مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 416-455
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 416-455
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَا (يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ) فَتَلِفَ (مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ قَبْلَهُ) (حَنِثَ عَقِبَهُ) لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهِ بِتَلَفِهِ، وَقَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا، أَيْ: لِلْمُنْتَهَى مِنْ وَجْهٍ وَلِلْإِقْنَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِطْلَاقِ هُنَا، وَعِبَارَتُهُ: " وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ فَأَمْكَنَهُ، فَتَلِفَ - حَنِثَ عَقِبَهُ ". وَصَاحِبُ الْإِقْنَاعِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِطْلَاقِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَلَفِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ قَبْلَ تَمَكُّنُهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَعِبَارَتُهُ: " وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ هَذَا الْغُلَامَ أَوْ لِيَأْكُلْنَ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ، وَمَاتَ الْحَالِفُ حَنِثَ " وَنُصُوصُهُمْ تَأْبَى مَا قَالَاهُ مِنْ عَدَمِ الْإِطْلَاقِ، وَلَكِنَّهَا صَرِيحَةٌ بِظَاهِرِ الْإِقْنَاعِ مِنْ أَنَّهُ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِتَلَفِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا وَعَيَّنَ وَقْتًا أَوْ أَطْلَقَ، فَمَاتَ الْحَالِفُ، وَتَلِفَ، الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِيهِ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ كَإِمْكَانِهِ (وَلَا يَبَرُّ) مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ أَوْ يَوْمِ كَذَا (بِضَرْبِهِ قَبْلَ وَقْتٍ عَيَّنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ الْجُمُعَةَ فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَحَلُّ هَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ عَدَمَ مُجَاوَزَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَ) لَا يَبَرُّ بِضَرْبِهِ (مَيِّتًا) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْصَرِفُ لِضَرْبِهِ حَيًّا تَأْلِيمًا لَهُ

(وَلِهَذَا لَا يَبَرُّ بِضَرْبٍ لَا يُؤْلِمُ) الْمَضْرُوبَ، (وَيَبَرُّ) الْحَالِفُ (بِضَرْبِهِ مَجْنُونًا) حَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ مِنْ الضَّرْبِ كَالْعَاقِلِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ ضَرَبَ الْحَالِفُ كَذَلِكَ) ، أَيْ: لَوْ جُنَّ الْحَالِفُ وَضَرَبَ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِيَمِينِهِ، إذْ الْمَقْصُودُ تَأْلِيمُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَقَدْ حَصَلَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) إنْ حَلَفَ لِرَبِّ حَقٍّ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا فَأَبْرَأَهُ) رَبُّ الْحَقِّ (الْيَوْمَ) ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ بِإِبْرَائِهِ مِنْ قَضَائِهِ أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الْيَمِينِ الْبَرَاءَةُ إلَيْهِ فِي الْغُدُوِّ، (وَقَدْ حَصَلَتْ) أَوْ أَخَذَ رَبُّ الْحَقِّ (عَنْهُ عَرَضًا) لِحُصُولِ الْإِيفَاءِ كَحُصُولِهِ بِجِنْسِ الْحَقِّ (أَوْ مُنِعَ الْحَالِفُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ (كُرْهًا) بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ، فَلَا حِنْثَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ فَأُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ، (أَوْ مَاتَ) رَبُّ الْحَقِّ (فَقَضَاهُ) الْحَالِفُ (لِوَرَثَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِقِيَامِ وَارِثِهِ فِي الْقَضَاءِ مَقَامَهُ كَوَكِيلِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا لَوْ غَابَ) مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ (فَدَفَعَهُ) ، أَيْ: الْحَقَّ (لِوَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ رَبِّ الْحَقِّ (لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا) يَدْفَعْهُ لِوَكِيلِهِ، بِأَنْ أَبْقَاهُ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ جَعَلَهُ أَمَانَةً عِنْدَ مَنْ لَمْ يَسْتَأْمِنْهُ رَبُّ الْحَقِّ (حَنِثَ) الْحَالِفُ، لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ) حَقَّهُ (عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ مَعَ) رَأْسِهِ (أَوْ إلَى رَأْسِهِ أَوْ) إلَى اسْتِهْلَالِهِ (أَوْ عِنْدَ) رَأْسِ الشَّهْرِ (أَوْ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَمَحَلُّهُ) أَيْ الْقَضَاءُ الَّذِي يُبَرِّئُهُ (عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخَرِ الشَّهْرِ) فَيَبَرُّ بِقَضَائِهِ فِيهِ (وَيَحْنَثُ) بِقَضَائِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ: غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، لِفَوَاتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (وَلَا يَضُرُّ تَأَخُّرُ فَرَاغِ كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَعَدِّهِ وَذَرْعِهِ) لِكَثْرَتِهِ حَيْثُ شَرَعَ مِنْ الْغُرُوبِ، (وَ) لَا يَضُرُّ تَأَخُّرُ فَرَاغِ (أَكْلِهِ) إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلْنَهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ، وَشَرَعَ فِيهِ إذَا تَأَخَّرَ لِكَثْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ وَعَمَلًا بِالْعُرْفِ.

وَإِنْ حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ (لَا أَخَذْتَ حَقَّكَ الْحَالَّ مِنِّي، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ لِغَرِيمِهِ فَأَخَذَهُ غَرِيمُهُ حَنِثَ) الْحَالِفُ نَصًّا لِحَلِفِهِ (لَا تَأْخُذُ حَقَّكَ عَلَيَّ) فَأَخَذَهُ لِوُجُودِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ اخْتِيَارًا، وَهُوَ الْأَخْذُ (لَا إنْ أُكْرِهَ قَابِضٌ) عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلُ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ بِلَا حَقٍّ (وَلَا إنْ وَضَعَهُ) حَالِفٌ (بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: الْغَرِيمِ، أَوْ وَضَعَهُ (فِي حِجْرِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَلَمْ يَأْخُذْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَحْلُوفُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ الْأَخْذُ (إلَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُعْطِيكَهُ) فَيَحْنَثُ بِوَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي حِجْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ (لِبَرَاءَتِهِ) ، أَيْ: مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ (بِمِثْلِ هَذَا) الْفِعْلِ، أَيْ: الْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي حِجْرِهِ (مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ) وَنَحْوِهَا.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَدِينِهِ لَا فَارَقَتْنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك، فَفَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ طَوْعًا لَا كَرْهًا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَالِفٍ حَقَّهُ (حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا حَصَلَ هُنَا فِرْقَةً وَقَدْ حَصَلَتْ طَوْعًا، وَإِنْ حَلَفَ لَافْتَرَقْنَا أَوْ لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك، فَهَرَبَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْهُ حَنِثَ نَصًّا، لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ بِذَلِكَ (أَوْ فَلَّسَهُ حَاكِمٌ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْحَالِفِ (بِفِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ حَنِثَ لِمَا تَقَدَّمَ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِغَرَامَةٍ فَفَارَقَهُ لِعِلْمِهِ، بِوُجُوبِ فِرَاقِهِ لِعُسْرَتِهِ حَنِثَ لِمَا سَبَقَ.
وَكَذَا إنْ أَبْرَأَهُ الْحَالِفُ مِنْ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ، فَفَارَقَهُ، أَوْ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لَهُ فِي الْفِرْقَةِ، فَيَحْنَثُ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ قَضَاهُ الدَّيْنَ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ مُسْتَحَقًّا فَكَنَاسٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، فَيَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ لَا فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ وَنَذْرٍ، وَلَا يَحْنَثُ (إذَا أُكْرِهَا) أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى فِرَاقِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لَا يُنْسَبُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ قَضَاهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا) قَبْلَ فُرْقَتِهِ، لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ بِأَخْذِ الْعَرَضِ كَحُصُولِهِ بِجِنْسِ الْحَقِّ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) أَعْطَاهُ الْعَرَضَ الْمَقْضِيَّ (بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ

بِذِمَّتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَضَاهُ عَنْهَا عَرَضًا يُسَاوِي ثَمَانِيَةً، وَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا حَنِثَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْقَضَاءُ، لَا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ، إذْ الْحِيلَةُ لَا تُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ حُكْمِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَفِعْلُ وَكِيلِهِ) ، أَيْ: الْحَالِفِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ وَنَظَائِرُهُ كَفِعْلِهِ (هُوَ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ فَفَعَلَهُ) الْوَكِيلُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ وَكِيلِهِ كَفِعْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، (وَ) كَذَا (لَوْ) حَلَفَ (لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ) بَرَّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُضَافُ إلَى الْمُوَكِّلِ فِيهِ وَالْآمِرِ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، (وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ زَيْدًا فَبَاعَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ) فَيَحْنَثُ، لِقِيَامِ وَكِيلِ زَيْدٍ مَقَامَهُ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْحَالِفُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهُ لِزَيْدٍ (فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ حَتَّى فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ تَوَكَّلَ حَالِفٌ لَا يَبِيعُ وَنَحْوَهُ) كَلَا يَسْتَأْجِرَ فِي (بَيْعٍ) أَوْ فِي إجَارَةٍ، وَبَاعَ أَوْ اسْتَأْجَرَ بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُضَافٌ إلَى مُوَكِّلِهِ دُونَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إذَا (أَضَافَهُ لِمُوَكِّلِهِ) بِأَنْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي بِعْتُكَ هَذَا عَنْ مُوَكِّلِي فُلَانٍ وَنَحْوَهُ أَوْ لَا بِأَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُضَافًا لِمُوَكَّلِهِ دُونَهُ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نِيَّةُ أَوْ سَبَبُ الْيَمِينِ الِامْتِنَاعَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، فَيَحْنَثُ إذَنْ بِذَلِكَ.

وَإِنْ حَلَفَ مَدِينٌ (لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أُوَفِّيك حَقَّكَ فَأُبْرِئَ) مَدِينُهُ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ بِفِرَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ يُوَفِّيهِ لَهُ (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ (لَمْ يَحْنَثْ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، (وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا) كَعَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ (فَوُهِبَتْ لَهُ) ، أَيْ: الْغَرِيمِ الْحَالِفِ (وَقَبِلَ الْهِبَةَ - حَنِثَ) بِفِرَاقِهِ؛ لِتَرْكِهِ

الْوَفَاءَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا يَحْنَثُ (إنْ أَقْبَضَهَا حَالِفٌ) لِرَبِّهَا قَبْلَ الْهِبَةِ ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهَا ثُمَّ فَارَقَهُ لِحُصُولِ الْوَفَاءِ.
وَإِنْ كَانَ حَلَفَ مَنْ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ الْحَقُّ لَا أُفَارِقُكَ وَلَك فِي قِبَلِي حَقٌّ فَأُبْرِئَ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ وُهِبَ لَهُ الدَّيْنُ أَوْ الْعَيْنُ لَمْ يَحْنَثْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَقْبَضَهُ الْعَيْنَ قَبْلَ الْهِبَةِ أَوْ لَا، إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَالَ الْفُرْقَةِ قِبَلَهُ حَقٌّ.
وَقَدْرُ الْفِرَاقِ مَا عُدَّ فِرَاقًا كَفِرَاقٍ فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدَّ لَهُ حَدٌّ شَرْعًا فَرَجَعَ فِيهِ لِلْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ مَالًا فَكَفَلَ بَدَنًا، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَالِ إنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ مَالًا، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ ذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْبَرَاءَةَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ.

[بَابُ النَّذْرِ]

ِ مَصْدَرُ نَذَرْتُ أَنْذِرُ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا، يُقَالُ نَذَرَ دَمَ فُلَانٍ؛ أَيْ: أَوْجَبَ قَتْلَهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ.
(وَالنَّذْرُ) فِي الشَّرْعِ (إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِعِبَادَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ: «إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْفِ بِنَذْرِكَ» . وَلِأَنَّ نَذْرَ الْعِبَادَةِ لَيْسَ عِبَادَةَ (نَفْسَهُ) مَفْعُولُ إلْزَامٍ (لِلَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِإِلْزَامٍ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَبِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْإِلْزَامِ؛ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ، لِلَّهِ عَلَيَّ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْقَوْلِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ (شَيْئًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِإِلْزَامٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ (الشَّيْءُ لَازِمًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي؛ وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " " غَيْرُ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُمَا هُنَا غَيْرُ مُحَالٍ كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَوَّى انْعِقَادُهُ وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ؛ أَشْبَهَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ؛ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَيَأْتِي (فَلَا تَكْفِي نِيَّتُهُ) ؛ أَيْ: النَّاذِرِ النَّذْرَ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ كَالْيَمِينِ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِغَيْرِ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ انْعِقَادُهُ) أَيْ: النَّذْرِ (بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ) إذَا فُهِمَتْ مِنْهُ كَيَمِينِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَهُوَ) أَيْ: النَّذْرُ عَقْدُهُ وَالِالْتِزَامُ بِهِ (مَكْرُوهٌ، وَلَوْ عِبَادَةً) لِحَدِيثِ: «النَّذْرُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: لَا يَرُدُّ قَضَاءً وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] (بَلْ حَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ) وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيُصَلِّي النَّفَلَ كَمَا هُوَ أَيْ: لَا يَنْذُرُهُ ثُمَّ يُصَلِّيهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحَدِيثُ: (إيجَابُ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ، أَيْ: إذَا أَوْجَبَ الْمُؤْمِنُ عَلَى نَفْسِهِ، إيجَابًا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ بِنَذْرِهِ إيَّاهُ وَعَهْدِهِ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَطَلَبُ) حُصُولِ أَمْرٍ غَيْرِ حَاصِلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ (وَسَوَاءٌ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُ أَوْ ظُلْمٌ) مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إذْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَقَوْلُهُ: لَوْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَصَبَرْت وَنَحْوُ ذَلِكَ إنْ كَانَ

وَعْدًا أَوْ الْتِزَامًا، فَنَذْرٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ الْحَالِ فَفِيهِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، وَجَهْلٌ بِحَقِيقَةِ حَالِهَا انْتَهَى.

(وَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ) وَنَحْوِهِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ يَمِينٍ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ إذَا نَذَرَهُ الْعَبْدُ، أَوْ عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، أَوْ بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولَ أَوْ الْإِمَامَ، أَوْ تَحَالَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ تَقْتَضِي لَهُ وُجُوبًا ثَانِيًا غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا مِنْ وَجْهَيْنِ، وَيَكُونُ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِتَرْكِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ وَالْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ.
هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ (فَيُكَفِّرُ نَاذِرٌ إنْ لَمْ يَصُمْهُ) ؛ أَيْ: مَا نَذَرَهُ مِنْ الْوَاجِبِ (كَحَلِفِهِ عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ رَمَضَانَ ثُمَّ لَمْ يَصُمْهُ؛ فَيُكَفِّرُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا التَّغْلِبِيُّ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامُ، (مَا) هُوَ لَازِمٌ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: (لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمُحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَتَقَدَّمَ.

[أَنْوَاعُ النَّذْرِ الْمُنْعَقِدَةُ سِتَّةٌ]

(وَأَنْوَاعُ النَّذْرِ الْمُنْعَقِدَةُ سِتَّةٌ) (أَحَدُهَا) : النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ) كَقَوْلِهِ (لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ) ، أَوْ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَا نِيَّةَ لَهُ تُخَصَّصُ بِمَحَلٍّ أَوْ زَمَنٍ، وَفِعْلِهِ؛ أَيْ: مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ نَذْرَهُ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

النَّوْعُ (الثَّانِي نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) ؛ أَيْ: النَّذْرِ بِهِ (بِشَرْطِ قَصْدِ الْمَنْعِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ) أَوْ بِقَصْدِ الْحَمْلِ؛ أَيْ: الْحَثِّ عَلَيْهِ، وَالتَّصْدِيقِ إذَا كَانَ خَبَرًا.
فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: (إنْ كَلَّمْتُك فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الصَّوْمُ سَنَةً، أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ)

أَوْ، أَيْ: وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ (إنْ لَمْ أُخْبِرْكَ بِكَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْفِعْلِ، أَيْ: فِعْلِ مَا الْتَزَمَهُ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ) فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ (عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ) الْمَنْذُورِ كَمَالِكٍ (أَوْ قَوْلِهِ لَا أُقَلِّدُ وَمَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ وَنَحْوَهُ) لِأَنَّهُ تَوْكِيدٌ وَالشَّرْعُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ (وَمَنْ عَلَّقَ صَدَقَةَ شَيْءٍ بِبَيْعِهِ، وَعَلَّقَهَا آخَرُ بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ، كَفَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ) نَصًّا، كَمَا لَوْ حَلَفَا عَلَيْهِ، وَحَنِثَ قَالَ فِي: شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: إنْ تَصَدَّقَ بِهِ الْمُشْتَرِي خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ انْتَهَى.
(وَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ) إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَنَحْوُهُ (فَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) إنْ لَمْ يَعْتِقْ رَقَبَةً.

(النَّوْعُ الثَّالِثُ: نَذْرُ فِعْلٍ مُبَاحٍ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَيُخَيَّرُ أَيْضًا) بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ» .

النَّوْعُ (الرَّابِعُ نَذْرُ فِعْلِ مَكْرُوهٍ كَنَذْرِ طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ، وَيَتَّجِهُ كَإِفْرَادِ صَوْمِ شَهْرِ رَجَبٍ أَوْ إفْرَادِ جُمُعَةٍ أَوْ إفْرَادِ سَبْتٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِمَنْ يُعَظِّمُ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ نَذْرُ أَكْلِ بَصَلٍ نِيءٍ وَثُومٍ وَفُجْلٍ وَكُرَّاثٍ، لِلنَّهْيِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَيُسَنُّ أَنْ يُكَفِّرَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ (وَلَا يَفْعَلُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى، فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ.

النَّوْعُ (الْخَامِسُ: نَذْرُ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَصَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ أَيَّامِ تَشْرِيقٍ) أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ (فَيَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ)

لِحَدِيثِ: «وَمَنْ نَذَرَ؛ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُبَاحُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ (وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ) ؛ أَيْ: نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّهُ.
وَلَمْ يَفْعَلْهُ.
(وَيَقْضِي صَوْمَ مَا نَذَرَهُ غَيْرَ يَوْمِ حَيْضٍ) لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ؛ فَتَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ، وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ؛ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً كَنَذْرِ مَرِيضٍ صَوْمًا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ، يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ (مَعَ الْكَفَّارَةِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ.
وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ لَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ، وَيَوْمَ حَيْضٍ بِمُفْرَدِهِ؛ فَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْسَتْ بِزَمَنِ صَوْمٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّ الْحَيْضَ وَالْأَكْلَ مُنَافِيَانِ لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَالْعِيدُ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ لَيْسَ مُنَافِيَيْنِ لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَشَارَ إلَيْهِ فِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ ".

(وَمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ مَعْصُومٍ حَتَّى نَفْسِهِ) فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِحَدِيثِ «النَّذْرُ حَلِفَةٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . (وَتَتَعَدَّدُ) كَفَّارَةٌ عَلَى مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ بِتَعَدُّدِ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ، مَا لَمْ يَنْوِ بِنَذْرِهِ وَلَدًا مُعَيَّنًا يَذْبَحُهُ؛ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَكَذَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ.

(وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: النَّذْرُ لِلْقُبُورِ أَوْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ كَالنَّذْرِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَالشَّيْخِ فُلَانٍ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ: بِمَا نَذَرَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ

وَالصَّالِحِينَ؛ فَهُوَ (خَيْرٌ لَهُ) عِنْدَ اللَّهِ وَأَنْفَعُ، وَقَالَ: مَنْ نَذَرَ إسْرَاجَ بِئْرٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ نَذَرَ لَهُ أَوْ لِسُكَّانِهِ أَوْ الْمُضَافِينَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ (وَكَذَا النَّذْرُ لِلْمُقِيمِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِتَنْوِيرِهِ وَتَبْخِيرِهِ) لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا، وَيُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ مَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ، وَمِنْ الْحَسَنِ صَرْفُهُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْمَشْرُوعِ، وَقَالَ فِيمَنْ نَذَرَ قِنْدِيلَ نَقْدٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَصْرِفُ لِجِيرَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيمَتَهُ.
وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْخِتْمَةِ.
(وَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ لِلْمَسَاجِدِ لِمَصَالِحِهَا) مِنْ تَعْمِيرٍ وَتَنْوِيرٍ فَهَذَا نَذْرُ (بِرٍّ يَلْزَمُ وَفَاؤُهُ) بِهِ، لِأَنَّ تَعْمِيرَهَا وَتَنْوِيرَهَا مَطْلُوبٌ.

النَّوْعُ (السَّادِسُ) (نَذْرُ تَبَرُّرٍ كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ) وَصَدَقَةٍ بِمَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا عِيَالَهُ وَلَا غَرِيمَهُ (وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) وَزِيَارَةِ أَخٍ فِي اللَّهِ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ (يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ بِلَا شَرْطٍ أَوْ عَلَّقَ بِشَرْطِ وُجُودِ نِعْمَةٍ) يَرْجُوهَا (أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ) يَخَافُهَا (كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِي) لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا، أَوْ حَلَفَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ كَ: وَاَللَّهِ لَئِنْ سَلِمَ مَالِي لَأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا (فَوَجَدَ شَرْطَهُ، لَزِمَهُ) الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ نَصًّا، وَكَذَا إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَذَمَّ تَعَالَى الَّذِينَ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَقَالَ تَعَالَى: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75] الْآيَاتِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ نَذْرَ التَّبَرُّرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
أَحَدُهَا مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا، وَكَذَا إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ وَنَحْوُهُ فَعَلْتُ كَذَا.
الثَّانِي: الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ وَنَحْوُهُ.

الثَّالِثُ نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.

[تَتِمَّةٌ تَعْلِيقُ النَّذْرِ بِالْمِلْكِ]

تَتِمَّةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَعْلِيقُ النَّذْرِ بِالْمِلْكِ نَحْوُ إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ.
(وَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ) ؛ أَيْ: النَّذْرِ (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ كَإِخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصُومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا) وَمَنْ قَالَ لَيْسَ بِنَذْرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ: لَئِنْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَأَصْبِرَنَّ وَلَئِنْ لَقِيتُ الْعَدُوَّ لَأُجَاهِدَنَّ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْتُهُ نَذْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، كَقَوْلِ الْآخَرِ: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ.
وَنَظِيرُ ابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَيُشْبِهُهُ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ (وَنَصَّ.
الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي إنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا) أَنَّهُ نَذْرٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِذِكْرِ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ النَّذْرِ.

(وَمَنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَكَفَّرَ لِلْمَعْصِيَةِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ (وَلَوْ) (نَذَرَ الصَّدَقَةَ مَنْ تُسَنُّ لَهُ) بِأَنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ أَوْ عِيَالَهُ أَوْ غَرِيمَهُ (بِكُلِّ مَالِهِ أَوْ بِأَلْفٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَعْدَادِ (وَهُوَ) أَيْ: الْأَلْفُ وَنَحْوُهُ (كُلُّ مَالِهِ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَذْرٍ؛ أَجْزَأَ ثُلُثُهُ يَوْمَ نَذْرِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ نَصًّا؛ «لِقَوْلِ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً، فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ هُوَ خَيْرٌ لَكَ» . وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ: وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» .

رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمِيعِ مَكْرُوهَةٌ.
قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ مَنْ تُسَنُّ لَهُ بِقَصْدِ التَّوْبَةِ (بِبَعْضٍ مِنْ مَالٍ مُسَمًّى) كَنِصْفٍ أَوْ أَلْفٍ، وَهُوَ بَعْضُ مَالِهِ؛ لَزِمَهُ مَا سَمَّاهُ، وَلَوْ كَانَ مَا سَمَّاهُ (أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ شَيْءٌ كَسَائِرِ النُّذُورِ (وَإِنْ نَوَى) بِنَذْرِهِ الصَّدَقَةَ شَيْئًا (ثَمِينًا مِنْ مَالِهِ، أَوْ نَوَى مَالًا دُونَ مَالٍ؛ أُخِذَ بِنِيَّتِهِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تُسَنَّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِأَنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ أَوْ غَرِيمِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْبَةَ؛ بِأَنْ كَانَ فِي لِجَاحِّ، أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ.
(وَإِنْ نَذَرَهَا بِمَالٍ وَنِيَّتُهُ أَلْفٌ يُخْرِجُ مَا شَاءَ) مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَمَّا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ (وَيَصْرِفُهُ لِلْمَسَاكِينِ) وَيُجْزِئُ لِوَاحِدٍ كَنَذْرِ (صَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ) فَإِنْ عُيِّنَتْ لِزَيْدٍ مَثَلًا لَزِمَ دَفْعُهَا إلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ نَذْرِ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ بِمَالٍ (إسْقَاطُ دَيْنٍ) عَنْ مَدِينِهِ، وَلَوْ فَقِيرًا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ؛ أَيْ: لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ، وَهَذَا إسْقَاطٌ كَالزَّكَاةِ.

(وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ) ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ أَجْزَأَهُ إخْرَاجٌ ثُلُثِهِ يَوْمَ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ.
قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ، وَلَا يُدْخِلُ (مَا طَرَأَ) أَيْ: تَجَدَّدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ (بَعْدَ نَذْرِهِ، وَمَنْ حَلَفَ) لَا رَدَدْتُ سَائِلًا أَوْ (نَذَرَ لَا رَدَدْت سَائِلًا، فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ) عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ (أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، فَيُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ (فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ) أَيْ: الْحَالِفِ أَوْ النَّاذِرُ مِنْ نَحْوِ كَسْبِهِ (إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ) لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ (يَمِينٍ) لِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ نَذَرَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَحَصَّلَ لَهُ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ (تَصَدَّقَ بِثُلُثِ الزَّائِدِ عَنْ حَاجَتِهِ وَنَحْوِ حَبَّةِ بُرٍّ) كَأَرْزَةٍ وَشَعِيرَةٍ (لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ) اعْتِبَارًا بِالْمَقَاصِدِ، وَحَدِيثِ:

«اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ نِصْفِ التَّمْرَةِ وَنَحْوِهَا فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ.
وَمَنْ قَالَ: (إنْ مَلَكْت مَالَ فُلَانٍ فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهِ، فَمَلَكَهُ؛ فَهُوَ كَمَالِهِ) يُجْزِئُهُ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِهِ، وَلَوْ قَالَ: إنَّ مَلَكَتْ عَبْدَ زَيْدٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ (أَعْتِقَهُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ الْتَزَمَ بِعِتْقِهِ) إذَا مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ تَبَرُّرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي لَجَاجٍ وَغَضَبٍ؛ خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ عِتْقِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ؛ لِفَوَاتِ مَحَلِّ النَّذْرِ، وَيُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ السَّيِّدُ فَالْكَفَّارَةُ فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ غَيْرِهِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ لِلْمَنْذُورِ عِتْقُهُ، وَقَدْ فَاتَ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ غَيْرُ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِ إلَى سَيِّدِهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ.
وَلَهُ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ.

[فَصْلٌ فِي مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ]

فَصْلٌ (وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِأَنَّ رَمَضَانَ لَا يَقْبَلُ صَوْمَ غَيْرِهِ، وَأَيَّامُ النَّهْيِ لَا تَقْبَلُ صَوْمَ النَّذْرِ كَاللَّيْلِ؛ فَلَا كَفَّارَةَ بِفِطْرِهَا وَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كَالْمُحَرَّمِ (فَلَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِوُجُوبِهِ بِالنَّذْرِ (كَرَمَضَانَ مُتَتَابِعًا) لِأَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِالشَّهْرِ؛ إذْ الْقَضَاءُ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ فِيمَا يُمْكِنُ، وَعَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ) أَيْ: الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ (لَمْ يُجْزِئْهُ) كَصَوْمِ شَعْبَانَ عَنْ رَمَضَانَ الَّذِي بَعْدَهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ) يَوْمًا فَأَكْثَرَ (لِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ شَهْرًا مِنْ يَوْمِ فِطْرِهِ) لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ، وَلَوْ بَنَى عَلَى مَا مَضَى لَبَطَلَ التَّتَابُعُ، (وَكَفَّرَ) لِفَوَاتِ

الْمَحَلِّ فِيمَا يَصُومُهُ بَعْدَ الشَّهْرِ.
(وَ) إنْ أَفْطَرَ مِنْهُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَحَيْضٍ بَنَى عَلَى مَا صَامَهُ (وَقَضَى مَا أَفْطَرَهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِتَمَامِهِ، وَكَفَّرَ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ جَنَّهُ) أَيْ: الشَّهْرُ الَّذِي نَذَرَ (صَوْمِهِ كُلَّهُ لَمْ يَقْضِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فِيهِ كَرَمَضَانَ (وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَهُ فَيَقْضِي بَعْضَهُ فَقَطْ، وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ، وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُعَيِّنْهُ (لَزِمَ التَّتَابُعُ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِيهِ؛ سَوَاءٌ صَامَ شَهْرًا هِلَالِيًّا أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِالْعَدِّ (فَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ: الصَّوْمَ (بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَهُ) ، لِئَلَّا يَفُوتَ التَّتَابُعُ (وَ) إنْ قَطَعَهُ (لِعُذْرٍ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ) أَيْ: الِاسْتِئْنَافِ (بِلَا كَفَّارَةٍ، لِفِعْلِهِ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، وَبَيْنَ الْبِنَاءِ) عَلَى مَا مَضَى (وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ (وَكَذَا) لَوْ نَذَرَ صَوْمَ (سَنَةٍ فِي لُزُومِ التَّتَابُعِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَصُومُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ) وَسِوَى (أَيَّامِ النَّهْيِ) أَيْ: يَوْمِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِانْصِرَافِ نَذْرِهِ إلَى صَوْمِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ بِالنَّذْرِ.
(وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فَيَقْضِي) عَلَى مَا شَرَطَ مَا عَدَا رَمَضَانَ وَأَيَّامَ النَّهْيِ.
(وَ) إنْ نَذَرَ صَوْمَ (سَنَةٍ مِنْ الْآنِ، أَوْ) نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ (مِنْ وَقْتِ كَذَا) فَكَنَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَأَيَّامُ النَّهْيِ فَلَا يَقْضِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ أَوَّلِهَا تَعْيِينٌ لَهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36] فَإِذَا عَيَّنَ أَوَّلَهَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا انْتِهَاءَ الثَّانِيَ عَشَرَ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ) كَسَائِرِ النَّذْرِ، إذْ جِنْسُ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَشْرُوعٌ (فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ) أَيْ: بِلَا قَضَاءٍ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِأَنَّ

الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ لِلصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِهِ إلَّا بِتَرْكِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُ كَفَّارَةً؛ فَيُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ وَتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا يَدْخُلُ) فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ (رَمَضَانَ وَلَا يَوْمَ نَهْيِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَقْضِي فِطْرَهُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِرَمَضَانَ لِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّذْرِ كَتَقْدِيمِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْذُورَةِ وَيُكَفِّرُ إنْ أَفْطَرَ بِرَمَضَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، وَإِنْ أَفْطَرَ بِهِ أَيْ: بِرَمَضَانَ لِعُذْرٍ (فَلَا) كَفَّارَةَ (وَيُصَامُ لِظِهَارٍ) إذَا عَدِمَ الْمُظَاهِرُ الرَّقَبَةَ (وَنَحْوِهِ) كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَالْقَتْلِ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: الدَّهْرِ الْمَنْذُورِ صَوْمُهُ كَقَضَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ (وَيُكَفِّرُ مَعَ صَوْمِ ظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّهُ سَبَبُهُ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْمُ نَذْرِهِ عِيدًا أَوْ حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ؛ أَفْطَرَ وُجُوبًا؛ لِتَحْرِيمِ صَوْمِهَا (وَقَضَى) لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ (وَكَفَّرَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْهُ لِمَرَضٍ.
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ يَوْمًا مُعَيَّنًا (وَجَهِلَ الْمَنْذُورَ تَحَرَّى) وَصَامَ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ (قَالَهُ الشَّيْخُ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ مَعَ) ذَلِكَ إخْرَاجَ (كَفَّارَةٍ) لِفَوَاتِ (التَّعْيِينِ) وَعَمَلًا بِالْأَحْوَطِ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: النَّاذِرِ؛ لِتَبَيُّنِ أَنَّ نَذْرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ (وَيُنْدَبُ) وَإِنْ قَدِمَ (نَهَارًا وَهُوَ صَائِمٌ وَقَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ؛ صَحَّ صَوْمُهُ وَأَجْزَأَهُ) لِوَفَائِهِ بِنَذْرِهِ، وَإِلَّا يَكُنْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ (أَوْ كَانَ مُفْطِرًا أَوْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ) وَافَقَ قُدُومُهُ (يَوْمَ عِيدٍ) أَوْ وَافَقَ (يَوْمَ حَيْضِ) نَاذِرَةٍ (قَضَى وَكَفَّرَ) لِأَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ لَمْ يَفِ بِهِ كَسَائِرِ النُّذُورِ.
(وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ) ؛ أَيْ: فُلَانٍ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: النَّاذِرُ (صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَتَمَّهُ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، وَيَقْضِي نَذْرُ الْقُدُومِ) كَمَا لَوْ قَدِمَ زَيْدٌ وَالنَّاذِرُ (صَائِمٌ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ فِي كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ) فَيُتِمُّهُ، وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ) ؛ أَيْ: يَوْمَ قُدُومِ فُلَانٍ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: النَّاذِرُ (مَجْنُونٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ فِيهِ، كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَجَنَّهُ.
(وَنَذْرُ اعْتِكَافِهِ) فِيمَا تَقَدَّمَ كَنَذْرِ (صَوْمِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.

(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَلَوْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ لَمْ يَلْزَمْ تَتَابُعُ) صَوْمِهَا نَصًّا، لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا مِنْ التَّتَابُعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يَقُولَ مُتَتَابِعَةً؛ فَيَلْزَمُهُ وَفَاءٌ بِنَذْرِهِ (أَوْ) إلَّا (بِنِيَّةِ) التَّتَابُعِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ التَّلَفُّظِ بِهِ.
وَإِنْ شَرَطَ تَفَرُّقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَمَنْ نَذَرَ مُتَتَابِعًا غَيْرَ، مُعَيَّنٍ) كَشَهْرٍ (فَأَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ) كَخَوْفِهِ تَلَفًا بِصَوْمِهِ، أَوْ أَفْطَرَتْ فِيهِ امْرَأَةٌ (لِحَيْضٍ، خُيِّرَ) نَاذِرٌ (بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ) ؛ أَيْ: الصَّوْمِ، بِأَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَوْمِهِ (وَيُكَفِّرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِ (وَلِسَفَرٍ أَوْ مَا) ، أَيْ: شَيْءٍ (يُبِيحُ الْفِطْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ) كَمَرَضٍ يَجُوزُ مَعَهُ الْفِطْرُ (لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ) فِي وَجْهٍ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي " التَّصْحِيحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ) وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا قَبْلَهُ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ فِي ذَلِكَ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَقَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " آخِرًا لَا يَعْدِلُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِكَوْنِ الْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ لَا يَقْطَعُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَإِنْ أَفْطَرَ مَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ (لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ) تَدَارُكًا لِمَا تَرَكَهُ مِنْ التَّتَابُعِ الْمَنْذُورِ بِلَا عُذْرٍ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ.

(وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا فَعَجَزَ عَنْهُ كَثِيرًا أَوْ مَرِضَ مَرَضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، حَمْلًا لِلْمَنْذُورِ عَلَى الْمَشْرُوعِ، وَسَبَبُ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ، فَاخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا، فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (أَوْ نَذَرَهُ) ؛ أَيْ: الصَّوْمَ (لِحَالِ عَجْزِهِ) عَنْهُ لِمَا سَبَقَ (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَعُلِمَ مِنْهُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ إذَنْ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ؛ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَلِأَنَّ الْعَجْزَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَالَ عَقْدِ النَّذْرِ وَيَسْتَمِرُّ أَوْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا كَجِهَادٍ وَعَجَزَ عَنْهُ؛ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ، وَإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ كَمَرَضٍ؛ انْتَظَرَ، وَلَا كَفَّارَةٌ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَقْتًا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) إنْ نَذَرَ (حَجًّا لَزِمَهُ) مَعَ قُدْرَتِهِ كَبَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ (فَإِنْ لَمْ يُطِقْهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ؛ حَجَّ عَنْهُ) كَمَنْ عَجَزَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا بِأَنْ أَطَاقَ بَعْضَ مَا نَذَرَهُ كَأَنْ نَذَرَ حَجَّاتٍ وَقَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا (أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْ الْحَجَّاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي) الَّذِي لَمْ يُطِقْهُ (وَمَعَ عَجْزِهِ عَنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ حَالَ نَذْرِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُمَا) ؛ أَيْ: الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (لَزِمَهُ) بِالنَّذْرِ السَّابِقِ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِالْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَإِنْ نَذَرَ مُكَلَّفٌ صَوْمًا) أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ نَذَرَ (صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ) كَنِصْفِهِ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ تَامٍّ (بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ الصَّوْمِ.
(وَ) مَنْ نَذَرَ (صَوْمَ لَيْلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ كَمُسْتَحِيلٍ، وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا

(لِلصَّوْمِ) وَكَذَا (نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ أَتَى فِيهِ بِمُنَافٍ) لِلصَّوْمِ نَحْوَ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً) وَأَطْلَقَ؛ فَعَلَيْهِ رَكْعَتَانِ (قَائِمًا لِقَادِرٍ) عَلَى قِيَامٍ (لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي فَرْضٍ) وَلَوْ حَلَفَ لِيُوتِرَن اللَّيْلَةَ أَجْزَأَتْهُ رَكْعَةٌ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّهُ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ (أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ، أَوْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ بِتَسْلِيمَةٍ وَلَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ (تُجْزِئُ) صَلَاتُهُ أَرْبَعًا (بِتَسْلِيمَةٍ كَعَكْسِهِ) بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ فَصَلَّاهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ.
(وَلِمَنْ نَذَرَ صَلَاةً جَالِسًا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا) لِإِتْيَانِهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا نَذَرَهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَا كَفَّارَةَ

(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ مَكَّةَ) كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ (أَوْ إلَى حَرَمِهَا وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقُلْ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (أَوْ قَالَ غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ؛ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ) أَوْ فِي عُمْرَةٍ؛ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ وَإِلْغَاءً لِإِرَادَتِهِ غَيْرَهُ (مِنْ مَكَانِهِ) ؛ أَيْ: النَّذْرِ، أَيْ: رُؤْيَةِ أَهْلِهِ كَمَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ (لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ.
وَلَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) كَحَجِّ الْفَرْضِ (مَا لَمْ يَنْوِ مَكَانًا بِعَيْنِهِ) لِلْمَشْيِ مِنْهُ وَالْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» أَوْ يَنْوِ بِنَذْرِهِ، الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (إتْيَانَهُ لَا حَقِيقَةَ الْمَشْيِ) فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، لِحُصُولِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ خَارِجِ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ إحْرَامٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالْكَفَّارَةِ (وَإِنْ رَكِبَ) وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَكَفَّارَةُ (يَمِينٍ) لِحَدِيثِ «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . وَالْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ لِيَجِبَ بِهِ دَمٌ.

(وَلَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا) أَوْ رَاكِبًا (لَزِمَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا) أَوْ رَاكِبًا لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِ حَجٍّ نَذَرَهُ مَاشِيًا

أَوْ رَاكِبًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ بِالتَّحْلِيلَيْنِ، كَمَا فِي الْحَجِّ الصَّحِيحِ، وَإِنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ سَقَطَ عَنْهُ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ مِنْ مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيٍ وَتَحَلُّلٍ بِعُمْرَةٍ إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ) إلَى الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى لَزِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَشْيُ إلَيْهِ (وَالصَّلَاةُ فِيهِ) رَكْعَتَيْنِ؛ إذْ الْقَصْدُ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرَهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى أَعْلَى مِنْهُ كَنَذْرِهِ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وَجَبَ بِهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ، وَإِنْ نَذَرَهَا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَتْهُ فِيهِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِنْ نَذَرَهَا فِي الْأَقْصَى أَجْزَأَتْهُ فِيهِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.
(وَإِنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ أَنْ يَأْتِيَ (مَسْجِدًا فِي غَيْرِ حَرَمٍ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ؛ لِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ؛ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . (وَصَلَّاهَا بِأَيِّ مَكَان شَاءَ) وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (فَإِنْ جَاءَهُ لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَانِ) لِمَا سَبَقَ.

(وَإِنْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ فَعَلَيْهِ مَا يُجْزِئُ عَنْ وَاجِبٍ) فِي نَحْوِ ظِهَارٍ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ (إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا) ؛ أَيْ: الرَّقَبَةَ كَهَذَا الْعَبْدِ أَوْ هَذِهِ الْأَمَةِ (فَيُجْزِئُهُ مَا عَيَّنَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ سِوَاهُ (لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ أَوْ أَتْلَفَهُ نَاذِرٌ قَبْلَ عِتْقِهِ؛ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا عِتْقٍ) نَصًّا، لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَعَلَى مُتْلِفِ) مَنْذُورٍ عِتْقُهُ قَبْلَهُ (غَيْرِهِ؛ أَيْ: النَّاذِرِ قِيمَتُهُ لَهُ) أَيْ: النَّاذِرِ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ (وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ نَذْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.

(وَمَنْ نَذَرَ طَوَافًا أَوْ نَذَرَ سَعْيًا) وَأَطْلَقَ (فَأَقَلُّهُ أُسْبُوعٌ) لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ، وَمَنْ نَذَرَ طَوَافًا أَوْ سَعْيًا (عَلَى أَرْبَعٍ؛ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ أَوْ سَعْيَانِ) أَحَدُهُمَا عَنْ يَدَيْهِ وَالْآخَرُ عَنْ رِجْلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّوَافِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِكَبْشَةَ بِنْتِ مَعْدِي كَرِبَ حَيْثُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: آلَيْتَ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعَيْنِ، سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ مِثْلُهُ وَقِيسَ عَلَيْهِ السَّعْيُ.

(وَمَنْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ عُرْيَانًا أَوْ الْحَجِّ حَافِيًا حَاسِرًا وَنَحْوِهِ) كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ نَجَسٍ أَوْ حَرِيرٍ (وَفَّى بِهَا) ؛ أَيْ: الطَّاعَةِ الْمَنْذُورَةِ (عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ،) كَمَا لَوْ أَطْلَقَ (وَتُلْغَى تِلْكَ الصِّفَةُ) لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، قَالَ: فَمُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مَقْرُونَيْنِ فَقَالَ: أَطْلِقَا قَرْنَيْكُمَا» . وَيُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَوْ أَتَى النَّاذِرُ بِالصِّفَةِ الْمَنْذُورَةِ) عَلَى وَجْهِهَا (لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا فِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ وَأَيَّامِ تَشْرِيقٍ) لِعَدَمِ إخْلَالِهِ بِنَذْرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[فَرْعٌ لَا يَلْزَمُ حُكْمًا الْوَفَاءُ بِوَعْدٍ]

(فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُ حُكْمًا) ؛ أَيْ: فِي الظَّاهِرِ (الْوَفَاءُ بِوَعْدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (وَيَحْرُمُ حَلِفُهُ) عَلَى مُسْتَقْبَلٍ (بِلَا اسْتِثْنَاءٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] أَيْ: لَا تَقُولَنَّ:

ذَلِكَ إلَّا مُعَلَّقًا بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ؛ فَإِنَّ " إلَّا " لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ، " وَأَنْ " الْمَفْتُوحَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيقِ، فَمَا بَقِيَ فِي الْآيَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ وَلَا الِالْتِزَامِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِشَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَطُولَ الْأَيَّامِ يُحَاوِلُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَكَادُ يُتَفَطَّنُ لِوَجْهِ الدَّلِيلِ مِنْهَا، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ، وَمَا هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ؛ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي اشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْأَفْعَالِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْمُسْتَثْنَى حَالَةٌ مِنْ الْأَحْوَالِ وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ قَبْلَ النَّاصِبَةِ، وَلَا يَفْعَلُونَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَامِلٌ فِي " أَنْ " النَّاصِبَةِ، وَتَقْرِيرُهُ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا مُعَلَّقًا بِأَنْ النَّاصِبَةِ، الشَّرْطِيَّةِ، وَلَا يَفْعَلُونَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ؛ أَيْ: يَشَاءُ اللَّهُ، ثُمَّ حَذَفْتَ مُعَلَّقًا وَالْبَاءَ مِنْ أَنْ، فَيَكُونُ النَّهْيُ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ إلَّا الْمُتَأَخِّرَةِ قَدْ حَصَرَتْ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ دُونَ سَائِرِ الْأَحْوَالِ، فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالُ بِالْإِبَاحَةِ، وَغَيْرُهَا بِالتَّحْرِيمِ، وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ هُنَاكَ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ إلَّا هَذِهِ؛ فَتَكُونُ وَاجِبَةً، فَهَذَا مُدْرَكُ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا مُدْرَكُ التَّعْلِيقِ فَهُوَ كَقَوْلِنَا مُعَلَّقًا؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَلَّقَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، كَمَا إذَا قَالَ لَا تَخْرُجْ إلَّا ضَاحِكًا، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالضَّحِكِ وَالْخُرُوجِ.
انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(وَيَتَّجِهُ) لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِوَعْدٍ لِوَاعِدٍ (مُتَرَدِّدٌ) بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ (أَوْ عَازِمٍ عَلَى التَّرْكِ) أَيْ: تَرْكِ الْوَفَاءِ مِنْ حِينِ الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَادِقًا بِوَعْدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِيَ (لَا) إنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى (الْفِعْلِ حَالَ الْوَعْدِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ؛ فَيَلْزَمُهُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْوَعْدَ الْمُصَمِّمَ عَلَى فِعْلِهِ (إذَنْ لَيْسَ بِكَذِبٍ) وَحِينَئِذٍ فَيَحْرُمُ حَلِفُهُ عَلَى إنْجَازِ الْوَعْدِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] وَحَدِيثِ: " الْعِدَةُ عَطِيَّةٌ ". وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بِمَ يُعْرَفُ الْكَذَّابُونَ؟ قَالَ بِخُلْفِ الْمَوَاعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

[كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا]

قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَبَدَأَ بِأَحْكَامِهَا قَبْلَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الْفُتْيَا اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَفْتَى يُفْتِي إفْتَاءً (تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) لِلسَّائِلِ عَنْهُ وَالْإِخْبَارُ بِلَا إلْزَامٍ، وَالْقَضَاءُ تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْإِلْزَامُ بِهِ، فَامْتَازَ بِالْإِلْزَامِ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ، فَمَنْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مَنَعَهُ وَنَهَاهُ أَنْ يَعُودَ، وَتَوَاعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إنْ عَادَ، وَطَرِيقُ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ، وَيَعْتَمِدَ أَخْبَارَ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ.
ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي هَلْ تُرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ.
(وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَحْفَظَ الْأَدَبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلَّهُ وَيُعَظِّمَهُ، وَلَا يَفْعَلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَامّ بِهِ كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، أَوْ يَقُولُ لَهُ مَا مَذْهَبُ إمَامِكَ فِي كَذَا؟ أَوْ مَا تَحْفَظُهُ) أَيْ: فِي كَذَا، أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُكَ بِكَذَا، أَوْ كَذَا قُلْتُ أَنَا (أَوْ إنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوَافِقًا فَاكْتُبْ وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبْ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ) ؛ أَيْ: لَا يَطْلُبُ الْمُسْتَفْتِي مِنْ الْمُفْتِي

الدَّلِيلَ عَلَى مَا قَالَهُ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ اتِّهَامًا لَهُ (لَكِنْ إنْ عَلِمَ الْمُفْتِي غَرَضَ السَّائِلِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ بِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ رُقْعَتَهُ وَيُحْوِجُهُ إلَى إبْدَالِهَا.

(وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى) وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَالْفُتْيَا (بِقَوْلٍ) وَثَمَّ غَيْرُهُ (أَوْ وَجْهٍ) وَثَمَّ غَيْرُهُ (مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا؛ وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَكَانَ السَّلَفُ) رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (يَهَابُونَ الْفُتْيَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ، (وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ يَهْجُمُ عَلَى الْجَوَابِ) لِخَبَرِ: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» (وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ، وَقَالَ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَقُولُ) .

(وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ) أَوَّلُهَا (أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ) أَيْ: أَنْ يُخْلِصَ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَقْصِدُ رِئَاسَةً وَنَحْوَهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ، وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ) إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
وَالثَّانِيَةُ (أَنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ) وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ مَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالثَّالِثَةُ (أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِعَظِيمٍ.
(وَ) الرَّابِعَةُ (أَنْ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ وَإِلَّا بَغَضَهُ النَّاسُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ) تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ (احْتَاجَ) إلَى النَّاسِ وَإِلَى الْأَخْذِ، فَأَخَذَ (مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ) فَيَنْفِرُونَ مِنْهُ.
وَالْخَامِسَةُ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِالْأَحْوَالِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ (لِيَعْرِفَ مَكْرَ النَّاسِ وَخِدَاعَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِمْ، بَلْ يَكُونُ حَذِرًا فَطِنًا مِمَّا يُصَوِّرُونَهُ فِي سُؤَالَاتِهِمْ) لِئَلَّا يُوقِعُوهُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ» . (وَسُئِلَ أَحْمَدُ أَيَكْفِي الرَّجُلَ مِائَةُ أَلْفِ حَدِيثٍ حَتَّى يُفْتِيَ؟ قَالَ لَا، حَتَّى قِيلَ لَهُ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ قَالَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَاعْتَرَضَ) أَيْ: اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ (عَلَى) أَبِي إِسْحَاقَ (بْنِ شَاقِلَا بِهَذَا) فَقِيلَ لَهُ أَنْتَ تُفْتِي وَلَسْتَ تَحْفَظُ هَذَا الْقَدْرَ (فَقَالَ: إنْ كُنْتُ لَا أَحْفَظُهُ، فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْهُ) يَعْنِي بِهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، وَقَالَ: إنَّهُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ يُعْتَبَرُ فِي الْمُجْتَهِدِ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَغَرَضُهُ مَعْرِفَةُ مَذْهَبِ إمَامِهِ بِالنَّقْلِ عَنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ، وَلَا يَعْلَمُ التَّارِيخَ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ، وَلَا التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، لِتَعَذُّرِهِ مِنْهُ.
(وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ: ابْنُ بَشَّارٍ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِأَحْمَدَ يُفْتِي بِهَا) قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْ ابْنِ بَشَّارٍ مُتَابَعَةٌ فِي فَضْلِهِ، وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرُ مُجْتَهِدٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْحَاجَةِ، (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (النَّاظِرُ الْمُجَرَّدُ) إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَحِّرًا فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي يُفْتِي بِهِ عَالِمًا بِغَوَامِضِهِ وَحَقَائِقِهِ؛ (يَكُونُ حَاكِيًا) مَذْهَبَ مَنْ قَلَّدَهُ (لَا مُفْتِيًا بِهِ) ، فَلَا يَنْسِبُ مَا قَالَهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُضِيفُهُ إلَيَّ غَيْرِهِ، وَيَحْكِيهِ عَنْ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ؛ لِصِحَّةِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنْ قَامُوا مَقَامَهُمْ، وَأَدَّوْا عَنْهُمْ فَعُدُوا مَعَهُمْ، وَسَبِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا مَثَلًا: مَذْهَبُ أَحْمَدَ كَذَا وَكَذَا، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ: كَذَا وَكَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ: لَا تَجُوزُ (مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي) الْمُقَلِّدِ (نَصَّ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ) ، بَلْ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ أَلْفَاظِ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرِهَا، وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ، فَإِنْ خَالَفَ حَرُمَ عَلَيْهِ (كَمُخَالَفَةِ الْمُفْتِي) الْمُجْتَهِدَ (نَصَّ الشَّارِعِ) الصَّرِيحَ انْتَهَى.

(وَحَرُمَ أَنْ يُفْتِيَ فِي حَالِ لَا يَحْكُمُ فِيهَا كَغَضَبٍ وَنَحْوِهِ كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ وَبَرْدٍ مُفْرِطٍ وَمَلَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُغَيِّرُ الْفِكْرَ، (فَإِنْ أَفْتَى) فِي تِلْكَ الْحَالِ (وَأَصَابَ الْحَقَّ) ؛ صَحَّ جَوَابُهُ، وَكُرِهَ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْفَتْوَى مِنْ الْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْقَرِيب وَالْأُمِّيّ وَالْأَخْرَسَ]

فَصْلٌ (وَيَصِحُّ فَتْوَى عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَقَرِيبٍ وَأُمِّيٍّ وَأَخْرَسَ) بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ كَخَبَرِهِمْ، وَتَصِحُّ الْفُتْيَا (مَعَ جَرِّ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضَرَرٍ وَعَلَى عَدُوٍّ) وَأَنْ يُفْتِيَ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَشَرِيكَهُ وَسَائِرَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَزَوْجَتِهِ وَمُكَاتَبِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَيْسَ مِنْهُ إلْزَامٌ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ.

وَلَا (تَصِحُّ) الْفُتْيَا، (مِنْ فَاسِقٍ) لِغَيْرِهِ (وَلَوْ مَسْتُورًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ عَلَى مَا يَقُولُ (وَيُفْتِي مُجْتَهِدٌ فَاسِقٌ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْفَاسِقِ فِي الْفُتْيَا أَنْ يَسْأَلَهُ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْوُثُوقِ بِهِ، وَالْحَاكِمُ كَغَيْرِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
(وَيُقَلِّدُ) الْمُجْتَهِدَ (الْعَدْلَ وَلَوْ مَيِّتًا، وَهُوَ) ؛ أَيْ: تَقْلِيدُهُ (كَالْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ) لِقُصُورِ الْهِمَمِ عَنْ تَحْصِيلِ الْكِمَالَاتِ، وَلِبَقَاءِ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَكَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِد لَا يَبْطُلُ حُكْمُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ بِمَوْتِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ (يُقَلِّدَ عَامِّيٌّ مَنْ ظَنَّهُ عَالِمًا) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ أُنْثَى أَوْ أَخْرَسَ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، وَكَذَا مَنْ رَآهُ مُنْتَصِبًا لِلْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ مُعَظَّمًا لِأَنَّهُ دَلِيلُ عِلْمِهِ (لَا إنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ) فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ " وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ.

(وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَفِيهِمْ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْمَفْضُولُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ بِلَا نَكِيرٍ، خُصُوصًا وَالْعَامِّيُّ يُقَصِّرُ عَنْ التَّرْجِيحِ.

[فَائِدَةٌ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ]

فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: 190] الْآيَةَ.
قَالَ: " وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ " وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ، لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ وَاسْتِحَالَةِ حُصُولِهِ، كَمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ، وَلِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَاحْتِمَالِ الْخَطَأِ لِعَدَمِ تَمَامِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] وَهِيَ فِيمَا يُطْلَبُ لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ الْفُرُوعُ.

(وَيَحْرُمُ تَسَاهُلُ مُفْتٍ) بِالْإِفْتَاءِ، لِئَلَّا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَيَحْرُمُ (تَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ) أَيْ: بِالتَّسَاهُلِ فِي الْإِفْتَاءِ، (لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءٌ إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ) لِأَنَّ أَمْرَ الْفُتْيَا خَطَرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ.
(وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ سُؤَالُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ، فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ حَرُمَ تَقْلِيدُهُ) لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ (وَيَلْزَمُ الْمُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ عِنْدَ تَكْرَارِ الْوَاقِعَةِ) كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ يَجْتَهِدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَمَّا الْعَامِّيُّ إذَا وَقَعَتْ

لَهُ مَسْأَلَةٌ فَسَأَلَ عَنْهَا، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ ثَانِيًا فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا شَيْئًا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ ثَانِيًا، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةً يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِ إعَادَةُ السُّؤَالِ عَنْهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَكْفِيهِ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ لِلْمَشَقَّةِ، نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ "، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَلْزَمُهُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ انْتَهَى.

قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " (وَإِنْ حَدَثَ مَا لَا قَوْلَ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ تَكَلَّمَ فِيهِ حَاكِمٌ وَمُجْتَهِدٌ وَمُفْتٍ فَيَرُدُّهُ إلَى الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ) مَنْ عِنْدَهُ (مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ إفْشَاءُ سِرِّ السَّائِلِ أَوْ تَعْرِيضُهُ لِلْأَذَى أَوْ) يَكُونُ (فِيهِ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ) فَيُخْفِيهِ إزَالَةً لِذَلِكَ

(وَفِي آدَابِ الْمُفْتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ مُفَصَّلًا، بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا) قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لَا تَجُوزُ الْفَتْوَى فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، بَلْ يَنْهَى السَّائِلَ عَنْهُ وَالْعَامَّةَ أَوْلَى، وَيَأْمُرُ الْكُلَّ بِالْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ وَمَا يَلِيقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ بِهِ الْجَزْمُ، وَلَا إثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَا الِاجْتِهَادُ فِيهِ، وَيَجُوزُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ وَإِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ.

(وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.
(وَيُنْدَبُ) لِلْمُفْتِي إجَابَةُ السَّائِلِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي خَبَرِ: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا سُئِلَهُ» الْحَدِيثُ.
وَلَا يَلْزَمُ جَوَابُ (مَا لَا يَحْتَمِلُهُ سَائِلٌ) قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ.
وَلَا يَلْزَمُ جَوَابُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ؛ لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ (وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) أَمُسْلِمُونَ هُمْ (فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ) عَنْ

ذَا.
وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ، فَقَالَ: سَلْ رَحِمَكَ اللَّهُ (عَمَّا اُبْتُلِيتَ) بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَكَ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ فَلَا تُفْتِهِ.
وَسَأَلَ مُهَنَّا أَحْمَدَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَغَضِبَ وَقَالَ: خُذْ وَيْحَكَ تَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُحْدَثَةَ، وَخُذْ فِيمَا فِيهِ حَدِيثٌ.

(وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ) عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ: الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ وَالْوَقْفِ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ (وَقِيلَ مَتَى خَلَتْ الْبَلَدُ مِنْ مُفْتٍ حَرُمَ السُّكْنَى بِهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَصَحُّ لَا يَحْرُمُ إنْ أَمْكَنَ الذَّهَابُ إلَى مُفْتٍ.

(وَلِمُفْتٍ رَدُّ الْفُتْيَا إنْ) خَافَ غَائِلَتَهَا (أَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ قَائِمٌ مَقَامَهُ) فِي الْفُتْيَا، لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ فِي حَقِّهِ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ سُنَّةٌ، وَإِلَّا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَمْ يَجُزْ لَهُ) رَدُّ الْفُتْيَا (وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ) وَالتَّعْلِيمُ كَذَلِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ (قَوْلُ حَاكِمٍ لِمَنْ ارْتَفَعَ إلَيْهِ) فِي حُكُومَةٍ (امْضِ إلَى غَيْرِي) وَلَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (مِنْ الْحُكَّامِ) لِأَنَّ تَدَافُعَ الْحُكُومَاتِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ مُفْتِيًا وَهُوَ جَاهِلٌ؛ تَعَيَّنَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَالِمِ؛ لِتَعَيُّنِ الْإِفْتَاءِ عَلَيْهِ؛ إذَنْ قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " الْحُكْمُ يَتَعَيَّنُ بِوِلَايَتِهِ؛ أَيْ: الْحُكْمِ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ رَدُّ مُحْتَكِمَيْنِ إلَيْهِ، وَيُمْكِنُهُ رَدُّ مَنْ يَسْتَشْهِدُهُ وَإِنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا شَهَادَةً فَنَادِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ سِوَاهُ، أَيْ: مَعَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا؛ إذْ يُمْكِنُ نِيَابَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَنُوبُ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ.

(وَيَحْرُمُ) عَلَى مُفْتٍ (إطْلَاقُ الْفُتْيَا فِي أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَالْمُرَادُ حَيْثُ لَا ظَاهِرَ) فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ ظَاهِرًا فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَفْصِيلِ الْجَوَابِ (وَمَنْ سُئِلَ أَيُؤْكَلُ بِرَمَضَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْفَجْرِ الثَّانِي، أَوْ) سُئِلَ (هَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً مَنْ قَصَّرَ ثَوْبًا وَجَحَدَهُ؟ فَيَقُولُ إنْ قَصَّرَهُ الْقَصَّارُ قَبْلَ جُحُودِهِ فَلَهُ) الْأُجْرَةُ.
(وَإِنْ) قَصَّرَهُ (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: الْجُحُودِ فَلَا أَجْرَ لَهُ (لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِنَفْسِهِ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (هِيَ مَسْأَلَةُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَبِي يُوسُفَ) كَانَ امْتَحَنَهُ بِهَا، وَقَالَ إنْ قَالَ نَعَمْ أَوْ لَا أَخْطَأَ، فَفَطِنَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ، وَسَأَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ بَيْعِ رَطْلِ تَمْرٍ بِرَطْلِ تَمْرٍ، فَقَالُوا: يَجُوزُ، فَخَطَّأَهُمْ فَقَالُوا: لَا، فَخَطَّأَهُمْ، فَخَجِلُوا، فَقَالَ: إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا جَازَ، فَهَذَا يُوَضِّحُ خَطَأَ الْمُطْلَقِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ الْمَذْكُورِ كَذَا قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ عَمَلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِظَاهِرِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَلَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُجِيبُونَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ السُّؤَالُ عَنْ حَقَائِقِهَا أَوْ شُرُوطِهَا أَوْ أَرْكَانِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا.

(وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُفْتِي (أَنْ يَذْكُرَ الْمَانِعَ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْعُقُودِ مِنْ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ) وَبَيْعٍ وَصُلْحٍ وَنَحْوِهَا (فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَذْكُرَ الْجُنُونَ وَالْإِكْرَاهَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَالِ) وَهُوَ الصِّحَّةُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُكْثِرَ الدُّعَاءَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ: " «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ) . وَيَقُولُ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ: يَا مُعَلِّمَ إبْرَاهِيمُ عَلِّمْنِي (وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَمْ يُفْتِ بِإِلْزَامِ الْعَمَلِ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ الشَّرْطُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَوْ لَا، كَشَرْطِ صَلَاةٍ فِي تُرْبَةٍ دُفِنَ بِهَا وَاقِفٌ، وَشُعِلَ قِنْدِيلٌ بِهَا) ، أَيْ: التُّرْبَةِ (وَشَرْطُ سُكَّانٍ نَحْوِ زَاوِيَةٍ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ (مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَشِيعَةٍ) وَخَوَارِجَ وَمُعْتَزِلَةٍ وَجَهْمِيَّةٍ (وَمُشْتَغِلِينَ بِرَقْصٍ) وَإِشَارَاتٍ وَأَكْلِ

حَيَّاتٍ وَأَشْبَاهِ الذُّبَابِ؛ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ.

[فَصْلٌ لِلْمُفْتِي تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ]

فَصْلٌ (وَلِلْمُفْتِي تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَا هُوَ فِي الْخُلْعِ وَيَتَخَيَّرُ) مُسْتَفْتٍ (وَإِنْ لَمْ يُخَيِّرْهُ مُفْتٍ) لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ بِالْأَخْذِ بِقَوْلٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (وَلُزُومُ الْمُتَمَذْهِبِ بِمَذْهَبٍ وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ الْأَشْهَرُ عَدَمُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَامِّيُّ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ وَرُخَصِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُوجِبُونَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ يُوجِبُونَ يَقُولُونَ إذَا الْتَزَمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ مَا دَامَ مُلْتَزِمًا لَهُ، أَوْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ مِنْهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْتِزَامَ الْمَذَاهِبِ وَالْخُرُوجَ عَنْهَا إنْ كَانَ لِغَيْرِ أَمْرٍ دِينِيٍّ مِثْلُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَذْهَبًا لِحُصُولِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَنَحْوِهِ ذَلِكَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، بَلْ يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ كَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا انْتَقَلَ مِنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُسْلِمُ لَا يُسْلِمُ إلَّا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ يُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا أَوْ دُنْيَا يُصِيبُهَا.
قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ انْتِقَالُهُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ، وَلَا يَتَّبِعَ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ.
انْتَهَى.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ وَلَا عُذْرٍ، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ بِلَا دَلِيلٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَقَوْلُهُ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ، أَيْ: لِعَالِمٍ أَفْتَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَقَوْلُهُ وَلَا عُذْرٍ أَيْ: يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ، فَيُنْكِرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ.

(وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ) كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنَّ مَذَاهِبَهُمْ كَانَتْ كَثِيرَةً مُتَبَايِنَةً، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اسْتَفْتَاهُ: الْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُرَاعِيَ أَحْكَامَ مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدْتَهُ؛ لِئَلَّا تُلَفِّقَ فِي عِبَادَتِكَ بَيْنَ مَذْهَبَيْنِ فَأَكْثَرَ، بَلْ كَانَ مَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَفْتَاهُ فِيهَا بِمَا يَرَاهُ مَذْهَبُهُ مُجِيزًا لَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ وَلَا تَفْصِيلٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَمَا أَهْمَلُوهُ، خُصُوصًا مَعَ كَثْرَةِ تَبَايُنِ أَقْوَالِهِمْ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ (فِي " الْمُغْنِي " النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَفِيهِ) أَيْ: قَوْلِ الْمُوَفَّقِ (نَظَرٌ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ) أَيْ: الْمُوَفَّقِ (مَا فَهِمَهُ هَذَا الْحَنَفِيُّ.
انْتَهَى) قَالَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرُهُ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْوَصَايَا (وَفِي الْإِفْصَاحِ) لِابْنِ هُبَيْرَةَ: الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ وَفِيهِ) ؛ أَيْ: كَلَامِ الْإِفْصَاحِ (نَظَرٌ بَلْ يَجُوزُ) تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ مِنْ الثِّقَاتِ (حَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْمَسْأَلَةُ قَيْدًا كَمُقَلِّدِ دَاوُد) الظَّاهِرِيِّ (فِي حِلِّ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمُقَلِّدِ ابْنِ حَزْمٍ فِي اللُّبْثِ بِمَسْجِدٍ لِلْجُنُبِ وَمُقَلِّدِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ) وَابْنِ الْقَيِّمِ (وَغَيْرِهِمَا) مِمَّنْ يُفْتِي (فِي أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ إذَا كَانَ دَفْعَةً) كَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَحْوُهُ (لَا يَقَعُ غَيْرَ وَاحِدَةٍ، وَفِي عَلَيَّ الطَّلَاقُ) لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَمْ يَفْعَلْهُ (لَا يَقَعُ شَيْءٌ، فَإِنْ احْتَمَلَ التَّقَيُّدَ امْتَنَعَ كَمُقَلَّدِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ الْحِيلَةِ) لِأَنَّ الْحِيَلَ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (وَمُقَلَّدُ نَافِعٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ حَالَةَ الْحَيْضِ وَأَمْثَالِ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ) وَلِانْفِرَادِهِمَا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمَا

وَمُعَاصِرُوهُمَا فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ دَاوُد فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ.
لَا يَأْبَاهَا، وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ حَزْمٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَدْ قَالَ بِهَا، وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِهَا كَثِيرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَقَدْ أَنْهَيْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي بَابِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَثَبَتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ نِسْبَتِهَا لِهَؤُلَاءِ الرِّجَالِ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ خُصُوصًا إذَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي وَلَا لِغَيْرِهِ تَتَبُّعُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ، وَلَا تَتَبُّعُ الرُّخَص لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمَكْرُوهَةَ وَالْمُحَرَّمَةَ وَالرُّخَصَ (فَسَقَ، وَحَرُمَ اسْتِفْتَاؤُهُ وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ) . ، أَيْ: الْمُفْتِي (فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ، وَلَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا مَفْسَدَةَ، لِيَتَخَلَّصَ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ كَمَا «أَرْشَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا إلَى بَيْعِ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا؛ فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا» ) بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ، أَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ مِنْ جِنْسِ الْأُولَى عَلَى صِفَتِهَا؛ فَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الرِّبَا وَمَا إذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ قَبْضِهَا مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ فَلَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ

(وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ) لِإِمَامِهِ، أَوْ وَجْهَيْنِ لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ؛ فَيُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا (بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ، فَيَعْمَلُ بِهِ، لِقُوَّتِهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا اعْتَدِلْ عِنْدَهُ قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، يُفْتِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا) .

(وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ) لِظُهُورِ الدَّلِيلِ مَعَهُ، أَفْتَى بِهِ، أَيْ: بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ (وَأَعْلَمَ السَّائِلَ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَقْلِيدِهِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إذَا جَاءَتْ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ) أَيْ: حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَا مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ (فَأَفْتِ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ) وَفِي " الْمُبْدِعِ " قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا»

(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مُفْتِيًا) وَاحِدًا (لَزِمَهُ أَخْذُهُ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ حَاكِمٌ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ (وَكَذَا مُلْتَزِمُ قَوْلِ مُفْتٍ وَثَمَّ غَيْرُهُ)

قَالَ فِي " شَرَحَ التَّحْرِيرِ " (فَلَوْ أَفْتَى الْمُقَلِّدَ مُفْتٍ) وَاحِدٌ (وَعَمِلَ بِهِ الْمُقَلِّدُ؛ لَزِمَهُ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ إجْمَاعًا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا) وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ ": هَذَا الْأَشْهَرُ

[تَتِمَّةٌ جَعَلَ أَهْلُ بَلَدٍ لِلْمُفْتِي رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ جَعَلَ أَهْلُ بَلَدٍ لِلْمُفْتِي رِزْقًا لِيَتَفَرَّغَ لَهُمْ؛ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ، وَجَعْلُ الْأَرْزَاقِ مَعْرُوفٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا يُورَثُ، بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ قَالَ: وَبَابُ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ وَأَبْعَدُ فِي بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُكَاسَبَةِ، وَلِلْمُفْتِي قَبُولُ هَدِيَّةٍ لَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِيُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُهُ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا.

[فَصْلٌ فِي مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَفْتَى كِتَابَةً]

فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَفْتَى خَطًّا) ؛ أَيْ: كِتَابَةً لَا لَفْظًا (أَنْ يَكْتُبَ فِي أَوَّلِ فَتْوَاهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي آخِرِهَا: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَتَبَهُ فُلَانٌ الْحَنْبَلِيُّ أَوْ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ) كَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِمَنْ سَلَفَ وَ (يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْتَبَ الْجَوَابُ بِخَطٍّ وَاضِحٍ، وَيُقَارِبُ سُطُورَهُ وَخَطَّهُ لِئَلَّا يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَأَمَّلُ الْجَوَابَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ خَوْفَ غَلَطٍ أَوْ سَهْوٍ، وَإِذَا رَأَى فِي آخِرِ سَطْرٍ الْفُتْيَا أَوْ فِي خِلَالِهَا بَيَاضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الْجَوَابَ؛ فَلْيَحْتَرِزْ مِنْهُ بِالْأَمْرِ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْوَرَقَةِ أَوْ يَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ) لِيَأْمَنَ مِنْ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا فِي الرُّقْعَةِ) الْمَكْتُوبِ فِيهَا السُّؤَالُ (أَوْ رَأَى خَطًّا يُحِيلُ بِهِ الْمَعْنَى أَصْلَحَهُ) لِأَنَّ إجَابَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ الْمَقْصُودِ (وَيَنْبَغِي) لِلْمُفْتِي (أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا

بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الْوَرَقَةِ) وَلَا يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ السَّائِلُ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مُلْتَزِقَةٌ كَتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الِالْتِزَاقِ، وَشَغَلَهُ بِشَيْءٍ؛ لِئَلَّا يُحَلَّ اللَّزُوقُ، وَيُوصَلَ بِرُقْعَةٍ أُخْرَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ لِيَلْزَقَ؛ لَمْ يُجِبْ، لِئَلَّا يَلْزَقَ بِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُهُ فِي الْحُكْمِ.
(وَلَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ جَوَابِ مَنْ تَقَدَّمَهُ) بِالْفُتْيَا (جَوَابِي كَذَلِكَ، أَوْ الْجَوَابُ صَحِيحٌ) وَبِهِ أَقُولُ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِذَا عَلِمَ صَوَابَ جَوَابِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، وَكَانَ أَهْلًا) لِلْفُتْيَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَوَابَهُ (اسْتَقَلَّ بِالْجَوَابِ) مَعَهُ فِي الْوَرَقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ تَقَدَّمَ الْمُفْتِيَ أَهْلًا لِلْفُتْيَا، لَمْ يُفْتِ مَعَهُ، لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُفْتِي اسْمَ مَنْ كَتَبَ قَبْلَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْفُتْيَا مَعَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَهْلٍ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِلْمُنْكَرِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِ الرُّقْعَةِ بِإِبْدَالِهَا إذَا جَهِلَ الْمُفْتِي قَبْلَهُ فِيهَا، فَإِنْ أَبَى إبْدَالَهَا أَجَابَهُ شِفَاهًا (وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْإِفْتَاءِ فِي الرُّقْعَةِ كَتَبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَإِنْ كَتَبَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَسْفَلِ جَازَ وَلَا يَكْتُبُ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ احْتِرَامًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ إشْغَالٌ لِلرُّقْعَةِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُرْضِي رَبَّهَا بِذَلِكَ، وَدَلَالَةُ الْحَالِ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ جَوَابِهِ عَمَّا فِي الرُّقْعَةِ: زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ.

(وَإِنْ جَهِلَ الْمُفْتِي لِسَانَ السَّائِلِ) أَيْ: لُغَتَهُ (أَجْزَأَتْ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ) كَالْإِخْبَارِ بِالْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، بِخِلَافِ التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ فَحُكْمُهَا كَالشَّهَادَةِ، وَيَأْتِي

(وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَالْأَقَارِيرِ (بِمَا اعْتَادَهُ هُوَ مِنْ فَهْمِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عُرْفَ أَهْلِهَا وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِهَا، بَلْ يَحْمِلُهَا عَلَى مَا اعْتَادُوهُ وَعَرَفُوهُ، وَإِنْ كَانَ) الَّذِي اعْتَادَ (مُخَالِفًا

لِحَقَائِقِهَا الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ: اللُّغَوِيَّةِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الْعُرْفِيَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُلْقِيَ السَّائِلَ فِي الْحَيْرَةِ، كَأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفَرَائِضِ تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ) تَعَالَى، أَوْ يَقُولَ: فِيهَا، أَيْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا (قَوْلَانِ، بَلْ يُبَيِّنُ بَيَانًا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ) لِأَنَّ الْفُتْيَا تُبَيِّنُ الْحُكْمَ.
(وَمَنْ كَتَبَ عَلَى فُتْيَا أَوْ شَهَادَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، وَلَا أَنْ يُوَسِّعَ السُّطُورَ بِلَا إذْنٍ أَوْ حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِخَطِّهِ لَا بِإِمْلَائِهِ) وَتَهْذِيبِهِ (وَإِذَا كَانَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَسَائِلُ؛ فَالْأَحْسَنُ تَرْتِيبُ الْجَوَابِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمَسَائِلِ) لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ.

(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ (بَلْ يَذْكُرُ جَوَابَ مَا فِي الرُّقْعَةِ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ مَا فِيهَا؛ فَلْيَقُلْ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا) ، وَإِنْ أَمَرَ السَّائِلُ بِتَغْيِيرِ الرُّقْعَةِ فَهُوَ أَوْلَى (وَلَهُ) أَيْ: الْمُفْتِي الْعُدُولُ (عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلسَّائِلِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . وَيَجُوزُ لِلْمُفْتِي (أَنْ يُجِيبَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ) عَنْهُ؛ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلِلْمُفْتِي (أَنْ يُنَبِّهَهُ) أَيْ: الْمُسْتَفْتِيَ (عَلَى مَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ (وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا وَطَّأَ قَبْلَهُ مَا هُوَ كَالْمُقَدِّمَةِ) لَهُ لِيُزِيلَ اسْتِغْرَابَهُ.

(وَلْيَحْذَرْ الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا هُوَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُسْتَفْتِي (وَيَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ) كَأَنْ يُحَاوِلَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَجْعَلَهُ كَالْمُعْمَى فَيَنْفِرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ السَّائِلُ أَوْ خَصْمُهُ،

وَلَهُ؛ أَيْ: الْمُسْتَفْتِي (الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ وَسُعَاتِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ.
وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِكُتُبِ الْأَئِمَّةِ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُمْ، أَوْ نَقَلَهَا الثِّقَةُ مِنْ خَطِّهِمْ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْقَضَاءُ]

فَصْلٌ (وَالْقَضَاءُ هُوَ) فِي اللُّغَةِ إحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] وَبِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] وَبِمَعْنَى أَمْضَى الْحُكْمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: " ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: 4] ، أَيْ: وَأَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا، وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا، لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا أَوْ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَاصْطِلَاحًا: (تَبَيُّنُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْإِلْزَامُ بِهِ وَفَصْلُ الْحُكُومَاتِ) ؛ أَيْ: الْخُصُومَاتِ.
وَالْحُكْمُ إنْشَاءٌ لِذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ، أَوْ لِلْإِبَاحَةِ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ.
وَالْإِطْلَاقُ، إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْإِبَاحَةِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ وَفِي " الِاخْتِيَارَاتِ الْحَاكِمُ فِيهِ صِفَاتٌ ثَلَاثٌ، فَمِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ هُوَ شَاهِدٌ وَمِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ " وَالنَّهْيِ هُوَ مُفْتٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ هُوَ ذُو سُلْطَانٍ.
انْتَهَى.

وَأَرْكَانُ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ: الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
(وَهُوَ) ؛ أَيْ الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ بِنَصَبِ الْقُضَاةِ الْإِمَامُ كَمَا يَأْتِي.

(وَوِلَايَتُهُ) ؛ أَيْ: الْقَضَاءِ (رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ) وَنَصَبَةُ شَرْعِيَّةٌ (وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ) قَالَ.
مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْوِلَايَةِ دِينًا وَقُرْبَةً؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ الْأَكْثَرِ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهِ) ، أَيْ: الْقَضَاءِ: (وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
أَيْ: مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ، فَلْيَحْذَرْهُ، وَالذَّبْحُ هَاهُنَا مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ.
فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ (فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ) أَوْ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَفِي النَّارِ، (وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَفِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» .

وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ، وَلِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّفَرِ إلَى الْإِمَامِ، فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ ؛ لِمَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ.
وَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْإِقْلِيمُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لَهُمْ، فَيَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ الْعِلْمِ بِهِ، الْأَفْضَلُ أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ وَكَذَا مِنْ وَرَعِهِ أَشَدُّ، سُكُونُ النَّفْسِ إلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ أَعْظَمُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ، فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ أَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْئُولِ غَرَضٌ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْهَا، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَإِلَّا لَمْ يُوَلِّهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَيَأْمُرُهُ بِالتَّقْوَى) وَإِيثَارِ الطَّاعَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
(وَتَحَرِّي الْعَدْلِ) وَالِاجْتِهَادِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ، وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ عَهْدًا يَذْكُرُ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ وَلَّاهُ، أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ إلَى آخِرِهِ (وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: نَاحِيَةٍ (أَفْضَلُ مَنْ يَجِدُ لَهُمْ) عِلْمًا وَوَرَعًا، لِحَدِيثِ: «مَنْ وُلِّيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ ".

(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل