مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْلٌ تجاوز الْمُكَلَّف الْمِيقَات بِلَا إحْرَام]
(فَصْلٌ) (وَلَا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَرَادَ مَكَّةَ) نَصًّا، (أَوْ) أَرَادَ (الْحَرَمَ، أَوْ) أَرَادَ (نُسُكًا، تَجَاوُزُ مِيقَاتٍ بِلَا إحْرَامٍ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ تَجَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ (إلَّا) إنْ تَجَاوَزَهُ (لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) لِدُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا ذَلِكَ الْيَوْمَ، (أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ) وَنَاقِلِ مِيرَةٍ وَحَشَّاشٍ، فَلَهُمْ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا يَدْخُلُ إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابِ مَنَافِعِهَا " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ) دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ لِتَكَرُّرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) يَكُونُ لَهُ وَطَنٌ (خَارِجَ الْمِيقَاتِ) يَكْثُرُ التَّرَدُّدُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ، كَمَا لَا تُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِقَيِّمِهِ كُلَّمَا دَخَلَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(ثُمَّ إنْ زَالَ عُذْرُ مَنْ حَلَّ لَهُ التَّجَاوُزُ بِلَا إحْرَامٍ) ، كَرَقِيقٍ عَتَقَ وَصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ كُلِّفَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَذَا كَافِرٌ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (أَوْ أَرَادَ) مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ (مَكَّةَ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ، فَمِنْ مَوْضِعِهِ) يُحْرِمُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ حَالَ وُجُوبِ الْإِحْرَامِ، (وَمَنْ أَحْرَمَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (لَا لِنُسُكٍ، طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ «وَأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ دُخُولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِيَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (لَا قَطْعَ شَجَرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَامَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ فَتْحِ مَكَّةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَتِهَا، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ»
(وَمَنْ جَاوَزَهُ) ، أَيْ: الْمِيقَاتَ، (يُرِيدُ نُسُكًا) ، أَوْ كَانَ النُّسُكُ فَرْضَهُ، بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ، وَلَوْ كَانَ (جَاهِلًا) أَوْ (نَاسِيًا) أَوْ مُكْرَهًا، (لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى الْمِيقَاتِ، (فَيُحْرِمَ مِنْهُ) ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، (إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَجٍّ أَوْ) يَخَفْ فَوْتَ (غَيْرِهِ) ، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ خَافَ، لَمْ يَلْزَمْهُ رُجُوعٌ، وَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (وَيَلْزَمُهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ دَمٌ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ " وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَلَا يَسْقُطُ) عَنْهُ الدَّمُ (إنْ أَفْسَدَهُ) ، أَيْ: النُّسُكَ نَصًّا لِأَنَّهُ كَالصَّحِيحِ، (أَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ) بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ نَصًّا.
(وَيَتَّجِهُ: أَنْ لَا دَمَ) عَلَيْهِ لَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ (بِغَيْرِ إحْرَامٍ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
[فَرْعٌ حُكْم إحْرَامٌ بِحَجٍّ أوعمرة قَبْلَ مِيقَاتٍ]
(فَرْعٌ) (كُرِهَ إحْرَامٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (قَبْلَ مِيقَاتٍ) مَكَانِيٍّ، وَيَنْعَقِدُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ كَوِصَالِ الصَّوْمِ، وَلِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمَحْظُورِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ الْحَسَنِ: " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ
مِنْ مِصْرِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ " وَقَالَ: " إنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ " وَلِحَدِيثِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «وَيَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ» .
(وَكُرِهَ) إحْرَامٌ (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُ الْحَجِّ بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، فَكَذَا الْحَجُّ، وَكَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِيهَا كَحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
(وَهِيَ) ، أَيْ: أَشْهُرُ الْحَجِّ: (شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) ، وَكَانَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا الْأَمَدُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ الْحَاجُّ مِنْ أَقْصَى الْبِلَادِ، (وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] ، أَيْ: فِي أَكْثَرِهِنَّ، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ لَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الْحَجِّ، ثُمَّ الْجَمْعُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْضِ آخَرَ، وَالْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لَسَبْقِ اللَّيَالِي، فَتَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا.
(وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الزَّمَانِيُّ (جَمِيعُ الْعَامِ) ، لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ، (وَيَأْتِي) لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ.
وَلَا يُكْرَهُ
الْإِحْرَامُ (بِهَا) يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
[بَابُ الْإِحْرَامِ]
(بَابُ الْإِحْرَامِ) قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ، كَأَنَّهُ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّيِّبَ وَالنِّكَاحَ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ، كَمَا يُقَالُ: أَشْتَى، إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَرْبَعَ، إذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ.
وَشَرْعًا: (نِيَّةُ النُّسُكِ، أَيْ: الدُّخُولِ فِيهِ) ، لَا نِيَّةَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ، (فَلَا يَنْعَقِدُ) ، أَيْ: النُّسُكُ، (بِدُونِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ، لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَسُمِّيَ) الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (إحْرَامًا، لِتَحْرِيمِ) الْمُحْرِمِ بِإِحْرَامِهِ عَلَى نَفْسِهِ (مَا كَانَ يَحِلُّ) لَهُ مِنْ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا.
(وَسُنَّ لِمُرِيدِهِ) ، أَيْ: الْإِحْرَامَ (غُسْلٌ) لِلْخَبَرِ، وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
«وَأَمَرَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ رَجَتَا الطُّهْرَ قَبْلَ فَوَاتِ الْمِيقَاتِ أَخَّرَتَاهُ حَتَّى تَطْهُرَا، (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمِ) مَاءٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ، لِعُمُومِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] (وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ حَدَثُهُ (بِجِمَاعٍ) بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي إحْرَامِهِ، إذْ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ، (وَ) يَضُرُّ حَدَثُ الْمَرْأَةِ بِطُرُوءِ (حَيْضٍ) بَعْدَ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، كَالْوَاطِئِ وَأَوْلَى، إذْ طُرُوءُ الْحَيْضِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا، (وَ) يَتَّجِهُ
(أَنَّ الطِّفْلَ يُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ) إذَا أَرَادَ إدْخَالَهُ فِي النُّسُكِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (تَنَظُّفٌ بِأَخْذِ شَعْرٍ) مِنْ حَلْقِ عَانَةٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ وَنَتْفِ إبِطٍ، (وَ) تَقْلِيمِ (ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) ، لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ، فَسُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ (وَ) سُنَّ لَهُ (تَطَيُّبٌ بِنَحْوِ مِسْكٍ وَعُودٍ وَمَاءِ وَرْدٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَتْ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) سُنَّ (خِضَابٌ لَهَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ (بِحِنَّاءٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُدَلِّكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ " وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ أَشْبَهَ الطِّيبَ، (وَكُرِهَ) لَهَا أَنْ تَتَخَضَّبَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (كَتَطَيُّبِ) مَرِيدِ الْإِحْرَامِ (فِي ثَوْبِهِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (وَلَهُ) إنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ (اسْتِدَامَتُهُ) ، أَيْ: اسْتِدَامَةُ لِبْسِهِ، (مَا لَمْ يَنْزِعْهُ) ، فَإِنْ نَزَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ لِبْسُهُ وَالطِّيبُ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الطِّيبَ وَلِبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ، (فَإِنْ لَبِسَهُ) بَعْدَ نَزْعِهِ، وَأَثَرُ الطِّيبِ بَاقٍ لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى يَذْهَبَ، فَدَى، لِاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ،
(أَوْ نَقَلَ طِيبَ بَدَنِهِ) مِنْ مَوْضِعِهِ (لِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَى) ، أَوْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ، فَعَلِقَ الطِّيبُ بِهَا، أَوْ نَحَّاهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَدَى، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ لِلطِّيبِ (لَا إنْ سَالَ) الطِّيبُ (بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(وَسُنَّ) لِمَرِيدِهِ (لِبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفِينَ) جَدِيدَيْنِ أَوْ خَلِيقَيْنِ (وَنَعْلَيْنِ) ، لِحَدِيثِ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَنَعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ.
وَفِي " تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ " إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى، وَالنَّعْلَانِ التَّاسُومَةُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ لِبْسُ سرموزة وَنَحْوِهَا إنْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ، وَيَكُونُ لِبْسُهُ ذَلِكَ (بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ) كَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ وَخُفٍّ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
(وَ) يُسَنُّ (إحْرَامٌ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا) نَصًّا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
و (لَا) يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ النَّفْلِ (وَقْتَ نَهْيٍ) ، لِتَحْرِيمِ النَّفْلِ إذَنْ، (وَلَا) يَرْكَعُهُمَا (عَادِمُ مَاءٍ وَتُرَابٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (أَنْ يُعَيِّنَ نُسُكًا) فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، (وَيَلْفِظُ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا عَيَّنَهُ، لِلْأَخْبَارِ، (وَأَنْ يَشْتَرِطَ) ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُهُ بِالْقَوْلِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ " لِحَدِيثِ «ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَجِدُنِي وَجِعَةً، فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ النَّسَائِيّ: «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» .
(فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) .
وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) ، أَوْ: فَلِي أَنْ أُحِلَّ، (وَكَيْف اشْتَرَطَ جَازَ) ، فَلَوْ اشْتَرَطَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ، (كَقَوْلِهِ) : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ (أَنْ تُيَسِّرَ لِي وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ) ، جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ (وَيَسْتَفِيدُ بِهِ) ، أَيْ: بِاشْتِرَاطِهِ، (أَنَّهُ مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ) أَوْ عَاقَهُ عَدُوٌّ (أَوْ غَيْرُهُ) كَذَهَابِ نَفَقَتِهِ (حَلَّ مَجَّانًا) نَصًّا.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَيَلْزَمُهُ نَحْوُهُ، (وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِشَرْطٍ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ، أَوْ إنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يَصِحَّ) شَرْطُهُ، لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، (وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مُعَلَّقًا، ك) قَوْلِهِ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ، أَوْ قَدِمَ) زَيْدٌ، (فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ عَلَّقَ) إحْرَامَهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ، كَقَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ، فَحُكْمُهُ (كَصَوْمٍ) عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ التَّبَرُّكَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ إنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ (مُتَلَاعِبًا) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (فَاسِدًا حَالَ جِمَاعٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهِ إنْ وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ (وَيَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَيَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي، (وَيَبْطُلُ) إحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ (بِرِدَّةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] ، و (لَا) يَبْطُلُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ (بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ) ، لِخَبَرِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، (وَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا) ، أَيْ: الْإِغْمَاءِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ السُّكْرِ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ
[فَصْلٌ تخيير الْمُحْرِم بَيْن ثَلَاثَة أَشْيَاء]
(فَصْلٌ) (وَيُخَيَّرُ مَرِيدُ إحْرَامٍ بَيْنَ) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (تَمَتُّعٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) نَصًّا، قَالَ: لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ، لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَتَأَسَّفَ بِقَوْلِهِ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْت مَعَكُمْ» وَلَا يَنْقُلُ أَصْحَابَهُ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ، وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ، لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ، وَأَنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَأَسَّفْ هُوَ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ، وَلِمَا فِي التَّمَتُّعِ مِنْ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ كَمَالِ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ.
(فَإِفْرَادٌ) ، لِأَنَّ فِيهِ كَمَالَ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ.
(فَقِرَانٌ) ، وَاخْتُلِفَ فِي حَجَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ.
(فَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَيَفْرُغُ مِنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (ثُمَّ) يُحْرِمُ (بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ فِي عَامِهِ (مِنْ أَيْنَ شَاءَ) ، أَيْ: مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا أَوْ بَعِيدٍ مِنْهَا، (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ أَتَمَّ أَفْعَالَهَا فِي أَشْهُرِهِ، وَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ صَارَ قَارِنًا.
(وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ) ابْتِدَاءً (بِحَجٍّ ثُمَّ) يُحْرِمَ (بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) ، أَيْ: الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ.
(وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، ابْتِدَاءً (ثُمَّ يُدْخِلَهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، وَيَصِحُّ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيَكُونُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا (قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ سَعْيِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا
(وَيَصِحُّ) إدْخَالُ حَجٍّ عَلَى عُمْرَةٍ (مِمَّنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا) ، بَلْ يَلْزَمُهُ كَمَا يَأْتِي لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، (وَيَصِيرُ قَارِنًا) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " هُنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَصِيرُ قَارِنًا (وَلَوْ)
كَانَ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ (بِغَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ عُمْرَةِ قَارِنٍ بِحَجٍّ) ، فَيَكْفِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ لَهُمَا، قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ ": وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ، وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ، كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ، أَيْ: إذَا وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، مِثْلُ إنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَطُفْ لِقُدُومِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَمَنْ أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (ثُمَّ أَدْخَلَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةَ (عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَلَا يَصِيرُ قَارِنًا.
(وَيَجِبُ عَلَى مُتَمَتِّعٍ دَمٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، (وَ) يَجِبُ عَلَى (قَارِنٍ دَمٌ) ، لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ دَمُ (نُسُكٍ لَا) دَمُ (جُبْرَانٍ) ، إذْ لَا نَقْصَ فِي التَّمَتُّعِ يُجْبَرُ بِهِ، (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا) ، أَيْ: الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] (وَهُمْ) ، أَيْ: حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: (أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ، أَوْ قَرُبَ مِنْهُ، أَوْ جَاوَرَهُ، بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ،
فَلَا دَمَ، (فَلَوْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ) لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ (مَكَّةَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَحَاضِرٌ) لَا دَمَ عَلَيْهِ، لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ، (أَوْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ بِمَكَّةَ) ، أَوْ قُرْبَهَا، (وَالْبَعْضُ الْآخَرُ عَنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، بِمَنْزِلِهِ (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْمَنْزِلِ الْأَبْعَدِ، أَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ أَوْ إقَامَةُ مَالِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْبَعِيدِ، (أَكْثَرَ) ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ تَمَتُّعٍ، لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
(وَمَنْ دَخَلَهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، (وَلَوْ نَاوِيًا لِإِقَامَةٍ) بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مَكِّيًّا اسْتَوْطَنَ بَلَدًا بَعِيدًا) مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ عَنْ الْحَرَمِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا (مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمٌ) ، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا، لِأَنَّهُ حَالَ أَدَاءِ نُسُكِهِ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا.
(وَشُرِطَ فِي) وُجُوبِ دَمِ (مُتَمَتِّعٍ وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْقَارِنِ، زِيَادَةً عَمَّا تَقَدَّمَ (سِتَّةُ) شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ، لَا بِاَلَّذِي حَلَّ مِنْهَا فِيهِ، (فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَمَضَانَ، وَفَعَلَ الْعُمْرَةَ بِشَوَّالٍ، فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) : لِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ يُعْتَبَرُ لِلْعُمْرَةِ لَا مِنْ أَعْمَالِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ.
(وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) ، فَلَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، لِلْآيَةِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَبَاعُدًا.
(وَ) الثَّالِثُ: (أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (مَسَافَةَ قَصْرٍ، فَإِنْ سَافَرَ) بَيْنَهُمَا الْمَسَافَةَ (فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ، فَلَا دَمَ) نَصًّا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ
مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ مَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ.
(وَ) الرَّابِعُ: (أَنْ يَحِلَّ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَأَلَّا) يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِأَنْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (صَارَ قَارِنًا) ، فَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ (بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ سَعْيِهَا، لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِي الْإِنْصَافِ يَصِيرُ قَارِنًا، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ
(وَ) الْخَامِسُ: (أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (مِنْ مِيقَاتِ) بَلَدِهِ، (أَوْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ) ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ دُونِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، (وَإِلَّا، بِأَنْ) جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فِي حَالٍ يَجِبُ فِيهَا الْإِحْرَامُ، (لَزِمَهُ دَمٌ، لِمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ) مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ بِلَا إحْرَامٍ، (وَكَلَامُ الْإِقْنَاعِ هُنَا غَيْرُ مُحَرَّرٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
(وَ) السَّادِسُ: (أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتِدَائِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (أَوْ) فِي (أَثْنَائِهَا) ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَحُصُولِ التَّرَفُّهِ، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ لَا يُقَالُ مُتَمَتِّعٌ لِمُحْرِمٍ قَبْلَ فَرَاغِهِ، إلَّا إذَا كَانَ عَازِمًا عَلَى ذَلِكَ، نَاوِيًا لَهُ، خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ، (فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْعُمْرَةِ فَقَطْ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْحَجِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ دَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ (وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، (فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ) ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ
اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وَحَجَّ لِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اثْنَيْنِ) بِأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ وَاحِدٍ وَحَجَّ عَنْ آخَرَ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُمَا، (فَعَلَيْهِ دَمُ تَمَتُّعٍ) مِنْ مَالِهِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مُخَالِفَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يُحْرِمُ مُتَمَتِّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، (فَعَلَيْهِمَا) الدَّمُ (نِصْفَيْنِ إنْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِمَا) ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَذِنَا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي عَلَى النَّائِبِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَيَتَّجِهُ أَيْضًا: (وَكَذَا صَوْمٌ) وَجَبَ عَلَى نَائِبٍ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّمَتُّعِ، فَعَلَى مُسْتَنِيبِهِ وَإِنْ كَانَ بِلَا إذْنٍ؛ فَعَلَيْهِ.
هَذَا إنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ اثْنَيْنِ فَأَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا بِلَا إذْنِهِمَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ، (وَ) إنْ كَانَ بِإِذْنِهِمَا (احْتَمَلَ) أَنَّهُ (يَصُومُ نَائِبٌ الثَّلَاثَةَ، وَهُمَا) ، أَيْ: الْآذِنَانِ (السَّبْعَةَ) ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ، فَيَصُومُ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الصِّيَامِ، (أَوْ) احْتَمَلَ أَنْ يَصُومَا (الْعَشَرَةَ) ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، لِوُجُوبِ ذَلِكَ بِسَبَبِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تُعْتَبَرُ
(هَذِهِ الشُّرُوطُ) جَمِيعُهَا (فِي كَوْنِهِ) يُسَمَّى (مُتَمَتِّعًا) ، فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمَكِّيِّ، (وَيَلْزَمُ الدَّمُ) ، أَيْ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، (بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، أَيْ: فَلْيُهْدِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، كَقَوْلِهِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، (وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ.
(وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادِ نُسُكِهِمَا) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ، كَالطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا (بِفَوَاتِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، كَمَا لَوْ فَسَدَ، (وَإِذَا قَضَى الْقَارِنُ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمَانِ، دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَدَمٌ ل) قِرَانٍ (ثَانٍ وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُفْرِدًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ، لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ أَفْضَلَ مِنْ نُسُكِهِ، (وَجَزْمُ جَمْعٍ) بِأَنَّهُ (يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ) ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَدَاءُ، وَهَذَا مَرْجُوحٌ، وَالْمَذْهَبُ: لَا دَمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، (فَإِذَا فَرَغَ) مَنْ قَضَى مُفْرَدًا مِنْ الْحَجِّ، (أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَبْعَدِ مِيقَاتَيْهِ) اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِرَانِ، وَفِي الْآخَرِ بِالْحَجِّ، كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ ثُمَّ قَضَاهُ، يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (وَإِلَّا) يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (ف) يَلْزَمُهُ (دَمٌ) ، لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، (وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُتَمَتِّعًا، أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (مِنْ الْأَبْعَدِ) مِنْ الْمِيقَاتَيْنِ (إذَا فَرَغَ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَبْعَدُ الْأَوَّلَ فَالْقَضَاءُ يَحْكِيهِ، لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِحُلُولٍ فِيهِ، لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى صِفَةٍ أَعْلَى وَلَا لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَا تَرَفُّهَ فِيهِ بِتَرْكِ السَّفَرِ، إذْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ أَحَدِهِمَا قَارِنًا، وَمِنْ آخَرَ بِالْعُمْرَةِ.
(وَسُنَّ لِمُفْرَدٍ وَقَارِنٍ فَسْخُ نِيَّتِهِمَا بِحَجٍّ) نَصًّا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ، وَقَرَنُوا أَنْ يَحِلُّوا كُلُّهُمْ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ مَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ: كُنْت أَرَى أَنَّ لَك عَقْلًا، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا، كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ، أَتْرُكُهَا لِقَوْلِك؟ ، وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ، وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ":
لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ، مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، صَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ لَا إبْطَالَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَيَنْوِيَانِ) ، أَيْ: الْمُفْرَدُ وَالْقَارِنُ (بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ) الَّذِي هُوَ إفْرَادٌ أَوْ قِرَانٌ، (عُمْرَةً مُفْرِدَةً) ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا قَدْ طَافَ وَسَعَى، قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى، فَإِنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ وَيَحِلُّ، (فَإِذَا حَلَّا) مِنْ الْعُمْرَةِ (أَحْرَمَا بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ) ، وَيُتِمَّانِ أَفْعَالَ الْحَجِّ، (وَلَوْ طَافَا وَسَعَيَا، فَيُقَصِّرَانِ وَقَدْ حَلَّا، مَا لَمْ يَسُوقَا هَدْيًا) ، فَإِنْ سَاقَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْفَسْخُ لِلْخَبَرِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الْهَدْيُ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْعَشْرِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ) ، فَلَا يَفْسَخَانِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْحَجِّ، وَأَمِنَ مِنْ فَوْتِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالَتَيْنِ) ، أَيْ: فِيمَا إذَا سَاقَا هَدْيًا أَوْ وَقَفَا بِعَرَفَةَ، (فَلَغْوٌ) لِمَا سَبَقَ، وَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى نُسُكِهِمَا الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ (مُتَمَتِّعٌ) ، بِأَنْ أَتَى بِهِ مَعَهُ مِنْ الْحِلِّ، (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ، (فَيُحْرِمُ بِحَجٍّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحْلِيلٍ بِحَلْقٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَقَالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» (فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، حَلَّ مِنْهُمَا) ،
أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا) نَصًّا، لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقِرَانِ، وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا لِاضْطِرَارِهِ لِإِدْخَالِ حَجٍّ عَلَى عُمْرَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّهُ) ، أَيْ: سَائِقُ الْهَدْيِ (فِي هَذِهِ) الْحَالَةِ (قَارِنٌ) لَا مُتَمَتِّعٌ، عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، بَلْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا، صَارَ قَارِنًا، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ شَارِحِ الْمُنْتَهَى " فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ يَأْبَى ذَلِكَ.
(وَالْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ، يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ) إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهَا، بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَكَانَ يَحِلُّ» .
(وَالْمُتَمَتِّعَةُ إنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَخَشِيَتْ) فَوَاتَ الْحَجِّ، (أَوْ) خَشِيَ (غَيْرُهَا فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِهِ) وُجُوبًا، كَغَيْرِهَا مِمَّنْ خَشِيَ فَوْتَهُ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، فَهَذَا طَرِيقُهُ، (وَصَارَتْ قَارِنَةً) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ» (وَلَمْ تَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ) ، لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، كَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، (وَيَجِبُ عَلَى قَارِنٍ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ زَمَنَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ وَسَعْيٍ) ، أَوْ بَعْدَهُ (دَمُ قِرَانٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، كَمَا تَقَدَّمَ، (وَتَسْقُطُ الْعُمْرَةُ) عَنْ الْقَارِنِ، فَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُهَا فِي الْحَجِّ، (كَذَا) مُقْتَضَى
صَنِيعِهِ (فِي الْمُنْتَهَى ") أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَطَافَ وَسَعَى لَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، فَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَلَيْسَ بِقَارِنٍ، وَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ قَارِنٌ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ مَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا، صَحَّ) إحْرَامُهُ، (وِفَاقًا) ، نَصَّ عَلَيْهِ كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ، (وَصَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (بِنِيَّتِهِ) لَا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِأَيِّهَا شَاءَ، فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ، (وَمَا عَمِلَ) مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا (قَبْلَ) صَرْفِهِ، (فَلَغْوٌ) لَا يُعْتَدُّ بِهِ، (وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِمَا) أَحْرَمَ فُلَانٌ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ) بِهِ (فُلَانٌ، وَعَلِمَ) مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (بِمِثْلِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْت؟ فَقَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا» وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
(فَإِنْ تَبَيَّنَ إطْلَاقُهُ) ، أَيْ: إحْرَامِ فُلَانٍ، بِأَنْ كَانَ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، (فَلِلثَّانِي) الَّذِي أَحْرَمَ بِمِثْلِهِ (صَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ، و (لَا) يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ (لِمَا يَصْرِفُهُ) إلَيْهِ الْأَوَّلُ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا إلَى مَا كَانَ (صَرَفَهُ) إلَيْهِ (فُلَانٌ) بَعْدَ إحْرَامِهِ مُطْلَقًا، وَيَعْمَلُ الثَّانِي بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، (وَإِنْ جَهِلَ) مَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ فُلَانٌ صِفَةَ (إحْرَامِهِ) ، أَيْ: فُلَانٍ، (سُنَّ) لِلثَّانِي (صَرْفُهُ عُمْرَةً) ، لِصِحَّةِ فَسْخِ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَيْهَا، (وَلَوْ شَكَّ) الَّذِي أَحْرَمَ فُلَانٌ بِمِثْلِهِ، (هَلْ أَحْرَمَ الْأَوَّلُ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ) الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمٌ، (فَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (مُطْلَقًا، فَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَوْ تَبَيَّنَ) لِلثَّانِي (الْحَالُ) ، أَيْ: حَالُ الْأَوَّلِ مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ تَعْيِينٍ (بَعْدَ) جَهْلِهِ بِحَالِهِ، (ف) حُكْمُهُ (مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ) ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ اثْنَيْنِ، وَاتَّفَقَ نُسُكُهُمَا) ، أَيْ: الِاثْنَيْنِ، (فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، (وَإِلَّا) يَتَّفِقُ نُسُكُهُمَا، فَمَنْ أَحْرَمَ بِإِحْرَامِهِمَا أَوْ بِمِثْلِ إحْرَامِهِمَا، (ف) هُوَ (قَارِنٌ) ، لِأَنَّ الْقِرَانَ صِفَةُ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ الْأَوَّلِ فَاسِدًا) بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُ (الثَّانِي بِمِثْلِهِ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (صَحِيحًا) ، وَيَأْتِي بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ.
(وَيَصِحُّ) وَيَنْعَقِدُ إحْرَامُ قَائِلٍ: (أَحْرَمْت يَوْمًا، أَوْ) : أَحْرَمْت (بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِمَا) ، كَأَحْرَمْت نِصْفَ يَوْمٍ، أَوْ بِثُلُثِ نُسُكٍ، (فَلَا يَتَبَعَّضُ) ، لِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ زَمَنًا لَمْ يَصِرْ حَلَالًا فِيمَا بَعْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ نُسُكَهُ، (كَطَلَاقِ) امْرَأَتِهِ نِصْفَ طَلْقَةٍ، فَتَطْلُقُ طَلْقَةً كَامِلَةً إذْ الطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَلَا) يَصِحُّ إحْرَامُ قَائِلٍ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ) مَثَلًا
(فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِتَعْلِيقِهِ إحْرَامَهُ، وَكَذَا: إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا، فَقَدْ أَحْرَمْت، فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، لِعَدَمِ جَزْمِهِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ: وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ مُعَلَّقًا ك: إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ أَوْ قَدِمَ، فَأَنَا مُحْرِمٌ.
(وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ) انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، (أَوْ) أَحْرَمَ (بِعُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَغَتْ الْأُخْرَى) ، لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ، فَصَحَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا، وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ اللَّاغِيَةِ، وَكَنِيَّةِ صَوِّمِينِ فِي يَوْمٍ.
(وَ) مَنْ أَحْرَمَ (بِنُسُكٍ) تَمَتُّعٍ، أَوْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ (وَنَسِيَهُ) ، أَيْ: مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَسِيَ مَا نَذَرَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ، صَرَفَهُ لِعُمْرَةٍ نَدْبًا) ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، (وَيَجُوزُ) صَرْفُ إحْرَامِهِ (لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، فَإِنَّ صَرَفَهُ.
(إلَى قِرَانٍ أَوْ) إلَى (إفْرَادٍ، يَصِحُّ حَجًّا فَقَطْ، لِاحْتِمَالِ) أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا، فَلَا يَصِحُّ (إدْخَالُهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (عَلَيْهِ) ، فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ، (وَلَا دَمَ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا قَارِنٍ، (وَ) إنْ صَرَفَهُ (إلَى تَمَتُّعٍ فَكَفَسْخِ حَجٍّ لِعُمْرَةٍ) ، فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا، لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ قَارِنًا أَوْ مُفْرَدًا، وَفَسْخُهُمَا صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، و (يَلْزَمُهُ دَمُ مُتْعَةٍ بِشُرُوطِهِ) ، لِلْآيَةِ، وَيُجْزِئُهُ تَمَتُّعُهُ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِصِحَّتِهِمَا بِكُلِّ حَالٍ.
(وَ) إنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَذَرَهُ (بَعْدَ طَوَافٍ وَلَا هَدْيَ مَعَهُ) ، أَيْ: النَّاسِي، (يَتَعَيَّنُ) صَرْفُهُ (إلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (لِامْتِنَاعِ إدْخَالِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (عَلَيْهَا إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ طَوَافِهَا لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: لُزُومُ) نَاسِي مَا أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ صَرَفَ نُسُكَهُ إلَى الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ (إعَادَةُ طَوَافٍ) ، لِعَدَمِ صَرْفِهِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ إلَى نُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَيَسْعَى) النَّاسِي (وَيَحْلِقُ) أَوْ يُقَصِّرُ (ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجٍّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ وُقُوفٍ) بِعَرَفَةَ، (وَيُتِمُّهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ لِتَأْدِيَتِهِ إيَّاهُ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا دَمَ لِلْحَلْقِ إذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا بِإِفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " والْإِقْنَاعِ " حَيْثُ أَوْجَبَا عَلَيْهِ الدَّمَ لِحَلْقِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، (لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ فُسِخَ بِالصَّرْفِ) إلَى الْعُمْرَةِ، كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ: وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ الطَّوَافِ، صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حَجًّا وَلَا قِرَانًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَيَسْعَى وَيَحْلِقُ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهِ، وَيُتِمُّهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا أَوْ قِرَانًا، فَقَدْ حَلَقَ فِيهِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، فَقَدْ تَحَلَّلَ، ثُمَّ حَجَّ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى " فَإِنْ حَلَقَ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، يُحْرِمُ بِحَجٍّ وَيُتِمُّهُ، وَعَلَيْهِ لِلْحَلْقِ دَمٌ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا، وَمَا قَالَهُ جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَ " الْمُبْدِعِ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَغَيْرُهُمْ.
(وَمَعَ مُخَالِفَتِهِ) مَا سَبَقَ،
(بِصَرْفِهِ) نُسُكَهُ مَعَ نِسْيَانِهِ بَعْدَ طَوَافٍ، وَلَا هَدْيَ مَعَهُ (لِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، وَجَهِلَ الْحَالَةَ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ حَجٍّ) كَمَا يَأْتِي، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ) فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لِلشَّكِّ) فِي سَبَبِهِمَا، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ (وَلَا قَضَاءَ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، (وَمَا) كَانَ (عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبٍ) فَهُوَ بَاقٍ (فِي ذِمَّتِهِ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ) ، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لُزُومُ قَضَاءِ حَجٍّ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ حَلْقٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ إحْلَالُهُ بِذَلِكَ، إذْ عِبَارَاتُهُمْ طَافِحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ حَلَقَ وَطَافَ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) كَانَ (مَعَهُ هَدْيٌ) وَطَافَ، ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، (صَرَفَهُ لِحَجٍّ) وُجُوبًا، (وَأَجْزَأَهُ حَجُّهُ) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (فَقَطْ) ، لِصِحَّتِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ تَمَامِ نُسُكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَيَأْتِي) فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ (حُكْمُ) مَنْ طَافَ (أَحَدَ طَوَافَيْنِ بِحَدَثٍ، وَجَهْلٍ) ، مُسْتَوْفًى.
(وَمَنْ أَهَلَّ لِعَامَيْنِ، بِأَنْ قَالَ: لَبَّيْكَ الْعَامَ وَالْعَامَ الْقَابِلَ، حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَاعْتَمَرَ مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) ، قَالَهُ عَطَاءٌ، حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ وَمُقْتَضَاهُ: وُجُوبُ ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنْ فَعَلَ (ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنُهُ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ وَيَعْتَمِرُ مِنْ قَابِلٍ، (نَدْبٌ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ، لَوْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْفَقُ فِي حَقِّهِ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ الْعَوْدِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عَلَى فَرْضِ بَقَائِهِ حَيًّا مُسْتَطِيعًا، وَإِلَّا فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً إلَى أَنْ يُقْضَى عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْوُجُوبِ وَلَا النَّدْبِ، لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِهِ، فَصَارَ لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ.
[فَصْلٌ مَا يَسُنّ لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ]
(فَصْلٌ) (وَسُنَّ) لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ (عَقِبَ إحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» . الْحَدِيثَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (حَتَّى عَنْ أَخْرَسَ وَمَرِيضٍ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَنَائِمٍ، وَأَنْ تَكُونَ (كَتَلْبِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] وَهِيَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ: أَلَبَّ بِالْمَكَانِ، إذَا لَزِمَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُ أَرَادَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّثْنِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ الرَّحْمَةُ.
وَقِيلَ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: إجَابَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٍ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَاخْتِيرَ كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ) نَصًّا، لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ، يَعْنِي: حَمِدَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ، أَيْ: لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَك.
(وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ) عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَ تَلْبِيَةً فَكَرَّرَهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تُكْرَهْ نَصًّا، (فَقَدْ زَادَ ابْنُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ وَالنَّعْمَاءُ وَالْفَضْلُ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إلَيْك لَبَّيْكَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ: لَبَّيْكَ حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
(وَسُنَّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ، (وَ) سُنَّ (بَدْءُ قَارِنٍ بِذِكْرِ عُمْرَةٍ) كَقَوْلِهِ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
(و) سُنَّ (دُعَاءٌ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَيَسْأَلُ) اللَّهَ (الْجَنَّةَ، يَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ) ، لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ» (وَ) سُنَّ (صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، بَعْدَ التَّلْبِيَةِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِهِ، كَأَذَانٍ.
(وَ) سُنَّ (إكْثَارُ تَلْبِيَةٍ) ، لِخَبَرِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَتَتَأَكَّدُ) التَّلْبِيَةُ (إذَا عَلَا نَشَزًا) ، بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ: مَكَانًا مُرْتَفِعًا، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً، أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ أَوْ نَهَارٌ، أَوْ الْتَقَتْ رِفَاقٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوْ رَكِبَ) دَابَّتَهُ، (أَوْ نَزَلَ) عَنْهَا، (أَوْ رَأَى الْكَعْبَةَ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا عَلَا نَشَزًا وَإِذَا لَقِيَ رَاكِبًا، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
(وَ) سُنَّ (جَهْرُ ذَكَرٍ بِهَا) ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: " سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهَا صُرَاخًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَخَبَرُ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا، أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ» أَسَانِيدُهُ جَيِّدَةٌ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهِ) ، بِخِلَافِ الْبَرَارِي وَعَرَفَاتٍ وَالْحَرَمِ وَمَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ: إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ، إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْت.
(وَ) فِي غَيْرِ (طَوَافِ قُدُومٍ وَسَعْيٍ بَعْدَهُ) ، لِئَلَّا يُخَلِّطَ عَلَى الطَّائِفِينَ وَالسَّامِعِينَ
(وَتُشْرَعُ) تَلْبِيَةٌ (بِالْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ) عَلَيْهَا كَأَذَانٍ، (وَإِلَّا) يَقْدِرَ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَيُلَبِّي (بِلُغَتِهِ) ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، (وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ تَلْبِيَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) نَصًّا، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: سُئِلَ الْأَثْرَمُ: مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ دُبُرَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ، قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةً؟ قَالَ: بَلَى.
(وَاخْتَارَ بَعْضٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ كَالْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ، قَالَا: (تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا دُبُرَ الصَّلَاةِ حَسَنٌ) ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
(وَكُرِهَ لِأُنْثَى جَهْرٌ) بِتَلْبِيَةٍ
(بِأَكْثَرَ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا) مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا، لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا التَّلْبِيَةَ وِفَاقًا قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَأُنْثَى (وَ) كُرِهَ (لَطَائِفٍ بِالْبَيْتِ) جَهْرٌ بِهَا لِئَلَّا يُشْغِلَ الطَّائِفِينَ عَنْ طَوَافِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ الْمَشْرُوعَةِ لَهُمْ.
(وَلَا بَأْسَ بِتَلْبِيَةِ حَلَالٍ) كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ
[بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ]
(بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ: الْمَمْنُوعِ، فِعْلُهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ شَرْعًا، وَهِيَ (مَا حُرِّمَ عَلَى مُحْرِمٍ) فِعْلُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ (وَهِيَ تِسْعَةٌ) : (أَحَدُهَا إزَالَةُ شَعْرٍ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ مِنْ أَنْفٍ بِلَا عُذْرٍ) بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، نَصَّ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ وَعَدَّى إلَى شَعْرِ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، إذْ حَلْقُهُ يُؤْذِنُ بِالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ النَّتْفُ وَالْقَلْعُ، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ بِهِ فِي النَّصِّ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ أَذًى (كَخُرُوجِ شَعْرٍ بِعَيْنَيْهِ، وَنُزُولِ شَعْرِ حَاجِبَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيُزِيلُهُ، وَلَا فِدْيَةَ كَإِزَالَتِهِ) ، أَيْ: الشَّعْرِ (مَعَ غَيْرِهِ بِقَطْعِ عُضْوٍ أَوْ جِلْدٍ) عَلَيْهِمَا شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِغَيْرِهِ وَالتَّابِعُ لَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ، كَقَطْعِ أَشْعَارِ عَيْنَيْ إنْسَانٍ يَضْمَنُهُمَا دُونَ أَهْدَابِهِمَا.
(وَإِنْ حَصَلَ أَذًى بِغَيْرِ شَعْرٍ كَمَرَضٍ وَحَرٍّ وَقَمْلٍ وَصُدَاعٍ وَقَرْعٍ أَزَالَهُ) ، أَيْ: الشَّعْرَ، (وَفَدَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] ، وَلِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قَالَ: " حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ:
«مَا كُنْتُ أَرَى الْجَهْدَ يَبْلُغُ بِكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا فَنَزَلَتْ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: هُوَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي: إزَالَةُ ظُفْرِ يَدٍ، أَوْ) ظُفْرِ (رِجْلٍ) أَصْلِيَّةً أَوْ زَائِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ، فَأَشْبَهَ إزَالَةَ الشَّعْرِ (بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ) عُذِرَ، بِأَنْ (كُسِرَ ظُفْرُهُ أَوْ وَقَعَ بِهِ مَرَضٌ فَأَزَالَهُ) ، لَمْ يُحَرَّمْ، (أَوْ) زَالَ الظُّفْرُ (مَعَ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ زَالَ (مَعَ أُصْبُعِهِ، فَلَا فِدْيَةَ) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
(وَتَجِبُ) الْفِدْيَةُ (فِيمَا) ، أَيْ: لِشَعْرٍ، (عُلِمَ أَنَّهُ بَانَ بِمُشْطٍ أَوْ) بَانَ (بِتَخْلِيلٍ) ، كَمَا لَوْ زَالَ بِغَيْرِهِمَا، (وَلَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) إذْ لَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَيْتًا فَقَطْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (فِي كُلِّ فَرْدٍ) ، أَيْ: لِشَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ظُفْرٍ وَاحِدٍ (أَوْ بَعْضِهِ) ، أَيْ: الْفَرْدِ (مِنْ دُونِ ثَلَاثٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ ظُفْرٍ) ، كَشَعْرَتَيْنِ أَوْ ظُفْرَيْنِ أَوْ بَعْضِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَبَعْضِ آخَرَ (إطْعَامُ مِسْكِينٍ) وَعَنْ كُلِّ ظُفْرٍ أَوْ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَجَبَ فِدْيَةً شَرْعًا.
(وَفِي ثَلَاثِ) شَعَرَاتٍ أَوْ أَظْفَارٍ (الْفِدْيَةُ) ، وَهِيَ: شَاةٌ أَوْ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ كَمَا يَأْتِي فِي الْفِدْيَةِ.
(وَتُسْتَحَبُّ) الْفِدْيَةُ (مَعَ شَكٍّ) : هَلْ بَانَ الشَّعْرُ بِمَشْطٍ أَوْ تَخْلِيلٍ، أَوْ كَانَ مَيْتًا؟ وَكَذَا لَوْ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَشَكَّ: هَلْ سَقَطَ شَيْءٌ، احْتِيَاطًا
(وَمَنْ طَيَّبَ حَيًّا) بِإِذْنِهِ، (أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) بِإِذْنِهِ، (أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ بِإِذْنِهِ) ، فَعَلَى الْمُطَيَّبِ وَالْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ وَالْمُقَلَّمِ ظُفْرُهُ بِإِذْنِهِ الْفِدْيَةُ؛ لِتَفْرِيطِهِ، (أَوْ سَكَتَ) مَفْعُولٌ بِهِ ذَلِكَ: (وَلَمْ يَنْهَهُ) ، أَيْ: وَلَمْ يَنْهَ الْفَاعِلَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، (وَلَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ (مِنْ مُحْرِمٍ) لِمُحْرِمٍ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ دُونَ الْفَاعِلِ، (وَ) حَلَقَ رَأْسَ نَفْسِهِ، أَوْ قَلَّمَ
ظُفْرَ نَفْسِهِ (بِيَدِهِ كُرْهًا، فَعَلَيْهِ) -، أَيْ: الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَالْمُقَلَّمِ ظُفْرُهُ، لَا مَنْ تَطَيَّبَ مُكْرَهًا - (الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِقُهُ، وَلِأَنَّ الشَّعْرَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ، وَلَمْ يَنْهَ الْحَالِقَ، فَقَدْ فَرَّطَ فِيهِ فَيَضْمَنُهُ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ، وَهُوَ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ بَاشَرَهُ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، (وَ) إنْ كَانَ مَحْلُوقًا رَأْسُهُ (مُكْرَهًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ (بِيَدِ غَيْرِهِ، أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ، فَالْفِدْيَةُ (عَلَى فَاعِلٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إزَالَتِهِ كَحَلْقِ مُحْرِمٍ رَأْسَ نَفْسِهِ، (وَلَا فِدْيَةَ بِحَلْقِ مُحْرِمٍ) شَعْرَ حَلَالٍ (أَوْ تَطْيِيبِهِ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (حَلَالًا) بِلَا مُبَاشَرَةِ طِيبٍ، وَكَذَا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرَ حَلَالٍ، أَوْ أَلْبَسَهُ مِخْيَطًا؛ لِإِبَاحَتِهِ لِلْحَلَالِ، (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ (غَسْلُ شَعْرِهِ بِنَحْوِ سِدْرٍ) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ، (وَ) لَهُ (حَكُّ بَدَنِهِ) وَرَأْسِهِ (بِرِفْقٍ) نَصًّا (بِلَا قَطْعِ شَعْرٍ) ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَأَرْخَصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ تَسْرِيحُ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِقَطْعِهِ.
(فَرْعٌ حُكْمُ رَأْسٍ وَبَدَنٍ فِي إزَالَةِ شَعْرٍ وَطِيبٍ وَلِبْسٍ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا مَوْضِعُهُ، (فَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، (أَوْ) حَلَقَ (ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، (أَوْ تَطَيَّبَ) فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، (أَوْ لَبِسَ فِيهِمَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إتْلَافٌ فَهُوَ آكَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهُنَا أَوْلَى
(الثَّالِثُ: تَعَمُّدُ تَغْطِيَةِ رَأْسٍ) لِذَكَرٍ إجْمَاعًا، (وَمِنْهُ الْأُذُنَانِ) «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ» وَقَوْلِهِ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَمَتَى غَطَّاهُ) ، أَيْ: الرَّأْسَ، بِلَاصِقٍ مُعْتَادٍ كَبُرْنُسٍ وَعِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ بِقِرْطَاسٍ بِهِ دَوَاءٌ، أَوْ لَا)
دَوَاءَ بِهِ، (أَوْ) غَطَّاهُ (بِطِينٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ عَصَبَهُ وَلَوْ بِيَسِيرٍ) بِلَا عُذْرٍ، حَرُمَ وَفَدَى؛ لِحَدِيثِ: «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» وَغَيْرَ أَنْ يَشُدَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِالسَّيْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(أَوْ) سَتَرَهُ بِغَيْرِ لَاصِقٍ، بِأَنْ (اسْتَظَلَّ بِمَحْمَلٍ وَنَحْوِهِ) كَمِحَفَّةٍ، (أَوْ) اسْتَظَلَّ (بِنَحْوِ ثَوْبٍ) كَخُوصٍ أَوْ رِيشٍ يَعْلُو الرَّأْسَ وَلَا يُلَاصِقُهَا، (رَاكِبًا أَوْ لَا حَرُمَ بِلَا عُذْرٍ وَفَدَى) لُزُومًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهُ، أَوْ لِأَنَّهُ سَتَرَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلَازِمُهُ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلَاقِيهِ بِخِلَافٍ نَحْوَ خَيْمَةٍ.
وَيُحْرِمُ وَلَا يَفْدِي مُحْرِمٌ (إنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا) كَطَبَقٍ وَمِكْتَلٍ، (أَوْ نَصَبَهُ حِيَالَهُ) ، أَيْ: نَصَبَ شَيْئًا بِإِزَائِهِ وَمُقَابَلَتِهِ، وَاسْتَظَلَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، أَشْبَهَ الِاسْتِظْلَالَ بِحَائِطٍ تَحْتَهَا، (أَوْ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ) ، وَلَوْ بِطَرْحِ شَيْءٍ عَلَيْهَا يَسْتَظِلُّ بِهِ تَحْتَهَا (أَوْ بِبَيْتٍ) ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ» . (أَوْ غَطَّى) مُحْرِمٌ ذَكَرٌ (وَجْهَهُ) بِلَا مَخِيطٍ، فَلَا إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنْ الرِّجْلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ سُنَّةُ التَّخْمِيرِ كَبَاقِي بَدَنِهِ (أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ لَبَّدَهُ بِعَسَلٍ وَصَمْغٍ وَنَحْوِهِ خَوْفَ نَحْوَ غُبَارٍ أَوْ شُعْثٍ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(الرَّابِعُ: تَعَمَّدَ لُبْسَ) ذَكَرٍ (الْمَخِيطَ مُطْلَقًا) قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ مِمَّا عَمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَلْبُوسُ (عِمَامَةً أَوْ قُفَّازَيْنِ) : تَثْنِيَةُ قُفَّازٍ كَتُفَّاحٍ، وَهُمَا (يُعْمَلَانِ لِلْيَدَيْنِ) كَمَا يُعْمَلُ لِأَجْلِ (الْبُزَاةِ، أَوْ) كَانَ الْمَخِيطُ (خُفَّيْنِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الْمُحْرِمُ (إزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ أَوْ) لَا يَجِدَ (نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ نَحْوَ خُفَّيْنِ كَرَانٍ) ، وسرموزة؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْخُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَجَوْرَبٍ فِي كَفٍّ، وَخُفٍّ فِي رَأْسٍ.
(وَحَرُمَ قَطْعُهُمَا) ، أَيْ: الْخُفَّيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْأَثْبَاتُ، وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا شُعْبَةُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ " يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَطْعَ الْخُفَّيْنِ، قَالَ عَلِيٌّ: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، وَلِأَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ؛ إذْ لُبْسُ الْمَقْطُوعِ كَلُبْسِ الصَّحِيحِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِيَّةِ الْخُفِّ، وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ اُخْتُلِفَ فِيهَا، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْهُ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ.
فَذَكَرَهُ، وَخَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ -: الْمُطْلَقُ يَقْضِي عَلَى الْمُقَيَّدِ - مَحِلُّهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُهُ، وَعَنْ قَوْلِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ زِيَادَةُ لَفْظٍ بِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِيهِمَا زِيَادَةُ حُكْمٍ هُوَ جَوَازُ اللُّبْسِ بِلَا قَطْعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ
فِي هَذَا، أَيْ: قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ أَيَّدَهُمْ اللَّهُ بِمَعُونَتِهِ فِي جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، (حَتَّى يَجِدَ إزَارًا وَنَعْلَيْنِ وَلَا فِدْيَةَ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ شَقَّ إزَارُهُ وَشَدَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ، فَكَسَرَاوِيلَ، وَإِنْ وَجَدَ نَعْلًا لَا يُمْكِنُهُ لُبْسُهَا فَلَبِسَ الْخُفَّ، فَدَى نَصًّا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ، (بِقَطْعِهِمَا) ، أَيْ: الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَجَوَّزَهُ) ، أَيْ: الْقَطْعَ، (جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: أَبُو الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، (عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) ، أَيْ: حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَأَخَذُوا بِالِاحْتِيَاطِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
(وَيَتَّجِهُ: صِحَّتُهُ) ، أَيْ: الْقَوْلِ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: الْمَقْطُوعِ بِالْقَطْعِ؛ إذْ الْعِلَّةُ فِيهِ إفْسَادُهُ بِالْإِتْلَافِ، وَحَيْثُ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ، وَلَا إتْلَافَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَوْلَا قُوَّةُ الْمُعَارِضِ.
(وَإِنْ لَبِسَ مَقْطُوعًا) مِنْ خُفٍّ وَنَحْوِهِ (دُونَ الْكَعْبَيْنِ مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ، حَرُمَ) كَلُبْسِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ كَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَخِيطًا، (وَفَدَى) لِلُبْسِهِ كَذَلِكَ، (وَتُبَاحُ) لِلْمُحْرِمِ (نَعْلٌ) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ، وَهِيَ الْحِذَاءُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَتُطْلَقُ عَلَى التَّاسُومَةِ.
(وَلَوْ كَانَتْ النَّعْلُ بِعَقِبٍ وَقُيِّدَ، وَهُوَ: السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ) لِلْعُمُومَاتِ، (وَلَا يَعْقِدُ) الْمُحْرِمُ (عَلَيْهِ رِدَاءً، أَوْ) ، أَيْ: وَلَا (مِنْطَقَةً أَوْ غَيْرَهُمَا) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ اللِّبَاسَ، (وَلَا يَجْعَلُ لِذَلِكَ) ، أَيْ: الْمِنْطَقَةِ وَالرِّدَاءِ وَنَحْوِهِمَا (زِرًّا وَعُرْوَةً، وَلَا يُخِلُّهُ بِشَوْكَةٍ أَوْ إبْرَةٍ أَوْ خَيْطٍ، أَوْ، أَيْ: وَلَا يَغْرِزُ أَطْرَافَهُ فِي إزَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ) مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَثِمَ وَ (فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ كَمَخِيطٍ، (إلَّا إزَارَهُ) ، فَلَهُ عَقْدُهُ لِذَلِكَ؛ لِحَاجَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، (وَ) إلَّا (مِنْطَقَةً وَهِمْيَانًا فِيهِمَا نَفَقَةٌ مَعَ حَاجَةٍ لِعَقْدٍ) ، وَهِيَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْهِمْيَانُ أَوْ الْمِنْطَقَةُ إلَّا بِالْعَقْدِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى عَقْدِهِ، فَجَازَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِإِدْخَالِ السُّيُورِ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ.
(وَيَتَقَلَّدُ) الْمُحْرِمُ (بِسَيْفٍ لِحَاجَةٍ) ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ الْقِرَابِ بِمَا فِيهِ» وَهَذَا ظَاهِرٌ بِإِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، (وَحَرُمَ) التَّقَلُّدُ بِسَيْفٍ (بِدُونِهَا) ، أَيْ: الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ (حَمْلُ سِلَاحٍ بِمَكَّةَ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ لَا يَتَقَلَّدُ بِمَكَّةَ إلَّا لِخَوْفٍ، وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ» (وَيَحْمِلُ) مُحْرِمٌ (جِرَابَهُ وَقِرْبَةَ الْمَاءِ فِي عُنُقِهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو لَا بَأْسَ وَ (لَا) يُدْخِلُ حَبْلَهَا فِي (صَدْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (شَدُّ وَسَطٍ بِنَحْوِ مِنْدِيلٍ وَحَبْلٍ إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ) ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مُحْرِمٍ حَزَّمَ عِمَامَتَهُ عَلَى وَسَطِهِ: لَا يَعْقِدُهَا وَيُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، قَالَ طَاوُسٌ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ (وَ) لَهُ (أَنْ يَتَّزِرَ وَيَلْتَحِفَ) ، أَيْ: يَتَغَطَّى، (بِقَمِيصٍ وَيَرْتَدِيَ بِهِ) ، أَيْ: يَجْعَلَهُ مَكَانَ الرِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُلْبَسُ مَخِيطٌ مَصْنُوعٌ لِمِثْلِهِ،
(وَ) لَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ (بِرِدَاءٍ مُوَصَّلٍ بِلَا عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّ الرِّدَاءَ لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ صَحِيحًا، (وَإِنْ طَرَحَ) مُحْرِمٌ (عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً، فَدَى وَلَوْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي كُمَّيْهِ) «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ لُبْسِهِ لِلْمُحْرِمِ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرَوَاهُ النِّجَادُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ
(وَإِنْ غَطَّى خُنْثَى مُشْكِلٌ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ) فَدَى لِتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ إنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ وَجْهِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى، (أَوْ) غَطَّى خُنْثَى مُشْكِلٌ (وَجْهَهُ، وَلَبِسَ مَخِيطًا، فَدَى) لِلُبْسِ الْمَخِيطِ إنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ لِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ إنْ كَانَ أُنْثَى، وَيَفْدِي خُنْثَى مُشْكِلٌ (إنْ لَبِسَهُ) ، أَيْ: الْمَخِيطَ وَلَمْ يُغَطِّ وَجْهَهُ، (أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ بِلَا لُبْسِ) مَخِيطٍ لِلشَّكِّ، (وَمَنْ خَافَ) بِتَرْكِ اللُّبْسِ (بَرْدًا) لَبِسَ وَفَدَى، كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ صَيْدٍ، (أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ عَيْبٍ) ، كَقُرُوحٍ بِبَدَنِهِ أَوْ غَيْرِهَا (يَطَّلِعُ عَلَيْهِ) أَحَدٌ، (لَبِسَ وَفَدَى) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(الْخَامِسُ: تَعَمَّدَ الطِّيبَ) إجْمَاعًا (مَسًّا وَشَمًّا وَاسْتِعْمَالًا) ؛ لِحَدِيثٍ: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وَ «أَمْرِهِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِ الطِّيبِ» وَقَوْلِهِ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «لَا تُحَنِّطُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمُسْلِمٍ: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» (فَمَتَى طَيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُمَا حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ اسْتَعْمَلَ) مُحْرِمٌ (فِي أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ ادِّهَانٍ أَوْ اكْتِحَالٍ أَوْ إسْقَاطٍ أَوْ احْتِقَانٍ طِيبًا يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) فِي الْمَذْكُورَاتِ، حَرُمَ وَفَدَى، (أَوْ قَصَدَ) مُحْرِمٌ (شَمَّ دُهْنٍ مُطَيِّبٍ أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (مِسْكٍ، أَوْ) شَمَّ (كَافُورٍ أَوْ عَنْبَرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) : نَبْتٍ أَصْفَرَ كَالسِّمْسِمِ بِالْيَمَنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُمْرَةُ لِلْوَجْهِ، حَرُمَ وَفَدَى، وَلَوْ جَلَسَ عِنْدَ عَطَّارٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَشَمُّ الطِّيبَ، (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (بَخُورِ عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ وَلَوْ حَالَ تَجْمِيرِ الْكَعْبَةِ حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِطِيبٍ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ)
الطِّيبُ (كَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَالسِّينِ مُعَرَّبٌ، (وَكَمَنْثُورٍ) ، وَهُوَ: الْخَيْرِيُّ (وَنَيْلُوفَرَ وَيَاسَمِينٍ وَبَانٌ، وَزَنْبَقٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، يُقَالُ: إنَّهُ الْيَاسَمِينُ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي طَبْعِهِ (وَشَمِّهِ) ، حَرُمَ وَفَدَى، (أَوْ مَسَّ مَا يَعْلَقُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَمْسُوسِ، (كَمَاءِ وَرْدٍ وَسَحِيقٍ نَحْوَ مِسْكٍ، حَرُمَ وَفَدَى) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ، فَوَجَبَ بِهِ الْفِدْيَةُ كَاللِّبَاسِ، وَ (لَا) إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ (إنْ شَمَّ) مُحْرِمٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (بِلَا قَصْدٍ) ، كَمَنْ دَخَلَ سُوقًا، أَوْ الْكَعْبَةَ لِلتَّبَرُّكِ، وَمُشْتَرِي الطِّيبِ لِنَحْوِ تِجَارَةٍ، وَلَمْ يَمَسَّهُ، وَلَهُ تَقْلِيبُهُ وَحَمْلُهُ وَلَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ؛ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(أَوْ مَسَّ) مُحْرِمٌ مِنْ طِيبٍ، (مَا لَا يَعْلَقُ بِهِ، كَقِطَعٍ نَحْوَ مِسْكٍ) وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ، (أَوْ شَمَّ) مُحْرِمٌ (وَلَوْ قَصْدًا فَوَاكِهَ) مِنْ نَحْوِ تُفَّاحٍ وَأُتْرُجٍّ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ طِيبًا، (أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (عُودًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَيَّبُ بِهِ بِالشَّمِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بَخُورَهُ (أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (نَبَاتَ صَحْرَاءَ، كَخُزَامَى وَشِيحٍ وَقَيْصُومٍ وَنَرْجِسَ وَإِذْخِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً، (أَوْ) شَمَّ (مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لَا بِقَصْدِ طِيبٍ كَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، (وَقَرَنْفُلٍ) ، وَيُقَالُ: قرنفول: ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ بسغالة الْهِنْدِ أَفْضَلُ الْأَفَاوِيهِ الْحَارَّةِ وَأَزْكَاهَا، (وَدَارُ صِينِيٍّ) ، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْقِرْفَةُ (وَنَحْوُهَا) كَالزَّرْنَبِ، (أَوْ شَمَّ) مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ (لِقَصْدِهِ) ، أَيْ: الطِّيبِ، (وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ) طِيبٌ (كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ وَهُوَ الْحَبَقُ) يُشْبِهُ النَّمَّامَ: نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَالرَّيْحَانُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْآسُ، وَلَا شَيْءَ فِي شَمِّهِ، (وَكَنَمَّامٍ وَبَرَمٍ) ، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ، (وَهُوَ: ثَمَرُ الْعِضَاه كَأُمِّ غِيلَانٍ) ، وَنَرْجِسَ (وَمَرْدَقُوشٍ) ، وَهُوَ السمسق، نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ وَالْمَغَصِ، وَلَسْعَةِ الْعَقْرَبِ، (أَوْ ادَّهَنَ) مُحْرِمٌ بِدُهْنٍ (غَيْرِ مُطَيِّبٍ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ نَصًّا، وَلَوْ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) ، فَلَا إثْمَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، (أَوْ شَمَّ) طِيبًا (بِلَا قَصْدٍ، كَجَالِسٍ عِنْدَ عَطَّارٍ لِحَاجَةٍ) لَا لِشَمِّ الطِّيبِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَ) لَا عَلَى (حَامِلِهِ) ، أَيْ: الطِّيبِ، (وَمُقَلِّبِهِ بِلَا مَسٍّ وَ) لَا عَلَى (دَاخِلِ سُوقٍ وَكَعْبَةٍ) لِيَتَبَرَّكَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (إذْ اسْتَعْمَلَهُ) ، أَيْ: الطِّيبَ، (نَحْوَ نَاسٍ وَذَكَرَ) ، فَيَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ بِمَهْمَا أَمْكَنَ مِنْ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِزَالَةُ.
(السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ بَرٍّ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ أَذَاهُ وَتَنْفِيرُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (وَاصْطِيَادُهُ) ، أَيْ: صَيْدِ الْبَرِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ أَوْ يَجْرَحْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] (وَهُوَ) ، أَيْ: صَيْدُ الْبَرِّ، (الْوَحْشِيُّ الْمَأْكُولُ، أَوْ الْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ) ، أَيْ: الْوَحْشِيِّ الْمَأْكُولِ، (وَمِنْ غَيْرِهِ) كَمُتَوَلَّدٍ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ، أَوْ مَأْكُولٍ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِهِ، كَسَمْعٍ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، (وَالِاعْتِبَارُ) فِي كَوْنِهِ وَحْشِيًّا أَوْ أَهْلِيًّا (بِأَصْلِهِ، فَحَمَامٌ وَبَطٌّ، وَهُوَ: الْإِوَزُّ، وَحْشِيٌّ وَإِنْ تَأَهَّلَ) اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ، (وَعَكْسُهُ نَحْوُ جَامُوسٍ) كَإِبِلٍ (تَوَحَّشَ) ، فَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْأَبْنِيَةُ، (فَإِذَا أَتْلَفَ مُحْرِمًا صَيْدًا، أَوْ) أَتْلَفَ (بَعْضَهُ، أَوْ أَتْلَفَ بِيَدِهِ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ بِسَبَبٍ، وَلَوْ) كَانَ السَّبَبُ (بِجِنَايَةِ دَابَّةِ) مُحْرِمٍ (مُتَصَرِّفٍ فِيهَا) ، بِأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا، فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، لَا مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا نَفْحًا لَا وَطْئًا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْغَصْبِ،
وَإِنْ انْفَلَتَتْ، لَمْ يَضْمَنْ مَا أَتْلَفَتْهُ، (أَوْ أَشَارَ) مُحْرِمٌ، (أَوْ دَلَّ مُرِيدَ صَيْدِهِ، وَلَمْ يَرَهُ) الصَّائِدُ قَبْلَ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَالِّهِ، وَلَا مُشِيرَ بَعْدَ أَنْ رَآهُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ ضَحِكَ) مُحْرِمٌ (وَقَصَدَهَا) ، أَيْ: دَلَالَةَ مُرِيدِ الصَّيْدِ، تَنْزِيلًا لِلضَّحِكِ مَنْزِلَةَ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ: مِنْ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ، أَوْ اسْتِشْرَافُ نَفْسٍ فَفَطِنَ لَهُ الْحَلَالُ؛ فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا ضَمَانَ، إذْ حُصُولُ ذَلِكَ مِنْهُ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ دَلَالَةٍ، فَلَا يَكُونُ مُفْرِطًا.
(أَوْ أَعَانَهُ) ، أَيْ: أَعَانَ الْمُحْرِمُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدًا، (وَلَوْ) كَانَتْ إعَانَتُهُ (بِمُنَاوَلَةٍ أَوْ إعَارَةِ آلَةِ صَيْدٍ) ، كَرُمْحٍ وَسِكِّينٍ (لِصَيْدٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الصَّائِدِ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ، أَوْ لَا، (حَرُمَ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمُحَرَّمِ، وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ؛ لِحَدِيثِ «أَبِي قَتَادَةَ، لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ؛ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا» .
وَفِيهِ: أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَلَمْ يَأْذَنُونِي، وَأَحَبُّوا أَنِّي لَوْ أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، قَالُوا: لَا وَاَللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ: إذْ أَبْصَرْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ.
وَفِيهِ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي، فَضَحِكَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ إذْ نَظَرْتُ، فَإِذَا بِحِمَارٍ وَحْشِيٍّ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَاسْتَعَنْتَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي " مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ.
(إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (مُحْرِمٌ) ، وَيَكُونُ الدَّالُ وَنَحْوُهُ مُحْرِمًا، فَجَزَاؤُهُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْقَاتِلِ وَالدَّالِ وَنَحْوِهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ، فَكَذَا فِي الْجَزَاءِ، وَ (لَا) حُرْمَةَ (إنْ دَلَّ) مُحْرِمٌ حَلَالًا (عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ) ؛ لِعَدَمِ ضَمَانِهِمَا بِالسَّبَبِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالدَّالِ عَلَيْهِمَا، بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالدَّالِ، وَهُوَ: تَحْرِيمُ الْأَكْلِ مِنْهُ، وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مَنْ دَلَّهُ الْمُحْرِمُ حَلَالًا، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا حُرْمَةَ، وَلَا جَزَاءَ إنْ (نَاوَلَهُ) ، أَيْ: نَاوَلَهُ، أَيْ: نَاوَلَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا (وَنَحْوَهُ) ، أَيْ: نَحْوَ الْمُنَاوَلَةِ، بِأَنْ أَعَارَهُ (الْآلَةَ) الْمُعَدَّةَ لِلصَّيْدِ (لَا لِ) أَجْل (صَيْدٍ، فَصَادَ) الْحَلَالُ (بِهَا) ؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ بِالْمُنَاوَلَةِ وَنَحْوِهَا ذَلِكَ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا حُرْمَةَ، وَلَا جَزَاءَ إنْ (دَلَّ حَلَالٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ) بِغَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَلَالِ حَلَالٌ، فَدَلَالَتُهُ أَوْلَى.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) أَنْ يَدُلَّ حَلَالٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " كَذَا قَالَ، وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْمُصَنِّفِ إذْ عِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " كَعِبَارَتِهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مُوَافِقٌ " لِلْإِقْنَاعِ فِي إبَاحَةِ دَلَالَةِ الْحَلَالِ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ، (وَيَضْمَنُهُ مُحْرِمٌ وَحْدَهُ) أَيْ: دُونَ الْحَلَالِ الدَّالِ وَنَحْوِهِ، (كَشَرِيكِ سَبُعٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُحْرِمٌ وَسَبُعٌ فِي الْحِلِّ، فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ، فَغَلَبَ الْإِيجَابُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضَهُ فِي الْحَرَمِ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ (بِحَرَمٍ، فَيَشْتَرِكَانِ)
أَيْ: الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ فِي الْجَزَاءِ كَالْحَرَمَيْنِ؛ لِتَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ.
(وَلَوْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (نَحْوُ حَلَالٍ) كَسَبْعٍ، (ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الضَّمَانِ، (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ، ثُمَّ قَتَلَهُ حَلَالٌ؛ فَعَلَى الْمُحْرِمِ (أَرْشُ جَرْحِهِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سِوَى الْجَرْحِ، وَلَوْ كَانَ جَرْحُهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَمَاتَ مِنْهُمَا؛ فَالْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ، تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ، وَإِنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ، ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ جَرْحِهِ، وَعَلَى الثَّانِي تَتِمَّةُ الْجَزَاءِ.
(وَلَوْ رَمَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ شَخْصٌ حَالَ كَوْنِهِ (حَلَالًا، ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ إصَابَةٍ) لِصَيْدٍ، (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ كَانَ مُحْرِمًا، (وَ) لَوْ رَمَاهُ (مُحْرِمًا، ثُمَّ حَلَّ قَبْلَهَا) ، أَيْ: الْإِصَابَةِ، (لَمْ يَضْمَنْ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ.
(وَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ حَرَمٍ، فَ) جَزَاؤُهُ (بَيْنَهُمَا) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، أَوْ) دَلَّ (حَلَالٌ حَلَالًا) عَلَى صَيْدٍ (بِحَرَمٍ، ثُمَّ دَلَّ الْآخَرُ آخَرَ) ثُمَّ كَذَلِكَ (إلَى عَشَرَةٍ مَثَلًا، فَقَتَلَهُ عَاشِرٌ، فَ) الْجَزَاءُ (عَلَى الْكُلِّ) ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْإِثْمِ وَالتَّسَبُّبِ، (وَإِنْ نَصَبَ) حَلَالٌ (نَحْوَ شَبَكَةٍ) كَفَخٍّ، (ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ) ، كَمَا لَوْ حَفَرَهَا فِي دَارِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي مَوَاتٍ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا حَصَلَ مِنْ تَلَفِ صَيْدٍ بِنَصْبِ الشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا، وَحَفْرِ الْبِئْرِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (إلَّا أَنْ تُحِيلَ) عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ بِنَصْبِ نَحْوِ الشَّبَكَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ، لِيَأْخُذَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْهُ؛ فَيَضْمَنُ عُقُوبَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ، كَنَصْبِ الْيَهُودِ الشَّبَكَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَخْذِهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ مَا سَقَطَ فِيهَا، فَعُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَفَرَ الْبِئْرَ بِحَقٍّ، كَحَفْرِهَا بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ، ضَمِنَ كَالْآدَمِيِّ إذَا تَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَحَرُمَ أَكْلُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) ، أَيْ: مَا صَادَهُ أَوَّلُ، أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ وَنَحْوَهُ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، (وَكَذَا مَا ذُبِحَ) لِلْمُحْرِمِ، (أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهٍ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ «أَهْدَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَكَذَا مَا أُخِذَ مِنْ بَيْضِ الصَّيْدِ أَوْ لَبَنِهِ لِأَجْلِهِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمَ، (بِأَكْلِهِ) ، أَيْ: مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لِأَجْلِهِ (كُلِّهِ الْجَزَاءُ) ، أَيْ: جَزَاؤُهُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُنِعَ مِنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ الْجَزَاءُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدًا، ثُمَّ يَأْكُلُهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِقَتْلِهِ، لَا لِأَكْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ، كَإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ، وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ حَلَالٌ، وَأَكَلَهُ.
(وَ) يَلْزَمُهُ بِأَكْلِ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: بَعْضِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ، (قِسْطُهُ) ، أَيْ: مِثْلُهُ (لَحْمًا) ، كَضَمَانِ أَصْلِهِ لَوْ أَكَلَهُ كُلَّهُ، (وَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (لِدَلَالَتِهِ) عَلَيْهِ، (أَوْ إعَانَةِ حَلَالٍ) عَلَيْهِ، (أَوْ صِيدَ) أَوْ ذُبِحَ (لَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرِهِ، كَ) مَا لَا يُحْرَمُ (حَلَالٌ) ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ عُثْمَانَ " أَنَّهُ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَلَا تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي " (وَإِنْ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ، (أَوْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ بِالْحَرَمِ، فَذَبَحَهُ) الْحَلَالُ أَوْ الْمُحْرِمُ، (وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ، أَوْ) ذَبَحَهُ بَعْدَ (إخْرَاجِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (مِنْ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ) لِمَا يَأْتِي، (وَكَانَ مَا) صِيدَ أَوْ ذُبِحَ مِنْ صَيْدِ مُحْرِمٍ، وَحَرُمَ (لِغَيْرِ حَاجَةِ أَكْلِهِ) كَلِأَخْذِ جِلْدِهِ، أَوْ لِلتَّمَرُّنِ عَلَى الصَّيْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، (مَيْتَةً) يَحْرُمُ أَكْلُهُ (عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، فَلَمْ يُبَحْ بِذَبْحِهِ، (وَ) مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ مِنْ ذَلِكَ (لِحَاجَةِ أَكْلِهِ) بِأَنْ اُضْطُرَّ لِأَكْلِهِ، كَانَ (مَيْتَةً نَجَسًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ الْمُحْتَاجِ لِأَكْلِهِ، وَ (لَا) يَكُونُ مَيْتَةً نَجَسًا (فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] .
(وَإِنْ كَسَرَ مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ) ، حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهِ، (وَحَلَّ) أَكْلُهُ (لِمُحِلٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُ الصَّيْدِ، فَكَذَا بَيْضُهُ، وَ (لَا) يَحِلُّ (لِمُحْرِمٍ) أَكْلُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَذَا) حُكْمُ (حَلْبِ) مُحْرِمٍ (لَبَنَ صَيْدٍ) ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْئِهِ، (وَإِنْ نَقَلَ) مُحْرِمٌ (بَيْضَ صَيْدٍ) سَلِيمًا، (فَفَسَدَ) بِنَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ، أَوْ مَتَاعِهِ، وَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ، (أَوْ أَتْلَفَ) مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ (غَيْرَ مَذَرٍ، وَ) غَيْرَ (مَا بِهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ؛ لِإِتْلَافِهِ إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَ الْبِيضُ مَذَرًا، وَفِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، (إلَّا) مَا كَانَ مِنْ (بَيْضِ نَعَامٍ) ، فَيَضْمَنُهُ، (لِأَنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً) ، فَيَضْمَنُهُ بِهَا، وَإِنْ فَسَدَ مَا فِيهِ (أَوْ حَلَبَ) مُحْرِمٌ (صَيْدًا) صَادَهُ فِي إحْرَامِهِ، وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ، أَوْ حَلَالٌ مَا صَادَهُ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، (ضَمِنَهُ) ، أَيْ: الْحَلِيبَ، (بِقِيمَتِهِ) نَصًّا (مَكَانَهُ) ، أَيْ: الْإِتْلَافِ، وَأَمَّا الْبَيْضُ، فَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ.
وَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: