مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِمَّنْ سَمِعَ هَذَا، وَلَا عَمَّنْ بَلَغَهُ.
(وَمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ وَصَلَاةٍ فِيهِ، فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالْحَدِيثِ، (فَيُكْرَهُ إفْرَادُهُ) ، أَيْ: رَجَبٍ (بِصَوْمٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ، وَإِلَّا، فَلَا يَصُومُهُ مُتَوَالِيًا، بَلْ يُفْطِرُ فِيهِ، وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ، وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُ " (وَتَزُولُ) الْكَرَاهَةُ (وَلَوْ بِفِطْرِ يَوْمٍ مِنْهُ) أَوْ بِصَوْمِ شَهْرٍ آخَرَ، قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ لَمْ يَلِ الشَّهْرَ الْآخَرَ رَجَبٌ.
(وَكُرِهَ إفْرَادُ) يَوْمِ (جُمُعَةٍ) بِصَوْمٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا تَعَارُضَ.
(وَ) يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ (سَبْتٍ بِصَوْمٍ) ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَيَوْمُ السَّبْتِ آخِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ، لِانْقِطَاعِ الْأَيَّامِ عِنْدَهُ.
(وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ) تَطَوُّعًا؛ لِقَوْلِ عَمَّارٍ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.
وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِنِيَّتِهِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا، وَلَا يُجْزِئُ، إنْ ظَهَرَ مِنْهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: يَوْمُ الشَّكِّ: (الثَّلَاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ، حَيْثُ لَا عِلَّةَ) فِي
مَطْلَعِ الْهِلَالِ مِنْ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ، أَوْ شَهِدَ بِالْهِلَالِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً فِي الْكُلِّ) ، كَمَنْ عَادَتُهُ يَصُومُ الْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ، فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ أَحَدَهُمَا، أَوْ كَانَ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْجُمُعَةِ، فَلَا كَرَاهَةَ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ (أَوْ يَصِلَهُ) ، أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (بِصَوْمٍ قَبْلَهُ) ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(أَوْ) يَصُومُ يَوْمَ الشَّكِّ (نَذْرًا أَوْ قَضَاءً) أَوْ كَفَّارَةً، فَلَا كَرَاهَةَ، فَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ وَاجِبٌ إذَنْ.
(وَ) يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ (النَّيْرُوزِ) ، وَهُوَ: الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ فَصْلِ الرَّبِيعِ، (وَ) صَوْمُ يَوْمِ (الْمِهْرَجَانِ) ، وَمَعْنَاهُ: رُوحُ السَّنَةِ، وَهُوَ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ فَصْلِ الْخَرِيفِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي تَعْظِيمِهَا.
(وَ) يُكْرَهُ إفْرَادُ (كُلِّ عِيدٍ لِكُفَّارٍ) بِصَوْمٍ، (أَوْ) كُلِّ (يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ) ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً، فَلَا كَرَاهَةَ.
(وَ) يُكْرَهُ (تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِ) صَوْمِ (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ (وِصَالٌ - وَهُوَ) ، أَيْ: الْوِصَالُ: (أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ) الصَّائِمُ (عَمْدًا مُفْطِرًا بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ - لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوِصَالِ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": قَوْلُهُ: إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ: أَنَّهُ يُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ، وَيُغْنِيهِ اللَّهُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَعِمَ وَشَرِبَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: أَنَّهُ يُطْعَمُ حَقِيقَةً، وَيُسْقَى حَقِيقَةً، حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ طَعِمَ وَشَرِبَ حَقِيقَةً لَمَا كَانَ مُوَاصِلًا، وَلَا أَقَرَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّكَ تُوَاصِلُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: «إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي النَّهَارِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي النَّهَارِ، لَا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَنَعِيمِهِ بِحُبِّهِ، قَالَ: وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ، يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ؛ لِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ، عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ الْوِصَالُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً، وَلِهَذَا وَاصَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ.
(وَتَزُولُ) الْكَرَاهَةُ (بِ) أَكْلِ (لُقْمَةٍ، أَوْ شُرْبٍ) لِانْتِفَاءِ الْوِصَالِ، (وَلَا يُكْرَهُ لِلسَّحَرِ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَتَرْكُهُ) ، أَيْ: الْوِصَالِ (أَوْلَى) مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ، (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَاصَلَ) بِالْعَسْكَرِ (ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَرَهُ) ، أَيْ: مَا رَأَى حَنْبَلٍ الْإِمَامَ (أَكَلَ) فِيهَا (وَلَا شَرِبَ فِيهَا) حَتَّى كَلَّمَهُ حَنْبَلٌ فِي ذَلِكَ، فَشَرِبَ سَوِيقًا، (وَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَعَاطَى مَا يُفْطِرُهُ، كَ) بَلْعِ (قِشْرِ سِوَاكٍ) ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَهُ حَيْثُ لَا يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(وَحَرُمَ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ عِيدٍ) فَرْضًا وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى
أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ فِطْرٍ، وَيَوْمِ أَضْحَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ.
(وَكَذَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ) يَحْرُمُ صَوْمُهَا، وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ» (إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ) ، وَيَأْتِي، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ: " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعِ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ هَلْ يُتِمّهُ]
(فَصْلٌ) (مَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعِ) صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ) ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ يَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
(وَيُسَنُّ) إتْمَامُ تَطَوُّعٍ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ " وَيُكْرَهُ قَطْعُهُ بِلَا حَاجَةٍ، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ.
(وَإِنْ أَفْسَدَهُ) ، أَيْ: أَفْسَدَ تَطَوُّعًا دَخَلَ فِيهِ غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ؛ (فَلَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ نَصًّا، بَلْ يُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَمَّا تَطَوُّعُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَيَجِبُ إتْمَامُهُ؛ لِأَنَّ نَفْلَهُمَا كَفَرْضِهِمَا نِيَّةً وَفِدْيَةً وَغَيْرَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالْمَحْظُورَاتِ.
(وَيَجِبُ حَيْثُ لَا عُذْرَ إتْمَامُ فَرْضٍ) شَرَعَ فِيهِ (إجْمَاعًا، وَلَوْ) كَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ فَرْضَ (كِفَايَةٍ) ، كَصَلَاةِ جِنَازَةٍ، (أَوْ) كَانَ (نَذْرًا، أَوْ) كَانَ وَقْتُهُ (مُوَسَّعًا كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَطَوَافٍ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مُتَعَيَّنٌ، وَدَخَلَتْ التَّوْسِعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا، وَمَظِنَّةَ الْحَاجَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهِ، تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إتْمَامِهِ، (وَإِنْ بَطَلَ) الْفَرْضُ لِوُجُودِ مُبْطِلٍ، (فَلَا مَزِيدَ) عَلَيْهِ، فَيُعِيدُهُ أَوْ يَقْضِيهِ فَقَطْ، (وَلَا كَفَّارَةَ) مُطْلَقًا؛ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهَا.
(وَيَجِبُ قَطْعُ) فَرْضٍ وَنَفْلٍ (لِرَدِّ مَعْصُومٍ عَنْ مَهْلَكَةٍ كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ) ، وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ، وَتَخْلِيصِ مَنْ تَحْتَ هَدْمٍ مِنْ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ.
(وَ) يَجِبُ قَطْعُ فَرْضٍ (إذَا دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِإِجَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ.
(وَيُجِيبُ) مُصَلٍّ (وَالِدَيْهِ بِنَفْلٍ) ، رِعَايَةً لِحَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا، (وَتَخْرُجُ زَوْجَةٌ مِنْ) صَلَاةِ (نَفْلٍ لِحَقِّ زَوْجٍ) لِوُجُوبِ إجَابَتِهِ عَلَيْهَا.
(وَجَازَ قَطْعُ فَرْضٍ لِهَرَبِ نَحْوِ غَرِيمٍ) ، كَشُرُودِ دَابَّةٍ، وَإِبَاقِ رَقِيقٍ، (وَ) جَازَ (قَلْبُهُ) ، أَيْ: الْفَرْضِ، (نَفْلًا) مَعَ سَعَةِ وَقْتِهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (الْمَنْعُ) مَنْ قَلْبِ صَوْمِ وَاجِبٍ، وَلَوْ مُوَسَّعًا، نَذْرًا كَانَ أَوْ قَضَاءً، نَفْلًا (حِيلَةً، لِيَتَوَصَّلَ لِفِطْرٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ.
[بَابٌ أَفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ]
(بَابٌ) (أَفْضَلُ الشُّهُورِ) شَهْرُ (رَمَضَانَ) ، وَيُكَفَّرُ مَنْ فَضَّلَ رَجَبًا عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ".
(وَ) أَفْضَلُ (الْأَيَّامِ) يَوْمُ (الْجُمُعَةِ) إجْمَاعًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَتَقَعُ فِيهِ زِيَارَةُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّبَّ فِي الْجَنَّةِ، فَيَرْفَعُ مَوَانِعَ الْإِدْرَاكِ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، حَتَّى يَرَوْهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نُعُوتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ.
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ، وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ، وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيٍّ، عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: كَذَلِكَ لَا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً، حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرُهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، بِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ.» . الْحَدِيثَ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: (هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا، وَقَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ) ، وَكَذَا ذَكَرَهُ جَدُّهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " فِي صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ شَرْحِهِ مُنْتَهَى الْغَايَةِ " (وَاخْتَارَ) جَمْعٌ (غَيْرَهُ) ، مِنْهُمْ: أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: (بَلْ يَوْمُ عَرَفَةَ) أَفْضَلُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي " الْغُنْيَةِ " إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ الْأَيَّامِ أَرْبَعَةً: الْفِطْرَ، وَالْأَضْحَى، وَعَرَفَةَ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتَارَ مِنْهَا يَوْمَ عَرَفَةَ.
(وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قَالَ تَعَالَى:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ: قِيَامُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةٍ مِنْهَا، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» زَادَ أَحْمَدُ: " وَمَا تَأَخَّرَ ".
(وَخُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ) إكْرَامًا لِنَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهِيَ بَاقِيَةٌ) لَمْ تُرْفَعْ؛ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا وَقِيَامِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْبُلْقِينِيِّ.
قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": إنْ كَانَ الْمُرَادُ: لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ، وَنَظَائِرُهَا مِنْ كُلِّ عَامٍ، أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قِيَامُهَا، وَالدُّعَاءُ فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ أَرَادَ اللَّيْلَةَ الْمُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَصَلَ لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي غَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُهَا بِقِيَامٍ وَلَا عِبَادَةٍ، فَهَذَا صَحِيحٌ إنْ قَامَ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إنْعَامَ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ إنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خُصَّتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ، كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُفَضِّلْ غَارَ حِرَاءَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْوَحْيُ، وَلَا خَصَّ الْيَوْمَ الَّذِي ابْتَدَأَهُ فِيهِ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ": فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَلَامُ أَبِي أُمَامَةَ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ الْمُعَيَّنَةِ مَعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ كُلِّ عَامٍ، غَيْرَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ.
(وَسُمِّيَتْ) لَيْلَةَ (الْقَدْرِ، لِتَقْدِيرِ مَا يَكُونُ تِلْكَ السَّنَةَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] ، (أَوْ) سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، (لِشَرَفِ قَدْرِهَا) ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.
(وَ) هِيَ (مُخْتَصَّةٌ بِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) ، فَتُطْلَبُ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَأَوْتَارُهُ) ، أَيْ: الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، (آكَدُ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» (وَأَرْجَاهَا سَابِعَتُهُ) نَصًّا، وَهُوَ قَوْلُ: أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يَسْتَثْنِي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: " وَاَللَّهِ، لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ، فَتَتَّكِلُوا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَعَلَامَتُهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (عَدَمُ حَرِّهَا وَ) عَدَمُ (بَرْدِهَا) ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا أَمَارَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ الشَّمْسُ مُسْتَوِيَةً، لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ، مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» (وَ) مِنْ عَلَامَتِهَا أَنَّ (طُلُوعَ شَمْسِ صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءُ بِلَا كَثِيرِ شُعَاعٍ) ؛ لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: " مِثْلَ الطَّسْتِ ".
(وَسُنَّ كَوْنُ مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تَحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(وَتَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ) لَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، (وَحُكِيَ) ذَلِكَ (عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ) وَغَيْرِهِمْ، (فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) ، إنْ كَانَ (قَبْلَ) مُضِيِّ (لَيْلَةِ أَوَّلِ الْعَشْرِ) الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِلَيْلَةِ آخِرِهِ) ، أَيْ: آخِرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ لَا يَخْلُو مِنْهَا خِلَافًا لِابْنِ عَادِلٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مَضَى مِنْ الْعَشْرِ لَيْلَةٌ فَأَكْثَرُ، (فَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (فِي) اللَّيْلَةِ (الْأَخِيرَةِ مِنْهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ، (فِي) الْعَامِ (الْقَابِلِ) ؛ لِيَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا، (وَكَطَلَاقٍ نَحْوُ عِتْقٍ) وَظِهَارٍ (وَيَمِينٍ) بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ، (قَامَ الْعَشْرَ) الْأَخِيرَ (كُلَّهُ) .
تَتِمَّةٌ: لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ رَمَضَانَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّ لَيَالِيَ الْعَشْرِ مِنْ رَمَضَانَ إنَّمَا فُضِّلَتْ بِاعْتِبَارِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَهِيَ مِنْ اللَّيَالِي، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ إنَّمَا فُضِّلَ بِاعْتِبَارِ أَيَّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
[كِتَابُ الِاعْتِكَافِ]
(كِتَابُ الِاعْتِكَافِ) الِاعْتِكَافُ، لُغَةً: لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي، وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ.
وَشَرْعًا: (لُزُومُ مُسْلِمٍ، لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، عَاقِلٍ وَلَوْ كَانَ مُمَيَّزًا، مَسْجِدًا) مَفْعُولٌ: لُزُومِ.
(وَلَوْ) كَانَ وَقْتُ اللُّزُومِ (سَاعَةً) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (لِطَاعَةٍ) ، مُتَعَلِّقٌ بِلُزُومٍ، (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا.
فَلَا
يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا مُحْدِثٍ حَدَثًا أَكْبَرَ، وَلَا غَيْرِ، عَاقِلٍ، وَلَا مِمَّنْ دُونَ تِسْعٍ، وَلَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، أَوْ بِغَيْرِ لَبْثٍ وَلَا بِلُزُومِ مَسْجِدٍ لِنَحْوِ صِنَاعَةٍ.
وَمَشْرُوعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ مَسْنُونٌ، (فَمَنْ نَذَرَ) اعْتِكَافًا (وَأَطْلَقَ) ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُدَّةٍ، (أَجْزَأَتْهُ سَاعَةٌ) ، و (لَا) يَكْفِي (عُبُورُهُ) الْمَسْجِدَ مِنْ غَيْرِ لَبْثٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُعْتَكِفًا.
(وَسُنَّ أَنْ لَا يَنْقُصَ) الِاعْتِكَافُ (عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّهُ ذَلِكَ، (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، (جِوَارًا) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، (خَلْوَةً وَحَرَّمَهُ) ، أَيْ: حَرَّمَ (ابْنُ هُبَيْرَةَ) أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا الِاعْتِكَافُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ:
إذَا مَا خَلَوْت الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْت وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبٌ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى، أَيْ: مِنْ التَّحْرِيمِ.
(وَسُنَّ) الِاعْتِكَافُ (كُلَّ وَقْتٍ) إجْمَاعًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ، وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مَعَهُ وَبَعْدَهُ.
(وَ) هُوَ (بِرَمَضَانَ آكَدُ) ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَآكَدُهُ) ، أَيْ: آكَدُ رَمَضَانَ (عَشْرُهُ الْأَخِيرُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «كُنْت أُجَاوِرُ هَذَا الْعَشْرَ - يَعْنِي الْأَوْسَطَ - ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذَا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَلْبَثْ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
(وَيَجِبُ) اعْتِكَافٌ (بِنَذْرٍ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَإِنْ عَلَّقَ) نَذْرَ اعْتِكَافٍ (أَوْ غَيْرِهِ) ، كَنَذْرِ صَوْمٍ أَوْ عِتْقٍ، (بِشَرْطِ، تَقَيُّدٍ بِهِ) ، فَلَا يَلْزَمُ حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُهُ، (ك) قَوْلِهِ: (لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ رَمَضَانَ إنْ كُنْت مُقِيمًا مَثَلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) النَّاذِرُ (مُقِيمًا لَمْ يَلْزَمْهُ) الِاعْتِكَافُ، لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَيُجْزِئُ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ (بِلَا صَوْمٍ) ، لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا، لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ لَا صَوْمَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ وَكَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ» ، فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ، (إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ) : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) ، فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، (فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) ، لَزِمَهُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ (أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَصُومَ (بِاعْتِكَافٍ) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا، لَزِمَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ أَوْ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» وَقِسْ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ، فَلَزِمَتْهُ بِالنَّذْرِ كَالتَّتَابُعِ وَالْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ، و (كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الْقُرْآنِ، فَلَوْ فَرَّقَ النَّذْرَ وَالصَّلَاةَ مَثَلًا، بِأَنْ صَلَّى فِي وَقْتٍ، وَاعْتَكَفَ فِي وَقْتٍ
آخَرَ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا مَثَلًا مُصَلِّيًا (صَلَاةَ جَمِيعِ زَمَنِ نَذْرِ) اعْتِكَافِهِ، (فَيُجْزِئُهُ رَكْعَتَانِ) فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) تُجْزِئُهُ (رَكْعَةٌ) وَاحِدَةٌ (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ يَكْفِيه رَكْعَةٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي بَابِ النَّذْرِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، فَقَالَ: وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً، فَرَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ، لَانَ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ انْتَهَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُجْزِئُهُ) ، أَيْ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ بِصَوْمٍ (اعْتِكَافٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ) ، كَاعْتِكَافِهِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةٍ، إذْ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ عَنْ وَاجِبَيْنِ.
(وَيَتَّجِهُ) : لَوْ نَذَرَ صَوْمًا (فِي اعْتِكَافٍ) ، وَكَانَ نَذْرُهُ أَنْ يَصُومَ (بَعْضَ يَوْمٍ) ، فَنَوَى الصِّيَامَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، ثُمَّ اعْتَكَفَ، (صِحَّةُ) فَاعِلُ يَتَّجِهُ (نِيَّةِ صَوْمٍ إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ إرَادَتِهِ الِاعْتِكَافِ، وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَتَى بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ يَأْبَى صِحَّةَ هَذِهِ النِّيَّةِ، لِاشْتِرَاطِهِمْ تَبْيِيتَهَا لِكُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ إنْ أَفْطَرَ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (أَثْنَاءَ أَيَّامٍ) مَنْذُورٍ تَتَابُعُهَا، (اعْتَكَفَهَا) حَالَ كَوْنِهِ (صَائِمًا) ، فَإِنَّهُ (يَسْتَأْنِفُ) اعْتِكَافَهَا صَائِمًا، لِقَطْعِهِ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إيصَالُهُ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ الْأَخِيرُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا، أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ، وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِإِخْلَالِهِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ انْتَهَى.
(وَحَرُمَ اعْتِكَافُ زَوْجَةٍ وَقِنٍّ) وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (بِلَا إذْنِ زَوْجٍ) لِزَوْجَتِهِ، (وَسَيِّدٍ) لِرَقِيقِهِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمَا وَتَفُوتُ بِالِاعْتِكَافِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الشَّرْعِ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ، (وَلَهُمَا) ، أَيْ: الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (تَحْلِيلُهُمَا) ، أَيْ: الزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ (مِمَّا شَرَعَا فِيهِ) مِنْ اعْتِكَافٍ وَلَوْ مَنْذُورًا (بِلَا إذْنِ) زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لِحَدِيثِ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ غَيْرِهِمَا إذَنْ، فَكَانَ لِرَبِّ الْحَقِّ الْمَنْعُ، (أَوْ) كَانَا شَرَعَا فِيهِ (بِهِ) ، أَيْ: بِإِذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ، (وَهُوَ) ، أَيْ: مَا شَرَعَا فِيهِ (تَطَوُّعٌ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ» وَيُخَالِفُ الْحَجَّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْ مَنْذُورٍ شَرَعَا فِيهِ بِالْإِذْنِ، (وَالْإِذْنُ) لِلزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ (فِي عَقْدِ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ) ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ لَهُمَا فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، (إذَنْ) لَهُمَا (فِي فِعْلِهِ) ، وَإِنْ أَذِنَا لَهُمَا فِي عَقْدٍ نَذْرٍ زَمَنًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَكُونُ الْإِذْنُ فِي النَّذْرِ إذْنًا فِي الْفِعْلِ، لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ
السَّابِقُ.
(وَإِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا مِنْ نَذْرٍ) غَيْرِ مُعَيَّنٍ (خَالَفَا) ، وَشَرَعَا (فِيهِ) بِغَيْرِ إذْنٍ، (صَحَّ وَأَجْزَأَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (مَعَ أَنَّهُ) ، أَيْ: اعْتِكَافَهُمَا بِغَيْرِ إذْنٍ، (حَرَامٌ، فَلَعَلَّ الْحُرْمَةَ عَارِضَةٌ) لِحَقِّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، (وَلِمُكَاتَبٍ، لَا نَحْوُ أُمِّ وَلَدٍ) كَمُدَبَّرٍ، (اعْتِكَافٌ بِلَا إذْنِ) سَيِّدِهِ نَصًّا، لِمِلْكِهِ مَنَافِعَ نَفْسِهِ.
(وَ) لِمُكَاتَبٍ أَيْضًا (حَجٌّ) بِلَا إذْنٍ نَصًّا، كَاعْتِكَافٍ وَأَوْلَى، لِإِمْكَانِ التَّكَسُّبِ مَعَهُ، لَكِنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، وَيَأْتِي، (مَا لَمْ يَحِلَّ) عَلَيْهِ (نَجْمٌ) فِي غَيْبَتِهِ مِنْ كِتَابَةٍ، فَإِنْ حَلَّ لَمْ يَحُجَّ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، (وَمُبَعَّضٌ كَقِنٍّ) كُلِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، (إلَّا مَعَ مُهَايَأَةٍ) فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ (فِي نَوْبَتِهِ) بِلَا إذْنِ مَالِكِ بَعْضِهِ، (ف) إنَّهُ فِي نَوْبَتِهِ (كَحُرٍّ) ، لِمِلْكِهِ اكْتِسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ.
(وَسُنَّ لِامْرَأَةٍ اسْتِتَارٌ بِخِبَاءٍ، وَنَحْوِهِ) ، «لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، (بِمَكَانٍ لَا يُصَلِّي بِهِ الرِّجَالُ) ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا، نَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمُ.
(وَلَا بَأْسَ بِهِ) ، أَيْ: الْخِبَاءِ (لِرَجُلٍ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي النِّيَّة وَغَيْرهَا]
(فَصْلٌ) (وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ نِيَّةٌ) ، لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَيَجِبُ أَنْ يُعَيَّنَ نَذْرٌ بِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ، لِيَتَمَيَّزَ الْمَنْذُورُ عَنْ التَّطَوُّعِ.
(وَ) يَجِبُ (كَوْنُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ (بِمَسْجِدٍ تُقَامُ بِهِ الْجَمَاعَةُ) ، فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ بِلَا خِلَافٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فَلَوْ صَحَّ بِغَيْرِهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ، إذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُدْخِلُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ، حِذَارًا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، (وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ (مِنْ مُعْتَكِفِينَ) ، لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا، فَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ (إنْ لَزِمَتْهُ) الْجَمَاعَةُ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ مُنْقَضِيَةٌ هُنَا.
(وَأَتَى عَلَيْهِ فِعْلُ صَلَاةٍ) زَمَنَ اعْتِكَافِهِ، (وَإِلَّا) تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ، (صَحَّ) اعْتِكَافُهُ (بِكُلِّ مَسْجِدٍ) ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، (ك) مَا يَصِحُّ اعْتِكَافٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ (مِنْ أُنْثَى) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (8 لَا بِمَسْجِدِ) بَيْتِهَا، (وَهُوَ مَا تَتَّخِذُهُ لِصَلَاتِهَا) ، فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، (لِعَدَمِ صَوْنِهِ عَمَّا حَرُمَ) مِنْ نَجَاسَتِهِ، وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَجُنُبٍ، (وَتَسْمِيَتُهُ مَسْجِدًا مَجَازٌ) ، وَمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ تُقَامُ فِي مَسْجِدٍ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ، جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ فَقَطْ، دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَوْ نَذَرَ) مُكَلَّفٌ (أَنْ يَعْتَكِفَ بِبَيْتِهِ بِصَوْمٍ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ لَا الِاعْتِكَافُ، لِفَقْدِ شَرْطِهِ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ: كَوْنُهُ بِمَسْجِدٍ،
(وَعَكْسِهِ) فِي لُزُومِ الِاعْتِكَافِ بِلَا صَوْمٍ: لَوْ نَذَرَ (أَنْ يَعْتَكِفَ) يَوْمَ (الْعِيدِ) ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (صَائِمًا) ، فَيَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ دُونَ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا إلَّا عَنْ النُّسُكِ لِحَدِيثِ: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» (لَكِنْ يَقْضِي صَوْمَهُ) ، أَيْ: الْيَوْمَ الْمَنْذُورَ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِفَقْدِ الشَّرْطِ فِي الْأُولَى، وَفَوَاتِ الزَّمَنِ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمِنْ الْمَسْجِدِ ظَهْرُهُ) ، أَيْ: سَطْحُهُ، (وَمِنْهُ رَحْبَتُهُ الْمَحُوطَةُ) قَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ، كَرَحْبَةِ جَامِعِ الْمَهْدِيِّ بِالرُّصَافَةِ، فَهِيَ كَالْمَسْجِدِ، لِأَنَّهَا مَعَهُ، وَتَابِعَةٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحُوطَةً، كَرَحْبَةِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ، (وَمِنْهُ مَنَارَتُهُ الَّتِي هِيَ، أَوْ بَابُهَا، بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِمَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَوْ بَابُهَا خَارِجَةً، وَلَوْ قَرِيبَةً، وَخَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَيْهَا لِلْأَذَانِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ مَشَى حَيْثُ يَمْشِي جُنُبٌ لِأَمْرٍ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، كَخُرُوجِهِ إلَيْهَا لِغَيْرِهِ.
(وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (مَا زِيدَ فِيهِ حَتَّى فِي الثَّوَابِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (وَعِنْدَ جَمْعٍ) مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ رَجَبٍ، (وَحُكِيَ عَنْ السَّلَفِ.
وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَيْضًا)
زِيَادَتُهُ كَهُوَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إلَى صَنْعَاءَ، كَانَ مَسْجِدِي» وَقَالَ عُمَرُ لِمَا زَادَ فِي الْمَسْجِدِ: " لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ، كَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَنْ السَّلَفِ خِلَافًا فِي الْمُضَاعَفَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَيْ: الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (خِلَافًا لِجَمْعٍ، كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
(وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ الْمَسْجِدَ غَيْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرَهُمْ، - أَيْ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فِي مَسْجِدِي - هَذَا لِأَجْلِ الْإِشَارَةِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ حُكْمَ الزَّائِدِ حُكْمُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
(وَالْأَفْضَلُ لِرَجُلٍ تَخَلَّلَ اعْتِكَافَهُ جُمُعَةٌ) أَنْ يَعْتَكِفَ فِي (جَامِعٍ) ، أَيْ: مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ لِلْخُرُوجِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَالْخُرُوجِ لِحَاجَتِهِ، وَالْخُرُوجُ إلَيْهَا مُعْتَادٌ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى.
(وَيَتَعَيَّنُ) مَسْجِدٌ جَامِعٌ لِاعْتِكَافٍ (إنْ عُيِّنَ بِنَذْرٍ) ، فَلَا يُجْزِئُهُ مَسْجِدٌ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، حَيْثُ عَيَّنَ الْجَامِعَ بِنَذْرِهِ، (وَلَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ) ، أَيْ: اعْتِكَافَهُ، (جُمُعَةٌ) ، لِأَنَّهُ تَرَكَ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا الْتَزَمَهُ بِنَذْرِهِ، (وَلِمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ) كَامْرَأَةٍ، وَمَرِيضٍ وَمُسَافِرٍ مَعْذُورٍ بِسَفَرِهِ، وَمَنْ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، (أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْجَامِعِ مَعَ الْمَسَاجِدِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، (وَيَبْطُلُ) اعْتِكَافُهُ (بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا، (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجَ إلَى الْجُمُعَةِ، كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ.
(وَمَنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ لِاعْتِكَافِهِ أَوْ صَلَاتِهِ
(مَسْجِدًا غَيْرَ) الْمَسَاجِدِ (الثَّلَاثَةِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، (لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَيُخَيَّرُ) مَنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ مَسْجِدًا غَيْرَ الثَّلَاثَةِ (بَيْنَ اعْتِكَافٍ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ، وَلَوْ تَعَيَّنَ غَيْرُهَا بِالتَّعْيِينِ، لَزِمَ الْمُضِيُّ إلَيْهِ، وَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ الرَّحْلِ، لِقَضَاءِ نَذْرِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إنْ أَرَادَ النَّاذِرُ الِاعْتِكَافَ فِيمَا عَيَّنَهُ غَيْرَهَا، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا، فَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِلَّا، بِأَنْ احْتَاجَ لِشَدِّ الرَّحْلِ، خُيِّرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ قُبَاءَ، فَإِنَّهُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِيه كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ، وَحَكَاهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَيُكَفِّرُ) إنْ اعْتَكَفَ بِغَيْرِ مَا عَيَّنَهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي وَجْهٍ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُكَفِّرُ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُقْنِعِ " وَالشَّارِحُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ " الْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَأَمَّا إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِهَا، لِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا، فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَلَهُ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْهَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَأَفْضَلُهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: (الْحَرَامُ) ، وَهُوَ: مَسْجِدُ مَكَّةَ، (ف) الْمَسْجِدُ (النَّبَوِيِّ، ف) الْمَسْجِدُ (الْأَقْصَى) ، وَهُوَ: مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد.
وَلِأَحْمَدَ،
وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُهُ.
(فَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا، أَوْ) نَذَرَ (صَلَاةً فِي أَحَدِهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، (لَمْ يُجْزِئْهُ) اعْتِكَافٌ وَلَا صَلَاةٌ (فِي غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرُ مَا عَيَّنَهُ لِتَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ فِيهِ (أَفْضَلَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَيُجْزِئُهُ، فَمَنْ نَذَرَ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْأَقْصَى، أَجْزَأَهُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَجُزْأَهُ فِيهِ، وَفِي الْحَرَمِ لَا الْأَقْصَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: شَأْنُك إذَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلَا يُكَفِّرُ) مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا أَوْ صَلَاةً فِي مَسْجِدٍ، ثُمَّ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ فِي مَسْجِدٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، لِأَنَّهُ) عَدَلَ عَمَّا عَيَّنَهُ (لِغَرَضٍ) صَحِيحٍ (وَهُوَ الْأَفْضَلِيَّةُ) ، وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً (فِي سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ (يُجْزِئُهُ فِعْلُ) الصَّلَاةِ (الْمَنْذُورَةِ فِي) سُورَةٍ (أَفْضَلَ مِنْهَا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ نَذَرَ) اعْتِكَافًا وَنَحْوَهُ (زَمَنًا مُعَيَّنًا كَيَوْمٍ وَشَهْرٍ) مَثَلًا، (شَرَعَ) فِيهِ (قَبْلَ دُخُولِهِ) ، أَيْ: الْمُعَيَّنِ، فَيَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْعِشْرِينَ، لِأَنَّ أَوَّلَهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، كَحُلُولِ دُيُونٍ، وَوُقُوعِ عِتْقٍ، وَطَلَاقِ مُعَلَّقَةٍ بِهِ، (وَتَأَخَّرَ) عَنْ الْخُرُوجِ (حَتَّى يَنْقَضِيَ) ، بِأَنْ تَغْرُبَ شَمْسُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ نَصًّا، لِيَسْتَوْفِيَ جَمِيعَهُ.
(وَ) مَنْ نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا وَنَحْوَهُ، (تَابَعَ وُجُوبًا وَلَوْ أَطْلَقَ)
فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالتَّتَابُعِ لَا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ، (فَلَا يُفَرِّقُ يَوْمًا) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (بِسَاعَاتٍ) مِنْ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ.
(وَ) لَا يُفَرِّقُ (شَهْرًا) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (بِأَيَّامٍ) مِنْ أَشْهُرٍ (إلَّا إنْ قَالَ) : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (أَيَّامَ شَهْرٍ) ، فَإِنَّ لَهُ تَفْرِيقَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ أَشْهُرٍ، (وَ) مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوْ يَعْتَكِفَ (عَدَدًا) مِنْ أَيَّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْعَدَدُ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا، (فَلَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرُ (تَفْرِيقُهُ) ، أَيْ: الْعَدَدِ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَالْأَيَّامُ الْمُطْلَقَةُ تُوجَدُ بِدُونِ تَتَابُعٍ (مَا لَمْ يَنْوِ) فِي الْعَدَدِ (تَتَابُعًا، فَيَجِبُ) ، كَمَا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، (وَلَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ يَوْمَ نَذَرَ) اعْتِكَافَهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْيَوْمُ: اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، (ك) مَا لَا يَدْخُلُ (يَوْمٌ لَيْلَةً) نَذَرَ اعْتِكَافَهَا فِيهَا، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنْ اللَّيْلَةِ، (لَكِنْ لَوْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ، أَوْ) أَثْنَاءَ (لَيْلَةٍ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَعْتَكِفَ يَوْمًا، أَوْ لَيْلَةً مِنْ الْآنِ أَوْ مِنْ وَقْتِهِ هَذَا، لَزِمَهُ) الِاعْتِكَاف (مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ) مِنْ الَّذِي يَلِيه، لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاللَّيْلُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَطْعًا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا.
(وَمَنْ نَذَرَ) أَنْ يَعْتَكِفَ وَنَحْوَهُ (يَوْمَيْنِ) فَأَكْثَرَ مُتَتَابِعَيْنِ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَنَحْوَهُ (لَيْلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) ، كَثَلَاثٍ أَوْ عَشْرٍ (مُتَتَابِعَةٍ، لَزِمَهُ) اسْتِغْرَاقُ (مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) ، نَصَّ
عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَاللَّيْلُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ، وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا بَيْنَهَا خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَتَابِعَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَخَلَّلَهَا مِنْ ذَلِكَ، (وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ، فَقَدِمَ) فُلَانٌ (بِأَثْنَائِهِ) ، أَيْ: بِأَثْنَاءِ يَوْمٍ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَمْ يَكُنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَنَّهُ) ، أَيْ: فُلَانًا (يَقْدَمَ يَوْمُ كَذَا) ، إذْ لَوْ أُخْبِرَ أَنَّهُ يَقْدَمُ يَوْمَ كَذَا، لَلَزِمَهُ دُخُولُ مُعْتَكَفِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اعْتَكَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(اعْتَكَفَ الْبَاقِي) مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَلَمْ يَقْضِ الْمَاضِي) مِنْ الْيَوْمِ قَبْلَ قُدُومِهِ، لِفَوَاتِهِ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَجِبْ، (كَنَذْرِ اعْتِكَافٍ زَمَنٍ مَاضٍ) لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ، (وَإِنْ كَانَ لَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرِ، (عُذْرٌ) مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ الِاعْتِكَافَ، (حَالَ قُدُومِهِ) ، أَيْ: فُلَانٍ، (قَضَى وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ فَقَطْ دُونَ مَا مَضَى مِنْهُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَابِعٌ لِلْأَدَاءِ، (وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ لَا لَيْلَةَ يَقْدَمُ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيْلًا، يَحْنَثُ، لِأَنَّ
الْيَوْمَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا الِاحْتِيَاطُ لِلْفُرُوجِ، قَالَهُ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ". (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ، أَيْ: وَلَا شَيْءَ عَلَى النَّاذِرِ: لَوْ جِيءَ بِفُلَانٍ (نَهَارًا مُكْرَهًا أَوْ) جِيءَ بِهِ (مَيِّتًا) ، إذْ هُوَ لَمْ يَجِئْ وَإِنَّمَا جِيءَ بِهِ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ قُدُومٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ مَثَلًا فَنَقَصَ) الْعَشَرُ، (أَجُزْأَهُ) صِيَامُ تِسْعَةٍ مِنْ آخِرِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، و (لَا) يُجْزِئُهُ صِيَامُ هَذِهِ التِّسْعَةِ أَيَّامٍ (إنْ) كَانَ (نَذَرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) ، وَصَامَ تِسْعَةً، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشَّهْرَ نَاقِصٌ، (فَيَقْضِي يَوْمًا) وُجُوبًا، وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ.
(وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، كَفَاهُ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ) بِلَيَالِيِهِ، أَوْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا، لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا، وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا، (وَمَنْ اعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ عَشَرَهُ) الْأَخِيرَ، (سُنَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ) لِإِحْيَائِهَا، (وَيَخْرُجَ مِنْهُ لِلْمُصَلَّى) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ لِمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْمَسْجِدِ.
انْتَهَى.
وَيَكُونُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ.
[فَصْلٌ خُرُوج الْمُعْتَكَف]
(فَصْلٌ) (يَحْرُمُ خُرُوجٌ مِنْ) ، أَيْ: مُعْتَكَفٍ (لَزِمَهُ تَتَابُعٌ) ، لِأَنَّهُ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِالتَّتَابُعِ أَوْ نِيَّةٍ لَهُ، أَوْ إتْيَانِهِ بِمَا يَقْتَضِيه كَشَهْرٍ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) لِاعْتِكَافِهِ، فَلَا يَحْرُمُ خُرُوجُهُ مُكْرَهًا بِلَا حَقٍّ أَوْ نَاسِيًا (إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، كَإِتْيَانِهِ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، لِعَدَمِ) مَنْ يَأْتِيه بِهِ نَصًّا، (وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ بِبَيْتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا.
يَأْكُلُ فِي (سُوقٍ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ.
(وَ) لَهُ الْخُرُوجُ (لِبَوْلٍ وَغَائِطٍ) إجْمَاعًا.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ.
(وَ) لَهُ الْخُرُوجُ ل (قَيْءٍ) بَغَتَهُ، (وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، (وَ) لَهُ الْخُرُوجُ ل (طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ) كَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ لِحَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ (وَلَوْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ) ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ (مَعَ أَنَّهُ) ، أَيْ: فِعْلَ الطَّهَارَةِ، (يُبَاحُ بِمَسْجِدٍ، وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجِ (بُدٌّ) ، أَيْ: مَنْدُوحَةٌ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَذِيَّةٍ بِهِمَا، فَإِنْ آذَى بِهِمَا الْمَسْجِدَ، حَرُمَ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (الْمَشْيُ إذَا خَرَجَ) لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ (عَلَى عَادَتِهِ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ مُخَالَفَتُهَا فِي سُرْعَةٍ، (وَ) لَهُ (قَصْدُ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مِنَّةٍ) ، كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا، وَلَا نَقْصٍ
عَلَيْهِ.
(وَيَلْزَمُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ) لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ، بِخِلَافِ مَنْ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَبْعَدِ مِنْهُ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِ لِلِاعْتِكَافِ.
و (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (مَا) ، أَيْ: مَنْزِلٍ (بُذِلَ لَهُ) لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ بِهِ، (لِلْمِنَّةِ) وَالْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ مِنْهُ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يَغْسِلَ يَدَهُ بِمَسْجِدٍ فِي إنَاءٍ مِنْ نَحْوِ وَسَخٍ وَزَفَرٍ وَ) قِيَامٍ مِنْ (نَوْمِ لَيْلٍ) ، وَيُفْرِغُ الْإِنَاءَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُصَلِّينَ بِهِ، وَلَا يَخْرُجُ لِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ بِإِنَاءٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (أَوْ فِي هَوَائِهِ) ، مُعْتَكِفًا كَانَ الْغَاسِلُ أَوْ لَا، (كَبَوْلٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ صِيَانَتُهُ عَنْهُ، وَهَوَاؤُهُ كَقَرَارِهِ.
(وَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، (جَازَ خُرُوجُهُ) لِذَلِكَ، (ك) خُرُوجِهِ لِصَلَاةِ (جُمُعَةٍ وَشَهَادَةٍ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً (لَزِمَتَاهُ) ، لِوُجُوبِهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَيَخْرُجُ لَهُمَا، (وَ) ك (مَرِيضٍ وَجِنَازَةٍ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لَهَا) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ تَعَيَّنَتْ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ دَفْنُ مَيِّتٍ أَوْ تَغْسِيلُهُ، فَكَشَهَادَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ مَرِيضٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَمْرِيضُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ (سُلُوكُ طَرِيقٍ أَقْرَبَ) ، بَلْ لَهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ، (وَلَا) يَلْزَمُهُ (رُجُوعُهُ بَعْدَ) صَلَاةِ (جُمُعَةٍ فَوْرًا، بَلْ يُسَنُّ) رُجُوعُهُ إلَى مُعْتَكَفِهِ فَوْرًا لِيُتِمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (ك) مَا يُسَنُّ (عَدَمُ تَبْكِيرٍ لَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، اقْتِصَارًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ نَذْرِ اعْتِكَافِهِ (شَرْطُ الْخُرُوجِ إلَى مَا لَا يَلْزَمُهُ) خُرُوجُهُ إلَيْهِ (مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْمَرِيضِ وَالْجِنَازَةِ، (وَلِكُلِّ قِرْبَةٍ لَمْ تَتَعَيَّنْ) عَلَيْهِ (كَزِيَارَةِ) صَدِيقٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ (وَغُسْلِ مَيِّتٍ، أَوْ مَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ ك) شَرْطِ (عَشَاءٍ وَمَبِيتٍ بِمَنْزِلِهِ) ، لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَذَرَ الزَّمَنَ الَّذِي أَقَامَهُ فَقَطْ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الْعَشَاءِ وَالْمَبِيتِ، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهَا.
و (لَا) يَصِحُّ (شَرْطُ خُرُوجٍ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِمَا شَاءَ، أَوْ) شَرْطُ (تَكَسُّبٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِصَنْعَةٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الِاعْتِكَافَ صُورَةً وَمَعْنًى، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ بِالْمَسْجِدِ، وَكَالْوَقْفِ، لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ مَا يُنَافِيه، (وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ) إذَا تَكَسَّبَ (بِهَا) ، أَيْ: صَنْعَتِهِ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ قَبْلَ اعْتِكَافِهِ، (لِأَنَّهُ عَاصٍ) بِتَكَسُّبِهِ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لَا) عَاصٍ (بِهِ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى مَسْحِ الْمُسَافِرِ وَقَصْرِهِ، (وَلِأَنَّهُ) ، أَيْ: التَّكَسُّبَ بِالصَّنْعَةِ (إنَّمَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ) وَفِي التَّكَسُّبِ فِي الصِّنَاعَاتِ نَوْعُ انْتِهَاك، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْمُعْتَكِفُ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ مَا بُنِيَ لَهُ، مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الِاعْتِكَافِ، لَمْ يَبْطُلْ، وَيَكُونُ آثِمًا عَاصِيًا فِيهِ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ، فَهُوَ عَاصٍ بِهِ، وَلَا اعْتِكَافَ لَهُ.
(وَإِنَّ قَالَ: مَتَى مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْت، جَازَ كَشَرْطِ إحْرَامٍ) فَيَسْتَفِيدُ جَوَازَ التَّحَلُّلِ إذَا حَدَثَ عَائِقٌ عَنْ الْمُضِيِّ.
(وَيَتَّجِهُ: مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ شَرْطٍ فِي نَذْرِ اعْتِكَافٍ (خُرُوجٌ مِنْ صَلَاةٍ نَذَرَهَا) وَشَرْطُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهَا، (إنْ عَرَضَ) لِي (عَارِضٌ) مِنْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، أَوْ تَخْلِيصِ مَعْصُومٍ مِنْ هَلَكَةٍ، أَوْ إطْفَاءِ حَرِيقٍ، خَرَجْتُ، فَلَهُ شَرْطُهُ، (أَوْ) شَرَطَ خُرُوجًا (مِنْ صَوْمٍ إنْ جَاعَ) جُوعًا مُفْرِطًا، فَلَهُ شَرْطُهُ اسْتِبْقَاءً لِنَفْسِهِ، (أَوْ) شَرَطَ إنْ (ضُيِّفَ) - بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ،
أَيْ: دُعِيَ إلَى ضِيَافَةٍ - وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا يَنَالُهُ مِنْ رَبِّهَا ضَرَرٌ، فَلَهُ شَرْطُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ (تَعَيُّنُ نَفِيرٍ) اُحْتِيجَ إلَيْهِ، (وَإِطْفَاءُ حَرِيقٍ وَإِنْقَاذُ نَحْوِ غَرِيقٍ) كَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ، (وَمَرَضٍ شَدِيدٍ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمَقَامُ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ مَعَهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ، (وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) ، جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ، لِأَنَّهُ عُذِرَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِمَرَضٍ خَفِيفٍ، كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَوَجَعِ ضِرْسٍ، لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، (وَ) كَذَا (عِدَّةُ وَفَاةٍ) إذَا مَاتَ زَوْجُ مُعْتَكِفَةٍ، فَلَهَا الْخُرُوجُ لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ آدَمِيٍّ يَفُوتُ إذَا تُرِكَ لَا إلَى بَدَلٍ، بِخِلَافِ النَّذْرِ.
(وَتُتَحَيَّضُ نَدْبًا) مُعْتَكِفَةٌ حَاضَتْ (بِخِبَاءٍ فِي رَحْبَتِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (غَيْرِ الْمَحُوطَةِ إنْ كَانَتْ) لَهُ رَحْبَةٌ (وَأَمْكَنَ) تَحَيُّضُهَا فِيهَا (بِلَا ضَرَرٍ) فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتِ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
(إلَّا) يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ رَحْبَةٌ، أَوْ كَانَتْ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، تَحَيَّضَتْ (بِبَيْتِهَا) ، لِأَنَّهُ أَوْلَى فِي حَقِّهَا إلَى أَنْ تَطْهُرَ فَتَعُودَ، وَتُتَمِّمَ اعْتِكَافَهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إلَّا الْقَضَاءُ أَيَّامَ حَيْضِهَا.
(وَتَقْضِي أَيَّامَ نَحْوِ حَيْضِهَا) كَإِخْرَاجِهَا وَحَبْسِهَا لِحَقٍّ وَاجِبٍ.
(وَكَحَيْضٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ (نِفَاسٌ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (لَا اسْتِحَاضَةٌ) ، لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ (فَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَمِرُّ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا، وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَيَجِبُ) عَلَى مُعْتَكِفٍ (فِي) اعْتِكَافٍ (وَاجِبٍ) خَرَجَ لِعُذْرٍ يُبِيحُهُ (رُجُوعٌ) إلَى مُعْتَكَفِهِ (بِزَوَالِ عُذْرٍ) ، لِأَنَّهُ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) رُجُوعَهُ إلَى مُعْتَكَفِهِ (عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ) ، أَيْ: إمْكَانِ الرُّجُوعِ، وَلَوْ يَسِيرًا (بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ) مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، (وَلَا يَضُرُّ تَطَاوُلُ خُرُوجٍ مُعْتَادٍ، ك) خُرُوجٍ (لِحَاجَةِ بَوْلٍ) أَوْ غَائِطٍ، (وَطَهَارَةٍ) مِنْ حَدَثٍ (وَطَعَامٍ وَشَرَابٍ وَجُمُعَةٍ، ف) لَا يَنْقُصُ تَطَاوُلُهُ مُدَّةَ الِاعْتِكَافِ، و (لَا يَقْضِي مُدَّةَ خُرُوجِهِ) ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْمُعْتَادِ كَالْمُسْتَثْنَى لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَلَا كَفَّارَةَ، (ك) مَا لَا يَضُرُّ (يَسِيرُ) خُرُوجٍ لِعُذْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، كَنَفِيرٍ وَشَهَادَةٍ وَاجِبَةٍ، وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ، وَمَرَضٍ وَقَيْءٍ بَغَتَهُ، وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ، وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَقْضِي الْوَقْتَ الْفَائِتَ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ، (لَا تَطَاوُلَهُ) ، أَيْ:
الْخُرُوجَ، لِعُذْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، (فَإِنْ تَطَاوَلَ) غَيْرُ الْمُعْتَادِ (عُرْفًا) ، فَإِنْ كَانَ (فِي تَطَوُّعٍ، خُيِّرَ بَيْنَ رُجُوعٍ وَعَدَمِهِ) ، لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ (وَ) إنْ كَانَ (فِي) اعْتِكَافٍ (وَاجِبٍ) ، فَإِنَّهُ (يَجِبُ رُجُوعُهُ لِمُعْتَكَفِهِ) لِأَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرِ (ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: الْحَالُ الْأُولَى، أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَفِي نَذْرٍ مُتَتَابِعٍ) كَشَهْرٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) ، اعْتَكَفَ بَعْضَهُ، (ثُمَّ خَرَجَ لِعُذْرٍ) غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَطَالَ خُرُوجُهُ، (يُخَيَّرُ بَيْنَ بِنَاءٍ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَيَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيَكُونُ مُتَتَابِعًا، (وَيُكَفِّرُ كَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) ، لِأَنَّ النَّذْرَ حَلْفَةٌ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ عَلَى وَجْهِهِ، (وَبَيْنَ اسْتِئْنَافِ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ، لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ) ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ الِاعْتِكَافُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ.
وَأُشِيرَ إلَى الْحَالِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ) كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَنَةِ كَذَا مَثَلًا، (يَقْضِي) مَا فَاتَهُ مِنْهُ زَمَنَ خُرُوجِهِ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ) .
وَأُشِيرَ إلَى الْحَالِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي نَذْرِ أَيَّامٍ مُطْلَقَةٍ كَخَمْسٍ) ، وَلَمْ يَقُلْ مُتَتَابِعَةٌ، وَلَمْ يَنْوِهِ، (يُتَمِّمُ) ، أَيْ: يُتَمِّمُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا (بِلَا كَفَّارَةٍ) ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالنَّذْرِ عَلَى وَجْهِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ، (لَكِنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) الَّذِي خَرَجَ فِيهِ، بَلْ يَسْتَأْنِفُ بَدَلَهُ يَوْمًا كَامِلًا لِئَلَّا يُفَرِّقَهُ.
[فَصْلٌ خَرَجَ مُعْتَكِفٌ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ]
(فَصْلٌ) (وَإِنْ خَرَجَ) مُعْتَكِفٌ (لِمَا) ، أَيْ: أَمْرٍ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا مَرَّ، فَبَاعَ وَاشْتَرَى) وَلَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِذَلِكَ، جَازَ، (أَوْ سَأَلَ عَنْ مَرِيضٍ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَرِيضِ (وَلَمْ يُعَرِّجْ) ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَرَّجَ تَعْرِيجًا: مَيَّلَ وَأَقَامَ، وَحَبَسَ الْمَطِيَّةَ عَلَى الْمَنْزِلِ.
(أَوْ يَقِفْ لِذَلِكَ) ، جَازَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «إنِّي كُنْت لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ اللَّبْثِ الْمُسْتَحَقِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ، أَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي مُرُورِهِ، (أَوْ) خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ثُمَّ (دَخَلَ مَسْجِدًا يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ بِهِ أَقْرَبَ لِمَحَلِّ حَاجَتِهِ مِنْ) الْمَسْجِدِ (الْأَوَّلِ) الَّذِي كَانَ فِيهِ، جَازَ، (أَوْ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ فَخَرَجَ) لِمَسْجِدٍ (غَيْرِهِ، جَازَ) ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِصَرِيحِ النَّذْرِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِشُرُوعِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ بِذَلِكَ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ، فَخَرَجَ إلَى الْآخَرِ، وَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (وَإِنْ وَقَفَ) فِي طَرِيقِهِ، (أَوْ كَانَ) الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَهُ (أَبْعَدَ) مِنْ مَحَلِّ حَاجَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ، بَطَلَ، (أَوْ خَرَجَ لَهُ ابْتِدَاءً) بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ، (أَوْ تَلَاصَقَا) ، أَيْ: الْمَسْجِدَانِ، (وَمَشَى فِي انْتِقَالِهِ) بَيْنَهُمَا خَارِجًا عَنْهُمَا (بِلَا عُذْرٍ) ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِتَرْكِهِ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا، فَإِنْ لَمْ يَمْشِ خَارِجًا عَنْهُمَا فِي انْتِقَالِهِ لِلثَّانِي، لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ.
(أَوْ أَخْرَجَ) مُعْتَكَفٌ (لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَهُ وَفَاؤُهُ) بِلَا خُرُوجٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّ لَهُ بُدًّا مِنْ أَنْ لَا يَخْرُجَ (أَوْ سَكِرَ) مُعْتَكِفٌ.
(وَيَتَّجِهُ) حَيْثُ كَانَ (آثِمًا) بِسُكْرِهِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ كَانَ سُكْرُهُ لَيْلًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، كَالْمَرْأَةِ تَحِيضُ، لَكِنَّ الْمَرْأَةَ مَعْذُورَةٌ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْذُورٍ، أَمَّا لَوْ شَرِبَ جَاهِلًا أَنَّهُ خَمْرٌ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الشُّرْبِ فَسَكِرَ، لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ، كَمَا لَوْ نَامَ وَيَبْنِي
بَعْدَ إفَاقَتِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ ارْتَدَّ) مُعْتَكِفٌ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] وَلِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ رِدَّتَهُ فِي الصَّوْمِ.
(أَوْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (كُلُّهُ) لِمَا لَهُ، مِنْهُ بُدٌّ (بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ قَلَّ زَمَنُ خُرُوجِهِ) ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِتَرْكِهِ اللَّبْثَ بِلَا حَاجَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَ، فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ نَصًّا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَيَّ فَأُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجَ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ إنْ كَانَ) حِينَ فَعَلَهُ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (ذَاكِرًا عَامِدًا مُخْتَارًا، أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَخْرَجَ لِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ نَوَاهُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَتَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَنِيعِهِمْ مُسَاعِدٌ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، بَلْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، كَمَا إذَا نَوَى مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيهَا، فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ حَتَّى يَنْوِيَ قَطْعَهَا.
(وَلَزِمَ) مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا مَرَّ (اسْتِئْنَافُ اعْتِكَافٍ) عَلَى صِفَةِ مَا بَطَلَ (مُتَتَابِعٍ بِشَرْطِ) كُلِّهِ عَلَى إنْ اعْتَكَفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً، أَوْ شَهْرًا (أَوْ) مُتَتَابِعًا ب (نِيَّةِ) ، كَأَنْ نَذَرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَنَوَاهَا مُتَتَابِعَةً، ثُمَّ شَرَعَ، وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَنْذُورِ عَلَى صِفَتِهِ، فَلَزِمَهُ كَحَالِ الِابْتِدَاءِ (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، (وَ) لَزِمَ (اسْتِئْنَافُ) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ قُيِّدَ بِتَتَابُعٍ) كُلُّهُ عَلَى إنْ اعْتَكَفَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ مُتَتَابِعًا (أَوْ لَا) ، أَيْ: لَمْ يُقَيِّدْ بِتَتَابُعٍ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ
يَعْتَكِفَ الْمُحَرَّمَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لِدَلَالَتِهِ التَّعْيِينَ عَلَيْهِ، (وَيُكَفِّرُ) فِي الصُّورَتَيْنِ، لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، (وَيَكُونُ قَضَاءُ كُلٍّ) مِنْ التَّتَابُعِ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ، وَالْمُعَيَّنِ، (وَ) يَكُونُ (اسْتِئْنَافُهُ) ، أَيْ: كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاعْتِكَافِ الْمَقْضِيِّ وَالْمُسْتَأْنَفِ (عَلَى صِفَةِ أَدَائِهِ فِيمَا يُمْكِنُ) ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْرُوطًا فِيهِ الصَّوْمُ أَوْ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَقْضِيَّ أَوْ الْمُسْتَأْنَفَ يَكُونُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ زَمَنًا وَمَضَى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ، لَزِمَهُ شَهْرٌ غَيْرُهُ بِلَا صَوْمٍ) ، لِأَنَّ الْفَائِتَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافِهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ.
(وَيَبْطُلُ اعْتِكَافٌ بِوَطْءِ) مُعْتَكِفٍ فِيهِ (وَلَوْ) وَطِئَ (نَاسِيًا) نَصًّا.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) وَطِئَ (مُكْرَهًا) إذْ الْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي، وَأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَفِي فَرْجٍ) ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَأْنَفَ الِاعْتِكَافَ» وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَفْسُدُ بِالْوَطْءِ عَمْدًا فَكَذَلِكَ سَهْوًا كَالْحَجِّ، (أَوْ دُونَهُ) ، أَيْ: الْفَرْجِ (وَأَنْزَلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ، كَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، (ف) إنْ وَطِئَ مُعْتَكِفٌ (فِي نَفْلٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِفْسَادِهَا كَفَّارَةٌ كَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهَا، فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) إنْ وَطِئَ (فِي نَذْرٍ، فَكَمَا مَرَّ) مُفَصَّلًا، (قَالَ الْمُنَقِّحُ: فَهُوَ كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْخُرُوجِ) ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا، (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (لَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِنْزَالٍ بِنَحْوِ لَمْسٍ وَتَقْبِيلٍ) وَاسْتِمْنَاءٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ لِهَذَا الْإِنْزَالِ بَلْ لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ.
(وَجَازَ) لِلْمُعْتَكِفِ تَقْبِيلٌ و (مُبَاشَرَةٌ) دُونَ فَرْجٍ (بِغَيْرِ شَهْوَةٍ) كَغُسْلِ رَأْسِهِ، وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
(وَلَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِغْمَاءٍ) ، لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهُ كَالنَّوْمِ وَأَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَا يَبْطُلُ ب (جُنُونٍ) ، لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَقْضِي) مُعْتَكِفٌ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ (زَمَنَ إغْمَاءِ) هـ إذْ هُوَ (كَنَائِمٍ) وَالنَّائِمُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (وَلَا) يَقْضِي (زَمَنَ جُنُونِهِ) أَيْضًا (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ مَا يَسُنّ لِلْمُعْتَكِفِ]
(فَصْلٌ) (سُنَّ لِمُعْتَكِفٍ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ ثِيَابٍ، وَتَلَذُّذٌ بِمُبَاحٍ لَهُ قَبْلَ اعْتِكَافِهِ وَعَدَمُ نَوْمٍ إلَّا عَنْ غَلَبَةِ) نُعَاسٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ، وَلَا يَنَامُ مُضْطَجِعًا بَلْ (مُتَرَبِّعًا أَوْ مُسْتَنِدًا) . وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ إنْ شُتِمَ: إنِّي مُعْتَكِفٌ) قِيَاسًا لَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (تَشَاغُلٌ) بِفِعْلِ الْقُرَبِ، أَيْ: كُلِّ (مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (كَصَلَاةٍ وَذِكْرٍ) وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيه) - بِفَتْحٍ أَوَّلِهِ، أَيْ: يَهُمُّهُ - (كَجِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلَامٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . (وَكُرِهَ ذَلِكَ لِمُعْتَكِفٍ وَغَيْرِهِ) .
رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرٌ بِمَعْرُوفِ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ فِي مَعِيشَتِك بِمَا لَا بُدَّ لَك مِنْهُ.
وَالْجَدَلُ: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَالْمُجَادَلَةُ الْمُنَاظَرَةُ، وَالْمُخَاصَمَةُ، وَالْمِرَاءُ: هُوَ الْجِدَالُ، فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَا أُوتِيَ قَوْمٌ الْجَدَلَ إلَّا ضَلُّوا» وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
(وَلَا يُسَنُّ لَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (إقْرَاءُ قُرْآنٍ، وَ) تَدْرِيسُ (عِلْمٍ، وَمُنَاظَرَةٌ فِيهِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا ذَلِكَ كَالطَّوَافِ، (فَإِنْ فَعَلَ) الِاعْتِكَافَ مَعَ إقْرَاءِ الْقُرْآنِ، وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ، وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ بِلَا مُبَاهَاةٍ، (فَلَا بَأْسَ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ، وَكُرِهَ أَنْ يَتَطَيَّبَ) الْمُعْتَكِفُ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا فَكَانَ تَرْكُ التَّطَيُّبِ فِيهَا مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَظَّفَ، وَ) لَا (أَنْ تَزُورَهُ) فِي الْمَسْجِدِ (نَحْوُ زَوْجَتِهِ) كَأَمَتِهِ (وَتَتَحَدَّثُ مَعَهُ، وَتُصْلِحُ نَحْوَ شَعْرِهِ مَا لَمْ يَلْتَذَّ) بِشَيْءٍ مِنْهَا، (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيه لَا كَثِيرًا) «لِأَنَّ صَفِيَّةَ زَارَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَدَّثَ مَعَهَا» ، «وَرَجَّلَتْ عَائِشَةُ رَأْسَهُ» ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا) بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُهُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " أَيُّمَا رَجُلٍ اعْتَكَفَ فَلَا يُسَابُّ، وَلَا يَرْفُثُ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ - أَيْ: وَهُوَ يَمْشِي - وَلَا يَجْلِسْ عِنْدَهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَ) لَا بَأْسَ أَنْ (يَتَزَوَّجَ بِالْمَسْجِدِ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) ، لِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَحُضُورُهُ قُرْبَةٍ، وَمُدَّتُهُ لَا تَتَطَاوَلُ، فَهُوَ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يُصْلِحَ) بَيْنَ النَّاسِ (وَيَعُودَ) الْمَرِيضَ، وَيُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، (وَيُهَنِّئَ وَيُعَزِّيَ، وَيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيه.
(وَيُكْرَهُ صَمْتُهُ عَنْ الْكَلَامِ إلَى اللَّيْلِ) ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(وَإِنْ نَذَرَهُ) ، أَيْ: الصَّمْتَ، (لَمْ يَفِ بِهِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَأَنْ يَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمْ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد.
و" دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ، يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالُوا: حَجَّتْ مُصْمَتَةً، فَقَالَ لَهَا:
تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
و (قَالَ الشَّيْخَانِ) الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: (ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ: تَحْرِيمُهُ) ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي ".
(وَيَتَّجِهُ) : تَحْرِيمُ الصَّمْتِ: (إنْ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً) ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَالتَّحْقِيقُ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إنْ طَالَ حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلَامِ الْوَاجِبِ، صَارَ حَرَامًا، كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ، وَكَذَا إنْ تَعَبَّدَ بِالصَّمْتِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُسْتَحَبِّ، وَالْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَيْسَ هُوَ) ، أَيْ: الصَّمْتُ، (مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.
وَتَقَدَّمَ، (وَ) لَا يُعَارِضُهُ (حَدِيثُ) أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمِ، حَدِيثُ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ) ، لِأَنَّ هَذَا (مَحْمُولٌ عَلَى الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] (وَمَرَّ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ تَحْرِيمُ جَعْلِ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ) مُسْتَوْفًى فَرَاجِعْهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَرَأَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ، أَوْ قَرَأَ مَا يُنَاسِبُهُ، فَحَسَنٌ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ لِذَنْبٍ تَابَ عَنْهُ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: 16] وَقَوْلِهِ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] .
و (يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لَبْثِهِ فِيهِ) لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِنْهَاجِ " وَمَعْنَاهُ فِي " الْغُنْيَةِ ".
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]
(فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ (الْمَسَاجِدِ) (بِنَاؤُهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ (بِقُرَى وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا: الْجُسُورُ وَالْقَنَاطِرُ، وَأَرَاهُ ذَكَرَ الْمَصَانِعَ وَالْمَسَاجِدَ انْتَهَى.
وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِي الْحَثِّ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ، وَأَحَادِيثُ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَتَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: الْمَسَاجِدُ (أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى، (وَعَكْسُهَا الْأَسْوَاقُ) ، وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى لَهُ اللَّهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْر: حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ -، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ مُرَاعَاةُ أَبْنِيَتِهَا) بِإِصْلَاحِهَا وَتَرْمِيمِهَا لِلْأَخْبَارِ.
(وَ) سُنَّ (صَوْنُهَا عَنْ كُلِّ قَذَرٍ كَمُخَاطٍ) وَوَسَخٍ، وَقَذَاةِ عَيْنٍ، وَقُلَامَةِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إبِطٍ.
(وَ) سُنَّ صَوْنُهُ أَيْضًا عَنْ (تَلْوِيثٍ بِطَاهِرٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ.
(مَا لَمْ يُؤْذِ الْمُصَلِّينَ، فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، (وَعَلَى مَنْ لَوَّثَهُ تَنْظِيفُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ وُجُوبًا.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُصَانَ (عَنْ) ذِي (رَائِحَةٍ) كَرِيهَةٍ مِنْ (نَحْوِ بَصَلٍ) كَثُومٍ وَفُجْلٍ وَكُرَّاثٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(فَإِنْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ (آكِلُهُ) ، أَيْ: آكِلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، (أَوْ) دَخَلَهُ (مَنْ لَهُ صُنَانٌ أَوْ بَخْرٌ قَوِيٌّ، أُخْرِجَ) ، أَيْ: اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهُ.
(وَتَقَدَّمَ) فِي زَكَاةِ الْأَثْمَانِ (تَحْرِيمُ زَخْرَفَتِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِنَقْدٍ) ، فَلْيُرَاجَعْ.
(وَتُكْرَهُ) زَخْرَفَتُهُ (بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ) عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا، (وَإِنْ كَانَ) فَعَلَ ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، حَرُمَ) فِعْلُهُ، (وَوَجَبَ الضَّمَانُ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ، لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، (وَلَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ وَتَبْيِيضِ حِيطَانِهِ) ، قَالَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ، (وَلَمْ يَرَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا، لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَعَلَيْهِ، يَحْرُمُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْأَوَّلِ.
(وَيُصَانُ) الْمَسْجِدُ (عَنْ تَعْلِيقِ نَحْوِ مُصْحَفٍ بِقِبْلَةٍ) دُونَ وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ، قَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ وَنَحْوُهُ.
(وَحَرُمَ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بَيْعٌ وَشِرَاءُ، وَلَا يَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ،
قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، اُحْتِيجَ إلَيْهِ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْقَصِيرَ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّ هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ، فَإِنْ أَرَدْت الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا.
(خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالشَّارِحُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ هُنَا لِلْحَاجَةِ (وَالْإِجَارَةَ كَبَيْعٍ) ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهُ.
(وَسُنَّ قَوْلُ) مَنْ رَأَى إنْسَانًا يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك) رَدْعًا لَهُ، (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْغُسْلِ مَنْعُ نَحْوِ سَكْرَانَ) كَمَجْنُونٍ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، صِيَانَةً لَهُ، (وَتَحْرِيمُ تَكَسُّبٍ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا، لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يَرْعَى الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَرَشٍّ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِنَّ الِاعْتِكَافُ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ، (وَلَا بَأْسَ ب) عَمَلٍ (يَسِيرٍ) فِي الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ تَكَسُّبٍ، كَرَفْعِ ثَوْبِهِ) وَخَصْفِ نَعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعَاشِ.
(وَقُعُودُ صَانِعٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لِيَنْظُرَ مَنْ يَكْرِيه) بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُ مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعٌ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
(وَإِنْ وَقَفَ) صَانِعٌ وَغَيْرُهُ (خَارِجَ بَابِهِ) يَنْتَظِرُ مَنْ يَكْرِيه، (فَلَا بَأْسَ) ، لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ.
(قَالَ) (الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: (لَا أَرَى لِرَجُلٍ) ، أَيْ:
شَخْصٍ (دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ) ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10] (وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْعِلْمِ) ، وَلَمْ يَعْصِمْهُمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ إلَّا الْعَجْزُ عَنْهُ: (وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ، يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ،،) وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَيَجُوزُ تَعْلِيمُ كِتَابَةٍ لِصِبْيَانٍ) فِي الْمَسْجِدِ بِالْأُجْرَةِ، قَالَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " بِشَرْطِ أَنْ (لَا يَحْصُلَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، كَتَلْوِيثِهِ بِحِبْرٍ وَنَحْوِهِ.
(وَسُنَّ صَوْنُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (عَنْ) صَغِيرٍ (غَيْرِ مُمَيِّزٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ) وَلَا فَائِدَةٍ.
وَصَوْنُهُ (عَنْ لَغَطٍ وَخُصُومَةٍ، وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ) لَغْوٍ، (وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ وَ) صَوْنُهُ (عَنْ اتِّخَاذُهُ طَرِيقًا بِلَا حَاجَةٍ، وَكَوْنِهِ) ، أَيْ: الِاتِّخَاذُ طَرِيقًا (أَقْرَبَ) إلَى غَرَضِهِ (حَاجَةً) ، فَلَا كَرَاهَةَ إذَنْ.
(وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (وِفَاقًا) لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) شَرْعِيٍّ وَوَسَائِلِهِ، إذْ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (وَنَحْوِهِ) كَذِكْرٍ مَشْرُوعٍ، (خِلَافًا لِ) الْإِمَامِ (مَالِكٍ) فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، (وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) ، أَيْ: رَفْعِ الصَّوْتِ.
(وَ) سُنَّ أَنْ (يُصَانَ) الْمَسْجِدُ عَنْ رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّعِبِ، و (عَنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ مِنْ غِنَاءٍ وَتَصْفِيقٍ، وَضَرْبٍ بِدُفٍّ، وَإِنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ، وَعَمَلِ سَمَاعٍ، وَإِنْشَادِ ضَالَّةٍ) ، أَيْ: تَعْرِيفُهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:
(وَنِشْدَانُهَا) ، أَيْ: طَلَبُهَا، (وَسُنَّ لِسَامِعِهِ) ، أَيْ: سَامِعِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ، (قَوْلُ: لَا وَجَدْتهَا، وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» .
(وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ إقَامَةِ حَدٍّ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى "، (وَسَلِّ سَيْفٍ) ، وَنَحْوِهِ مِنْ السِّلَاحِ احْتِرَامًا لَهُ.
(وَيُمْنَعُ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (اخْتِلَاطُ رِجَالٍ بِنِسَاءٍ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ، (وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (إيذَاءُ مُصَلِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) ، لِحَدِيثِ «مَا أَنْصَفَ الْقَارِئُ الْمُصَلِّيَ» وَحَدِيثِ «أَلَّا كُلُّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ» .
(وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (مُنَاظَرَةٌ بِعِلْمٍ لِمُغَالَبَةٍ وَمُنَافَرَةٍ) ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً، دَخَلَ فِي حَيِّزِ الْمُلَاحَاةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى.
(وَيُبَاحُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (عَقْدُ نِكَاحٍ) بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، (وَقَضَاءٌ وَحُكْمٌ وَلِعَانٌ) ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ: «قَالَ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَإِنْشَادُ شِعْرٍ مُبَاحٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَ) يُبَاحُ (إدْخَالُ نَحْوِ بَعِيرٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَنَوْمٌ بِهِ لِمُعْتَكِفٍ وَغَيْرِهِ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَأَنْكَرَ الضَّجْعَةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ نَوْمَهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ يَنَامُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَ) يُبَاحُ (مَبِيتُ ضَيْفٍ وَمَرِيضٍ وَ) تُبَاحُ (قَيْلُولَةٌ) فِيهِ لِمُجْتَازٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ، فَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنْ نَامَ قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ، فَلَهُمْ إقَامَتُهُ، لِكَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ.
(وَكُرِهَ تَطْيِينُهُ وَبِنَاؤُهُ بِنَجِسٍ) مِنْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيَاسُهُ تَجْصِيصُهُ بِجِصٍّ نَجِسٍ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَالتَّحْرِيمُ فِي الْكُلِّ أَظْهَرُ.
(وَ) كُرِهَ (خَوْضٌ وَفُضُولٌ) مِنْ كَلَامٍ، (وَحَدِيثٍ فِيهِ بِأَمْرِ دُنْيَا وَارْتِفَاقٌ بِهِ) ، أَيْ: بِالْمَسْجِدِ، (وَإِخْرَاجُ حَصَاهُ وَتُرَابِهِ لِتَبَرُّكٍ) بِهِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا تُسْتَعْمَلُ حُصْرُهُ وَقَنَادِيلُهُ) ، وَسَائِرُ مَا وُقِفَ لِمَصَالِحِهِ (فِي نَحْوِ عُرْسٍ وَتَعْزِيَةٍ) وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُوقَفْ لِذَلِكَ.
وَيَجِبُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ.
(وَحَرُمَ حَفْرُ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ نَصًّا (وَ) حَرُمَ (غَرْسُ شَجَرٍ بِهِ) ، وَيُقْلَعُ مَا غُرِسَ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ إيقَافِهِ، (و) حَرُمَ (جِمَاعٌ فِيهِ) وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ لِمَنْ بَالَ أَنْ يَمْسَحَ ذَكَرَهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالْمُرَادُ بِهِ: الْحَظْرُ، (خِلَافًا ل) صَاحِبِ (الرِّعَايَةِ ") حَيْثُ جَوَّزَ الْوَطْءَ فِيهِ وَعَلَى سَطْحِهِ.
(وَ) حَرُمَ (جِمَاعٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: فَوْقَهُ (خِلَافًا لِابْنِ تَمِيمٍ) حَيْثُ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوَطْءِ فَوْقَ الْمَسْجِدِ.
(وَ) حَرُمَ (بَوْلٌ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا غَسْلُ نَجَاسَةِ بِهِ أَوْ بِهَوَائِهِ) فَلْيُرَاجَعْ.
وَإِنْ بَالَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ.
(وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ صَوْنًا لَهُ) عَمَّا يُقْذِرُهُ.