مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْمَسْجِدُ طَلْقًا وَيُوقَفَ بَدَلُهُ أَصْلَحُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَةُ الْأَوَّلِ، أَحْرَى، فَإِنَّ بَيْعَ الْوَقْفِ الْمُسْتَغَلِّ أَوْلَى مِنْ بَيْعِ الْمَسْجِدِ، وَإِبْدَالَهُ أَوْلَى مِنْ إبْدَالِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ تُحْتَرَمُ عَيْنُهُ شَرْعًا، وَيُقْصَدُ لِلِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ؛ فَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ وَلَا الْمُعَاوَضَةُ عَنْ مَنْفَعَتِهِ، بِخِلَافِ وَقْفِ الِاسْتِغْلَالِ؛ فَإِنَّهُ تَجُوزُ إجَارَتُهُ وَالْمُعَاوَضَةُ عَنْ نَفْعِهِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَنْفَعَتَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ، وَلَا لَهُ حُرْمَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لِلْمَسْجِدِ، وَقَالَ: يَجِبُ بَيْعُ الْوَقْفِ مَعَ الْحَاجَةِ بِالْمِثْلِ، وَبِلَا حَاجَةٍ يَجُوزُ بِخَيْرٍ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ لِفَوَاتِ التَّغْيِيرِ بِلَا حَاجَةٍ، وَذَكَرَهُ وَجْهًا فِي الْمُنَاقَلَةِ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُنَاقَلَةِ فِي الْأَوْقَافِ وَاقِعَةُ نَقْلِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَجَعْلِ بَيْتِ الْمَالِ فِي قِبْلَتِهِ، وَجَعْلِ مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ سُوقًا لِلتَّمَّارِينَ اشْتَهَرَتْ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ، وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُهَا، وَلَا الِاعْتِرَاضُ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ عُمَرُ هُوَ الْخَلِيفَةُ الْآمِرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْمَأْمُورُ النَّاقِلُ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى مَسَاغِ الْقِصَّةِ وَالْإِقْرَارِ عَلَيْهَا وَالرِّضَى بِمُوجَبِهَا، وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الِاسْتِبْدَالِ وَالْمُنَاقَلَةِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَسَاغِ بَيْعِ الْوَقْفِ عِنْدَ تَعَطُّلِ نَفْعِهِ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ رُجْحَانِ الْمُبَادَلَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَطِّلًا، وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي نَقْلِهِ لِحِرَاسَةِ بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي جُعِلَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الثَّانِي انْتَهَى.
وَصَنَّفَ صَاحِبُ " الْفَائِقِ " مُصَنَّفًا فِي جَوَازِ الْمُنَاقَلَةِ لِلْمَصْلَحَةِ سَمَّاهُ " الْمُنَاقَلَةُ بِالْأَوْقَافِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ وَالْخِلَافِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَأَجَادَ فِيهِ، وَوَافَقَهُ عَلَى جَوَازِهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ حَمْزَةُ ابْنُ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ، وَصَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا سَمَّاهُ: " دَفْعُ الْمُثَاقَلَةِ فِي بَيْعِ الْمُنَاقَلَةِ " وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّتِنَا جَمَاعَةٌ فِي عَصْرِهِ.
(وَ) يَجُوزُ (نَقْلُ آلَةِ) مَسْجِدٍ (وَ) نَقْلُ (أَنْقَاضِ مَسْجِدٍ؛ جَازَ بَيْعُهُ) كَخَرَابِهِ أَوْ خَرَابِ مَحَلَّتِهِ أَوْ قَذَرِ مَحَلِّهِ (لِمَسْجِدٍ آخَرَ) إنْ (احْتَاجَهَا) مِثْلُهُ -[وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ
بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ حَوَّلَ مَسْجِدَ الْجَامِعِ مِنْ التَّمَّارِينَ أَيْ: بِالْكُوفَةِ - (أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ) ] لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ فِيهِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ إلَى مِثْلِهِ، أَنَّهُ لَا يُعَمَّرُ بِآلَةِ الْمَسْجِدِ مَدْرَسَةٌ وَلَا رِبَاطٌ وَلَا بِئْرٌ وَلَا حَوْضٌ وَلَا قَنْطَرَةٌ، وَكَذَا آلَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ، لَا يُعَمَّرُ بِهَا مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّ جَعْلَهَا فِي مِثْلِ الْعَيْنِ مُمْكِنٌ، فَتَعَيَّنَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَيَصِيرُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ بَعْدَ بَيْعِهِ لِلثَّانِي الَّذِي اُشْتُرِيَ بَدَلَهُ.
وَأَمَّا إذَا نُقِلَتْ آلَتُهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ؛ فَالْبُقْعَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَنَّهَا مَسْجِدٌ.
قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ بَنَى مَسْجِدًا فَأَذَّنَ فِيهِ، ثُمَّ قَلَعُوا هَذَا الْمَسْجِدَ، وَبَنَوْا مَسْجِدًا آخَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَنَقَلُوا خَشَبَ هَذَا الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ.
قَالَ: يَرُمُّوا هَذَا الْمَسْجِدَ الْآخَرَ الْعَتِيقَ، وَلَا يُعَطِّلُوهُ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ، فَلَمْ يَمْنَعْ النَّقْلُ مَنْعَ الْبَيْعِ وَإِخْرَاجَ الْبُقْعَةِ عَنْ كَوْنِهَا مَسْجِدًا كَمَا يَجُوزُ (تَجْدِيدُ بِنَائِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (لِمَصْلَحَتِهِ نَصًّا) لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إبْرَاهِيمَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَجُوزُ قَسْمُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدَيْنِ بِبَابَيْنِ إلَى دَرْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَهُ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ) أَيْ: الْوَقْفِ إذَا لَمْ تُمْكِنْ إجَارَتُهُ (لِإِصْلَاحِ بَاقِيهِ) لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَبَيْعُ الْبَعْضِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ أَوْلَى (إنْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَجُزْ (إنْ كَانَ) الْمَوْقُوفُ (عَيْنَيْنِ) عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ وَاقِفٍ وَاحِدٍ، كَدَارَيْنِ خَرِبَتَا، فَتُبَاعُ إحْدَاهُمَا لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى (أَوْ) كَانَ الْمَوْقُوفُ (عَيْنًا) وَاحِدَةً؛ فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا لِإِصْلَاحِ بَاقِيهَا.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ، أَيْ: قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمَبِيعِ بَعْضُهَا بِالتَّشْقِيصِ؛ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ بِبَيْعِ الْبَعْضِ إذَنْ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً، وَنَقَصَتْ الْقِيمَةُ بِالتَّشْقِيصِ (بِيعَ الْكُلُّ) كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ أَوْ حَاجَةٍ، بَلْ هَذَا أَسْهَلُ؛ لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
وَجَوَّزَ] جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَغْيِيرَ صُورَتِهِ لِمَصْلَحَةٍ؛ كَجَعْلِ الدَّارِ حَوَانِيتَ، وَالْحُكُورَةُ الْمَشْهُورَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ بِنَاءٍ بِبِنَاءٍ، وَعَرْصَةٍ بِعَرْصَةٍ.
هَذَا صَرِيحُ لَفْظِهِ، وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ وَقَفَ كُرُومًا عَلَى الْفُقَرَاءِ يَحْصُلُ عَلَى جِيرَانِهَا بِهِ ضَرَرٌ: يُعَوِّضُ عَنْهُ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْجِيرَانِ، وَيَعُودُ الْأَوَّلُ مِلْكًا، وَالثَّانِي وَقْفًا انْتَهَى.
وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ عَلَى بَيْعِ بَعْضِ آلَاتِهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصُّورَةِ مَعَ بَقَاءِ الِانْتِفَاعِ.
[فَائِدَةٌ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ]
فَائِدَةٌ: يَصِحُّ بَيْعُ شَجَرَةٍ مَوْقُوفَةٍ يَبِسَتْ، وَبَيْعُ جِذْعٍ مَوْقُوفٍ انْكَسَرَ أَوْ بَلِيَ، أَوْ خِيفَ الْكَسْرُ، أَوْ انْهَدَمَ.
نَقَلَ أَبُو دَاوُد أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ فِيهِ خَشَبَتَانِ لَهُمَا ثَمَنٌ تَشَعَّثَ، وَخَافُوا سُقُوطَهُ أَتُبَاعَانِ، وَيُنْفَقُ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَيُبْدَلُ مَكَانَهُمَا جِذْعَيْنِ؟ قَالَ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
وَاحْتَجَّ بِدَوَابِّ الْحَبِيسِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، تُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي الْحَبِيسِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": إذَا أَشْرَفَ جِذْعُ الْوَقْفِ عَلَى الِانْكِسَارِ، أَوْ دَارُهُ عَلَى الِانْهِدَامِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ أُخِّرَ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاعُ رِعَايَةً لِلْمَالِيَّةِ، أَوْ يُنْقَضُ تَحْصِيلًا [لِلْمَصْلَحَةِ] قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَالْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَالْخَانَاتُ الْمُسَبَّلَةُ وَنَحْوُهَا؛ جَائِزٌ بَيْعُهَا عِنْدَ خَرَابِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَجْهًا وَاحِدًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُهُوتِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْإِقْنَاعِ ": تَنْبِيهٌ: الْخَلَوَاتُ الْمَشْهُورَاتُ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا عِنْدَنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْمَنْفَعَةِ مُفْرَدَةً عَنْ الْعَيْنِ كَعُلْوِ بَيْتٍ يُبْنَى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ وَفِي الصُّلْحِ؛ إذْ الْعِوَضُ فِيهَا مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الْمَكَانِ عِشْرِينَ مَثَلًا، وَدَفَعَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ شَيْئًا مَعْلُومًا عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ عَشَرَةٌ فَقَطْ؛ فَقَدْ اشْتَرَى نِصْفَ الْمَنْفَعَةِ، وَبَقِيَ لِلْوَقْفِ نِصْفُهَا؛ فَيَجُوزُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ الْوَقْفِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ بَقَاءَ عَيْنِ الْوَقْفِ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَى هَذَا فَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي إجَارَةِ الْمُشَاعِ؛ لَا تَصِحُّ إجَارَةُ النَّاظِرِ وَلَا صَاحِبِ الْخُلُوِّ لِلْآخَرِ أَوْ مَعَهُ.
وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ،
لَا وَقْفُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَادِفَ عَيْنًا، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: يُؤْخَذُ [مِنْ قَوْلِ] الْإِمَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي وَقْفِ الْمَاءِ إنْ كَانَ شَيْئًا اعْتَادُوهُ، صِحَّةُ [وَقْفِهِ إذَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ] كَمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ.
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَجِدْهُ مَسْطُورًا، لَكِنَّ الْقِيَاسَ لَا يَأْبَاهُ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا يُعَمَّرُ وَقْفٌ مِنْ رِيعِ) وَقْفٍ (آخَرَ) وَلَوْ عَلَى (جِهَتِهِ.
وَأَفْتَى عُبَادَةُ) مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا (بِجَوَازِ عِمَارَةِ وَقْفٍ مِنْ رِيعِ وَقْفٍ آخَرَ عَلَى جِهَتِهِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ "، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ قَوِيٌّ، بَلْ عَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَةِ مَسْجِدٍ، وَجَعْلُهَا فِي حَائِطِهِ لِتَحْصِينِهِ) مِنْ الْكِلَابِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَيَجُوزُ (اخْتِصَارُ آنِيَةٍ) مَوْقُوفَةٍ كَقُدُورٍ وَقِرَبٍ وَنَحْوِهِمَا إذَا تَعَطَّلَتْ إلَى أَصْغَرَ مِنْهَا (وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ) مُحَافَظَةً عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اخْتِصَارُهَا؛ بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي آنِيَةٍ مِثْلِهَا؛ رِعَايَةً لِلنَّفْعِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وُقِفَتْ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ.
(وَيَبِيعُهُ) ؛ أَيْ: الْوَقْفَ حَيْثُ جَازَ بَيْعُهُ (حَاكِمٌ إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ، كَعَلَى الْمَسَاجِدِ) وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَدَارِسِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَكْثَرُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " فِي كِتَابِ الْوَقْفِ، وَالْحَارِثِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّصَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ عَرْصَةِ الْمَسْجِدِ: وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فَسْخٌ لِعَقْدٍ لَازِمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، فَتُوقَفُ عَلَى الْحَاكِمِ كَمَا قِيلَ فِي الْفُسُوخِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَإِلَّا يَكُنْ الْوَقْفُ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ بِأَنْ كَانَ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، أَوْ مَنْ يَؤُمُّ أَوْ يُؤَذِّنُ أَوْ يَبِيتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (فَ) يَبِيعُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (نَاظِرٌ خَاصٌّ) إنْ كَانَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا تَعَطَّلَ الْوَقْفُ فَإِنَّ النَّاظِرَ فِيهِ يَبِيعُهُ، وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ.
نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي " الْفَائِقِ "
وَيَتَوَلَّى الْبَيْعَ نَاظِرُهُ الْخَاصُّ، حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " فَقَالَ: يَبِيعُهُ النَّاظِرُ فِيهِ (وَالْأَحْوَطُ) أَنْ يَبِيعَهُ النَّاظِرُ (بِإِذْنِ حَاكِمٍ) قَالَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيْعَ عَلَى مَنْ سَيَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ الْآن؛ أَشْبَهَ الْبَيْعَ عَلَى الْغَائِبِ.
(وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَلِ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ (يَصِيرُ وَقْفًا كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ وَ) بَدَلِ (رَهْنٍ أُتْلِفَ) قَالَ الْحَارِثِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُوَفَّقِ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ: إذَا أَوْلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ، يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا يَكُونُ وَقْفًا، ظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَدَلَ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامٍ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ هُنَا، لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى بَيْعِ وَشِرَاءِ بَدَلِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " فَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، وَيَصِيرُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ " فِي مَوْضِعَيْنِ، فَقَالَ: فَلِنَاظِرِهِ الْخَاصِّ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ، وَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْفِ: فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي أُمِّ وَلَدِهِ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَيُؤْخَذُ قِيمَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ يُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ يَكُونُ بِالشِّرَاءِ وَقْفًا مَكَانَهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُبْتَدِئِ ": وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ وَانْعَدَمَتْ مَنْفَعَتُهُ بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ [عَلَى] أَهْلِ الْوَقْفِ وَكَانَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْمُحَرَّرِ ": الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الشِّرَاءُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ، أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ، وَالْوَكِيلُ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ، فَكَذَا هَذَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا انْتَهَى، وَهُوَ الصَّوَابُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْوَقْفِ؛ لَمْ يَكُنْ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا، وَيُطَالَبُ بِالثَّمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا، وَأَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا إذَا اشْتَرَاهُ لِلْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ؛ بِأَنْ يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ
(وَالْأَحْوَطُ وَقْفُهُ) لِئَلَّا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرَى وَقْفِيَّتَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
(وَفَضْلُ غَلَّةِ مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ اسْتِحْقَاقُهُ) [مُقَدَّرٌ] مِنْ الْوَاقِفِ (يَتَعَيَّنُ إرْصَادُهُ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: وَأَمَّا فَضْلُ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنِينَ أَوْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَيَتَعَيَّنُ إرْصَادُهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فَضْلِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى نَفَقَةِ إنْسَانٍ، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُقَدَّرًا، أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ فَلَا فَضْلَ، إذْ الْغَلَّةُ مُتَفَرِّقَةٌ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ وَاضِحٌ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ دَائِمًا، وَجَبَ صَرْفُهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فَسَادٌ لَهُ وَإِعْطَاؤُهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ (فَوْقَ مَا قَدَّرَ لَهُ الْوَاقِفُ جَائِزٌ) لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ.
قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَتُهُ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَالظَّاهِرُ لَا ضَمَانَ، كَتَفْرِقَةِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ.
(وَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ) الثَّغْرُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (صُرِفَ) الْمَوْقُوفُ (فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ) أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ؛ إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُنَا الصَّرْفُ إلَى الْمَرَابِطِ فَإِعْمَالُ شَرْطِ الثَّغْرِ الْمُعَيَّنِ مُعَطِّلٌ لَهُ؛ فَوَجَبَ الصَّرْفُ إلَى ثَغْرٍ آخَرَ.
قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": (وَعَلَى نَحْوِ قِيَاسِهِ) ؛ أَيْ: الثَّغْرِ (نَحْوُ مَسْجِدٍ) كَمَدْرَسَةٍ (وَرِبَاطٍ) وَسِقَايَةٍ.
صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ.
قَالَ: وَالشَّرْطُ قَدْ يُخَالَفُ لِلْحَاجَةِ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ إلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ آخَرَ؛ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ.
قَالَ: وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ حَوْضٍ، وَتَعَطَّلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا؛ صُرِفَ إلَى مِثْلِهِمَا.
وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ مِنْ السَّنَةِ، وَتَعَذَّرَ فِيهِ وَجَبَ مَتَى أَمْكَنَ.
(وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ (فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَانْحَرَفَ الْمَاءُ) أَوْ انْقَطَعَ: (يُرْصَدُ) مَالُ الْوَقْفِ (لَعَلَّهُ) ؛ أَيْ: الْمَاءَ (يَرْجِعُ) إلَى الْقَنْطَرَةِ، فَيُصْرَفُ عَلَيْهَا مَا وُقِفَ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَيِسَ مِنْ رُجُوعِهِ [يُصْرَفُ إلَى قَنْطَرَةٍ أُخْرَى؛ لِمَا تَقَدَّمَ.]
(وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ نَحْوِ مَسْجِدٍ) [كَرِبَاطٍ] وَمَدْرَسَةٍ وَخَانْكَاةٍ (مِنْ حُصْرٍ وَزَيْتٍ وَمَغْلٍ وَأَنْقَاضٍ وَآلَةٍ) جَدِيدَةٍ (وَثَمَنُهَا) ؛ أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا بِيعَتْ
(يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي مِثْلِهِ) فَإِنْ فَضَلَ عَنْ مَسْجِدٍ صُرِفَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ رِبَاطٍ فَهِيَ رِبَاطٌ وَهَكَذَا، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ (لِفَقِيرٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يُرْصَدْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْطِيلِ، فَيُخَالِفُ الْمَقْصُودَ، وَلَوْ تَوَقَّفَتْ الْحَاجَةُ فِي زَمَنٍ آخَرَ - وَلَا رِيعَ يَسُدُّ مَسَدَّهَا - لَمْ يُصْرَفْ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصَّرْفُ فِي الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنَّمَا سُومِحَ بِغَيْرِهَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ؛ حَذَرًا مِنْ التَّعْطِيلِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ الْحَجَبِيَّ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِخُلْعَانِ الْكَعْبَةِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ مَالُ اللَّهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَصْرِفٌ فَجَازَ صَرْفُهُ لِلْفُقَرَاءِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ صَرْفُ الْفَاضِلِ فِي مِثْلِهِ (وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ وَفِي بِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ) انْتَهَى.
(وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ) بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ فِي الْغَصْبِ: وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مُسْتَحِقَّةٌ لِلصَّلَاةِ " فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، وَنُصَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ (وَ) يَحْرُمُ (غَرْسُ شَجَرَةٍ بِمَسْجِدٍ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ) لِلْمُصَلِّينَ كَاسْتِظْلَالِهِمْ بِهَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَفْرَ أَوْ الْغَرْسَ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ؛ وَلَيْسَتْ الْبِئْرُ أَوْ الشَّجَرَةُ (بِبُقَعِ الْمُصَلِّينَ) وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ ضِيقٌ، يَجُوزُ (فَإِنْ فَعَلَ) ؛
أَيْ: بِأَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ، أَوْ غَرَسَ الشَّجَرَةَ (طُمَّتْ) الْبِئْرُ نَصًّا (وَقُلِعَتْ) الشَّجَرَةُ نَصًّا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ ": وَإِنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ؛ قُلِعَتْ.
قَالَ أَحْمَدُ: غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، ظَالِمٌ غَرَسَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ قَلْعُهَا بِوَاحِدٍ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الشَّرْحِ ": أَنَّهُ لِلْإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ) الشَّجَرَةُ؛ بِأَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا غَارِسُهَا وَأَثْمَرَتْ (فَثَمَرُهَا لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ؛ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ: وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ، أَيْضًا (وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الْأَكْلَ مِنْهَا) لِأَنَّهَا غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَإِنْ غُرِسَتْ) الشَّجَرَةُ (قَبْلَ بِنَائِهِ) ؛ أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَوُقِفَتْ مَعَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (فَإِنْ عَيَّنَ) الْوَاقِفُ (مَصْرِفَهَا) بِأَنْ قَالَ: تُصْرَفُ ثَمَرَتُهَا فِي حُصْرٍ أَوْ زَيْتٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ (عُمِلَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ (وَإِلَّا) يُعَيَّنُ مَصْرِفُهَا، فَكَوَقْفٍ (مُنْقَطِعٍ) تُصْرَفُ ثَمَرَتُهَا لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ نَسَبًا وَقْفًا، فَإِنْ انْقَرَضُوا فَلِلْمَسَاكِينِ.
(وَيَجُوزُ رَفْعُ مَسْجِدٍ) إذَا (أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ) أَيْ: جِيرَانِهِ (ذَلِكَ) ؛ أَيْ: رَفْعَهُ (وَجُعِلَ) تَحْتَ (سُفْلِهِ سِقَايَةٌ وَحَوَانِيتُ) يُنْتَفَعُ بِهَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ جُلُوسٌ بِتِلْكَ الْحَوَانِيتِ؛ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَسْجِدِيَّةِ.
وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ؛ أَيْ الْمَسْجِدِ إلَى مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ خَرِبَ (مَعَ إمْكَانِ عِمَارَتِهِ وَ) لَوْ (دُونَ) الْعِمَارَةِ (الْأُولَى) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ، فَجُوِّزَ لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا.
[تَنْبِيهٌ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ وَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا وَقْفًا لَهُ]
تَنْبِيهٌ: سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، وَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا وَقْفًا لَهُ، إمَّا لِيَنْتَفِعَ بِأُجْرَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ لِيُسْكِنَهُ لِإِمَامِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْإِمَامِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ أَعْوَنَ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ مِنْ الْإِمَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِي الْمَسَاجِدِ؛ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي فِعْلُهُ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، حَتَّى سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَسْجِدٍ لَاصِقٍ بِالْأَرْضِ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْفَعُوهُ، وَيَبْنُوا تَحْتَهُ سِقَايَةً، وَهُنَاكَ شُيُوخٌ فَقَالُوا: نَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ الصُّعُودَ إلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُنْظَرُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنَّ تَغْيِيرَ صُورَةِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ؛ جَائِزٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْمَسَاجِدِ مَا هُوَ مُعَيَّنٌ بِذَاتِهِ إلَّا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَإِلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْهَا الرِّحَالُ؛ إذْ هِيَ مِنْ بِنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَكَانَتْ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بَنَاهَا غَيْرُهُ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهَا يَتْبَعُ الْمَصْلَحَةَ، وَلَكِنَّ الْمَصْلَحَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ.
(وَمَرَّ) فِي آخِرِ بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ (قُبَيْلَ) بَابِ (اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ حُكْمُ تَغْيِيرِ) حِجَارَةِ (الْكَعْبَةِ) أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ احْتَاجَتْ لِمَرَمَّةٍ (وَنَحْوُهُ) كَجَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلْيُرَاجَعْ، وَمَرَّ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مِنْ كِتَابِ (الِاعْتِكَافِ حُكْمُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ) وَمَا يَجُوزُ وَمَا يَمْتَنِعُ فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
[خَاتِمَةٌ فِي الْأَرْزَاقُ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْوَاقِفُونَ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ النَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ]
خَاتِمَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْوَاقِفُونَ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ النَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ، نَحْوُ أَنْ يُشْرَطَ مِائَةُ دِرْهَمٍ نَاصِرِيَّةٍ، ثُمَّ يَحْرُمُ التَّعَامُلُ بِهَا، وَتَصِيرُ الدَّرَاهِمُ ظَاهِرِيَّةً؛ فَإِنَّهُ يُعْطَى الْمُسْتَحِقُّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةُ الْمَشْرُوطِ.
[بَابُ الْهِبَةِ]
(بَابُ الْهِبَةِ) أَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الرِّيحِ؛ أَيْ: مُرُورِهِ، يُقَالُ: وَهَبْتُ لَهُ وَهْبًا، بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا، وَهِبَةً، وَاسْمُ الْمُوهِبِ وَالْمُوهِبَةِ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا؛ وَالِاتِّهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُ الْهِبَةِ، وَتَوَاهَبَ الْقَوْمُ؛ أَيْ وَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَوَهَبْته كَذَا، لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْهِبَةُ عَلَى الْمَوْهُوبِ كَمَا فِي الْخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إلَّا الْوَالِدُ» وَفِي الْمُحْكَمِ ": لَا يُقَالُ: وَهَبَكَهُ، وَعَنْ السِّيرَافِيِّ، أَنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي أَهَبْكَ نَبْلَةً.
وَهِيَ شَرْعًا (تَمْلِيكُ) خَرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةُ (جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ (مَالًا) خَرَجَ بِهِ الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ (مَعْلُومًا) يَصِحُّ بَيْعُهُ مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا، (أَوْ) مَالًا (مَجْهُولًا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ) كَدَقِيقٍ اخْتَلَطَ بِدَقِيقٍ لِآخَرَ، فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مِلْكَهُ مِنْهُ؛ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ، لِلْحَاجَةِ.
(وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَالِ الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ) فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَمَا تَحْمِلُ أَمَتَهُ أَوْ شَجَرَتَهُ، وَلَا هِبَةُ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَآبِقٍ وَشَارِدٍ، كَبَيْعِهِ (غَيْرَ وَاجِبٍ) عَلَى مُمَلِّكِهِ، فَلَا تَسَمَّى نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَنَحْوِهِمَا هِبَةً، لِوُجُوبِهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّمْلِيكُ مُنَجَّزًا (فِي الْحَيَاةِ) خَرَجَ الْوَصِيَّةُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ (بِلَا عِوَضٍ) مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَبَيْعٌ، وَيَأْتِي (بِمَا يُعَدُّ هِبَةً) مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، كَإِرْسَالِ هَدِيَّةٍ وَدَفْعِ دَرَاهِمَ لِفَقِيرٍ (عُرْفًا) كَالْمُعَاطَاةِ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالْعَطِيَّةُ مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ (بِخِلَافِ عَارِيَّةٍ) فَإِنَّهَا إبَاحَةٌ (وَنَحْوِ كَلْبٍ) كَخَمْرٍ وَجِلْدِ مَيْتَةٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ (وَحَمْلٍ) لِجَهَالَتِهِ وَتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ (وَنَفَقَةِ زَوْجَةٍ) لِوُجُوبِهَا (وَوَصِيَّةٍ) إذْ هِيَ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ
(وَنَحْوِ بَيْعٍ) كَإِجَارَةٍ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَا مُعَاوَضَةٍ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْهِبَةُ (هَزْلًا وَلَا تَلْجِئَةً) [بِأَنْ لَا تُرَادَ الْهِبَةُ بَاطِنًا] كَأَنْ تُوهَبَ فِي الظَّاهِرِ، وَتُقْبَضَ مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ تُوهَبَ لِخَوْفٍ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا تَصِحُّ، وَلِلْوَاهِبِ اسْتِرْجَاعُهَا إذَا زَالَ مَا يَخَافُ، أَوْ جُعِلَتْ الْهِبَةُ طَرِيقًا إلَى (مَنْعِ وَارِثٍ) حَقَّهُ أَوْ مَنْعِ (غَرِيمٍ حَقَّهُ) فَهِيَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (فَمَنْ قَصَدَ بِإِعْطَاءٍ) لِغَيْرِهِ (ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ) فَعَطِيَّتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (صَدَقَةٌ وَ) إنْ قَصَدَ بِإِعْطَائِهِ (إكْرَامًا أَوْ تَوَدُّدًا أَوْ مُكَافَأَةً) ، فَعَطِيَّتُهُ (هَدِيَّةٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَمَا أَعْطَى (هِبَةٌ وَعَطِيَّةٌ وَنِحْلَةٌ) ؛ أَيْ: يُسَمَّى بِذَلِكَ، فَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقَةٌ مَعْنًى وَحُكْمًا (وَيَعُمُّ جَمِيعَهَا لَفْظُ الْعَطِيَّةِ) لِشُمُولِهَا لَهَا (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ مِنْ صَدَقَةٍ وَعَطِيَّةٍ وَهَدِيَّةٍ (مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ قَصَدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) تَعَالَى، كَالْهِبَةِ (لِعَالِمٍ وَصَالِحٍ وَفَقِيرٍ، وَ) مَا قَصَدَ بِهِ (صِلَةَ الرَّحِمِ) بَلْ الصَّدَقَةُ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " عِنْدَ مَيْمُونَةُ: «أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا لِأَخْوَالِكَ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ» . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَجِنْسُ الْهِبَةِ مَنْدُوبٌ؛ لِشُمُولِهِ مَعْنَى التَّوْسِعَةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَنَفْيِ الشُّحِّ.
قَالَ: وَالْفَضْلُ فِيهَا يَثْبُتُ بِإِزَاءِ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا خَيْرَ فِيمَا قُصِدَ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ انْتَهَى وَلَا تُسْتَحَبُّ إنْ قُصِدَ بِهَا مُبَاهَاةٌ أَوْ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ، بَلْ تُكْرَهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ) لِمَا وَرَدَ، فِيهَا مِمَّا لَا يُحْصَرُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مَعْنًى يَقْتَضِي تَفْضِيلَهَا) عَلَى الصَّدَقَةِ (كَالْإِهْدَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحَبَّةً وَ) كَالْإِهْدَاءِ (لِقَرِيبٍ لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ) الْإِهْدَاءِ (لِأَخٍ فِي اللَّهِ) فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلُ، مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ (وَالْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ الْحِقْدَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدَايَا تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» . وَالْوَحَرُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ (وَتَجْلِبُ الْمَحَبَّةَ) لِحَدِيثِ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (وَتَخْتَصُّ) الْهَدِيَّةُ (بِالْمَنْقُولَاتِ) كَالنَّقْدَيْنِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْأَوَانِي وَالْأَمْتِعَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ بِالْمَنْقُولَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ إلَيْهِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (فَلَا) تَصِحُّ هَدِيَّةُ الْعَقَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا (يُقَالُ: أَهْدَى دَارًا) أَوْ ضَيْعَةً أَوْ بُسْتَانًا.
(وَمَنْ أَهْدَى) شَيْئًا (لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ) مِنْهُ (فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُسْتَغْزِرُ يُثَابُ مِنْ هِبَتِهِ» . (لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ؛ لِقَوْلَةِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] ؛ أَيْ: لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَشْرَفِ الْأَخْلَاقِ وَأَجَلِّهَا.
(وَوِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ) فَلَا يُرَدُّ (مَعَ عُرْفٍ) بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِرْفٌ رَدَّهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ الْحَارِثِيُّ: لَا يَدْخُلُ الْوِعَاءُ إلَّا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ (كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ) وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
(وَكُرِهَ رَدّ هِبَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ) كَذِرَاعٍ، أَوْ كُرَاعٍ - بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ - مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنْ الرِّجْلِ وَمِنْ حَدِّ الرُّسْغِ فِي الْيَدِ، وَهُوَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنْ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَوَظِيفُ الْبَعِيرِ خُفُّهُ، وَهُوَ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٍ لَقَبِلْتُ» .
خُصُوصًا الطِّيبُ؛ لِحَدِيثِ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ فَعَدَّ مِنْهَا الطِّيبَ» ، وَلِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَرُدُّوا الْهَدِيَّةَ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ هَدِيَّةٍ وَهِبَةٍ، وَلَوْ جَاءَتْ بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، يَعْنِي الْمُوَفَّقَ وَغَيْرَهُ مِنْ
الْأَصْحَابِ، قَالُوا فِي الْحَجِّ: لَا يَكُونُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ، وَفِي الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ قَبُولُ السُّتْرَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
(وَيُكَافِئُ) الْمُهْدِيَ لَهُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
(أَوْ يَدْعُو لَهُ) ؛ أَيْ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا، فَلْيَذْكُرْهَا، وَيُثْنِي عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي أَهْدَاهَا (نَدْبًا فِيهَا) ؛ أَيْ: فِي حَالِ الْمُكَافَأَةِ وَغَيْرِهَا، فَيَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «مَنْ أَعْطَى عَطَاءً، فَوَجَدَ؛ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَيُقَدَّمُ فِي الْهَدِيَّةِ الْجَارُ الْقَرِيبُ بَابُهُ عَلَى الْبَعِيدِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: قَالَتْ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ لِي جَارَيْنِ فَلِأَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا» .
وَيَجُوزُ رَدُّهَا لِأُمُورٍ، مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَخْذَهَا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ: «قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعْنِي جَمَلَك هَذَا.
قَالَ قُلْت: لَا بَلْ هُوَ لَك.
قَالَ: لَا بَلْ بِعْنِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَوْ يَكُونُ الْمُعْطِي لَا يَقْنَعُ بِالثَّوَابِ الْمُعْتَادِ؛ لِمَا فِي الْقَبُولِ مِنْ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ، أَوْ تَكُونُ الْهَدِيَّةُ بَعْدَ السُّؤَالِ وَاسْتِشْرَافِ النَّفْسِ لَهَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ: «إذَا جَاءَك مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» . وَإِشْرَافُ النَّفْسِ فَسَّرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بِأَنَّهُ تَطَلُّبٌ لِلشَّيْءِ، وَارْتِفَاعٌ لَهُ، وَتَعَرُّضٌ إلَيْهِ، أَوْ لِقَطْعِ الْمِنَّةِ إذَا كَانَ عَلَى الْآخِذِ فِيهِ مِنَّةٌ، وَقَدْ يَجِبُ رَدُّ الْهِبَةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا إذَا عَلِمَ) الْمُهْدَى لَهُ (أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمُهْدِي (أَهْدَى حَيَاءً فَيَجِبُ الرَّدُّ) ؛ أَيْ: رَدُّ هَدِيَّتِهِ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْآدَابِ ": وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ فِي الْعُقُودِ عِنْدَنَا مُعْتَبَرَةٌ، وَكَذَا يَجِبُ رَدُّ هَدِيَّةِ صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رَدَّ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ هَدِيَّةَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ، وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» .
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ حَيَاءً، إمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، (أَوْ) يَجِبُ عَلَيْهِ (الْعِوَضُ) وَأَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِثْلَهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ مَا ذَكَرَ (أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى) مَنْ كَانَ (بَذِيءَ لِسَانٍ) ؛ أَيْ: فَاحِشَهُ (يُخَافُ مِنْهُ) التَّسَلُّطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُكَافِئْهُ بِالْهَجْوِ وَ (الذَّمِّ) فَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْ هَدِيَّتِهِ خُرُوجًا مِنْ عُهْدَتِهِ وَاسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ تَمْزِيقِ عِرْضِهِ وَارْتِكَابِهِ إثْمَ الْغِيبَةِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يُحَرَّمُ أَكْلُ نَحْوِ طُفَيْلِيٍّ) كَمِلْحٍ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ طَعَامٌ لِيَسْتَحِي مِنْهُ وَيُطْعِمَهُ.
وَالطُّفَيْلِيُّ مَنْ يَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَلَا إذْنٍ مِنْهُ (وَ) يُحَرَّمُ أَكْلُ (ضَيْفٍ كَذَلِكَ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْمُحَابَاةِ بِأَنْ يُقِيمَ فِي الْقَرْيَةِ زِيَادَةً عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيُكَلِّفَ أَهْلَهَا أَنْ يُضَيِّفُوهُ، فَيَسْتَحْيُونَ، وَيُطْعِمُونَهُ؛ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ زَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَاصِبِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِآخَرَ، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ؛ لِمَا (فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً؛ فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» ) .
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَمِنْهَا الْهَدِيَّةُ لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا كَالْأُجْرَةِ، وَالشَّفَاعَةِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا.
وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَأَدَّاهَا، فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْمُكَافَأَةِ انْتَهَى.
(وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لِلْخَاطِبِ إذَا خَطَبَ لِقَوْمٍ) امْرَأَةً (أَنْ يَقْبَلَ لَهُمْ هَدِيَّةً) لِأَنَّ الْخَاطِبَ كَالشَّفِيعِ؛ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَانُوا يَسْمَعُونَ لِمَنْ يَكْذِبُ عِنْدَهُمْ، وَيَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ مِمَّنْ يَحْكُمُونَ لَهُ، وَالْهَدِيَّةَ مِمَّنْ يَشْفَعُونَ فِيهِ ". وَقَالَ جَمَاعَةٌ: السُّحْتُ خَمْسَةَ عَشَرَ: الرِّشْوَةُ وَمَهْرُ الْبَغْيِ، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَالنَّرْدُ، وَالْخَمْرُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَالْمَيْتَةُ، وَالدَّمُ، وَعَسْبُ الْفَحْلِ، وَأَجْرُ النَّائِحَةِ، وَالْمُغَنِّيَةِ، وَالسَّاحِرِ، وَأَجْرُ مُصَوِّرِ التَّمَاثِيلِ.
(وَإِنْ شُرِطَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهَا) ؛ أَيْ: الْهِبَةِ (عِوَضٌ مَعْلُومٌ فَ) هُوَ (بَيْعٌ صَحِيحٌ) نَصًّا كَشَرْطِهِ فِي عَارِيَّةٍ، فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ مَجْلِسٍ وَنَحْوِهِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَاللُّزُومِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَضَمَانِ الدَّرْكِ، وَوُجُوبِ التَّسَاوِي مَعَ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي الرِّبَوِيِّ الْمُتَّحِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك أَوْ مَلَّكْتُك هَذَا بِهَذَا.
(وَ) إنْ شُرِطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابٌ (مَجْهُولٌ فَ) هُوَ بَيْعٌ (فَاسِدٌ) لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ فِي مُعَاوَضَةٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَحَيْثُ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَتُرَدُّ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْوَاهِبِ، وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ زَوَائِدُهَا؛ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَافِئَهُ بِالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ صَدَرَتْ الْهِبَةُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ (مَعَ إطْلَاقٍ) بِأَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا؛ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا (لَا تَقْتَضِي عِوَضًا، وَلَوْ) كَانَ الْمُهْدِي إنَّمَا (أَعْطَاهُ) الْهَدِيَّةَ (لِيُعَاوِضَهُ) عَنْهَا (أَوْ) أَعْطَاهُ الْهَدِيَّةَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ (يَقْضِي لَهُ) ؛ أَيْ: لِمَنْ أَهْدَى (حَاجَةً) وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ انْتِفَاءُ الْعِوَضِ وَالْقَرِينَةُ لَا تُسَاوِيهِ؛ فَلَا يَصِحُّ إعْمَالُهَا، وَلِهَذَا لَمْ نُلْحِقْهُ بِالشَّرْطِ.
(أَوْ) كَانَتْ الْهَدِيَّةُ (مِنْ) شَخْصٍ لِمِثْلِهِ، أَوْ كَانَتْ مِنْ (أَدْنَى لِأَعْلَى مِنْهُ) وَقَوْلُ عُمَرَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً يُرِيدُ بِهَا الثَّوَابَ؛ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا جَوَابَهُ بِأَنَّهَا هِبَةٌ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فَلَمْ تَقْتَضِ ثَوَابًا كَالْوَصِيَّةِ، وَقَوْلُ عُمَرَ خَالَفَهُ
ابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ (وَيَتَّجِهُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ) فِي قَوْلِهِ لَا يَقْتَضِي عِوَضًا (الْمُعَاوَضَةَ) وَنَفْيِ وُجُوبِ الْمُعَاوَضَةِ (لَا) يَقْتَضِي نَفْيَ جَوَازِ (الرُّجُوعِ) وَحِينَئِذٍ فَلِمُعْطِي الْهَدِيَّةِ رَجَاءُ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ قَضَاءُ حَاجَةٍ، مِمَّنْ أَهْدَى إلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَنْ (يَرْجِعَ) بِهَدِيَّتِهِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَوْ بَدَلِهَا إنْ تَلِفَتْ (كَزَوْجٍ) خَطَبَ امْرَأَةً، وَ (وَعَدَ) هـ أَوْلِيَاؤُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا مِنْهُ (وَلَمْ يَفُوا لَهُ) بِمَا وَعَدُوهُ مِنْ التَّزْوِيجِ وَكَانَ قَدْ أَهْدَى لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجَابُوهُ قَبْلَ عُدُولِهِمْ عَنْ التَّزْوِيجِ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَهْدَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ عِوَضٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَاهِبُ: شَرْطُنَا الْعِوَضُ، وَأَنْكَرَهُ مَوْهُوبٌ لَهُ (فَقَوْلُ) مَوْهُوبٍ لَهُ (مُنْكَرٌ) بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي) الصَّادِرِ مِنْهُمَا، فَقَالَ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنِ (وَهَبْتنِي) مَا بِيَدِي (فَقَالَ) مُقْبِضٌ (بَلْ بِعْتُكَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا قَالَهُ؛ فَإِنَّهُ (يَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (عَلَى مَا أَنْكَرَ) مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَلَا هِبَةَ) بَيْنَهُمَا (وَلَا بَيْعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ (فَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ بَائِعٍ) لِمَا مَعَهَا مِنْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، وَهُوَ إثْبَاتُ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ بِعَقْدٍ (وَتُمْلَكُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (بِ) مُجَرَّدِ (عَقْدٍ) وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَالْقَبْضُ مُعْتَبَرٌ لِلُزُومِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا، لَا لِانْعِقَادِهَا، وَإِنْشَائِهَا.
صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفَائِقِ ".
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَفِطْرَةُ عَبْدٍ مَوْهُوبٍ قَبْلَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ عَلَى مَوْهُوبٍ لَهُ - وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ - لِدُخُولِ وَقْتِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ (فَيَصِحُّ تَصَرُّفُ) مَوْهُوبٌ لَهُ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ (مَوْقُوفًا) عَلَى الْقَبْضِ، فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَبُولِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ.
قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ (غَيْرُ عِتْقٍ) فَإِنَّ الْقَبْضَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، فَإِذَا وَهَبَ إنْسَانٌ قِنًّا لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ يُعْتَقُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(قَبْلَ قَبْضٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالنَّمَاءُ لِلْمُتَّهِبِ.
وَتَصِحُّ هِبَةً وَتُمْلَكُ (بِمُعَاطَاةٍ) مُقْتَرِنَةٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْهِبَةِ - وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ - لِأَنَّ الْمُعَاطَاةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَافِيَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى لَفْظٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إلَيْهِ، وَيُعْطِي وَيُعْطَى، وَيُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ، وَيَأْمُرُ سُعَاتَهُ بِأَخْذِهَا وَتَفْرِيقِهَا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ وَلَا أَمْرٌ بِهِ، وَلَا تَعْلِيمُهُ لِأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا مُشْتَهِرًا، «وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُمَرَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِعْنِيهِ، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت» .
وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا قَبُولُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الرِّضَى بِنَقْلِ الْمِلْكِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِيجَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ، وَاكْتَفَيْنَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَهُوَ إجَارَةٌ وَبَيْعُ أَعْيَانٍ، فَإِذَا اكْتَفَيْنَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعَ تَأَكُّدِهَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ فَلَأَنْ نَكْتَفِيَ بِهِ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى (فَ) عَلَى الْمَذْهَبِ (تَجْهِيزُ بِنْتِهِ، وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ) تَجْهِيزُ (ابْنِهِ، أَوْ) تَجْهِيزُ (أُخْتِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَنَحْوُهَا، فَعَلَيْهِ تَجْهِيزُ أَجْنَبِيٍّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ كَذَلِكَ؛ لِحُصُولِهِ بِالْمُعَاطَاةِ الْمُكْتَفَى بِهَا عَنْ الصَّرِيحِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِجِهَازٍ لِبَيْتِ زَوْجٍ) هَا (تَمْلِيكٌ) لَهَا وَقَبُولٌ؛ لِوُجُودِ الْمُعَاطَاةِ بِالْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْهِبَةِ
(وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ إذَا وَقَعَتْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ (فِي تَرَاخٍ) نَحْوَ قَبُولٍ عَنْ إيجَابٍ كَبَيْعٍ؛ فَتَصِحُّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا، (وَ) هِيَ كَبَيْعٍ فِي (تَقَدُّمِهِ) ؛ أَيْ: تَقَدُّمِ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ؛ فَيَصِحُّ فِي الْحَالِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ
فِيهِ، وَغَيْرِهِمَا كَانْعِقَادِهَا بِكُلِّ لَفْظٍ أَدَّى مَعْنَاهَا، وَبِالْمُعَاطَاةِ
(وَ) كَ (اسْتِثْنَاءِ) وَاهِبٍ (نَفْعَ) مَوْهُوبٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ الْمُوَفَّقِ إجَابَةً لِسُؤَالٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ (كَمَبِيعٍ) جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ حَمْلِ أَمَةٍ وُهِبَتْ فِيهِ) كَالْعِتْقِ (وَكَذَا) يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ (نَحْوِ لَبَنٍ) كَشَعْرٍ (وَصُوفٍ) مِنْ شَاةٍ وُهِبَتْ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ نَفْعِ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ وُهِبَا مُدَّةً مَعْلُومَةً كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ.
(وَ) يَحْصُلُ (قَبُولٌ هُنَا وَفِي وَصِيَّةٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَى الرِّضَى وَقَبْضُهَا) ؛ أَيْ: الْهِبَةِ فِي الْحُكْمِ (كَ) قَبْضِ (مَبِيعٍ) فَيَكُونُ فِي مَوْهُوبٍ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَذْرُوعِ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدِّهِ أَوْ ذَرْعِهِ، وَفِيمَا يُنْقَلُ بِنَقْلِهِ، وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ بِتَنَاوُلِهِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ) قَبْضُ هِبَةٍ (إلَّا بِإِذْنِ وَاهِبٍ لَهُ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْوَاهِبِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَأَصْلِ الْعَقْدِ وَكَالرَّهْنِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَبْضُ (بِمُنَاوَلَةٍ) لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَحْصُلُ الْإِذْنُ فِي قَبْضِ هِبَةٍ (بِتَخْلِيَةٍ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْوَاهِبِ (الرُّجُوعُ) فِي هِبَةٍ وَفِي إذْنِهِ فِي قَبْضِهَا (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَبْضِ - وَلَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْمُتَّهِبِ - لِبَقَاءِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَنْهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ الْإِذْنِ إعْدَامٌ لَهُ، وَعَدَمُهُ لَا يُوجِبُ رُجُوعًا.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: وَعِتْقُ الْمَوْهُوبِ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ رُجُوعٌ؛ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ.
(وَيُكْرَهُ) رُجُوعُهُ عَنْ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا (وَلَوْ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ) أَيْ: الْمُتَّهِبِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَنْعِ (وَيَبْطُلُ إذْنُ)
وَاهِبٍ فِي قَبْضِ هِبَةٍ.
وَ (لَا) تَبْطُلُ (هِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ (بِمَوْتِ وَاهِبٍ) فَيَبْطُلُ إذْنُهُ لِلْمُتَّهِبِ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ ثُمَّ مَاتَ (كَ) مَا تَبْطُلُ (هِيَ) ؛ أَيْ: الْهِبَةُ (بِمَوْتِ مُتَّهِبٍ) قَبْلَ قَبْضِ مَوْهُوبٍ، وَ (لَا) تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِمَوْتِ مُتَّهِبٍ (بَعْدَ قَبْضِ وَكِيلِهِ) لِلُزُومِهَا بِالْقَبْضِ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَإِنْ مَاتَ وَاهِبٌ قَبْلَ إقْبَاضٍ وَرُجُوعٍ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَقْدًا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ كَمَوْتِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَيَقُومُ وَارِثٌ وَاهِبٌ مَقَامَهُ فِي إذْنٍ) فِي الْقَبْضِ (وَ) فِي رُجُوعٍ فِي الْهِبَةِ، إذْ عَقْدُ الْهِبَةِ بِالْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ أَشْبَهُ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ.
تَكْمِيلٌ: وَإِنْ وَهَبَ إنْسَانٌ لِغَائِبٍ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِهَا؛ لَزِمَ حُكْمُهَا، وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ قَبْضَهَا كَقَبْضِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ بَعْدَ لُزُومِهَا.
وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ بَطَلَتْ وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقٍ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَك.
قَالَتْ: فَكَانَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ، فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِهِ بِالْهَدِيَّةِ؛ لِعَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ حَمْلُ الْهِبَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ صَارَ إلَيْهِ، وَكَذَا حُكْمُ هَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ، لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ.
(وَتَلْزَمُ) الْهِبَةُ (بِ) مُجَرَّدِ (قَبْضٍ) بِإِذْنِ وَاهِبٍ؛ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ وَحُزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ "، وَقَالَ عُمَرُ: لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَلَدِ.
وَكَالطَّعَامِ الْمَأْذُونِ فِي أَكْلِهِ، وَيَعْتَبِرُ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ مِنْ (رَشِيدٍ فِي غَيْرِنَا تَافِهٍ) أَيْ: قَلِيلٍ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ رُشْدُ قَابِضِهِ (أَوْ) بِقَبْضِ (وَلِيِّ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الرَّشِيدِ - كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ قَبُولٌ لِمَا لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ حَظٌّ، فَكَانَ إلَى الْوَلِيِّ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ وَلَا الْقَبْضُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الْأَبُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي صَبِيٍّ وُهِبَتْ لَهُ هِبَةٌ، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ، فَقَبَضَتْ الْأُمُّ ذَلِكَ وَأَبُوهُ حَاضِرٌ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لِلْأُمِّ قَبْضًا " وَلَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَبِ، وَإِنْ عَدِمَ الْوَلِيُّ فَيَقْبِضُ لِغَيْرِ الرَّشِيدِ مَنْ يَلِيهِ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَيَأْتِي.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَإِنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ فِي مَكَان لَا حَاكِمَ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، وَيَكُونُ فَقِيرًا لَا غِنَى بِهِ عَنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُ غَيْرِهِمْ لَهُ، انْسَدَّ بَابُ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَيَضِيعُ وَيَهْلِكُ، وَمُرَاعَاةُ حِفْظِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ (كَ) مَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ (بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ فِيمَا بِيَدِ مُتَّهِبٍ) كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ، وَلَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَدَامٌ، فَأَغْنَى عَنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً، وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعُ مِنْ شَرِيكِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، مَنْقُولًا كَانَ كَجُزْءٍ مِنْ نَحْوِ فَرَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَنْقَسِمُ أَوْ لَا كَالْعَبْدِ، لِمَا فِي " الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» .
(وَيَعْتَبِرُ لِصِحَّةِ قَبْضِ مُشَاعٍ يُنْقَلُ) أَيْ: لِجَوَازِهِ أَوْ لِانْتِقَاءِ ضَمَانِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (إذْنُ شَرِيكٍ) فِيهِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ
إلَّا بِقَبْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْقَبْضِ، [لَا لُزُومِ الْهِبَةِ فَتَلْزَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُهُ، وَيَكُونُ نَصِيبُ الْقَابِضِ] مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا وَنَصِيبُ الشَّرِيكِ مَقْبُوضًا أَمَانَةً، فَإِنْ أَبَى الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهِبِ: وَكُلُّ الشَّرِيكِ فِي قَبْضِهِ لَك وَنَقْلِهِ، فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا، فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَذِنَ شَرِيكُهُ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَجَّانًا فَكَعَارِيَّةٍ فِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَإِذَا كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِأُجْرَةٍ؛ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً كَمَأْجُورٍ؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً كَأَنْ اسْتَعْمَلَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِثْلَهَا بِقَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَتَقَدَّمَ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَا إجَارَةٍ، أَوْ قَبَضَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَكَغَاصِبٍ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ.
(وَإِنْ وَهَبَ وَلِيٌّ) كَحَاكِمٍ أَوْ وَصِيٍّ (مُوَلِّيَهُ) لَمْ يَتَوَلَّ طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ وَ (وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ) لَهُ الْهِبَةَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْأَبِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ (وَيَقْبِضُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْوَلِيُّ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لِلصَّبِيِّ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ، وَيَقْبِضُ لَهُ لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مِنْهُ وَالْقَبُولُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ (وَلَا يَحْتَاجُ أَبٌ وَهَبَ وَلَدَهُ لِصِغَرٍ) إلَى تَوْكِيلٍ فِي الْقَبُولِ؛ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ (وَيَتَّجِهُ) أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ أَبٌ وَهَبَ وَلَدَهُ لِسَفَهٍ (أَوْ جُنُونٍ) . قَالَ الْبُهُوتِيُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(إلَى تَوْكِيلٍ فِي الْقَبُولِ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (فَيَكْفِي) قَوْلُ الْأَبِ (وَهَبْتُ ذَا لِوَلَدِي وَقَبِلْته لَهُ) فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَقَبِلْته أَوْ وَقَبَضْته لَهُ؛ لَمْ يَكْفِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ حَرْبٍ؛ لِتَغَايُرِ الْقَبْضَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الَّتِي لِجِهَةِ الْمُتَّهِبِ هُنَا هِيَ نَفْسُ يَدِ الْوَاهِبِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَدَّعِيَهُ فِي ثَانِي الْحَالِ، أَوْ يَدَّعِيَهُ الْوَرَثَةُ تِرْكَةً، فَيَذْهَبَ عَنْ الطِّفْلِ.
(وَيُغْنِي قَبْضُ) هِبَةٍ إذَا كَانَ قَابِضُهَا رَشِيدًا (عَنْ قَبُولٍ) فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الْقَبُولِ (لَا عَكْسِهِ) أَيْ: لَا يُغْنِي قَبُولُ الْهِبَةِ عَنْ قَبْضِهَا؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْقَبْضِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ رُجُوعِ الْوَاهِبِ بِهَا.
وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ طِفْلٍ - وَلَوْ مُمَيَّزًا - وَلَا قَبْضُ مَجْنُونٍ لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَا قَبُولُهُمَا الْهِبَةَ؛ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، بَلْ يَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُمَا وَلِيُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ عَلَيْهِمَا.
فَالْأَبُ الْعَدْلُ وَلَوْ ظَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ عَدَمِهِ وَصِيٌّ، ثُمَّ حَاكِمٌ أَمِينٌ كَذَلِكَ، أَوْ مَنْ يُقِيمُونَهُ مَقَامَهُمْ (وَعِنْدَ عَدَمِ وَلِيٍّ غَيْرِ رَشِيدٍ، يَقْبِضُ لَهُ) أَيْ: لِغَيْرِ الرَّشِيدِ (مَنْ يَلِيه مِنْ نَحْوِ أُمٍّ وَقَرِيبٍ) وَغَيْرِهِمَا (نَصًّا) قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: سُئِلَ أَحْمَدُ: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الصَّبِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ يُعْطَى أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِشَأْنِهِ.
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ.
[قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ جَلَبَ مَنْفَعَةً، وَمَحِلَّ حَاجَةٍ، (لَكِنْ يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ) ] قَبْضُ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُدْفَعُ مِثْلُهُ لِلصَّغِيرِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثِّمَارِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْوِلْدَانِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِوَلَدِهِ، أَوْ كَانَ الْأَبُ قَدْ مَاتَ - وَلَا وَصِيَّ لَهُ - قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ إذَنْ.
(وَمَا أُهْدِيَ فِي) دَعْوَةِ (خِتَانِ صَبِيٍّ) اتَّخَذَهَا أَبُوهُ (فَ) هُوَ (لِأَبِيهِ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (إلَّا مَعَ) وُجُودِ (قَرِينَةٍ) تَقْتَضِي (اخْتِصَاصَ) ذَلِكَ (بِمَخْتُونٍ، كَثَوْبٍ) فَلَهُ (أَوْ) تَقْتَضِي (اخْتِصَاصَ) ذَلِكَ (بِأُمٍّ، فَلَهَا، كَكَوْنِ مُهْدٍ قَرِيبَهَا أَوْ) كَوْنِهِ (مَعْرِفَتَهَا) حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ (وَخَادِمُ الْفُقَرَاءِ الَّذِي يَطُوفُ لَهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ مَا حَصَلَ لَهُ عَلَى اسْمِهِمْ، أَوْ بِنِيَّةِ قَبْضِهِ لَهُمْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ، وَهُوَ إمَّا وَكِيلُهُمْ أَوْ وَكِيلُ الدَّافِعِينَ، فَيَنْتَفِي الِاخْتِصَاصُ (وَمَا يُدْفَعُ)
بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (مِنْ صَدَقَةٍ لِشَيْخِ زَاوِيَةٍ) أَوْ شَيْخِ رِبَاطٍ (فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ اخْتِصَاصًا، فَهُوَ كَوَكِيلِ الْفُقَرَاءِ أَوْ الدَّافِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ التَّفْضِيلُ) فِي الْقَسْمِ (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخُلَّةَ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ إلَيْهِ مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ؛ وَالظَّاهِرُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَمَا لَمْ تَجُزْ عَادَةً بِتَفْرِيقِهِ لِقِلَّتِهِ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِهِ) لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ صَدَرَ إلَيْهِ، وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ عَنْهُ (ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَهِبَةُ مَحْجُورٍ) عَلَيْهِ (مَالُهُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ (وَلَوْ) صَدَرَتْ مِنْهُ (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهِبَةُ سَفِيهٍ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا وَلِيُّهُ.
(وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ (مِنْ قِنٍّ بِإِذْنِ سَيِّدِ) هـ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا أَذِنَهُ انْفَكَّ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ، وَ (لَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ تَمْلِيكًا (لَهُ) أَيْ: الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا قَبُولُهُ الْهِبَةَ؛ فَيَصِحُّ بِلَا رَيْبٍ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَمَا اتَّهَبَهُ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ وَقَبِلَهُ؛ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَيَصِحُّ قَبُولُهُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْمَالِ لِلسَّيِّدِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهِ كَالِالْتِقَاطِ، وَمَا وَهَبَهُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ، فَأَشْبَهَ اصْطِيَادَهُ وَقَوْلُهُ: (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ مِلْكِ الْهِبَةِ لِلْقِنِّ، وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِ قَبُولِهَا فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ قَبُولِهِ لَهَا أَنْ يَمْلِكَهَا، وَعِبَارَتُهُ: وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ ظَهَرَ لَك بِمَا
ذَكَرْنَاهُ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا لَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (لِحَمْلٍ) لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ تَعْلِيقٌ عَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا، وَالْهِبَةُ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ
(وَمَنْ) (أَبْرَأَ) مَدِينَهُ (مِنْ دَيْنِهِ) صَحَّ (أَوْ وَهَبَهُ لِمَدِينِهِ) صَحَّ (أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ) صَحَّ (أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ) صَحَّ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ (أَوْ تَرَكَهُ) لَهُ صَحَّ (أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ) صَحَّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هِبَتِهِ إيَّاهُ (أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ) صَحَّ لِوُرُودِ الْإِبْرَاءِ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] .
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ (صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ) إذْ لَا يَصِحُّ جَعْلُ مَا فِي الذِّمَّةِ عَنْ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ.
(أَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ) ذَلِكَ جَمِيعُهُ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] يَعْنِي بِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْطَيْتُكَهُ وَنَحْوَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا، وَلَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ؛ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ، وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ، وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ انْتَهَى.
وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (قَبْلَ حُلُولِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ رَدَّ)
الْمَدِينُ الْإِبْرَاءَ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (أَوْ) كَانَ الدَّيْنُ الْمُبْرِئُ مِنْهُ مَجْهُولًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَسَوَاءٌ (جَهِلَ) هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا (قَدْرَهُ) أَوْ جَهِلَا وَصْفَهُ أَوْ جَهِلَا الْقَدْرَ وَالْوَصْفَ مَعًا (أَوْ اعْتَقَدَ) رَبُّ الدَّيْنِ الْمُسْقِطُ لَهُ (عَدَمَهُ) أَيْ: الدَّيْنِ كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ مِائَةٍ يَعْتَقِدُ عَدَمَهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ، اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ ظَانًّا حَيَاتَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ؛ لِمُصَادِفَةِ الْحَقِّ.
وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَيَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَيْضًا مِنْ الْمَجْهُولِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ، أَوْ كَانَ يَعْلَمهُ الْمُبْرِئُ فَقَطْ، كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَعْلُومِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عُمُومُ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " آخِرَ الْقَذْفِ (لَا إنْ عَلِمَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (مَدِينٌ فَقَطْ وَكَتَمَهُ) مِنْ رَبِّ دَيْنٍ (خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (إنْ عَلِمَ) بِالدَّيْنِ (لَمْ يُبْرِئْهُ) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وَهُوَ إذَنْ كَالْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ، صَحَّ الْإِبْرَاءُ فِي الْأَلْفِ وَفِيمَا دُونَهُ.
وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» . وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ إنْ (عَلَّقَهُ) رَبُّ دَيْنٍ بِشَرْطٍ نَصًّا (فَ) قَوْلُهُ لِلْمَدِينِ (إنْ مِتَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ بِفَتْحِ التَّاءِ، تَعْلِيقٌ) فَلَا يَبْرَأُ (وَ) قَوْلُهُ إنْ مِتُّ (بِضَمِّهَا) أَيْ: التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ (وَصِيَّةٌ) لِلْمَدِينِ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْبَرَاءَةُ (مَعَ إبْهَامِ) الْمَحَلِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ (كَأَبْرَأْتُ أَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيَّ أَوْ) أَبْرَأْتُ غَرِيمِي هَذَا (مِنْ أَحَدِ دَيْنَيَّ) كَوَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوْ كَفَلْت أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ (فَلَا يُؤْخَذُ بِبَيَانٍ خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَدَّمَ الصِّحَّةَ تَبَعًا لِاخْتِيَارِ الْحَلْوَانِيِّ وَالْحَارِثِيِّ، فَقَالَ: وَمِنْ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ
الْمَجْهُولِ لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَتَابَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَلَوْ تَبَارَآ) أَيْ: الدَّائِنُ وَالْمُسْتَدِينُ (وَ) ظَهَرَ (لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ) مُسَطَّرٌ (بِ) صَكٍّ (مَكْتُوبٍ، فَادَّعَى) مَنْ هُوَ بِيَدِهِ (اسْتِثْنَاءَهُ) مِنْ الْإِبْرَاءِ (قُبِلَ) قَوْلُهُ (بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ مَا صَحَّ بَيْعُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ صَحَّتْ هِبَتُهُ]
(فَصْلٌ: وَمَا صَحَّ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ (صَحَّتْ هِبَتُهُ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، فَصَحَّتْ فِيمَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ؛ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِي الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَيْسَ هِبَةً حَقِيقِيَّةً (وَ) صَحَّ (اسْتِثْنَاءُ نَفْعِهِ) أَيْ: الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فِي الْهِبَةِ (عِنْدَ إنْشَائِهَا زَمَنًا مُعَيَّنًا) كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ فِيمَا إذَا شَرَطَ فِيهِ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا، كَسُكْنَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ شَهْرًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَمَا لَا) يَصِحُّ بَيْعُهُ (فَلَا) تَصِحُّ هِبَتُهُ كَالْكَلْبِ وَجِلْدِ الْمَيِّتَةِ الْمَأْكُولَةِ، وَإِنْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ غَيْرُ نَحْوِ جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ) كَجِلْدِ هَدْيٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَصِحُّ هِبَتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ وَإِنْ قِيلَ يُمْنَعُ بَيْعُهُ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا
(فَلَا تَصِحُّ) هِبَةُ مَجْهُولٍ (كَحَمْلٍ بِبَطْنٍ وَلَبَنٍ بِضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى ظَهْرٍ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي الْأَخِيرَةِ؛ لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ (فَإِنْ أَذِنَ رَبُّ شَاةٍ لَهُ) أَيْ: لِإِنْسَانٍ (فِي جَزِّ صُوفِ) هَا (وَحَلْبِ) هَا (فَ) هُوَ (إبَاحَةٌ) لَا هِبَةٌ.
وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمٍ - وَهُوَ الشَّيْرَجَ - قَبْلَ عَصْرِهِ، أَوْ زَيْتَ زَيْتُونَةٍ، أَوْ جَفَّتْهُ قَبْلَ عَصْرِهِمَا؛ لَمْ يَصِحَّ كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَأَوْلَى لِكُلْفَةِ الِاعْتِصَارِ (فَ) قَوْلُ رَبِّ مَالٍ لِآخَرَ (خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْت؛ فَلَهُ أَخْذُ كُلِّ مَا بِهِ) .
وَلَوْ قَالَ: خُذْ (مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ
مَا شِئْت؛ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ الْكُلِّ) إذْ الْكِيسُ ظَرْفٌ، فَإِذَا أَخَذَ الْمَظْرُوفَ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ: أَخَذْت مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلِّهَا.
قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي " النَّوَادِرِ ".
(وَكَذَا) أَيْ: كَالصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا قَوْلُ مَالِكٍ: (مَا أَخَذْت مِنْ مَالِي فَهُوَ لَك أَوْ) قَوْلُهُ: (مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِي، فَلَهُ حَيْثُ لَا قَصْدَ) فَهُوَ (هِبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ كَمَا) مَرَّ (فِي هِبَةِ دَيْنٍ) قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْمُبِيحِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا قَالَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ يَتَأَخَّرُ الْقَبُولُ فِيهِ عَنْ الْإِيجَابِ كَثِيرًا، وَلَيْسَ بِإِبَاحَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْهِبَةِ فِيمَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا (وَ) أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ قَائِلُ ذَلِكَ (بَعْدَ قَبْضٍ) أَخَذَ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ صَادَفَ إذْنًا صَحِيحًا مِنْ مَالِكٍ، فَمَلَك مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمَالِ، وَامْتَنَعَ عَلَى الْمُعْطِي الرُّجُوعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَأْخُوذِ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ بَابَ الْإِبَاحَةِ أَوْسَعُ) مِنْ بَابِ الْهِبَةِ (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مِثْلَهُ) فِي الْحُكْمِ (مَنْ يَتَصَدَّقْ) عَلَى شَخْصٍ فَأَكْثَرَ (جُزَافًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ وَلَا كَيْلٍ وَلَا عَدٍّ كَالصُّبْرَةِ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا قَابِضُهَا، وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ بِهَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْأَخْذِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَجْهُولٍ لَهُمَا) أَيْ: الْوَاهِبِ وَالْمُتَّهِبِ (لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) نَصًّا كَنَحْلٍ فِي كُوَّارَةٍ، وَحَمْلٍ فِي بَطْنٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ؛ فَلَا تَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْبَيْعِ (بِخِلَافِ أَعْيَانٍ اشْتَبَهَتْ) كَزَيْتٍ اخْتَلَطَتْ بِزَيْتٍ وَنَحْوِهِ أَوْ بِشَيْرَجٍ (وَتَعَذَّرَ فِيهِ تَمْيِيزُهَا) فَتَصِحُّ هِبَتُهَا (كَمَا مَرَّ فِي الصُّلْحِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ
(فَمَنْ وَهَبَ) أَرْضًا (أَوْ تَصَدَّقَ) بِأَرْضٍ (أَوْ وَقَفَ) أَرْضًا (أَوْ
وَصَّى بِأَرْضٍ) يَعْنِي بِجُزْءٍ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهَا؛ احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا كُلَّهَا) مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ إنْ كَانَتْ مَفْرُوزَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُشَاعَةً يَقُولُ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا؛ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ بَيْتٌ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ، فَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ حِصَّةً مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا كَانَ سَهْمٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَهْمٌ؛ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ قَالَ: ثُلُثُهَا أَوْ نَحْوُهُ؛ صَحَّ.
(وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالرَّهْنُ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَسُئِلَ عَمَّنْ يَهَبُ رُبْعَ دَارِهِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ (وَقَالَ: إذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى بِأَرْضٍ مُشَاعَةٍ احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا كُلَّهَا، وَكَذَا الْبَيْعُ وَالصَّدَقَةُ هُوَ عِنْدِي وَاحِدٌ) وَأَيْضًا قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ مِنْك نَصِيبِي مِنْ الدَّارِ قَالَ: إنْ كَانَ يَعْلَمُ كَمْ نُصِيبُهُ؛ فَهُوَ جَائِزٌ.
(وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَا فِي ذِمَّةِ مَدِينٍ لِغَيْرِهِ إلَّا لِضَامِنِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ هِبَةُ (مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ، أَوْ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ كَبَيْعِهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ وَهَبْتُك كَذَا، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْحُلَّةِ الْمُهْدَاةِ إلَى النَّجَاشِيِّ: إنْ رَجَعَتْ إلَيْنَا فَهِيَ لَك» .
قَالَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَعْنَى الْعِدَّةِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي وَالْحَالُ؛ فَلَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ؛ كَإِنْ كَانَتْ مِلْكِي وَنَحْوِهِ فَقَدْ وَهَبْتُكهَا (بِغَيْرِ مَوْتِ) الْوَاهِبِ؛ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِهِ، وَتَكُونُ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِيهَا) أَيْ: الْهِبَةَ (كَأَنْ) يَشْتَرِطُ الْوَاهِبُ عَلَى الْمُتَّهِبِ أَنْ (لَا يَبِيعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ (أَوْ لَا يَهَبَهَا أَوْ لَا يَأْكُلَهَا وَنَحْوَهُ)
كَلَا يَلْبِسُ الثَّوْبَ الْمَوْهُوبَ؛ فَلَا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ إذْ مُقْتَضَى الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ، فَالْحَجْرُ فِيهِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ: الْهِبَةُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْسَرَ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ (مُؤَقَّتَةً) كَوَهَبْتُك شَهْرًا أَوْ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِانْتِهَاءِ الْهِبَةِ؛ فَلَا تَصِحُّ مَعَهُ كَالْبَيِّعِ (إلَّا فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) فَيَصِحَّانِ وَهُمَا (نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ) يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَّاتِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، وَيَصِحُّ تَوَقِّيَتُهُمَا، سُمِّيَتْ عُمْرَى؛ لِتَقَيُّدِهَا بِالْعُمْرِ، وَسُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: أَعْمَرْتُهُ وَعَمَّرْته مُشَدَّدًا إذَا جُعِلَتْ لَهُ الدَّارُ مُدَّةَ عُمْرِهِ أَوْ عُمْرِي، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ، فَأَبْطَلَ الشَّرْعُ ذَلِكَ (كَ) قَوْلِهِ: (أَعْمَرْتُكَ أَوْ أَرْقَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ) هَذِهِ (الْفَرَسَ أَوْ) هَذِهِ (الْأَمَةَ) .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَرْقَبْتُك أَعْطَيْتُك، وَهِيَ هِبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْمُرْقَبُ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ (وَنَصَّهُ) أَيْ: الْإِمَامُ (لَا يَطَأُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ الْجَارِيَةَ الْمُعْمِرَةَ.
نَقَلَ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ: مَنْ يُعَمِّرُ الْجَارِيَةَ هَلْ يَطَؤُهَا؟ قَالَ: لَا أَرَاهُ (وَحَمَلَ) الْقَاضِي النَّصَّ الْمَذْكُورَ (عَلَى الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةٌ.
فَرْعٌ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، فَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ وَطْأَهَا؛ لِهَذَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ؛ أَيْ: مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي بَعِيدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ.
(وَ) إنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا) أَيْ: الدَّارَ أَوْ الْفَرَسَ أَوْ الْجَارِيَةَ (لَك عُمْرَك أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (حَيَاتَكَ أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (عُمْرَى أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (رُقْبَى أَوْ) جَعَلْتهَا لَك (مَا بَقِيت) أَوْ مَا حَيِيت أَوْ مَا عِشْت (أَوْ أَعْطَيْتُكهَا عُمْرَك وَنَحْوَهُ) كَمَا بَقِيت أَوْ حَيَاتَكَ أَوْ عُمْرَى أَوْ رُقْبَى (فَتَصِحُّ) الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (لِمُعْطَى وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ إنْ كَانُوا، كَتَصْرِيحِهِ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْمِرُ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك (وَإِلَّا) يَكُنْ
لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَارِثٌ فَهِيَ (لِبَيْتِ الْمَالِ) نَصًّا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُخَلَّفَةِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا» .
وَفِي الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ: «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تَرْقُبُوا، فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا» .
وَعَقِبِهِ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا بِدَلِيلِ السِّيَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أُرِيدُ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهَا عَلَى فَاعِلِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادُهُ كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى عُمْرِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، بِأَنْ قَالَ: وَهَبْتُك الدَّارَ وَنَحْوَهَا عُمْرَ زَيْدٍ؛ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى.
(وَإِنْ شَرَطَ) وَاهِبٌ عَلَى مَوْهُوبٍ لَهُ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (فِي لَفْظِ إرْقَابٍ وَنَحْوِهِ) كَإِعْمَارٍ (لِغَيْرِهِ) عِنْدَ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ قَبْلَهُ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك هَذِهِ الدَّارَ، وَهِيَ لَك عُمْرَك عَلَى أَنَّك إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَيَّ أَوْ إلَى فُلَانٍ، وَإِنْ مِتَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَك اسْتَقَرَّتْ عَلَيْك؛ فَهِيَ الرُّقْبَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ) شَرَطَ وَاهِبٌ [رُجُوعَهَا (لَهُ) بِنَفْسِهِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: فُلَانٍ (أَوْ) عِنْدَ (مَوْتِ مُتَّهِبٍ قَبْلَهُ) ] ؛ أَيْ: قَبْلَ وَاهِبٍ (أَوْ شَرَطَ) وَاهِبٌ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَاهِبِ (أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ) شَرَطَ وَاهِبٌ رُجُوعَهَا إلَى (آخَرِهِمَا مَوْتًا؛ لُغِيَ الشَّرْطُ، وَصَحَّتْ) الْهِبَةُ (لِمُعْمَرٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ (وَ) بَعْدَهُ (لِوَرَثَتِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ: كَالْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ صُوَرِ الْعُمْرَى، وَلَا تُرْجَعُ الْعَيْنُ إلَى وَاهِبٍ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَرْقُبُوا وَلَا تُعْمِرُوا؛ فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا، أَوْ أَعْمَرَهُ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ بِلَا إشْكَالٍ.
وَأَخْرَجُهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ
نَحْوَهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
؛ فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ مَعَ بُطْلَانِ شَرْطِ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ كَشَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ.
وَلَوْ جَعَلَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا دَارِهِ لِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَهُ عَادَتْ إلَيْهِ فَرُقْبَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
[فَائِدَةٌ قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي قِنٍّ لِلْقِنِّ الْمُشْتَرَكِ أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى آخَرِنَا مَوْتًا]
فَائِدَةٌ: وَإِنْ قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي قِنٍّ لِلْقِنِّ الْمُشْتَرَكِ: أَنْتِ حَبِيسٌ عَلَى آخَرِنَا مَوْتًا، لَمْ يُعْتَقْ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ فِي يَدِ الْآخَرِ عَارِيَّةً، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " انْتَهَى.
(وَ) لَا يَصِحُّ إعْمَارُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا إرْقَابُهَا، فَلَوْ قَالَ رَبُّ بَيْتٍ لِآخَرَ (مَنَحْتُكَهُ عُمْرَك) فَعَارِيَّةٌ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": مَنَحَهُ النَّاقَةَ جَعَلَ لَهُ وَبَرَهَا وَلَبَنَهَا وَوَلَدَهَا، وَهِيَ الْمِنْحَةُ وَالْمَنِيحَةُ، أَوْ قَالَ مَنَحْتُك (غَلَّتَهُ) أَيْ: الْبَيْتِ لَك عُمْرَك (أَوْ) قَالَ رَبُّ بَيْتٍ أَوْ بُسْتَانٍ: مَنَحْتُك (سُكْنَاهُ) أَيْ: الْبَيْتِ أَوْ الْبُسْتَانِ عُمْرَك فَعَارِيَّةٌ (أَوْ) قَالَ رَبُّ عَبْدٍ: مَنَحْتُك (خِدْمَتَهُ لَك) عُمْرَك (فَعَارِيَّةٌ وَإِبَاحَةٌ تَلْزَمُ فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ مِنْ غَلَّةٍ قَبْلَ رُجُوعِ) الْمَانِحِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَانِحِ الرُّجُوعَ فِي مِنْحَتِهِ مَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ الْمَمْنُوحِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَيَصِحُّ إعْمَارُ مَنْقُولٍ وَإِرْقَابُهُ مِنْ حَيَوَانٍ كَعَبْدٍ وَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهِمَا كَبَعِيرٍ وَشَاةٍ وَغَيْرِ حَيَوَانٍ كَثَوْبٍ وَكِتَابٍ؛ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» .
[تَنْبِيهٌ بَيَانُ شُرُوطِ الْهِبَةِ]
(تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ عَدُّ شُرُوطِ هِبَةٍ أَحَدَ عَشَرَ: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ تَصَرُّفٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ (مُخْتَارٍ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ (جَادٍّ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ هَازِلٍ (بِمَالٍ) مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ (يَصِحُّ بَيْعُهُ) فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ (بِلَا عِوَضٍ) فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ (لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ) وَهُوَ الْحُرُّ (مَعَ قَبُولِهِ) إنْ كَانَ رَشِيدًا (أَوْ) قَبُولِ (وَلِيِّهِ) إنْ
كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْقَبُولِ (قَبْلَ تَشَاغُلٍ بِقَاطِعٍ) عُرْفًا (مَعَ تَنْجِيزٍ) لِهِبَةٍ فِي الْحَالِ (أَوْ) مَعَ (عَدَمِ تَوْقِيتٍ) إلَّا فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى، وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ وَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِيهَا]
(فَصْلٌ) : فِي حُكْمِ عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ وَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَيَجِبُ عَلَى وَاهِبٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (تَعْدِيلٌ بَيْنَ مَنْ يَرِثُ) مِنْ الْوَاهِبِ (بِقَرَابَةٍ لَا زَوْجِيَّةٍ) وَوَلَاءٍ، فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ (مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ) كَأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ وَابْنِهِ وَعَمٍّ وَابْنِهِ فِي عَطِيَّتِهِمْ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَتْ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ: أَعْطِ ابْنِي غُلَامَكَ، وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، قَالَ: أَلَهُ إخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كُلُّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إلَّا عَلَى حَقٍّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَقَالَ فِيهِ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ، إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْك مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» . وَفِي لَفْظِ لِمُسْلِمٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» .
وَلِلْبُخَارِيِّ مِثْلُهُ، لَكِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ، فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّى تَخْصِيصَ أَحَدِهِمْ دُونَ الْبَاقِينَ جَوْرًا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ لِلْوُجُوبِ، وَقِيسَ عَلَى الْأَوْلَادِ بَاقِي الْأَقَارِبِ بِجَامِعِ الْقَرَابَةِ، وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّوْجَاتُ وَالْمَوَالِي؛ فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ فِي الْهِبَةِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ التَّعْدِيلِ (فِي هِبَةِ) شَيْءٍ (غَيْرِ تَافِهٍ) لِأَنَّهُ يَتَسَامَحُ بِهِ، فَلَا يَحْصُلُ التَّأَثُّرُ وَالتَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ (بِكَوْنِهَا) أَيْ: الْعَطِيَّةِ لِلْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَنَحْوِهِمْ (بِقَدْرِ إرْثِهِمْ) مِنْهُ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] اقْتِدَاءً بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيَاسًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ عَلَى حَالَةِ الْمَوْتِ.
قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَائِدَةٌ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ فِيمَنْ لَهُ أَوْلَادُ زَوْجِ بَعْضِ بَنَاتِهِ فَجَهَّزَهَا وَأَعْطَاهَا، قَالَ: يُعْطِي جَمِيعَ وَلَدِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهَا.
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ يُزَوِّجُ الْكَبِيرَ، وَيُنْفِقُ
عَلَيْهِ، وَيُعْطِيه، قَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ كُلَّهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ، أَوْ يَمْنَحُهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَى ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبَهَا الْحَارِثِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (إلَّا فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ فَتَجِبُ الْكِفَايَةُ) دُونَ التَّعْدِيلِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرٌ وَوَقْفٌ (وَحَلَّ) لِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَغَيْرِهِمَا (تَفْضِيلٌ) لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ (بِإِذْنٍ بَاقٍ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْعَدَاوَةَ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الْإِذْنِ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْعَطِيَّةِ، أَوْ فَضَّلَهُ بِالْإِعْطَاءِ بِلَا إذْنِ الْبَاقِي (أَثِمَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَرَجَعَ) الْأَبُ وُجُوبًا دُونَ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا فِيمَا خُصَّ بِهِ أَوْ فَضَّلَ (إنْ جَازَ) أَيْ: إنْ أَمْكَنَ رُجُوعُهُ بِهِ بِأَنْ كَانَ بَاقِيًا، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ، أَوْ (أَعْطَى حَتَّى يَسْتَوُوا) بِمَنْ خَصَّهُ نَصًّا (فَلَوْ زَوَّجَ أَحَدَ ابْنَيْهِ) فِي صِحَّتِهِ (بِصَدَاقٍ) أَدَّاهُ الْأَبُ (مِنْ عِنْدِهِ) ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (وَجَبَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (إعْطَاءُ) ابْنِهِ (الْآخَرِ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ مَا أَعْطَى الْأَوَّلَ لِيَسْتَوِيَ بِمَنْ خَصَّهُ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ (وَلَوْ بِمَرَضِ مَوْتِهِ) لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الْآخَرِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ هُنَاكَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْ الصَّدَاقَ بِالْعَقْدِ (وَلَا يُحْسَبُ) مَا يُعْطِيه الْأَبُ لِابْنِهِ الثَّانِي (مِنْ الثُّلُثِ) مَعَ أَنَّهُ عَطِيَّةٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِلْوَاجِبِ؛ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) وَيَجُوزُ لِلْأَبِ تَمَلُّكُ مَا يُعْطِيه لِلتَّسْوِيَةِ بِلَا حِيلَةٍ، قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ؛ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " (فَإِنْ مَاتَ) مُعْطٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: التَّعْدِيلِ (وَلَيْسَتْ) الْعَطِيَّةُ (بِمَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ (ثَبَتَتْ الْعَطِيَّةُ لِآخِذٍ) فَلَا يَمْلِكُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الرُّجُوعَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ، وَتَقَدَّمَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْآخِذُ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِذِي رَحِمٍ؛ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
(وَتُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَفْضِيلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً) وَلَوْ كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَصِّصِ وَالْمُفَضِّلِ (إنْ عَلِمَ) الشَّاهِدُ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّفْضِيلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لِبَشِيرٍ «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» ، وَهُوَ أَمْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَكَيْفَ تُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَهْدِيدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمَعْنَى بَشِيرٌ لَبَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْعَطِيَّةَ (وَكَذَا) فِي حُكْمِ تَحْرِيمِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ (كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ عِنْدَهُ) أَيْ: الشَّاهِدِ، فَتُحَرَّمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْعٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ وَلَا مَوْصُوفٍ؛ لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ جَوَازِهِ قِيَاسًا عَلَى التَّخْصِيصِ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ مَنْ يَرَاهُ
(وَلَا يَجِبُ عَلَى مُسْلِمٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ [مِنْ أَهْلِ] الذِّمَّةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: وَلَا فَرْقَ فِي امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ ذَا حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ عِيَالٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ لَا، وَلَا كَوْنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ مُبَذِّرًا، أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى فِي الرَّجُلِ لَهُ الْوَلَدُ الْبَارُّ الصَّالِحُ وَآخَرُ غَيْرُ بَارٍّ؛ لَا يُنِيلُ الْبَارَّ دُونَ الْآخَرِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَالنَّاظِمِ (جَوَازَ تَفْضِيلٍ) لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ (لِمَعْنَى حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ أَوْ اشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ) وَنَحْوِهِ كَصَلَاحٍ (وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ) أَيْ: مَنَعَ الْأَبُ بَعْضَ وَلَدِهِ (لِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ كَوْنِهِ يَعْصِي اللَّهَ بِمَا يَأْخُذُهُ) اسْتِدْلَالًا بِتَخْصِيصِ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَيْسَ إلَّا لِامْتِيَازِهَا بِالْفَضْلِ، وَلَنَا عُمُومُ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ، وَفِعْلُ الصِّدِّيقِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَحَلَ مَعَهَا غَيْرَهَا، أَوْ أَنَّهُ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا،
فَأَدْرَكَ الْمَرَضَ وَنَحْوَهُ
(وَتُبَاحُ) لِمَنْ لَهُ وَرَثَةٌ (قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ) نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ لَيْسَ فِيهَا جَوْرٌ، فَجَازَتْ فِي جَمِيعِ مَالِهِ كَبَعْضِهِ (وَيُعْطَى) وَارِثٌ (حَادِثٌ) بَعْدَ الْقِسْمَةِ (حِصَّتُهُ) مِمَّا قُسِمَ (وُجُوبًا) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ، وَإِنْ حَدَثَ الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ اُسْتُحِبَّ لِلْمُعْطِي أَنْ يُسَاوِيَ الْمَوْلُودَ الْحَادِثَ بَعْدَ مُوَرَّثِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ، وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا سَبَقَ فِي الْوَقْفِ مِنْ قَوْلِهِ: دَخَلَ الْمَوْجُودُونَ فَقَطْ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الْعَطِيَّةِ وَاجِبَةٌ، وَفِي الْوَقْفِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَتَأَتَّى الرُّجُوعُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ
(وَسُنَّ لِوَاقِفٍ) شَيْئًا (عَلَى وَرَثَتِهِ) أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ (بِأَنْ لَا يُفَضِّلَ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى) مِنْ أَوْلَادٍ وَإِخْوَةٍ وَنَحْوِهِمْ (إلَّا لِحَاجَةِ عَائِلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزَمَانَةٍ وَعَمًى وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ (قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ فَضَّلَ.
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي عَلَى وَجْهِ الْأَثَرَةِ إلَّا لِعِيَالٍ بِقَدْرِهِمْ)
وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْفِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَيَصِحُّ) مِنْ مَرِيضٍ مَرَضِ الْمَوْتِ (وَقْفُ ثُلُثِهِ) فَأَقَلَّ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (عَلَى بَعْضِهِمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَيْمُونِيُّ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ تَذْهَبُ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَالْوَقْفُ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ؛ أَيْ: مِلْكًا مُطْلَقًا، وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِحَدِيثِ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ وَالسَّهْمَ الَّذِي بِخَيْبَرَ وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ وَالْمِائَةَ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلِيه حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيه ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى تُنْفِقُهُ حَيْثُ تَرَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ يُوَلِّيه إنْ أَكَلَ وَاشْتَرَى رَقِيقًا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا
وَيَجْرِي الْوَقْفُ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ لَا فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
.
فَلَوْ وَقَفَ دَارًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا عَلَى ابْنِهِ وَبِنْتِهِ بِالسَّوِيَّةِ
فَرَدَّا؛ فَثُلُثُهَا وَقْفٌ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَثُلُثَاهَا مِيرَاثٌ، وَإِنْ رَدَّ الِابْنُ وَحْدَهُ؛ فَلَهُ ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا، وَإِنْ رَدَّتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا، فَلَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا، وَلِلِابْنِ نِصْفُهُمَا وَقْفًا، وَسُدُسُهُمَا إرْثًا، لِرَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لِرَدِّ التَّسْوِيَةِ فَقَطْ دُونَ أَصْلِ الْوَقْفِ كَمَا لَوْ قَالَ: رَدَدْت تَسْوِيَةَ وَالِدِي بَيْنِي وَبَيْنَ أُخْتِي فِي الْوَقْفِ؛ فَإِنَّهُ يُبْطَلُ الْوَقْفُ فِي سُدُسِ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ نِصْفُ الْبِنْتِ الَّذِي بِهِ حَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ، وَيَبْقَى لَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ وَقْفًا عَلَيْهَا، وَالسُّدُسُ الَّذِي يُبْطَلُ الْوَقْفُ فِيهِ يَكُونُ إرْثًا لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ مِنْ وَقْفٍ غَيْرِ النِّصْفِ، فَلَا نَحْكُمُ بِوَقْفِيَّةِ هَذَا السُّدُسِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضَى، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ مَا إذَا أَرَادَتْ الْبِنْتُ وَحْدَهَا وَهُوَ أَنَّ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ لِلِابْنِ وَقْفًا، وَسُدُسَهُمَا لَهُ إرْثًا فِي الصُّورَتَيْنِ، فَهَذَا هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا.
وَ (لَا) يَنْفُذُ وَقْفُ مَرِيضٍ (بِ) جُزْءٍ (زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ: ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ (وَلَوْ) كَانَ وَقْفُهُ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَنْفُذُ وَقْفُ الْمَرِيضِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (بِلَا إجَازَةٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصْلٌ رُجُوعُ الواهب فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضِ مُعْتَبَرٍ]
(فَصْلٌ: وَحُرِّمَ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ وَاهِبٍ) فِي هِبَتِهِ (بَعْدَ قَبْضِ مُعْتَبَرٍ) بِأَنْ يَكُونَ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ أَوْ وَكِيلِهِ؛ لِلُزُومِهَا بِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْهِبَةُ (صَدَقَةً وَهَدِيَّةً وَنِحْلَةً، أَوْ نُقُوطًا وَحُمُولَةً فِي نَحْوِ عُرْسٍ) كَخِتَانٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا، وَسَوَاءٌ عُوِّضَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوَّضْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ وَتَقَدَّمَ (إلَّا مَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا) شَيْئًا (بِمَسْأَلَتِهِ) إيَّاهَا لَهُ (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ إذَا وَهَبَتْ لَهُ مَهْرَهَا، فَإِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ رَدَّهُ إلَيْهَا رَضِيَتْ أَوْ
كَرِهَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إضْرَارٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهَا وَتَبَرَّعَتْ بِهِ؛ فَهُوَ جَائِزٌ انْتَهَى.
لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهَا نَفْسًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] وَغَيْرُ الصَّدَاقِ كَالصَّدَاقِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا (لَا) تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ (مُطْلَقًا بَلْ) تَرْجِعُ عَلَيْهِ (بِشُرُوطٍ) كَمَا لَوْ وَهَبَتْهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، فَلَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ لِوُجُودِ شَرْطٍ فَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ فِي الْمَذْهَبِ (وَ) إلَّا (الْأَبُ) الْأَقْرَبُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً وَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ وَهَبَ كَافِرٌ لِوَالِدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْوَلَدُ؛ فَلِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: لَيْسَ هِيَ عِنْدِي كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ وَبِوِلَايَتِهِ وَحِيَازَتِهِ جَمِيعِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْأَبِ (الْوَاحِدِ خَاصَّةً)
بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى وَلَدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ اثْنَانِ، وَوَهَبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا؛ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَاءِ ثُبُوتِ الدَّعْوَى، وَإِنْ ثَبَتَ اللِّحَاقُ بِأَحَدِهِمَا ثَبَتَ الرُّجُوعُ (وَلَوْ) كَانَ مَا قَبَضَهُ الْوَلَدُ (صَدَقَةً) إذْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْهِبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَنَصَرَاهُ (أَوْ تَعَلَّقَ بِمَا وَهَبَ) الْأَبُ لِوَلَدِهِ (حَقٌّ كَفَلَسٍ) أَيْ: كَأَنْ يُفْلِسَ الْوَلَدُ وَالْمَالُ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَجْرَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ كَالرَّهْنِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْمُرْتَهِنِ بِالْعَيْنِ، وَفِي الرُّجُوعِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ عِنْدَ عَدَمِ الرُّجُوعِ فِيهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ بِلَا خِلَافٍ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى فَلَسٍ لَا حَجْرَ مَعَهُ لِيُوَافِقَ مَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ (أَوْ) تَعَلَّقَ بِالْمَوْهُوبِ (رَغْبَةٌ كَتَزْوِيجٍ) أَيْ: بِأَنْ يُزَوِّجُوا الْمَوْهُوبَ لَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا رَغْبَةً فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ، أَوْ يَتَزَوَّجُوهَا إنْ كَانَتْ أُنْثَى رَغْبَةً فِيمَا بِيَدِهَا مِنْ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَايَنُوا الْمَوْهُوبَ لَهُ أَوْ أَقْرَضُوهُ أَوْ بَاعُوهُ أَوْ أَجَرُوهُ وَنَحْوُهُ؛ لِوُجُودِ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ أَبُوهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (إلَّا إذَا وَهَبَهُ) أَيْ: وَهَبَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ (سُرِّيَّةً لِإِعْفَافِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا (وَلَوْ اسْتَغْنَى) عَنْهَا الْوَلَدُ بِتَزَوُّجِهِ أَوْ شِرَائِهِ غَيْرَهَا وَنَحْوِهِ (أَوْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَةِ (أَوْ) إلَّا (إذَا أَسْقَطَ) الْأَبُ (حَقَّهُ مِنْ رُجُوعٍ) فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، فَيَسْقُطُ خِلَافًا لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مُجَرَّدُ حَقِّهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ إثْمِهِ بِالْعَضْلِ، بِخِلَافِ الرُّجُوعِ (وَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعُ (نَقْصَ) عَيْنٍ مَوْهُوبَةٍ بِيَدِ وَلَدٍ سَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ ذَاتُهَا بِتَآكُلِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا أَوْ جَنَى عَلَيْهَا، أَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ، فَتَعَلَّقَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَعَلَى الْأَبِ فِي هَذِهِ إنْ
رَجَعَ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ لِلْأَبِ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمَتَى رَجَعَ فِي رَقِيقٍ أَوْ بَهِيمَةٍ - وَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا - فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لِلِابْنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (فَيَرْجِعُ) الْأَبُ (فِي) مَوْهُوبٍ (مُتَعَيِّبٍ) وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ (وَ) فِي (بَاقٍ مِنْ تَالِفٍ) فِي عَبْدٍ (وَآبِقٍ) لِبَقَاءِ الْمِلْكِ (وَجَانٍ) كَمَا ذَكَرْنَا (وَلَا) يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ كَثَمَرٍ جُذَّ) أَيْ: جَذَّهُ الْوَلَدُ وَكَوَلَدِ الْبَهِيمَةِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ (لَا) إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَثَمَرٍ (قَبْلَ) جَذِّهِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْهُوبُ (نَخْلًا أُبِّرَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَّصِلًا مَا لَمْ يُجَذُّ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا، فَحَمَلَتْ فَقَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَبَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ (وَهِيَ) أَيْ: الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لِ (لْوَلَدِ) لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تُتَّبَعُ فِي الْفُسُوخِ فَكَذَا هُنَا (إلَّا إذَا حَمَلَتْ الْأَمَةُ) الْمَوْهُوبَةُ لِلْوَلَدِ (وَوَلَدَتْ) عِنْدَهُ (فَيُمْنَعُ) الرُّجُوعُ (فِي الْأُمِّ) الْمَوْهُوبَةِ؛ لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا (وَتَمْنَعُهُ) أَيْ: الرُّجُوعَ زِيَادَةٌ (مُتَّصِلَةٌ تَزِيدُ فِي الْقِيمَةِ) أَيْ: قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ (كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَحَمْلٍ) بِأَنْ وَهَبَ الْأَبُ وَلَدَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ؛ فَالْوَلَدُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِاعْتِبَارِ الْكِبَرِ، وَإِنْ وَهَبَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ فِيهَا حَامِلًا، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا بِالْحَمْلِ؛ فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ) أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ فِي الْأَصْلِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ؛ فَمَنْعُهُ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ