مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 355-394
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 355-394
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(إلَّا بِإِذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِذْنُهُ كَإِذْنِهِمْ، وَلِحَدِيثِ أَحْمَدَ «أَنَّ عُمَرَ اجْتَازَ عَلَى دَارِ الْعَبَّاسِ، وَقَدْ نَصَبَ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ، فَقَلَعَهُ، فَقَالَ: تَقْلَعُهُ - وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ - فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا تَنْصِبُهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِي، فَانْحَنَى حَتَّى صَعِدَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَنَصَبَهُ» ، وَلِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، (وَلَا ضَرَرَ بِأَنْ؛ يُمْكِنَ عُبُورُ مَحْمِلٍ) كَمَجْلِسٍ وَمِقْوَدٍ (وَنَحْوِهِ تَحْتَهُ) ؛ أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ الرَّوْشَنِ وَالسَّابَاطِ وَالْمِيزَابِ، (وَإِلَّا) يُمْكِنُ عُبُورُ نَحْوِ الْمَحْمَلِ؛ (لَمْ يَجُزْ) وَضْعُهُ، وَلَا الْإِذْنُ فِيهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) : وَالسَّابَاطُ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ مِثْلُ أَنْ يَحْتَاجَ الرَّاكِبُ أَنْ يَحْنِيَ رَأْسَهُ إذَا مَرَّ هُنَاكَ، وَإِنْ غَفَلَ الرَّاكِبُ عَنْ نَفْسِهِ رَمَى السَّابَاطُ عِمَامَتَهُ، أَوْ شَجَّ رَأْسَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ هُنَاكَ جَمَلٌ عَالٍ إلَّا كَسَرَ السَّابَاطُ قَتَبَهُ، وَالْجَمَلُ الْمُحَمَّلُ لَا يَمُرُّ هُنَاكَ، فَمِثْلُ هَذَا السَّابَاطِ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَارَّةِ (بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) ، بَلْ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إزَالَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إلْزَامُهُ بِإِزَالَتِهِ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ.
انْتَهَى.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ أَيْضًا: (إخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إلَى الدَّرْبِ النَّافِذِ هُوَ السُّنَّةُ) ، لِخَبَرِ الْعَبَّاسِ، وَتَقَدَّمَ.
(فَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مُنْخَفِضًا) وَقْتَ وَضْعِ السَّابَاطِ، (ثُمَّ ارْتَفَعَ) الطَّرِيقُ (لِطُولِ الزَّمَنِ؛ وَجَبَ) عَلَى رَبِّهِ (إزَالَتُهُ) دَفْعًا لِضَرَرِهِ، (وَيَحْرُمُ فِعْلُ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: إخْرَاجِ دَكَّةٍ وَدُكَّانٍ وَجَنَاحٍ وَسَابَاطٍ وَمِيزَابٍ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ هَوَائِهِ) ؛ أَيْ: الْغَيْرِ، (أَوْ) فِي (دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، أَوْ فَتْحِ بَابٍ فِي ظَهْرِ دَارٍ فِيهِ) ؛ أَيْ: الدَّرْبِ غَيْرِ النَّافِذِ (لِاسْتِطْرَاقٍ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ) إنْ كَانَ

الْمَالِكُ غَيْرَهُ، (أَوْ) إلَّا بِإِذْنِ (أَهْلِهِ) ؛ أَيْ: الدَّرْبِ غَيْرِ النَّافِذِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ؛ فَلَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِلَا إذْنِهِمْ، (وَيَجُوزُ صُلْحٌ عَنْ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: عَنْ إخْرَاجِ دُكَّانٍ وَدَكَّةٍ بِمِلْكِ غَيْرِهِ وَجَنَاحٍ وَسَابَاطٍ وَمِيزَابٍ بِهَوَاءِ غَيْرِهِ، أَوْ عَنْ الِاسْتِطْرَاقِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ (بِعِوَضٍ) ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ؛ كَالْقَرَارِ؛ كَمَا سَبَقَ، وَمَحَلُّهُ فِي الْجَنَاحِ وَنَحْوُهُ إذَا عَلِمَ مِقْدَارَ خُرُوجِهِ وَعُلْوِهِ (وَيَجُوزُ فَتْحُهُ) ، أَيْ: الْبَابِ فِي ظَهْرِ دَارٍ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ (لِغَيْرِ اسْتِطْرَاقٍ كَالضَّوْءِ وَهَوَاءٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ فِي الِاسْتِطْرَاقِ؛ وَلَمْ يُزَاحِمْهُمْ فِيهِ، وَلِأَنَّ غَايَتَهُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِرَفْعِ بَعْضِ حَائِطِهِ.
(وَ) يَجُوزُ (نَقْلُ بَابٍ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ) مِنْ آخِرِهِ (إلَى أَوَّلِهِ) لِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهِ فِي الِاسْتِطْرَاقِ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ (بِلَا ضَرَرٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ؛ مُنِعَ مِنْهُ؛ كَأَنْ فَتَحَهُ (فِي مُقَابَلَةِ بَابِ غَيْرِهِ) ، وَكَنَحْوِهِ؛ كَمَا لَوْ (فَتَحَهُ عَالِيًا) يَصْعَدُ إلَيْهِ بِسُلَّمٍ (لِيُشْرِفَ مِنْهُ عَلَى دَارِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ) ؛ أَيْ: الْبَابِ بِدَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى دَاخِلٍ مِنْهُ نَصًّا (إنْ لَمْ يَأْذَنْ مَنْ فَوْقَهُ) ؛ أَيْ: الدَّاخِلِ عَنْهُ؛ لِتَقَدُّمِهِ إلَى مَوْضِعٍ لَا اسْتِطْرَاقَ لَهُ فِيهِ، (فَإِنْ أَذِنَ) لَهُ مَنْ فَوْقَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَيَكُونُ (إعَارَةً لَازِمَةً) ، فَلَا رُجُوعَ لِلْآذِنِ بَعْدَ فَتْحِ الدَّاخِلِ وَسَدِّ الْأَوَّلِ؛ كَإِذْنِهِ فِي نَحْوِ بِنَاءٍ عَلَى جِدَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ، فَإِنْ سَدّ الْمَالِكُ بَابَهُ الدَّاخِلَ، ثُمَّ أَرَادَ فَتْحَهُ؛ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا بِإِذْنٍ ثَانٍ.
(وَحَقُّ ذِي بَابَيْنِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ إلَى دَاخِلٍ وَمَا بَعْدَهُ؛ فَلِلْآخَرِ) ؛ أَيْ: لَوْ كَانَ فِي الدَّرْبِ غَيْرِ النَّافِذِ بَابَانِ فَقَطْ لِرَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ إلَى بَابِ الزُّقَاقِ، وَالْبَابُ الْآخَرُ مِنْ دَاخِلِهِ، فَتَنَازَعَ الرَّجُلَانِ فِي الدَّرْبِ؛ حُكِمَ بِالدَّرْبِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي أَوَّلَ الدَّرْبِ بَيْنَهُمَا، وَلَهُمَا الِاسْتِطْرَاقُ فِيهِ جَمِيعًا: وَحُكِمَ بِمَا بَعْدَ الْبَابِ الْأَوَّلِ إلَى صَدْرِ الدَّرْبِ لِلْآخَرِ (يَخْتَصُّ بِهِ مِلْكًا لَهُ) ؛ أَيْ: إنَّ الِاسْتِطْرَاقَ فِي ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ، فَلَهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ فِيمَا جَاوَزَ بَابَهُ، (وَلَهُ) ؛ أَيْ:

لِلْآخَرِ (جَعْلُهُ) ؛ أَيْ: جَعْلُ مَا بَعْدَ الْبَابِ الْأَوَّلِ (دِهْلِيزًا لِنَفْسِهِ، وَلَهُ إدْخَالُهُ فِي دَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِجَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ كَيْفَ شَاءَ بِلَا ضَرَرٍ.
(وَمَنْ لَهُ بَابُ سِرٍّ) يَخْرُجُ مِنْهُ النِّسَاءُ أَوْ الرِّجَالُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَطْرِقَ مِنْهُ اسْتِطْرَاقًا عَامًّا، فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الِاسْتِطْرَاقَ كَذَلِكَ، فَلَا يَتَجَاوَزُهُ.
(وَمَنْ خَرَقَ بَيْنَ دَارَيْنِ لَهُ) ؛ أَيْ: الْخَارِقِ (مُتَلَاصِقَتَيْنِ) مِنْ ظَهْرِهِمَا (بَابُهُمَا فِي دَرْبَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ) ؛ أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَاسْتَطْرَقَ بِالْخَرْقِ (إلَى كُلٍّ) مِنْ الدَّارَيْنِ (مِنْ) الْبَابِ (الْآخَرِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَطْرَقَ مِنْ كُلِّ دَرْبٍ إلَى دَارِهِ الَّتِي فِيهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ مِنْهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ؛ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ لَهَا بَابَانِ يَدْخُلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ.

[فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يُحْدِثَ بِمِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ]

(فَصْلٌ:) (وَحَرُمَ) عَلَى مَالِكٍ (أَنْ يُحْدِثَ بِمِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ) ؛ لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (كَحَمَّامٍ) يَتَأَذَّى جَارُهُ بِدُخَانِهِ، أَوْ يُنَضِّرُ حَائِطَهُ بِمَائِهِ، وَمِثْلُهُ مَطْبَخُ سُكَّرٍ (وَكَنِيفٌ مُلَاصِقٌ لِحَائِطِ جَارِهِ) يَتَأَذَّى بِرِيحِهِ، أَوْ يَصِلُ إلَى بِئْرِهِ، (وَرَحًى) يَهْتَزُّ بِهَا حِيطَانُهُ، (وَتَنُّورٌ) يَتَعَدَّى دُخَانُهُ إلَيْهِ، (وَعَمَلُ دُكَّانِ قِصَارَةٍ أَوْ حِدَادَةٍ يَتَأَذَّى بِكَثْرَةِ دَقًّ وَبِهَزِّ الْحِيطَانِ) ؛ لِلْخَبَرِ.
(وَ) يَحْرُمُ (غَرْسُ شَجَرٍ نَحْوِ تِينٍ) كَجُمَّيْزٍ (تَسْرِي عُرُوقُهُ) ؛ أَيْ: أُصُولُهُ (فَتَشُقُّ مَصْنَعَ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: جَارِهِ (وَحَفْرُ بِئْرٍ يَقْطَعُ مَاءَ بِئْرِ جَارِهِ وَسَقْيٌ وَإِشْعَالُ نَارٍ يَتَعَدَّيَانِ) إلَى جَارِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِيهِ.

(وَيَضْمَنُ) مَنْ أَحْدَثَ بِمِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ (مَا تَلِفَ بِذَلِكَ) بِسَبَبِ الْإِحْدَاثِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ، (وَلِجَارِهِ مَنْعُهُ إنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ كَابْتِدَاءِ إحْيَائِهِ) ؛ أَيْ: كَمَا لَهُ مَنْعُهُ مِنْ إحْيَاءِ مَا بِجِوَارِهِ؛ لِتَعَلُّقِ مَصَالِحِهِ بِهِ كَمَا لَهُ مَنْعُهُ مِنْ دَقٍّ وَسَقْيٍ

يَتَعَدَّى إلَيْهِ، (بِخِلَافِ طَبْخِهِ وَخَبْزِهِ فِي مِلْكِهِ، فَلَا يُمْنَعُ) مِنْهُ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَ (لِيُسْرِ ضَرَرِهِ) ، لَا سِيَّمَا بِالْقُرَى.

وَإِنْ ادَّعَى فَسَادَ بِئْرِهِ بِكَنِيفِ جَارِهِ أَوْ بَالُوعَتِهِ، اُخْتُبِرَ بِالنِّفْطِ يُلْقَى فِيهَا، فَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِالْمَاءِ؛ نُقِلَتْ إنْ لَمْ يُمْكِنْ إصْلَاحُهَا بِنَحْوِ بِنَاءٍ يَمْنَعُ وُصُولَهُ إلَى الْبِئْرِ (وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ) الْمُضِرُّ بِالْجَارِ (سَابِقٌ بِضَرَرٍ لَاحِقٍ؛ كَمَنْ لَهُ فِي مُلْكِهِ نَحْوُ مَدْبَغَةٍ) كَرَحًى وَتَنُّورٍ (فَأَحْيَا) إنْسَانٌ (آخَرُ بِجَانِبِهَا مَوَاتًا) أَوْ بَنَى دَارًا، أَوْ اشْتَرَى دَارًا بِجَانِبِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُ الْمِلْكِ الْمُحْدَثِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ نَحْوِ الْمَدْبَغَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَ الْمَدْبَغَةِ وَنَحْوِهَا إزَالَةُ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ بِمُلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ.

(وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) : (مَنْ كَانَتْ لَهُ سَاحَةٌ يُلْقِي فِيهَا التُّرَابَ وَالْحَيَوَانَ) الْمَيِّتَ، (وَيَتَضَرَّرُ الْجِيرَانُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا دَفْعُ تَضَرُّرِ الْجِيرَانِ، إمَّا بِإِعْمَارٍ بِهَا، أَوْ إعْطَائِهَا لِمَنْ يَعْمُرُهَا، أَوْ مَنْعِ مَنْ يُلْقِي فِيهَا) مَا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ.

(وَلَا يُمْنَعُ جَارٌ غَيْرُ مُضَارٍّ) لِجَارِهِ (مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَاءِ دَارِهِ) ، وَلَوْ أَفْضَى إعْلَاؤُهُ (لِسَدِّ فَضَاءِ جَارِهِ، أَوْ) أَفْضَى [إلَى] (نَقْصِ أُجْرَتِهِ) انْتَهَى.

(وَيَلْزَمُ الْأَعْلَى) مِنْ الْجَارَيْنِ (بِنَاءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشَارَفَةَ الْأَسْفَلِ) ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَافَ عَلَى الْجَارِ إضْرَارٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُهُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى حُرَمِهِ؛ فَمُنِعَ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ السُّتْرَةُ قَدِيمَةً، فَانْهَدَمَتْ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ إعَادَتُهَا، (فَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي الْعُلُوِّ؛ (اشْتَرَكَا فِي بِنَائِهَا) ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِالسُّتْرَةِ؛ فَلَزِمَتْهُمَا (وَيُجْبَرُ مُمْتَنِعٌ) مِنْهُمَا عَلَى الْبِنَاءِ مَعَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ؛ لِتَضَرُّرِ جَارِهِ بِمُجَاوَرَتِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ سَطْحُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى مِنْ الْآخَرِ؛ فَلَيْسَ لَهُ الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهِ عَلَى وَجْهٍ يُشْرِفُ عَلَى بَيْتِ جَارِهِ، إلَّا مَعَ السُّتْرَةِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا يَلْزَمُ الْأَعْلَى سَدُّ طَاقَةٍ) إذَا لَمْ يَنْظُرْ مِنْهَا مَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ مِنْ جِهَةِ جَارِهِ؛ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْجَارِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْهَا لَزِمَهُ سَتْرُهَا.

(وَلَا يُمْنَعُ مِنْ صُعُودِ سَطْحِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْظُرْ حَرَامًا عَلَى جَارِهِ) ، فَإِنْ نَظَرَ ذَلِكَ حَرُمَ، وَمُنِعَ.

(وَإِنْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ) ، فَانْقَطَعَ مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ، (وَتَوَهَّمَ انْقِطَاعَ مَاءِ بِئْرِ جَارِهِ) بِسَبَبِ حَفْرِ بِئْرِهِ الْحَادِثَةِ؛ (طُمَّتْ) الْحَادِثَةُ (لِيَعُودَ مَاءُ بِئْرِهِ) ؛ أَيْ: الْجَارُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الِانْقِطَاعَ بِسَبَبِهَا، (فَإِنْ) سَدَّ الثَّانِي بِئْرَهُ، (وَلَمْ يَعُدْ) مَاءُ الْأُولَى؛ (كُلِّفَ الْجَارُ) ؛ أَيْ: صَاحِبُ الْبِئْرِ الْقَدِيمَةِ (حَفْرُ الْبِئْرِ الْمَطْمُومَةِ) الَّتِي سُدَّتْ مِنْ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي سَدِّهَا بِغَيْرِ حَقٍّ.

(وَمَنْ لَهُ حَقُّ مَاءٍ يَجْرِي عَلَى سَطْحِ جَارِهِ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدٌ سَطْحَهُ) لِآخَرَ؛ (لَمْ يَجُزْ لِجَارِهِ تَعْلِيَةُ سَطْحِهِ لِيَمْنَعَ الْمَاءَ) أَنْ يَجْرِيَ عَلَى سَطْحِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ جَارِهِ، (أَوْ) أَنْ يُعْلِيَهُ (لِكَيْ يُكْثِرَ ضَرَرَهُ) ؛ أَيْ: صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِجْرَائِهِ مَا عَلَاهُ لِلْمُضَارَّةِ بِهِ.

(وَيَحْرُمُ تَصَرُّفٌ فِي جِدَارِ جَارٍ أَوْ فِي) جِدَارٍ (مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ الْمُتَصَرِّفِ وَغَيْرِهِ (بِفَتْحِ رَوْزَنَةٍ) ، وَهِيَ الْكَوَّةُ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا -؛ أَيْ: الْخَرْقُ فِي الْحَائِطِ (أَوْ) بِفَتْحِ (طَاقٍ، أَوْ بِضَرْبِ وَتَدٍ) - وَلَوْ لِسُتْرَةٍ -، (أَوْ) (لِوَضْعِ دُفٍّ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْجِدَارِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَيَحْرُمُ أَنْ (يُحْدِثَ عَلَيْهِ سُتْرَةً أَوْ خُصًّا يَحْجِزُ بِهِ) ؛ أَيْ: الْخُصِّ (بَيْنَ السَّطْحَيْنِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ) أَوْ شَرِيكِهِ كَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ، (وَكَذَا) يَحْرُمُ (وَضْعُ خَشَبٍ) عَلَى جِدَارِ دَارٍ مُشْتَرَكٍ، (إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ تَسْقِيفٌ إلَّا بِهِ) ؛ فَيَجُوزُ (بِلَا ضَرَرِ حَائِطٍ) نَصًّا، (وَيُجْبَرُ) رَبُّ الْجِدَارِ أَوْ الشَّرِيكُ فِيهِ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْهُ (إنْ أَبَى بِلَا عِوَضٍ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ لَأَضَعَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ، وَلِأَحْمِلَنكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَأَضَعَنَّ جُذُوعَ الْجِيرَانِ عَلَى أَكْتَافِكُمْ مُبَالَغَةً، وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ

بِحَائِطِ جَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ؛ أَشْبَهَ الِاسْتِنَادَ إلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِغِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ، وَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ.

قَالَ فِي الْمُبْدِعِ؛ (وَإِنْ صَالَحَهُ) عِنْدَ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِهِ (بِشَيْءٍ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " (جَازَ) فِي الْأَصَحِّ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَمْ يَلْزَمْ) الصُّلْحُ (قَبْلَ قَبْضِ) عِوَضٍ صَالَحَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ (وَ) قَبْلَ (وَضْعِ) الْخَشَبِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ لَازِمًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَجِدَارُ مَسْجِدٍ كَجِدَارِ دَارٍ وَأَوْلَى) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ فِي مِلْكِ الْجَارِ - مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ - فَفِي حُقُوقِ اللَّهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَتْحِ الْبَابِ وَالطَّاقِ، وَبَيْنَ وَضْعِ الْخَشَبِ أَنَّ الْخَشَبَ يُمْسِكُ الْحَائِطَ وَالطَّاقَ وَالْبَابُ يُضْعِفُهُ، وَوَضْعُ الْخَشَبِ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِرَبِّ الْحَائِطِ هَدْمُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.

(وَ) جِدَارٌ (مُؤَجَّرٌ كَمُشْتَرَى) فِيمَا تَقَدَّمَ (وَفِي) وَضْعِ خَشَبٍ عَلَى جِدَارٍ (مَوْقُوفٍ) وَقْفًا أَهْلِيًّا أَوْ عَلَى جِهَةِ بِرِّ (الْخِلَافِ) بَيْنَ الْأَصْحَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، (أَوْ) يُقَالُ: إنَّهُ (يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ الْمُنَجَّى فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنَوِّرِ " (وَفِي الْفُرُوعِ وَهُوَ) ؛ أَيْ: جَوَازُ وَضْعِ خَشَبٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ (أَوْلَى وَالْمُرَادُ وَلَا ضَرَرَ) فِي وَضْعِهِ عَلَى الْجِدَارِ الْمَوْقُوفِ.

(وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ) بِنَاءً مُسْتَقِلًّا - وَلَوْ جَعَلَهُ وَقْفًا عَلَى جِهَة بِرٍّ - (عَلَى) جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ (وَقْفٍ) ، أَهْلِيًّا كَانَ الْوَقْفُ أَوْ غَيْرُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ الْمَنْعِ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الْوَقْفِ إذَا (لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنَافِعُهُ) . وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(مَا) ؛ أَيْ: بِنَاءٌ (يَضُرُّ بِهِ) ؛ أَيْ: الْوَقْفِ، أَمَّا إذَا ضَرَّ بِهِ؛ فَيَحْرُمُ (اتِّفَاقًا) بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، (وَكَذَا إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ) . وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ.
وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ مُسْتَوْفًى.

(وَمَنْ مَلَكَ وَضْعَ خَشَبٍ عَلَى حَائِطٍ، فَزَالَ الْخَشَبُ) عَنْ الْحَائِطِ، (أَوْ) زَالَ (الْحَائِطُ، ثُمَّ أُعِيدَ؛ فَلِرَبِّ الْخَشَبِ إعَادَتُهُ) ؛ أَيْ: الْخَشَبِ (بِشَرْطِهِ) بِأَنْ لَا يُمْكِنَ تَسْقِيفٌ إلَّا بِهِ بِلَا ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُجَوِّزَ لِوَضْعِهِ مُسْتَمِرٌّ، فَاسْتَمَرَّ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ، (وَإِنْ خِيفَ سُقُوطُ الْحَائِطِ بِاسْتِمْرَارِهِ) ؛ أَيْ: الْخَشَبِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْحَائِطِ بَعْدَ وَضْعِهِ؛ (لَزِمَهُ إزَالَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ، وَ (لَا) تَلْزَمُهُ الْإِزَالَةُ (إنْ اسْتَغْنَى رَبُّ الْخَشَبِ عَنْ إبْقَائِهِ) عَنْ الْحَائِطِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي.

" (وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْجِدَارِ) الَّذِي اسْتَحَقَّ الْجَارُ وَضْعَ خَشَبِهِ عَلَيْهِ (هَدَمَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) ؛ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، (أَوْ) أَرَادَ (إعَارَتَهُ أَوْ إجَارَتَهُ [عَلَى وَجْهٍ] يَمْنَعُ جَارَهُ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ؛ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ بِذَلِكَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَهُ؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي مَنْعَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ رَبُّ الْحَائِطِ إلَى هَدْمِهِ لِلْخَوْفِ مِنْ انْهِدَامِهِ، أَوْ لِتَحْوِيلِهِ إلَى مَكَانٍ آخَرَ، أَوْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ مَلَكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ؛ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ غَيْرُ مُضَارٍّ لِجَارِهِ.

(وَمَنْ وَجَدَ بِنَاءَهُ، أَوْ وَجَدَ خَشَبَهُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ، أَوْ) وَجَدَ (مَسِيلَ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ،) أَوْ جَنَاحَهُ أَوْ سَابَاطَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، (أَوْ) وَجَدَ (مَجْرَى مَاءِ سَطْحِهِ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَهُ؛ فَهُوَ) ؛ أَيْ: مَا وَجَدَهُ حَقٌّ (لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَضْعُهُ بِحَقٍّ) مِنْ صُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ خُصُوصًا مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمِنَةِ، (فَإِنْ اخْتَلَفَا) [فِي أَنَّهُ وُضِعَ] بِحَقٍّ أَوْ لَا؛ (فَقَوْلُهُ) ؛ أَيْ: صَاحِبِ الْبِنَاءِ وَالْخَشَبِ وَالْمَسِيلِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ (بِيَمِينِهِ) ؛ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ.

(وَلَوْ أَذِنَ جَارٌ لِجَارِهِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى حَائِطِهِ، أَوْ فِي وَضْعِ سُتْرَةٍ، أَوْ) فِي وَضْعِ (خَشَبٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: حَائِطِهِ (حَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ وَضْعَهُ) عَلَيْهِ؛ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، (وَصَارَ) ذَلِكَ (عَارِيَّةً لَازِمَةً) . وَيَأْتِي.

[فَصْلٌ يَجُوزُ لِغَيْرِ مَالِكِ الْجِدَارِ الِاسْتِنَاد إلَيْهِ]

(فَصْلٌ) (وَ) يَجُوزُ (لِغَيْرِ مَالِكِ جِدَارٍ اسْتِنَادٌ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: جِدَارِ غَيْرِهِ، (وَ) لَهُ (إسْنَادُ قُمَاشِهِ) وَغَيْرُهُ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ، (وَلَهُ جُلُوسٌ بِظِلِّهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ - وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ يَشُقُّ - (كَنَظَرِهِ فِي ضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ) نُصَّ عَلَيْهِ.

(وَيَتَّجِهُ وَ) يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ (كَتْبُهُ) شَيْئًا (يَسِيرًا) كَكَلِمَةٍ وَسَطْرٍ (بِقَلَمِهِ) ؛ أَيْ: قَلَمِ نَفْسِهِ (مِنْ مِحْبَرَةِ غَيْرِهِ) بِلَا إذْنِهِ؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ عَادَةً وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) : (الْعَيْنُ) كَحَبَّةِ بُرٍّ، (وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً؛ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ، وَلَا) عَقْدُ (إجَارَةٍ اتِّفَاقًا كَمَسْأَلَتِنَا) ؛ أَيْ: كَالِاسْتِنَادِ إلَى الْجِدَارِ وَنَحْوِهِ.

(وَإِنْ طَالَبَ شَرِيكٌ فِي حَائِطٍ) انْهَدَمَ، (أَوْ) فِي (سَقْفٍ) فِيمَا بَيْنَهُمَا مُشَاعًا، أَوْ بَيْنَ سُفْلِ أَحَدِهِمَا [وَعُلُوِّ الْآخَرِ] (وَلَوْ وَقْفًا انْهَدَمَ شَرِيكُهُ الْمُوسِرُ) فِيهِ (بِبِنَاءٍ مَعَهُ) ؛ أَيْ: الطَّالِبِ؛ (أُجْبِرَ) الْمَطْلُوبُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَهُ نَصًّا؛ كَمَا

يُجْبَرُ عَلَى (نَقْضِ) ذَلِكَ (عِنْدَ خَوْفِ) [سُقُوطِ] الْحَائِطِ أَوْ السَّقْفِ؛ دَفْعًا لِضَرَرِهِ؛ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَكَوْنُ الْمِلِكِ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ تُوجِبُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ حُرْمَةَ الشَّرِيكِ الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الْبِنَاءِ تُوجِبُ ذَلِكَ، (وَيَلْزَمُهُمَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ (نَقْضُهُ) ؛ أَيْ: جِدَارَهُمَا أَوْ سَقْفَهُمَا (إنْ خِيفَ ضَرَرُهُ) ، وَإِلَّا فَلَا، (فَإِنْ أَبَى) شَرِيكٌ الْبِنَاءَ مَعَ شَرِيكِهِ، وَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ حَاكِمٌ، وَأَصَرَّ؛ (أَخَذَ حَاكِمٌ) - تَرَافَعَا إلَيْهِ - (مِنْ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُمْتَنِعِ النَّقْدِ، وَأُنْفِقَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، (أَوْ بَاعَ) الْحَاكِمُ (عَرَضَهُ) ؛ أَيْ: الْمُمْتَنِعِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْدٌ، (وَأُنْفِقَ) مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ شَرِيكِهِ بِالْمُحَاصَّةِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ لِنَحْوِ تَغْيِيبِ مَالِهِ (اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) الْحَاكِمُ لِيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ؛ كَنَفَقَةِ نَحْوِ زَوْجَتِهِ.
(وَإِنْ بَنَاهُ) شَرِيكٌ (بِإِذْنِ شَرِيكٍ - وَلَوْ مُعْسِرًا - أَوْ) بَنَاهُ بِإِذْنِ (حَاكِمٍ أَوْ) بِدُونِ إذْنِهِمَا (لِيَرْجِعَ) عَلَى شَرِيكِهِ حَالَ كَوْنِ مَا يَبْنِيهِ (شَرِكَةً؛ رَجَعَ) ؛ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُنْفِقِ عَنْهُ، (وَ) إنْ بَنَاهُ (لِنَفْسِهِ بِآلَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُنْهَدِمَ؛ فَالْمَبْنِيُّ (شَرِكَةٌ) بَيْنَهُمَا؛ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْبَانِيَ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى التَّأْلِيفِ، وَهُوَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ يَمْلِكُهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَرِيكَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَخْذِ نِصْفِ نَفَقَةِ تَأْلِيفِهِ؛ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ.
وَإِنْ بَنَى لِنَفْسِهِ (بِغَيْرِ آلَتِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ آلَةِ الْمُنْهَدِمِ؛ فَالْبِنَاءُ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْبَانِي خَاصَّةً، (وَلَهُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، لَا إنْ دَفَعَ لَهُ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ) ، فَلَا يَمْلِكُ نَقْضَهُ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ، فَأُجْبِرَ عَلَى الْإِبْقَاءِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْبَانِي نَقْضُهُ، وَلَا إجْبَارُ الْبَانِي عَلَى نَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْ بِنَائِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ إجْبَارَهُ عَلَى نَقْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الِانْتِفَاعَ بِهِ، وَطَالَبَهُ الْبَانِي بِالْغَرَامَةِ أَوْ الْقِيمَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا إنْ أَذِنَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَسْمُ انْتِفَاعٍ وَوَضْعُ خَشَبٍ، وَقَالَ: إمَّا أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِهِ لِأَنْتَفِعَ بِهِ، أَوْ تُقْلِعَهُ [لِنُعِيدَ الْبِنَاءَ] بَيْنَنَا؛ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ رُسُومِهِ وَانْتِفَاعِهِ.

(وَكَذَا إنْ احْتَاجَ لِعِمَارَةِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ نَاعُورَةٍ أَوْ قَنَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ فَيُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعِمَارَةِ إنْ امْتَنَعَ، وَفِي النَّفَقَةِ مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ الْعِمَارَةِ إذَا أَرَادَهَا كَالْحَائِطِ، فَإِنْ عَمَرَهُ أَحَدُهُمْ؛ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْمُعَمِّرُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ مِلْكِهِمَا، وَإِنَّمَا أَثَّرَ أَحَدُهُمْ فِي نَقْلِ الطِّينِ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ.
وَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَائِطِ

[تَتِمَّةٌ إذَا كَانَ بَعْضُ شُرَكَاءَ فِي نَهْرٍ أَقْرَبَ إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ]

تَتِمَّةٌ إذَا كَانَ بَعْضُ شُرَكَاءَ فِي نَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ أَقْرَبَ إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي كَرْيِهِ وَإِصْلَاحِهِ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ إذَا وَصَلُوا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِانْتِهَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَيَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لَمَا تَقَدَّمَ، وَيَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَ الثَّانِي حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الثَّالِثِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِهِ.

(وَمَنْ هَدَمَ بِنَاءً) مُشْتَرَكًا مِنْ حَائِطٍ أَوْ سَقْفٍ (لَهُ فِيهِ حِصَّةٌ.
وَيَتَّجِهُ أَوْ لَا) حِصَّةَ لَهُ فِيهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إنْ خِيفَ سُقُوطُهُ) ؛ وَجَبَ هَدْمُهُ لِذَلِكَ، (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، (وَإِلَّا) يَخَفْ سُقُوطَهُ؛ وَهَدْمَهُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (لَزِمَهُ إعَادَتُهُ كَمَا كَانَ) ؛ لِتَعَدِّيهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ إلَّا بِإِعَادَتِهِ جَمِيعِهِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُلْزِمُ أَرْشَ نَقْصِهِ بِالنَّقْضِ.

(وَإِنْ بَنَيَا مَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) مِنْ الْحَائِطِ أَوْ غَيْرِهِ، (وَالنَّفَقَةُ نِصْفَيْنِ عَلَى أَنْ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ) مِمَّا لِلْآخَرِ؛ بِأَنْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَيْنِ مَثَلًا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ بِبَعْضِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ، فَصَالَحَهُ بِسُكْنَاهَا،

(أَوْ) بَنَيَاهُ عَلَى (أَنْ كُلًّا مِنْهُمَا يُحَمِّلُهُ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ؛ لَمْ يَصِحَّ - وَلَوْ وُصِفَ الْحَمْلُ) لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.

(وَإِنْ عَجَزَ قَوْمٌ عَنْ عِمَارَةِ نَحْوِ قَنَاتِهِمْ) كَنَهَرِهِمْ (وَيَتَّجِهُ أَوْ لَمْ يَعْجِزُوا) عَنْ ذَلِكَ؛ فَالْمَفْهُومُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] . وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَأَعْطَوْهَا لِمَنْ يَعْمُرُهَا، وَيَكُونُ لَهُ مِنْهَا جُزْءٌ مَعْلُومٌ) كَنِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ؛ (صَحَّ) كَدَفْعِ رَقِيقٍ لِمَنْ يُرَبِّيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ، وَغَزْلٍ لِمَنْ يَنْسِجُهُ كَذَلِكَ.

(وَمَنْ لَهُ عُلُوٌّ) مِنْ طَبَقَتَيْنِ وَالسُّفْلَى لِلْآخَرِ، (أَوْ لَهُ طَبَقَةٌ ثَانِيَةٌ) ، وَمَا تَحْتَهَا لِغَيْرِهِ، فَانْهَدَمَ السُّفْلُ فِي الْأُولَى وَالْوَسَطِ، أَوْ هُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ (لَمْ يُشَارِكْ) رَبُّ الْعُلُوِّ (فِي) النَّفَقَةِ [عَلَى] (بِنَاءِ) مَا (انْهَدَمَ تَحْتَهُ) مِنْ سُفْلٍ أَوْ وَسَطٍ؛ لِأَنَّ الْحِيطَانَ إنَّمَا تُبْنَى لِمَنْعِ النَّظَرِ وَالْوُصُولِ إلَى السَّاكِنِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ تَحْتَهُ، دُونَ رَبِّ الْعُلُوِّ، (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى بِنَائِهِ (مَالِكُهُ) ؛ أَيْ: الْمُنْهَدِمِ تَحْتَهُ؛ لِيَتَمَكَّنَ رَبُّ الْعُلُوِّ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِهِ.

وَلَوْ كَانَ السُّفْلُ لِوَاحِدٍ وَالْعُلُوُّ لِآخَرَ، وَتَنَازَعَا فِي السَّقْفِ - وَلَا بَيِّنَةَ - فَالسَّقْفُ بَيْنَهُمَا؛ لِانْتِفَاعِ كُلٍّ بِهِ، لَا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ وَحْدَهُ.
وَيَأْتِي فِي الدَّعَاوَى بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.

[كِتَابُ الْحَجْرِ]

(كِتَابُ الْحَجْرِ) الْحَجْرُ: هُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَرَامُ حَجْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22] ؛ أَيْ: حَرَامًا مُحَرَّمًا، وَسُمِّيَ الْعَقْدُ حَجْرًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَا يَقْبُحُ، وَتَضُرُّ عَاقِبَتُهُ.
وَشَرْعًا (مَنْعُ مَالِكٍ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ غَالِبًا) ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ، أَوْ الْحَاكِمِ كَمَنْعِهِ الْمُشْتَرِيَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حَتَّى يَقْضِيَ الثَّمَنَ الْحَالَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] أَيْ: أَمْوَالَهُمْ، لَكِنْ أُضِيفَتْ إلَى الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ عَلَيْهَا مُدَبِّرُونَ لَهَا وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ.

(وَ) الْحَجْرُ (لِفَلَسٍ مَنْعُ حَاكِمٍ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ الْمَوْجُودِ) . (وَيَتَّجِهُ وَالْمَعْدُومُ) كَالْمُتَجَدِّدِ بَعْدَ الْحَجْرِ بِهِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (فَلَا) يَجُوزُ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَنْ (يُبْرِئَ) مَدِينَهُ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا أَنْ (يُحِيلَ) عَلَيْهِ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ الْبَاقِي (مُدَّةَ الْحَجْرِ) ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْجَمِيعِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَالْمُفْلِسُ لُغَةً مَنْ لَا مَالَ) ؛ أَيْ: نَقْدَ (لَهُ) ، وَلَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ.
(وَ) الْمُفْلِسُ (شَرْعًا مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ) ، سُمِّيَ مُفْلِسًا - وَإِنْ كَانَ

ذَا مَالٍ - لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحِقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا.

(وَالْحَجْرُ) الَّذِي يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهٍ (ضَرْبَانِ) : أَحَدُهُمَا: (لِحَقِّ الْغَيْرِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ كَالْحَجْرِ (عَلَى مُفْلِسٍ) لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، (وَعَلَى رَاهِنٍ) لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ لُزُومِهِ، (وَ) عَلَى (مَرِيضِ) مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، (وَ) عَلَى (قِنٍّ وَمُكَاتَبٍ) لِحَقِّ سَيِّدِهِ، (وَ) عَلَى (مُرْتَدٍّ) لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ تَرِكَتَهُ فَيْءٌ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَهُ عَلَيْهِمْ، (وَ) عَلَى (مُشْتَرٍ) فِي شِقْصٍ مَشْفُوعٍ اشْتَرَاهُ (بَعْدَ طَلَبِ شَفِيعٍ) لَهُ لِحَقِّ الشَّفِيعِ، (أَوْ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ) ؛ أَيْ: تَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ (الْمَبِيعَ) بِثَمَنٍ حَالٍّ إذَا امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنَ، (وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ) أَوْ بِمَكَانٍ (قَرِيبٍ مِنْهُ) ، فَيُحْجَرُ عَلَى مُشْتَرٍ فِي كُلِّ مَالِهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ لِحَقِّ الْبَائِعِ.
وَتَقَدَّمَ.
الضَّرْبُ (الثَّانِي) الْحَجْرُ عَلَى الشِّقْصِ (لِحَظِّ نَفْسِهِ) ؛ كَالْحَجْرِ (عَلَى صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ) ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ عَائِدَةٌ إلَيْهِمْ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِمْ عَامٌّ فِي أَمْوَالِهِمْ وَذِمَمِهِمْ، (وَلَا يُطَالَبُ) مَدِينٌ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ، (وَلَا يُحْجَرُ) عَلَيْهِ (بِدَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ حُلُولِهِ - (وَلَوْ الْتَزَمَ تَعْجِيلَهُ) - لِأَنَّ الْتِزَامَهُ تَعْجِيلَ ذَلِكَ وَعْدٌ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.

(وَلِغَرِيمٍ مِنْ) أَيْ: مَدِينٍ وَظَاهِرُهُ - وَلَوْ ضَامِنًا - (أَرَادَ سَفَرًا طَوِيلًا) فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَابْنِ أَخِيهِ وَجَمَاعَةٍ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَلَعَلَّهُ أَوْلَى؛ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا، فَمُقْتَضَاهُ الْعُمُومُ - (وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ (حَجًّا وَاجِبًا) - لَتَقَدَّمَ أَدَاءُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، (سِوَى سَفَرِ جِهَادٍ مُتَعَيِّنٍ) ؛ لِاسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ لَهُ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ لَهُ.
وَالْفَرْقُ

بَيْنَ الْجِهَادِ وَبَيْنَ الْحَجِّ أَنَّ الْجِهَادَ نَفْعُهُ عَامٌّ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، (أَوْ) كَانَ السَّفَرُ (غَيْرَ مَخُوفٍ، أَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (لَا يَحِلُّ فِي مُدَّتِهِ) ؛ أَيْ: السَّفَرِ، (وَلَيْسَ بِدَيْنِهِ) ؛ أَيْ: الْغَرِيمِ الَّذِي يُرِيدُ مَدِينُهُ السَّفَرَ (رَهْنٌ يُحْرَزُ) الدَّيْنُ؛ أَيْ: يَفِي بِهِ، (أَوْ) لَيْسَ بِهِ (كَفِيلٌ مَلِيءٌ) قَادِرٌ بِالدَّيْنِ؛ (مَنْعُهُ) ، مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ خَبَرُهُ وَلِغَرِيمِ الْمُتَقَدِّمُ؛ أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ مَنْعُ مَدِينَهُ مِنْ السَّفَرِ، (وَمَنْعُ ضَامِنَهُ حَقٌّ يُوَثِّقُهُ بِأَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: بِرَهْنٍ يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ بِسَفَرِهِ، وَقُدُومُهُ عِنْدَ مَحَلِّهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَلَا ظَاهِرٌ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ لَا يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٌ غَيْرُ مَلِيءٍ؛ لَهُ مَنَعَهُ أَيْضًا حَتَّى يُوَثِّقَ بِالْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَرِيمُ مَدِينٍ وَضَامِنُهُ السَّفَرَ مَعًا، فَلَهُ مَنْعُهُمَا وَمَنْعُ أَيِّهِمَا شَاءَ حَتَّى يُوَثِّقَ كَمَا سَبَقَ.

وَ (لَا) يَمْلِكُ رَبُّ دَيْنٍ (تَحْلِيلَهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينُ (إنْ أَحْرَمَ) - وَلَوْ بِنَفْلٍ قَبْلَ إتْمَامِهِ - قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ: لَهُ مَنْعُ عَاجِزٍ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا بِبَدَنِهِ؛ أَيْ: لِأَنَّهُ قَدْ تَحْصُلُ لَهُ مَيْسَرَةٌ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ بَلَدِهِ، فَيَطْلُبُهُ مِنْ الْكَفِيلِ (وَيَجُوزُ سَفَرُهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينُ (قَبْلَ الْمَنْعِ) ؛ أَيْ: قَبْلَ مَنْعِ غَرِيمِهِ إيَّاهُ مِنْ السَّفَرِ (أَوْ) قَبْلَ (الطَّلَبِ) . (وَيَجِبُ فَوْرًا وَفَاءُ) دَيْنٍ (حَالٍّ) بِطَلَبِ رَبِّهِ لَهُ (أَوْ مُؤَجَّلٍ) ابْتِدَاءً، ثُمَّ (حَلَّ) أَجَلُهُ (عَلَى) مَدِينٍ (قَادِرٍ بِطَلَبِ رَبِّهِ) لَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . وَبِالطَّلَبِ يَتَحَقَّقُ الْمَطْلُ، (فَلَا يَجِبُ) الْوَفَاءُ (بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: الطَّلَبِ - (وَلَوْ عُيِّنَ وَقْتُ وَفَاءٍ - خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فِيمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجِبُ عَلَى قَادِرٍ وَفَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ بِطَلَبِ رَبِّهِ أَوْ عِنْدَ أَجَلِهِ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا.
فَأَوْجَبَ الْوَفَاءَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالطَّلَبِ؛ (فَلَا يَتَرَخَّصُ مَنْ سَافَرَ قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءُ بَعْدَ الطَّلَبِ (بِفِطْرٍ وَلَا قَصْرِ) رُبَاعِيَّةٍ؛ (وَ) لَا (مَسْحٍ) عَلَى خُفٍّ (ثَلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِسَفَرِهِ.

(وَيُمْهَلُ) مَدِينٌ (بِقَدْرِ مَا) ؛ أَيْ: مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ (يُحْضِرَ الْمَالَ) ؛ كَمَا لَوْ طُولِبَ بِمَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ، وَمَالُهُ بِدَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَيُمْهَلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْبَسُ؛ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَدَاءِ، وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] ، (وَيَحْتَاطُ) رَبُّ دَيْنٍ (إنْ خِيفَ هُرُوبُهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينِ (بِمُلَازَمَتِهِ) إلَى وَفَائِهِ، (أَوْ) يَحْتَاطُ (بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ، أَوْ تَرْسِيمٍ) عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
(وَكَذَا لَوْ طَلَبَ مَحْبُوسٌ أَوْ وَكِيلُهُ تَمْكِينَهُ مِنْ وَفَاءِ) بَيْعِ سِلْعَةٍ أَوْ احْتِيَالٍ عَلَى اقْتِرَاضٍ، فَيُمَكَّنُ مِنْهُ، وَيَحْتَاطُ إنْ خِيفَ هُرُوبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَفِي " الْمُغْنِي " لِغُرْمِ) مَدِينٍ (مُوسِرٍ مُمْتَنِعٍ مِنْ قَضَاءِ) مَا عَلَيْهِ (مُلَازَمَتُهُ، وَ) لَهُ (الْإِغْلَاظُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ؛ كَيَا ظَالِمُ يَا مُتَعَدِّي) يَا مُمَاطِلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِحَالِهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ وَيَأْتِي.

(وَإِنْ مَطَلَهُ) ؛ أَيْ: مَطَلَ الْمَدِينُ رَبَّ الدَّيْنِ (حَتَّى شَكَاهُ) رَبُّ الدَّيْنِ؛ (وَجَبَ عَلَى حَاكِمٍ) ثَبَتَ لَدَيْهِ (أَمْرُهُ بِوَفَائِهِ بِطَلَبِ غَرِيمِهِ) وُجُوبًا إنْ عَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، أَوْ جَهِلَ لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ، (وَلَمْ يَحْجُرْ) ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَقْضِي دَيْنَهُ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا تُتَّقَى شُبْهَةٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ.
(وَمَا غُرِّمَ) رَبُّ دَيْنٍ (بِسَبَبِهِ) ؛ أَيْ: بِسَبَبِ مَطْلِ مَدِينٍ أَحْوَجَ رَبَّ الدَّيْنِ إلَى شَكَوَاهُ؛ (فَعَلَى مُمَاطِلٍ) لِتَسَبُّبِهِ فِي غُرْمِهِ، أَشْبَهُ مَا لَوْ تَعَدَّى عَلَى مَالٍ لِحَمْلِهِ أُجْرَةً، وَحَمَلَهُ لِبَلَدٍ آخَرَ، وَغَابَ؛ ثُمَّ غَرِمَ مَالِكُهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ لِعَوْدِهِ إلَى مَحَلِّهِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ تَعَدَّى بِنَقْلِهِ.

(وَإِنْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ) عَنْهُ - (أَطْلَقَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فِي مَوْضِعٍ وَقَيَّدَهُ فِي) مَوْضِعٍ (آخَرَ بِقَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ، فَغَرِمَ ضَامِنٌ بِسَبَبِهِ) ؛ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ، (أَوْ غَرِمَ شَخْصٌ لِكَذِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ؛ رَجَعَ غَارِمٌ) بِمَا غَرِمَهُ (عَلَى كَاذِبٍ وَمَضْمُونٍ) عَنْهُ؛ (وَإِنْ ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ) ، وَإِنْ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَلَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ، وَلَا تَسَبُّبَ

(وَإِنْ أَهْمَلَ شَرِيكٌ بِنَاءَ حَائِطِ بُسْتَانٍ)

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ (وَقَدْ اتَّفَقَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَانِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْبِنَاءِ وَبَنَى شَرِيكُهُ، (وَيَتَّجِهُ أَوْ طَلَبَ) شَرِيكٌ (مِنْهُ) أَنْ يَبْنِيَ مَعَهُ، (فَأَهْمَلَ) ذَلِكَ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَمَا تَلِفَ مِنْ ثَمَرَتِهِ) ، أَيْ: الْبُسْتَانِ، (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أ (وَ) تَلِفَ (مِنْ شَجَرِهِ) بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا - وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِسَبَبِ ذَلِكَ الْإِهْمَالِ؛ ضَمِنَهُ) ؛ أَيْ: ضَمِنَ التَّالِفَ مِنْ حِصَّةِ شَرِيكِهِ؛ لِحُصُولِ تَلَفِهِ بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ

(وَلَوْ أَحْضَرَ مُدَّعَى) عَلَيْهِ مُدَّعَى (بِهِ) لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً تَقَعُ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهِ (وَلَمْ يَثْبُتْ لِمُدَّعٍ - لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (مُؤْنَةَ إحْضَارِهِ وَرَدِّهِ) إلَى مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الرُّجُوعُ بِالْغُرْمِ عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِيهِ ظُلْمًا، (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ أَثْبَتَهُ؛ (لَزِمَتْ) مُؤْنَةُ الْإِحْضَارِ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ (الْمُنْكِرَ) ؛ لِحَدِيثِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .

(فَإِنْ أَبَى) مَدِينٌ وَفَاءَ مَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَمْرِ الْحَاكِمِ لَهُ بِطَلَبِ رَبِّهِ؛ (حَبَسَهُ) ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ وَكِيعٌ -: عِرْضُهُ شَكَوَاهُ وَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَيْثُ تَوَجَّهَ حَبْسُهُ - (وَلَوْ) كَانَ (أَجِيرًا) خَاصًّا (فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً مُزَوَّجَةً) - لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ الْحَبْسِ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ وَلَا يَجِبُ حَبْسُهُ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ، بَلْ الْمَقْصُودُ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ؛ فَيُحْبَسُ وَلَوْ فِي دَارِ نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الْخُرُوجِ.

(فَإِنْ أَبَى) مَحْبُوسٌ مُوسِرٌ دَفْعَ مَا عَلَيْهِ؛ (عَزَّرَهُ) حَاكِمٌ، (وَيُكَرِّرُ) حَبْسَهُ وَتَعْزِيرَهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ؛ كَالْقَوْلِ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ،

(وَلَا يُزَادُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى أَكْثَرِ التَّعْزِيرِ) ؛ أَيْ: الْعَشْرِ ضَرَبَاتٍ، (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى الْقَضَاءِ مَعَ مَا سَبَقَ؛ (بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَقَضَاهُ) . نَقَلَ حَنْبَلٌ: إذَا تَقَاعَدَ بِحُقُوقِ النَّاسِ يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَيُقْضَى؛ أَيْ: لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ.

[فَائِدَةٌ حَبْسُ الْمُوسِر الْمُمْتَنِع مِنْ دَفْعِ مَا عَلَيْهِ]

فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالْقَوْلُ بِالْحَبْسِ اخْتَارَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَا تَخْلُصُ الْحُقُوقُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ إلَّا بِهِ وَبِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي " الْإِفْصَاحِ ": أَوَّلُ مَنْ حَبَسَ عَلَى الدَّيْنِ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَمَضَتْ السُّنَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ عَلَى الدُّيُونِ، لَكِنْ يَتَلَازَمُ الْخَصْمَانِ، (وَإِلَّا) يَظْهَرُ لَهُ مَالٌ (فَلَيْسَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ (إخْرَاجُهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينَ مِنْ الْحَبْسِ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرَهُ) ؛ أَيْ: أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَيَجِبُ إطْلَاقُهُ، (أَوْ يُبْرِئُهُ) غَرِيمُهُ، (أَوْ يُوَفِّيهِ) دَيْنَهُ، أَوْ يَرْضَى الْغَرِيمُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ حَبْسَهُ حَقٌّ لِرَبِّ الدَّيْنِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ.
(وَلَيْسَ عَلَى مَحْبُوسٍ قَبُولُ مَا يَبْذُلُهُ غَرِيمُهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَّةٌ فِيهِ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَذَلَّةِ النَّفْسِ أَوْ انْحِطَاطِ رُتْبَتِهَا (وَيَجِبُ تَخْلِيَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْبُوسِ (وَإِنْظَارُهُ إنْ بَانَ مُعْسِرًا) ، سَوَاءً رَضِيَ غَرِيمُهُ أَوْ سَخِطَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ؛ قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": لَيْسَ لَهُ إثْبَاتُ إعْسَارِهِ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ حَبَسَهُ بِلَا إذْنِهِ، (وَفِي إنْظَارِهِ) ؛ أَيْ: الْمُعْسِرَ (فَضْلٌ عَظِيمٌ) ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، (وَتَحْرُمُ مُطَالَبَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينُ الَّذِي ظَهَرَتْ عُسْرَتُهُ بِمَا عَجَزَ عَنْهُ (وَمُلَازَمَتُهُ وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ) ؛

لِلْآيَةِ، «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِغُرَمَاءِ الَّذِي كَثُرَ دَيْنُهُ؛ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» .

(فَإِنْ ادَّعَى) مَدِينٌ (الْعُسْرَةَ) ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ رَبُّ الدَّيْنِ، (وَدَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ كَثَمَنِ) مَبِيعٍ (وَ) ؛ بَدَلِ (قَرْضٍ وَأُجْرَةِ) مَأْجُورٍ، حُبِسَ، (أَوْ) كَانَ دَيْنُهُ (عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ؛ كَمَهْرٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ) وَضَمَانٍ (وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَنَفَقَةِ زَوْجَةٍ، وَ) كَانَ الْمَدِينُ (أَقَرَّ أَنَّهُ مَلِيءٌ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ - وَالْغَالِبُ بَقَاؤُهُ - حُبِسَ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ) مَدِينٌ (بَيِّنَةً بِالْإِعْسَارِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِإِعْسَارِهِ (أَنْ تَخْبُرَ بَاطِنَ حَالِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا الْمُخَالِطُ لَهُ، لَا يُقَالُ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ؛ فَلَا تُسْمَعُ؛ كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ لَا تُرَدُّ مُطْلَقًا؛ إذْ لَوْ شَهِدَتْ؛ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا وَارِثُهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ؛ قُبِلَتْ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، فَهِيَ تُثْبِتُ حَالَةً تَظْهَرُ وَتَقِفُ عَلَيْهَا الْمُشَاهَدَةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ، فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْهَدُ بِهِ حَالَةً يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَتِهِ.

(وَلَا يَحْلِفُ مَدِينٌ مَعَهَا) ، أَيْ: مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِإِعْسَارِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ، (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَدَّعِيَ نَحْوَ تَلَفٍ) لِمَالِهِ وَنَفَادِهِ فِي نَفَقَةٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، (وَيُقِيمُ بِهِ) ؛ أَيْ: التَّلَفِ وَنَحْوِهِ (بَيِّنَةً) ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَخْبُرَ بَاطِنَ حَالِهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ وَالنَّفَادَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَنْ خَبِرَ بَاطِنَ حَالِهِ وَغَيْرُهُ؛ (وَيَحْلِفُ) الْمَدِينُ (مَعَهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِتَلَفِ مَالِهِ وَنَحْوِهِ (أَنَّهُ مُعْسِرٌ) ، إنْ طَلَبَ رَبُّ الْحَقِّ يَمِينَهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ غَيْرُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، (وَيَكْفِي فِي الْحَالَيْنِ أَنْ تَشْهَدَ بِالتَّلَفِ أَوْ الْإِعْسَارِ) يَعْنِي يَكْفِي فِي الْإِعْسَارِ أَنْ تَشْهَدَ بِهِ، وَفِي التَّلَفِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، (وَتُسْمَعَ) بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ أَوْ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ (قَبْلَ حَبْسِ) الْمَدِينِ؛ كَمَا تُسْمَعُ (بَعْدَهُ) - وَلَوْ بِيَوْمٍ - لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ جَازَ سَمَاعُهَا بَعْدُ جَازَ

سَمَاعُهَا فِي الْحَالِ.

، وَإِنْ سَأَلَ مُدِعٍّ حَاكِمًا تَفْتِيشَ مَدِينٍ مُدَّعِيًا أَنْ الْمَالَ مَعَهُ؛ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ، (أَوْ) إلَّا أَنْ (يُسْأَلَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - أَيْ: يَسْأَلُ الْمَدِينُ (الْمُدَّعِيَ عَنْ عِلْمِ حَالِهِ) ، فَتَكُونَ دَعْوَى مُسْتَقِلَّةً (فَيُصَدِّقُ) الْمُدَّعِي الْمَدِينَ (أَنَّهُ مُعْسِرٌ، فَلَا يُحْبَسُ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عُسْرَتِهِ، أَوْ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ، أَوْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

(وَإِنْ أَنْكَرَ مُدَّعٍ) عُسْرَةَ مَدِينٍ، (وَحَلَفَ) مُدَّعٍ (بِحَسَبِ جَوَابِهِ) ؛ أَيْ: حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ أَوْ أَنَّهُ مُوسِرٌ أَوْ ذُو مَالٍ أَوْ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ؛ حُبِسَ، (أَوْ أَقَامَ) مُدَّعٍ (بَيِّنَةً بِقُدْرَتِهِ) ؛ أَيْ: قُدْرَةِ مُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْوَفَاءِ؛ (حُبِسَ) ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ عُسْرَتِهِ إلَى أَنْ يَبْرَأَ أَوْ تَظْهَرَ عُسْرَتُهُ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ؛ كَصَدَاقٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ مَلِيءٌ، وَلَمْ يَحْلِفْ مُدَّعِي طَلَبٍ يَمِينَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ؛ (حَلَفَ مَدِينٌ) أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، (وَخُلِّيَ) سَبِيلُهُ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ ذَنْبٌ يُعَاقَبُ بِهِ.

(وَحَرُمَ إنْكَارُ مُعْسِرٍ وَحَلِفُهُ) لَا حَقَّ عَلَيْهِ، (وَلَوْ تَأَوَّلَ) بِحَلِفِ كُنْيَتِهِ بِحَلِفِهِ (لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ الْآنَ) ؛ فَلَا يَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ؛ لِظُلْمِهِ رَبَّ الدَّيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ جَوَازِ تَأَوُّلِ الْمَدِينِ بِحَلِفِهِ (إنْ نَوَى بِقَلْبِهِ عَدَمَ الْوَفَاءِ بَعْدَ) ذَلِكَ؛ أَيْ: وَقْتَ إيسَارِهِ، (وَإِلَّا) تَكُنْ نِيَّةُ عَدَمِ الْوَفَاءِ، (فَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ يَجِبُ وَفَاؤُهُ حِينَئِذٍ، وَذَكَرَ مَعْنَى هَذَا الِاتِّجَاهَ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ مَا ذَكَرَ: قُلْتُ لَوْ قِيلَ بِجَوَازِهِ إذَا تَحَقَّقَ ظُلْمُ رَبِّ الْحَقِّ لَهُ وَحَبْسُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الْقِيَامِ عَلَى عِيَالِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.

(وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِمُفْلِسٍ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، فَأَنْكَرَ) الْمُفْلِسُ، وَلَمْ يُقِرَّ بِالْمَالِ لِأَحَدٍ؛ (أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ، فَكَذَّبَهُ زَيْدٌ قَضَى مِنْهُ دَيْنَهُ) ، وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ.
قَالَ " فِي الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا لَا يُعْتَبَرُ لَهَا تَقَدُّمُ دَعْوَى.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ؛ أَيْ: مِنْ الْمَالِكِ بَلْ قَدْ تَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى الْغَرِيمِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ لِلْمُقِرِّ لَهُ بَيِّنَةٌ قُدِّمَتْ لِإِقْرَارِ رَبِّ الدَّيْنِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْضَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لَهُ بِهِ تُكَذِّبُهُ فِي إقْرَارِهِ مَعَ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وَ (لَا) يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ (إنْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسُ (زَيْدٌ، فَيَأْخُذُهُ) ؛ أَيْ: الْمَالَ زَيْدٌ (بِيَمِينِهِ) ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ عَمَلًا بِإِقْرَارِ رَبِّ الدَّيْنِ.

(وَإِنْ سَأَلَ غُرَمَاءُ مَنْ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَيْنِهِ) الْحَالِّ (أَوْ) (سَأَلَ بَعْضُهُمْ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَدِين؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمَ (إجَابَتُهُمْ) ؛ أَيْ: السَّائِلِينَ، وَحَجَر عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَر عَلَى مُعَاذٍ، وَبَاعَ مَالَهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ فَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، (لَا إنْ سَأَلَهُ الْمُفْلِسُ) أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ، فَلَا تَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغُرَمَائِهِ، لَا لَهُ.

(وَسُنَّ إظْهَارُ حَجْرِ سَفَهٍ وَفَلَسٍ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ [لِيَنْتَشِرَ ذَلِكَ] ) بَيْنَ النَّاسِ، (وَتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ) ، وَيُسَنُّ لِلْحَاكِمِ الْإِشْهَادُ عَلَى حَجْرِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ، فَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْآخَرِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ، (وَتَصَرُّفُ مُفْلِسٍ قَبْلَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ (فِي مَالِهِ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِقْرَارٍ نَافِذٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، (وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَالِهِ مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ) عَلَى الْمَدِينِ التَّصَرُّفُ (إنْ أَضَرَّ) تَصَرُّفُهُ (بِغَرِيمِهِ) . وَتَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ أَحْكَامٌ أَرْبَعَةٌ تَتَعَلَّقُ بِحَجْرِ الْمُفْلِسِ]

(فَصْلٌ) (وَيَتَعَلَّقُ بِحَجْرِ الْمُفْلِسِ أَحْكَامٌ) أَرْبَعَةٌ.
(أَحَدُهَا تَعَلُّقُ حَقِّ غُرَمَائِهِ) مَنْ سَأَلَ الْحَجْرَ وَغَيْرُهُ (بِمَالِهِ) الْمَوْجُودِ

وَالْحَادِثِ بِنَحْوِ إرْثٍ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ، فَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ؛ كَالرَّهْنِ، (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ بِهِ) الْمُفْلِسُ (عَلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: الْغُرَمَاءِ (وَلَوْ) كَانَ إقْرَارُهُ (بِزَكَاةٍ أَوْ) كَانَ الْمُفْلِسُ (قَصَّارًا) أَوْ حَائِكًا (أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْمَتَاعِ (لِأَرْبَابِهِ) ؛ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ؛ (بَلْ) يَكُونُ مَا أَقَرَّ بِهِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ؛ (كَرَاهِنٍ) أَقَرَّ بِأَنَّ الرَّهْنَ لِزَيْدٍ مَثَلًا، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ، بَلْ يُبَاعُ بِدَيْنِهِ حَيْثُ جَازَ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَيُتْبَعُ بِهِ لِزَيْدٍ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ.

(وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يَتَصَرَّفَ) مُفْلِسٌ (فِيهِ) أَيْ: مَالِهِ (بِغَيْرِ تَدْبِيرٍ، وَقِيَاسُهُ) ؛ أَيْ: التَّدْبِيرِ (الْوَصِيَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَلِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا يُعْتَقُ إلَّا إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاءِ الدُّيُونِ.
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (وَغَيْرُ صَدَقَةٍ بِتَافِهٍ) ؛ أَيْ: يَسِيرٍ فَيَصِحُّ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ " بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ، وَتُسَامِحُ بِمِثْلِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَشَرْحِهِ وَلَوْ كَانَ تَصَرُّفُهُ عِتْقًا أَوْ صَدَقَةً بِشَيْءٍ كَثِيرٍ أَوْ يَسِيرٍ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.

(وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يَبِيعَهُ) الْمُفْلِسُ؛ أَيْ: مَالَهُ (لِغُرَمَائِهِ) كُلِّهِمْ (أَوْ بَعْضِهِمْ بِكُلِّ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ؛ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ إلَّا لِمَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ - وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ يُبْطِلُهُ - وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلْحَاكِمِ فِيهِ، بِخِلَافِ مَالِ الْمُفْلِسِ؛ لِاحْتِمَالِ غَرِيمٍ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ تَصَرَّفَ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنٍ أَوْ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ وَنَحْوِهِ بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ؛ لَمْ يَصِحَّ.

(وَيَصِحُّ) مِنْ مُفْلِسٍ تَصَرُّفٌ غَيْرُ مُسْتَأْنَفٍ؛ (كَإِمْضَاءِ خِيَارٍ وَفَسْخٍ لِعَيْبٍ) فِيمَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ إتْمَامٌ لِتَصَرُّفٍ سَابِقٍ عَلَى حَجْرِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ

مِنْهُ؛ كَاسْتِرْدَادِ وَدِيعَةٍ أُودِعَهَا قَبْلَ حَجْرِهِ - (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) فِي إمْضَائِهِ (حَظٌّ) - لِمَا ذَكَرنَا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَا مَعَ ضَرَرِ) غُرَمَائِهِ بِهَذَا الْإِمْضَاءِ؛ فَلَا يَصِحُّ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيُكَفِّرُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسُ بِصَوْمٍ لِئَلَّا يَضُرَّ بِغُرَمَائِهِ، (وَ) يُكَفِّرُ (سَفِيهٌ) وُجُوبًا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) ضَعِيفٍ (وَ) يُكَفِّرُ (صَغِيرٌ) أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لِلْمُصَنِّفِ نَفْسِهِ فِي الْحَجِّ (بِصَوْمٍ) ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا مِنْ مَالِهِ يَضُرُّ بِهِ وَلِلْمَالِ الْمُكَفَّرِ بِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ.
(فَإِنْ أَعْتَقَا) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسُ وَالسَّفِيهُ؛ (لَمْ يَصِحَّ) عِتْقُهُمَا، لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إنْ فُكَّ حَجْرُ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ، (وَقَدَرَ) عَلَى مَالٍ يُكَفِّرُ بِهِ (قَبْلَ تَكْفِيرِهِ) ؛ فَكَمُوسِرٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ أَيْ: فَيُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقْتَ الْأَدَاءِ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ.
(وَيَتَّجِهُ فَيُخَيَّرُ) مَنْ أَيْسَرَ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ بَيْنَ فِعْلِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ؛ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقْتُ الْوُجُوبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي فِي الظِّهَارِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
بَلْ الْمَصِيرُ إلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ.

(وَإِنْ تَصَرَّفَ) مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ (فِي ذِمَّتِهِ بِنَحْوِ شِرَاءٍ وَاسْتِئْجَارٍ وَإِقْرَارٍ) وَإِصْدَاقٍ وَضَمَانٍ؛ (صَحَّ) لِأَهْلِيَّتِهِ لِلتَّصَرُّفِ، وَالْحَجْرُ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذَمَّتِهِ، (وَتَبِعَ) مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا لَزِمَهُ بِذِمَّتِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ (بَعْدَ فَكِّهِ) ؛ أَيْ: الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ مَنَعَ تَعَلُّقِهِ بِمَالِهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ السَّابِقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى فَقَدْ زَالَ الْمُعَارِضُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ.
(وَلَوْ عَزَا مَا أَقَرَّ بِهِ لِمَا قَبْلَ حَجْرٍ) أَوْ بَعْدَهُ؛ بِأَنْ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْهُ كَذَا قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ أُطْلِقَ، (وَكَذَا مَا ثَبَتَ) عَلَى الْمُفْلِسِ (بِنُكُولٍ) عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ تَوَجُّهِهَا عَلَيْهِ، فَيُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ، وَ (لَا) كَذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ بِهِ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ؛ كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ.

(وَإِنْ جَنَى) مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ جِنَايَةً تُوجِبُ مَالًا أَوْ قِصَاصًا، وَاخْتِيرَ الْمَالُ؛ (شَارَكَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ) ؛ لِثُبُوتِ حَقِّهِ عَلَى الْجَانِي بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِهِ؛ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي قَبْلَ الْحَجْرِ، (وَقُدِّمَ) - بِالْبِنَاءِ.
لِلْمَفْعُولِ - (مَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ قِنُّهُ) ؛ أَيْ الْمُفْلِسُ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْقِنِّ الْجَانِي؛ كَتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ؛ كَمَا يُقَدَّمُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ تَقْدِيمِ حَقِّ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ بِالْقِنِّ الْجَانِي (مَا لَمْ يَكُنْ) جَنَى الْقِنُّ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) مَعَ جَهْلِهِ التَّحْرِيمَ وَعَدَمِ وُجُوبِ الطَّاعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِإِذْنِهِ فَلَا تَقْدِيمَ؛ (لِتَعَلُّقِهَا) حِينَئِذٍ (بِذِمَّتِهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ؛ كَمَا يَأْتِي وَهُوَ مُتَّجِهٌ

الْحُكْمُ (الثَّانِي) : مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ (إنْ وَجَدَ عَيْنَ مَا بَاعَهُ) لِلْمُفْلِسِ (أَوْ) عَيْنَ مَا (أَقْرَضَهُ) لَهُ (أَوْ) عَيْنَ مَا (أَصْدَقَهُ ثُمَّ تَنَصَّفَ) الْمَهْرُ بِفِرَاقِهِ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، (أَوْ أُسْقِطَ) ؛ كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ - وَقَدْ أَفْلَسَتْ - وَوَجَدَ الزَّوْجُ عَيْنَ مَالِهِ، (وَلَوْ بَعْدَ حَجْرِهِ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ) ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، (أَوْ)

وَجَدَ (مَا أَعْطَاهُ لَهُ رَأْسَ مَالٍ سُلِّمَ، أَوْ) وَجَدَ شَيْئًا (أَجَرَهُ) لِلْمُفْلِسِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُفْلِسِ (نَفْسُهُ) ؛ أَيْ: غَرِيمُ الْمُفْلِسِ، (وَلَمْ يَمْضِ مِنْ مُدَّتِهَا) ؛ أَيْ: الْإِجَارَةِ (شَيْءٌ وَيَتَّجِهُ) كَوْنُ ذَلِكَ الشَّيْءِ (لَهُ وَقَعَ) فِي الْأُجْرَةِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ شَيْءٌ لَهُ وَقَعَ؛ فَلَا فَسْخَ؛ تَنْزِيلًا لِلْمُدَّةِ مَنْزِلَةَ الْمَبِيعِ وَمُضِيِّ بَعْضِهِ كَتَلَفِ بَعْضِهِ، وَكَذَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ وَجَدَ شِقْصًا أَخَذَهُ مُفْلِسٌ بِشُفْعَةٍ؛ فَهُوَ) ؛ أَيْ: وَاجِدُ عَيْنِ مَالِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ (أَحَقُّ بِهَا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمَا.
أَمَّا مَنْ عَامَلَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ جَاهِلًا؛ فَلِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلَيْسَ مُقَصِّرًا بِعَدَمِ السُّؤَالِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ عَدَمُ الْحَجْرِ، فَإِنْ عَلِمَ بِالْحَجْرِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا؛ لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيُتْبَعُ بِبَدَلِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَحَيْثُ كَانَ رَبُّهَا أَحَقَّ بِهَا، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ بِهَا.
(وَلَوْ قَالَ الْمُفْلِسُ: أَنَا أَبِيعُهَا وَأُعْطِيكَ ثَمَنَهَا) ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَلَهُ أَخْذُ سِلْعَتِهِ نَصًّا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَوْ (بَذَلَهُ) ؛ أَيْ: الثَّمَنَ (غَرِيمٌ) مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ لِرَبِّ السِّلْعَةِ، فَإِنْ بَذَلَهُ لِلْمُفْلِسِ، ثُمَّ بَذَلَهُ هُوَ لِرَبِّهَا؛ فَلَا فَسْخَ لَهُ، (أَوْ خَرَجَتْ) السِّلْعَةُ، فَإِنْ بَذَلَهُ لِلْمُفْلِسِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَعَادَتْ لِمِلْكِهِ) بِفَسْخٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ كَمَا لَوْ وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.
(وَيَتَّجِهُ) كَوْنُ عَوْدِهَا لِمِلْكِهِ (بِغَيْرِ وَقْفٍ) ؛ أَمَّا لَوْ بَاعَهَا لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ وَقَفَهَا مُشْتَرِيهَا عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِرَبِّهَا عَلَيْهَا؛ لِوُقُوعِ الْوَقْفِ لَازِمًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَقَرَعَ إنْ بَاعَهَا) ؛ أَيْ بَاعَ السِّلْعَةَ الْمُفْلِسُ، (ثُمَّ اشْتَرَاهَا) مِنْ مُشْتَرٍ مِنْهُ أَوْ غَيْرِهِ (بَيْنَ الْبَائِعَيْنِ) فَمَنْ قَرَعَ الْآخَرَ كَانَ أَحَقَّ بِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ مَنْ أَفْلَسَ - وَلَا مُرَجِّحَ - فَاحْتِيجَ إلَى تَمْيِيزِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَلَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُقُوطِ حَقِّهِمَا مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا، فَلَا يُقَالُ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعَيْنِ تَعَلَّقَ اسْتِحْقَاقُهُ بِهَا، بَلْ يُقَالُ أَحَدُهُمَا أَحَقُّ بِأَخْذِهَا لَا بِعَيْنِهِ، فَيُمَيِّزُ بِقُرْعَةٍ وَالْمَقْرُوعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَمَنْ قُلْنَا إنَّهُ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ الَّذِي أَدْرَكَهُ لَهُ [تَرْكَهُ] وَالضَّرْبُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا تَرَكَ أَحَدُ الْبَائِعَيْنِ فِيمَا سَبَقَ تَمْثِيلُهُ تَعَيَّنَ الْآخَرُ وَلَا يُحْتَاجُ لِقُرْعَةٍ.

(وَشُرِطَ) لِرُجُوعِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ، شَرْطٌ فِي الْمُفْلِسِ وَالْبَائِعِ، وَشَرْطٌ فِي الْعِوَضِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي الْعَيْنِ، وَإِلَى الْأَوَّلِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (كَوْنُ) كُلٍّ مِنْ (مُفْلِسٍ وَبَائِعٍ حَيًّا) إلَى أَخْذِهَا.
جَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " أَنَّ لِلْبَائِعِ أَخْذُهَا دُونَ وَرَثَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ حَيًّا؛ إذْ لَا رُجُوعَ لِلْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا (إلَى أَخْذِهَا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد مُسْنَدًا، وَقَالَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ مِنْ الْمُفْلِسِ إلَى الْوَرَثَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (بَقَاءُ كُلِّ عِوَضِهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنِ (فِي ذِمَّتِهِ) ؛ أَيْ:

الْمُفْلِسِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِمَا فِي الرُّجُوعِ مِنْ قِسْطِ بَاقِي الْعِوَضِ مِنْ التَّشْقِيصِ وَإِضْرَارِ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَرْغَبُ فِيهِ كَالرَّغْبَةِ فِي الْكَامِلِ، (لَا إنْ دَفَعَ) الْمُفْلِسُ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ شَيْئًا، (أَوْ أُبْرِئَ مِنْ بَعْضِهِ) ؛ أَيْ: الثَّمَنِ أَوْ الْأُجْرَةِ أَوْ الْقَرْضِ أَوْ السَّلَمِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (كَوْنُ كُلِّهَا) ؛ أَيْ: السِّلْعَةِ (فِي مِلْكِهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ، فَلَا رُجُوعَ إنْ تَلِفَ بَعْضُهَا أَوْ بِيعَ أَوْ وُقِفَ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ وَنَحْوَهُ إذَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ بَعْضَهُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ بِأَخْذِ الْبَعْضِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ وَانْقِطَاعُ مَا بَيْنَهُمَا، وَسَوَاءٌ رَضِيَ بِأَخْذِ الْبَاقِي بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ بِقِسْطِهِ؛ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، (إلَّا إذَا جَمَعَ الْعَقْدَ عَدَدًا) ، كَثَوْبَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَيَأْخُذُ بَائِعٌ وَنَحْوُهُ مَعَ تَعَذُّرِ بَعْضِهِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَيْنِ السَّالِمَةِ نَصًّا؛ لِأَنَّ السَّالِمَ مِنْ الْعَيْنَيْنِ وَجَدَهُ رَبُّهُ بِعَيْنِهِ، فَيُؤْخَذُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ لَا) يَجْمَعُ الْعَقْدُ عَدَدًا، (وَ) لَكِنْ (كَانَ) الْمَبِيعُ وَنَحْوُهُ (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) ؛ كَقَفِيزِ بُرٍّ وَقِنْطَارِ حَدِيدٍ تَلِفَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَيَأْخُذُ) بَائِعٌ وَنَحْوُهُ (مَعَ تَعَذُّرِ بَعْضِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ بِتَلَفِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ أَوْ بَعْضِهِ (مَا بَقِيَ) ؛ أَيْ: الْعَيْنَ نَصًّا؛ لِأَنَّ السَّالِمَ مِنْ الْمَبِيعِ وَجَدَهُ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، (فَلَوْ رَهَنَ) أَوْ وَهَبَ أَوْ وَقَفَ (أَوْ بَاعَ أَحَدٌ عَبْدَيْنِ؛ رَجَعَ) الْبَائِعُ (فِي) الْعَبْدِ (الْآخَرِ) ، فَيَأْخُذُهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ الثَّمَنِ يُقَسَّطُ عَلَى الْمَبِيعِ، فَيَقَعُ الْقَبْضُ مِنْ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعَيْنَيْنِ، وَقَبْضُ شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ مَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِيهِ مُبْطِلٌ لَهُ، بِخِلَافِ التَّلَفِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَلَفِ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ تَلَفُ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ

(إنْ رَهَنَ) الْمُشْتَرِي، (أَوْ بَاعَ بَعْضَ الْعَبْدِ) ، لِمَا ذَكَرْنَا.
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (كَوْنُ الْعَيْنِ بِحَالِهَا) ؛ [بِأَنْ لَمْ تَنْقُصْ] مَالِيَّتُهَا لِذَهَابِ صِفَةٍ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا؛ بِأَنْ (لَمْ تُوطَأْ بِكْرٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ قِنٌّ بِمَا) ؛ أَيْ: جُرْحٍ (يُنْقِصُ بِهِ قِيمَتَهُ) ، فَإِنْ وُطِئَتْ، أَوْ جُرِحَ؛ فَلَا رُجُوعَ لِذَهَابِ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ لَهُ بَدَلٌ، وَهُوَ الْمَهْرُ وَالْأَرْشُ، فَمَنْعُ الرُّجُوعِ؛ كَقَطْعِ الْيَدِ، بِخِلَافِ وَطْءٍ يَثْبُتُ بِلَا حَمْلٍ وَهُزَالٍ وَنِسْيَانِ صَنَعَةٍ، (وَ) بِأَنْ (لَمْ تُخْلَطْ بِغَيْرِ تَمَيُّزٍ) ، فَإِنْ خَلَطَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ؛ فَلَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ، بِخِلَافِ خَلْطِ نَحْوِ بُرٍّ بِحِمَّصٍ؛ فَلَا أَثَرَ لَهُ، (وَ) بِأَنْ (لَمْ تَتَغَيَّرْ صَنْعَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا؛ كَنَسْجِ غَزْلٍ وَخَبْزِ دَقِيقٍ) ؛ أَيْ: جَعْلِهِ خُبْزًا (وَجَعْلِ دُهْنٍ) كَزَيْتٍ (صَابُونًا) وَشَرِيطٍ إبَرًا وَنَحْوَهُ، وَقَطْعِ ثَوْبٍ قَمِيصًا وَنَحْوَهُ، فَإِنْ جُعِلَ كَذَلِكَ؛ فَلَا رُجُوعَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ (كَوْنُهَا) ؛ أَيْ السِّلْعَةِ (لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ كَشُفْعَةٍ) قَبْلَ طَلَبٍ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ شُفْعَةٍ؛ فَلَا رُجُوعَ لِسَبْقِ حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَحَقُّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْحَجْرِ، وَالسَّابِقُ أَوْلَى (وَكَجِنَايَةٍ) ؛ بِأَنْ كَانَ قِنًّا، فَجَنَى عَلَى الْمُفْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِرَبِّهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَمْنَعُهُ، وَحَقُّ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ (وَرَهْنٍ) ؛ كَمَا لَوْ رَهَنَ الْمُفْلِسُ الْمَبِيعِ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى حَقِّ الْبَائِعِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِرَبِّهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ عَقَدَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَقْدًا مَنَعَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَمُنِعَ بَاذِلُهُ الرُّجُوعَ فِيهِ؛ كَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّ رُجُوعَهُ إضْرَارٌ بِالْمُرْتَهِنِ، وَلَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ دُونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ؛ بِيعَ كُلُّهُ، وَرُدَّ بَاقِي ثَمَنِهِ فِي الْمُقْسَمِ، وَإِنْ: بِيعَ بَعْضُهُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ؛ فَبَاقِيهِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، (وَإِنْ أَسْقَطَهُ) ؛ أَيْ: الْحَقَّ (رَبُّهُ) كَإِسْقَاطِ الشَّفِيعِ شُفْعَتَهُ، وَوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَرْشَهَا، وَرَدِّ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ) بِالْعَيْنِ الْحَقُّ؛ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا لِوُجْدَانِهَا بِعَيْنِهَا خَالِيَةً مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهَا، (وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ) صِبْغًا، فَصَبَغَ الْمُشْتَرِي بِهِ ثِيَابًا وَحَجَرَ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتْ زَيْتًا، فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا، أَوْ كَانَتْ (مَسَامِيرَ فَسَمَّرَ بِهَا) بَابًا، (أَوْ) كَانَتْ (حَجَرًا، فَبَنَى عَلَيْهَا) بُنْيَانًا، (أَوْ) (كَانَتْ خَشَبًا، فَسَقَفَ بِهَا) سَقْفًا؛ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَغَلَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَائِعُهُ الرُّجُوعَ فِيهِ، (وَإِنْ اشْتَرَى دُفُوفًا) . - جَمْعُ دُفٍّ - أَيْ: أَلْوَاحَ خَشَبٍ (وَمَسَامِيرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَسَمَّرَهَا بِهَا) ؛ أَيْ: بِالْمَسَامِيرِ؛ (رَجَعَ) بَائِعُهُمَا (فِيهِمَا) ؛ أَيْ: الدُّفُوفِ وَالْمَسَامِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ (كَوْنُهَا) ؛ أَيْ: السِّلْعَةِ (لَمْ تَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) .

(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ (مُبَاحَةٍ) كَقِرَاءَةٍ وَكِتَابَةٍ وَتِجَارَةٍ وَتَجَدُّدِ حَمْلٍ فِي بَهِيمَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ رَبُّ الْعَيْنِ أَخْذَهَا مِنْهُ كَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِهِ، وَيُفَارِقُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عَلَى صِفَتِهِ لَيْسَ بِزَائِدٍ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالزِّيَادَةِ، وَأَمَّا الصَّنْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْغِنَاءِ وَالشِّطْرَنْجِ وَآلَةِ الشَّعْبَذَةِ وَنَحْوِهَا، فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ إذْ وُجُودُهَا كَلَا وُجُودٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ) ؛ أَيْ: الْمُدْرِكِ لِمَتَاعِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ بِشَرْطِهِ (بِقَوْلٍ؛ كَرَجَعْتُ فِي مَتَاعِي أَوْ أَخَذْتُهُ) أَوْ اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ فَسَخْتُ الْبَيْعَ إنْ كَانَ مَبِيعًا، (وَلَوْ مُتَرَاخِيًا) ؛ كَرُجُوعِ أَبٍ فِي هِبَةٍ، فَلَا يَحْصُلُ رُجُوعُهُ بِفِعْلٍ كَأَخْذِ الْعَيْنِ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الرُّجُوعَ (بِلَا حَاكِمٍ) ؛ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ؛ كَفَسْخِ الْمُعْتَقَةِ (فَسْخٌ) ؛ أَيْ:

رُجُوعُ مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ، (وَهُوَ) ؛ أَيْ؛ كَالْفَسْخِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ ثَمَّ عَقْدٌ يُفْسَخُ؛ كَاسْتِرْجَاعِ زَوْجٍ الصَّدَاقَ إذَا فُسِخَ النِّكَاحُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُهُ؛ كَفَسْخِ الْمَرْأَةِ لِعَيْبِهِ قَبْلَ فَلَسِهَا، وَكَانَتْ بَاعَتْهُ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَيَرْجِعُ إلَى مِلْكِهِ قَهْرًا حَيْثُ اسْتَمَرَّ فِي مِلْكِهَا بِصِفَتِهِ (لَا يَحْتَاجُ) الْفَسْخَ (لِمَعْرِفَةِ) مَرْجُوعٍ فِيهِ، (وَ) لَا إلَى (قُدْرَةِ) مُفْلِسٍ (عَلَى تَسْلِيمٍ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ.

(فَلَوْ رَجَعَ فِي) قِنٍّ (آبِقٍ؛ صَحَّ) رُجُوعُهُ، (وَصَارَ) الْآبِقُ (لَهُ) ؛ أَيْ: الرَّاجِعُ، (فَإِنْ قَدَرَ) ، الرَّاجِعُ عَلَى الْآبِقِ (أَخَذَهُ، وَإِنْ) عَجَزَ عَنْهُ أَوْ (تَلِفَ) بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ (مِنْ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الرَّاجِعِ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ بِالرُّجُوعِ، (وَإِنْ بَانَ تَلَفُهُ حِينَ رَجَعَ) ؛ بِأَنْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ؛ (بَطَلَ اسْتِرْجَاعُهُ) ؛ أَيْ: ظَهَرَ بُطْلَانُهُ؛ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْفَسْخِ.

(وَإِنْ رَجَعَ بِشَيْءٍ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ) ؛ بِأَنْ رَجَعَ فِي عَبْدٍ مَثَلًا وَلَهُ عَبِيدٌ، وَاخْتَلَفَ الْمُفْلِسُ وَرَبُّهُ فِيهِ؛ (قُدِّمَ تَعْيِينُ مُفْلِسٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الرَّاجِعِ؛ وَالْأَصْلُ مَعَهُ.

(وَمَنْ رَجَعَ) ؛ أَيْ: أَرَادَ الرُّجُوعَ (فِيمَا) ؛ أَيْ: بِيعَ (ثَمَنُهُ مُؤَجَّلٌ أَوْ فِي صَيْدٍ وَهُوَ) ؛ أَيْ: الرَّاجِعُ (مُحْرِمًا لَمْ يَأْخُذْهُ) ؛ أَيْ: مَا ثَمَنُهُ مُؤَجَّلٌ (قَبْلَ حُلُولِهِ) قَالَ أَحْمَدُ: يَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَحِلَّ دَيْنُهُ، فَيَخْتَارُ الْفَسْخَ أَوْ التَّرْكَ؛ أَيْ: فَلَا يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِعَيْنِهِ.
(وَلَا) يَأْخُذُ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (حَالَ إحْرَامِهِ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ تَمْلِيكٌ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْإِحْرَامِ؛ كَشِرَائِهِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا وَالْمُفْلِسُ مُحْرِمًا، لَمْ يُمْنَعْ بَائِعُهُ أَخْذَهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ؛ (وَوَقَفَ) الصَّيْدَ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ إرْثٍ.

(وَيَتَّجِهُ لَوْ تَلِفَ) مَا ثَمَنُهُ مُؤَجَّلٌ (قَبْلَ) حُلُولِ أَجَلِهِ (فَمِنْ) ضَمَانِ (مُفْلِسٍ) ، وَهَذَا مَفْهُومُ مَنْصُوصِ الْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ: يَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا إلَى

أَنْ يَحُلَّ دَيْنُهُ، فَيَخْتَارُ الْفَسْخَ أَوْ التَّرْكَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا يَمْنَعُهُ) ؛ أَيْ: الرُّجُوعُ (نَقْصَ) سِلْعَةٍ؛ (كَهُزَالٍ وَجُنُونٍ وَنِسْيَانِ صَنْعَةٍ) وَمَرَضٍ وَتَزْوِيجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَيْنَ مَالِهِ، وَمَتَى أَخَذَهُ نَاقِصًا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ، وَإِلَّا ضَرَبَ بِثَمَنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَتَقَسَّطُ عَلَى صِفَةِ سِلْعَةٍ مَنْ سِمَنٍ أَوْ هُزَالٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَيَصِيرُ كَنَقْصِهِ؛ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ.

(وَلَا) يَمْنَعُهُ أَيْضًا (صَبْغُ ثَوْبٍ أَوْ قَصْرُهُ) وَلَتُّ سَوِيقٍ بِدُهْنٍ؛ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ قَائِمَةً مُشَاهَدَةً لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهَا.
(وَلَوْ نَقَصَ) الثَّوْبُ (بِهِمَا) ؛ أَيْ: الصَّبْغِ وَالْقَصْرِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ فِي " الْهِدَايَةِ " وَالْمُذَهَّبِ " وَالْخُلَاصَةِ " وَالْكَافِي " " وَالْوَجِيزِ " وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّقْصَ نَقْصُ صِفَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ كَنِسْيَانِ صِفَةٍ وَهُزَالِ عَبْدٍ.
قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ: الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: إذَا صُبِغَ الثَّوْبُ أَوْ لُتَّ السَّوِيقُ بِزَيْتٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِبَائِعِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ الرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمَا، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " الْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ، مَا لَمْ يَنْقُصْ الثَّوْبُ بِهِمَا (وَالزِّيَادَةُ) عَنْ قِيمَةِ الثَّوْبِ الْحَاصِلَةِ (بِصَبْغِهِ أَوْ قَصْرِهِ) أَوْ عَنْ قِيمَةِ السَّوِيقِ بِاللَّتِّ؛ (لِمُفْلِسٍ) ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ فِيمَا زَادَ عَنْ قِيمَةِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَارَةُ بِفِعْلِ الْمُفْلِسِ أَوْ بِأُجْرَةٍ وَفَّاهَا؛ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيَادَةِ إلَى الْمُفْلِسِ؛ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ بَيْعَ الثَّوْبِ، وَأَخَذَ كُلٌّ قَدْرَ حَقِّهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الثَّوْبُ بِخَمْسَةٍ، فَصَارَ يُسَاوِي سِتَّةً؛

فَلِلْمُفْلِسِ سُدُسُهُ وَلِلْبَائِعِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَانِعٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَجْرَهُ؛ فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ أُجْرَتِهِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ ". (وَلَوْ كَانَ الصَّبْغُ وَالثَّوْبُ لِوَاحِدٍ) ، وَاشْتَرَاهُمَا مِنْهُ وَصَبَغَ الثَّوْبَ بِالصِّبْغِ، وَحَجَرَ عَلَيْهِ؛ (رَجَعَ) الْبَائِعُ (فِي الثَّوْبِ وَحْدَهُ، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا) لِلْبَائِعِ بِزِيَادَةِ الصِّبْغِ، (وَيَضْرِبُ رَبُّ الصِّبْغِ بِثَمَنِ الصِّبْغِ مَعَ الْغُرَمَاءِ) ؛ كَمَا لَوْ كَانَا لِاثْنَيْنِ؛ (وَلَا) يَمْنَعُهُ (زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ) ؛ كَثَمَرَةٍ وَكَسْبٍ وَوَلَدٍ، نَقَصَ بِهَا الْمَبِيعُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ إنْ كَانَ نَقْصُ صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ لَمْ تَنْقُصْ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهَا، (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الزِّيَادَةُ (لِرَاجِعٍ) - وَهُوَ الْبَائِعُ - (نَصَّ عَلَيْهِ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَنِتَاجِ الدَّابَّةِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " " وَالْخِلَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنَوِّرِ " " وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ " (وَاسْتَظْهَرَ فِي " التَّنْقِيحِ " رِوَايَةَ كَوْنِهَا) ؛ أَيْ: الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (لِمُفْلِسٍ) . هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي فِي رِوَايَتِهِ وَالْمُجَرَّدِ وَالشَّرِيفِ وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَابْنِ عَقِيلٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) ؛ أَيْ: كَوْنُ الزِّيَادَةِ لِلْمُفْلِسِ (الصَّحِيحُ) قَالَ الشَّارِحُ هَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُتَّصِلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا تُتَّبَعُ فِي الْفُسُوخِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، بِخِلَافِ الْمُتَّصِلَةِ.
قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا خِلَافٌ لِظُهُورِهِ.
(وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ) فِي مُغْنِيهِ " (النَّصَّ) الْمَذْكُورَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - مِنْ كَوْنِ وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَنِتَاجِ الدَّابَّةِ لِبَائِعٍ - (عَلَى بَيْعِهَا حَالَ حَمْلِهَا، فَكَانَا مَبِيعَيْنِ) حِينَئِذٍ، وَلِهَذَا خَصَّ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّمَاءِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

. (وَلَا) يَمْنَعُ رُجُوعَهُ (غَرْسُ أَرْضٍ بِيعَتْ وَبِنَاءٌ) حَدَثَ (فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ

أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ كَالثَّوْبِ إذَا صُبِغَ، (فَإِنْ رَجَعَ) رَبُّ أَرْضٍ فِيهَا (قَبْلَ قَلْعِ) غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ (وَاخْتَارَهُ) ؛ أَيْ: الْقَلْعَ (غَرِيمٌ؛ ضَمِنَ نَقْصًا حَصَلَ بِقَلْعٍ وَيُسَوِّي حَفْرًا) ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى غَرْسًا وَغَرَسَهُ بِأَرْضِهِ أَوْ أَرْضٍ اشْتَرَاهَا مِنْ آخَرَ، ثُمَّ أَفْلَسَ، بِخِلَافِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ نَاقِصَةً، فَرَجَعَ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي النَّقْصِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ، وَهُنَا حَدَثَ بَعْدَ الرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ، فَلِهَذَا ضَمِنُوهُ وَيَضْرِبُ بِالنَّقْصِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.

(وَلِمُفْلِسٍ مَعَ الْغُرَمَاءِ الْقَلْعُ) لِغَرْسٍ وَبِنَاءٍ، (وَيُشَارِكُهُمْ رَاجِعٌ) فِي الْأَرْضِ بِأَرْشِ (نَقْصِ أَرْضِهِ؛ لِحُصُولِهِ) ؛ أَيْ: النَّقْصِ (بِتَخْلِيصِ مِلْكِ مُفْلِسٍ) ، فَكَانَ عَلَيْهِ، (وَيَضْرِبُ بِهِ) ؛ أَيْ: أَرْشِ النَّقْصِ (مَعَ الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْغِرَاسِ وَلَا الْبِنَاءِ، (فَإِنْ أَبَوْهُ) ؛ أَيْ: أَبَى الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ؛ (لَمْ يُجْبَرُوا) عَلَيْهِ؛ لِوَضْعِهِ بِحَقٍّ، (وَ) حِينَئِذٍ (فَلِرَاجِعٍ) فِي أَرْضِهِ (الْقَلْعُ) لِلْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ، (وَيَضْمَنُ النَّقْصَ) ، لِأَنَّهُمَا حَصَلَا فِي مِلْكِهِ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ؛ كَالشَّفِيعِ وَالْمُعِيرِ

، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلِرَاجِعٍ (أَخْذُ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ بِقِيمَتِهِ) ، وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ؛ كَالْمُؤَجِّرِ إذَا أَخَذَ الْأَرْضَ وَفِيهَا غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ، (فَإِنْ أَبَاهُمَا) ؛ أَيْ: أَبَى مَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِي الْأَرْضِ الْقَلْعَ مَعَ ضَمَانِ النَّقْصِ؛ وَأَخْذِ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ بِقِيمَتِهِ (أَيْضًا) ؛ أَيْ مَعَ إبَاءِ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ الْقَلْعَ؛ (سَقَطَ رُجُوعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الثَّوْبِ إذَا صُبِغَ حَيْثُ يَرْجِعُ رَبُّ الثَّوْبِ بِهِ، وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْمُفْلِسِ بِزِيَادَةِ الصِّبْغِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ إذَا غُرِسَتْ أَوْ بُنِيَتْ حَيْثُ يَسْقُطُ رُجُوعُهُ بِإِبَاءِ، مَا سَبَقَ بِأَنَّ الصِّبْغَ يَتَفَرَّقُ فِي الثَّوْبِ، فَيَصِيرُ كَالصِّفَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَإِنَّهُمَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَأَصْلَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا، وَالثَّوْبُ لَا يُرَادُ لِلْإِبْقَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ.

[وَلَوْ اشْتَرَى] (أَرْضًا مِنْ شَخْصٍ، وَ) اشْتَرَى (غِرَاسًا مِنْ) شَخْصٍ

(آخَرَ، فَغَرَسَهُ فِيهَا) ، ثُمَّ أَفْلَسَ، (وَلَمْ يَزِدْ) الْغِرَاسُ؛ (فَلِكُلٍّ) مِنْ الْبَائِعَيْنِ (الرُّجُوعُ فِي) عَيْنِ (مَالِهِ، وَلِذِي أَرْضٍ قَلْعُ غِرَاسٍ بِلَا ضَمَانِهِ) ؛ أَيْ: الْغِرَاسِ (لِيَبِيعَهُ مَقْلُوعًا، وَعَكْسُهُ) ؛ بِأَنْ قَلَعَهُ بَائِعُهُ (يَضْمَنُ) الْبَائِعُ أَرْشَ (نَقْصِ أَرْضٍ) حَصَلَ بِقَلْعِهِ، وَتَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، فَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الْعَكْسِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.

(وَلَوْ زَرَعَ) الْمُشْتَرِي (الْأَرْضَ) الَّتِي اشْتَرَاهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي؛ (بَقِيَ الزَّرْعُ لِمُفْلِسٍ مَجَّانًا) ؛ أَيْ: بِلَا أُجْرَةٍ (لِحَصَادٍ) ؛ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى التَّرْكِ أَوْ الْقَطْعِ؛ جَازَ؛ فَإِنْ اخْتَلَفُوا - وَلَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْقَطْعِ - قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَطْلُبُهُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إذَا اشْتَرَى غِرَاسًا، فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَزِدْ الْغَرْسُ؛ فَلِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ؛ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَأَرْشُ نَقْصِهَا، فَإِنْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ لَهُ الْقِيمَةَ؛ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى قَبُولِهَا، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ، فَبَذَلُوا الْقِيمَةَ لَهُ لِيَمْتَلِكَهُ الْمُفْلِسُ، وَأَرَادُوا قَلْعَهُ وَضَمَانَ النَّقْصِ؛ فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ أَرَادُوا قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ فِي الْأَصَحِّ.

. (وَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ مَدِينًا أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ؛ فَمُشْتَرٍ أَحَقُّ بِمَبِيعِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ - وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ) نَصًّا - لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْبَيْعِ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مُنَازَعَتَهُ فِيهِ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ بَائِعُهُ مَدِينًا، (لَا إنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا وَالسِّلْعَةُ بِيَدِ بَائِعٍ) ؛ فَيَصِيرُ الْبَائِعُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ يَضْرِبُ لَهُ مَعَهُمْ بِالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَهُ.
(وَيَتَّجِهُ هُنَا) الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا إلَى آخِرِهِ؛ يَضْرِبُ لِلْبَائِعِ مَعَ الْغُرَمَاءِ (فِي إفْلَاسٍ طَرَأَ بَعْدَ شِرَاءٍ) ، وَإِلَّا يَطْرَأُ الْإِفْلَاسُ بَعْدَ الشِّرَاءِ، بَلْ كَانَ مُفْلِسًا قَبْلَ ذَلِكَ - وَجَهِلَ الْبَائِعُ ذَلِكَ - (فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَاسِعِ أَقْسَامِ الْخِيَارِ: أَنَّ ظُهُورَ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي) بِبَعْضِ الثَّمَنِ؛ (يَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ هَرَبَ الْمُشْتَرِي، أَوْ لَمْ يَهْرُبْ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ ": لَوْ بَاعَ سِلْعَةً، فَبَانَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا وَالسِّلْعَةُ بِيَدِ الْبَائِعِ؛ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّ إطْلَاقَ مَا مَرَّ) فِي الْخِيَارِ (مِنْ كَوْنِ مُفْلِسٍ وَبَائِعٍ حَيًّا إلَى أَخْذِهَا) ؛ أَيْ: السِّلْعَةِ (مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا) . وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.

(الثَّالِثُ) : مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ (أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ قِسْمُ مَالِهِ) ؛ أَيْ: - الْمُفْلِسِ (الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ) الَّذِي عَلَيْهِ (كَنَقْدٍ وَمَكِيلٍ) وَتَوْزِيعُهُ فَوْرًا عَلَى الْغُرَمَاءِ، (وَ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ (بَيْعُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ غَالِبِهِ رَوَاجًا أَوْ الْأَصْلَحِ أَوْ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (فِي سُوقِهِ نَدْبًا) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ وَأَحْوَطُ (أَوْ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ

سُوقِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ كَالْوَكَالَةِ (بِثَمَنِ مِثْلِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ (فَأَكْثَرَ) مِنْهُ إنْ حَصَلَ فِيهِ رَاغِبٌ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ بَاعَهُ (بِدُونِهِ) ؛ أَيْ: دُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ؛ (فَلَا يَصِحُّ) الْبَيْعُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ أَوْ أَكْثَرَ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَلَا يَتَصَرَّفُ لَهُ فِيهِ إلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ كَمَالِ السَّفِيهِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَضْمَنُ النَّقْصَ (وَقِسْمَهُ) ؛ أَيْ: الثَّمَنَ (فَوْرًا) ؛ لِأَنَّ هَذَا جُلُّ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَتَأْخِيرُهُ مَطْلٌ وَظُلْمٌ لِلْغُرَمَاءِ، «وَلَمَّا حَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُعَاذٍ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ، وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ» وَلِفِعْلِ عُمَرَ، وَلِاحْتِيَاجِهِ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَجَازَ لِبَيْعِ مَالِهِ فِيهِ كَالسَّفِيهِ.

(وَيَتَّجِهُ وَلِلْحَاكِمِ فِي غَيْرِ) دَيْنٍ (سُلِّمَ مَعَ رِضَا مُفْلِسٍ وَغُرَمَاءَ تَعْوِيضُهُمْ) ؛ أَيْ: الْغُرَمَاءَ (بِالْقِيمَةِ) . - كَذَا قَالَ وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مِنْ نِسَبِ الْأَثْمَانِ، فِيهِمْ مِنْ دَيْنِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلَيْسَ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ مِنْ جِنْسِهِ، وَرَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ مِنْ الْأَثْمَانِ جَازَ، فَظَهَرَ، عَلَى أَنَّ الْإِيهَامَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ رَأْسًا - حَيْثُ لَا مَحْظُورَ فِي الِاعْتِيَاضِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " وَالْإِقْنَاعِ " (فِيمَا يُوهَمُ) .

(وَسُنَّ) [إحْضَارُهُ] ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ (الْبَيْعَ) ؛ أَيْ: بَيْعَ مَالِهِ لِيَضْبِطَ الثَّمَنَ، وَلِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْجَيِّدِ مِنْ مَتَاعِهِ، فَيَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ، وَوَكِيلُهُ كَهُوَ، وَلَا يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إلَى اسْتِئْذَانِهِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالسَّفِيهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إحْضَارُهُ أَوْ وَكِيلُهُ (مَعَ) إحْضَارِ (غُرَمَائِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ، وَرُبَّمَا وَجَدَ أَحَدُهُمْ عَيْنَ مَالِهِ، أَوْ رَغِبَ فِي شَيْءٍ فَزَادَ فِي ثَمَنِهِ.
(وَ) سُنَّ (بَدْءٌ بِأَقَلِّهِ) ؛ أَيْ: الْمَالِ (بَقَاءً كَفَاكِهَةٍ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا إضَاعَةٌ لَهَا، (وَ) أَنْ يَبْدَأَ (بِأَكْثَرِهِ كَبَهَائِمَ) ؛ لِاحْتِيَاجِ بَقَائِهَا إلَى مُؤْنَةٍ، وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ، وَعُهْدَةُ مَبِيعٍ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا عَلَى مُفْلِسٍ فَقَطْ.
ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.

(وَإِنْ زِيدَ فِي السِّلْعَةِ مُدَّةَ خِيَارٍ؛ لَزِمَ) أَمِينَ الْحَاكِمِ (الْفَسْخُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنٍ فَلَمْ يَجُزْ إمْضَاؤُهُ بِدُونِهِ؛ كَمَا لَوْ زِيدَ فِيهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، (وَ) إنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ (بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ (فَلَا) يَلْزَمُ فَسْخُ الْعَقْدِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمُشْتَرِي الْإِقَالَةُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمُفْلِسِ وَدَفْعِ حَاجَتِهِ.

. (وَيَجِبُ) عَلَى حَاكِمٍ أَوْ أَمِينِهِ (تَرْكُ مَا يَحْتَاجُهُ مُفْلِسٌ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) صَالِحَيْنِ (لِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُبَعْ فِي دَيْنِهِ كَلِبَاسِهِ وَقُوتِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» . قَضِيَّةُ عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيمَا وَجَدُوهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ، (مَا لَمْ يَكُونَا) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسُ وَالْخَادِمُ (عَيْنَ مَالِ غَرِيمٍ) ؛ فَلَهُ أَخْذُهُمَا لِلْخَبَرِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ) مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ (رَهْنًا) ، فَإِنْ كَانَ رَهْنًا فَلِلْمُرْتَهِنِ اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَهُوَ أَقْوَى

سَبَبًا مِنْ الْمُفْلِسِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَشْتَرِي) لِلْمُفْلِسِ بَدَلَهُمَا، (أَوْ يَتْرُكُ لَهُ) مِنْ مَالٍ (بَدَلَهُمَا) دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، (وَبِبَدَلٍ أَعْلَى) مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَثَوْبٍ وَغَيْرِهِمَا (بِصَالِحٍ) لِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ.

(وَ) يَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ لِلْمُفْلِسِ أَيْضًا (مَا) ؛ أَيْ: شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ (يَتَّجِرُ بِهِ) إنْ كَانَ تَاجِرًا، (وَ) تُتْرَكُ لَهُ أَيْضًا (آلَةُ مُحْتَرِفٍ) إنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ -: يَتْرُكُ لَهُ قَدْرَ مَا يُقَوِّمُ مَعَاشَهُ، وَيُبَاعُ الْبَاقِي

(وَيَجِبُ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ (وَلِعِيَالِهِ) مِنْ زَوْجَةٍ وَوَلَدٍ وَنَحْوِهِ (أَدْنَى نَفَقَةً مِثْلَهُمْ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَكِسْوَةٍ) بَيَانٌ لَمَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِمْ، (وَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسَ (نَفَقَةُ قَرِيبٍ بِشَرْطِ) الْآتِي فِي النَّفَقَاتِ (لِيَسَارِهِ) حَالًا (بِالنِّسْبَةِ لَمَا فِي يَدِهِ) مِنْ مَالِهِ، فَإِذَا وُزِّعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا مَا يَكْفِيهِ سَقَطَتْ.

(وَ) يَجِبُ (تَجْهِيزٌ) مِمَّنْ تَلْزَمُ الْمُفْلِسَ نَفَقَتُهُ غَيْرَ زَوْجَةٍ (مِنْ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ بِمَعْرُوفٍ (حَتَّى يُقْسَمَ) مَالُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، (وَيُكَفَّنُ) الْمُفْلِسُ الذَّكَرُ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الذُّكُورِ (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ مَلْبُوسٍ مِثْلُهُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْأُنْثَى فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ كَذَلِكَ، (وَقُدِّمَ فِي الرِّعَايَةِ ") يُكَفَّنُ (فِي) ثَوْبٍ (وَاحِدٍ) اقْتِصَارًا عَلَى الْوَاجِبِ.
(وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَنَحْوِهِ) كَسِمْسَارٍ وَكَيَّالٍ وَوَازِنٍ وَحَمَّالٍ وَحَافِظٍ (لَمْ يَتَبَرَّعْ) وَاحِدٌ بِعَمَلِهِ (مِنْ الْمَالِ) ؛ أَيْ: مَالِ الْمُفْلِسِ مُقَدَّمَةً عَلَى دُيُونِ الْغُرَمَاءِ (قَبْلَ قِسْمَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَى الْمُفْلِسِ؛ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ.

(وَإِنْ عَيَّنَ مُفْلِسٌ وَغَرِيمٌ) وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً (مُنَادِيًا؛ أَيْ: سِمْسَارًا

غَيْرَ ثِقَةٍ؛ رَدَّهُ حَاكِمٌ، بِخِلَافِ بَيْعِ مَرْهُونٍ) عَيْنَ رَاهِنٍ وَمُرْتَهِنٍ لَهُ مُنَادِيًا؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ نَظَرًا فِي بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ؛ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ غَرِيمٍ، بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ، (فَإِنْ اخْتَلَفَ تَعْيِينُهُمَا) بِأَنْ عَيَّنَ الْمُفْلِسُ زَيْدًا وَالْغَرِيمُ عَمْرًا مَثَلًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثِقَةٌ؛ (ضَمَّهُمَا) حَاكِمٌ (إنْ تَبَرَّعَا) بِعَمَلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى أَحَدٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَبَرَّعَا وَلَا أَحَدُهُمَا؛ (قَدَّمَ) الْحَاكِمُ (مَنْ شَاءَ) مِنْهُمَا، فَإِنْ تَطَوَّعَ أَحَدُهُمَا؛ قُدِّمَ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ

(وَيُبْدَأُ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ -؛ أَيْ: يَبْدَأُ الْحَاكِمُ فِي قَسْمِ مَالِهِ (بِمَنْ جَنَى عَلَيْهِ) حُرًّا كَانَ أَوْ قِنًّا (قِنُّ مُفْلِسٍ) ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِ الْجَانِي بِحَيْثُ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، بِخِلَافِ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ؛ فَإِنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذِمَّتِهِ، (فَيُعْطَى) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (الْأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ) ؛ أَيْ الْجَانِي (أَوْ) الْأَقَلَّ مِنْ (الْأَرْشِ) ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةً وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ أُعْطِيَ الْعَشَرَةَ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ؛ أُعْطِيَ أَيْضًا الْعَشَرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَيُرَدُّ الْبَاقِي لِلْمُقَسِّمِ، مَا لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ أَمْرِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ كُلِّهَا، وَيَضْرِبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ كَمَا لَوْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْجَانِيَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَنْ كَالْآلَةِ.
(ثُمَّ) يُبْدَأُ (بِمَنْ عِنْدَهُ رَهْنٌ) لَازِمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ (فَيُخَصُّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (بِثَمَنِهِ) إنْ كَانَ بِقَدْرِ دَيْنِهِ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ (فَإِنْ بَقِيَ) لِلْمُرْتَهِنِ (دَيْنٌ) بَعْدَ ثَمَنِ الرَّهْنِ؛ (حَاصَصَ) الْمُرْتَهِنُ (الْغُرَمَاءَ) بِالْبَاقِي لِمُسَاوَاتِهِ لَهُمْ فِيهِ، (وَإِنْ فَضُلَ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنُ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ؛ (رُدَّ) الْفَاضِلُ (عَلَى الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ انْفَكَّ مِنْ الرَّهْنِ بِالْوَفَاءِ، فَصَارَ كَسَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ، (ثُمَّ) يُبْدَأُ (بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ) اشْتَرَاهَا مِنْهُ الْمُفْلِسُ أَوْ نَحْوُهُ فَيَأْخُذُهَا بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(أَوْ) كَانَ (اسْتَأْجَرَ

عَيْنًا) ؛ كَعَبْدٍ وَدَارٍ (مِنْ مُفْلِسٍ قَبْلَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ (فَيَأْخُذُهَا) ؛ لِاسْتِيفَاءِ نَفْعِهَا مُدَّةَ إجَارَتِهِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَكَذَا مُؤَجِّرُ نَفْسِهِ لِلْمُفْلِسِ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ [مِنْ] مُدَّةِ الْإِجَارَةِ شَيْءٌ؛ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ لِدُخُولِهِ فِيمَا سَبَقَ.
(وَتُبَاعُ) الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ بِاتِّفَاقِ الْغُرَمَاءِ مَعَ الْمُفْلِسِ عَلَى بَيْعِهَا (مَسْلُوبَةَ) الْمَنْفَعَةِ؛ لِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ بِحَالِهَا، وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ فِي الْحَالِ، وَبَعْضُهُمْ التَّأْخِيرَ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، قُدِّمَ مَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ فِي الْحَالِ، (وَإِنْ بَطَلَتْ) الْإِجَارَةُ (فِي) أَوَّلِ الْمُدَّةِ أَوْ قَبْلَ دُخُولِهَا؛ ضُرِبَ لَهُ بِمَا عَجَّلَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَ (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ) لِنَحْوِ مَوْتِ الْعَبْدِ أَوْ انْهِدَامِ الدَّارِ، (ضُرِبَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ (بِمَا بَقِيَ) لَهُ مِنْ أُجْرَةٍ عَجَّلَهَا؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّتَهُ أَوْ عَبْدَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ مَاتَا.
(ثُمَّ يُقَسِّمُ) الْحَاكِمُ (الْبَاقِيَ) مِنْ الْمَالِ (عَلَى قَدْرِ دُيُونِ مَنْ بَقِيَ) مِنْ غُرَمَائِهِ تَسْوِيَةً لَهُمْ وَمُرَاعَاةً لِكَمِّيَّةِ حُقُوقِهِمْ؛ فَإِنْ قَضَى حَاكِمٌ أَوْ مُفْلِسٌ بَعْضَهُمْ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ اخْتِصَاصُهُمْ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ دَيْنُهُ غَيْرُ نَقْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِأَخْذِ عِوَضِهِ نَقْدًا؛ اُشْتُرِيَ لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ النَّقْدِ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ؛ كَدَيْنٍ مُسْلَمٍ.

(وَلَا يَلْزَمُهُمْ) ؛ أَيْ: الْغُرَمَاءَ الْحَاضِرِينَ (بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ) ؛ لِخَفَائِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمَ الْغَرِيمِ فَإِنَّ الَّذِي يَقْبِضُهُ كُلُّ غَرِيمٍ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ فَإِنَّهُ يَسْتَفِيضُ أَمْرُهُ، وَلَا يَخْفَى غَالِبًا، فَلَا يَعْسُرُ بَيَانُهُ وَلَا إنْكَارُ وُجُودِهِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ مِلْكَ غَيْرِهِ، فَاحْتِيطَ بِزِيَادَةِ اسْتِظْهَارٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَحْلِيفُهُمْ) ؛ أَيْ: الْغُرَمَاءِ عَلَى أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ؛ لِجَوَازِ وُجُودِ غَرِيمٍ لَا يَعْلَمُونَهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

ثُمَّ] (إنْ ظَهَرَ رَبُّ) دَيْنٍ (حَالٍّ رَجَعَ عَلَى كُلِّ غَرِيمٍ بِقِسْطِهِ) ؛ أَيْ: بِقَدْرِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَاسَمَهُمْ، فَيُقَاسَمُ إذَا ظَهَرَ؛ كَغَرِيمٍ يَظْهَرُ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ (وَلَمْ تَنْقَضِ الْقِسْمَةُ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا زَائِدًا عَنْ حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ فِيمَا قَبَضُوهُ مِنْ حَقِّهِمْ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ بِحِصَّتِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ بِالْحَجْرِ تَعَلَّقَ حَقُّ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ فَتَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ بَاطِلٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ؛ إذْ الْمَدِينُ فِيهَا غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
وَفِي فَتَاوَى الْمُوَفَّقِ " لَوْ وَصَلَ مَالُ الْغَائِبِ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَيْنًا، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً إنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا، وَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا اُخْتُصَّ بِهِ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ، وَعَدَمِ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ.
قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ ": وَمُرَادُهُ وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا، وَإِلَّا شَارَكَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.

(وَمَنْ دَيْنُهُ مُؤَجَّلٌ) مِنْ الْغُرَمَاءِ (لَا يَحِلُّ) نَصًّا، فَلَا يُشَارِكُ ذَوِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَا يُوجِبُ الْفَلَسُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ، (وَلَا يُوقَفُ) مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِمَنْ دَيْنُهُ مُؤَجَّلٌ، (وَلَا يَرْجِعْ عَلَى الْغُرَمَاءِ) بِشَيْءٍ (إذَا حَلَّ) دَيْنُهُ؛ لِعَدَمِ مِلْكِهِ الطَّلَبَ بِهِ حِينَ الْقِسْمَةِ، وَكَذَا مَنْ تَجَدَّدَ لَهُ دَيْنٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِجِنَايَةٍ.
(وَيُشَارِكُ مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ قَبْلَ قِسْمَةٍ فِي الْكُلِّ) ؛ أَيْ: كُلِّ الْمَالِ الْمَقْسُومِ كَدَيْنٍ تَجَدَّدَ عَلَى الْمُفْلِسِ بِجِنَايَةٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، (وَ) يُشَارِكُ مَنْ حَلَّ دَيْنُهُ (فِي أَثْنَائِهَا) ؛ أَيْ: الْقِسْمَةِ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ، دُونَ مَا قُسِّمَ، (وَضُرِبَ لَهُ) ؛ أَيْ: الَّذِي حَلَّ دَيْنُهُ فِي أَثْنَاءِ الْقِسْمَةِ (بِكُلِّ دَيْنِهِ) الَّذِي حَلَّ، (وَ) يُضْرَبُ (لِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا قَبْلَ حُلُولِ الْمُؤَجَّلِ (بِبَقِيَّتِهِ) ؛ أَيْ: بَقِيَّةِ دَيْنِهِ، (وَيُشَارِكُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ) مِنْ مُفْلِسٍ غُرَمَاءَهُ (قَبْلَ حَجْرٍ وَبَعْدَهُ) قَبْلَ قِسْمَةٍ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِثُبُوتِ حَقِّ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمْ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل