مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَيَصِحُّ الْجُعْلُ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَلَى مَجْهُولٍ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهَا مَجْهُولًا؛ وَالْمُدَّةُ مَجْهُولَةً؛ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجَائِرَةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، وَكَذَلِكَ الْمُدَّةُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا؛ فَلَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ انْتَهَى.
وَلَوْ جَعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ (كَ) أَنْ يَقُولَ: (مَنْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ) فَلَهُ كَذَا، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ، أَوْ إنْ (أَقْرَضَنِي زَيْدٌ بِجَاهِهِ أَلْفًا) فَلَهُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ جَاهِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِالْقَرْضِ، (أَوْ أَذِنَ بِهَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَدِينِي) - أَيْ: مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ - (فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَذَا) ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، لَا تَعْلِيقًا مَحْضًا.
(فَمَنْ بَلَغَهُ) الْجُعْلُ (قَبْلَ فِعْلِهِ) الْعَمَلَ الْمَجْعُولَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِوَضُ؛ (اسْتَحَقَّهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ (بِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ بَعْدُ -؛ لِاسْتِقْرَارِهِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ تَلِفَ فَلَهُ مِثْلُ مِثْلَيْ، وَقِيمَةُ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْبِسُ الْعَامِلُ الْعَيْنَ حَتَّى يَأْخُذَهُ (وَ) مَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ (فِي أَثْنَائِهِ) - أَيْ: الْعَمَلِ - فَلَهُ مِنْ الْجُعْلِ (حِصَّةُ تَمَامِهِ) ؛ أَيْ: فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْجُعْلِ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ وَقَعَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا؛ لِبَذْلِهِ مَنَافِعَهُ مُتَبَرِّعًا بِهَا، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (إنْ أَتَمَّهُ) - أَيْ: الْعَمَلَ - (بِنِيَّةِ الْجُعْلِ، وَ) لِهَذَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْجُعْلُ إلَّا (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ - (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ - وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِمَا سَبَقَ، (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) - أَيْ: الْجُعْلِ - لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، إلَّا إنْ تَبَرَّعَ لَهُ رَبُّهُ بِهِ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالْحَالِ.
(وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ) فِي الْمُنْتَظِمِ: يَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ إيصَالُ قَصَصِ أَهْلِ
الْحَوَائِجِ، (فَإِقَامَةُ مَنْ يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى إيصَالِ الْقَصَصِ لِلْوُلَاةِ حَرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حُرِّمَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) إنْ قَالَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لِزَيْدٍ مِثْلًا: (إنْ رَدَدْتُ لُقَطَتِي فَلَكَ ذَلِكَ) فَيَسْتَحِقُّهُ إنْ رَدَّهَا هُوَ، وَ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مَنْ رَدَّهَا دُونَهُ) - أَيْ: دُونَ زَيْدٍ - الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُجَاعِلْهُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ إنْسَانٍ فَجَعَلَ لَهُ مَالِكُهَا جُعْلًا لِيَرُدَّهَا؛ لَمْ يَبُحْ لَهُ أَخْذُهُ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(وَالْجَمَاعَةُ) إنْ فَعَلْت الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ (تَقْتَسِمُهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ -؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ اُسْتُحِقَّ الْجُعْلُ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: (مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَنَقَبُوهُ) ؛ أَيْ: نَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ (نَقْبًا وَاحِدًا اسْتَحَقُّوا دِينَارًا) وَاحِدًا بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.
(وَ) إنْ نَقَبَ (كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا فَكُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا) كَمَا لَوْ قَالَ: (مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ؛ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (دِينَارًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا كَدُخُولِ الْمُنْفَرِدِ، فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَامِلًا.
وَ (لَوْ) فَاوَتَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْعَامِلِينَ، (فَجَعَلَ لِإِنْسَانٍ فِي رَدِّ آبِقٍ) عَلَى رَدِّهِ (دِينَارًا، أَوْ) جَعَلَ (لِآخَرَ دِينَارَيْنِ، أَوْ) جَعَلَ (لِآخَرَ ثَلَاثَةَ) دَنَانِيرَ؛ فَإِنْ رَدَّهُ وَاحِدٌ اسْتَحَقَّ جُعْلَهُ، وَإِنْ (رَدَّهُ) ؛ أَيْ: رَدَّ الْآبِقَ الثَّلَاثَةُ (فَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمْ (ثُلُثُ مَا جُعِلَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ رَدَّهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ جُعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، (وَ) إنْ جَعَلَ (لِوَاحِدٍ) عِوَضًا (مَعْلُومًا) كَدِينَارٍ مَثَلًا، وَجَعَلَ لِآخَرَ عِوَضًا (مَجْهُولًا) فَرَدَّاهُ مَعًا؛ (فَلِرَبِّ الْمَعْلُومِ نِصْفُهُ؛ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ عَمَلِهِ.
وَإِنْ)
جَعَلَ رَبُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ مَثَلًا لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ شَيْئًا، (فَرَدَّهُ مِنْ جُوعِلَ)
وَهُوَ زَيْدٌ فِي الْمِثَالِ - هُوَ (وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا) - أَيْ: الْآخَرَانِ -: رَدَدْنَاهُ مُعَاوَنَةً لِزَيْدٍ؛ (اسْتَحَقَّ) زَيْدٌ (كُلَّ الْجُعْلِ) ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِمَا.
(وَإِنْ قَالَا) رَدَدْنَاهُ (لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ مِنْهُ) لِأَنْفُسِنَا؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ، (وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(وَلَوْ نَادَى غَيْرُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ) ، فَقَالَ: (مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِينَارٌ) فَرَدَّهَا إنْسَانٌ (فَالدِّينَارُ عَلَى الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَمِنَ الْعِوَضَ) فَالْتَزَمَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، (لَا إنْ قَالَ) الْمُنَادِي غَيْرَ رَبِّ الضَّالَّةِ فِي النِّدَاءِ: (قَالَ فُلَانٌ مَنْ رَدَّهَا) - أَيْ: ضَالَّتِي - فَلَهُ دِينَارٌ، وَلَمْ يَكُنْ رَبُّهَا قَالَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعِوَضَ، وَالرَّادُّ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ.
(وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ) فِي الْجَعَالَةِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ خَاطَ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَلَوْ قَالَ مَنْ دَاوَى لِي هَذَا) الْجَرِيحَ (حَتَّى يَبْرَأَ) مِنْ جُرْحِهِ، أَوْ دَاوَى هَذَا الْمَرِيضَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ دَاوَى هَذَا الْأَرْمَدَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا؛ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهَا (مُطْلَقًا) - أَيْ: لَا إجَارَةً وَلَا جَعَالَةً - صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ آبِقٍ (مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، وَهُوَ) - أَيْ: الْمُسَمَّى أَكْثَرُ مِنْ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَرَدَّهُ إنْسَانٌ؛ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ بِعَمَلِ مَا جُوعِلَ عَلَيْهِ؛ كَرَدِّ اللُّقَطَةِ وَبِنَاءِ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجَاعِلِ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى (أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَقَلَّ مِنْ (اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) فِضَّةً (اللَّذَيْنِ قَدَّرَهُمَا الشَّارِعُ لِمَنْ رَدَّ آبِقًا) - أَيْ: الرَّادِّ (فَلَهُ) بِرَدِّ الْآبِقِ (الْجُعْلُ فَقَطْ عَمَلًا بِالشَّرْطِ) ، قَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْمُسَمَّى.
قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ "
وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرَهُ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ - أَيْ: الْمُسَمَّى - أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ فَلَهُ فِي الْعَبْدِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ انْتَهَى.
(وَيَسْتَحِقُّ مَنْ) سُمِّيَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى رَدِّ آبِقٍ وَ (رَدَّهُ مِنْ دُونِ مَسَافَةٍ مُعَيَّنَةِ الْقِسْطَ) مِنْ الْجُعْلِ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي رَدَّهُ مِنْهُ نِصْفَ الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ مَوْضِعٍ (أَبْعَدَ) مِنْ الْبَلْدَةِ الْمُسَمَّاةِ فَلَهُ (الْمُسَمَّى فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلزَّائِدِ عَلَى الْمَسَافَةِ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى، وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى رَدِّهِ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ عِوَضًا؛ فَالرَّادُّ مِنْ غَيْرِهِ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ.
كَمَا لَوْ جَعَلَ رَبُّ آبِقَيْنِ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ كَسَالِمٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَرَدَّ الْعَبْدَ الْآخَرَ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ الْمُعَيَّنَ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَخَالَفَهُمْ شَارِحُهُ، فَقَالَ: قُلْتُ: بَلْ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَكَذَا الَّتِي قَبْلَهَا، كَذَا قَالَ.
(وَ) يَسْتَحِقُّ (مَنْ رَدَّ أَحَدَ آبِقَيْنِ) جُوعِلَ عَلَى رَدِّهِمَا (نِصْفَهُ) - أَيْ: نِصْفَ الْجُعْلِ - عَنْ رَدِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهُمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا أَمْ اخْتَلَفَتْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ خَاطَ لِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَخَاطَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ بِقَدْرِهِ مِنْ الْجُعْلِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا؛ كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُمَا كِلَيْهِمَا فَلَهُ كَذَا.
(وَبَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ) فِي الْعَمَلِ (إنْ فَسَخَ جَاعِلٌ فَعَلَيْهِ) لِعَامِلٍ (أُجْرَةُ) مِثْلُ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَمَا عَمِلَهُ بَعْدَ الْفَسْخِ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَإِنْ زَادَ الْجَاعِلُ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ؛ جَازَ وَعَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ؛ كَالْمُضَارَبَةِ.
(وَإِنْ فَسَخَ عَامِلٌ) قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِإِسْقَاطِ حَقِّ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يُوَفِّ مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلَ الْجَعَالَةِ) - أَيْ: التَّسْمِيَةِ - بِأَنْ أَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) - أَيْ: الْجُعْلِ - (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ (الْمَسَافَةِ) بِأَنْ قَالَ الْجَاعِلُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ الْجُعْلُ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: رَدَدْت الْعَبْدَ الَّذِي جَعَلْتَ إلَيَّ الْجُعْلَ فِيهِ، فَأَنْكَرَ الْجَاعِلُ، وَقَالَ: بَلْ شَرَطْته فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ تَرُدَّهُ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ جَاعِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ زِيَادَةً عَمَّا يَعْتَرِفُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَإِنْ عَمِلَ) شَخْصٌ (وَلَوْ الْمُعَدُّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ) عَلَى عَمَلِهِ كَالْمَلَّاحِ وَالْمُكَارَى وَالْحَجَّامِ وَالْقَصَّارِ، وَالْخَيَّاطِ وَالدَّلَّالِ وَالنَّقَّادِ، وَالْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ وَشَبَهِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَلِ، وَأَذِنَ لَهُ الْمَعْمُولُ لَهُ فِي الْعَمَلِ؛ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِأَخْذِ الْأُجْرَةِ، وَعَمِلَ (لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِلَا إذْنٍ أَوْ بِلَا جُعْلٍ) مِمَّنْ عَمِلَ لَهُ؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ (إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَالِ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ مَالُ غَيْرِهِ (قِنًّا مِنْ بَحْرِ) أَوْ فَمِ سَبُعٍ (أَوْ فَلَاةٍ) يُظَنُّ هَلَاكُهُ فِي تَرْكِهِ؛ فَلَهُ (أَجْرُ مِثْلِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ وَتَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ.
وَكَذَا لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَتَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ؛ فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا فِي (رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّادُّ (الْإِمَامَ) ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الرَّادَّ (أَوْ نَائِبَهُ) ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِانْتِصَابِهِ لِلْمَصَالِحِ، وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَكْلُ
مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ الرَّادُّ غَيْرَهُمَا؛ فَلَهُ (مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) دِينَارًا وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَشَرْحِ الْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمَا: وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مُرْسَلًا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» .
وَالْمَعْنَى فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَصِيَانَةِ الْعَبْدِ عَمَّا يُخَافُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ، (سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ دَاخِلِ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ) ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، (مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُ مُدَبَّرٍ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (وَأُمِّ وَلَدٍ قَبْلَ وُصُولٍ) إلَيْهِ (فَيُعْتَقَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: لِرَادِّهِمَا فِي نَظِيرِ الرَّدِّ - لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمَّ؛ إذْ الْعَتِيقُ لَا يُسَمَّى آبِقًا، (أَوْ يَهْرُبُ) الْآبِقُ مِنْ وَاجِدِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا.
(وَيَأْخُذُ) رَادُّ الْآبِقِ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ تَرِكَتِهِ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ) مَا أَنْفَقَ (عَلَى دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا (فِي قُوتٍ) وَعَلَفٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمِثْلُهُ كِسْوَةٌ وَأُجْرَةُ حَمْلٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِمَا، لَا دُهْنٌ وَحَلْوَى، (وَلَوْ هَرَبَ) أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا لِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ، (أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ) الْمُنْفِقُ (مَالِكًا) فِي الْإِنْفَاقِ (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى اسْتِئْذَانِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا؛ لِحُرْمَةِ النَّفْسِ؛ وَحَثًّا عَلَى صَوْنِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ لِوَاجِدِ آبِقٍ أَنْ (يَسْتَخْدِمَهُ بَدَلَ نَفَقَتِهِ) عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَأَوْلَى.
(وَيُؤْخَذُ جُعْلٌ وَنَفَقَةٌ مِنْ تَرِكَةِ) سَيِّدِ (مَيِّتٍ) ؛ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، (مَا لَمْ) يَنْوِ أَنْ (يَتَبَرَّعَ) بِالْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّعَ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِالْعَمَلِ التَّبَرُّعَ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(وَيَجُوزُ ذَبْحُ) حَيَوَانٍ (مَأْكُولٍ) إذَا (خِيفَ مَوْتُهُ) صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (يَجِبُ) عَلَيْهِ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ؛ اسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ، وَحِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا بَيْعُ مَا) - أَيْ: مَتَاعٍ أَوْ حَيَوَانٍ - (اسْتَنْقَذَهُ) مِنْ مَهْلَكَةٍ (خَوْفَ تَلَفِهِ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ الْعَرَبِ - أَيْ: قُطَّاعِ الطَّرِيقِ - فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ؛ جَازَ لِلْأَخْذِ بَيْعُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَبِيعَهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا، وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ لِرَبِّهِ انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) يَجُوزُ بَيْعُ (نَحْوِ وَدِيعَةٍ) كَلُقَطَةٍ (وَرَهْنٍ) خِيفَ تَلَفُهُ، وَيَحْفَظُ ثَمَنُهُ لِرَبِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ) حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ (بِذَبْحٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ الْعَمَلُ فِي مَالِ الْغَيْرِ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ) الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ؛ (جَازَ) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ إنْ حَصَلَ بِهِ نَقْصٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(فَلَوْ وَقَعَ حَرِيقٌ بِدَارٍ، فَهَدَمَهَا غَيْرُ رَبِّهَا بِلَا إذْنٍ عَلَى النَّارِ خَوْفَ سَرَيَانٍ أَوْ هَدَمَ قَرِيبًا مِنْهَا خَوْفَ تَعَدِّيهَا)
وَعُتُوِّهَا؛ (لَمْ يَضْمَنْ) .
ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: (وَكَذَا لَوْ رَأَى السَّيْلَ يَقْصِدُ) الدَّارَ (الْمُؤَجَّرَةَ) ، فَبَادَرَ، (وَهَدَمَ الْحَائِطَ لِيَخْرُجَ السَّيْلُ) ، وَلَا يَهْدِمَ الدَّارَ؛ كَانَ مُحْسِنًا، وَلَا يَضْمَنُ.
انْتَهَى.
(وَالْآبِقُ) وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَالِ الضَّائِعِ (بِيَدِ آخِذِهِ أَمَانَةٌ) ، إنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِأَخْذِهِ، (وَمَنْ ادَّعَاهُ) - أَيْ: الْآبِقَ - أَنَّهُ مِلْكُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، (فَصَدَّقَهُ الْآبِقُ الْمُكَلَّفُ؛ أَخَذَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ أَخْذُهُ بِوَصْفِهِ إيَّاهُ فَتَصْدِيقُهُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُ الصَّغِيرِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) وَاجِدُ الْآبِقِ (سَيِّدَهُ؛ دَفَعَهُ لِنَائِبِ إمَامٍ) فَيَحْفَظُهُ لِرَبِّهِ إلَى أَنْ يَجِدَهُ، (وَلِنَائِبِ إمَامٍ بَيْعُهُ
لِمَصْلَحَةٍ
) رَآهَا فِي بَيْعِهِ، وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ؛ لِانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ.
(فَلَوْ قَالَ سَيِّدُهُ بَعْدَ بَيْعٍ) ؛ أَيْ: بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ وَاجِدُهُ: (كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ) قَبْلَ صُدُورِ الْبَيْعِ؛ (عُمِلَ بِهِ) - أَيْ بِقَوْلِهِ هَذَا - (وَبَطَلَ الْبَيْعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ، وَلَيْسَ لِوَاجِدِ الْعَبْدِ بَيْعُهُ وَلَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ؛ فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ، لَكِنْ جَازَ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ.
[تَكْمِيلٌ كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ]
تَكْمِيلٌ: وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ لِعَامِلٍ نَفَقَتَهُ وَكِسْوَتَهُ؛ كَاسْتِئْجَارِهِ بِذَلِكَ مُفْرَدًا أَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ، وَتَزِيدُ الْجَعَالَةُ بِجُعْلٍ مَجْهُولٍ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ، وَكُلُّ مَا جَازَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ جَازَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ كَالْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] .
[بَابُ اللُّقَطَةِ]
ِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: اللُّقَطَةُ مُحَرَّكَةٌ وَكَحُزَمَةٍ وَهُمَزَةٍ، وَتَمَامُهُ مَا اُلْتُقِطَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ مُحَرَّكَةٌ - أَيْ: مَفْتُوحَةُ اللَّامِ وَالْقَافِ - وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ اللُّقَطَةُ - بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ - الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطُ.
وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الشَّرْحِ اسْمُ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فَعْلَةٍ فَهُوَ اسْمٌ لِلْفَاعِلِ كَالضَّحْكَةِ وَالصَّرْعَةِ وَالْهَمْزَةِ وَاللَّمْزَةِ، وَاللُّقْطَةُ: بِسُكُونِ الْقَافِ الْمَلْقُوطُ مِثْلُ الضُّحْكَةِ الَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ، وَالْهُزْأَةِ الَّذِي يُهْزَأُ بِهِ.
وَعُرْفًا: (مَالٌ) كَنَفَقَةٍ وَمَتَاعٍ (أَوْ مُخْتَصٌّ) كَخَمْرَةِ الْخَلَّالِ (ضَائِعٌ) كَالسَّاقِطِ مِنْ مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ) كَمَتْرُوكٍ قَصْدًا لِمَعْنًى وَمَدْفُونٍ مَنْسِيٍّ (لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ) ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِحَرْبِيٍّ مَالِكُهَا وَاجِدُهَا؛ كَمَا لَوْ ضَلَّ الْحَرْبِيُّ الطَّرِيقَ، فَأَخَذَهُ إنْسَانٌ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِآخِذِهِ وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ مَالَكَ وَلَهَا؛ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْمَالُ فِي الْخَاصَّةِ فِي الْخِرْقَةِ، وَالْعِفَاصُ الْوِعَاءُ الَّذِي هِيَ فِيهِ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْأَصْلُ أَنَّهُ الْجِلْدُ الَّذِي يُلْبَسُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ.
وَقَوْلُهُ مَعَهَا حِذَاءَهَا يَعْنِي خُفَّهَا؛ لِأَنَّ لِقُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحِذَاءِ.
وَسِقَاءَهَا بَطْنَهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ فِيهِ كَثِيرًا فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ، وَالضَّالَّةُ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ اللُّقَطَةِ، وَالْجَمْعُ ضَوَالُّ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا الْهَوَامِيُّ وَالْهَوَامِلُ.
قَالَهُ الشَّارِحُ.
(فَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ) فِي نَحْوِ حَمَّامٍ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ مَدَاسٍ وَنَحْوِهِ، (وَتُرِكَ) - بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَجْهُولِ - (بَدَلُهُ) - أَيْ: شَيْءٌ مُتَمَوَّلٌ غَيْرُهُ - فَالْمَتْرُوكُ (كَلُقَطَةٍ) .
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بُخْتَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَمَنْ أُخِذَتْ ثِيَابُهُ مِنْ الْحَمَّامِ، وَوَجَدَ غَيْرَهَا؛ لَمْ يَأْخُذْهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ ثِيَابِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلَا يَعْرِفُ صَاحِبَهُ، (فَيُعَرِّفُهُ) كَاللُّقَطَةِ.
انْتَهَى.
(وَيَأْخُذُ) الْمَأْخُوذُ مَتَاعُهُ (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ: الْمَتْرُوكِ بَدَلَ مَتَاعِهِ - (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِهِ إلَى حَاكِمٍ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا؛ وَنَفْعًا لِلْآخَرِ إنْ كَانَ سَارِقًا بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ؛ وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَلَوْ كَانَتْ الثِّيَابُ الْمَتْرُوكَةُ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَأْخُوذَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فَاضِلٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ بِتَرْكِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، (وَيَتَصَدَّقُ بِبَاقٍ) إنْ أَحَبَّ، (أَوْ يَدْفَعُهُ) - أَيْ: الْبَاقِيَ - (لِحَاكِمٍ) لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ.
(وَصَوَّبَ فِي " الْإِنْصَافِ ") وُجُوبَ التَّعْرِيفِ (إلَّا مَعَ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي السَّرِقَةَ) ؛ بِأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ أَوْ مَدَاسُهُ خَيْرًا مِنْ الْمَتْرُوكَةِ، وَهِيَ مِمَّا لَا تَشْتَبِهُ عَلَى الْأَخْذِ بِثِيَابِهِ وَمَدَاسِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ عَنْ رَبِّهِ؛ لِيَعْلَمَ بِهِ وَيَأْخُذَهُ، وَتَارِكُ هَذِهِ عَالِمٌ بِهَا رَاضٍ بِبَدَلِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَلَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَهُ؛ فَلَا يَحْصُلُ مِنْ تَعْرِيفِهِ فَائِدَةٌ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ.
انْتَهَى.
لَكِنَّ الْأَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ.
(وَهِيَ) - أَيْ: اللُّقَطَةُ - (ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ) . (أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ) يَعْنِي مَا لَا يُتَّهَمُونَ فِي طَلَبِهِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْهِمَّةُ - بِالْكَسْرِ وَتُفْتَحُ - مَا هُمَّ بِهِ لِيُفْعَلَ (كَسَوْطٍ) مَا يُضْرَبُ بِهِ، هُوَ فَوْقَ الْقَضِيبِ وَدُونَ الْعِصِيِّ (وَشِسْعٍ) أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ (وَرَغِيفٍ) وَكِسْرَةٍ وَتَمْرَةٍ (وَعَصًا) ، وَكُلُّ مَا لَا خَطَرَ لَهُ كَخِرْقَةٍ وَحَبْلٍ لَا تَتْبَعُهَا الْهِمَّةُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ الدِّرْهَمَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ الدَّانَقِ، وَحَمَلَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " عَلَى دَانِقِ الذَّهَبِ؛ نَظَرًا لِعُرْفِ الْعِرَاقِ، وَمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ ذَلِكَ، (فَيُمْلَكُ بِأَخْذٍ) ، وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعِصِيِّ وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا يَلْزَمُ تَعْرِيفُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ، (وَالْأَفْضَلُ) لِوَاجِدِهِ (التَّصَدُّقُ بِهِ) .
ذَكَرَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَلَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا (بَدَلُهُ) - أَيْ: بَدَلُ مَا وَجَدَهُ - مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ (مَعَ تَلَفِهِ) .
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إذَا الْتَقَطَهُ إنْسَانٌ، وَانْتَفَعَ بِهِ وَتَلِفَ؛ فَلَا ضَمَانَ (إنْ وَجَدَ رَبَّهُ) الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَاقِطَهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مَا الْتَقَطَهُ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ مَوْجُودًا، أَوْ وَجَدَ رَبَّهُ؛ (لَزِمَهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطَ - (دَفْعُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقَطَ (لَهُ) ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْبِيرُهُمْ بِالْبَدَلِ؛ إذْ لَا يَعْدِلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَلِفَ الْمُبْدَلِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُوَضِّحُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَلْزَمُ دَفْعُ عَيْنِهِ، (وَكَذَا) ؛ أَيْ: وَكَالْقَوْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كَوْنِ آخِذِهِ يَمْلِكُهُ (لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) كَنَخَّالٍ وَمَقْلَشٍ (قِطَعًا صِغَارًا مُتَفَرِّقَةً) مِنْ الْفِضَّةِ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِأَخْذِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا، وَلَا بُدَّ لَهَا إنْ وَجَدَ بَدَلَهَا - (وَلَوْ كَثُرَتْ) بِضَمِّ بَعْضِهَا - لِأَنَّ تَفَرُّقَهَا يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ أَرْبَابِهَا.
(وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً لَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا بِمَهْلَكَةٍ أَوْ تُرِكَ إيَاسٌ لِانْقِطَاعِهَا) بِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ (أَوْ عَجْزِهِ) - أَيْ: مَالِكِهَا - (عَنْ عَلَفِهَا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَعْلِفُهَا فَتَرَكَهَا؛ (مَلَكَهَا آخِذُهَا) ، لِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا فَسَيَّبُوهَا، فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا؛ فَهِيَ لَهُ.» قَالَ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ يَعْنِي لِلشَّعْبِيِّ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ.
، وَفِي الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا إحْيَاؤُهَا وَإِنْقَاذُهَا؛ وَلِأَنَّهَا تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا، أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُتْرَكُ رَغْبَةً عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ، فَلَا يَمْلِكُهَا آخِذُهَا.
وَتَقَدَّمَ آخِرُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مُوَضَّحًا.
(وَكَذَا مَا يَلْقَى) مِنْ سَفِينَةٍ (فِي الْبَحْرِ خَوْفَ غَرَقٍ) فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَلْقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَنْبُوذَ رَغْبَةً عَنْهُ.
قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ؛ أَيْ: فَلَا يَمْلِكُهَا آخِذُهَا.
ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا مَا أُلْقِيَ خَوْفَ الْغَرَقِ؛ أَيْ: فَلَا يُمْلَكُ، فَجُعِلَ حُكْمُ مَا أُلْقِيَ خَوْفَ الْغَرَقِ كَحُكْمِ مَا تَرَكَهَا؛ لِيَرْجِعَ إلَيْهَا، وَكَالَتِي ضَلَّتْ مِنْهُ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَمْلِكُهُ آخِذُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهُ (كَ) حُكْمِ (مُلْقًى رَغْبَةً عَنْهُ) فِي مَحَلٍّ يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ فِيهِ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، وَلَا يُمْلَكُ بِتَعْرِيفِهِ (الضَّوَالُّ) - جَمْعُ ضَالٍّ - اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً، وَتَقَدَّمَ، (الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَثَعْلَبٍ وَذِئْبٍ) وَابْنِ آوَى وَأَسَدٍ صَغِيرٍ، وَامْتِنَاعُهَا إمَّا بِكِبَرِ جُثَّتِهَا (كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ) ، وَإِمَّا؛ لِسُرْعَةِ عَدْوِهَا (كَحُمُرٍ وَظِبَاءٍ) ، وَإِمَّا لِطَيْرٍ (كَطَيْرٍ مُمْتَنِعٍ) بِطَيَرَانِهِ (وَ) إمَّا بِنَابِهِ (كَفَهْدٍ مُعَلَّمٍ أَوْ قَابِلٍ لِلتَّعْلِيمِ) ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِمَالٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَنَحْوِهِ) ؛ أَيْ: نَحْوِ الْمُتَقَدِّمِ كَفِيلٍ وَزَرَافَةٍ وَنَعَامَةٍ وَقِرْدٍ وَهِرٍّ وَقِنٍّ كَبِيرٍ، فَهَذَا الْقِسْمُ (غَيْرُ) الْقِنِّ (الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ: مَالَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» . وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ، وَلَمَّا رَوَى مُنْذِرُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: " كُنْتُ مَعَ أَبِي جَرِيرٍ بِالْبَوَارِيجِ فِي السَّوَادِ فَرَاحَتْ الْبَقَرَةُ، فَرَأَى بَقَرَةً أَنْكَرَهَا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ
الْبَقَرَةُ؟ قَالُوا: بَقَرَةٌ لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ، فَأَمَرَ بِهَا، فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ: ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ: لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إلَّا الضَّالُّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ - أَيْ: مُخْطِئٌ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِ الِالْتِقَاطِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ جَوَازِ أَخْذِهِ كَغَيْرِ الضَّالَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْأَخْذُ؛ لِحِفْظِ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِذَا كَانَ مَحْفُوظًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ، وَأَمَّا الْآبِقُ فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ؛ صَوْنًا لَهُ عَنْ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادِهِ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ (لَا يُمْلَكُ بِتَعْرِيفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ؛ لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ وَعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ؛ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ زَمَنِ الْأَمْنِ وَالْفَسَادِ، وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ (لِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ أَخَذُهُ؛ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ لَا) عَلَى أَنَّهُ (لُقَطَةٌ) ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخْذِ هَذِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ مَصْلَحَةٌ لِمَالِكِهَا بِصِيَانَتِهَا، (وَلَا يَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْإِمَامَ - أَوْ نَائِبَهُ (تَعْرِيفُهُ) مَا أَخَذَهُ؛ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَ الضَّوَالَّ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ مِنْ الْإِمَامِ حِفْظُ الضَّوَالِّ؛ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ فَإِنَّهُ يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ، فَمَنْ عَرَفَ مَالَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، (بِوَصْفٍ) ؛ أَيْ: لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الضَّالَّةَ كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ، حِينَ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا دُونَ غَيْرِهَا؛ فَلَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ (بَيِّنَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا؛ لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ، وَمَعْرِفَةِ خُلَطَائِهِ وَجِيرَانِهِ بِمِلْكِهِ إيَّاهَا.
وَمَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ الضَّوَالِّ؛ فَإِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا وَسْمًا بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى تَرَكَهَا تَرْعَى فِيهَا، إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهَا، وَحِفْظِ ثَمَنِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى؛ بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا، وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُفْضِي
إلَى أَنْ تَأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِهَا، وَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ضَمِنَهَا، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا.
(وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ صَيُودٍ مُتَوَحِّشَةٍ، بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَتْ رَجَعَتْ لِلصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزٍ) عَنْهَا، لِأَنَّ تَرْكَهَا إذَنْ أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ حِفْظَهَا فِي نَفْسِهَا لَمَا جَازَ الْتِقَاطُ الْأَثْمَانِ؛ فَإِنَّ الدِّينَارَ دِينَارٌ حَيْثُمَا كَانَ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا.
(وَلَا يَمْلِكُهَا) آخِذُهَا (بِتَعْرِيفٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَحْفَظُهَا لِرَبِّهَا، فَهُوَ كَالْوَدِيعِ.
(وَأَحْجَارُ طَوَاحِينَ) - مُبْتَدَأٌ - (وَقُدُورٌ ضَخْمَةٌ وَأَخْشَابٌ كَبِيرَةٌ) وَقَوْلُهُ: (كَإِبِلٍ) - خَبَرُهُ - أَيْ: فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا، وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا، فَهِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ مِنْ الضَّوَالِّ فِي الْجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ، إمَّا بِسَبُعٍ أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ.
(وَمَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ ضَمِنَهُ آخِذُهُ، إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ كَغَاصِبٍ) ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَآخِذُهُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحِفْظِ؛ لِأَنَّ الْتِقَاطَ ذَلِكَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ، (لَا إنْ تَبِعَ) شَيْءٌ مِنْ الضَّوَالِّ الْمَذْكُورَةِ (دَوَابَّهُ فَطَرَدَهُ) ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، (أَوْ دَخَلَ) شَيْءٌ مِنْهَا (دَارِهِ فَأَخْرَجَهُ) ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَلَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَيْهِ، (وَلَا) إذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ (كَلْبًا الْتَقَطَهُ) ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
(وَمَنْ) الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، وَ (كَتَمَهُ) عَنْ رَبِّهِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، (فَتَلِفَ) ؛ فَعَلَيْهِ (قِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ) لِرَبِّهِ نَصًّا؛ لِحَدِيثٍ: «فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا» .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ ": وَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُرَدُّ.
سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَقِطُ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ
(وَيَزُولُ ضَمَانُهُ) ؛ أَيْ: ضَمَانُ مَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ عَمَّنْ أَخَذَهُ (بِدَفْعِهِ لِإِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي ضَوَالِّ النَّاسِ، فَيَقُومُ مَقَامَ الْمَالِكِ (أَوْ رَدَّهُ) ؛ أَيْ: الْمَأْخُوذَ مِنْ ذَلِكَ، (إلَى مَكَانِهِ) الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ (بِأَمْرِهِ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الْقَضْبَيْ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلِ وَجَدَ بَعِيرًا: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِرَدِّهِ، كَأَخْذِهِ مِنْهُ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ رَدَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَتَلِفَ؛ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، فَإِذَا ضَيَّعَهَا؛ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا؛ كَمَا لَوْ ضَيَّعَ الْوَدِيعَةَ.
[فَرْعٌ وَجَدَ مَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ مِنْ الضَّوَالِّ الْمُمْتَنِعَةِ بِنَفْسِهَا بِمَهْلَكَةٍ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": (وَلَوْ وَجَدَ مَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ) مِنْ الضَّوَالِّ الْمُمْتَنِعَةِ بِنَفْسِهَا، (بِمَهْلَكَةٍ كَأَرْضٍ مَسْبَعَةٍ) ، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ بِهَا، (أَوْ) وُجِدَ ذَلِكَ (قَرِيبًا مِنْ دَارِ حَرْبٍ) ، يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا (أَوْ) وَجَدَهُ (بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَنَا) ، كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ وَجَدَهُ (بِبَرِّيَّةٍ) لَا مَاءَ فِيهَا وَلَا مَرْعًى، (فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخْذِهِ) ؛ أَيْ: الْمُحَرَّمِ الْتِقَاطُهُ (لِلْحِفْظِ، اسْتِنْقَاذًا) لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ.
لَا لُقَطَةً، لِمَا تَقَدَّمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ تَخْلِيصَهُ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ، فَإِذَا حَصَلَ فِي يَدِهِ، سَلَّمَهُ لِنَائِبِ الْإِمَامِ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ.
انْتَهَى.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ " (وَ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: (لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ) ، أَيْ: الْأَخْذِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ "، (إذَنْ) ؛ أَيْ: وَالْحَالَةُ هَذِهِ، (لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ) انْتَهَى.
الْقِسْمُ (الثَّالِثُ) مَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، وَيُمْلَكُ بِتَعْرِيفِهِ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، (مَا عَدَاهُمَا) ؛ أَيْ: مَا عَدَا مَا ذُكِرَ فِي الْقِسْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، (مِنْ ثَمَنٍ) - أَيْ: نَقْدٍ - (وَمَتَاعٍ) كَثِيَابٍ وَفُرُشٍ وَأَوَانِي وَآلَاتِ الْحَرْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ؛ (كَغَنَمٍ وَفُصْلَانٍ) - بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا -، جَمْعُ فَصِيلٍ، وَهُوَ وَلَدٌ لِلنَّاقَةِ، إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ (وَعَجَاجِيلُ) - جَمْعُ عِجْلٍ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ
وَجِحَاشٍ وَحَمِيرٍ (وَأَفْلَاءٍ) - بِالْمَدِّ: جَمْعُ فُلُوٍّ، - بِوَزْنِ سَحْرٍ، وَجِرْوٍ، وَعَدْوٍ، وَسَمْوٍ، وَهُوَ الْجَحْشُ وَالْمُهْرُ إذَا فُطِمَا، أَوْ بَلَغَ السَّنَةَ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَالْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ وَنَحْوُهَا، كَالْخَشَبَةِ الصَّغِيرَةِ، وَقِطْعَةِ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَالْكُتُبِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
وَالْمَرِيضُ مِنْ كِبَارِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا كَالصَّغِيرِ، سَوَاءٌ وُجِدَ بِمِصْرٍ أَوْ مَهْلَكَةٍ، لَمْ يَنْبِذْهُ رَبُّهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنْ نَبَذَهُ كَذَلِكَ مَلَكَهُ آخِذُهُ؛ وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
(وَقِنٍّ صَغِيرٍ) ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَالْعَبْدُ الصَّغِيرُ كَالشَّاةِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) ، كَالزِّقِّ مِنْ الدُّهْنِ أَوْ الْعَسَلِ، أَوْ الْغِرَارَةِ مِنْ الْحَبِّ؛ (فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ (أَخْذُهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعِ مَالِ غَيْرِهِ، فَحَرُمَ كَإِتْلَافِهِ، وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ، أَوْ كِتْمَانَهَا.
(وَكَعَاجِزٍ عَنْ تَعْرِيفِهَا) ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا، وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ وُصُولِهَا إلَى رَبِّهَا، (وَيَضْمَنُهَا بِهِ) أَيْ: بِأَخْذِهَا إنْ تَلِفَتْ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ تَلَفُهَا بِتَفْرِيطٍ، أَوْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ، فَضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ.
(وَلَا يَمْلِكُهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - (وَلَوْ عَرَّفَهَا) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرَّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ؛ فَإِنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ، ثُمَّ (طَرَأَ لَهُ قَصْدُ الْخِيَانَةِ؛ لَمْ يَضْمَنْ) اللُّقَطَةَ إنْ تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ فِي الْحَوْلِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا.
(وَإِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ) عَلَى اللُّقَطَةِ، (وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا؛ فَلَهُ أَخْذُهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ - وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي النَّقْدَيْنِ، وَقِيسَ عَلَيْهِمَا كُلُّ حَيَوَانٍ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ.
(وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، (تَرْكُهَا) - أَيْ: عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهَا - قَالَ أَحْمَدُ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الِالْتِقَاطِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وَلَوْ وَجَدَهَا (بِمُضِيعَةٍ) - بِكَسْرِ الضَّادِ
الْمُعْجَمَةِ - قَالَهُ فِي " الْمُطْلِعِ "؛ لِأَنَّ فِي الِالْتِقَاطِ تَعْرِيضًا بِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَتَضْيِيعَ الْوَاجِبِ مِنْ تَعْرِيفِهَا، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا، فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَسْلَمُ.
(وَيَتَّجِهُ) الْأَفْضَلُ (عَكْسُهُ) - أَيْ: تَرْكِهَا، وَهُوَ أَخْذُهَا (مَعَ وُجُودِ رَبِّهَا) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، إنْ وَجَدَهَا بِمُضِيعَةٍ وَأَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، فَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِفْظِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، كَتَخْلِيصِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
وَلَا يَجِبُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ.
وَخَرَجَ وُجُوبُهُ إذَنْ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، انْتَهَى.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
.
(وَمَنْ أَخَذَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - (ثُمَّ رَدَّهَا بِلَا إذْنِ إمَامٍ وَنَائِبِهِ إلَى مَوْضِعهَا) ؛ حَرُمَ، وَضَمِنَهَا.
(أَوْ فَرَّطَ) فِيهَا وَتَلِفَتْ، (حَرُمَ، وَضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ؛ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، وَتَرْكُهَا وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا تَضْيِيعٌ لَهَا.
وَإِنْ رَدَّهَا بِأَمْرِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهُ، وَكَذَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَدَفَعَهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ.
(وَيُنْتَفَعُ بِمُبَاحٍ مِنْ كِلَابٍ، وَلَا تُعَرَّفُ) وَظَاهِرُهُ جَوَازُ الْتِقَاطِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَغَيْرِهِ، فَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ، وَلَيْسَ فِي الْمَعْنَى الْمَمْنُوعَ، وَفِي أَخْذِهِ حِفْظٌ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ، أَشْبَهَ الْأَثْمَانَ، وَأَوْلَى مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مَالًا فَهُوَ أَخَفُّ.
(وَيُمْلَكُ قِنٌّ صَغِيرٌ بِتَعْرِيفٍ) ؛ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْأَثْمَانِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ " وَ " الْوَجِيزِ "، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَصِغَارُ الرَّقِيقِ مُطْلَقًا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ.
انْتَهَى.
(خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ قِنٍّ صَغِيرٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلَا يُمْلَكُ بِالِالْتِقَاطِ.
انْتَهَى.
(فَإِنْ) اُلْتُقِطَ صَغِيرٌ، وَ (جُهِلَ رِقُّهُ) وَحُرِّيَّتُهُ؛ فَهُوَ (حُرٌّ لَقِيطٌ) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ عَلَى حُرِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي اللَّقِيطِ.
[فَصْلٌ مَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ]
(فَصْلٌ: وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا (ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ) .
الضَّرْب الْأَوَّلُ: (حَيَوَانٌ) مَأْكُولٌ كَالْفَصِيلِ وَالشَّاةِ وَالدَّجَاجَةِ؛ (فَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطَ - (فِعْلُ الْأَصْلَحِ) مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ، (أَكْلُهُ بِقِيمَتِهِ) فِي الْحَالِ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَسُئِلَ عَنْ لُقَطَةِ الشَّاةِ - هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» ، فَجَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يَسْتَأْنِي بِأَكْلِهَا؛ وَلِأَنَّ فِي أَكْلِ الْحَيَوَانِ فِي الْحَالِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ؛ وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ إذَا جَاءَ، وَإِذَا أَرَادَ أَكْلَهُ حَفِظَ صِفَتَهُ، فَمَتَى جَاءَ رَبُّهُ فَوَصَفَهُ؛ غَرِمَ لَهُ قِيمَتَهُ بِكَمَالِهَا، (أَوْ بَيْعُهُ) - أَيْ: الْحَيَوَانَ - لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ فَبَيْعُهُ أَوْلَى، (وَحِفْظُ ثَمَنِهِ) لِصَاحِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ، (أَوْ حِفْظُهُ) - أَيْ: الْحَيَوَانَ - (وَيُنْفِقُ) مُلْتَقِطٌ (عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ بِلَا إنْفَاقٍ عَلَيْهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْحَيَوَانَ، وَلَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ.
(وَيَرْجِعُ) الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْحَيَوَانِ، مَا لَمْ يَتَعَدَّ بِأَنْ الْتَقَطَهُ؛ لَا لِيُعَرِّفَهُ، أَوْ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ فِي الْحَالِ، (إنْ نَوَى) الرُّجُوعَ عَلَى مَالِكِهِ إنْ وَجَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ، كَالْوَدِيعَةِ.
قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِي طَيْرَةٍ أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ: فَقَضَى أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطَّيْرَةِ، وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
(فَإِنْ اسْتَوَتْ) الْأُمُورُ (الثَّلَاثَةُ) فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْأَحَظُّ مِنْهَا؛ (خُيِّرَ) ؛ لِجَوَازِ كُلٍّ مِنْهَا، وَعَدَمِ ظُهُورِ
الْأَحَظِّ فِي أَحَدِهَا.
(قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَوْلَى) لِلْمُلْتَقِطِ (حِفْظٌ) مَعَ الْإِنْفَاقِ، (فَبَيْعٌ) وَحِفْظُ ثَمَنٍ، (فَأَكْلٌ) وَغُرْمُ قِيمَةٍ انْتَهَى.
الضَّرْبُ (الثَّانِي) : مَا اُلْتُقِطَ مِمَّا (يُخْشَى فَسَادُهُ) بِتَبْقِيَتِهِ؛ كَالْبِطِّيخِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْفَاكِهَةِ؛ (فَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطَ - (فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْ بَيْعِهِ) بِقِيمَتِهِ، وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، بِلَا إذْنِ الْحَاكِمِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ أَكْلِهِ بِقِيمَتِهِ) قِيَاسًا عَلَى الشَّاةِ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ عَلَى مَالِكِهِ، وَيَحْفَظُ صِفَاتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِيَدْفَعَ لِمَنْ وَصَفَهُ ثَمَنَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، (أَوْ تَجْفِيفِ مَا يُجَفَّفُ؛ كَعِنَبٍ) وَرُطَبٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَفِعْلُ الْأَحَظِّ فِي الْأَمَانَاتِ مُتَعَيَّنٌ.
وَإِنْ احْتَاجَ فِي تَجْفِيفِهِ إلَى مُؤْنَةٍ، (فَمُؤْنَتُهُ مِنْهُ، فَيُبَاعُ بَعْضُهُ لِذَلِكَ) ؛ أَيْ: لِتَجْفِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.
فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ؛ رَجَعَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ؛ تَعَيَّنَ أَكْلُهُ (فَإِنْ اسْتَوَتْ) الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ: فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ؛ خُيِّرَ بَيْنَهَا، فَأَيُّهَا فَعَلَ جَازَ لَهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِ مَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ، فَضَمِنَهُ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَقَيَّدَهُ) ؛ أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْأَكْلِ، (جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَتَابَعَهُ فِي الْمُذَهَّبِ وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالتَّلْخِيصِ " بِمَا (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَرَّفَهُ (بِقَدْرِ مَا لَا يُخَافُ مَعَهُ فَسَادُهُ) ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَكْلِهِ وَبَيْعِهِ.
الضَّرْبُ (الثَّالِثُ بَاقِي الْمَالِ) ؛ أَيْ: مَا عَدَا الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الْمَالِ؛ كَالْأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِمَا.
(وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطَ - (حِفْظُ الْجَمِيعِ) ، مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِالْتِقَاطِهِ، وَيَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهُ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ تَمَلُّكَهُ، أَوْ حِفْظَهُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ؛ وَلِأَنَّ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا إنَّمَا يُفِيدُ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ.
وَطَرِيقَةُ التَّعْرِيفِ: بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ (بِنَفْسِهِ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطِ - (أَوْ نَائِبِهِ) ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ تَضْيِيعٌ لَهَا عَنْ صَاحِبِهَا، فَلَمْ يَجُزْ؛ كَرَدِّهَا إلَى
مَوْضِعِهَا وَإِلْقَائِهَا فِي غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ التَّعْرِيفُ لِمَا جَازَ الِالْتِقَاطُ، لِأَنَّ بَقَائِهَا فِي مَكَانِهَا إذَنْ أَقْرَبُ إلَى صَاحِبِهَا.
إمَّا بِأَنْ يَطْلُبَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ فَيَجِدُهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَجِدَهَا مَنْ يَعْرِفُهَا، وَأَخْذُ هَذَا لَهَا يُفَوِّتُ الْأَمْرَيْنِ، فَيَحْرُمُ.
فَلَمَّا جَازَ الِالْتِقَاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ؛ كَيْ لَا يَحْصُلَ الضَّرَرُ (فَوْرًا) ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، إذْ مُقْتَضَاهُ الْفَوْرُ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضَيَاعِهَا، فَإِذَا عُرِّفَتْ إذَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى وُصُولِهَا إلَيْهِ (نَهَارًا) ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُلْتَقَاهُمْ (أَوَّلَ كُلِّ يَوْمٍ) ، قَبْلَ انْشِغَالِ النَّاسِ بِمَعَاشِهِمْ، (أُسْبُوعًا) ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ تَوَالِي طَلَبِ صَاحِبِهَا لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ النَّاسِ أُسْبُوعًا.
وَقَالَ (فِي " التَّرْغِيبِ ") وَ " التَّلْخِيصِ " وَالرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهِمْ: ثُمَّ يُعَرِّفُ (مَرَّةً كُلَّ أُسْبُوعٍ إلَى) تَمَامِ (شَهْرٍ، ثُمَّ) يُعَرِّفُ (مَرَّةً كُلَّ شَهْرٍ) إلَى أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ
(ثُمَّ) عَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَعْدَ الْأُسْبُوعِ مُتَوَالِيًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ (عَادَةً) ؛ أَيْ: بِالنَّظَرِ إلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ (حَوْلًا) كَامِلًا مِنْ وَقْتِ (الْتِقَاطِهِ) .
، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ بِعَامٍ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ، وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي تُقْصَدُ فِيهِ الْبِلَادُ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ، فَصَلُحَتْ قَدْرًا؛ كَمُدَّةِ أَجَلِ الْعِنِّينِ.
وَصِفَةُ التَّعْرِيفِ (بِأَنْ يُنَادِيَ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ) ، أَوْ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ (نَفَقَةٌ) ، وَلَا يَصِفُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مَنْ سَمِعَ صِفَتَهَا، فَتَضِيعُ عَلَى مَالِكِهَا.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا، فَأَخَذَهَا غَيْرُ مَالِكِهَا بِالْوَصْفِ؛ ضَمِنَهَا الْمُلْتَقِطُ لِمَالِكِهَا، كَمَا لَوْ دَلَّ الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ مَنْ سَرَقَهَا.
وَيَكُونُ مَكَانَ النِّدَاءِ (بِجَامِعِ النَّاسِ؛ كَسُوقٍ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ،
(وَحَمَّامٍ، وَبَابِ مَسْجِدٍ وَقْتَ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِصَلَاةٍ (وَكُرِهَ) النِّدَاءُ عَلَيْهَا (دَاخِلَهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ -؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ إلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» وَالْإِنْشَادُ دُونَ التَّعْرِيفِ، فَهُوَ أَوْلَى.
(وَيُكْثِرُ مِنْهُ) - أَيْ: التَّعْرِيفِ - (بِمَوْضِعِ وِجْدَانِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا، وَيُكْثِرُ مِنْهُ أَيْضًا (فِي الْوَقْتِ) الَّذِي يَلِي (الْتِقَاطَهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضَيَاعِهَا، فَالْإِكْثَارُ مِنْهُ إذَنْ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِهَا إلَيْهِ.
(وَإِنْ الْتَقَطَ) اللُّقَطَةَ (بِصَحْرَاءَ عَرَّفَهَا بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهَا) ؛ أَيْ: الصَّحْرَاءِ الَّتِي الْتَقَطَهَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ طَلَبِهَا، (وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى وُجُودُ رَبِّ اللُّقَطَةِ) .
وَمِنْهُ لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ بِصُرَّةٍ وَلَا نَحْوِهَا، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي مُعِينِ ذَوِي الْأَفْهَامِ "، حَيْثُ ذَكَرَ: أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُلْتَقِطُهَا بِلَا تَعْرِيفٍ.
(لَمْ يَجِبْ تَعْرِيفُهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) ، نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَانَ كَالْعَبَثِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ " التَّنْقِيحِ " وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا: يَجِبُ مُطْلَقًا.
(وَأُجْرَةُ مُنَادٍ عَلَى مُلْتَقِطٍ) نَصًّا، لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْعَمَلِ، فَكَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ اكْتَرَى شَخْصًا يَقْلَعُ لَهُ مُبَاحًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ.
وَلَا يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمُنَادِي عَلَى رَبِّ اللُّقَطَةِ، وَلَوْ قَصَدَ حِفْظَهَا لِمَالِكِهَا، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ) - أَيْ: التَّعْرِيفَ عَنْ (الْحَوْلِ) الْأَوَّلِ أَثِمَ وَسَقَطَ، أَوْ أَخَّرَهُ (بَعْضَهُ) - أَيْ: بَعْضَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ - (لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ أَثِمَ) الْمُلْتَقِطُ بِتَأْخِيرِهِ التَّعْرِيفَ؛ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَسَقَطَ التَّعْرِيفُ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ فَقَطْ
(وَلَمْ يَمْلِكْهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ بِهِ - أَيْ: التَّعْرِيفِ - (بَعْدُ) - أَيْ: بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ؛ - لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا بَعْدَهُ يَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبَهَا.
وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا، كَمَا يَأْثَمُ بِالْتِقَاطٍ بِنِيَّةِ تَمَلُّكٍ بِلَا تَعْرِيفٍ، أَوْ لَمْ يُرِدْ بِهِ تَعْرِيفَهَا وَلَا تَمَلُّكَهَا، فَلَا يَمْلِكُهَا وَلَوْ عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": نَصَّ عَلَى هَذَا [أَحْمَدُ] .
(وَلَيْسَ خَوْفُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطِ - (أَنْ يَأْخُذَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ (سُلْطَانٌ جَائِرٍ) عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا (أَوْ خَوْفُهُ أَنْ يُطَالِبَهُ السُّلْطَانُ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَجَدَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا) .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَإِنْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ لِذَلِكَ الْخَوْفِ؛ لَمْ يَمْلِكْهَا إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَمُرَادُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عُذْرًا (حَتَّى يَمْلِكَهَا) بِلَا تَعْرِيفٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (بِدُونِهِ) قَالَ: وَلِهَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا بَعْدَهُ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَوْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: تَبْقَى بِيَدِهِ، (فَإِذَا وَجَدَ أَمْنًا عَرَّفَهَا حَوْلًا وَمَلَكَهَا) ، انْتَهَى.
فَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِلْعُذْرِ لَا يُؤَثِّرُ، (وَكَذَا إذَا) تَرَكَ تَعْرِيفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ، ثُمَّ (زَالَ عُذْرُ نَحْوِ مَرَضٍ وَحَبْسٍ وَنِسْيَانٍ، فَعَرَّفَهَا بَعْدُ) ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلَ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ " التَّنْقِيحِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ فِيهِ عَجْزًا؛ كَمَرِيضٍ وَمَحْبُوسٍ، أَوْ نِسْيَانًا.
انْتَهَى
وَكَأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَهُوَ مَرْجُوحٌ (وَمَنْ) وَجَدَ لُقَطَةً (وَعَرَّفَهَا حَوْلًا فَلَمْ تُعَرَّفْ) فِيهِ،
وَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، (دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ) ؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِعْهَا وَفِي لَفْظٍ: وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ وَفِي لَفْظٍ: ثُمَّ كُلْهَا وَفِي لَفْظٍ: فَانْتَفِعْ بِهَا وَفِي لَفْظٍ: فَشَأْنُكَ بِهَا» حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَمْلِكُ اللُّقَطَةَ (مِلْكًا مُرَاعًا) يَزُولُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا.
قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ بِوُجُودِ صَاحِبِهَا، كَمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ بَدَلِهِ لِلزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ.
انْتَهَى.
(وَلَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا) ؛ فَتُمْلَكُ كَالْأَثْمَانِ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي اللُّقَطَةِ جَمِيعِهَا، «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَانْتَفِعْ بِهَا، أَوْ فَشَأْنُكَ بِهَا» .
(أَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (لُقَطَةَ الْحَرَمِ) ، فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ حُكْمًا؛ كَلُقَطَةِ الْحِلِّ عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ، فَأَشْبَهَ حَرَمَ الْمَدِينَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا بِالْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْوَدِيعَةِ، وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا عَامًا، وَتَخْصِيصُهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِهَا لَا لِتَخْصِيصِهَا، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» ، وَضَالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا.
(أَوْ) كَانَ الْمُلْتَقِطُ وَجَدَ اللُّقَطَةَ (بِجَيْشٍ) - أَيْ: مَعَهُ - (بِدَارِ حَرْبٍ) ، وَيَبْدَأُ بِتَعْرِيفِهَا فِي الْجَيْشِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمْ، فَإِذَا قَفَلَ أَتَمَّ التَّعْرِيفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا لَمْ تُعَرَّفْ؛ مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
هَذَا إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ لَهُ، لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةٌ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَيْف يُعْرَفُ ذَلِكَ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ:
لِلْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَجَدَ لُقَطَةً بِدَارِ حَرْبٍ، وَهُوَ فِي الْجَيْشِ عَرَّفَهَا سَنَةً، ابْتَدَأَ فِي الْجَيْشِ، وَبَقِيَّتُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي الْمَغْنَمِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأَمَانٍ عَرَّفَهَا فِي دَارِهِمْ، ثُمَّ هِيَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَيْشٍ فَكَالَّتِي قَبْلَهَا.
انْتَهَى.
وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(أَوْ لَمْ يَخْتَرْ) الْمُلْتَقِطُ تَمَلُّكَهَا، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ دَاخِلَةٌ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
أَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ (غَنِيًّا) فَتَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ كَالْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمِيرَاثِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ.
(أَوْ أَخَّرَهُ) - أَيْ التَّعْرِيفَ (لِعُذْرٍ) ، ثُمَّ عَرَّفَهَا فَيَمْلِكُهَا، وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ أَخَّرَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ، وَلَمْ يَمْلِكْهَا بِهِ بَعْدُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(أَوْ ضَاعَتْ) اللُّقَطَةُ مِنْ وَاجِدِهَا بِلَا تَفْرِيطٍ، فَالْتَقَطَهَا آخَرُ، (فَعَرَّفَهَا) الْمُلْتَقِطُ (الثَّانِي، مَعَ عِلْمِهِ) بِالْمُلْتَقِطِ (الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ) ؛ أَيْ: يُعْلِمْ الثَّانِي الْأَوَّلَ بِاللُّقَطَةِ؛ (أَوْ أَعْلَمَهُ) ؛ أَيْ: أَعْلَمَ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَعَرَّفَهَا الثَّانِي، (وَقَصَدَ بِتَعْرِيفِهَا) تَمَلُّكَهَا (لِنَفْسِهِ) ، فَتَدْخُلُ فِي مِلْكِ الثَّانِي حُكْمًا بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ الَّذِي عَرَّفَهَا فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ
مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَمْلِكْهَا.
قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " لَكِنْ تَوَهَّمَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ الَّذِي يَمْلِكُهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَكَوْا الْوَجْهَيْنِ فِي مِلْكِ الثَّانِي لَهَا، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعْرِيفٌ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ، وَالتَّعْرِيفُ هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، وَفِي الْإِقْنَاعِ لَمْ يَمْلِكْهَا - أَيْ: الثَّانِي - وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.
(فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُلْتَقِطُ الثَّانِي بِالْمُلْتَقِطِ (الْأَوَّلِ، حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا) كَامِلًا؛ (مَلَكَهَا) الثَّانِي قَوْلًا وَاحِدًا؛ (لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ إذَنْ) ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ (وَإِذَا جَاءَ رَبُّهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ - (أَخَذَهَا مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الثَّانِي - (وَلَا يُطَالِبُ الْأَوَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ.
(وَلَوْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، فَرَدَّهَا لَهُ) - أَيْ: لِلْأَوَّلِ - (فَإِنْ أَبَى) الْأَوَّلُ (أَخْذَهَا) فَهِيَ (لِلثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ حَقَّهُ فَسَقَطَ.
(وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ لِلثَّانِي: (عَرِّفْهَا) وَيَكُونُ مِلْكُهَا لِي، فَفَعَلَ الثَّانِي؛ فَهُوَ نَائِبُهُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ؛ وَلِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ؛ فَصَحَّ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا وَتَكُونُ (بَيْنَنَا) ، فَفَعَلَ؛ صَحَّ أَيْضًا، وَكَانَتْ (بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي.
[تَتِمَّةٌ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَعَرَّفَهَا]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَعَرَّفَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ الْتَقَطَهَا اثْنَانِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ.
.
[فَصْلٌ حُكْمُ تَصَرُّفُ الْمُلْتَقِطِ فِي اللُّقَطَةِ]
(فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (فِيهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ - بَعْدَ تَعْرِيفِهَا الْحَوْلَ، وَلَوْ بِخَلْطٍ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، (حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا - وَهُوَ كِيسُهَا - وَنَحْوُهُ) ، كَخِرْقَةٍ مَشْدُودَةٍ فِيهَا، وَقِدْرٍ، وَزِقٍّ فِيهِ اللُّقَطَةُ الْمَائِعَةُ، وَلُفَافَةٍ عَلَى ثِيَابٍ.
وَحَتَّى يَعْرِفَ (وِكَاءَهَا) - بِالْمَدِّ (وَهُوَ مَا شُدَّ بِهِ) الْكِيسُ، وَالزِّقُّ، هَلْ هُوَ سَيْرٌ، أَوْ خَيْطٌ مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (عِفَاصَهَا) - بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - (وَهُوَ صِفَةُ الشَّدِّ) ، فَيَعْرِفُ الْمَرْبُوطَ هَلْ هُوَ عُقْدَةٌ أَوْ عُقْدَتَانِ، وَأُنْشُوطَةٌ وَغَيْرُهَا؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَمْر بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا، وَهَذِهِ مِنْهَا.
وَالْأُنْشُوطَةُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَأُنْبُوبَةٍ، عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلَالُهَا كَعَقْدِ التِّكَّةِ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعِفَاصُ: كَكِتَابٍ الْوِعَاءُ فِيهِ النَّفَقَةُ، جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً أَوْ غِطَاءُ الْقَارُورَةِ، وَالْجِلْدُ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهَا.
انْتَهَى فَالْعِفَاصُ مُشْتَرَكٌ، لَكِنْ لَمَّا ذُكِرَ مَعَ الْوِعَاءِ حُمِلَ عَلَى مَا يُغَايِرُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ.
(وَ) حَتَّى: يَعْرِفَ (قَدْرَهَا) بِمِعْيَارِهَا الشَّرْعِيِّ، مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ.
وَحَتَّى يَعْرِفَ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا، وَهِيَ نَوْعُهَا، لِحَدِيثِ زَيْدٍ وَفِيهِ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي «حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، وَاخْلِطْهَا بِمَالِك، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ دَفْعَهَا إلَى رَبِّهَا يَجِبُ بِوَصْفِهَا.
وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا؛ لَمْ يَبْقَ سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَةِ وَصْفِهَا بِانْعِدَامِهَا بِالتَّصَرُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ حَيْثُ وَجَبَ دَفْعُهَا إلَى رَبِّهَا بِوَصْفِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ.
(وَسُنَّ ذَلِكَ) أَيْ: أَنْ يَعْرِفَ وِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا وَجِنْسَهَا وَقَدْرَهَا وَصِفَتَهَا عِنْدَ وِجْدَانِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ.
وَسُنَّ لَهُ أَيْضًا عِنْدَ وِجْدَانِهَا إشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا، وَهَذَا النَّصُّ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِحْبَابِ؛ «وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
لَمْ يَأْمُرْ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ.
وَكَالْوَدِيعَةِ،
وَفَائِدَةُ الْإِشْهَادِ حِفْظُهَا مِنْ نَفْسِهِ عَنْ أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا، وَمِنْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ، وَغُرَمَائِهِ إنْ أَفْلَسَ.
وَ (لَا) يُسَنُّ الْإِشْهَادُ (عَلَى صِفَتِهَا) ، لِئَلَّا يَنْتَشِرَ ذَلِكَ فَيَدَّعِيَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَيَذْكُرَ صِفَتَهَا، كَمَا قُلْنَا فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا، هَلْ يُبَيِّنُ كَمْ هِيَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَقُولُ: أَصَبْتُ لُقَطَةً.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ صِفَاتِهَا؛ لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا، مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهَا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى حِفْظِهَا فَغَلَبَهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَةُ النِّسْيَانِ انْتَهَى.
(وَمَتَى وَصَفَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - (طَالِبُهَا) - أَيْ: مُدَّعِي ضَيَاعَهَا - بِصِفَاتِهَا، وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ، (لَزِمَ دَفْعُهَا لَهُ) ، إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، (بِنَمَائِهَا) الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مَالِكَهَا، وَلَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهَا عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (بِلَا يَمِينٍ) وَلَا بَيِّنَةٍ، ظَنَّ صِدْقَهُ أَوَّلًا؛ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ وَقَوْلِهِ: فَإِنْ جَاءَكَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا غَالِبًا؛ لِسُقُوطِهَا حَالَ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا بِالصِّفَةِ؛ لَمَا جَازَ الْتِقَاطُهَا، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيِّنَةَ مُدَّعِي اللُّقَطَةَ وَصْفَهَا، فَإِذَا وَصَفَهَا فَقَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ.
.
(وَ) دَفْعُ اللُّقَطَةِ لِمُدَّعِيهَا (بِلَا وَصْفٍ) وَلَا بَيِّنَةٍ، (يَحْرُمُ، وَلَوْ ظَنَّ صِدْقَهُ) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، كَالْوَدِيعَةِ، (وَيَضْمَنُ) .
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ دَفَعَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا، أَوْ أَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً، لَزِمَ الدَّافِعَ غَرَامَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا.
فَإِذَا ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا فَيُغَرِّمَهُ؛ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَمَلَكَ الْأَخْذَ مِنْ غَاصِبِهَا انْتَهَى.
(وَمَعَ رِقِّ مُلْتَقِطٍ وَإِنْكَارِ سَيِّدِهِ) أَنَّهَا لُقَطَةٌ؛ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّهُ الْتَقَطَهَا وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْقِنِّ بِالْمَالِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى سَيِّدِهِ، بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِنَحْوِ طَلَاقٍ.
(وَ) النَّمَاءُ (الْمُنْفَصِلُ بَعْدَ حَوْلِ تَعْرِيفِهَا لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ اللُّقَطَةَ بِانْفِصَالِ الْحَوْلِ، فَنَمَاؤُهَا إذَنْ نَمَاءُ مِلْكِهِ، فَهُوَ لَهُ، لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ.
وَأَمَّا النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ فَيُرَدُّ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ، (أَوْ نَقَصَتْ) ، أَوْ ضَاعَتْ (قَبْلَهُ) - أَيْ: الْحَوْلِ - (وَلَمْ يُفَرِّطْ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا) ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ، فَلَمْ تُضَمْنَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، كَالْوَدِيعَةِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ، أَوْ ضَاعَتْ (بَعْدَهُ) ، - أَيْ: بَعْدَ الْحَوْلِ - فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ (يَضْمَنُهَا مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ فَرَّطَ فِيهَا أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ تَلَفُهَا مِنْ مَالِهِ.
(وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ) ؛ أَيْ: قِيمَةُ اللُّقَطَةِ إذَا تَلِفَتْ، وَقَدْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ، (يَوْمَ عَرَفَ رَبُّهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ إلَيْهِ لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً.
(وَيُرَدُّ مِثْلُ مِثْلِيٍّ) ، قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ مَعَ يَمِينِهِ، إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ قَدْ اُسْتُهْلِكَتْ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: (وَإِنْ وَصَفَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - اثْنَانِ فَأَكْثَرَ مَعًا، أَوْ وَصَفَهَا (ثَانٍ) بَعْدَ الْأَوَّلِ، لَكِنْ (قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى الْأَوَّلِ؛ أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِاللُّقَطَةِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَتُدْفَعُ لِقَارِعٍ بِيَمِينِهِ) نَصًّا؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ صَاحِبِهِ، كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا بِيَدِ غَيْرِهِمَا، وَلِتَسَاوِيهِمَا فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ عَدَمِهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَيَا وَدِيعَةً، وَقَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَلَا أَعْرِفُ عَيْنَهُ.
وَإِنْ وَصَفَهَا ثَانٍ (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: بَعْدَ دَفْعِهَا لِمَنْ وَصَفَهَا أَوَّلًا؛ (فَلَا شَيْءَ لِثَانٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا بِوَصْفِهِ
إيَّاهَا، مَعَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ حِينَ أَخَذَهَا، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعَهَا مِنْهُ؛ فَوَجَبَ بَقَاؤُهَا لَهُ؛ كَسَائِرِ مَالِهِ.
(وَلَوْ أَقَامَ أَحَدٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ) ، بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا الْأَوَّلُ بِالْوَصْفِ؛ (أَخَذَهَا) الثَّانِي (مِنْ وَاصِفٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ، فَيُرَجَّحُ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاصِفُ رَآهَا عِنْدَ مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَحَفِظَ أَوْصَافَهَا فَجَاءَ وَادَّعَاهَا وَهُوَ مُبْطِلٌ.
فَائِدَةٌ لَوْ ادَّعَى اللُّقَطَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَوَصَفَهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ حَلَفَ وَاصِفُهَا، وَأَخَذَهَا.
ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِتَرَجُّحِهِ بِوَصْفِهَا.
(فَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (عِنْدَهُ) أَيْ: الْوَاصِفِ (ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ، كَالْغَاصِبِ، (لَا مُلْتَقِطٌ) دَفَعَهَا لِوَاصِفِهَا؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَنْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَيَغْرَمُهَا الْوَاصِفُ لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ لِعُدْوَانِ يَدِهِ.
وَإِنْ أَعْطَى مُلْتَقِطٌ وَاضِعَهَا بَدَلَهَا؛ لِتَلَفِهَا عِنْدَهُ؛ لَمْ يُطَالِبْهُ ذُو الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْوَاصِفِ بِمَا أَخَذَهُ؛ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ لِلْوَاصِفِ بِمِلْكِهَا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُدَّعِيًا أَنَّ مُقِيمَ الْبَيِّنَةِ ظَلَمَهُ بِتَضْمِينِهِ؛ فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى غَيْرِ مَنْ ظَلَمَهُ.
(وَلَوْ أَدْرَكَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - (رَبُّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ) وَالتَّعْرِيفِ (مَبِيعَةً، أَوْ) أَدْرَكَهَا (مَوْهُوبَةً) بِيَدِ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، أَوْ أَدْرَكَهَا مَوْقُوفَةً؛ (فَلَيْسَ لَهُ) - أَيْ: لِرَبِّهَا - (إلَّا الْبَدَلُ) ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ.
(وَيُفْسَخُ) الْعَقْدُ إنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا (زَمَنَ خِيَارٍ) ؛ بِأَنْ بِيعَتْ لِشَرْطِ الْخِيَارِ، سَوَاءٌ كَانَ لِبَائِعٍ، أَوْ لَهُ وَلِلْمُشْتَرِي، وَتُرَدُّ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ؛ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا الْبَدَلُ، مَا لَمْ يَخْتَرْ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ، وَلَا يَلْزَمُهُ؛ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهَا (بَعْدَ عَوْدِهَا) إلَى الْمُلْتَقِطِ،
(بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ فَيَنْتَزِعُهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطٍ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ، كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَوَجَدَ الصَّدَاقَ قَدْ رَجَعَ إلَى الْمَرْأَةِ.
(أَوْ) كَمَا لَوْ أَدْرَكَهَا بَعْدَ (رَهْنِهَا) ، فَإِنَّ رَبَّهَا يَنْتَزِعُهَا مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَانْتِفَاءِ إذْنِهِ.
(وَمُؤْنَةُ رَدِّ) اللُّقَطَةِ إلَى مَالِكِهَا إنْ احْتَاجَ إلَى مُؤْنَةٍ (عَلَى رَبِّهَا) . ذَكَرَهُ فِي " التَّعْلِيقِ " " وَالِانْتِصَارِ "؛ لِتَبَرُّعِ الْمُلْتَقِطِ بِحِفْظِهَا.
(وَلَوْ قَالَ رَبُّهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ - (بَعْدَ تَلَفِهَا) بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ، (بِحَوْلِ تَعْرِيفٍ) ، بِلَا تَفْرِيطِ الْمَشْرُوعِ: عَلَيْك ضَمَانُهَا؛ لِكَوْنِكَ (أَخَذْتَهَا لِتَذْهَبَ بِهَا) لَا لِتُعَرِّفَهَا، (وَقَالَ مُلْتَقِطٌ) : بَلْ أَخَذْتُهَا (لِأُعَرِّفَهَا) ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُهُ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطِ - (بِيَمِينِهِ) .
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَوَارِثُ) مُلْتَقِطٍ (فِيمَا تَقَدَّمَ) تَفْصِيلُهُ (كَمُوَرِّثِهِ) ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، فَإِنْ مَاتَ مُلْتَقِطٌ، عَرَّفَهَا وَارِثُهُ بَقِيَّةَ الْحَوْلِ، وَمَلَكَهَا، وَبَعْدَ الْحَوْلِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ إرْثًا؛ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَيِّتِ، وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا، أَوْ وَارِثُهُ، أَخَذَهَا أَوْ بَدَلَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ عَدِمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ فَرَبُّهَا غَرِيمٌ بِبَدَلِهَا فِي التَّرِكَةِ.
(وَمَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ) ، كَإِغْمَاءٍ، (فَوَجَدَ بِثَوْبِهِ) أَوْ كِيسِهِ مَالًا، دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا، (لَا يَدْرِي مَنْ صَرَّهُ) أَوْ وَضَعَهُ فِي كِيسِهِ أَوْ جَيْبِهِ؛ (فَهُوَ لَهُ) بِلَا تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ لَهُ، (وَلَا يَبْرَأُ مَنْ أَخَذَ مِنْ نَحْوِ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (شَيْئًا إلَّا بِتَسْلِيمِهِ لَهُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي حَالَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مُوجِبُ الضَّمَانِ الْمَأْخُوذِ عَلَى آخِذِهِ؛ لِوُجُودِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّهُ إمَّا سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِرَدِّهِ عَلَى مَالِكِهِ، فِي حَالَةٍ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ فِيهَا.
(وَمَنْ وَجَدَ فِي حَيَوَانٍ) اشْتَرَاهُ، كَشَاةٍ وَنَحْوِهَا؛ (نَقْدًا) كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَجَدَهَا فِي بَطْنِ الشَّاةِ؛ فَلُقَطَةٌ.
(أَوْ) وَجَدَ فِيهِ (دُرَّةً) أَوْ عَنْبَرَةً؛
فَهُوَ (لُقَطَةٌ لِوَاجِدِهِ) ، يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا؛ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ، (وَيَبْدَأُ فِي تَعْرِيفٍ بِبَائِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ ابْتَلَعَتْهَا مِنْ مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ صَيْدًا مَخْضُوبًا، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، أَوْ فِي عُنُقِهِ خَرَزٌ؛ فَإِنَّهُ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِضَابَ وَنَحْوَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ وَجَدَ) إنْسَانٌ (دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فِي) بَطْنِ (سَمَكَةٍ مَلَكَهَا) بِاصْطِيَادِهِ لَهَا مِنْ الْبَحْرِ؛ (فَ) الدُّرَّةُ (لِصَيَّادٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلَاعُهَا مِنْ مَعِدَتِهَا.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] وَإِنْ بَاعَ الصَّيَّادُ السَّمَكَةَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالدُّرَّةِ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا؛ فَتُرَدُّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبِعْهُ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَإِنْ وَجَدَ الصَّيَّادُ فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ مَا لَا يَكُونُ إلَّا لِآدَمِيٍّ؛ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ وَجَدَ فِيهَا دُرَّةً أَوْ غَيْرَهَا مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلُقَطَةٌ، لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ، بَلْ يُعَرِّفُهَا، (وَكَطَيْرٍ صَادَهُ، وَلَا أَثَرَ مِلْكٍ بِهِ) ؛ فَهُوَ لِلصَّيَّادِ.
(وَ) إنْ وَجَدَ إنْسَانٌ (عَنْبَرَةٌ بِسَاحِلٍ) فَحَازَهَا؛ فَهِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَحْرَ قَذَفَ بِهَا، فَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ.
وَمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَلْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةٌ مِثْلُ الْبَعِيرِ، فَأَخَذَهَا نَاسٌ بِعَدَنَ، فَكُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إلَيْنَا: أَنْ خُذُوا مِنْهَا الْخُمُسَ، وَادْفَعُوا إلَيْهِمْ سَائِرَهَا، وَإِنْ بَاعُوكُمُوهَا فَاشْتَرُوهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَزِنَهَا فَلَمْ نَجِدْ مِيزَانًا يُخْرِجُهَا، فَقَطَعْنَاهَا ثِنْتَيْنِ وَوَزَنَّاهَا، فَوَجَدْنَاهَا سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، فَأَخَذْنَا خُمُسَهَا، وَدَفَعْنَا سَائِرَهَا، ثُمَّ اشْتَرَيْنَاهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَبَعَثْنَا بِهَا
إلَى عُمَرَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَاعَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ؛ فَهُوَ اجْتِهَادٌ مِنْ عُمَرَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ جَمِيعَهَا لِوَاجِدِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعَنْبَرَةُ عَلَى السَّاحِلِ؛ فَلُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا (مَا لَمْ تُصَدْ) السَّمَكَةُ الَّتِي وَجَدَ بِهَا الدُّرَّةَ (مِنْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ لَا يَتَّصِلُ بِالْبَحْرِ) ؛ فَكَالشَّاةِ فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ دُرَّةٍ مَثْقُوبَةٍ أَوْ غَيْرِ مَثْقُوبَةٍ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ وَالنَّهْرَ غَيْرَ الْمُتَّصِلِ لَيْسَ مُعَدًّا لِلدُّرِّ.
وَعُلِمَ مِنْهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ الدُّرَّةُ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ، أَنَّهَا لِلصَّيَّادِ، (أَوْ) وَجَدَ (بِهِ) - أَيْ: بِمَا الْتَقَطَ (أَثَرَ مِلْكٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ لَهُ) - أَيْ: لِلْمُلْتَقِطِ - تَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
تَكْمِيلٌ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ أَلْقَى شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَتْ فِيهَا سَمَكَةٌ، فَجَذَبَتْ الشَّبَكَةَ فَمَرَّتْ بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَصَادَهَا رَجُلٌ فِي الْبَحْرِ: فَإِنَّ السَّمَكَةَ لِلَّذِي حَازَهَا، وَالشَّبَكَةُ يُعَرِّفُهَا، وَيَدْفَعُهَا إلَى صَاحِبِهَا.
فَجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِآدَمِيٍّ، وَالسَّمَكَةَ لِمَنْ صَادَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَلَمْ يَمْلِكْهَا صَاحِبُ الشَّبَكَةِ؛ لِكَوْنِ شَبَكَتِهِ لَمْ تُثْبِتْهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ".
وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ انْتَهَى إلَى شَرَكٍ فِيهَا حِمَارُ وَحْشٍ أَوْ ظَبْيَةٌ قَدْ شَارَفَ الْمَوْتَ، فَخَلَّصَهُ وَذَبَحَهُ: هُوَ لِصَاحِبِ الْأُحْبُولَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْأُحْبُولَةِ فَهُوَ لِمَنْ نَصَبَهَا.
وَإِنْ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا أَوْ عُقَابًا قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ بَازٍ أَوْ صَقْرٍ أَوْ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ فَهْدٍ ذَهَبَ عَنْ صَاحِبِهِ فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَمَرَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَتَى لِذَلِكَ أَيَّامٌ، فَأَتَى قَرْيَةً فَسَقَطَ عَلَى حَائِطٍ، فَدَعَاهُ رَجُلٌ فَأَجَابَهُ، قَالَ: يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ دَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَصَبَ لَهُ شَرَكًا فَصَادَهُ بِهِ، قَالَ: يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
(وَمَنْ ادَّعَى مَا بِيَدِ لِصٍّ أَوْ نَاهِبٍ، أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ) أَنَّهُ لَهُ (وَوَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَنْ وَصَفَ مَغْصُوبًا وَمَسْرُوقًا وَمَنْهُوبًا وَنَحْوَهُ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصْفِ، وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي دَفْنِ الدَّارِ؛ فَمَنْ وَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ؛
لِتَرَجُّحِهِ بِالْوَصْفِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالتِّسْعِينَ: مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَوَصَفَهُ؛ دُفِعَ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ، إذَا جُهِلَ رَبُّهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدٌ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ، وَإِلَّا فَلَا.
(فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ) فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ حَوْلًا وَمِلْكِهَا بَعْدَهُ، (بَيْنَ مُلْتَقِطٍ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَقِنٍّ لَمْ يَنْهَهُ سَيِّدُهُ، وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ، كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ.
وَأَمَّا مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَتَقَدَّمَ، (وَإِنْ وَجَدَهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةَ - (صَغِيرٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ، صَحَّ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَسُّبٍ كَالِاصْطِيَادِ، وَ (قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا عَنْهُ) - أَيْ: عَنْ وَاجِدِهَا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِوَاجِدِهَا حَقُّ التَّمَلُّكِ فِيهَا، فَكَانَ عَلَى وَلِيِّهِ الْقِيَامُ بِهَا.
وَ (لَا) تَكُونُ اللُّقَطَةُ (لَهُ) - أَيْ: لِلْوَلِيِّ - بَلْ لِوَاجِدِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ بِشَرْطِهِ.
(فَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِيَدِ أَحَدِهِمْ) بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَ) إنْ (فَرَّطَ) فِي حِفْظِهَا؛ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ مِنْهَا بِتَفْرِيطِهِ فِي مَالِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": نَصَّ عَلَيْهِ فِي صَبِيٍّ (كَإِتْلَافِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " (وَكَتْمُهَا) - أَيْ: اللُّقَطَةِ - (عَنْ وَلِيِّهِ) ؛ أَيْ: وَلِيِّ الْوَاجِدِ لَهَا، (تَفْرِيطٌ) مِنْهُ (ذَكَرَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى.
وَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا (بِتَفْرِيطِ وَلِيٍّ) وَاجِدِهَا؛ بِأَنْ (عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ) ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ أَهْلًا لِلْحِفْظِ، حَتَّى تَلِفَتْ؛ (فَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْوَلِيِّ - ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُضَيِّعُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مُوَلِّيهِ.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
(وَلَوْ عَرَّفَهَا مُمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ) بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ؛ (فَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ) لِأَنَّهُ يَعْقِلُ التَّعْرِيفَ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ.
(فَلَوْ لَمْ يُعَرِّفْهَا) الْوَلِيُّ، وَلَا الصَّغِيرُ (حَتَّى بَلَغَ؛ لَمْ يَمْلِكْهَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ، وَإِنْ عَرَّفَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ ظَاهِرًا؛ لِكَوْنِ صَاحِبِهَا يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ،
فِي غُلَامٍ أَصَابَ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، فَذَهَبَ بِهَا إلَى مَنْزِلِهِ، فَضَاعَتْ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرَادَ رَدَّهَا، فَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا: تَصَدَّقْ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، وَكَانَ يَجْحَفُ بِهِ؛ تَصَدَّقَ قَلِيلًا قَلِيلًا.
قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الصَّبِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ وَلِيَّهُ حَتَّى يَقُومَ بِتَعْرِيفِهَا.
انْتَهَى، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ التَّعْرِيفَ لِعُذْرٍ؛ كَانَ كَتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ أَهْلِ الْعُذْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِعُذْرٍ لَيْسَ مَانِعًا لِلتَّعْرِيفِ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ الْعُذْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَيَتَّجِهُ فِيهِ) - أَيْ: الصَّغِيرِ - أَنَّ تَرْكَهُ التَّعْرِيفَ لِعُذْرِ صِغَرٍ، كَتَرْكِ غَيْرِهِ التَّعْرِيفَ (لِعُذْرٍ أَوْ مَرَضٍ) أَوْ حَبْسٍ وَنَحْوِهِ مَنَعَهُ عَنْ التَّعْرِيفِ أَنَّهُ مَتَى زَالَ الْعُذْرُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا، بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؛ لِعَدَمِ تَأْخِيرِ التَّعْرِيفِ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا.
(وَالْقِنُّ) يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّغِيرُ، وَيَصِحُّ مِنْهُ، فَصَحَّ مِنْ الرَّقِيقِ.
وَلَهُ تَعْرِيفُهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، كَاحْتِطَابِهِ وَاحْتِشَاشِهِ وَاصْطِيَادِهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسْبِيٌّ، فَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ، وَلَهُ إعْلَامُ سَيِّدِهِ الْعَدْلِ بِهَا، إنْ أَمِنَهُ عَلَيْهَا.
وَ (لِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا مِنْهُ) ؛ لِيَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُ كَسْبِهِ مِنْ يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقِنُّ قَدْ عَرَّفَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ عَرَّفَهَا السَّيِّدُ تَمَامَهُ، (وَ) لِسَيِّدِهِ أَيْضًا (تَرْكُهَا مَعَهُ) - أَيْ: مَعَ الرَّقِيقِ الْمُلْتَقِطِ - (إنْ كَانَ) الرَّقِيقُ (عَدْلًا؛ لِيَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا) ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي حِفْظِهَا، كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ سَائِرِ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ أَمِينٍ كَانَ السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بِإِقْرَارِهَا فِي يَدِهِ؛ فَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ؛ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِهِ وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ كَانَ لَهُ انْتِزَاعُ اللُّقَطَةِ مِنْ
يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ) الرَّقِيقُ (سَيِّدَهُ) عَلَى اللُّقَطَةِ، (لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ يَدْفَعُهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ.
فَإِنْ أَعْلَمَ سَيِّدَهُ بِهَا فَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ، أَوْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا، فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.
(وَمَتَى تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِإِتْلَافِهِ) - أَيْ: الرَّقِيقِ الْمُلْتَقَطَ - (أَوْ تَفْرِيطِهِ) فِي الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوْ بِدَفْعِهَا لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُهُ عَلَيْهَا؛ (فَفِي رَقَبَتِهِ) ضَمَانُهَا (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ أَوْ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ، فَكَانَ ضَمَانُهُ فِي رَقَبَتِهِ كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ.
(وَكَذَا مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ وَأُمُّ وَلَدٍ، لَكِنْ إنْ فَرَّطَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ (فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِالْأَقَلِّ) مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَتْهُ؛ كَسَائِرِ إتْلَافَاتِهَا.
(وَمُكَاتَبٌ) فِي الْتِقَاطٍ (كَحُرٍّ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ، وَهَذَا مِنْهَا وَمَتَى عَادَ قِنًّا بِعَجْزِهِ كَانَتْ كَلُقَطَةِ الْقِنِّ (وَ) مَا يَلْتَقِطُ (مُبَعَّضٌ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ) عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ؛ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ.
(وَكَذَا) فِي الْحُكْمِ (كُلُّ نَادِرٍ مِنْ كَسْبٍ؛ كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَوَصِيَّةٍ وَرِكَازٍ) وَنَحْوِهَا؛ كَنِثَارٍ وَقَعَ فِي حِجْرِهِ.
(وَلَوْ أَنَّ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: الْمُبَعَّضِ وَسَيِّدِهِ - (مُهَايَأَةً) ؛ أَيْ: مُنَاوَبَةً عَلَى أَنَّ كَسْبَهُ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَلِسَيِّدِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ النَّادِرَ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَلَا يُظَنُّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ شُرَكَاءِ؛ فَاللُّقَطَةُ بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ حِصَصِهِمْ فِيهِ.
[بَابُ اللَّقِيطِ]
ُ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ وَشَرْعًا (طِفْلٌ) لَا مُمَيِّزٌ، (لَا يَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَلَا) يَعْرِفُ (رِقَّهُ، نُبِذَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، (أَوْ ضَلَّ) الطَّرِيقَ، مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ": (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ إلَى الْبُلُوغِ) . قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُمَيِّزَ يَكُونُ لَقِيطًا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا الْتَقَطَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مَعًا مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ؛ أُقْرِعَ، وَلَمْ يُخَيَّرْ، بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ لَوْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ طِفْلٌ مَعْرُوفٌ النَّسَبِ، أَوْ مَعْلُومُ الرِّقِّ، فَعَرَفَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ فَهُوَ لَقِيطٌ لُغَةً لَا شَرْعًا.
(وَالْتِقَاطُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - شَرْعًا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسٍ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَإِطْعَامِهِ إذَا اُضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ.
فَلَوْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ؛ أَثِمُوا.
وَيَحْرُمُ النَّبْذُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالْمَنْبُوذِ لِلتَّلَفِ.
(وَسُنَّ إشْهَادٌ عَلَيْهِ) كَاللُّقَطَةِ، وَدَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلَّا تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ.
[وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَآهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُرَبِّيَهُ إنْ كَانَ أَمِينًا، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا] فَلِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ، وَتَسْلِيمُهُ إلَى أَمِينٍ لِيُرَبِّيَهُ.
وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: اللَّقِيطُ، وَقَدْ عُرِّفَ، وَالِالْتِقَاطُ، وَالْمُلْتَقِطُ: وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ عَدْلٍ وَلَوْ ظَاهِرًا.
(وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِمَّا مَعَهُ) إنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِهِ، وَمَا وَجَدَ مَعَهُ فَهُوَ مَالُهُ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلِيُّهُ وَيَبِيعَ مِنْ مَالِهِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ؛ (فَ) يُنْفِقُ عَلَيْهِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا، فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَاذْهَبْ هُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ أَوْ رَضَاعُهُ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ فِيهَا بَيْتُ مَالٍ وَنَحْوِهِ؛ (اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى بَيْتِ الْمَالِ - (حَاكِمٌ) ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِدُونِ مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَشْبَهَ الْأَخْذَ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
(فَلَوْ) اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ (بَانَ) اللَّقِيطُ رَقِيقًا، أَوْ بَانَ (لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) ؛ كَأَبٍ مُوسِرٍ أَوْ وَارِثٍ مُوسِرٍ؛ (رَجَعَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى سَيِّدِ الرَّقِيقِ، وَأَبِي الْحُرِّ الْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ وَفِي الْحَاكِمِ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لِلَّقِيطِ مَالٌ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لِمَانِعٍ، أَوْ يُنْتَظَرُ حُصُولُهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ، وَقَالَ: وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَةَ الْمِثْلِ، بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، لِيَرْجِعَ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ انْتَهَى.
وَإِذَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّي النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِرَاضُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ لِنَحْوِ مَنْعٍ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ فِيهِ؛ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَجَّانًا؛ لِلْأَمْرِ
بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَبِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِأَنَّهُ إحْيَاءُ مَعْصُومٍ، وَإِنْقَاذٌ لَهُ مِنْ التَّلَفِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) حُكْمُ (كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ) ، يَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ بِهِ الْقِيَامُ بِهِ مَجَّانًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَلَا يَرْجِعُ) الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (إذَنْ) ؛ أَيْ: عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ الِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا، أَوْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ، فَهِيَ كَنَفَقَةِ الْغَرِيبِ وَقِرَى الضَّيْفِ.
جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالتَّلْخِيصِ "، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُوجَزِ " " وَالتَّبْصِرَةِ "، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَجَّانًا، وَاسْتِحْقَاقَ الْعِوَضِ لَا يَجْتَمِعَانِ انْتَهَى.
(وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - إنْ وُجِدَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَتَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
(وَ) يُحْكَمُ (بِحُرِّيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَالرِّقُّ لِعَارِضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
فَاللَّقِيطُ حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، حَتَّى فِي قَذْفٍ وَقَوَدٍ، (إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (بِبَلَدِ حَرْبٍ، وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ) - أَيْ: فِي بَلَدِ الْحَرْبِ - (أَوْ فِيهِ مُسْلِمٌ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ؛ فَهُوَ كَافِرٌ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ؛ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْأَكْثَرِ، مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ؛ فَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ
الْحَارِثِيُّ فَقَالَ مَثَّلَ الْأَصْحَابُ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا بِالتَّاجِرِ وَالْأَسِيرِ، وَاعْتَبَرَ إقَامَتَهُ زَمَنًا، حَتَّى صَرَّحَ فِي " التَّلْخِيصِ ": أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُرُورُهُ مُسَافِرًا.
(وَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ فَلَقِيطُهَا (مُسْلِمٌ) حُرٌّ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ أَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ) ، (فَ) قِيلَ: إنَّهُ (مُسْلِمٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ مُسْلِمٍ يَكْتُمُ إيمَانَهُ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " - فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَانْعِدَامِ أَبَوَيْهِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَفِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ فَكَافِرٌ.
وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ، وَوُجِدَ فِيهَا لَقِيطٌ؛ حُكِمَ بِكُفْرِهِ.
انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرُهُمْ: بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذِهِ لَا مُسْلِمَ فِيهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِهَا مُسْلِمٌ؛ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى كَتْمِ إيمَانِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَاهُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَى مَا نَقَلَاهُ.
(وَإِنْ كَانَ بِهَا) ؛ أَيْ: بِبَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ، (مُسْلِمٌ) ، وَلَوْ وَاحِدًا، (يُمْكِنُ كَوْنُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (مِنْهُ) - أَيْ: الْمُسْلِمِ - فَاللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ) . قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: (قَوْلًا وَاحِدًا) ،
تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، وَلِظَاهِرِ الدَّارِ.
(وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ) - أَيْ: لَقِيطٌ - (قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ) - أَيْ: دَارِ الْكُفْرِ - وَهُوَ مَنْ وُجِدَ فِي بَلَدِ أَهْلِ حَرْبٍ لَا مُسْلِمَ بِهِ، أَوْ بِهِ نَحْوُ تَاجِرٍ وَأَسِيرٍ، (حَتَّى صَارَتْ) دَارُ الْكُفْرِ (دَارَ إسْلَامٍ؛ فَهُوَ مُسْلِمٌ فِيهَا) ؛ أَيْ: حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ.
(وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ؛) كَوِطَاءٍ وَبِسَاطٍ وَوِسَادَةٍ وَسَرِيرٍ (وَثِيَابٍ) وَحُكِيَ أَوْ غِطَاءٍ عَلَيْهِ، (أَوْ مَالٍ بِجَيْبِهِ، أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ) أَوْ وِسَادَتِهِ، أَوْ وُجِدَ (مَدْفُونًا تَحْتَهُ) دَفْنًا (طَرِيًّا) ؛ بِأَنْ تَجَدَّدَ حَفْرُهُ، (أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ) ، كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ، (أَوْ) وَجَدْنَا (حَيَوَانًا مَشْدُودًا بِثِيَابِهِ) ؛ فَهُوَ لَهُ، وَكَذَا مَا طُرِحَ مِنْ فَوْقِهِ، أَوْ رَبَطَهُ بِهِ، أَوْ بِثِيَابِهِ أَوْ سَرِيرِهِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ عِنَانِ دَابَّةٍ؛ أَوْ مَرْبُوطٌ عَلَيْهَا، أَوْ مَرْبُوطٌ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُكَلَّفِ.
وَيَمْتَنِعُ الْتِقَاطُهُ بِدُونِ الْتِقَاطِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَمَالِكِهِ (وَكَذَا خَيْمَةٌ وَدَارٌ وُجِدَ فِيهَا) ، فَهِيَ لَهُ.
(وَيَتَّجِهُ وَجَهِلَ مَالِكُهَا) وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ بَالِغٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ؛ فَهُوَ بِهِ أَخَصُّ، إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى أَقْوَى السَّبَبَيْنِ، فَإِنَّ يَدَ الْمُلْتَقِطِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَدِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَقِيطًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِاسْتِوَاءِ يَدِهِمَا.
إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؛ فَيُعْمَلُ بِهَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَمَا وُجِدَ مَدْفُونًا بَعِيدًا عَنْهُ، أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ وَمَا لَيْسَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ فَلُقَطَةٌ.