَجَزَ عَنْ قَضَائِهِ، فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِيَقْضِيَهُ، لِأَنَّهُ دَيْنُ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ (وَلَا يَقْضِي مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، (دَيْنٌ) عَلَى (مَيِّتٍ) ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ اسْتَدَانَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ، أَوْ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
(وَلِإِمَامٍ قَضَاءُ دَيْنٍ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (عَنْ حَيٍّ) بِلَا وَكَالَةٍ،
لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إيفَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ.
(وَالْأَوْلَى لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (وَلِمَالِكِ) مَالٍ مُزَكًّى (دَفْعُهَا لِسَيِّدِ مُكَاتَبٍ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (لِرَدِّهِ) ، أَيْ: السَّيِّدِ (مَا قَبَضَ) مِنْ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ لِمَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ (إنْ رَقَّ) الْمُكَاتَبُ (لِعَجْزٍ) عَنْ أَدَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِتْقِ الَّذِي قَبَضَ لِأَجْلِهِ، وَ (لَا) يَرُدُّ سَيِّدُ مُكَاتَبٍ (مَا قَبَضَ مُكَاتَبٌ) مِنْ زَكَاةٍ وَدَفَعَهُ لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ عَجَزَ، لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا قَبَضَهُ بِالْقَبْضِ، فَلَمَّا عَجَزَ عَادَ هُوَ وَمَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ (وَلِمَالِكٍ دَفْعُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِغَرِيمٍ مَدِينٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا) الْمَدِينُ (أَوْ) لَمْ (يَأْذَنْ لَهُ) فِي دَفْعِهَا نَصًّا، لِأَنَّهُ دَفَعَ عَنْهُ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَقَضَى بِهَا دَيْنَهُ، (وَإِنْ دَفَعَ) مُزْكٍ زَكَاةَ مَالِهِ (لِغَارِمٍ لِفَقْرِهِ، جَازَ) لِلْغَارِمِ (أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ) لِمِلْكِهِ إيَّاهُ مِلْكًا تَامًّا.
(وَإِنْ دَفَعَ لَهُ لِقَضَاءِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ) كَانَ (فَقِيرًا) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى.
(وَيَتَّجِهُ: لَوْ دَفَعَ) إنْسَانٌ (نَحْوَ تَمْرَةٍ لِصَائِمٍ) لِيُفْطِرَ عَلَيْهَا.
(وَ) كَذَا (نَحْوُ ثَوْبٍ لِفَقِيرِ لِيَلْبَسَهُ تَعَيَّنَ مَدْفُوعٌ لَهُ) ، أَيْ: لِمُسْتَحِقِّ قَبْضِهِ، فَلَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَحِقُّ فِي غَيْرِ مَا دَفَعَ لِأَجْلِهِ (إلَّا لِغَرَضٍ أَعْلَى) مِمَّا قَصَدَ الدَّافِعُ اسْتِعْمَالَ مَدْفُوعٍ بِهِ، كَاطِّعَامِ مُسْتَحِقِّ التَّمْرَةِ (لِصَائِمٍ آخَرَ) أَحْوَجَ مِنْهُ لِأَكْلِهَا، أَوْ إلْبَاسِهِ الثَّوْبَ لِفَقِيرٍ أَحْوَجَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ عُرْيَانًا.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ قَصْدِ الدَّافِعِ، وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِمَا مَلَكَ، قَبَضَ نَحْوَ التَّمْرَةِ أَوْ الثَّوْبِ، إنْ شَاءَ اسْتَعْمَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ.
فَإِلْزَامُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ تَحَكُّمٌ.
نَعَمْ، إذَا وُجِدَ مُضْطَرٌّ وَعِنْدَهُ مَا يَدْفَعُ اضْطِرَارَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عِنْدَهُ مَوْهُوبًا لَهُ، أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
(السَّابِعُ: غَازٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] (بِلَا دِيوَانٍ، أَوَّلُهُ) فِي الدِّيوَانِ شَيْءٌ، (وَلَا يَكْفِيهِ) لِفَرْدِهِ (فَيُعْطَى مِنْهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ، (وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا) لِأَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ - (مَا يَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِغَزْوِهِ ذَهَابًا وَإِقَامَةً) بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، (وَإِيَابًا) إلَى بَلَدِهِ.
(وَنَحْوُهُ ثَمَنُ سِلَاحٍ) وَدِرْعٍ (وَفَرَسٍ لِفَارِسٍ وَحُمُولَتِهِ) ، أَيْ: مَا يَحْمِلُهُ مِنْ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) إنْ ادَّعَى (أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ) ، لِأَنَّ إرَادَتَهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ.
(وَيُجْزِئُ) أَنْ يُعْطِيَ مِنْ زَكَاةٍ (لِحَجِّ فَرْضِ فَقِيرٍ وَعُمْرَتِهِ) فَيُعْطِي مَا يَحُجُّ بِهِ فَقِيرٌ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَعْتَمِرُ، أَوْ يُعِينُهُ فِيهِمَا، لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ: أَنَّ الرِّبَاطَ كَالْغَزْوِ.
(وَلَوْ لَمْ يَجِبَا) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، قَالَهُ
الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ.
(وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لَا) يُعْطِي أَعْزَبَ مَكْفِيَّ الْمُؤْنَةِ غَيْرَ تَائِقٍ مِنْ الزَّكَاةِ (لِتَزْوِيجِهِ، فَإِنْ اسْتَدَانَ لَهُ) ، أَيْ: التَّزْوِيجِ، (جَازَ) أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا فَرَسًا، يَحْبِسُهَا) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، (أَوْ) أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا (عَقَارًا يَقِفُهُ عَلَى غُزَاةٍ) ، لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، (وَلَا) يُجْزِئُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ) أَوْ بِدِرْعٍ وَنَحْوِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: زَكَاتِهِ، لِأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ، كَمَا لَا يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ.
(وَلِإِمَامٍ شِرَاءُ فَرَسٍ بِزَكَاةِ رَجُلٍ وَدَفَعَهَا) ، أَيْ: الْفَرَسَ (إلَيْهِ) أَيْ: رَبِّ الزَّكَاةِ (لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهَا بِدَفْعِهَا لِلْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ
لِإِمَامٍ دَفْعُ زَكَاةٍ وَصَدَقَةٍ لِمَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَغْزُ) مَنْ أَخَذَ فَرَسًا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الزَّكَاةِ، (رَدَّهَا) عَلَى إمَامٍ، لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عَلَى عَمَلٍ وَلَمْ يَعْمَلْهُ.
نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَخَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وَ (كَفَرَسٍ حَيَوَانٌ) كَبَغْلٍ وَفِيلٍ (يُقَاتِلُ عَلَيْهِ) فَلِلْإِمَامِ شِرَاؤُهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ، (وَ) شِرَاءُ (سُفُنٍ لِجِهَادٍ، لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَذْكُورَ (مِنْ حَاجَةِ الْغَازِي) وَمَصْلَحَتِهِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُهُ، لِأَنَّهُ بِالْمَصَالِحِ أَدْرَى مِنْ غَيْرِهِ.
(الثَّامِنُ: ابْنُ سَبِيلٍ) لِلْآيَةِ (وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ) بِسَفَرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا (عُرْفًا) فَلَا يَقْدَحُ وُجُودُ بَقِيَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ نَفَقَتِهِ، إذْ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَلَا يُعْطَى مُنْشِئٌ سَفَرًا مِنْهَا) ، أَيْ: بَلَدِهِ، لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ابْنَ سَبِيلٍ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَالسَّبِيلُ هِيَ: الطَّرِيقُ، وَسُمِّيَ مَنْ يُغَيِّرُ بَلَدَهُ: ابْنَ سَبِيلٍ، لِمُلَازِمَتِهِ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ لِمَنْ يَكْثُرُ خُرُوجُهُ فِيهِ، وَابْنُ الْمَاءِ لِطَيْرِهِ، وَلِمُلَازَمَتِهِ لَهُ، (فَيُعْطَى) ابْنُ السَّبِيلِ.
(وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ بِبَلَدِهِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ، وَعَنْ الِانْتِفَاعِ
بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ سَقَطَ مَتَاعُهُ فِي الْبَحْرِ أَوْ ضَاعَ.
(وَ) لَوْ (وَجَدَ مُقْرِضًا) ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً، وَأُعْطِي لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ (مَا يُبَلِّغُهُ بَلَدَهُ) إنْ كَانَ ذَاهِبًا إلَيْهَا (أَوْ) يُبَلِّغُهُ (مُنْتَهَى قَصْدِهِ) إنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهَا، وَانْقَطَعَ قَبْلَ الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، (وَعَوْدُهُ إلَيْهَا) ، أَيْ: بَلَدِهِ، لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ، وَمَحَلُّهُ (إنْ كَانَ بِسَفَرٍ مُبَاحٍ) كَطَلَبِ رِزْقٍ أَوْ سَفَرِ طَاعَةٍ، كَحَجٍّ، وَعِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَوَسَائِلُهُ، وَصِلَةِ رَحِمٍ (أَوْ) سَفَرٍ (مُحَرَّمٍ، وَتَابَ) مِنْهُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَ (لَا) يُعْطَى ابْنُ سَبِيلٍ فِي سَفَرٍ (مَكْرُوهٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَ) لَا فِي سَفَرِ (نُزْهَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَتُبْ) مَنْ سَافَرَ سَفَرًا مَكْرُوهًا أَوْ نُزْهَةً، (بِأَنْ نَوَى) قَلْبَ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ (مُبَاحًا) كَالتِّجَارَةِ، لِأَنَّ التَّائِبَ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ يُعْطَى، فَهَذَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِتِجَارَةٍ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاةِ قِيمَتِهِ) وَقَبْلَ إخْرَاجِهَا (أَجْزَأَ) سَيِّدَهُ (دَفْعُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ قِيمَتِهِ (إلَيْهِ) - أَيْ: الْعَتِيقِ - لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا مِنْ أَهْلِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ كُفْرٍ وَنَحْوِهِ
(وَيُجْزِئُ دَفْعُ نَحْوِ زَكَاةٍ) كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، (وَكَفَّارَةٍ لِصَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا) لِصِغَرِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِلْعُمُومِ، فَيَصْرِفُ فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (وَيَقْبَلُ) لَهُ وَلِيُّهُ، (وَيَقْبِضُ لَهُ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ، نَحْوَ الزَّكَاةِ (وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا وَلِيُّهُ) فِي مَالِهِ (وَمَعَ عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ، يَقْبِضُ لَهُ (مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمْ نَصًّا) لِأَنَّ حِفْظَهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ.
(وَسُنَّ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ) ، أَيْ: أَهْلِ الزَّكَاةِ (الثَّمَانِيَةِ بِلَا تَفْضِيلٍ) بَيْنَهُمْ (إنْ وُجِدَتْ) الْأَصْنَافُ (بِمَحَلٍّ وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِيهِ) ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَتَحْصِيلًا لِلْإِجْزَاءِ يَقِينًا.
(وَيُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى) صِنْفٍ (وَاحِدٍ) مِنْهَا، أَوْ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَبِيصَةَ: أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا وَأَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ» وَلَوْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا (لِذَوِي أَرْحَامِهِ كَعَمَّةٍ) وَبِنْتِ أَخٍ (وَلَوْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ) ، لِكَوْنِهِمْ لَا يَرِثُونَ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ، وَلَا ذَوِي فَرْضٍ غَيْرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَ (غَيْرِ عَمُودِيٍّ نَسَبُهُ) لِأَمَةٍ لَا يُجْزِئُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ إعْطَاءُ ذَوِي الرَّحِمِ غَيْرَهُمْ.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا (لِمَنْ تَبَرَّعَ) مُزْكٍ (بِنَفَقَتِهِ بِضَمِّهِ إلَى عِيَالِهِ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى
. (وَشُرِطَ) لِإِجْزَاءِ زَكَاةٍ (تَمْلِيكُ مُعْطًى وَإِقْبَاضُهَا لَهُ عَيْنًا) لَا قِيمَةً فِي غَيْرِ الْعُرُوضِ، (فَلَا يُجْزِئُ إبْرَاءُ مَدِينِهِ) مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، (وَلَا) تُجْزِئُ (حَوَالَةٌ بِهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إيتَاءً، وَكَذَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ يُحِيلُ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُسْتَحِقٍّ) لِلزَّكَاةِ بِهَا (قَبْلَ قَبْضِهَا) ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ (وَهِيَ) ، أَيْ: الزَّكَاةُ (مِنْ ضَمَانِ مَالِكٍ) إنْ تَلِفَتْ، وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ لَهَا، لِبَقَائِهَا فِي مِلْكِهِ، (وَلَوْ قَالَ) مُسْتَحِقُّهَا (لِمَالِكٍ قَبْلَ قَبْضِهَا) مِنْهُ (اشْتَرِ لِي بِهَا ثَوْبًا) أَوْ غَيْرَهُ، (فَشَرَاهُ) لَهُ، (لَمْ يُجْزِئْهُ وَهُوَ) ، أَيْ: الثَّوْبُ (لِمَالِكٍ) دُونَ مُسْتَحِقٍّ.
[فَصَلِّ الْغَارِم وَالْمُكَاتَب إذَا سقط مَا عَلَيْهِمَا مِنْ مَال هَلْ يخرجا الزَّكَاة]
فَصْلٌ) (وَإِنْ سَقَطَ مَا عَلَى غَارِمٍ) مِنْ دَيْنٍ، (أَوْ) سَقَطَ مَا عَلَى (مُكَاتَبٍ) مِنْ مَالِ كِتَابَةٍ، (أَوْ فَضَلَ مَعَهُمَا) ، أَيْ: الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ شَيْءٌ عَنْ الْوَفَاءِ، (أَوْ) فَضَلَ (مَعَ غَازٍ أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِ، رَدَّ) غَارِمٌ، أَوْ مُكَاتَبٌ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ (الْكُلُّ) ، أَيْ: مَا أَخَذَهُ (أَوْ) رَدَّ مَنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ وَغَازٍ وَابْنِ سَبِيلٍ (مَا فَضَلَ) مَعَهُ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي جِهَتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ أَخَذَهُ لَهَا، وَإِلَّا اسْتَرْجَعَ مِنْهُ، (وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ) الْأَرْبَعَةِ (مِنْ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ وَعَامِلٍ وَمُؤَلَّفٍ، يَتَصَرَّفُ فِي فَاضِلٍ بِمَا شَاءَ) ، لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَضَافَ الزَّكَاةَ إلَيْهِمْ فَاللَّامُ الْمِلْكِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] وَلِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ لِمَعْنًى يَحْصُلُ بِأَخْذِهِمْ، وَهُوَ: غِنَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَدَاءِ أَجْرِ الْعَامِلِينَ، وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ يَأْخُذُونَ لِمَعْنًى لَا يَحْصُلُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَافْتَرَقُوا.
(وَمَنْ سَأَلَ وَاجِبًا) كَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ زَكَاةٍ (مُدَّعِيًا كِتَابَةً) ، أَيْ: أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، (أَوْ) مُدَّعِيًا (غُرْمًا) ، أَيْ: أَنَّهُ غَارِمٌ لِنَفْسِهِ، (أَوْ) مُدَّعِيًا (أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، أَوْ) مُدَّعِيًا (فَقْرًا، وَعُرِفَ بِغِنًى) قَبْلَ ذَلِكَ، (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، صُدِّقَ فِي إرَادَةِ السَّفَرِ كَمَا تَقَدَّمَ بِلَا يَمِينٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ غَارِمٌ، لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَيَكْفِي الِاشْتِهَارُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَتَبِعَهُمَا فِي: " الْإِقْنَاعِ " (وَهِيَ) ، أَيْ: الْبَيِّنَةُ (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) إذَا ادَّعَى فَقْرًا مَنْ عُرِفَ بِغِنًى: (ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) ، لِحَدِيثِ: «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ:
رَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالسَّدَادُ بِالْفَتْحِ: الْقَصْدُ فِي الدِّينِ، وَبِالْكَسْرِ: الْبُلْغَةُ.
قَالَهُ فِي ثَمَرَاتِ الْأَوْرَاقِ ". (وَإِنْ صَدَّقَ مُكَاتَبًا سَيِّدُهُ) ، قُبِلَ وَأُعْطِيَ، (أَوْ) صَدَّقَ (غَارِمًا غَرِيمُهُ) أَنَّهُ مَدِينُهُ، (قُبِلَ وَأُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ.
(وَيُقَلَّدُ مَنْ ادَّعَى) مِنْ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ (عِيَالًا) ، فَيُعْطَى لَهُ وَلَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ، (أَوْ) ادَّعَى (فَقْرًا وَلَمْ يُعْرَفْ بِغِنًى) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً بِهِ، (وَكَذَا) يُقَلَّدُ (جَلْدٌ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ: صَحِيحٌ - (ادَّعَى عَدَمَ مَكْسَبٍ) ، وَيُعْطَى مِنْ زَكَاةٍ (وَلَوْ مُتَجَمِّلًا) ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّجَمُّلِ الْغِنَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَإِنْ رَآهُ ظَاهِرَ الْمَسْأَلَةِ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ (بَعْدَ إعْلَامِهِ) ، أَيْ: الْجَلْدِ (وُجُوبًا) عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ الْإِعْلَامِ (لِجَاهِلِ) الْحُكْمِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": يُتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وَقَوْلُهُمْ: أَخْبَرَهُ وَأَعْطَاهُ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ سَأَلَاهُ وَلَمْ يُحَلِّفْهُمَا» وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَصَعَّدَ فِينَا النَّظَرَ،
فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَحَرُمَ أَخْذُ) صَدَقَةٍ (بِدَعْوَى غَنِيٍّ فَقْرًا وَلَوْ مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) كَذَوِي رَحِمِهِ، وَمَنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ نَحْوِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ (عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) فَيَزِيدُ ذَا الْحَاجَةِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، لِحَدِيثِ: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
(وَيَبْدَأُ بِأَقْرَبِهِمْ) ، أَيْ: قَرَابَاتِهِ مِنْهُ (كَ) مَا لَوْ دَفَعَهَا لِ (جِيرَانِهِ) ، فَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، (وَلَا يَسْتَخْدِمُ بِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مُعَطِّلٌ) قَرِيبًا وَلَا غَيْرَهُ، مُرَاعَاةً لِلْإِخْلَاصِ، (وَلَا يَدْفَعُ بِهَا مَذَمَّةً) عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يَقْصِدُ بِدَفْعِهَا الِامْتِثَالَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَلَا يَقِي بِهَا مَالَهُ كَقَوْمٍ عَوَّدَهُمْ بُرًّا فَيُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِدَفْعِ مَا عَوَّدَهُمْ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هَذَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ.
انْتَهَى.
لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ
،. (وَمَنْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ زَكَاةٍ سَبَبَانِ) كَفَقِيرٍ غَارِمٍ، أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ، (أَخَذَ بِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، فَيُعْطَى بِفَقْرِهِ كِفَايَتَهُ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَبِغُرْمٍ مَا يَفِي بِهِ دَيْنَهُ، (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (لَا بِعَيْنِهِ) لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدَمِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ أَحْكَامُهُمَا كَفَقِيرٍ مُؤَلَّفٍ، جَازَ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لِعَدَمِ اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا.
(وَإِنْ أُعْطِيَ بِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (وَعُيِّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ) مَعْلُومٌ، فَذَاكَ، (وَإِلَّا) يُعَيَّنْ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ، (كَانَ) مَا أُعْطِيَهُ (بَيْنَهُمَا) ،
أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (نِصْفَيْنِ) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْيِينِ لِكُلٍّ قَدْرًا، أَوْ الْقِسْمَةُ عَنْ عَدَمِهِ، لَوْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ، كَمَا لَوْ أُبْرِئَ الْغَارِمُ فِي الْمِثَالِ، فَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ لِلْغُرْمِ دُونَ الْفَقْرِ.
(وَتُجْزِئُ) الزَّكَاةُ، أَيْ: دَفْعُهَا (لِغَرِيمِهِ) لِيَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ (وَمُكَاتَبِهِ) لِيَفُكَّ بِهَا رَقَبَتَهُ، (مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ حِيلَةٌ، فَلَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَجُوزُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ قَصَدَ بِالدَّفْعِ الْحِيلَةَ (عَلَى إحْيَاءِ مَالِهِ) وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ.
(وَلَوْ) كَانَتْ الْحِيلَةُ (بِمُوَاطَأَةٍ) مِنْ الدَّائِنِ وَغَرِيمِهِ، عَلَى أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْهَا دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّ الْغَرِيمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَبَضَهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا مُوَاطَأَةٍ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ (وَعِنْدَ الْقَاضِي) أَبِي يَعْلَى (وَغَيْرِهِ: الْحِيلَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ) ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا، فَإِذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ لَمْ يُوجَدْ التَّمْلِيكُ الصَّحِيحُ.
[فَصْلٌ لَا تُجْزِئُ زَكَاةٌ لِكَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ]
(فَصْلٌ) (وَلَا تُجْزِئُ) زَكَاةٌ (لِكَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (كَامِلِ رِقٍّ) مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا وَنَحْوِهِ، لِاسْتِغْنَائِهِ بِنَفَقَةِ سَيِّدِهِ، (غَيْرِ عَامِلٍ) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ يَسْتَحِقُّهَا، (وَ) غَيْرِ (مُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ فِي الرِّقَابِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ (لِزَوْجَةِ) الْمُزَكِّي، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ.
وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالنَّاشِزُ كَغَيْرِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ.
(وَ) لَا تُجْزِئُ إلَى (فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى
قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ غَنِيَّيْنِ (وَلَمْ تَتَعَذَّرْ) النَّفَقَةُ مِنْهُمَا، لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُمَا، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ عَقَارٌ يَسْتَغْنِي بِأُجْرَتِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَذَّرَتْ مِنْهُمَا، (فَتُجْزِئُ) زَكَاةٌ دُفِعَتْ إلَيْهِمَا (إذَنْ) ، أَيْ: عِنْدَ التَّعَذُّرِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا.
وَ (لَا) تُجْزِئُ لِزَوْجَةٍ غَنِيٍّ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا (لِنُشُوزِ) هَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِالنُّشُوزِ، فَهِيَ كَمَنْ غَيَّبَ مَالَهُ لِوُجُوبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهَا.
(وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (عَمُودِيٍّ نَسَبُهُ) ، أَيْ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ، الْوَارِثُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ نَصًّا، لِأَنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ يُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَيُسْقِطُهَا عَنْهُ، فَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، (إلَّا أَنْ يَكُونَا) ، أَيْ: عَمُودِيٌّ نَسَبُهُ (عُمَّالًا) عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ أَجْرَ عَمَلِهِمْ، كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُمْ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ، (أَوْ) يَكُونَا (مُؤَلَّفَيْنِ) ، لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ لِلتَّأْلِيفِ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَجَانِبَ، (أَوْ) يَكُونَا (غُزَاةً) ، لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، أَشْبَهُوا الْعَامِلِينَ، (أَوْ) يَكُونَا (غَارِمَيْنِ) لِإِصْلَاحِ (ذَاتِ بَيْنٍ، وَلَا) يُعْطُونَ إنْ كَانُوا غَارِمَيْنِ (لِأَنْفُسِهِمْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا) تُجْزِئُ لِعَمُودِيٍّ نَسَبُهُ إذَا كَانُوا (مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ) ، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ (امْرَأَةً) دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى (زَوْجِ) هَا، لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَيْهَا بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا.
(وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةِ إنْسَانٍ إلَى (سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّنْ يَرِثُهُ حَالَ دَفْعٍ بِفَرْضٍ) كَأُخْتٍ، (أَوْ تَعْصِيبٍ) كَعَمٍّ وَعَتِيقٍ حَيْثُ لَا حَاجِبَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ، وَالْآخَرُ لَا يَرِثُهُ، كَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ، لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ وَنَحْوُهُ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْآخَرِ، فَلَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى مَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ
عَكْسُهُ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ (عَامِلًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ، أَوْ غَارِمًا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) ، لِأَنَّهُ يُعْطَى لِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، بِخِلَافِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ، لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ.
(وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ (لِبَنِي هَاشِمٍ وَهُمْ سُلَالَتُهُ) ، أَيْ: هَاشِمٍ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، (فَدَخَلَ آلُ عَبَّاسٍ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، (وَ) آلُ (عَلِيٍّ وَ) آلُ (جَعْفَرٍ وَ) آلُ (عَقِيلٍ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (وَ) آلُ (الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ) آلُ (أَبِي لَهَبٍ) سَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ الْخُمُسِ أَوْ لَا.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِعُمُومِ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كِخْ كِخْ، لِيَطْرَحَهَا، وَقَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(مَا لَمْ يَكُونُوا) ، أَيْ: آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً، أَوْ غَارِمِينَ كَإِصْلَاحِ) ذَاتِ بَيْنٍ، فَيُعْطُونَ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى، لِجَوَازِ الْأَخْذِ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى، وَعَدَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى بَنِي هَاشِمٍ (إنْ كَانُوا مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ) لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ لِلْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ وَالْغَارِمِينَ.
(وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُمْ) ، أَيْ: بَنِي هَاشِمٍ (عَامِلِينَ) عَلَى الزَّكَاةِ، لِشَرَفِهِمْ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي يَعْقُوبُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ الْإِصْطَخْرِيُّ
مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: (جَوَازَ أَخْذِهِمْ إنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ) ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَقَالَ أَيْضًا: وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ".
(وَكَزَكَاةِ كَفَّارَةٍ) ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِبَنِي هَاشِمٍ لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ، (وَمِثْلُهُمْ) ، أَيْ: بَنِي هَاشِمٍ (مَوَالِيهِمْ) ، أَيْ: عُتَقَاؤُهُمْ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا نُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
و (لَا) كَذَلِكَ (مَوَالِي مَوَالِيهِمْ) ، فَيُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَوَالِي مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ، (وَلَا) كَذَلِكَ أَيْضًا (وَلَدُ بَنِي الْمُطَّلِبِ) ، لِأَنَّ الْمُطَّلِبَ أَخُو هَاشِمٍ، فَهُوَ أَبْعَدُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ (وَهُمْ) ، أَيْ: بَنُو الْمُطَّلِبِ (فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ) ، وَبَنُو أُمَيَّةَ تُجْزِئُ لَهُمْ اتِّفَاقًا، وَلِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ، خَرَجَ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ وَأَقْرَبُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَارَكُوهُمْ فِي الْخُمُسِ بِالنُّصْرَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيلِ، قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي حِرْمَانَ الزَّكَاةِ.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى (وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي اعْتِبَارًا بِالْأَبِ.
(وَلَا) يَمْتَنِعُ أَخْذُ الزَّكَاةِ عَلَى (أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ
وَالْأَصْحَابِ.
(وَلِهَاشِمِيٍّ أَخْذُ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَنَذْرٍ وَوَصِيَّةٍ لِفُقَرَاءَ) ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا، لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ، فَرُوِيَ فِي «حَدِيثِ سَلْمَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَصْفِهِ لَهُ.
قَالَ: إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» ، وَلِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَمَّا مُنِعُوا فَرْضِ الصَّدَقَةِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَجَبَ أَنْ يُنَزَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَفْلِهَا وَفَرْضِهَا، لِشَرَفِهِ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، تَمْيِيزًا لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا خَصَّ مَعَ خُمُسِ الْخُمُسِ بِالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَبِالْإِسْهَامِ لَهُ مَعَ غَيْبَتِهِ مِنْ الْمَغَانِمِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ، وَلَا أَنْ يُهْدَى لَهُ، أَوْ يُنْظَرَ بِدَيْنِهِ، أَوْ يُوضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَارَّةِ، أَوْ يَأْوِيَ إلَى مَكَانٍ جُعِلَ لِلْمَارَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الصَّدَقَةِ، لِحَدِيثِ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . (وَلِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ) مِنْ هَاشِمِيٍّ وَغَنِيٍّ وَنَحْوِهِمَا (قَبُولُهَا هَدِيَّةً وَتَطَوُّعًا مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِهَا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى أُمِّ عَطِيَّةَ، وَقَالَ: إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقِسْ الْبَاقِيَ عَلَى ذَلِكَ.
[فَرْعٌ مَنْ دَفَعَ زَكَاةً لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا]
(فَرْعٌ: مَنْ) (دَفَعَ زَكَاةً لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا) كَهَاشِمِيٍّ، أَوْ قِنٍّ غَيْرِ
مُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ (جَهْلًا) مِنْهُ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ، (ثُمَّ عَلِمَ) ذَلِكَ، (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا، فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، (إلَّا) إذَا دَفَعَهَا (لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا) ، فَيُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الْفَقْرَ قَدْ يَخْفَى، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الْجَلْدَيْنِ، وَقَالَ: وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» وَلَوْ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ انْتِفَاءِ الْغِنَى، لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهِمَا.
(وَ) إنْ دَفَعَهَا (لِمَنْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ) ، لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَاحْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِهِ، لِتَحْصِيلِ الْبَرَاءَةِ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ لِتَعَسُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
(وَلَوْ بَانَ مِنْهُمْ) كَمَا لَوْ هَجَمَ وَصَلَّى، فَبَانَ فِي الْوَقْتِ.
(وَحَيْثُ دُفِعَتْ) الزَّكَاةُ (لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا، لِجَهْلِ دَافِعٍ) بِهِ، (وَجَبَ) عَلَى آخِذِهَا (رَدُّهَا لَهُ بِنَمَائِهَا مُطْلَقًا) ، مُتَّصِلًا كَانَ كَالسِّمَنِ، أَوْ مُنْفَصِلًا كَالْوَلَدِ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ بِيَدِ قَابِضِهَا مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، (فَمِنْ ضَمَانِهِ) فَيَغْرَمُ مِثْلَ مِثْلِيٍّ، وَقِيمَةَ مُتَقَوِّمٍ، لِبُطْلَانِ قَبْضِهِ.
(وَيُتَّجَهُ: هَذَا) الضَّمَانُ لَازِمٌ لَهُ إنْ قَبَضَهَا (مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ) ، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِقَبْضِهَا، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ]
(فَصْلٌ) (مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ.
(وَمَنْ لَا) يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ كَالْغَنِيِّ، لَا يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، (فَلَا) يُبَاحُ لَهُ سُؤَالُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ:
أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأَبِ أَيْسَرُ، (فَيَحْرُمُ سُؤَالُهُ) الزَّكَاةَ أَوْ الْكَفَّارَةَ لِنَحْوِ فَقْرٍ لَا غَزْوٍ، (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى أَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ، وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ.
(وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ شُرْبِ مَاءٍ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي الْعَطْشَانِ لَا يَسْتَسْقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَعْلَمَ حِلَّ الْمَسْأَلَةِ، وَمَتَى تَحِلُّ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: إنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي دِينِهِ فَرْضٌ.
(وَ) لَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ (عَارِيَّة وَقَرْضٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، (وَ) لَا بَأْسَ بِسُؤَالِ (شَيْءٍ يَسِيرٍ كَشِسْعِ نَعْلٍ) ، أَيْ: سَيْرِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، (وَلَا بَأْسَ بِسُؤَالِهِ) ، أَيْ: الشَّخْصِ غَيْرَهُ (لِمُحْتَاجٍ غَيْرَهُ) صَدَقَةً أَوْ حَاجَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْكُرْبَةِ عَنْ الْمُسْلِمِ.
(وَ) الطَّلَبُ لِلْغَيْرِ إذَا كَانَ (بِتَعْرِيضٍ أَعْجَبُ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) مِنْ السُّؤَالِ صَرِيحًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ لِغَيْرِهِ يُعَرِّضُ أَحَبُّ إلَيَّ، (وَإِعْطَاءُ السُّؤَالِ) جَمْعُ: سَائِلٍ (مَعَ صِدْقِهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، لِحَدِيثِ: «لَوْ صَدَقَ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ بِأَنَّ السَّائِلَ إذَا قَالَ: أَنَا جَائِعٌ، وَظَهَرَ صِدْقُهُ، وَجَبَ إطْعَامُهُ.
وَإِنْ سَأَلُوا مُطْلَقًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجِبْ إعْطَاؤُهُمْ وَلَوْ أَقْسَمُوا، لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَقْسَمَ عَلَى مُعَيَّنٍ.
(وَلَوْ جَهِلَ حَالَ سَائِلٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ) ، وَلَوْ سَأَلَهُ مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ يُعْطِيهِ شَيْئًا، وَأَطْلَقَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا: هَلْ هُوَ قَرْضٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ قُبِلَ: قَوْلُ الدَّافِعِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا، لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ، كَسُؤَالِهِ مِقْدَارًا كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ قَرِينَةُ الْقَرْضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْطِنِي شَيْئًا إنِّي فَقِيرٌ، قُبِلَ قَوْلُ الْفَقِيرِ فِي كَوْنِهِ صَدَقَةً، عَمَلًا بِقَرِينَةِ قَوْلِ أَنَّهُ فَقِيرٌ.
(وَلَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ) وِفَاقًا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ» وَعَنْ أُبَيٍّ مَرْفُوعًا: «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي الْآيَةِ: الزَّكَاةُ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَمَا جَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
(وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُوجِبُهُ كَإِطْعَامِ جَائِعٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسِيرٍ، فَيَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَا تَعَارُضَ.
(وَمَنْ أُعْطِيَ لِاتِّقَاءِ ذَمِّهِ أَوْ إلْحَاحٍ أَوْ إيذَاءِ مَسْئُولٍ فَحَرَامٌ) عَلَى الْآخِذِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى دَافِعٍ، كَهَدِيَّةِ عَامِلٍ لِدَفْعِ ظُلْمٍ.
(وَيَجِبُ أَخْذُ مَالٍ) طَيِّبٍ (لَا شُبْهَةَ فِيهِ أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذْهُ» ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَرَامًا بِيَقِينٍ، وَجَبَ رَدُّهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً، أَوْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، (فَلَا بَأْسَ بِرَدِّهِ) نَصًّا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِشْرَافِ.
(وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا يَجِبُ) قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ جَاءَ بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ، وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءَ (قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ) ، أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَبُولِ: (مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ) وَفِي الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى ": فِي الْهِبَةِ
مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَنُّ الْقَبُولُ، وَيُكْرَهُ الرَّدُّ، (قَالُوا) ، أَيْ: الْأَصْحَابُ (فِي الْحَجِّ: لَا يَكُونُ) مَبْذُولٌ لَهُ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لَهُ، وَ) قَالُوا (فِي الصَّلَاةِ) : إنَّ الْعَارِيَ (لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ السُّتْرَةِ) هِبَةً لَا عَارِيَّةً، (وَصَوَّبَهُ) ، أَيْ: عَدَمَ وُجُوبِ الْقَبُولِ (فِي " الْإِنْصَافِ ") لِمَا فِي قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْمِنَّةِ.
(وَيُتَّجَهُ: وَهُوَ) ، أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَبُولِ (الْأَصَحُّ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ، وَعِفَّتِهَا، وَزُهْدِهَا فِي الدُّنْيَا، وَطَلَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِحُسْنِ التَّوَكُّلِ، وَقَمْعِ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا (وَإِلَّا) تُعْتَبَرْ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (تَنَاقَضَ قَوْلُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَحَرُمَ أَخْذُ) صَدَقَةٍ (بِدَعْوَى غَنِيٍّ) فَقْرًا، (أَوْ إظْهَارِهِ) ، أَيْ: الْغَنِيِّ (فَقْرًا وَلَوْ) أَخَذَ ذَلِكَ (مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) وَتَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ تَعَفُّفُ غَنِيٍّ عَنْهَا) ، أَيْ: صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، (فَلَا يَأْخُذُهَا) وَلَوْ بُذِلَتْ لَهُ.
(وَ) سُنَّ (عَدَمُ تَعَرُّضِهِ) ، أَيْ: الْغَنِيِّ (لَهَا) رَغْبَةً عَنْهَا، رَجَاءَ وُقُوعِهَا فِي يَدِ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا.
(وَتَجُوزُ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (لَهُ) ، أَيْ: لِلْغَنِيِّ (وَلِكَافِرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا " وَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا صِلَةً كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَاهُ إيَّاهَا "، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: صِلِي أُمَّكِ» ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ
عَلَيْهَا مُشْرِكَةً.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي جَائِزَةِ السُّلْطَانِ وَمُعَامَلَتِهِ: أَكْرَهُهُمَا) لِمَا فِيهِمَا مِنْ الشُّبْهَةِ، وَقَالَ: جَائِزَتُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ الْجَائِزَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلِلْأَخْذِ فِيهِ شُبْهَةٌ.
(وَقَالَ: هِيَ) ، أَيْ: جَائِزَةُ السُّلْطَانِ (خَيْرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ) ، لِمَا فِي صِلَتِهِمْ مِنْ الْمِنَّةِ، وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَالَ أَيْضًا: يَمُوتُ بِدَيْنِهِ وَلَا يَعْمَلُ مَعَ الْحُكَّامِ.
(وَمَعَ ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنِ الْجَائِزَةِ أَحَبَّ مِنْ الصَّدَقَةِ، (فَقَدْ هَجَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَوْلَادَهُ وَعَمَّهُ لَمَّا أَخَذُوهَا) ، أَيْ: جَائِزَةَ السُّلْطَانِ وَقَالَ: يَهْجُرُ ابْنَهُ وَيُخْرِجُهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ مُعَامَلَةِ السُّلْطَانِ وَأَخْذِ جَائِزَتِهِ.
(قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (وَهُوَ) ، أَيْ: فِعْلُ الْإِمَامِ، (يَقْتَضِي جَوَازَ الْهَجْرِ بِأَخْذِ الشُّبْهَةِ) خِيفَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ.
(وَقَدْ هَجَرَتْ الصَّحَابَةُ بِمَا فِي مَعْنَاهُ) ، أَيْ: أَخْذِ الشُّبْهَةِ، (كَهَجْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ ضَحِكَ فِي جِنَازَةٍ، وَ) هَجْرِ (حُذَيْفَةَ مَنْ شَدَّ الْخَيْطَ لِلْحُمَّى) ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، (وَ) هَجْرِ (عُمَرَ مَنْ سَأَلَ عَنْ الذَّارِيَاتِ، وَالْمُرْسَلَاتِ، وَالنَّازِعَاتِ) ، لِأَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِي، (وَ) هَجْرِ (عَائِشَةَ لِابْنِ) أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا) ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَتَصَدَّقُ بِمَا جَاءَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا قَوْلُهُ نَذَرَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ، ثُمَّ اسْتَشْفَعَ بِأَخْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَتْهُ ".
[فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ]
(فَصْلٌ) (صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ تُسَنُّ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَةٍ دَائِمَةٍ بِمَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ صَنْعَةٍ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمُتَصَدِّقِ، (وَعَمَّنْ يُمَوِّنُهُ) لِحَدِيثِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(كُلَّ وَقْتٍ) ، لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالْأَخْبَارِ.
(وَ) كَوْنُهَا (سِرًّا مِمَّا يَجِبُ، وَكَسْبُ يَدِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ فِي صِحَّةٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] وقَوْله تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] «وَلِحَدِيثِ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ» .
(وَ) كَوْنُهَا (فِي) شَهْرِ (رَمَضَانَ) أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) كَوْنُهَا (فِي وَقْتِ حَاجَةٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14] : (وَ) فِي (كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ) الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، (وَ) كَ (الْحَرَمَيْنِ) أَفْضَلُ، لِكَثْرَةِ التَّضَاعُفِ.
(وَ) كَوْنُهَا (عَلَى جَارٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] وَحَدِيثِ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» .
(وَ) كَوْنُهَا عَلَى (عَالِمٍ وَدَيِّنٍ) أَفْضَلُ، لِمَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ، (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذِي عَائِلَةٍ) أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذَوِي رَحِمٍ) لَهُ، (لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ) بَيْنَهُمَا، لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَالْكَاشِحُ: مُضْمِرُ الْعَدَاوَةِ، (وَهِيَ) ، أَيْ: الصَّدَقَةُ، (عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: ذَوِي رَحِمِهِ صَدَقَةٌ، وَ (صِلَةٌ) لِلْخَبَرِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36] وَيُسَنُّ أَنْ
يَخُصَّ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 15] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16] .
(وَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةً تَلْزَمُهُ) كَمُؤْنَةِ زَوْجَتِهِ أَوْ قَرِيبٍ أَثِمَ، لِحَدِيثِ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» إلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» وَالْمُرَادُ: جُهْدُ الْمُقِلِّ بَعْدَ حَاجَةِ عِيَالِهِ، وَمَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ جُهْدُهُ.
(أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ) بِ (غَرِيمِهِ أَوْ) بِ (كَفِيلِهِ) بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ (أَثِمَ) ، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
(وَمَنْ أَرَادَهَا) ، أَيْ: الصَّدَقَةَ، (بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلَهُ عَائِلَةٌ لَهُمْ كِفَايَةٌ، أَوْ) لَهُ عَائِلَةٌ (يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ) ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ، (أَوْ) كَانَ (وَحْدَهُ) لَا عِيَالَ لَهُ، (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ) عَنْ الْمَسْأَلَةِ، (فَلَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لِعِيَالِهِ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ، (حَرُمَ) ، وَحُجِرَ عَلَيْهِ لِإِضَاعَةِ عِيَالِهِ، وَلِحَدِيثِ: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ؟ ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَكَذَا إنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ.
(وَكُرِهَ لِمَنْ لَا صَبْرَ) لَهُ عَلَى الضِّيقِ (أَوْ لَا عَادَةَ) لَهُ (عَلَى الضِّيقِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنْ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ نَوْعُ إضْرَارٍ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ لِيَتَصَدَّقَ.
(قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ) فِي كِتَابِهِ " السِّرُّ الْمَصُونُ ": الْأَوْلَى أَنْ
يَدَّخِرَ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ، وَإِنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ لَهُ مِرْفَقٌ، فَيُخْرِجُ مَا فِي يَدِهِ، فَيَنْقَطِعُ مِرْفَقُهُ، فَيُلَاقِي مِنْ الضَّرَرِ وَالذُّلِّ مَا يَكُونُ الْمَوْتُ دُونَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى الْحَالِ الْحَاضِرَةِ، بَلْ يُصَوِّرُ كُلَّ مَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ، (وَقَدْ تَزَهَّدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَخْرَجُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ احْتَاجُوا، فَدَخَلُوا فِي الْمَكْرُوهَاتِ) ، وَالْحَازِمُ مَنْ يَحْفَظُ مَا فِي يَدِهِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي حَقِّ الْكَرِيمِ جِهَادٌ، كَمَا أَنَّ إخْرَاجَ مَا فِي يَدِ الْبَخِيلِ جِهَادٌ، وَالْحَاجَةُ تُخْرِجُ إلَى كُلِّ مِحْنَةٍ.
(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ الْمَالَ، يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ وَيُؤَدِّي بِهِ أَمَانَتَهُ، وَيَصُونَ بِهِ نَفْسَهُ وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الْخَلْقِ) . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، فَلْيَجْعَلْهُ فِي قَرْنِ ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ، مَنْ احْتَاجَ فِيهِ كَانَ أَوَّلَ مَا يَبْذُلُ دِينَهُ.
وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: لَوْ أَنَّ لِي دَجَاجَةً أَعُولُهَا خِفْتُ أَنْ أَكُونَ عَشَّارًا عَلَى الْجِسْرِ.
(وَمَنْ مَيَّزَ شَيْئًا لِلصَّدَقَةِ) بِهِ (أَوْ وَكَّلَ فِيهِ) ، أَيْ: بِالصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ، (ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ) عَنْ الصَّدَقَةِ، (سُنَّ) لَهُ (إمْضَاؤُهُ) مُخَالَفَةً لِلنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ، لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
و (لَا) يُسَنُّ لَهُ (إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ) ، فَإِنْ قَبَضَهُ وَسَخِطَهُ، لَمْ يُعْطَ غَيْرَهُ.
(وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ كَبِيرَةٌ) عَلَى نَصِّهِ، الْكَبِيرَةُ: مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ.
(وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: 264] ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ، وَفِي إبْطَالِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا: الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
(لَا) يَبْطُلُ الثَّوَابُ بِالْمَنِّ إذَا كَانَ (لِقَصْدِ تَرْبِيَةٍ وَتَأْدِيبٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.
«أَنَّ النَّبِيَّ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَحِلُّ أَنْ يَمُنَّ إلَّا مَنْ كُفِرَ إحْسَانُهُ وَأُسِيءَ إلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُعَدِّدَ إحْسَانَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحُجَّةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا عَلَى الْخَصْمِ.
[فَرْعٌ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ]
(فَرْعٌ: الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ) ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَصْبِرُ، وَيَفْسُدُ دِينُهُ بِفَقْرِهِ.
فَالْغِنَى لَهُ أَفْضَلُ، وَبِخِلَافِ غَنِيٍّ لَا يَشْكُرُ، وَيَحْمِلُهُ مَالُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ.
فَالْفَقْرُ لَهُ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْحَالَتَيْنِ (وَفِي الصَّحِيحِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» ) ، أَيْ: يَدُ الْمُعْطِي خَيْرٌ مِنْ يَدِ الْآخِذِ.
(وَوَقَعَ خِلَافٌ: هَلْ الْأَفْضَلُ كَسْبُ الْمَالِ وَصَرْفُهُ لِمُسْتَحِقَّيْهِ، أَوْ الِانْقِطَاعُ لِلْعِبَادَةِ) ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ؟ (وَيَتَّجِهُ) : الْأَصَحُّ: (الْأَوَّلُ لَتَعْدِي نَفْعِهِ، لَا مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ أَوَّلَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) مِنْ أَنَّهُ إذَا صَرَفَهُ فِي نَفَقَةٍ وَجِهَادٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[كِتَاب الصِّيَام]
ِ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ صَامَ النَّهَارُ، إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ، وَلِلسَّاكِتِ: صَائِمٌ، لِإِمْسَاكِهِ عَنْ الْكَلَامِ.
وَمِنْهُ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] ، وَصَامَ الْفَرَسُ، إذَا أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ: عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَشَرْعًا: (إمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ) هِيَ مُفْسِدَاتُهُ، الْآتِيَةُ (فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ) . وَهُوَ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ (مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ) ، وَهُوَ: الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ، غَيْرُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.
(وَصَوْمُ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) مِنْ كُلِّ عَامٍ (أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» . . . الْحَدِيثُ (وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ) إجْمَاعًا، (فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ) إجْمَاعًا.
(وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرُ رَمَضَانَ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] . (وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ: رَمَضَانُ، بِإِسْقَاطِ: شَهْرٍ) ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمَضِهِ، الرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ وَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ، وَقِيلَ:
لِأَنَّهُ يَحْرُقُ الذُّنُوبَ.
وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ.
وَجَمْعُهُ: رَمَضَانَاتٌ، وَأَرْمِضَةٌ، وَرَمَاضِينُ، وَأَرْمُضٌ، وَرَمَاضٌ، وَأَرَامِيضُ.
(وَصَوْمُهُ) ، أَيْ: شَهْرِ رَمَضَانَ (فَرْضٌ يَجِبُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) ، لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ إذَنْ.
وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ وَقَوْلُ رَاءٍ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» رَوَاهُ ابْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ " وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» (فَلَوْ طَلَعَ) هِلَالُ رَمَضَانَ، وَيُعَبِّرُ الْفَلَكِيُّونَ عَنْ طُلُوعِهِ بِالْوِلَادَةِ (فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلنَّاسِ، لَمْ يَكُنْ هِلَالًا) ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
إذْ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِرُؤْيَتِهِ لَا بِطُلُوعِهِ، لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (فَإِنْ لَمْ يُرَ) الْهِلَالُ (مَعَ صَحْوِ) مَطْلَعِهِ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، لَمْ يَصُومُوا) يَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَيْ: مَعَ صَحْوِ الْمَطْلَعِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، (وَلَوْ) كَانُوا (مُعْتَمَدِينَ حِسَابًا) مِمَّا هُوَ مَوْضُوعٌ فِي التَّقَاوِيمِ، وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُ، (فَبَانَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ، (لَمْ يُجْزِئْ) هُمْ صَوْمُهُ، لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِمْ إلَى مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ شَرْعًا.
(وَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ) ، أَيْ: الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (نَحْوُ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ) بِالتَّحْرِيكِ: الْغَبَرَةُ، كَالْعَشَرَةِ، (وَجَبَ صِيَامُهُ) ،
أَيْ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ (حُكْمًا ظَنِّيًّا احْتِيَاطِيًّا) خُرُوجًا مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ (بِنِيَّةِ) أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ: عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ» قَالَ نَافِعٌ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ، فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ، أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ، أَصْبَحَ صَائِمًا ". وَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ: ضَيِّقُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11] وَالتَّضْيِيقُ: جَعْلُ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ رَاوِيهِ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَتَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْأَصْحَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّصَانِيفِ، وَنَصَرُوا الْمَذْهَبَ، وَرَدُّوا حُجَجَ الْمُخَالِفِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَإِنْ اشْتَغَلُوا عَنْ التَّرَائِيِ لِعَدُوٍّ، أَوْ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، وَذَلِكَ نَادِرٌ، فَيَنْسَحِبُ عَلَيْهِ ذَيْلُ الْغَالِبِ، وَفَارَقَ الْغَيْمَ وَالْقَتَرَ، فَإِنَّ وُقُوعَهُمَا غَالِبٌ، وَقَدْ اسْتَوَى مَعَهُمَا الِاحْتِمَالَانِ، فَعَمَلنَا بِأَحْوَطِهِمَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَيْسَ ذَلِكَ) ، أَيْ: وُجُوبُ صِيَامِهِ حُكْمًا ظَنِّيًّا (بِشَكٍّ فِي النِّيَّةِ، بَلْ) شَكٍّ (فِي الْمَنْوِيِّ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " دَرْءِ اللَّوْمِ وَالضَّيْمِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ ".
(وَيُجْزِئُ) صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ (إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ، بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ قَدْ وُضِعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ لِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ الصَّوْمَ لِلرُّؤْيَةِ.
(وَتَثْبُتُ) تَبَعًا لِوُجُوبِ صَوْمِهِ (أَحْكَامُ صَوْمِ) رَمَضَانَ (مِنْ صَلَاةِ تَرَاوِيحَ) احْتِيَاطًا، لِوَعْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ بِالْغُفْرَانِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ قِيَامُهُ كُلُّهُ إلَّا بِذَلِكَ، (وَ) مِنْ (وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَ) مِنْ وُجُوبٍ (إمْسَاكٍ) عَلَى (مَنْ أَفْطَرَ) جَاهِلًا، أَوْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يَرَ مَعَ صَحْوٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُيِّرَ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَ (لَا) تَثْبُتُ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ أَجَلٍ وَوُقُوعِ) نَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (مُعَلَّقٍ) بِدُخُولِ رَمَضَانَ، (وَانْقِضَاءِ عِدَّةٍ) ، وَمُدَّةِ إيلَاءٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِعِبَادَةٍ عَامَّةٍ.
(وَكَذَا) ، أَيْ: كَرَمَضَانَ فِي وُجُوبِ صَوْمِهِ إذَا غُمَّ هِلَالُهُ (حُكْمُ شَهْرٍ) مُعَيَّنٍ (نَذَرَ صَوْمَهُ أَوْ) نَذَرَ (اعْتِكَافَهُ فِي وُجُوبِ شُرُوعٍ) فِي الْمَنْذُورِ فِيهِ (إذَا غُمَّ هِلَالُهُ) ، أَيْ: الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ احْتِيَاطًا، لَا فِي تَرَاوِيحَ، أَوْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ لِوَطْءٍ فِيهِ أَوْ إمْسَاكٍ، إنْ لَمْ يَكُنْ يُبَيِّتُ النِّيَّةَ وَنَحْوَهُ، لِخُصُوصِ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ.
(وَالْهِلَالُ الْمَرْئِيُّ نَهَارًا وَلَوْ) رُئِيَ (قَبْلَ الزَّوَالِ) فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ (لِ) اللَّيْلَةِ (الْمُقْبِلَةِ) نَصًّا، (فَلَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ) إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ.
(وَلَا) يُبَاحُ بِهِ (فِطْرٌ) إنْ كَانَ فِي آخِرِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: " جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا
حَتَّى تُمْسُوا، أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ يَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ، أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ.
وَيَأْتِي أَنَّ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، أَنَّهَا تَطْلُقُ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا.
(وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ) ، أَيْ: هِلَالِ رَمَضَانَ (بِبَلَدٍ، لَزِمَ الصَّوْمُ جَمِيعَ النَّاسِ) فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَيَكُونُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَمَنْ رَآهُ - نَصَّ عَلَيْهِ - لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، كَحُلُولِ دَيْنٍ، وَوُقُوعِ طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ مُعَلَّقَيْنِ بِهِ، وَنَحْوِهِ، فَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ، وَلَوْ قُلْنَا بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، وَأَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الْهِلَالِ، فَإِنَّهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةٌ.
(وَإِنْ ثَبَتَتْ) رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ (نَهَارًا) وَلَمْ يَكُونُوا بَيَّتُوا النِّيَّةَ لِنَحْوِ غَيْمٍ (أَمْسَكُوا) عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، (وَقَضَوْا) ذَلِكَ الْيَوْمَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصُومُوا (كَمَنْ أَسْلَمَ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ، (أَوْ عَقَلَ) مِنْ جُنُونٍ، (أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ، فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ (أَوْ تَعَمَّدَ مُقِيمٌ) الْفِطْرَ، (أَوْ) تَعَمَّدَتْ (طَاهِرٌ الْفِطْرَ، فَسَافَرَ) الْمُقِيمُ بَعْدَ فِطْرِهِ عَمْدًا، (أَوْ حَاضَتْ) الطَّاهِرُ بَعْدَ فِطْرِهَا تَعَمُّدًا، لَزِمَهُمَا إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ السَّفَرِ وَالْحَيْضِ نَصًّا، عُقُوبَةً وَالْقَضَاءُ، (أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ أَوْ بَرِئَ مَرِيضٌ مُفْطِرَيْنِ) فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُمَا الْإِمْسَاكُ لِزَوَالِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ، وَالْقَضَاءُ، (وَلَهُمْ)
الْمَذْكُورِينَ (ثَوَابُ إمْسَاكٍ لَا ثَوَابُ صِيَامٍ) ، لِأَنَّهُمْ مُمْسِكُونَ لَا صَائِمُونَ، (وَكَذَا لَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (فِي أَثْنَائِهِ) ، أَيْ: يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ (بِسِنٍّ) ، أَيْ: تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ) بَلَغَ بِ (احْتِلَامٍ) ، أَيْ: إنْزَالِ مَنِيٍّ حَالَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا) ، لَزِمَهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِتَكْلِيفِهِ وَالْقَضَاءُ.
(وَ) إنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ (صَائِمًا وَقَدْ نَوَى) الصَّوْمَ (مِنْ اللَّيْلِ، أَتَمَّ) صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَأَجْزَأَ) ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (كَنَذْرِ إتْمَامِ نَفْلٍ) بِخِلَافِ صَلَاةٍ وَحَجٍّ بَلَغَ فِيهِمَا غَيْرَ مَا يَأْتِي فِي الْحَجِّ، (وَإِنْ عَلِمَ مُسَافِرٌ) بِرَمَضَانَ (أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا) بَلَدَ قَصْدِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) نَصًّا، كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ يَوْمَ قُدُومِهِ، فَيَنْوِيهِ مِنْ اللَّيْلِ، (لَا صَغِيرٌ عَلِمَ أَنَّهُ يَبْلُغُ غَدًا) بِرَمَضَانَ، فَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِ الْغَدِ (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ.
[فَصْلٌ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَاصَّةً خَبَرُ مُكَلَّفٍ]
(فَصْلٌ) (وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَاصَّةً خَبَرُ مُكَلَّفٍ) لَا مُمَيِّزٍ، (عَدْلٍ) لَا مَسْتُورِ الْحَالِ نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «جَاءَ أَعْرَابِيُّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُخْبِرُ بِهِ (عَبْدًا أَوْ أُنْثَى) كَالرِّوَايَةِ، (أَوْ) كَانَ إخْبَارُهُ (بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ) لِلْخَبَرَيْنِ، (أَوْ) كَانَ مَعَ مَنْ رَآهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَرَوْهُ، أَوْ رَآهُ وَحْدَهُ (بِصَحْوٍ) أَوْ غَيْمٍ، دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ، (وَلَا يَخْتَصُّ)
ثُبُوتُهُ (بِحَاكِمٍ، فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَ رُؤْيَتَهُ مِنْ عَدْلٍ وَلَوْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ) ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ.
(وَتَثْبُتُ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ وُقُوعِ) طَلَاقٍ (مُعَلَّقٍ وَنَحْوِهِ) كَحُلُولِ دَيْنٍ تَبَعًا، (وَلَا يُقْبَلُ فِي بَاقِي الشُّهُورِ إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) كَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ (وَلَوْ صَامُوا) ، أَيْ: النَّاسُ (ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ) ، أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ، (قَضَوْا يَوْمًا) وَاحِدًا (فَقَطْ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِبُعْدِ الْغَلَطِ بِيَوْمَيْنِ.
(وَ) إنْ صَامُوا (بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) عَدْلَيْنِ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (وَلَمْ يَرَوْهُ) ، أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ، (أَفْطَرُوا) مَعَ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمَا أَخْبَرَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَلَا يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمِ يَقِينٍ مَعَهُ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ بِمَكَانٍ آخَرَ، وَ (لَا) يُفْطِرُوا إنْ صَامُوا (بِ) شَهَادَةِ (وَاحِدٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ، لِحَدِيثِ: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَسْتَنِدُ إلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ، بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَرَائِنِ، (وَلَا) إنْ صَامُوا (لِغَيْمٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ، فَلَا يُفْطِرُونَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ، وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ أَوْلَى.
(فَلَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِشَعْبَانَ، وَ) غُمَّ أَيْضًا لِ (رَمَضَانَ، وَجَبَ تَقْدِيرُ رَجَبٍ، وَ) تَقْدِيرُ (شَعْبَانَ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا، لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (فَلَا يُفْطِرُوا قَبْلَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ) يَوْمًا (بِلَا رُؤْيَةٍ) ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) ، أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (لَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَ) صُمْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ (أَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) ، أَيْ: فَرَضْنَاهُمَا
كَامِلَيْنِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ (وَ) بَانَ أَنَّهُمَا (كَانَا نَاقِصَيْنِ) قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (وَ) عَلَى هَذَا فَ (قِسْ لَوْ غُمَّ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَرَمَضَانُ) ، أَيْ: فَلَا يُفْطِرُونَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بِلَا رُؤْيَةٍ.
(وَلَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ") نَقْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: قَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ، وَقَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا: لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: غَالِبًا، وَقِيلَ لَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْعَمَلِ فِيهِمَا بِنَقْصِ عَدَدِهِمَا، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ تَأْوِيلَهُ عَلَى السَّنَةِ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِيهَا.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (مَنْ قَالَ: إنْ رُئِيَ الْهِلَالُ صَبِيحَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَالشَّهْرُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يُرَ، فَنَاقِصٌ) هَذَا إنْ ثَبَتَ (فَ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اسْتِتَارَ الْهِلَالِ لَا يَكُونُ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَ (لَيْسَ بِصَحِيحٍ) ، لِوُجُودِ خِلَافِهِ، بَلْ قَدْ يَسْتَتِرُ لَيْلَةً تَارَةً، وَثَلَاثَ لَيَالٍ أُخْرَى.
(وَمَنْ رَآهُ) ، أَيْ: الْهِلَالَ (وَحْدَهُ لِ) شَهْرِ (رَمَضَانَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، (لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ) كَظِهَارٍ (وَعِتْقٍ مُعَلَّقٍ بِهِ) ، لِأَنَّهُ يَوْمٌ عَلِمَهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ شَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ظَاهِرًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ، وَيَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكَفَّارَةُ إنْ جَامَعَ فِيهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُقُوبَةً مَحْضَةً بَلْ عِبَادَةً أَوْ فِيهَا شَائِبَتُهَا.
(وَ) إنْ رَآهُ وَحْدَهُ (لِ) شَهْرِ (شَوَّالٍ لَمْ يُفْطِرْ وُجُوبًا) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ، لِحَدِيثِ «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
(وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الْفِطْرُ سِرًّا، وَحَسَّنَهُ فِي) " الْإِنْصَافِ " (" وَالْإِقْنَاعِ ") لِأَنَّهُ تَيَقَّنَهُ يَوْمَ عِيدٍ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَهُوَ) ، أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: (الصَّوَابُ لِمَنْ تَيَقَّنَهُ تَيَقُّنًا لَا لَبْسَ مَعَهُ) وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": وَعَنْهُ: يُفْطِرُ، وَقِيلَ: سِرًّا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ يَجُوزُ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّهَمَ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَمُوَافَقَةً لِمَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
(وَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ: هِلَالِ شَوَّالٍ (بِنَحْوِ مَفَازَةٍ) كَمُعْتَقَلٍ فِي مَكَان لَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ (يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ) فَيُفْطِرُ (لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ) ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْهِدَايَةِ ". (وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ: شَهِدَ اثْنَانِ (بِهِ) ، أَيْ: بِهِلَالِ شَوَّالٍ (عِنْدَ حَاكِمٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا) ، أَيْ: رَدَّهَا الْحَاكِمُ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا لِمَنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَتَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ، وَجَعْلِ مَرْتَبَةِ الْحَاكِمِ لِكُلِّ إنْسَانٍ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَقَالَ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَ حَاكِمٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا، (فَلِعَالَمٍ بِعَدَالَتِهِمَا) الْفِطْرُ.
(وَيَتَّجِهُ: بَلْ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْعَالِمِ بِعَدَالَتِهِمَا، وَهَذَا
الِاتِّجَاهُ لَا بَأْسَ بِهِ، - (الْفِطْرُ لِأَنَّ رَدَّهُ) ، أَيْ: الْحَاكِمِ لِشَهَادَتِهِمَا هَهُنَا (تَوَقُّفٌ) مِنْهُ عَنْ الْحُكْمِ بِهَا، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِمَا (لَا حُكْمٌ) ، أَيْ: لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْمُنْتَظِرَ لِبَيِّنَةٍ بِخَبَرِ عَدَالَتِهِمَا، وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ زَكَّاهُمَا كَانَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِهَا، لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَأَمَّا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا، فَلَيْسَ لَهُمَا، وَلَا لِغَيْرِهِمَا الْفِطْرُ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَإِنْ رَآهُ عَدْلَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ بِشَهَادَتِهِمَا الْفِطْرُ إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا، (وَيُفْطِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ (بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَ) رُؤْيَةِ (رَفِيقِهِ) إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ، لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ فَيَزُولُ اللَّبْسُ، وَكَذَا لَوْ جَهِلَ غَيْرُهُمَا عَدَالَتَهُمَا، أَوْ عَدَالَةَ أَحَدِهِمَا.
فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ.
(وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ بِرَمَضَانَ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ) ، قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَتْ أَعْذَارٌ خَفِيَّةٌ مَنَعَتْ مِنْ إظْهَارِهِ كَ) مَرِيضٍ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَ (مُسَافِرٍ لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ) بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ، (وَإِنَّمَا مُنِعَ) إظْهَارُهُ (لِئَلَّا يُتَّهَمَ) . انْتَهَى.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: أَكْرَهُ الْمَدْخَلَ السُّوءَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيبَةِ.
(وَإِنْ اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى مَنْ أُسِرَ أَوْ طُمِرَ أَوْ بِمَفَازَةٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بِدَارِ حَرْبٍ، (تَحَرَّى) ، أَيْ: اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ (وُجُوبًا) ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ،
(وَصَامَ) الَّذِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ رَمَضَانُ، (وَيُجْزِئُهُ) الصَّوْمُ (إنْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ صَوْمُهُ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ، (أَوْ) وَقَعَ (بَعْدَهُ) ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادٍ، وَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، (كَمَا لَوْ وَافَقَهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ (أَوْ) وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ رَمَضَانَ كَذِي الْحِجَّةِ أَوْ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ كَالصَّلَاةِ، (لَا إنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ رَمَضَانَ (الْقَابِلَ، فَلَا يُجْزِئُ) هـ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الرَّمَضَانَيْنِ (اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَ) إنْ صَامَ شَوَّالًا أَوْ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ (يَقْضِي مَا وَافَقَ عِيدًا أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ رَمَضَانَ، (وَلَوْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ) الْحَالَ، (قَضَى مَا فَاتَ) وَهُوَ رَمَضَانُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَضَاءً، (مُرَتِّبًا شَهْرًا عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) بِالْبَيِّنَةِ (كَصَلَاةٍ فَائِتَةٍ) نَصًّا، نَقَلَهُ مُهَنَّا.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ) ، فَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ) فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ، (أَوْ شَكَّ) أَنْ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ (فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ) كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ عَلَيَّ مِنْ يَجِب الصَّوْم]
(فَصْلٌ) (وَيَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: