بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَرْمِي وُجُوبًا (كُفَّارًا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ، وَيَجِبُ) رَمْيُهُمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِهِ (حَيْثُ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَرْمِهِمْ، فَيَقْصِدُهُمْ) ؛ أَيْ: الْكُفَّارَ بِالرَّمْيِ (دُونَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ (فَيَقْتُلُهُ) بِلَا قَصْدٍ (فَفِيهِ) ؛ أَيْ: هَذَا النَّوْعِ (الْكَفَّارَةُ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً، وَتَرَكَ ذِكْرَهَا فِي هَذَا النَّوْعِ مَعَ ذِكْرِهَا فِيمَا قَبْلَهُ، وَبَعْدَهُ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ، كَالْأَسِيرِ، وَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ (وَقَفَ بِصَفِّهِمْ اخْتِيَارًا) مِنْهُ، فَقُتِلَ (فَهَدَرٌ) لَا يُضْمَنُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ بِلَا عُذْرٍ.
أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
(الضَّرْبُ الثَّانِي) : مِنْ ضَرْبَيْ الْخَطَإِ: خَطَأٌ [فِي الْفِعْلِ] (وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا، فَيُصِيبَ آدَمِيًّا) مَعْصُومًا اعْتَرَضَهُ (لَمْ يَقْصِدْهُ، أَوْ يَنْقَلِبَ نَحْوَ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (عَلَى إنْسَانٍ، فَيَمُوتُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) فِي مَالِهِ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ) كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَطَإِ (لَكِنْ لَوْ كَانَ الرَّامِي ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ بَيْنَ رَمْيٍ وَإِصَابَةٍ؛ ضَمِنَ الْمَقْتُولَ فِي مَالِهِ) لِمُبَايَنَتِهِ دِينَ عَاقِلَتِهِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ضَيَاعُ دِيَةِ الْمَقْتُولِ، فَوَجَبَتْ هِيَ، وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْجَانِي.
(، وَمَنْ قُتِلَ بِسَبَبٍ كَحَفْرِ بِئْرٍ، وَنَصْبِ نَحْوِ سِكِّينٍ، وَحَجَرٍ تَعَدِّيًا، إنْ قَصَدَ جِنَايَةً فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَصْدِ كَالْعَمْدِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ خَطَأٌ (وَإِلَّا) يَقْصِدْ جِنَايَةً فَهُوَ (خَطَأٌ) لِعَدَمِ قَصْدِ الْجِنَايَةِ.
(، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّةِ مُحَرَّمٌ، وَجِنَايَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ (فَلَوْ قَتَلَتْ مُمْسِكَهَا مِنْ مُدَّعِي مَشْيَخَةٍ، فَقَاتِلٌ نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهَا مَا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) كَالْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، [ (وَ) أَمَّا إمْسَاكُ] الْحَيَّةِ (مَعَ ظَنِّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ؛ فَشِبْهُ عَمْدٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ حَتَّى بَشِمَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ مِنْ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ يَضِيعُ هَدَرًا، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَنَظِيرُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا، مِنْ الْمَشْيِ فِي الْهَوَاءِ عَلَى الْحِبَالِ، وَالْجَرْيِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَرْبَابُ الْبَطَالَةِ وَالشَّطَارَةِ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا إعَانَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ.
. (وَمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ قَوَدًا بِبَيِّنَةٍ) بِالْقَتْلِ لَا بِإِقْرَارِهِ (فَقَالَ شَخْصٌ: أَنَا الْقَاتِلُ لَا هَذَا؛ فَلَا قَوَدَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَعَلَى مُقِرٍّ الدِّيَةُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ رَجُلًا فِي خَرِبَةٍ، وَتَرَكَهُ وَهَرَبَ، وَكَانَ قَصَّابٌ قَدْ ذَبَحَ شَاةً، وَأَرَادَ ذَبْحَ الْأُخْرَى فَهَرَبَتْ مِنْهُ إلَى الْخَرِبَةِ، فَتَبِعَهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَتِيلِ، وَالسِّكِّينُ بِيَدِهِ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ، فَأُخِذَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَجِيءَ بِهِ إلَى عُمَرَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ فِي نَفْسِهِ: يَا وَيْلَهُ قَتَلْتُ نَفْسًا، وَيُقْتَلُ بِسَبَبِي آخَرُ، فَقَامَ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا، وَدَرَأَ عَنْهُ الْقِصَاصَ؛ وَلِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ الثَّانِي؛ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لَهَا (وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي بَعْدَ إقْرَارِ الْأَوَّلِ؛ قُتِلَ الْأَوَّلُ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَمُصَادَفَتِهِ الدَّعْوَى.
(وَ) فِي " الْمُغْنِي " (لَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ الثَّانِي، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ الْأُولَى) لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى، وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُمَا، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الثَّانِي بِالدِّيَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
انْتَهَى
[فَصْلٌ يُقْتَلُ الْعَدَدُ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ بِوَاحِدٍ قَتَلُوهُ]
فَصْلٌ (وَيُقْتَلُ الْعَدَدُ) ؛ أَيْ: مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ (بِوَاحِدٍ) قَتَلُوهُ (إنْ صَلَحَ فِعْلُ كُلٍّ) مِنْهُمْ (لِلْقَتْلِ بِهِ) لَوْ انْفَرَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قُتِلَ بِهِ انْفَكَّ عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْقِصَاصُ فِي الْجَمَاعَةِ
بِالْوَاحِدِ لَبَطَلَتْ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا
وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ؛ فَوَجَبَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَالدِّيَةِ، أَنَّ الدَّمَ لَا يَتَبَعَّضُ بِخِلَافِ الدِّيَةِ (وَإِلَّا) يَصْلُحْ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْقَتْلِ بِهِ (وَلَا تَوَاطُؤَ) ؛ أَيْ: تَوَافُقَ عَلَى قَتْلِهِ، بِأَنْ ضَرَبَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحَجَرٍ صَغِيرٍ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، (فَلَا) قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَا يُوجِبُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ؛ قُتِلُوا بِهِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنَازُعِ إلَى الْقَتْلِ بِهِ، وَتَفُوتُ حِكْمَةُ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ.
(وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِمْ (مَعَ عَفْوٍ) عَنْ قَوَدٍ (أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ) لِأَنَّ الْقَتِيلَ وَاحِدٌ؛ فَلَا يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلُوهُ خَطَأً.
(وَإِنْ جَرَحَ وَاحِدٌ) شَخْصًا (جُرْحًا وَ) جَرَحَهُ (آخَرُ مِائَةً) ، وَمَاتَ، أَوْ أَوْضَحَهُ أَحَدُهُمَا، وَشَجَّهُ آمَّةً، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَجَافَهُ الْآخَرُ (فَ) هُمَا (سَوَاءٌ فِي الْقَتْلِ) ؛ أَيْ: فِي الْقِصَاصِ (وَالدِّيَةِ) لِصَلَاحِيَةِ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْقَتْلِ لَوْ انْفَرَدَ، وَزَهُوقُ نَفْسِهِ حَصَلَ بِفِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالزَّهُوقُ لَا يَتَبَعَّضُ لِيُقْسَمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا التَّسَاوِيَ؛ لِإِفْضَاءِ سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرَكِينَ؛ إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
(وَإِنْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ) بِأَنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَدَهُ، وَآخَرُ رِجْلَهُ، وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ، فَمَاتَ؛ فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ، فَيَأْخُذَ مِنْهُمَا ثُلُثَيْهَا، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، (فَ) إنْ (بَرِئَ جُرْحُ أَحَدِهِمْ، وَمَاتَ) الْمَجْرُوحُ (مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ فَلِوَلِيٍّ قَوَدٌ مِمَّنْ بَرِئَ جُرْحُهُ بِمِثْلِهِ) ؛ أَيْ:
بِمِثْلِ جُرْحِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْرُكْهُ أَحَدٌ (وَقَتَلَ الْآخَرَيْنِ) ؛ لِانْفِرَادِهِمَا بِالْقَتْلِ (أَوْ) قَتَلَ (أَحَدَهُمَا، وَأَخَذَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ) ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرِئَ جُرْحُهُ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ، ثُمَّ يَفْعَلَ مَعَ الْآخَرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ: الْجَارِحَيْنِ (بُرْءَ جُرْحِهِ فَكَذَّبَهُ وَلِيٌّ) فِي دَعْوَاهُ أَنْ جُرْحَهُ بَرِئَ قَبْلَ مَوْتِ مَجْرُوحٍ؛ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَإِلَّا) يُكَذِّبْهُ الْوَلِيُّ بَلْ صَدَّقَهُ؛ ثَبَتَ حُكْمُ الْبُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَلِيِّ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَ (لَمْ يَمْلِكْ قَتْلَهُ [وَلَا] طَلَبَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ) ؛ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، (بَلْ) لِلْوَلِيِّ الطَّلَبُ (بِأَرْشِ الْجُرْحِ أَوْ الْقَوَدِ) بِأَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْجَارِحِ، وَلَا الْوَلِيِّ الْمُصَدِّقِ لَهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ فَلَهُ قَتْلُهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْجَارِحُ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْبُرْءَ.
(وَإِنْ شَهِدَ) لَهُ (شَرِيكَاهُ بِبُرْءِ جُرْحِهِ لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ شَهَادَتِهِمَا، فَيُؤَاخَذَانِ بِهِ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْهُمَا (إنْ صَدَّقَهُمَا وَلِيٌّ، وَإِلَّا) يُصَدِّقْهُمَا وَلِيٌّ (فَثُلُثَاهَا) ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِشَرِيكِهِمَا فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْفَعُ عَنْهُمَا ضَرَرًا، وَلَا تَجْلِبُ نَفْعًا، وَمَحَلُّ قَبُولِهَا إنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعَدَلَا، وَإِلَّا فَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِعَدَمِ سِرَايَةِ جُرْحِهِ، وَيَتَعَيَّنُ أَرْشُ الْجُرْحِ دُونَ الْقِصَاصِ مَعَ تَكْذِيبِ الْوَلِيِّ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ.
(وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ) يَدَهُ (مِنْ كُوعٍ ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ مِنْ مِرْفَقٍ) ، فَمَاتَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَرِئَ الْأَوَّلُ) قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي (فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي) لِأَنَّ جِنَايَةَ الْأَوَّلِ قَدْ انْقَطَعَتْ سِرَايَتُهَا بِالِانْدِمَالِ؛ فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ فِي الثَّانِي بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (وَإِلَّا) يَبْرَأْ الْأَوَّلُ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي (فَهُمَا) سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا قَطْعَانِ مَاتَ بَعْدَهُمَا؛ فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي يَدَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا انْدَمَلَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ أَلِمِهِ.
(وَإِنْ فَعَلَ وَاحِدٌ مَا) ؛ أَيْ: فِعْلًا (لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ) عَادَةً (كَقَطْعِ حَشْوَتِهِ) ؛ أَيْ: إبَانَةِ أَمْعَائِهِ (لَا خَرْقِهَا) فَقَطْ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ (أَوْ قَطْعِ مَرِيئَهُ) ؛ أَيْ: مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ (أَوْ) قَطْعِ (وَدَجَيْهِ) ؛ أَيْ: الْعِرْقَيْنِ فِي جَانِبِ الْعُنُقِ (ثُمَّ ذَبَحَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ) هُوَ (الْأَوَّلُ) ؛ لِفِعْلِهِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ شَيْئًا مِنْ الزَّمَانِ (وَيُضَرَّرُ الثَّانِي كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ) ؛ لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَتَهُ (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَفْعُولِ بِهِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (لَوْ كَانَ قِنًّا) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَصَحِيحٍ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ وَارِثُهُ، وَاعْتِبَارُ كَلَامِهِ فِي غَيْرِ تَبَرُّعٍ، عَايَنَ الْمِلْكَ أَوْ لَا.
(وَإِنْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ الثَّانِي بِمُحَدَّدٍ، فَقَدَّهُ) فَهُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَيْأَسُ فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ وَاحِدٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ (أَوْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ) أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ؛ أَوْ أُمَّ دِمَاغِهِ، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِي؛ فَهُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ الْأَوَّلَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ (أَوْ قَطَعَ) الْأَوَّلُ (طَرَفَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِي؛ فَهُوَ الْقَاتِلُ) لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ بِخِلَافِ الثَّانِي (وَعَلَى الْأَوَّلِ مُوجَبُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (جِرَاحَتِهِ) ؛ أَيْ: الْأَرْشِ الَّذِي تُوجِبُهُ جِرَاحَتُهُ عَلَى مَا يَأْتِي مُفَصَّلًا؛ لِتَعَدِّيهِ بِهَا.
(وَمِنْ رُمِيَ) بِضَمِّ الرَّاءِ (فِي لُجَّةٍ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ) أَوْ تِمْسَاحٌ، فَابْتَلَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ (فَالْقَوَدُ عَلَى رَامِيهِ) مَعَ كَثْرَةِ الْمَاءِ؛ لِإِبْقَائِهِ إيَّاهُ فِي مُهْلِكَةٍ هَلَكَ بِهَا بِلَا وَاسِطَةٍ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِالْغَرَقِ، أَوْ هَلَكَ بِوُقُوعِهِ عَلَى صَخْرَةٍ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الرَّامِي إنْ كَانَ الْمَرْمِيُّ (غَيْرَ سَابِحٍ) أَمَّا إذَا كَانَ مُتْقِنًا لِصَنْعَةِ السِّبَاحَةِ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِالْخُرُوجِ حَتَّى هَلَكَ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى رَامِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَانَ مُفَرِّطًا.
(أَوْ رَمَاهُ لِحَرْبِيٍّ لِقَتْلٍ) ؛ أَيْ: لِيَقْتُلَ الْحَرْبِيُّ ذَلِكَ الْمَرْمِيَّ (فَقَتَلَهُ) الْحَرْبِيُّ؛ فَالْقَوَدُ عَلَى رَامِيهِ دُونَ الْحَرْبِيِّ، إذْ الْحَرْبِيُّ مُهْدَرُ الدَّمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ لَوْ رَمَاهُ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ لِقَتْلٍ فَقَتَلَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى قَاتِلِهِ دُونَ رَامِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ هُنَا مُتَسَبِّبٌ، وَالْقَاتِلَ مُبَاشِرٌ،
وَيُحْبَسُ الرَّامِي حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّهُ حَبَسَ الْمَقْتُولَ بِرَمْيِهِ لَهُ إلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ إنْ عَلِمَ) رَامِيهِ (بِالْحُوتِ) أَوْ التِّمْسَاحِ (فَكَذَلِكَ) ؛ أَيْ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِمَا سَبَقَ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ الرَّامِي بِالْحُوتِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ؛ فَالدِّيَةُ (أَوْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بِفَضَاءٍ غَيْرِ مُسْبِعٍ، فَمَرَّتْ بِهِ دَابَّةٌ، فَقَتَلَتْهُ؛ [فَالدِّيَةُ] ) وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
(وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفًا عَلَى قَتْلِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) فَفَعَلَ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْقَوَدُ، (أَوْ) أَكْرَهَهُ (عَلَى أَنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ (فَفَعَلَ؛ فَعَلَى كُلٍّ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (الْقَوَدُ) أَمَّا الْآمِرُ فَلِتَسَبُّبِهِ إلَى الْقَتْلِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، كَمَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ أَسَدًا أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، وَأَمَّا الْقَاتِلُ؛ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْلُوبِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ اسْتِبْقَاءَ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ، وَلَوْ كَانَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَأْثَمْ كَالْمَجْنُونِ، (وَ) إنْ كَانَ الَّذِي أُكْرِهَ (عَلَى) قَتْلِهِ (غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَ) قَوْلِهِ: اُقْتُلْ (هَذَا أَوْ هَذَا؛ فَلَا إكْرَاهَ) فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ، (وَ) قَوْلُ قَادِرٍ عَلَى مَا هَدَّدَ بِهِ غَيْرَهُ (اُقْتُلْ نَفْسَك، وَإِلَّا قَتَلْتُك، إكْرَاهٌ) عَلَى الْقَتْلِ؛ فَيُقْتَلُ بِهِ إنْ قَتَلَ نَفْسَهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ.
(وَمَنْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ مُكَلَّفًا يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ كَمَنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَقَتَلَ؛ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ، [أَجْنَبِيًّا كَانَ الْمَأْمُورُ] أَوْ عَبْدًا لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ، لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحَظْرِ الْقَتْلِ؛ فَهُوَ مُعْتَقِدٌ إبَاحَتَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَهُ صَيْدًا فَرَمَاهُ فَقَتَلَ إنْسَانًا، وَلِأَنَّ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ الرَّدْعُ
وَالزَّجْرُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي مُعْتَقِدِ الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَجَبَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ آلَةٌ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ، كَمَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً فَقَتَلَتْهُ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا عَلِمَ حَظْرَ الْقَتْلِ؛ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ؛ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ الْآمِرِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ.
(أَوْ) أَمَرَ بِالْقَتْلِ (صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) فَقَتَلَ؛ لَزِمَ الْقِصَاصُ الْآمِرَ لِمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ أَمَرَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ [ (سُلْطَانٌ ظُلْمًا مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ] (لَزِمَ الْآمِرَ فَقَطْ الْقَوَدُ) دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ مَعْذُورٌ؛ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْحَقِّ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ فِي الْقَتْلِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا يُطَاعُ حَتَّى يَعْلَمَ جَوَازَ قَتْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لَهُ مَعْصِيَةً، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ، فَهَذَا الْجَهْلُ بِعَدَمِ الْحِلِّ كَالْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ (وَإِنْ عَلِمَ) الْمَأْمُورُ (الْمُكَلَّفُ تَحْرِيمَهُ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (لَزِمَهُ) الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ؛ لِحَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ، وَحَدِيثِ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوُلَاةِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ» ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ السُّلْطَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
(وَ) حَيْثُ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَأْمُورِ (أُدِّبَ آمِرُهُ) بِمَا يَرْدَعُهُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ؛ لِيَنْكَفَّ عَنْ الْعَوْدِ لَهُ.
(وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَرَى الْقَتْلَ دُونَ مَأْمُورٍ، كَمُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا، وَحُرٍّ) قَتَلَ (عَبْدًا) فَقَتَلَهُ، (فَ) قَالَ الْقَاضِي: (الضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْقَاتِلُ (عَامِّيًّا) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ، وَالْمُقَلِّدِ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ الْإِمَامِ فِيمَا رَآهُ (وَعَكْسُهُ)
بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَالْقَاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ؛ (فَ) الضَّمَانُ (عَلَى الْآمِرِ) كَمَا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ.
(وَمَنْ دَفَعَ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَصَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ (آلَةَ قَتْلٍ) كَسَيْفٍ، وَسِكِّينٍ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ) الدَّافِعُ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْقَتْلِ (فَقَتَلَ) بِالْآلَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الدَّافِعَ) لِلْآلَةِ (شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ، قُتِلَ الْآمِرُ، وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ وَقَعَ هُوَ) ؛ أَيْ: غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَاحِ (فَعَلَى عَاقِلَةِ دَافِعِ) ذَلِكَ (الدِّيَةُ) كَالْخَطَإِ (كَذَا قِيلَ) ؛ أَيْ: قَالَ شَارِحُ " الْمُنْتَهَى " فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ.
وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ إتْلَافَ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ لِمَا أُودِعُوهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ سَلَّطَهُمْ عَلَى مَالِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ سِكِّينًا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَمَاتَ؛ كَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الدَّافِعِ انْتَهَى.
، وَكَأَنَّهُ قَاسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ: فِيمَنْ أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا؛ فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ أَرْكَبَهُمَا، وبِهَذَا الْوَجْهِ جَزَمَ فِي " التَّرْغِيبِ "، وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ دِيَتَهُمَا فِي مَالِ مَنْ أَرْكَبَهُمَا؛ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ تَصَادُمَهُمَا إثْرَ رُكُوبِهِمَا، وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَوَجَبَ إضَافَةُ الْقَتْلِ إلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا.
(وَمَنْ أَمَرَ قِنَّ غَيْرِهِ بِقَتْلِ قِنٍّ نَفْسِهِ) فَفَعَلَ (أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى قَتْلِ قِنٍّ نَفْسِهِ، فَفَعَلَ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْآمِرَ فِي نَظِيرِ قِنِّهِ مِنْ قِصَاصٍ، وَلَا قِيمَةٍ؛ لِإِذْنِهِ فِي إتْلَافِ مَالِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ
(وَ) مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: (اُقْتُلْنِي) فَفَعَلَ فَهَدَرٌ، (أَوْ) قَالَ لَهُ: (اجْرَحْنِي.، وَيَتَّجِهُ لَا) . إنْ كَانَ قَوْلُهُ لَهُ: اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي (هُزُؤًا، أَوْ) كَانَ قَوْلُهُ لَهُ ذَلِكَ؛ (مَزْحًا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَفَعَلَ فَهَدَرٌ) نَصًّا؛ لِإِذْنِهِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا،
كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَتَاعِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ (وَيَأْثَمُ) مَقُولٌ لَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ، وَ (كَ) ذَا لَوْ قَالَ لَهُ: (اُقْتُلْنِي) أَوْ اجْرَحْنِي (وإلَّا قَتَلْتُك) فَفَعَلَ؛ فَهَدَرٌ (وَلَا إثْمَ هُنَا) ؛ أَيْ: فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ أَذَنَهُ فِي إتْلَافِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَهُ فِي إتْلَافِ مَالِهِ.
(وَلَوْ قَالَهُ) ؛ أَيْ: اُقْتُلْنِي أَوْ اجْرَحْنِي، وَإِلَّا قَتَلْتُك (قِنٌّ) فَفَعَلَ الْمَقُولُ لَهُ (ضَمِنَ) ؛ أَيْ: ضَمِنَهُ الْقَاتِلُ (لِسَيِّدِهِ بِقِيمَتِهِ) أَوْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَ الْقِنِّ فِي إتْلَافِ نَفْسِهِ لَا يَسْرِي عَلَى سَيِّدِهِ.
[فَصْلٌ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ]
فَصْلٌ (وَمَنْ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ، لَا لِلَعِبٍ، وَنَحْوِهِ) كَضَرْبٍ (فَقَتَلَهُ، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ، فَمَاتَ، أَوْ فَتَحَ فَمَهُ حَتَّى سَقَاهُ) الْآخَرُ (سُمًّا) فَمَاتَ (قُتِلَ قَاتِلٌ) قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَحُبِسَ مُمْسِكٌ حَتَّى يَمُوتَ) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَالْوَجِيزُ وَالْمُنَوِّرُ "، وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ "، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَاتِهِمْ وَالشِّيرَازِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، (وَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ (يُطْعَمُ وَيُسْقَى) خِلَافًا " لِلْمُبْدِعِ "، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ؛ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» . وَلِأَنَّهُ حَبَسَ إلَى الْمَوْتِ فَيُحْبَسُ الْآخَرُ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ الْمُمْسِكُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (يَقْتُلُهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِفِعْلِهِ، وَلَا بِأَثَرِ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْجَارِحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ جُرْحِهِ الْمَقْصُودِ لَهُ.
(وَمَنْ قَطَعَ طَرَفَ هَارِبٍ مِنْ الْقَتْلِ ظُلْمًا، فَحُبِسَ حَتَّى أَدْرَكَهُ قَاتِلُهُ)
فَقَتَلَهُ (أُقِيدَ مِنْهُ) فِي طَرَفِهِ، سَوَاءٌ حَبَسَهُ لِيَقْتُلَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا (وَهُوَ) ؛ أَيْ: قَاطِعُ الطَّرَفِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ (فِي النَّفْسِ كَمُمْسِكٍ) إنْسَانًا لِآخَرَ حَتَّى قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَبَسَهُ لِلْقَتْلِ صَارَ كَأَنَّهُ أَمْسَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حَبْسَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ فَقَطْ، كَمَنْ أَمْسَكَ إنْسَانًا لِآخَرَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ قَصْدَ الْإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ ولَمْ تَعْتَبِرُوا إرَادَةَ الْقَتْلِ فِي الْجَارِحِ؟ قُلْنَا: إذَا مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ فَقَدْ مَاتَ مِنْ سِرَايَتِهِ، وَأَثَرِهِ؛ فَيُعْتَبَرُ قَصْدُ الْجُرْحِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الْأَثَرِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنَّمَا كَانَ مَوْتُهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ السِّرَايَةِ، وَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ، فَاعْتُبِرَ قَصْدُهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ
(وَلَوْ قَتَلَ الْوَلِيُّ الْمُمْسِكَ فَقَالَ الْقَاضِي) : يَجِبُ (عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي قَتْلِهِ (وَخَالَفَهُ الْمَجْدُ) لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي قَتْلِهِ، وَهِيَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ (وَهُوَ حَسَنٌ) ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ "، وَادَّعَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا.
(وَإِنْ اشْتَرَكَ عَدَدٌ فِي قَتْلٍ لَا يُقَادُ بِهِ الْبَعْضُ) الْمُشَارِكُ (لَوْ انْفَرَدَ) بِالْقَتْلِ (كَحُرٍّ، وَقِنٍّ) اشْتَرَكَا (فِي قَتْلِ قِنٍّ، وَكَمُسْلِمٍ، وَكَافِرٍ) اشْتَرَكَا (فِي قَتْلِ كَافِرٍ، وَكَأَبٍ) ، وَأَجْنَبِيٍّ فِي قَتْلِ وَلَدِهِ، (أَوْ، وَلِيٍّ مُقْتَصٍّ، وَأَجْنَبِيٍّ) لَا حَقَّ لَهُ فِي الْقِصَاصِ فِي قَتْلِ مَنْ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ (وَكَخَاطِئٍ، وَعَامِدٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ (وَكَمُكَلَّفٍ، وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ مُكَلَّفٍ، وَ (سَبُعٍ، أَوْ) مُكَلَّفٍ، وَ (مَقْتُولٍ) اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ نَفْسِهِ (فَالْقَوَدُ عَلَى قِنٍّ) شَارَكَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ عَنْ الْحُرِّ؛ لِعَدَمِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ، (وَ) الْقَوَدُ أَيْضًا عَلَى (شَرِيكِ أَبٍ) فِي قَتْلِ وَلَدِهِ؛ لِمُشَارَكَتِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ؛ فَلَا يُمْنَعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْأُمُّ، وَالْجَدُّ، وَالْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَوْا.
(وَ) الْقَوَدُ
أَيْضًا عَلَى كَافِرٍ اشْتَرَكَ مَعَ (مُسْلِمٍ) فِي قَتْلِ كَافِرٍ (كَ) مَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى (مُكْرَهٍ) ، وَمُكْرَهَةٍ (أَبًا) أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ جَدَّةً (عَلَى قَتْلِ وَلَدِهِ) ، وَإِنْ سَفَلَ، دُونَ الْأَبِ، وَنَحْوِهِ (وَعَلَى شَرِيكِ قِنٍّ) فِي قَتْلِ قِنٍّ (نِصْفُ قِيمَةِ) قِنٍّ (قَتِيلٍ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي إتْلَافِهِ؛ فَلَزِمَهُ بِقِسْطِهِ (وَعَلَى شَرِيكِ غَيْرِ أَبٍ، وَقِنٍّ فِي) قَتْلِ (حُرٍّ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَفِي) قَتْلِ (قِنٍّ نِصْفُ قِيمَتِهِ) كَالشَّرِيكِ فِي إتْلَافِ مَالٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ عَلَى الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَمَحَّضْ عُدْوَانًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا لَزِمَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي إتْلَافٍ فَلَزِمَ الْقِسْطُ، لَكِنْ تَجِبُ فِي مَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي فَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَاطِئِ، وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي مَسْأَلَتِهِمَا.
(وَمَنْ جُرِحَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَمْدًا، فَدَاوَاهُ) ؛ أَيْ: دَاوَى الْمَجْرُوحُ جُرْحَهُ (بِسُمٍّ) قَاتِلٍ، فَمَاتَ فِي الْحَالِ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى جَارِحِهِ؛ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جُرِحَ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، أَوْ جُرِحَ (فَخَاطَهُ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ) فَمَاتَ؛ فَكَذَلِكَ.
(، وَيَتَّجِهُ) وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُ الْمَجْرُوحِ بِإِذْنِهِ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ، أَوْ دَاوَاهُ بِسُمٍّ (وَلَمْ يَتَعَمَّدْ) فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْجَارِحِ، وَلَا الْخَائِطِ أَوْ الْمُدَاوِي؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ مُدَاوَاةَ النَّفْسِ، فَكَانَ فِعْلُهُ عَمْدَ خَطَأٍ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَمَّدَ خَائِطٌ أَوْ مُدَاوٍ الْخِيَاطَةَ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ أَوْ الْمُدَاوَاةَ بِالسُّمِّ (قُتِلَا) ؛ أَيْ: الْجَارِحُ أَوْ الْمُدَاوِي، أَوْ الْخَائِطُ؛ لِصَلَاحِيَةِ فِعْلِهِمَا الْقَتْلَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلِيُّهُ) ؛ أَيْ: دَاوَاهُ بِسُمٍّ
قَاتِلٍ أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ الْحَيِّ؛ فَلَا قَوَدَ (أَوْ) فَعَلَ ذَلِكَ (الْحَاكِمُ فَمَاتَ) مِنْ ذَلِكَ (فَلَا قَتْلَ عَلَى جَارِحِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (لَكِنْ إنْ أَوْجَبَ الْجُرْحُ قِصَاصًا اُسْتُوْفِيَ) ؛ أَيْ: اسْتَوْفَاهُ، وَلِيُّهُ مِنْ جَارِحِهِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ (وَإِلَّا) يُوجِبْ الْجُرْحُ قِصَاصًا (أَخَذَ) الْوَارِثُ (أَرْشَهُ) إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
[بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ]
(شُرُوطُ الْقِصَاصِ) :؛ أَيْ: الْقَوَدِ، وَهِيَ (أَرْبَعَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ.
(أَحَدُهَا: تَكْلِيفُ قَاتِلٍ) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا قَاصِدًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَصَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَمَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، كَقَاتِلٍ خَطَأً.
(، وَيَتَّجِهُ، وَ) يُعْتَبَرُ (عِلْمُهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ (بِتَحْرِيمِ) الْقَتْلِ (فَلَا يُقْتَلُ قَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ) بِقَتْلِهِ مَعْصُومًا؛ لِاعْتِقَادِهِ إبَاحَتَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الْقِصَاصَ،
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ صَرَّحَ فِي آخِرِ الْبَابِ بِمَا يُخَالِفُهُ فَلْيُتَفَطَّنْ لَهُ.
(ثَانِيهَا) أَيْ: الشُّرُوطِ (عِصْمَةُ مَقْتُولٍ، وَلَوْ) كَانَ (مُسْتَحَقًّا دَمُهُ بِقَتْلٍ لِغَيْرِ قَاتِلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ فِيهِ يُبِيحُ دَمَهُ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ (فَالْقَاتِلُ لِحَرْبِيٍّ) لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، (أَوْ) الْقَاتِلُ (لِمُرْتَدٍّ قَبْلَ تَوْبَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ؛ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَا إنْ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ إنْ كَانَتْ (تُقْبَلُ) ظَاهِرًا؛ فَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، (أَوْ) الْقَاتِلُ (لِزَانٍ مُحْصَنٍ، وَلَوْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ) ؛ أَيْ: الزِّنَا أَوْ الْإِحْصَانِ (عِنْدَ حَاكِمٍ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ زَنَى مُحْصَنًا بَعْدَ قَتْلِهِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ الَّتِي أَبَاحَتْ دَمَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ، وَبَعْدَهُ عَلَى السَّوَاءِ، (وَ) الْمُرَادُ إذَا (لَمْ يَتُبْ) قَبْلَ الْقَتْلِ، أَمَّا إذَا تَابَ قَبْلَ الْقَتْلِ فَيَصِيرُ مَعْصُومًا، وَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ، وَهَذِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَصْلَيْهِ، وَهُوَ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا؛ إذْ الْمَذْهَبُ، وَلَوْ تَابَ لَا يَعُودُ مَعْصُومًا بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَ (لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (وَلَوْ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلَ (مِثْلُهُ) ؛ أَيْ: مِثْلُ الْمَقْتُولِ فِي عَدَمِ الْعِصْمَةِ بِأَنْ قَتَلَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا، أَوْ مُرْتَدٌّ مُرْتَدًّا، أَوْ زَانٍ مُحْصَنٌ زَانِيًا مُحْصَنًا، أَوْ قَتَلَ مُرْتَدٌّ حَرْبِيًّا، وَعَكْسُهُ، وَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ بِقَتْلِ قَاطِعِ طَرِيقٍ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي نَفْسٍ، وَلَا بِقَطْعِ طَرَفٍ لِوَاحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِيمَا دُونَهَا (وَيُعَزَّرُ) لِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ (غَيْرِ حَرْبِيٍّ)
لِافْتِئَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ بِكُلِّ حَالٍ، أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
(وَمَنْ قَطَعَ طَرَفَ مُرْتَدٍّ) فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، (أَوْ) قَطَعَ طَرَفَ (حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ) فَهَدَرٌ (أَوْ رَمَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ (فَأَسْلَمَ) بَعْدَ رَمْيِهِ (ثُمَّ وَقَعَ بِهِ الرَّمْيُ) بَعْدَ إسْلَامِهِ (فَمَاتَ؛ فَهَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ مِنْ الْجَانِي بَعْدَ إسْلَامِهِ فِعْلٌ، وَإِنَّمَا الْمَوْتُ أَثَرُ فِعْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَكَذَا أَثَرُهُ
(وَمَنْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ طَرَفٍ (مِنْ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ ثُمَّ مَاتَ) مُرْتَدًّا (فَلَا قَوَدَ) عَلَى الْقَاطِعِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ، وَلَا فِي الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا لَمْ يَجِبْ بِهِ قَتْلٌ؛ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ مِفْصَلٍ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، أَوْ دِيَةِ مَا قَطَعَ) مِنْ طَرَفٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى (يَسْتَوْفِيهِ) ؛ أَيْ: مَا وَجَبَ بِذَلِكَ (الْإِمَامُ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ "، وَالرِّعَايَتَيْنِ "، وَالْحَاوِي " ". (وَيَتَّجِهُ) أَنْ يَكُونَ اسْتِيفَاءُ الْإِمَامِ (لِبَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتِيفَاؤُهُ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ (وَلَوْ مَعَ) وُجُودِ (وَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إرْثِهِ مِنْهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ عَادَ) مُرْتَدٌّ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ (لِلْإِسْلَامِ، وَلَوْ) كَانَ عَوْدُهُ إلَيْهِ (بَعْدَ زَمَنٍ تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ) ، وَمَاتَ مُسْلِمًا (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَيُقْتَلُ قَاتِلُهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَالْمَوْتِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَاحْتِمَالُ السِّرَايَةِ حَالَ الرِّدَّةِ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ بِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسًا مَعْصُومَةً
وَإِنْ جَرَحَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَارْتَدَّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ، وَمَاتَ مِنْهُمَا؛ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْجُرْحَيْنِ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ أَشْبَهَ شَرِيكَ الْمُخْطِئِ، وَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْحَالَيْنِ كَجُرْحِ اثْنَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا؛ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ، أَوْ بِالْعَكْسِ
وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذِمِّيٍّ، ثُمَّ صَارَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ، وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ، لَا قِصَاصَ، وَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ الْمَقْطُوعِ.
قَطَعَ يَدَ نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيٍّ، فَتَمَجَّسَ، وَقُلْنَا: لَا يُقَرُّ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ.
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مَجُوسِيٍّ، فَتَنَصَّرَ، أَوْ تَهَوَّدَ، ثُمَّ مَاتَ، وَقُلْنَا يُقَرُّ؛ وَجَبَتْ دِيَةُ كِتَابِيٍّ.
وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأُسِرَ، وَأُسْتَرَقّ لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ وَجَبَ الْقِصَاصُ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: مُكَافَأَةُ مَقْتُولٍ) لِقَاتِلٍ (حَالَ جِنَايَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْعِقَادِ السَّبَبِ، وَالْمُكَافَأَةِ (بِأَنْ لَا يَفْضُلَهُ) ؛ أَيْ: الْمَقْتُولَ (قَاتِلُهُ بِإِسْلَامٍ أَوْ) يَفْضُلَهُ (بِحُرِّيَّةٍ أَوْ) يَفْضُلَهُ (بِمِلْكٍ) . (فَيُقْتَلُ مُسْلِمٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ بِمِثْلِهِ) ؛ أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّ، وَلَوْ مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخِلْقَةِ كَعَكْسِهِ، وَكَذَا لَوْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ، وَالشَّرَفِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ، وَالْمَرَضِ وَيَأْتِي.
(وَ) يُقْتَلُ (ذِمِّيٌّ) حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ بِمِثْلِهِ، (وَ) يُقْتَلُ (مُسْتَأْمَنٌ حُرٌّ، وَعَبْدٌ بِمِثْلِهِ) لِلْمُسَاوَاةِ (وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ) الْمَقْتُولُ (وَقْفًا) فَلَا يُقْتَلُ قَاتِلُهُ؛ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْوَاجِبُ قِيمَتُهُ يَشْتَرِي بِهَا بَدَلَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْوَقْفِ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) يُقْتَلُ (كِتَابِيٌّ بِمَجُوسِيٍّ، وَ) يُقْتَلُ (ذِمِّيٌّ بِمُسْتَأْمَنٍ، وَعَكْسِهِمَا) ؛ أَيْ: يُقْتَلُ الْمَجُوسِيُّ بِالْكِتَابِيِّ، وَالْمُسْتَأْمَنُ بِالذِّمِّيِّ
(وَ) يُقْتَلُ (كَافِرٌ غَيْرُ حَرْبِيٍّ جَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ بِمُسْلِمٍ) لِلْمُكَافَأَةِ، وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الْجِنَايَةِ كَانَ مُسْتَبِيحًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَمْ يُقْتَلْ بِإِسْلَامِهِ بَعْدَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُسْلِمْ.
(وَ) يُقْتَلُ (مُرْتَدٌّ بِذِمِّيٍّ وَمُسْتَأْمَنٍ) ؛ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي الْكُفْرِ (وَلَوْ تَابَ) الْمُرْتَدُّ، وَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ؛ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ، لَا عَكْسَهُ (وَلَيْسَتْ تَوْبَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدِّ (بَعْدَ جَرْحِهِ) ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَقَبْلَ مَوْتِهِ مَانِعَةً مِنْ قَوَدٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَيْسَتْ تَوْبَةُ مُرْتَدٍّ رَمَى ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا (بَيْنَ رَمْيٍ وَإِصَابَةٍ مَانِعَةً مِنْ قَوَدٍ فَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِهِمَا) ؛ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ.
(وَ) يُقْتَلُ (قِنٌّ بِحُرٍّ وَبِقِنٍّ، وَلَوْ) كَانَ الْقِنُّ الْمَقْتُولُ (أَقَلَّ قِيمَةً مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ الْقَاتِلِ لَهُ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] ، وَتَسَاوِيهِمَا فِي النَّفْسِ، وَالرِّقِّ؛ وَلِأَنَّ زِيَادَةَ قِيمَةِ الْعَبْدِ إنَّمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ فِي الْعَبْدِ، وَلَا أَثَرَ لَهَا فِي الْحُرِّ، فَإِنَّ الْجَمِيلَ يُؤْخَذُ بِالدَّمِيمِ، وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْحُرِّ فَالْعَبْدُ أَوْلَى (وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا مِكْتَابًا) أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِلتَّسَاوِي فِي النَّفْسِ، وَالرِّقِّ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا أَثَرَ (لِكَوْنِهِمَا) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ، وَالْمَقْتُولِ، وَالرَّقِيقَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ (لِوَاحِدٍ) أَوْ لِأَكْثَرَ (أَوْ) كَوْنِ الرَّقِيقِ الْقَاتِلِ مِلْكًا (لِمُسْلِمٍ، وَ) كَوْنِ الْمَقْتُولِ (الْآخَرِ) مِلْكًا (لِذِمِّيٍّ) فَيُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُكَافِئُهُ، وَإِنْ تَفَاضَلَ السَّيِّدَانِ.
(وَ) يُقْتَلُ (مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِمِثْلِهِ، وَبِأَكْثَرَ حُرِّيَّةً) مِنْهُ؛ بِأَنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ مَنْ ثُلُثَاهُ كَذَلِكَ، وَ (لَا) يُقْتَلُ (بِأَقَلَّ) حُرِّيَّةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ فَضَلَ بِمَا فِيهِ زَائِدًا مِنْ الْحُرِّيَّةِ.
(وَ) يُقْتَلُ (مُكَلَّفٌ بِغَيْرِ مُكَلَّفٍ) لِلتَّسَاوِي فِي النَّفْسِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ (لَا عَكْسِهِ) فَلَا يُقْتَلُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَجْنُونٍ، وَنَحْوِهِ بِمُكَلَّفٍ.
(وَ) يُقْتَلُ (ذَكَرٌ بِخُنْثَى وَبِأُنْثَى كَعَكْسِهِ) ؛ أَيْ: كَمَا يُقْتَلُ الْخُنْثَى وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ؛ لِلْمُسَاوَاةِ فِي النَّفْسِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ، وَلَا يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ دِيَةٍ إذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى.
(وَ) يُقْتَلُ (صَحِيحٌ بِمَرِيضٍ مَعْدُومِ الْحَوَاسِّ) مِنْ سَمْعٍ، وَبَصَرٍ وَشَمٍّ وَذَوْقٍ (مُجْدَعِ الْأَطْرَافِ) ؛ أَيْ: مَقْطُوعِهَا، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ.
(وَ) يُقْتَلُ (غَنِيٌّ بِفَقِيرٍ، وَسُلْطَانٍ) ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْعُمَّالِ (بِأَحَدِ رَعِيَّتِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَالْأَخْبَارِ.
[تَتِمَّةٌ قَتْلُ الْغِيلَةِ]
تَتِمَّةٌ:، وَقَتْلُ الْغِيلَةِ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - وَهِيَ الْقَتْلُ عَلَى غِرَّةٍ كَاَلَّذِي يَخْدَعُ إنْسَانًا فَيُدْخِلُهُ بَيْتًا أَوْ نَحْوَهُ، وَغَيْرَهُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ وَغَيْرُهُ، سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ لِلْوَلِيِّ الْوَارِثِ لِلْمَقْتُولِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، دُونَ السُّلْطَانِ، فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ، وَلَا عَفْوٌ مَعَ وُجُودِ وَارِثٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] : «، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، لَهُ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ لَا مَجَّانًا.
وَ (لَا) يُقْتَلُ (مُسْلِمٌ وَلَوْ ارْتَدَّ) بَعْدَ الْقَتْلِ (بِكَافِرٍ) كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَعَنْ عَلِيٍّ " مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَلَا مُسَاوَاةَ
بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
وَحَدِيثِ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ السَّلْمَانِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ ضَعِيفٌ إذَا أُسْنِدَ، فَكَيْفَ إذَا أُرْسِلَ؟
. (وَلَا) يُقْتَلُ (حُرٌّ بِقَنٍّ) ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ؛ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ (أَوْ) ؛ أَيْ:، وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ (بِمُبَعَّضٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ.
(وَلَا) يُقْتَلُ (مُكَاتِبٌ بِقِنِّهِ، وَلَوْ) كَانَ عَبْدُ الْمُكَاتِبِ (ذَا رَحِمِهِ) كَأَخِيهِ وَنَحْوِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُنَوِّرِ " وَقَدَّمَهُ فِي " النَّظْمِ "؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ رَقَبَتِهِ أَشْبَهَ الْحُرَّ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُقْتَلُ مُكَاتِبٌ بِعَبْدِهِ الْأَجْنَبِيِّ، وَيُقْتَلُ بِعَبْدِهِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ انْتَهَى.
(وَإِنْ انْتَقَضَ عَهْدُ ذِمِّيٍّ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ (فَقَتَلَ) حُرًّا (لِنَقْضِهِ) الْعَهْدَ لَا قِصَاصًا (فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْحُرِّ) إنْ كَانَ الْقَتِيلُ حُرًّا (أَوْ قِيمَةُ الْقِنِّ) إنْ كَانَ الْقَتِيلُ قِنًّا، كَمَا لَوْ قُتِلَ لِرِدَّةٍ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ؛ إذْ لَا مُسْقِطَ لِمُوجِبِ جِنَايَتِهِ.
لَا يُقَالُ: هَذَا بِانْتِقَاضِ عَهْدِهِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالْحَرْبِيُّ لَا يَضْمَنُ الْمُسْلِمَ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ حَرْبِيًّا تَأَخَّرَتْ عَنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ جِنَايَتِهِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ فِي حَالِ الذِّمَّةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ حَرْبِيًّا
(وَإِنْ قَتَلَ) ذِمِّيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَ (ذِمِّيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ ذِمِّيًّا أَوْ) قَتَلَ أَوْ جَرَحَ (قِنٌّ قِنًّا فَأَسْلَمَ) الذِّمِّيُّ الْقَاتِلُ أَوْ الْجَارِحُ (أَوْ عَتَقَ) الْقِنُّ الْقَاتِلُ أَوْ الْجَارِحُ (وَلَوْ) كَانَ إسْلَامُهُ أَوْ عِتْقُهُ (قَبْلَ مَوْتِ مَجْرُوحٍ قُتِلَ بِهِ) نَصًّا؛ لِحُصُولِ الْجِنَايَةِ - بِالْجُرْحِ فِي حَالِ تَسَاوِيهِمَا (كَمَا لَوْ جُنَّ) قَاتِلٌ أَوْ جَارِحٌ بَعْدَ الْجِنَايَةِ.
(وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ) جَرَحَ (حُرٌّ قِنًّا فَأَسْلَمَ) مَجْرُوحٌ (أَوْ عَتَقَ مَجْرُوحٌ ثُمَّ مَاتَ؛ فَلَا قَوَدَ) عَلَى جَارِحٍ (اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ، وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْجَارِحِ (دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ)
اعْتِبَارًا بِحَالِ الزُّهُوقِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ؛ فَيُعْتَبَرُ الْأَرْشُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ إنْسَانٍ وَرِجْلَيْهِ وَسَرَى إلَى نَفْسِهِ؛ فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ (وَيَسْتَحِقُّ دِيَةَ مَنْ أَسْلَمَ) بَعْدَ الْجُرْحِ (وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ) ؛ لِمَوْتِهِ مُسْلِمًا (وَ) يَسْتَحِقُّ دِيَةَ (مَنْ عَتَقَ) بَعْدَ الْجُرْحِ سَيِّدُهُ، إنْ كَانَتْ قَدْرَ قِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، إلَّا أَنْ تُجَاوِزَ الدِّيَةُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ جَاوَزَتْ الدِّيَةُ قِيمَتَهُ رَقِيقًا فَيَأْخُذُهَا (وَارِثُهُ يَدْفَعُ مِنْهَا قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ (كَمَا لَمْ لَوْ يُعْتَقْ) ، وَمَا بَقِيَ لَهُ يَرِثُهُ عَنْهُ؛ لِحُصُولِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِيمَا حَصَلَ بِهَا، إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرَقٌ مِنْ نَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ (وَلَوْ وَجَبَ بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ قَوَدٌ) بِأَنْ كَانَتْ عَمْدًا مِنْ مُكَافِئٍ لَهُ (فَطَلَبُهُ) ؛ أَيْ: الْقَوَدَ (لِوَرَثَتِهِ) ؛ أَيْ الْعَتِيقِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، فَإِنْ اقْتَصُّوا فَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَفَوْا عَلَى مَالٍ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ قِيمَتِهِ فَلِسَيِّدِهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَالزَّائِدُ لِوَرَثَتِهِ.
(وَمَنْ جَرَحَ قِنٌّ نَفْسِهِ فَعَتَقَ) لِلتَّمْثِيلِ أَوْ إعْتَاقِهِ لَهُ أَوْ وُجُودِ صِفَةٍ عَلَّقَ عَلَيْهَا (ثُمَّ مَاتَ) الْعَتِيقُ (فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ؛ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ (وَعَلَيْهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَتِيقِ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الزُّهُوقِ (وَيُسْقِطُ) السَّيِّدُ (مِنْهَا) أَيْ: الدِّيَةِ (أَرْشَ جَرْحِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَجَبَ الزَّائِدُ عَنْ أَرْشِ جَرْحِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَاتِلٌ فَلَا يَرِثُ.
. (وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا فَلَمْ تَقَعْ بِهِ الرَّمْيَةُ حَتَّى عَتَقَ) الْمَرْمِيُّ (وَأَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْهَا) أَيْ: الرَّمْيَةِ (فَلَا قَوَدَ) عَلَى رَامِيهِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ وَقْتُ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنْ الْجَانِي (وَلِوَرَثَتِهِ) أَيْ: الْمَرْمِيِّ (عَلَى رَامٍ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ) كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بَدَلٌ عَنْ الْمَحَلِّ؛ فَتُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمَحَلِّ الَّذِي فَاتَ بِهَا؛ فَتَجِبُ بِقَدْرِهِ وَقَدْ فَاتَ بِهِ نَفْسُ مُسْلِمٍ حُرٍّ، وَالْقِصَاصُ جَزَاءٌ لِلْفِعْلِ؛ فَيُعْتَبَرُ الْفِعْلُ فِيهِ، وَالْإِصَابَةُ مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَاهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ.
(وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ أَنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَانْدَمَلَ) الْجَرْحُ (ثُمَّ عَتَقَ) بِهِ الْعَبْدُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِتْقِ (أَوْ) قَطَعَ أَنْفِهِ ثُمَّ (عَتَقَ ثُمَّ انْدَمَلَ) فَقِيمَتُهُ
بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ، أَوْ قَطَعَ أَنْفِهِ (وَمَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ) (فَقِيمَتُهُ) بِكَمَالِهَا (لِلسَّيِّدِ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ كَانَ رَقِيقًا لَهُ، وَالْجِنَايَةُ يُرَاعَى فِيهَا حَالُ وُجُودِهَا.
(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ (فَعَتَقَ) ؛ أَيْ: أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ (وَانْدَمَلَ) الْجُرْحُ (ثُمَّ) عَادَ الْجَانِي وَ (قَطَعَ رِجْلَهُ) وَانْدَمَلَ جُرْحُهُ أَيْضًا (فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا كَانَ رَقِيقًا (وَفِي رِجْلِهِ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا (وَنِصْفُ الدِّيَةِ) إنْ عَفَا الْعَتِيقُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَيَكُونُ لَهُ لَا لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ.
(وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ سَرَى لِنَفْسِهِ، فَفِي الْيَدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ) لِسَيِّدِهِ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ (وَعَلَى قَاطِعِ رِجْلِهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) لِلْمُكَافَأَةِ حَالَ الْجِنَايَةِ الَّتِي سَرَتْ (أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِوَرَثَتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَتِيقِ نَسَبًا أَوْ وَلَاءً مَعَ الْعَفْوِ مِنْهُمْ عَنْ الْقِصَاصِ (وَلَوْ كَانَ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، فَسَرَى قَطْعُ الْيَدِ لِلنَّفْسِ؛ فَفِي الرِّجْلِ الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ، وَلَا فِي سِرَايَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ قَطْعِهَا كَانَ رَقِيقًا؛ فَلَا مُكَافَأَةَ (وَعَلَى الْجَانِي لِسَيِّدِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ أَوْ دِيَةِ حُرٍّ) قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَمَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ بَعْدَ أَرْشِ الْقَطْعِ لِلْوَرَثَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ؛ فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، بَلْ يَجِبُ) الْقِصَاصُ (فِي الرِّجْلِ) ؛ لِوُجُودِ الْمُكَافَأَةِ حِينهَا، بِخِلَافِ الْيَدِ، وَالنَّفْسِ فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي الرِّجْلِ وَجَبَ (مَعَ) ذَلِكَ (نِصْفُ الدِّيَةِ) لِقَطْعِ الرِّجْلِ (وَلِسَيِّدِهِ الْأَقَلُّ) ؛ أَيْ: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ (مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ) عَبْدًا (أَوْ نِصْفِ دِيَةِ) حُرٍّ (وَمَعَ تَغَايُرِ الْقَاطِعَيْنِ) بِأَنْ كَانَ قَاطِعُ الْيَدِ غَيْرَ قَاطِعِ الرِّجْلِ (وَانْدَمَلَا؛ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) ؛ أَيْ: فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ قِنُّهُ وَقْتَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ الْقِصَاصُ فِيهَا أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ بِوَرَثَةِ الْعَتِيقِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ قَطَعَ رِجْلَهُ (وَإِنْ سَرَيَا) ؛ أَيْ: الْجُرْحَانِ إلَى نَفْسِهِ (فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ عَلَى الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ حَالَ الرِّقِّ؛ فَلَا مُكَافَأَةَ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ كَمَا مَرَّ، (بَلْ)
الْقِصَاصُ عَلَى (الثَّانِي) فِي النَّفْسِ؛ لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حَالَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَمَّدَا؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَشَرِيكِ أَبٍ.
(وَقَالِعُ عَيْنِ عَبْدٍ فَعَتَقَ) الْعَبْدُ (ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ثُمَّ آخَرُ رِجْلَهُ) فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ انْدَمَلَ جُرْحُهُ، أَوْ سَرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا لَهُ حِينَ الْجِنَايَةِ (وَ) سَوَاءٌ (سَرَتْ) الْجِرَاحَاتُ (كُلُّهَا أَوْ لَا، فَالْقِصَاصُ) فِي النَّفْسِ (عَلَى الْأَخِيرَيْنِ) ؛ أَيْ: قَاطِعِ الْيَدِ، وَقَاطِعِ الرِّجْلِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ لِلْمُكَافَأَةِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا عَلَى حُرٍّ (وَإِنْ اُخْتِيرَتْ الدِّيَةُ فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا) ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسِرَايَةِ جِرَاحَاتِهِمْ (وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ) الْعَبْدِ، كَقَلْعِ عَيْنِهِ (أَوْ ثُلُثِ دِيَةِ) حُرٍّ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ الثَّالِثَةُ فَقَطْ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ) ، وَالْجِنَايَتَانِ كَانَتَا فِي حَالِ الرِّقِّ، وَمَاتَ الْعَتِيقُ؛ (فَ) عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا، وَ (لَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ) الْجِنَايَتَيْنِ (أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ) ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
. (وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ فَعَتَقَ، ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ رِجْلَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْأَوَّلُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ؛ قُتِلَ) الْأَوَّلُ قِصَاصًا (لِوَرَثَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، (وَ) عَلَيْهِ (لِسَيِّدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ) لِقَطْعِ يَدِهِ (وَعَلَى الْآخَرِ قَطْعُ رِجْلِهِ) قِصَاصًا (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِلْوَرَثَةِ (وَ) إنْ كَانَ قَتَلَهُ (قَبْلَ الِانْدِمَالِ) فَعَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حِينَ قَتَلَهُ دُونَ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهَا فِي رِقِّهِ (وَ) إذَا (اقْتَصَّ الْوَرَثَةُ سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ النَّفْسَ، وَأَرْشَ الطَّرَفِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ؛ فَإِنَّ الطَّرَفَ دَاخِلٌ فِي النَّفْسِ فِي الْأَرْشِ (وَإِنْ أَخَذُوا) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةُ (الدِّيَةَ فَلِسَيِّدِهِ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ) الْعَبْدِ (أَوْ أَرْشِ طَرَفِهِ) ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَى الثَّانِي قَطْعُ رِجْلِهِ) قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ مُكَافِئٌ لَهُ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَعَلَيْهِ مَعَ الْعَفْوِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِقَطْعِ الرِّجْلِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاطِعُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِمُكَافَأَتِهِ لَهُ حِينَ الْقَتْلِ، وَمَعَ الْعَفْوِ نِصْفُ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الرِّجْلِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ
وَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَافِئْهُ حِينَ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ثَالِثًا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْقَطْعَانِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الثَّالِثِ لَهُ قَطَعَ سِرَايَتَهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى حِينَ كَانَ رَقِيقًا، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةِ مَعَ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ جِنَايَتِهِمَا.
(وَمَنْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ يَظُنُّهُ كَافِرًا) غَيْرَ حَرْبِيٍّ؛ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَبَانَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ (أَوْ قِنًّا؛ أَوْ) قَتَلَ مَنْ يَظُنُّهُ (قَاتِلَ أَبِيهِ، فَبَانَ تَغَيُّرُ حَالِهِ) بِأَنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ عَتَقَ الْقِنُّ، (أَوْ) تَبَيَّنَ (خِلَافُ ظَنِّهِ) بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ قَاتِلِ أَبِيهِ (فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ؛ لِقَتْلِهِ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا مَحْضًا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ بِحَالِهِ.
[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الْقِصَاص كَوْنُ الْمَقْتُولِ لَيْسَ بِوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ لِقَاتِلٍ]
فَصْلٌ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ: كَوْنُ مَقْتُولٍ لَيْسَ بِوَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ) لِقَاتِلٍ (وَلَا بِوَلَدِ بِنْتٍ، وَإِنْ سَفَلَتْ لِقَاتِلٍ؛ فَيُقْتَلُ وَلَدٌ بِأَبٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ وَجَدَّةٍ) ؛ أَيْ: بِقَتْلِهِ وَاحِدًا مِنْ أُصُولِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ قَتِيلٍ، فَخُصَّ مِنْهُ صُورَتَانِ بِالنَّصِّ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا وَ (لَا) يُقْتَلُ (أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ: الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَإِنْ عَلَا (بِمَنْ يُنْسَبُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْوَلَدِ، وَوَلَدِ الْبِنْتِ، وَإِنْ سَفَلَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيثَ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ
هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَهُمْ يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ عَنْ الْإِسْنَادِ، حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا وَلِأَنَّهُ سَبَبُ إيجَادِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ بِسَبَبِهِ عَلَى إعْدَامِهِ.
(وَلَوْ أَنَّهُ) أَيْ: الْوَلَدَ أَوْ وَلَدَ الْبِنْتِ وَإِنْ سَفَلَ (حُرٌّ مُسْلِمٌ وَالْقَاتِلُ) لَهُ مِنْ آبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ، وَإِنْ عَلَوْا (كَافِرٌ قِنٌّ) ؛ لِانْتِفَاءِ الْقِصَاصِ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ حَالٍ (وَيُؤْخَذُ حُرٌّ) مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ وَجَدَّةٍ قَتَلَ وَلَدَهُ، وَإِنْ سَفَلَ (بِالدِّيَةِ) أَيْ: دِيَةِ الْمَقْتُولِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فِي مَالِهِ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَكَذَا لَوْ جَنَى عَلَى طَرَفِهِ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِيِّ دِيَةَ ابْنِهِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ كَاتِّفَاقِهِمَا، وَلَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ، وَلَدَهُ الْمُسْلِمَ أَوْ الْعَبْدُ وَلَدَهُ الْحُرَّ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ زِنًا فَيُقْتَلُ الْوَالِدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ حَقِيقَةً
(وَمَنْ) تَدَاعَيَا نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ ثُمَّ (قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِ الْقَافَةِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ ابْنَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَتَلَاهُ؛ لَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ وَقُتِلَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَإِنْ رَجَعَا عَنْ الدَّعْوَى لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا عَنْ إقْرَارِهِمَا، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ فَأُلْحِقَ بِهِ ثُمَّ جَحَدَهُ.
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ دَعْوَاهُ؛ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْآخَرِ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، وَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الرَّاجِعِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ.
وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا، وَلَهُمَا شُبْهَةٌ فِي وَطْئِهَا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا، وَالْآخَرُ بِشُبْهَةٍ، فَقَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وَإِنْ نَفَيَا
نَسَبَهُ لَمْ يَنْتَفِ إلَّا بِاللِّعَانِ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ، وَإِنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ؛ فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا رَجَعَ هُنَا لَحِقَ الْآخَرَ، وَأَيْضًا ثُبُوتُهُ هُنَاكَ بِالِاعْتِرَافِ فَيَسْقُطُ بِالْجَحْدِ، وَهَا هُنَا بِالِاشْتِرَاكِ فَلَا يَنْتَفِي بِالْجَحْدِ.
(وَمَتَى وَرِثَ قَاتِلٌ) بَعْضَ دَمِهِ بِوُجُودِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْتُولِ (أَوْ) وَرِثَ (وَلَدُهُ) أَيْ: الْقَاتِلِ (بَعْضَ دَمِهِ) أَيْ: الْمَقْتُولِ (فَلَا قَوَدَ) عَلَى قَاتِلٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُهُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ (فَلَوْ قَتَلَ) شَخْصٌ (زَوْجَتَهُ، فَوَرِثَهَا وَلَدُهُمَا) أَيْ: وَلَدُهَا مِنْهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَارِثٌ سِوَاهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ (أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا) ؛ أَيْ: زَوْجَتِهِ (فَوَرِثَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ) الزَّوْجَةُ (فَوَرِثَهَا الْقَاتِلُ) أَيْ: وَرِثَ مِنْهَا بِالزَّوْجِيَّةِ، (أَوْ) ، وَرِثَهَا (وَلَدُهُ؛ سَقَطَ) الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ أَخَا زَوْجِهَا، فَوَرِثَهَا زَوْجُهَا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا فَوَرِثَتْهُ هِيَ أَوْ وَلَدُهَا.
(وَمَنْ قَتَلَ أَبَاهُ) فَوَرِثَهُ أَخَوَيْهِ (أَوْ) قَتَلَ (أَخَاهُ فَوَرِثَهُ أَخَوَيْهِ ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْأَخَوَيْنِ (صَاحِبَهُ؛ سَقَطَ الْقَوَدُ عَنْ) الْقَاتِلِ (الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ بِهِ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ) لِأَنَّ أَخَوَيْهِ يَسْتَحِقَّانِ دَمَ أَبِيهِمَا أَوْ أَخِيهِمَا، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَرِثَ الْقَاتِلُ الْأَوَّلُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ دَمِهِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْأَبِ أَوْ الْأَخِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ نِصْفَيْنِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ.
(وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُ ابْنَيْنِ أَبَاهُ، وَهُوَ زَوْجٌ لِأُمِّهِ) حِينَ قَتَلَ الْأَبَ (ثُمَّ قَتَلَ) الِابْنُ (الْآخَرُ أُمَّهُ فَلَا قَوَدَ عَلَى) الِابْنِ (قَاتِلِ أَبِيهِ، لِإِرْثِهِ ثَمَنَ أُمِّهِ) لِأَنَّ الْأُمّ وَرِثَتْ مِنْ زَوْجِهَا الثُّمُنَ، فَانْتَقَلَ كُلُّهُ إلَى ابْنِهَا قَاتِلِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَهَا لَا يَرِثُ
مِنْهُ شَيْئًا لِلْقَتْلِ فَقَدْ وَرِثَ قَاتِلُ الْأَبِ ثَمَنَ دَمِ الْمَقْتُولِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ يَسْتَحِقُّ بَعْضَ دَمِ الْأَبِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ (وَعَلَيْهِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ دِيَتِهِ) ؛ أَيْ: أَبِيهِ (لِأَخِيهِ) قَاتِلِ أُمِّهِ (وَلَهُ) أَيْ: قَاتِلِ الْأَبِ (قَتْلُهُ) أَيْ: أَخِيهِ بِأُمِّهِ (وَيَرِثُهُ) حَيْثُ لَا حَاجِبَ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ فَلَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا بِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا أَخَذَهُ (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْقَاتِلَيْنِ (مَعَ عَدَمِ زَوْجِيَّةِ) أَبِيهِمَا لِأُمِّهِمَا (الْقَوَدُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَرِثَ قَتْلَ أَخِيهِ وَحْدَهُ دُونَ قَاتِلِهِ، فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ، احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، أَوْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، قَدَّمَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي (وَأْيُهُمَا بَادَرَ وَقَتَلَ أَخَاهُ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ؛ لِإِرْثِهِ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ) أَوْ ابْنُ ابْنٍ (فَإِنْ كَانَ) لَهُ ابْنٌ أَوْ ابْنُ ابْنٍ فَالْأَخُ مَحْجُوبٌ بِهِ (فَلَهُ) أَيْ: الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ (قَتْلُ عَمِّهِ، وَيَرِثُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ؛ إذْ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا عَلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ؛ فَيَسْقُطُ مِنْ دِيَةِ الْأَبِ بِقَدْرِ دِيَةِ الْأُمِّ وَيَجِبُ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَلَى قَاتِلِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا بِنْتٌ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ نِصْفَ مِيرَاثِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ؛ فَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ أَوْ مَالَ أُمِّهِ الَّتِي قَتَلَهَا أَخُوهُ، وَوَرِثَ نِصْفَ مَالِ أَخِيهِ، وَنِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّتِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا، وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا، وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ.
(وَإِذَا كَانَ أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ، فَقَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ وَ) قَتَلَ (الثَّالِثُ الرَّابِعَ، فَالْقَوَدُ عَلَى الثَّالِثِ) دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِإِرْثِهِ نِصْفَ دَمِهِ عَنْ الرَّابِعِ (وَوَجَبَ لَهُ) أَيْ: الثَّالِثِ (نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْأَوَّلِ) لِقَتْلِهِ أَخَاهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ (وَلِلْأَوَّلِ قَتْلُهُ) أَيْ: الثَّالِثِ بِأَخِيهِ الرَّابِعِ (وَ) إذَا قَتَلَهُ فَإِنَّهُ (يَرِثُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِحَقٍّ وَيَرِثُ مَا يَرِثُهُ مِنْ أَخِيهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ عَفَا الْأَوَّلُ عَنْ الثَّالِثِ إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ عَلَى الثَّالِثِ بِكَمَالِهَا؛ يُقَاصُّهُ بِنِصْفِهَا الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ الثَّانِي، وَيُعْطِيهِ نِصْفَهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَرَثَةٌ تَحْجُبُ الْآخَرَ أَوْ لَا بِتَفْصِيلِهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
(وَمَنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ) بِإِسْلَامٍ وَلَا حُرِّيَّةٍ، (أَوْ) قَتَلَ (مَلْفُوفًا) لَا يُعْلَمُ مَوْتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ (وَادَّعَى) قَاتِلٌ (كُفْرَهُ) أَيْ: مَنْ لَمْ يُعْرَفْ (أَوْ) ادَّعَى (رِقَّهُ) وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ؛ فَالْقَوَدُ وَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ.
(أَوْ) ادَّعَى قَاتِلُ مَلْفُوفٍ (مَوْتَهُ) أَيْ: الْمَلْفُوفِ (أَوْ) ادَّعَى قَاتِلٌ (إهْدَارَ دَمِهِ) أَيْ: الْمَقْتُولِ (وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ) فَالْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ
لَوْ قَطَعَ طَرَفَ إنْسَانٍ، وَادَّعَى شَلَلَهُ، أَوْ قَلَعَ عَيْنًا وَادَّعَى عَمَاهَا، أَوْ قَطَعَ سَاعِدًا، وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفٌّ، أَوْ سَاقًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدَمٌ، وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
(أَوْ) قَتَلَ مُكَلَّفٌ (شَخْصًا فِي دَارِهِ وَادَّعَى) الْقَاتِلُ (أَنَّهُ دَخَلَ لِقَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ مَالَهُ) أَوْ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ (وَيَتَّجِهُ وَلَا قَرِينَةَ تُصَدِّقُهُ) أَيْ: تُصَدِّقُ مُدَّعِيًا شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ، بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَوْصُوفًا بِالْعَدَالَةِ أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا قَامَتْ قَرَائِنُ مِنْ حَالِ الْمَقْتُولِ عَلَى صِدْقِ قَاتِلِهِ كَكَوْنِ الْمَقْتُولِ مِنْ أَهْلِ الْفُجُورِ أَوْ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِالِارْتِكَابَاتِ الْقَبِيحَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَإِلَى
هَذَا مَيْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ (وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ) فَالْقَوَدُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ فَإِنْ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلٍ وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَتَغَدَّى إذْ جَاءَ رَجُلٌ يَعْدُو وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ خَلْفَهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ فَجَاءَ الْآخَرُونَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي ضَرَبْتُ فَخِذَيْ امْرَأَتِي فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْته، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذَيْ الْمَرْأَةِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَقَالَ: إنْ عَادُوا فَعُدْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ، فَسَقَطَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا أَوْ فِي حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ بَيِّنَةٌ فَكَذَلِكَ.
(أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلٌّ) مِنْهُمَا (الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَالْقَوَدُ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِشَرْطِهِ (أَوْ الدِّيَةُ) إنْ لَمْ يَجِبْ قَوَدٌ أَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّهُ (وَيُصَدَّقُ مُنْكِرٌ) مِنْهُمَا (بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ (وَمَتَى صَدَّقَ الْوَلِيُّ) دَعْوَى شَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ (فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ.
(وَلَهُ قَتْلُ مَنْ وَجَدَهُ يَفْجُرُ بِأَهْلِهِ) ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ: الْفَاجِرِ (مُحْصَنًا أَوْ لَا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ (وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِلَّا لَاعْتُبِرَتْ شُرُوطُ الْحَدِّ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ بِمَحَلٍّ فَقَتَلَ) بَعْضٌ بَعْضًا (وَجَرَحَ بَعْضٌ) مِنْهُمْ (بَعْضًا، وَجُهِلَ الْحَالُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ وَلَا الْجَارِحُ (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْرُوحِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى) مِنْهُمْ (يَسْقُطُ مِنْهَا) أَيْ: الدِّيَةِ (أَرْشُ الْجِرَاحِ) قَضَى بِهِ عَلِيٌّ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيُشَارِكُ مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ الْمَجْرُوحِينَ فِي دِيَةِ الْقَتْلَى) اخْتَارَهُ فِي " التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ.
(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ، فَقَالَ: إنَّمَا قَتَلَهُ زَيْدٌ فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ) بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ (أُخِذَ) زَيْدٌ (بِهِ) نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ، فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ: إنَّمَا قَتَلَهُ فُلَانٌ فَقَالَ: فُلَانٌ: صَدَقَ أَنَا قَتَلْته؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُقِرَّ بِالْقَتْلِ يُؤْخَذُ بِهِ.
قُلْت: أَلَيْسَ قَدْ ادَّعَى عَلَى الْأَوَّلِ؟ قَالَ: إنَّمَا هَذَا بِالظَّنِّ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يُؤْخَذُ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ.
[بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]
(اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ) فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِيمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ، وَقِيلَ: إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعُ تَسَبُّبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ.
(وَهُوَ) أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِعْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (أَوْ) فِعْلُ (وَلِيِّهِ) إنْ كَانَتْ فِي النَّفْسِ (بِجَانٍ مِثْلَ فِعْلِهِ) أَيْ: الْجَانِي (أَوْ شِبْهِهِ) كَأَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِسُمٍّ أَوْ مُثْقَلٍ أَوْ تَجْرِيعِ خَمْرٍ، فَإِذَا اسْتَوْفَى مِنْهُ بِالسَّيْفِ يَكُونُ ذَلِكَ شِبْهَ فِعْلِ الْجَانِي، وَيَأْتِي مُفَصَّلًا.
(، وَشُرُوطُهُ) أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا: تَكْلِيفُ مُسْتَحِقٍّ) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِيفَاءِ.
وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ؛ لِمَا يَأْتِي (وَمَعَ صِغَرِهِ) أَيْ: مُسْتَحِقٍّ (أَوْ جُنُونِهِ؛ يُحْبَسُ جَانٍ بِهِ لِبُلُوغِ) صَغِيرٍ يَسْتَحِقُّهُ (أَوْ) إلَى (إفَاقَةِ) مَجْنُونٍ يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ حَبَسَ هُدْبَةَ بْنَ خَشْرَمَ فِي قِصَاصٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ، وَكَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَبَذَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِ الْقَتِيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ وَلِأَنَّ فِي تَخْلِيَتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ، إذْ لَا يُؤْمَنُ هَرَبُهُ، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ بِالدَّيْنِ فَلَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ هُنَا، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِقُصُورِ الْمُسْتَوْفِي، وَأَيْضًا الْمُعْسِرُ إذَا حُبِسَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَحَبْسُهُ يَضُرُّ الْجَانِبَيْنِ، وَهُنَا الْحَقُّ هُوَ نَفْسُهُ فَيَفُوتُ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ) أَيْ: الْقِصَاصِ (لَهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (أَبٌ كَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ) إذْ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِيفَائِهِمْ التَّشَفِّي لِلْمُسْتَحِقِّ لَهُ، فَتَفُوتُ حِكْمَةُ الْقِصَاصِ (فَإِنْ احْتَاجَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (لِنَفَقَةٍ فَلِوَلِيِّ مَجْنُونٍ) الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا حَدَّ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ (لَا) ، وَلِيُّ (صَغِيرٍ) فَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إلَى الدِّيَةِ مُسْقِطٌ لِلْقِصَاصِ، وَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ قِصَاصِهِ (غَيْرُ لَقِيطٍ) صَغِيرٍ مُحْتَاجٍ لِلنَّفَقَةِ؛ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ (الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ) قَالَ فِي بَابِ اللَّقِيطِ: وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا انْتَظَرَ بُلُوغَهُ وَرُشْدَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرٌ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الْعَفْوُ عَلَى مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْإِنْفَاقِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " عَنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّقِيطَ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا غَنِيًّا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ
الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، بَلْ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ
(وَإِنْ قَتَلَا) أَيْ: الصَّغِيرُ، وَالْمَجْنُونُ (قَاتِلَ مُوَرِّثِهِمَا، أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا قَهْرًا) أَيْ: بِلَا إذْنِ جَانٍ (سَقَطَ حَقُّهُمَا) ؛ لِاسْتِيفَائِهِمَا مَا وَجَبَ لَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَالٌ لَهُمَا، فَأَخَذَاهُ مِنْهُ قَهْرًا فَأَتْلَفَاهُ وَ (كَمَا لَوْ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ كَعَبْدٍ) فَيَسْقُطُ حَقُّهُمَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَتِهِ عَلَى أَحَدٍ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: اتِّفَاقُ الْمُشْتَرَكِينَ فِيهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (عَلَى اسْتِيفَائِهِ) فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ بِدُونِ إذْنِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَيُنْتَظَرُ قُدُومُ) ، وَارِثٍ (غَائِبٍ، وَبُلُوغُ) ، وَارِثٍ صَغِيرٍ (وَإِفَاقَةُ) ، وَارِثٍ مَجْنُونٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْبَسُ الْجَانِي لِذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْجَانِي بِتَأْخِيرِ الْجِنَايَةِ عَنْهُ، وَحَظًّا لِلْمُسْتَحِقِّ بِإِيصَالِهِ إلَى حَقِّهِ.
وَحَيْثُ وَجَبَ الِانْتِظَارُ (فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (بَعْضُهُمْ) (كَ) مَا يَمْتَنِعُ عَلَى بَعْضِهِمْ الِانْفِرَادُ بِأَخْذِ (دِيَةٍ) ، وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْقِصَاصِ (وَكَقِنٍّ مُشْتَرَكٍ) قَتَلَ فَلَا يَنْفَرِدُ؛ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِ قَاتِلِهِ الْمُكَافِئِ لَهُ (بِخِلَافِ) قَتْلٍ فِي (مُحَارَبَةٍ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِي قَتْلِ قَاطِعِ طَرِيقٍ قُتِلَ اتِّفَاقُ أَوْلِيَاءِ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمْ (لِتَحَتُّمِهِ) أَيْ: تَحَتُّمِ قَتْلِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَ) بِخِلَافِ (حَدِّ قَذْفٍ) فَيُقَامُ إذَا طَلَبَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ حَيْثُ يُورَثُ بِأَنْ طَالَبَ بِهِ الْمُوَرِّثُ فِي حَيَاتِهِ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ: حَدِّ الْقَذْفِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ إذَا طَلَبَهُ (كَامِلًا) ، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَسْتَوْفِي الْإِمَامُ الْقِصَاصَ فِيهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ لَا بِحُكْمِ الْإِرْثِ، وَإِنَّمَا قَتَلَ الْحَسَنُ ابْنَ مَلْجَمٍ كُفْرًا؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَافِرًا، وَقِيلَ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِرْ الْحَسَنُ غَائِبًا مِنْ الْوَرَثَةِ.
(وَمَنْ مَاتَ) مِنْ وَرَثَةِ مَقْتُولٍ (فَوَارِثُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (كَهُوَ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَانْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَمَتَى انْفَرَدَ بِهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (مَنْ مُنِعَ) مِنْ الِانْفِرَادِ بِهِ (عُزِّرَ فَقَطْ) لِافْتِئَاتِهِ بِالِانْفِرَادِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَمُنِعَ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى وَقَعَ نَصِيبُهُ قِصَاصًا، وَبَقِيَّةُ الْجِنَايَةِ عَلَى بَعْضِ النَّفْسِ فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ الْقِصَاصُ؛ لِامْتِنَاعِ الْمُمَاثَلَةِ، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ لِذَلِكَ.
(وَلِشَرِيكِ) مُقْتَصٍّ (فِي تَرِكَةِ جَانٍ حَقُّهُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يَقْتَصَّ (مِنْ الدِّيَةِ) بِقِسْطِهِ مِنْهَا (وَيَرْجِعُ وَارِثُ جَانٍ عَلَى مُقْتَصٍّ بِمَا فَوْقَ حَقِّهِ) مِنْ الدِّيَةِ (فَ) لَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ كَ (امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ، فَقَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ (نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ) الْقَاتِلَةِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ (وَيَرْجِعُ، وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى نِصْفَ دَمِهَا، وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ (وَهُوَ) أَيْ: نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ (رُبُعُ دِيَةِ الرَّجُلِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَكَانَ مُكَلَّفًا (وَلَوْ) كَانَ الْعَافِي (زَوْجَةً أَوْ زَوْجًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ شَهِدَ) بَعْضُ الْوَرَثَةِ (وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ؛، وَيَتَّجِهُ: أَوْ أَقَرَّ) بِعَفْوِ شَرِيكِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَّجِهًا لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعَفْوِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] لَكِنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا عَلِمْت، بَلْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ، وَهَذَا مِنْهُ (سَقَطَ الْقَوَدُ) أَمَّا سُقُوطُهُ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ، وَدَخَلَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مِنْ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
: «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَمَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي يُرِيدُ عَائِشَةَ، وَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا» .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ: قَدْ عَفَوْت عَنْ حَقِّي، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَتَقَ الْقَتِيلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَأَمَّا سُقُوطُهُ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ؛ فَلِإِقْرَارِهِ بِسُقُوطِ نَصِيبِهِ، وَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ (وَلِمَنْ لَمْ يَعْفُ) مِنْ الْوَرَثَةِ (حَقُّهُ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى جَانٍ) سَوَاءٌ عَفَا شَرِيكُهُ مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَمَّا فَاتَهُ مِنْ الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ بَعْضَ دَمِهِ (ثُمَّ إنْ قَتَلَهُ عَافٍ قُتِلَ وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ) أَيْ: الْعَفْوِ (أَوْ جَوَازَهُ) أَيْ: الْقَتْلِ بَعْدَ الْعَفْوِ سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى مَالٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ أَيْ: بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ.
وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَافِي دَعْوَى الْجَوَازِ إذَا قَتَلَ الْجَانِي (وَكَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ) أَيْ: الْجَوَازَ (مِثْلُهُ) كَمَنْ نَشَأَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مِصْرٍ؛ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَدَمُ جَوَازِ انْفِرَادِهِ بِالْقَتْلِ بِدُونِ إذْنِ شُرَكَائِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَحْصُلُ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الْجَانِي بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ، كَمَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَيْنَ أَهْلِ الْجَفَاءِ مِنْ الْأَعْرَابِ، وَنَحْوَهُمْ، وَقَتَلَهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ؛ إذْ جَهْلُهُ شُبْهَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا شَرِيكُ) عَافٍ (عَلِمَ بِالْعَفْوِ) أَيْ: عَفْوِ شَرِيكِهِ (وَعَلِمَ سُقُوطَ الْقَوَدِ بِهِ) أَيْ: بِعَفْوِ شَرِيكِهِ؛ ثُمَّ قَتَلَهُ؛ فَيُقْتَلُ بِهِ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِالْعَفْوِ
حَاكِمٌ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ؛ إذْ لَوْ قُتِلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قَتَلْنَاهُ بِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي قَتْلِهِ، وَإِلَّا يَعْلَمْ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ، وَبِسُقُوطِ الْقَوَدِ بِهِ، بِأَنْ قَتَلَهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِمَا؛ فَلَا قِصَاصَ لِاعْتِقَادِ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ (وَوَدَاهُ) أَيْ: أَدَّى دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَسَائِرِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ.
(وَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَارِثٍ) لِلْمَقْتُولِ مِنْ (الْقَوَدِ بِقَدْرِ إرْثِهِ) مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَذِي الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْثِ، فَوَجَبَ لَهُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْ الْمَالِ (وَيَنْتَقِلُ) حَقُّ الْقَوَدِ (مِنْ مُوَرِّثِهِ) أَيْ الْمَقْتُولِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِ الْمَقْتُولِ كَالدِّيَةِ.
(وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) مِنْ الْقَتْلَى (فَالْإِمَامُ وَلِيُّهُ) فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ إلَى مَالٍ) أَيْ: دِيَةٍ فَأَكْثَرَ، فَيَفْعَلُ مَا يَرَاهُ الْأَصْلَحَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْلِمِينَ، وَ (لَا) يَعْفُو (مَجَّانًا) ، وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي اسْتِيفَائِهِ) أَيْ: الْقَوَدِ (تَعَدِّيهِ) ؛ أَيْ: الِاسْتِيفَاءِ (إلَى غَيْرِ جَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] (فَلَوْ لَزِمَ الْقَوَدُ حَامِلًا) لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ (أَوْ) لَزِمَ الْقَوَدُ (حَائِلًا فَحَمَلَتْ؛ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ) حَمْلَهَا؛ لِأَنَّ قَتْلَهَا إسْرَافٌ؛ لِتَعَدِّيهِ إلَى حَمْلِهَا (وَ) حَتَّى (تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ) قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ عَمْدًا فَلَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَتَّى تُكْفِلَ وَلَدَهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَتْلُهُ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللِّبَإِ ضَرَرًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي
الْكَافِي " لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ (ثُمَّ إنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ) أَيْ: وَلَدَهَا بَعْدَ سَقْيِهَا لَهُ اللِّبَأَ (وَلَوْ بَهِيمَةً قُتِلَتْ) لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا إنَّمَا كَانَ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَإِلَّا) يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ (فَ) لَا يُقَادُ مِنْهَا (حَتَّى تَفْطِمَهُ لِحَوْلَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا أُخِّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِحِفْظِهِ وَهُوَ حَمْلٌ، فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ لِحِفْظِهِ بَعْدَ وَضْعِهِ أَوْلَى (وَكَذَا حَدٌّ بِرَجْمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَتُقَادُ) حَامِلٌ (فِي طَرَفٍ) بِمُجَرَّدِ وَضْعٍ (وَتُحَدُّ) حَامِلٌ (بِجَلْدٍ) لِقَذْفٍ أَوْ جَلْدِ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِمُجَرَّدِ وَضْعِ) حَمْلٍ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (حَيْثُ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا) ، وَلَا عَلَى الْوَلَدِ الضَّرَرُ مِنْ تَأْثِيرِ اللَّبَنِ (لِضَعْفٍ) فَإِنْ كَانَ بِهَا ضَعْفٌ يُخَافُ تَلَفُهَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَقْوَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ، قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهَا بِالْوَضْعِ قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": بَلْ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ قَبْلَ سَقْيِ اللِّبَأَ.
(وَمَتَى ادَّعَتْ الْحَمْلَ) امْرَأَةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا قَوَدٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ حَدٌّ بِرَجْمٍ أَوْ جَلْدٍ (وَأَمْكَنَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ آيِسَةً) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ (قُبِلَ) قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٍ خَفِيَّةً تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا، خُصُوصًا فِي ابْتِدَاءِ الْحَمْلِ، وَلَا يُؤْمَنُ الْخَطَرُ بِتَكْذِيبِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ كَالْحَيْضِ (وَحُبِسَتْ لِقَوَدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) تُحْبَسُ (لِحَدٍّ) بَلْ تُتْرَكُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِآدَمِيٍّ يَخْشَى فَوْتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَتَوَجَّهُ حَبْسُهَا - كَحَبْسِهَا لِلْقَوَدِ (وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ وَلِيِّ مَقْتُولٍ) لِجَوَازِ أَنْ تَهْرُبَ، فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ حَبْسٍ فِي مَالِ غَائِبٍ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَحَيْثُ وَجَبَ حَبْسُهَا فَتُحْبَسُ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا) فِي الْحَمْلِ، وَعَدَمِهِ.
(وَمَنْ 630 اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَضَعْهُ وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ حَمْلًا، لَكِنْ مَاتَتْ عَلَى مَا بِهَا مِنْ انْتِفَاخِ الْبَطْنِ وَأَمَارَةِ الْحَمْلِ، فَلَا ضَمَانَ
فِي حَقِّ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ أَنَّ الِانْتِفَاخَ حَمْلٌ فَلَا تُوجِبُ بِالشَّكِّ وَإِنْ أَلْقَتْ الْجَنِينَ حَيًّا فَعَاشَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقْتَصِّ، لَكِنْ يُؤَدَّبُ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا، وَبَقِيَ خَاضِعًا ذَبْلًا زَمَانًا يَسِيرًا، ثُمَّ مَاتَ؛ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إذَا وَضَعَتْهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلَهُ، وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فِي وَقْتٍ لَا يَعِيشُ مِثْلَهُ، وَهُوَ مَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (ضَمِنَ) الْمُقْتَصُّ (جَنِينَهَا) بِالْغُرَّةِ.
وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ كَمَا يَأْتِي فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْ أُمِّهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْحَمْلَ دُونَ السُّلْطَانِ أَوْ عَلِمَهُ مَعَ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ مِنْ أُمِّهِ حَالَةَ الْحَمْلِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا، وَلِأَنَّ الْمُقْتَصَّ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِتَلَفِ الْجَنِينِ، وَالسَّبَبُ هُنَا غَيْرُ مُلْجِئٍ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَيَكُونُ وُجُوبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْغُرَّةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُقْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسٍ.
[فَصْلٌ اسْتِيفَاءُ قَوَدٍ بِلَا حَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ]
فَصْلٌ
(وَيَحْرُمُ اسْتِيفَاءُ قَوَدٍ بِلَا حَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ) ؛ لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ، وَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (تَعْزِيرُ مُخَالِفٍ) اقْتَصَّ بِغَيْرِ حُضُورِهِ؛ لِافْتِئَاتِهِ بِفِعْلِ مَا وَقَعَ مِنْهُ (وَيَقَعُ) فِعْلُهُ (الْمَوْقِعَ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (تَفَقُّدُ آلَةِ اسْتِيفَاءِ) قَوَدٍ (لِيَمْنَعَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْقَوَدِ (بِ) آلَةٍ (كَالَّةٍ) لِحَدِيثِ: " إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ".
وَالِاسْتِيفَاءُ بِالْكَالَّةِ تَعْذِيبٌ لِلْمَقْتُولِ (وَيَنْظُرُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فِي الْوَلِيِّ) لِلْقَوَدِ (فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ) الْقِصَاصِ (وَيُحْسِنُهُ، مَكَّنَهُ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33]
وَلِحَدِيثِ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» ، وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(وَيُخَيَّرُ) وَلِيٌّ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ (بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ) الِاسْتِيفَاءَ (وَلَوْ فِي طَرَفٍ) كَيَدٍ، وَرِجْلٍ (وَبَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ) مَنْ يَسْتَوْفِيهِ لَهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (وَإِلَّا) يُحْسِنْ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ (أُمِرَ) أَيْ: أَمَرَهُ السُّلْطَانُ (أَنْ يُوَكِّلَ) مَنْ يَسْتَوْفِيهِ لَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيُوَكِّلُ مَنْ يُحْسِنُ اسْتِيفَاءَهُ.
وَإِنْ ادَّعَى وَلِيٌّ أَنَّهُ يُحْسِنُهُ، فَمُكِّنَ مِنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ.
وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ الْعُنُقِ، وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِهِ ذَلِكَ عُزِّرَ، وَمُنِعَ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَ.
وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْت - وَالضَّرْبَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ الْعُنُقِ - قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِجَوَازِهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْهُ بِأَنْ نَزَلَتْ عَنْ الْمَنْكِبِ؛ رُدَّ قَوْلُهُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ (وَإِنْ احْتَاجَ) الْوَكِيلُ (لِأُجْرَةٍ) فَتُؤْخَذُ (مِنْ) مَالِ (جَانٍ) كَ (أُجْرَةِ) اسْتِيفَاءِ (حَدٍّ) فَإِنَّ أُجْرَةَ مُسْتَوْفِيهِ مِنْ مَالِ الْمَحْدُودِ؛ لِأَنَّهُ لِإِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ، فَكَانَتْ لَازِمَةً لَهُ كَأُجْرَةِ كَيْلِ مَكِيلٍ بَاعَهُ.
(وَمَنْ لَهُ وَلِيَّانِ) أَيْ: وَارِثَانِ (فَأَكْثَرُ) ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ (وَأَرَادَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (مُبَاشَرَتَهُ) أَيْ: الْقَوَدِ بِنَفْسِهِ (قُدِّمَ وَاحِدٌ) مِنْهُمَا (بِقُرْعَةٍ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحَقِّ، وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ غَيْرِهَا (وَوَكَّلَهُ مَنْ بَقِيَ) مِنْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ؛ فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَوْكِيلِ أَحَدِهِمْ أَوْ غَيْرِهِ مُنِعُوا مِنْهُ حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ اقْتِصَاصُ جَانٍ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَى وَلِيِّ) جِنَايَةٍ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ بِأَنْ يَنْصِبَ سَيْفًا أَوْ نَحْوَهُ فَيَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَنْ قَطَعَ رِجْلَ إنْسَانٍ فَقَالَ: أَنَا أَقْطَعُ لَك مِثْلَهَا، فَمَتَى رَضِيَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْوَلِيِّ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ.
(وَ) لَا يَجُوزُ لِوَلِيٍّ أَمَرَ أَنْ يَأْذَنَ لِسَارِقٍ فِي (قَطْعِ) يَدِ (نَفْسِهِ) أَوْ رِجْلِهِ (فِي سَرِقَةٍ) ؛ لِفَوَاتِ الرَّدْعِ بِقَطْعِ غَيْرِهِ (وَيَسْقُطُ الْقَطْعُ) فِي السَّرِقَةِ إنْ قَطَعَ السَّارِقُ نَفْسَهُ لِوُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ (بِخِلَافِ حَدِّ) جَلْدٍ فِي زِنًا (أَوْ قَذْفٍ بِإِذْنِ) حَاكِمٍ فِي جَلْدِ الزِّنَا وَمَقْذُوفٍ
فِي حَدِّ قَذْفٍ؛ فَلَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ قَطْعُ الْعُضْوِ وَقَدْ وُجِدَ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ إلَّا بِسَيْفٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِهِ أَوْ بِمُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ، كَسِحْرٍ وَتَجْرِيعِ خَمْرٍ، أَوْ كَانَتْ بِحَجَرٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ تَغْرِيقٍ أَوْ تَحْرِيقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ لَوْطٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ مِنْ مِفْصَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ أَوْضَحَهُ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ، أَوْ أَجَافَهُ أَوْ أَمَّهُ أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ أَوْ شَلَّاءَ أَوْ زَائِدَةً فَمَاتَ، أَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً غَيْرَ ذَلِكَ فَمَاتَ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ.
وَلِحَدِيثِ: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ.» وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقَوَدِ إتْلَافُ جُمْلَتِهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافٍ كَقَتْلِهِ بِسَيْفٍ كَالٍّ، وَيَدْخُلُ قَوَدُ الْعُضْوِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَدُّ بَدَلِ النَّفْسِ فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ كَالدِّيَةِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قِصَاصًا (فِي طَرَفٍ إلَّا بِسِكِّينٍ لِئَلَّا يَحِيفَ) فِي الِاسْتِيفَاءِ (وَإِنْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي اسْتِيفَاءٍ) مِنْ طَرَفٍ مِثْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ فَيَقْطَعَ اثْنَتَيْنِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً إنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا مِنْ مِفْصَلٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، أَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ عَمْدًا فِي شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ، فَاسْتَوْفَى بَدَلَهَا مُوضِحَةً فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً، أَوْ كَانَ جُرْحًا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ (كَ) اسْتِيفَائِهِ (هَاشِمَةً عَنْ مُوضِحَةٍ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ) كَالْجَانِي ابْتِدَاءً (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْحَاصِلُ زِيَادَةً (حَصَلَ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي) الْمُقْتَصِّ مِنْهُ كَاضْطِرَابِهِ (حَالَ اسْتِيفَاءٍ مِنْهُ) فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ سَرَى الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَوْ إلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ
فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ أَوْ فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، فَسَرَى؛ فَعَلَى الْمُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ قَالَ الْقَاضِي: كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ، جُرْحًا فِي رِدَّتِهِ، وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَمَاتَ مِنْهُمَا (فَإِنْ حَصَلَ) فِعْلُ زِيَادَةٍ عَلَى مَا وَجَبَ (وَاخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُقْتَصُّ، وَالْمُقْتَصُّ مِنْهُ [أَهَلْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا؟ أَوْ خَطَأً؟ ؟ فَقَوْلُ مُقْتَصٍّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ، أَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ مُقْتَصٌّ: حَصَلَ ذَلِكَ بِاضْطِرَابِك، وَقَالَ مُقْتَصٌّ مِنْهُ:] بَلْ بِجِنَايَتِك (فَقَوْلُهُ) أَيْ: الْمُقْتَصِّ (بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ
(وَمَنْ قَطَعَ طَرَفَ شَخْصٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ بُرْئِهِ دَخَلَ قَوَدُ طَرَفِهِ فِي قَوَدِ نَفْسِهِ، وَكَفَى قَتْلُهُ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُرْئِهِ؛ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ؛ فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ، وَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ مَا قَطَعَهُ وَقَتْلُهُ، وَيَأْتِي (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بُرْءٍ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ الْبُرْءُ فِيهَا؛ فَقَوْلُ وَلِيٍّ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سُقُوطِ الْجِنَايَةِ (وَإِلَّا) تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ الْبُرْءُ فِيهَا (فَقَوْلُ جَانٍ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُضِيِّ (فَإِنْ أَقَامَا) ؛ أَيْ: الْجَانِي وَالْوَلِيُّ (بَيِّنَتَيْنِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ وَلِيٍّ) لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
(وَمَنْ فَعَلَ بِهِ) أَيْ: بِجَانٍ (وَلِيُّ) جِنَايَةً (كَفِعْلِهِ) أَيْ: الْجَانِي بِالْمَقْتُولِ مِنْ خَنْقٍ وَنَحْوِهِ؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ) الْوَلِيُّ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ كَقَتْلِهِ بِآلَةٍ كَالَّةٍ (فَلَوْ عَفَا) الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ (وَقَدْ قَطَعَ) مِنْ جَانٍ (مَا فِيهِ دُونَ دِيَةٍ) كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ (فَلَهُ) أَيْ: وَلِيِّ الْجِنَايَةِ (تَمَامُهَا) أَيْ: الدِّيَةِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: مَا قَطَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْجَانِي (دِيَةٌ) كَامِلَةٌ كَمَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ أَوْ أَنْفَهُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: مَا قَطَعَهُ الْوَلِيُّ (أَكْثَرُ) مِنْ دِيَةٍ كَمَا لَوْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ وَكَانَ قَدْ فَعَلَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَفَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِيمَا زَادَ عَلَى الدِّيَةِ (وَإِنْ زَادَ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (عَلَى مَا فَعَلَ جَانٍ) بِأَنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهُ، وَقَتَلَهُ فَقَطَعَ يَدَيْهِ، وَقَتَلَهُ (أَوْ تَعَدَّى)
الْوَلِيُّ (بِقَطْعِ طَرَفِهِ) أَيْ: الْجَانِي، وَلَمْ يَكُنْ قَطَعَ طَرَفًا (فَلَا قَوَدَ) عَلَى الْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ قَتْلَهُ فِي الْجِنَايَةِ صَارَ ذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ عَنْهُ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: مَا زَادَ، وَتَعَدَّى فِيهِ الْوَلِيُّ (بِدِيَتِهِ) سَوَاءٌ عَفَا عَنْ الْجَانِي بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا؛ لِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَمَّا انْتَفَى الْقَوَدُ لِدَرْءِ الشُّبْهَةِ، وَجَبَ الْمَالُ؛ لِئَلَّا تَذْهَبَ جِنَايَتُهُ مَجَّانًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ مَحَلَّ تَضْمِينِ الْمُقْتَصِّ الزَّائِدِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِدِيَتِهِ (إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ) ؛ أَيْ: الْمُقْتَصُّ مِنْهُ (إلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ) أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ بُرْئِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنَّهُ يَدْخُلُ قَوَدُ طَرَفِهِ فِي قَوَدِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَهُ) أَيْ: يَدَ الْمَقْتُولِ (فَقَطَعَ) الْوَلِيُّ (رِجْلَهُ) أَيْ: رِجْلَ الْجَانِي (فَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْوَلِيِّ لِلْجَانِي (دِيَةُ رِجْلِهِ) صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ، وَاسْتِحْقَاقُ الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ بَاقٍ.
(وَيَتَّجِه) أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْجَانِي يَدَهُ فَقَطَعَ وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ رِجْلَ الْجَانِي فَقِيلَ: هُوَ كَقَطْعِ يَدِهِ، وَحِينَئِذٍ (فَيَتَقَاصَّانِ) ؛ لِاسْتِوَاءِ دِيَتِهِمَا وَهَذَا الِاتِّجَاهُ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ احْتِمَالًا (وَاحْتُمِلَ) احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ أَنَّ عَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ دِيَتَهَا؛ لِأَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لِجِنَايَةِ الْجَانِي فِي الِاسْمِ (وَلَا يَقْطَعُ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (يَدَهُ) أَيْ: يَدَ الْجَانِي الْمُسَاوِيَةَ لِيَدِهِ الَّتِي قَطَعَهَا؛ لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ اسْتِيفَاءِ نَظِيرِ مَا فَاتَ عَلَيْهِ أَوْجَبَ سُقُوطَ حَقِّهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَأُلْزِمَ بِدِيَةِ الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا.
[تَنْبِيهٌ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَاءِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ]
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَاءِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ، مِثْلَ أَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، فَبَرِئَتْ جِرَاحَتُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْجَانِي؛ فَقَدْ
اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ بِالْبُرْءِ، وَلِوَلِيِّ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، فَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ: دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَةَ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي وَهُوَ دِيَتَانِ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا فَهِيَ كَالْمُتَّحِدَةِ.
(وَإِنْ ظَنَّ وَلِيُّ دَمٍ أَنَّهُ اقْتَصَّ فِي النَّفْسِ فَلَمْ يَكُنْ اسْتَوْفَى، وَدَاوَاهُ) أَيْ: الْجَانِيَ (أَهْلُهُ حَتَّى بَرِئَ فَإِنْ شَاءَ الْوَلِيُّ دَفَعَ إلَيْهِ دِيَةَ فِعْلِهِ) الَّذِي فَعَلَهُ بِهِ (وَقَتَلَهُ وَإِلَّا) يَدْفَعْ إلَيْهِ دِيَةَ فِعْلِهِ (تَرَكَهُ) فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": هَذَا رَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ قَتَلَ عَدَدًا فِي وَقْتٍ أَوْ أَكْثَرَ فَرَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِقَتْلِهِ]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ قَتَلَ) عَدَدًا (أَوْ قَطَعَ عَدَدًا) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي وَقْتٍ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ وَقْتٍ (فَرَضِيَ أَوْلِيَاءُ كُلٍّ) مِنْ الْقَتْلَى (بِقَتْلِهِ، أَوْ) رَضِيَ (الْمَقْطُوعُونَ بِقَطْعِهِ) فَاقْتَضَى لَهُمْ مَا رَضُوا بِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ (اُكْتُفِيَ بِهِ) لِجَمِيعِهِمْ؛ لِتَعَذُّرِ تَوْزِيعِ الْجَانِي عَلَى الْجِنَايَاتِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِقَتْلِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ الْقِصَاصَ وَالْبَاقُونَ الدِّيَةَ؛ فَلَهُمْ ذَلِكَ (وَإِنْ طَلَب كُلُّ وَلِيٍّ) مِنْ الْقَتْلَى أَوْ طَلَبَ كُلٌّ مِنْ الْمَقْطُوعِينَ (قَتْلَهُ) أَوْ قَطْعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقَوَدُ لَهُ (وَحْدَهُ وَجِنَايَتُهُ) عَلَى الْجَمِيعِ (فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، قُرِعَ) بَيْنَهُمْ، فَيُقَادُ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فِي حَقٍّ لَا يُمْكِنُ تَوْزِيعُهُ عَلَيْهِمْ؛ فَيَتَعَيَّنُ الْمُسْتَحِقُّ بِقُرْعَةٍ (وَإِلَّا) تَكُنْ جِنَايَتُهُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ مَنْ مَاتَ أَوَّلًا) لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ؛ وَلِأَنَّ الْمَحَلَّ صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " تَحْتَ قَوْلِهِ: أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ؛ أَيْ: لِمَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُخَالَفَتِهِ (وَلِمَنْ بَقِيَ) بَعْدَ الْأَوَّلِ (الدِّيَةُ) لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا فَاتَ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ؛ كَمَا لَوْ بَادَرَ غَيْرُ وَلِيِّ الْأَوَّلِ وَاقْتَصَّ بِجِنَايَتِهِ، فَيَقَعُ مَوْقِعَهُ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ، فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ