مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَمَنْ حُصِرَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ رَمَى) الْجِمَارَ (وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ، لَمْ يَجُزْ تَحَلُّلُهُ لِنَحْوِ جِمَاعٍ) وَدَوَاعِيهِ وَعَقْدِ نِكَاحٍ (حَتَّى يَطُوفَ) لِلْإِفَاضَةِ، وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ السَّعْيِ فَقَطْ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ إحْرَامٍ تَامٍّ يُحَرِّمُ جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ خَاصَّةً، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَمَتَى زَالَ الْحَصْرُ أَتَى بِالطَّوَافِ وَسَعَى.
(وَمَنْ حُصِرَ عَنْ) فِعْلٍ (وَاجِبٍ لَمْ يَتَحَلَّلْ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَعَلَيْهِ) لِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (دَمٌ) كَمَا لَوْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ لِتَمَامِ أَرْكَانِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَرْجِعُ) الْمُحْصَرُ (بِهِ) أَيْ: بِالدَّمِ (عَلَى مَنْ حَصَرَهُ) لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَوْ) قَالَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ: (إنْ مَرِضْت فَلِي أَنْ أَحِلَّ، خُيِّرَ بِ) مُجَرَّدِ (وُجُودِ شَرْطِهِ) وَهُوَ الْحَبْسُ أَوْ الْمَرَضُ (بَيْنَ تَحَلُّلٍ مَجَّانًا وَ) بَيْنَ (بَقَاءٍ عَلَى إحْرَامِهِ) حَتَّى يَزُولَ عُذْرُهُ وَيُتِمَّ نُسُكَهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ مَرِضْت مَثَلًا فَأَنَا حَلَالٌ، حَلَّ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ، لِخَبَرِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اشْتَرَطْت» وَلِأَنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْت شَهْرًا، لَكِنْ.
إنْ تَحَلَّلَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، فَوُجُوبُهَا بَاقٍ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.
[فَرْعٌ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ]
(فَرْعٌ: لَوْ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَوْ) وَقَفُوا (إلَّا يَسِيرًا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) بِأَنْ وَقَفُوا الثَّامِنَ أَوْ الْعَاشِرَ (خَطَأً أَجْزَأَهُمْ) نَصًّا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَابِرِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ» وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قِيلَ بِالْقَضَاءِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَخْطَئُوا فِي الْعَدَدِ أَوْ الرُّؤْيَةِ، أَوْ الِاجْتِهَادِ فِي الْغَيْمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ (وَيُجْزِئُ وُقُوفُ الْعَاشِرِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إنْ كَانَ الْخَطَأُ لِأَجْلِ إغْمَاءِ الشَّهْرِ لَا إنْ كَانَ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ (إجْمَاعًا) لِأَنَّ الْهِلَالَ لَمَّا يَرَهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُوهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَطَأٌ وَصَوَابٌ لَا يُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَطَأَ.
وَقَالَ: (وَلَوْ رَآهُ) أَيْ: الْهِلَالَ (طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالْوُقُوفِ، بَلْ الْوُقُوفُ مَعَ الْجُمْهُورِ) وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ فَاتَهُ الْحَجُّ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي الِانْتِصَارِ وَإِنْ أَخْطَأَ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَفِي الْكَافِي وَالْمُجَرَّدِ: وَإِنْ أَخْطَأَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ النَّاسُ، أَوْ إلَّا يَسِيرًا، الثَّامِنَ وَالْعَاشِرَ خَطَأً أَجْزَأَهُمْ (وَاخْتَارَ فِي الْفُرُوعِ) أَنَّهُ (يَقِفُ مَنْ رَآهُ) أَيْ: الْهِلَالَ، يَقِينًا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ (فِي) الْيَوْمِ (التَّاسِعِ) حَسْبَمَا (عِنْدَهُ) مِنْ الْيَقِينِ (وَ) يَقِفُ (مَعَ الْجُمْهُورِ) أَيْضًا لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الِابْتِدَاعِ (وَهُوَ) اخْتِيَارٌ (حَسَنٌ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَبُلُوغِ مَقْصُودِهِ بِنَفْيِ الشَّكِّ وَالِاحْتِيَاطِ.
[بَابُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ وَالْعَقِيقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(الْهَدْيُ) مِنْ: هَدَى يَهْدِي، وَمِنْ أَهْدَى يُهْدِي، وَهُوَ: (مَا يُهْدَى لِلْحَرَمِ مِنْ نَعَمٍ وَغَيْرِهَا) وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّى: مَا يُذْبَحُ بِمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُهْدَى إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا: (مَا يُذْبَحُ) أَيْ: يُذَكَّى (مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ) أَهْلِيَّةٍ (وَغَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ أَيَّامَ النَّحْرِ) يَوْمَ الْعِيدِ وَتَالِيَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي (بِسَبَبِ الْعِيدِ) لَا لِنَحْوِ بَيْعٍ (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) وَيُقَالُ فِيهَا: ضَحِيَّةٌ، وَجَمْعُهَا: ضَحَايَا، وَأَضْحَاةٌ وَالْجَمْعُ أَضْحَى، وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] قَالَ جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَلَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْأَهْلِيَّةِ (بِأَنْوَاعِهَا، فَلَا يُجْزِئُ) فِي أُضْحِيَّةٍ (وَحْشِيٌّ وَلَا مُتَوَلِّدٌ) بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَنْعِ (وَيَصِحُّ هَدْيُ كُلِّ مُتَمَوَّلٍ) مِنْ أَثَاثٍ وَسِلَاحٍ وَنَقْدٍ وَحَيَوَانٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْهَدْيُ بِأَنْوَاعِهِ (سُنَّةٌ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ) ولَمْ يَأْتِهَا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ الْهَدْيَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ «وَأَهْدَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ» قَالَ جَابِرٌ «فِي صِفَةِ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةً وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» .
(وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (إبِلٌ فَبَقَرٌ إنْ أُخْرِجَ كَامِلًا وَإِلَّا) يُخْرِجْ كَامِلًا (فَغَنَمٌ) يُهْدِيهِ أَوْ يُضَحِّي بِهِ أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ.
. . الْحَدِيثَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ ثَمَنًا وَلَحْمًا وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (ثُمَّ شَرَكَ سَبْعٌ) فَأَكْثَرُ (فِي بَدَنَةٍ، ثُمَّ شَرَكَ فِي بَقَرَةٍ) لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالْمُنْفَرِدُ تَقَرَّبَ بِإِرَاقَتِهِ كُلِّهِ، (وَ) الْأَفْضَلُ (مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَسْمَنُ، فَأَغْلَى ثَمَنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا: اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا (فَأَشْهَبُ) أَيْ: أَفْضَلُ أَلْوَانِهَا الْأَشْهَبُ (وَهُوَ: الْأَمْلَحُ، وَهُوَ: الْأَبْيَضُ) النَّقِيُّ الْبَيَاضِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ (أَوْ مَا) فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَ (بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ) قَالَ الْكِسَائِيُّ، لِحَدِيثِ مَوْلَاةِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ سَوْدَاوَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْنُ أُضْحِيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأَصْفَرُ فَأَسْوَدُ) أَيْ: كُلَّمَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْنًا كَانَ أَفْضَلَ (قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي الْبَيَاضُ، (وَقَالَ: أَكْرَهُ السَّوَادَ) انْتَهَى.
(وَجَذَعُ ضَأْنٍ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ مَعْزٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُعْجِبُنِي
الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالضَّأْنِ، وَلِأَنَّهُ أَطْيَبُ لَحْمًا مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ (وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ جَذَعِ الضَّأْنِ، وَثَنِيِّ الْمَعْزِ (أَفْضَلُ مِنْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبْعِ (بَقَرَةٍ وَأَفْضَلُ مِنْ إحْدَاهُمَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ (سَبْعُ شِيَاهٍ) لِكَثْرَةِ إرَاقَةِ الدِّمَاءِ (وَتَعَدُّدٍ فِي جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ غَالٍ بِدُونِهِ) أَيْ: التَّعَدُّدِ، سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْإِمَامَ أَحْمَدَ (فَ) قَالَ لَهُ: (بَدَنَتَانِ) سَمِينَتَانِ (بِتِسْعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ بِعَشَرَةٍ) أَمْ لَا؟ قَالَ: بَدَنَتَانِ أَعْجَبُ إلَيَّ.
(وَذَكَرٌ وَأُنْثَى سَوَاءٌ) لِعُمُومِ، ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] «وَأَهْدَى، النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَيَتَّجِهُ: لَكِنَّ الْخَصِيَّ رَاجِحٌ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ النِّعَاجِ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْفَائِقِ (وَالْإِقْنَاعِ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْخَصِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ النَّعْجَةِ، لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا النَّصِّ، إذْ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمَا ذَكَرَهُ اتِّجَاهًا.
(وَرَجَّحَ الْمُوَفَّقُ الْكَبْشَ) فِي الْأُضْحِيَّةِ (عَلَى سَائِرِ النَّعَمِ) لِأَنَّهُ أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يُجْزِئُ) فِي هَدْيٍ وَاجِبٍ وَلَا أُضْحِيَّةٍ (دُونَ جَذَعِ ضَأْنٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) كَوَامِلَ، لِحَدِيثِ: «يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَالْهَدْيُ مِثْلُهَا، وَيُعْرَفُ بِنَوْمِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِهِ، قَالَهُ الْخِرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ مَعْزٍ) وَهُوَ: (مَا لَهُ سَنَةٌ) كَامِلَةٌ، لِأَنَّهُ قَبْلَهَا لَا يُلَقِّحُ، بِخِلَافِ جَذَعِ الضَّأْنِ، فَإِنَّهُ
يَنْزُو فَيُلَقِّحُ (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ بَقَرٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ سَنَتَانِ) كَامِلَتَانِ، (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ إبِلٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) كَوَامِلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ.
(وَتُجْزِئُ شَاةٌ عَنْ وَاحِدٍ وَ) عَنْ (أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ وَمَمَالِيكِهِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَ) تُجْزِئُ (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ) ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ (عَنْهُمْ) نَصًّا لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»
(فَلَا يُجْزِئُ اشْتِرَاكُ) جَمَاعَةٍ فِيهَا (بَعْدَ ذَبْحٍ) قَالَهُ الشِّيرَازِيُّ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (شِرَاءُ) بَدَنَةٍ وَنَحْوِهَا (مَذْبُوحَةً) لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِلَّحْمِ لَا لِغَيْرِهِ
(وَتُجْزِئُ) الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ (لَوْ) أَرَادُوا كُلُّهُمْ قُرْبَةً، أَوْ (أَرَادَ بَعْضُهُمْ قُرْبَةً، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ لَحْمًا، أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ) مُسْلِمًا وَبَعْضُهُمْ (ذِمِّيًّا) فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَلَوْ ذَبَحُوهَا) أَيْ: الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ (عَلَى أَنَّهُمْ سَبْعَةٌ، فَبَانُوا ثَمَانِيَةً، ذَبَحُوا شَاهً وَأَجْزَأَتْهُمْ) الشَّاةُ مَعَ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ، فَإِنْ بَانُوا تِسْعَةً ذَبَحُوا شَاتَيْنِ وَهَكَذَا
(وَلَوْ اشْتَرَكَا) أَيْ: اثْنَانِ (فِي شَاتَيْنِ مَشَاعًا، أَجْزَأَ) ذَلِكَ عَنْهُمَا، كَمَا لَوْ ذَبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً.
(وَتُجْزِئُ) فِي الْهَدِيَّةِ وَالْأُضْحِيَّةِ (جَمَّاءُ، وَهِيَ: مَا خُلِقَتْ بِلَا قَرْنٍ، وَبَتْرَاءُ) وَهِيَ: (مَا لَا ذَنَبَ لَهَا خِلْقَةً، أَوْ) كَانَ ذَنَبُهَا (مَقْطُوعًا، وَ) تُجْزِئُ (صَمْعَاءُ) بِصَادٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ، هِيَ:
(صَغِيرَةُ أُذُنٍ، وَمَا خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ، وَ) يُجْزِئُ (خَصِيٌّ) وَهُوَ: مَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ سُلَّتَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) يُجْزِئُ (مَرْضُوضُ خُصْيَتَيْنِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» وَالْوِجَاءُ: رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ إذْهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ وَيَسْمَنُ (وَ) تُجْزِئُ (حَامِلٌ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ (وَ) يُجْزِئُ كَبْشٌ (ذَاهِبٌ نِصْفُ أَلْيَتِهِ) (أَوْ) أَيْ: وَيُجْزِئُ ذَاهِبُ (نِصْفِ أُذُنِهِ أَوْ) نِصْفِ قَرْنِهِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَيَأْتِي، وَلَا يُجْزِئُ مَا ذَهَبَ (أَكْثَرُ) مِنْ نِصْفِ أَلْيَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ قَرْنِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: الْعَضْبُ النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْعَضْبَاءُ: مَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ كَالْكُلِّ (وَلَا) يُجْزِئُ (مَا انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا، وَهِيَ: الْعَصْمَاءُ) قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ (وَلَا) يُجْزِئُ (مَا ذَهَبَ ثَنَايَاهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَهِيَ: الْهَتْمَاءُ) فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الثَّنَايَا بَقِيَّةٌ أَجْزَأَ (وَ) لَا تُجْزِئُ (مَا شَابَ وَنَشَفَ ضَرْعُهَا.
وَهِيَ: الْجَدَّاءُ وَالْجَدْبَاءُ) لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِهَا (وَلَا) تُجْزِئُ (عَرْجَاءُ لَا تُطِيقُ مَشْيًا مَعَ صَحِيحَةٍ) إلَى الْمَرْعَى (وَلَا) تُجْزِئُ (بَيِّنَةُ الْعَوَرِ، بِأَنْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا) لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَلَا) تُجْزِئُ (قَائِمَةُ عَيْنَيْنِ مَعَ ذَهَابِ إبْصَارِهِمَا) لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ رَفِيقَتِهَا، وَيَمْنَعُ مُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْعَمْيَاءِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ (عَجْفَاءُ لَا تُنْقِي) بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْقَافِ (وَهِيَ: الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا، وَلَا بَيِّنَةُ الْمَرَضِ بِجَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَجْزَأَتْ، لِأَنَّ عَوَرَهَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَلَا يَنْقُصُ بِهِ لَحْمُهَا (وَلَا) يُجْزِئُ (خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ) وَهُوَ: مَا قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ، نَصًّا، فَإِنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ فَقَطْ، أَوْ سُلَّتَا أَوْ رُضَّتَا أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فَقَطْ، أَجْزَأَ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (غَيْرُ مِلْكِهِ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَكُرِهَ مَعِيبَةُ أُذُنٍ وَقَرْنٍ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعِ نِصْفٍ فَأَقَلَّ، وَهِيَ: الْعَضْبَاءُ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا شَرْقَاءَ» قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: مَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ: تَقْطَعُ طَرَفَ الْأُذُنِ، قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ: تَقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ، قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تَشُقُّ الْأُذُنَ، قُلْت: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ تَشُقُّ أُذُنَهَا لِلسِّمَةِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا، لِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّ مَقْطُوعَةَ نِصْفِ (الْأَلْيَةِ كَذَلِكَ) أَيْ: تُكْرَهُ مَعَ الْإِجْزَاءِ، لِمَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَا بَأْسَ بِكُلِّ نَقْصٍ دُونَ النِّصْفِ، قَالَ: وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النِّصْفَ يَكْرَهُهُ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا تُكْرَهُ حَامِلًا، لِلْخِلَافِ فِي عَدَمِ إجْزَائِهَا، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ
أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، قِيلَ لِلْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: الْحَامِلُ لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: الْقَصْدُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ اللَّحْمُ، وَالْحَمْلُ يُنْقِصُ اللَّحْمَ، وَالْقَصْدُ مِنْ الزَّكَاةِ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ، وَالْحَامِلُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْحَائِلِ فَأَجْزَأَتْ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا الِاتِّجَاهَ مَسْبُوقٌ إلَيْهِ.
[فَرْعٌ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ عَيْبٌ حَدَثَ بِمُعَالَجَةِ ذَبْحٍ]
. (فَرْعٌ: قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (عَيْبٌ حَدَثَ بِمُعَالَجَةِ ذَبْحٍ) كَانَ أَصَابَتْ الشَّفْرَةُ عَيْنَ الْمَذْبُوحِ فَقَلَعَتْهَا، أَوْ تَعَاصَى فَأَلْقَاهُ الذَّابِحُ بِعُنْفٍ، فَكَسَرَ رِجْلَهُ أَوْ غِلَافَ قَرْنِهِ وَنَحْوَهُ.
[فَصْلٌ سُنَّ نَحْرُ إبِلٍ قَائِمَةٍ]
(فَصْلٌ) (وَسُنَّ نَحْرُ إبِلٍ قَائِمَةٍ مَعْقُولَةٍ يَدُهَا الْيُسْرَى بِأَنْ يَطْعَنَهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا بِنَحْوِ حَرْبَةٍ (فِي الْوَهْدَةِ) وَهِيَ (بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِحَدِيثِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنَةً لِيَنْحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً سُنَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا وَيُؤَيِّدُهُ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] أَيْ: سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، لَكِنْ إنْ خَشِيَ أَنْ تَنْفِرَ أَنَاخَهَا» .
(وَ) سُنَّ (ذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ مُوَجَّهَةً لِلْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] وَلِحَدِيثِ: «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» وَيَجُوزُ نَحْرُ مَا يُذْبَحُ، وَذَبْحُ مَا يُنْحَرُ وَيَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ مَحِلَّ الذَّبْحِ، وَلِعُمُومِ حَدِيثِ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (وَيَقُولُ) عِنْدَ تَوْجِيهِ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ [الأنعام: 79] الْآيَةَ) أَيْ: اُذْكُرْ تَمَامَ الْآيَةِ، وَهُوَ: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79] ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162] إلَى آخِرِ (الْآيَةِ) وَهُوَ ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163] . وَقَوْلُهُ: " مِنْ " بَدَلُ " أَوَّلُ " لِمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَى.
(وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ) أَيْ: نَحْوِ الذَّابِحِ: (اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) لِحَدِيثِ: «تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
كَقَوْلِ وَكِيلِ ذَلِكَ، أَوْ يَقُولُ ذَابِحٌ بِيَدِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ شَاهِدٌ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك (وَيُسَمِّي ذَابِحٌ حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ وُجُوبًا) وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا، وَيُكَبِّرُ نَدْبًا (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163] ، بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ، وَيَذْبَحُ أَوْ يَنْحَرُ وَاجِبًا مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ قَبْلَ ذَبْحِ أَوْ نَحْرِ نَفْلٍ مِنْهُمَا مُسَارَعَةً
لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ
وَسُنَّ إسْلَامُ ذَابِحٍ، لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلِيَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا، وَإِلَّا بِأَنْ اسْتَنَابَ ذَابِحًا كِتَابِيًّا، كُرِهَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «وَلَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ»
(وَتُوَلِّيهِ) أَيْ: الْمُهْدِي أَوْ الْمُضَحِّي الذَّبْحَ (بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ) نَصًّا لِلْأَخْبَارِ (كَحُضُورِهِ) إنْ وَكَّلَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ: «وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» (وَتُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ) أَيْ: الْمُوَكِّلِ حَالَ تَوْكِيلٍ فِي الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّهَا (لَا) تُعْتَبَرُ (نِيَّةُ وَكِيلٍ) فِي ذَبْحِ أَوْ نَحْرِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَالْإِرَاقَةِ، لِأَنَّ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ غَالِبًا يُخْرِجُهُمَا الْمُوَكِّلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لِلَّهِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ، فَلَا يَفْتَقِرُ فِعْلُ الْوَكِيلِ، إلَى نِيَّةٍ حِينَهُ، بِخِلَافِ وَكِيلٍ فِي دَفْعِ زَكَاةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ حَالَ دَفْعِهَا مَعَ طُولِ الزَّمَنِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ وَكِيلٍ وَلَا مُوَكِّلٍ وَقْتَ الْإِرَاقَةِ مَعَ تَعْيِينِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (مُطْلَقًا) طَالَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تُعْتَبَرُ (تَسْمِيَةُ مُضْحًى عَنْهُ) وَلَا مُهْدًى عَنْهُ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ.
(وَوَقْتُ ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيِ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَ) هَدْيِ (مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ مِنْ بَعْدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْبَلَدِ) الَّذِي تُصَلَّى بِهِ، وَلَوْ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ (أَوْ مِنْ) بَعْدِ (قَدْرِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ) يَعْنِي: لِمَنْ بِمَحِلٍّ لَا تُصَلَّى فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : كَكَوْنِهِ بِبَلَدٍ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، فَوَقْتُ ذَبْحِهِ مُضِيُّ قَدْرِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَلَدٍ تُقَامُ فِيهِ فَوْقَ فَرْسَخٍ، وَكَأَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ أَصْحَابِ الطنبو الخركاوات وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا، أَمَّا مَنْ كَانَ بِمِصْرٍ أَوْ بَلَدٍ تُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الذَّبْحُ قَبْلَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِنْ فَاتَتْ صَلَاةٌ بِزَوَالٍ ذَبَحَ بَعْدَهُ، لِحَدِيثِ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» وَحَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(إلَى آخِرِ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) قَالَ أَحْمَدُ: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ، وَالتَّضْحِيَةُ (فِي أَوَّلِهَا) أَيْ: أَيَّامِ الذَّبْحِ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُهُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَذَبْحُ الْإِمَامِ إنْ كَانَ (فَمَا يَلِيهِ) أَيْ: يَوْمَ الْعِيدِ، أَفْضَلُ مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ.
(وَتُكْرَهُ) التَّضْحِيَةُ (لَيْلًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَتُجْزِئُ) لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ الرَّمْيُ فِي الْجُمْلَةِ كَالسُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ، وَدَاخِلٌ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ، فَجَازَ فِيهِ كَالْأَيَّامِ (فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ) لِلذَّبْحِ (قَضَى الْوَاجِبَ) وَفَعَلَ بِهِ (كَأَدَاءِ) مَذْبُوحٍ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ الذَّبْحُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا فِي وَقْتِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْهَا حَتَّى خَرَجَ (وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا (فَلَوْ ذَبَحَهُ) أَيْ: التَّطَوُّعَ (بَعْدُ) وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلَحْمٌ لَا أُضْحِيَّةٌ يَصْنَعُ بِهِ (مَا شَاءَ كَذَبْحٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَوَقْتُ ذَبْحِ هَدْيٍ وَاجِبٍ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ (مِنْ حِينِهِ) أَيْ: فِعْلُ الْمَحْظُورِ كَالْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ.
وَإِذَا أَرَادَ فِعْلَ الْمَحْظُورِ لِعُذْرٍ يُبِيحُهُ، فَلَهُ ذَبْحُ مَا يَجِبُ بِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ، كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ عَنْ يَمِينٍ بَعْدَ حَلِفٍ (كَدَمٍ وَاجِبٍ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) يَدْخُلُ وَقْتُهُ مِنْ تَرْكِهِ.
(تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ أُضْحِيَّةٍ) أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: (نَعَمٌ أَهْلِيَّةٌ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ.
(وَ) الثَّانِي: (سَلَامَتُهَا) مِنْ عُيُوبٍ مُضِرَّةٍ.
(وَ) الثَّالِثُ: (دُخُولُ وَقْتِ) ذَبْحٍ.
(وَ) الرَّابِعُ: (صِحَّةُ ذَكَاةٍ) بِأَنْ يَذْبَحَهَا مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
[فَصْلٌ التَّضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ]
(فَصْلٌ) (التَّضْحِيَةُ) : بِفَتْحِ التَّاءِ: ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ أَيَّامَ النَّحْرِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَنْ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمِلْكِ) وَهُوَ الْحُرُّ وَالْمُبَعَّضُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ (أَوْ مُكَاتَبٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا، وَكَالْعَقِيقَةِ، وَمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْوُجُوبِ مِنْ
قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، كَحَدِيثِ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَحَدِيثِ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْأُضْحِيَّةُ مِنْ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ فَتُضَحِّي الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِلَا إذْنِهِ) عِنْدَ غَيْبَتِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَيْضًا: (وَ) يُضَحِّي (مَدِينٌ لَمْ يُطَالِبْهُ رَبُّ الدَّيْنِ.
انْتَهَى) . وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَقْتَصِرُ) مَدِينٌ ضَحَّى (عَلَى أَدْوَنَ) و (مُجْزِئٍ) فَلَا يَتَغَالَى فِي ثَمَنِهَا لِئَلَّا يَضُرَّ بِغَرِيمِهِ، لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا وَلِيُّ يَتِيمٍ) ضَحَّى (عَنْهُ) فَيَقْتَصِرُ عَلَى أَدْوَنَ مُجْزِئٍ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ (وَكُرِهَ تَرْكُهَا) أَيْ: التَّضْحِيَةِ (لِقَادِرٍ) عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَ) التَّضْحِيَةُ (عَنْ مَيِّتٍ أَفْضَلُ مِنْهَا عَنْ حَيٍّ) لِعَجْزِهِ وَاحْتِيَاجِهِ لِلثَّوَابِ (وَيُعْمَلُ بِهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ عَنْ مَيِّتٍ (كَ) أُضْحِيَّةٍ (عَنْ حَيٍّ) مِنْ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ (وَتَجِبُ) التَّضْحِيَةُ (بِنَذْرٍ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَكَانَتْ) التَّضْحِيَةُ (وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَالْوِتْرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ لِلْخَبَرِ (وَذَبْحُهَا)
أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (وَ) ذَبْحُ (عَقِيقَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِثَمَنِهَا) نَصًّا، وَكَذَا هَدْيٌ، لِحَدِيثِ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي فُرُشِهِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَقَدْ ضَحَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْدَى الْهَدَايَا، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ» ، وَلَوْ أَنَّ الصَّدَقَةَ بِالثَّمَنِ أَفْضَلُ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ.
(وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا) أَوْ قَبْلَهُ (قَامَ وَارِثُهُ مُقَامَهُ) فِي الْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ وَالصَّدَقَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ.
(وَسُنَّ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ وَصَدَقَتُهُ) مِنْهَا (أَثْلَاثًا) أَيْ: يَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ (مِنْ أُضْحِيَّةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ (وَاجِبَةً، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ.
وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُهْدِيَ لِكَافِرٍ مِنْ أُضْحِيَّةِ تَطَوُّعٍ) قَالَ أَحْمَدُ: نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: «يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْمَسَاكِينِ» قَالَ عَلْقَمَةُ: بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ بِالثُّلُثِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ وَلَا يَسْأَلُ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَلَا يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْهَا وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا» ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْهَدِيَّةُ مِنْ وَاجِبَةٍ لِكَافِرٍ، كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ (لَا مِنْ مَالِ يَتِيمٍ وَمُكَاتَبٍ فِي إهْدَاءٍ وَصَدَقَةٍ) أَيْ: إذَا ضَحَّى وَلِيُّ الْيَتِيمِ
عَنْهُ لَا يُهْدِي مِنْهَا، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ مِنْ مَالِهِ (وَيُوَفِّرُهَا لَهُ) وَكَذَا مُكَاتَبٌ ضَحَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا ذُكِرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إذْنِ سَيِّدِهِ فِي التَّضْحِيَةِ إذْنُهُ فِي التَّبَرُّعِ، (وَيَلْزَمُ غَيْرَهُمَا) أَيْ: الْيَتِيمِ وَالْمُكَاتَبِ (تَصَدُّقٌ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ لَحْمٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْأُوقِيَّةُ (لِوُجُوبِ صَدَقَةٍ بِبَعْضِهَا) فَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَ قَدْرَ أُوقِيَّةٍ، لِأَنَّ مَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ لَا تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ، وَيَلْزَمُ غُرْمُ مَا وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مَعَ بَقَائِهِ، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ إذَا أَتْلَفَهُ كَالْوَدِيعَةِ (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ فَقِيرٍ لَحْمًا نِيئًا فَلَا يَكْفِي إطْعَامُهُ) كَالْوَاجِبِ فِي كَفَّارَةٍ.
(وَنُسِخَ تَحْرِيمُ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ) فَيَدَّخِرُ مَا شَاءَ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُمَا لَمْ تَبْلُغْهُمَا الرُّخْصَةُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إلَّا زَمَنَ مَجَاعَةٍ، لِأَنَّهُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الِادِّخَارِ.
وَالدَّافَّةُ: قَوْمٌ مِنْ الْأَعْرَابِ يَرِدُونَ الْمِصْرَ لِيَتَوَسَّعُوا بِلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ.
(وَكَانَ مِنْ شِعَارِ الصَّالِحِينَ تَنَاوُلُ لُقْمَةٍ مِنْ نَحْوِ كَبِدِهَا) ، أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (تَبَرُّكًا) وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْأَكْلَ (وَلَهُ إعْطَاءُ الْجَازِرِ مِنْهَا هَدِيَّةً وَصَدَقَةً) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «لَا تُعْطِ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا» قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَلِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ بَلْ أُولَى، لِأَنَّهُ
بَاشَرَهَا، وَتَاقَتْ إلَيْهَا نَفْسُهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ مِنْهَا (بِأُجْرَتِهِ) لِلْخَبَرِ (وَيَتَصَدَّقُ نَدْبًا أَوْ يَنْتَفِعُ بِجِلْدِهَا وَجَلِّهَا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ تَبَعٌ لَهَا، فَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَاللَّحْمِ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَمِثْلِهِ) فِي الْحُكْمِ (هَدْيٌ، وَلَوْ) كَانَ (وَاجِبًا) حَيْثُ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ دَمَ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ، فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيَنْتَفِعَ بِجِلْدِهِ وَجَلِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَحَرُمَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ هَدْيًا كَانَتْ أَوْ أُضْحِيَّةً (وَلَوْ) كَانَتْ (تَطَوُّعًا) لِتَعَيُّنِهَا بِالذَّبْحِ، وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ السَّابِقِ (وَمِنْ جِلْدٍ وَجَلٍّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: «وَلَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا» قَالَ أَحْمَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْف نَبِيعُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أُضْحِيَّةً؟ ، (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ، وَلَوْ) كَانَ إيجَابُهُ (بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ غَيْرِ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ «وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً، ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَقَرَ فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا» قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً (فَإِنْ أَكَلَ هُوَ) أَيْ: الْمُهْدِي مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ (أَوْ) أَطْعَمَ (خَاصَّتَهُ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ (وَلَوْ) كَانُوا (فُقَرَاءَ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ غَنِيًّا (وَضُمِنَ) مَأْكُولٌ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ (وَمَا مَلَكَ أَكْلَهُ) كَأَكْثَرِ هَدْيِ
التَّطَوُّعِ (فَلَهُ هَدِيَّتُهُ) لِغَيْرِهِ، لِقِيَامِ الْمُهْدِي لَهُ مُقَامَهُ (وَإِلَّا) يَمْلِكْ أَكْلَهُ كَهَدْيٍ وَاجِبٍ غَيْرِ دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ (ضَمِنَ) أَيْ: مُهْدِيهِ (بِمِثْلِهِ) لَحْمًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ مَصْحُوبٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ، وَكَذَا إنْ أَعْطَى الْجَزَّارَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ) أَيْ: كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْهَدْيِ أَوْ أَتْلَفَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ غَنِيًّا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ جَازَ، كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: الْمُتْلِفُ مِنْ الْهَدْيِ (أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ اللَّحْمَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ فَهُوَ مِثْلِيٌّ (وَإِنْ مَنَعَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَخْذِهِ (حَتَّى أَنْتَنَ ضَمِنَ نَقْصَهُ إنْ انْتَفَعَ بِهِ، وَإِلَّا) يَنْتَفِعْ بِهِ (فَ) يَضْمَنْ (قِيمَتَهُ) قَالَهُ فِي الْفُصُولِ.
(وَيَتَّجِهُ: يَشْتَرِي بِهَا) أَيْ: بِقِيمَتِهِ لَحْمًا (مِثْلَهُ) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ فَرَّقَ وَاجِبًا) مِنْ هَدْيِ نَذْرٍ (وَلَوْ أُضْحِيَّةً بِلَا إذْنٍ) مِنْ مَالِكِهَا (لَمْ يَضْمَنْ) شَيْئًا (وَأَجْزَأَ) لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ (وَيُبَاحُ لِفُقَرَاءَ أَخْذٌ مِنْهُ) أَيْ: الْهَدْيِ، إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ مَالِكُهُ (بِإِذْنٍ) مِنْهُ (كَقَوْلِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ: (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ، أَوْ بِتَخْلِيَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ وَقَالَ لِسَائِقِ الْبُدْنِ: اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَاءِ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا (وَإِنْ سُرِقَ بِلَا تَفْرِيطٍ مَذْبُوحٌ لَا حَيٌّ مِنْ أُضْحِيَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ (أَوْ هَدْيٍ مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً، أَوْ عَنْ وَاجِبٍ بِذِمَّةٍ وَلَوْ) كَانَ وَاجِبًا (بِنَذْرٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ، فَلَا يَضْمَنُهُ بِتَلَفِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ (مَسْرُوقٌ مِنْ نَحْوِ) دَمِ (مُتْعَةٍ) كَقِرَانٍ (وَمَا) أَيْ: دَمٍ (وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ) أَيْ: فَلَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي حِفْظِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) مَا ذَبَحَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ (قَبْلَ ذَبْحٍ فَسُرِقَ، ضَمِنَ) مَا فِي ذِمَّتِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ عَنْ مَا لَهُ فَضَمِنَهُ، كَبَقِيَّةِ مَالِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ سُرِقَ (أَوْ لَمْ يُسْرَقْ) وَمِثْلُهُ لَوْ تَلِفَ أَوْ ضَاعَ أَوْ غُصِبَ بَعْدَ ذَبْحِهِ، لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ ذَبَحَهَا) أَيْ: الْمُعَيَّنَةَ مِنْ هَدْيٍ
وَأُضْحِيَّتَهُ (ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِلَا إذْنٍ) مِنْ رَبِّهَا (فَإِنْ) كَانَ الذَّابِحُ (نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ) لَمْ تُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَّقَ لَحْمَهَا أَوْ لَا (أَوْ) نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ وَ (فَرَّقَ لَحْمَهَا، لَمْ تُجْزِ) عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَضَمِنَ) ذَابِحٌ (مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ) أَيْ: قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَذْبُوحَةً، (إنْ لَمْ يُفَرِّقْ لَحْمَهَا، وَ) ضَمِنَ (قِيمَتَهَا) صَحِيحَةً (إنْ فَرَّقَهُ) أَيْ: اللَّحْمَ، لِأَنَّهُ غَاصِبٌ مُتْلِفٌ عُدْوَانًا (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) ذَابِحٌ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ لَحْمَهَا أَوْ عَلِمَهُ، وَنَوَى الْمُعَيَّنَةَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ عَنْ رَبِّهَا، أَوْ أَطْلَقَهُ (أَجْزَأَتْ) عَنْ مَالِكِهَا (لِعَدَمِ افْتِقَارِ نِيَّةِ ذَبْحٍ وَلَا ضَمَانَ) نَصًّا، لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا (فَلَوْ ضَحَّى اثْنَانِ) كُلٌّ مِنْهُمَا ضَحَّى (بِأُضْحِيَّةِ الْآخَرِ غَلَطًا، كَفَتْهُمَا) لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا بِذَبْحِهَا فِي وَقْتِهَا (وَلَا ضَمَانَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ اسْتِحْسَانًا، لِإِذْنِ الشَّرْعِ فِيهِ، وَلَوْ فَرَّقَا اللَّحْمَ (وَإِنْ بَقِيَ اللَّحْمُ) أَيْ: لَحْمُ مَا ذَبَحَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، (تَرَادَّاهُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُفَرِّقَ أُضْحِيَّتَهُ بِنَفْسِهِ فَكَانَ أُولَى بِهِ.
[فَرْعٌ أَخَذَ المضحي شَيْئًا مِنْ شعر الْأُضْحِيَّة بَعْد دُخُول عَشْر ذِي الْحَجَّة]
(فَرْعٌ: إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيْ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ (حَرُمَ فَقَطْ عَلَى مَنْ يُضَحِّي أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ أَخَذَ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ إلَى الذَّبْحِ) أَيْ: ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مِنْ بَشَرَتِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهُوَ فِي الْهَدْيِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ، وَمَا قَبْلَهُ خَاصٌّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَحْوِ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْجِمَاعِ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ حَلْقِ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يُضَحِّيَ، اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ، وَلَا فِدْيَةَ عَمْدًا فَعَلَهُ أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ أَخْذِ مَنْ يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ، لِتَشْمَلَ الْمَغْفِرَةُ وَالْعِتْقُ مِنْ النَّارِ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا، وَتَوْجِيهُهُ بِالتَّشْبِيهِ بِالْمُحْرِمِينَ فَاسِدٌ، لِعَدَمِ كَرَاهَةِ مَسِّهِ الطِّيبَ وَالْمَخِيطَ وَالنِّسَاءَ اتِّفَاقًا.
قَالَهُ الْمُنَقِّحُ.
(وَلَوْ) ضَحَّى (بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ يُضَحِّي بِأَكْثَرَ) مِنْهَا فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، لِعُمُومِ حَتَّى يُضَحِّيَ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ: الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ وَبَشَرَتِهِ مَمْنُوعٌ (فِي) حَقِّ (غَيْرِ مُتَمَتِّعٍ حَلَّ) إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَّ حَلْقُ) مُضَحٍّ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الصُّبْحِ، قَالَ أَحْمَدُ: عَلَى الذَّابِحِ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
[فَصْلٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِقَوْلِهِ هَذَا هَدْيٌ]
(فَصْلٌ) (الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِ) قَوْلِهِ: (هَذَا هَدْيٌ) لِاقْتِضَائِهِ الْإِيجَابَ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ بِتَقْلِيدِهِ) النَّعْلَ وَالْعُرَى وَآذَانَ الْقُرَبِ بِنِيَّةِ كَوْنِهِ هَدْيًا (أَوْ) بِ (إشْعَارِهِ بِنِيَّتِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ، لِقِيَامِ الْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْمَقْصُودِ مَعَ النِّيَّةِ مَقَامَ اللَّفْظِ كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ (وَ) تَتَعَيَّنُ (أُضْحِيَّةٌ بِ) قَوْلِهِ: (هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) أَيْ: وَيَتَعَيَّنُ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ بِقَوْلِهِ: هَذَا، أَوْ: هَذِهِ (لِلَّهِ، أَوْ) : هَذِهِ (صَدَقَةٌ، وَنَحْوُهُ مِنْ أَلْفَاظِ النَّذْرِ) كَلِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُهُ (فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَا) يَتَعَيَّنُ هَدْيٌ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ وَنَحْوُهُ (إنْ قَالَهُ نَحْوُ مُتَلَاعِبٍ) كَمَازِحٍ، إذْ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا.
(وَيَدِينُ) مُدَّعٍ عَدَمَ التَّعْيِينِ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ حُكْمًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا تَعْيِينَ) لِهَدْيٍ وَلَا أُضْحِيَّةٍ (بِنِيَّةِ) ذَلِكَ حَالَ (شِرَاءٍ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَعْيِينَ (بِسَوْقٍ) مَعَ نِيَّةِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ أَوْ إشْعَارٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ (كَإِخْرَاجِهِ مَالًا لِصَدَقَةٍ بِهِ) فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ لِلْخَبَرِ (وَمَا تَعَيَّنَ) مِنْ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (جَازَ نَفْلٌ فِيهِ وَشِرَاءُ خَيْرٍ مِنْهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ نَفْعِ
الْفُقَرَاءِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَالْإِبْدَالُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ.
(وَيَصِيرُ) مَا اشْتَرَاهُ (مُعَيَّنًا بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ) اكْتِفَاءً بِالتَّعْيِينِ الْأَوَّلِ (وَ) جَازَ (إبْدَالُ لَحْمِ) مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، وَ (لَا) يَجُوزُ إبْدَالُ مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ أَوْ لَحْمِهِمَا (بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ) بِمَا (دُونَهُ) إذْ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ (وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُهُ) أَيْ: مَا تَعَيَّنَ (فِي دَيْنٍ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتٍ) كَعِتْقِ مَعِيبٍ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ (وَذَبْحٌ) وُجُوبًا (بِوَقْتِ أُضْحِيَّةٍ) وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مُقَامَهُ فِي أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ (وَإِنْ عَيَّنَ فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (مَعْلُومَ عَيْبِهِ، تَعَيَّنَ) كَمَا لَوْ نَذَرَهُ (وَكَانَ قُرْبَةً) يُثَابُ عَلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْهُ لَحْمًا (لَا أُضْحِيَّةً) - قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ حَدَثَ بِهَا، أَيْ: بِالْمُعَيَّنَةِ أُضْحِيَّةً، عَيْبٌ كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَنَحْوِهِ، أَجْزَأَهُ، ذَبْحُهَا، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً - (مَا لَمْ يَزُلْ عَيْبُهُ) الْمَانِعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ (قَبْلَ ذَبْحٍ) فَيُجْزِئُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَا إنْ عَيَّنَ) هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (نَحْوَ ضَبٍّ) كَضَبُعٍ (وَظِبَاءٍ) مِمَّا يُؤْكَلُ مِنْ الْوُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ، وَحُكْمُهُ كَنَذْرٍ، فَلَوْ ذَبَحَهُ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ، وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُهُ لَحْمًا لَا أُضْحِيَّةً، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُ بَدَلِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، لِفَسَادِ التَّعْيِينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَمْلِكُ) مَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَجْهَلُهُ وَعَيَّنَهُ
(رَدَّ مَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ، أَوْ) أَيْ: وَيَمْلِكُ (أَخْذَ أَرْشِهِ، وَهُوَ) أَيْ: الْأَرْشُ (كَفَاضِلِ قِيمَةٍ فِيمَا يَأْتِي) قَرِيبًا (وَلَوْ بَانَتْ مَعِيبَةً) مُعَيَّنَةً (مُسْتَحَقَّةً، لَزِمَهُ بَدَلُهَا) نَصًّا (اعْتِبَارًا بِمَا فِي ظَنِّهِ) .
(وَ) يُبَاحُ لِمُهْدٍ وَمُضَحٍّ أَنْ (يَرْكَبَ) هَدْيًا وَأُضْحِيَّةً مُعَيَّنَيْنِ (لِحَاجَةٍ فَقَطْ بِلَا ضَرَرٍ) لِحَدِيثِ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ بِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ، لِلْحَدِيثِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِهَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَيَضْمَنُ النَّقْصَ) بِرُكُوبِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهَا (وَحَرُمَ) رُكُوبُهَا (بِلَا حَاجَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَوَلَدُ مُعَيَّنَةٍ) ابْتِدَاءً، أَوْ عَمَّا فِي ذِمَّةٍ مِنْ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (كَهِيَ، وَلَوْ) كَانَ (حَادِثًا) بِأَنْ حَدَثَ بَعْدَ تَعْيِينِهَا، (فَيُذْبَحُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ، وَلَوْ عَلَى ظَهْرِهَا (أَوْ) أَمْكَنَ (سَوْقُهُ) إلَى الْمَنْحَرِ (وَإِلَّا) يُمْكِنْ حَمْلُهُ، وَلَا سَوْقُهُ (فَ) هُوَ (كَهَدْيٍ عَطِبَ) فَيَذْبَحُهُ مَوْضِعَهُ، وَيَأْتِي.
(وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُ) أَيْ: وَلَدِهَا، وَلَمْ يَضُرَّهَا، وَلَا يُنْقِصُ لَحْمَهَا، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّهَا، وَلَا وَلَدَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ أَضَرَّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا (حَرُمَ، وَ) عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِهِ، فَإِنْ شَرِبَهُ (ضَمِنَهُ) لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذٍ.
(وَ) يُبَاحُ أَنْ (يَجُزَّ صُوفَهَا) أَيْ: الْمُعَيَّنَةَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (وَنَحْوَهُ) كَوَبَرِهَا (لِمَصْلَحَةٍ) لِانْتِفَاعِهَا بِهِ (وَيَتَصَدَّقُ)
بِهِ نَدْبًا (أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ كَجِلْدٍ) لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دَوَامًا، فَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا لِيَقِيَهَا حَرًّا أَوْ بَرْدًا، حَرُمَ جَزُّهُ كَأَخْذِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا.
(وَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ (أَجْنَبِيٌّ) غَيْرُ صَاحِبِهَا (أَوْ) أَتْلَفَهَا (صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا) مُتْلِفُهَا (بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلِفَ) كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ (تُصْرَفُ فِي مِثْلِهَا كَهَدْيٍ) مُعَيَّنٍ (أُتْلِفَ أَوْ عَابَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: صَاحِبِهِ (أَوْ تَفْرِيطِهِ) وَلَوْ كَانَ مَا عَيَّنَهُ زَائِدًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ شَاةٌ، فَعَيَّنَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَتَلِفَتْ، أَوْ تَعَيَّبَتْ، يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ نَظِيرَ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَفِي الْمُغْنِي لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَجَبَتْ بِتَعْيِينِهِ، وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَسَقَطَتْ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ هَدْيًا تَطَوُّعًا، ثُمَّ تَلِفَ (بِخِلَافِ قِنٍّ تَعَيَّنَ لِعِتْقٍ) بِأَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ (فَأَتْلَفَهُ) مَالِكُهُ أَوْ غَيْرُهُ (فَلَا) يَلْزَمُهُ صَرْفُ قِيمَتِهِ فِي مِثْلِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلرَّقِيقِ، وَقَدْ هَلَكَ.
(وَإِنْ فَضَلَ) مِنْ قِيمَةِ الْمُعَيَّنِ (عَنْ شِرَاءِ الْمِثْلِ شَيْءٌ) لِنَحْوِ رُخْصٍ عَرَضَ (اشْتَرَى بِهِ) أَيْ: الْفَاضِلِ (شَاةً أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبْعَ (بَقَرَةٍ) إنْ بَلَغَ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) ثَمَنَ شَاةٍ أَوْ سُبْعِ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ (تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِلَحْمٍ يَشْتَرِي بِهِ) أَيْ: بِالْفَاضِلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ مَا شَرَاهُ يُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّدَقَةِ بِهِ (كَأَرْشِ جِنَايَةٍ فِي نُقْصَانِهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَوْ مَرِضَتْ) أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ (فَخَافَ) صَاحِبُهَا (عَلَيْهَا) مَوْتًا (فَذَبَحَهَا، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (وَلَوْ تَرَكَهَا) بِلَا ذَبْحٍ (فَمَاتَتْ، فَلَا) شَيْءَ عَلَيْهِ نَصًّا، لِأَنَّهَا كَالْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُفَرِّطْ (وَعَكْسُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ، (هَدْيُ، فَلَوْ عَطِبَ) كَتَعِبَ (بِطَرِيقٍ هَدْيُ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ بِنِيَّةٍ دَامَتْ)
أَيْ: اسْتَمَرَّتْ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ صُحْبَةَ الرِّفَاقِ (ذَبَحَهُ مَوْضِعَهُ) وُجُوبًا، لِئَلَّا يَمُوتَ (فَلَوْ فَرَّطَ) بِأَنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ (ضَمِنَهُ) بِقِيمَتِهِ يُوَصِّلُهَا (لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُهَا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا عَطِبَ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ يَشْتَرِي بِهَا بَدَلَهُ، وَإِنْ فَسَخَ نِيَّةَ التَّطَوُّعِ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ (وَسُنَّ غَمْسُ نَعْلٌ) الْهَدْيِ الْعَاطِبِ الْمُقَلَّدِ بِهِ (بِعُنُقِهِ فِي دَمِهِ وَضَرْبُ صَفْحَتِهِ بِهَا) أَيْ: النَّعْلِ الْمَغْمُوسَةِ فِي دَمِهِ (لِيَأْخُذَهُ الْفُقَرَاءُ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ وَ) أَكْلُ (خَاصَّتِهِ مِنْهُ) أَيْ: الْهَدْيِ الَّذِي عَطِبَ غَيْرَ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ (كَمَا مَرَّ) لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ شَيْءٌ مِنْهَا فَخَشِيتَ عَلَيْهِ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهُمَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: «وَتُخْلِيهَا وَالنَّاسَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي الْحِفْظِ، فَيُعْطِبَ لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهُ، فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فِي عَطْبِهِ لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ (وَيُجْزِئُ ذَبْحُ مَا) أَيْ: هَدْيٍ (تَعَيَّبَ لَا بِتَفْرِيطِهِ مِنْ وَاجِبٍ) بِالتَّعْيِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ جَرَّ بَقَرَةً بِقَرْنِهَا إلَى الْمَنْحَرِ فَانْقَلَعَ، (كَتَعْيِينِهِ مَعِيبًا، فَبَرِئَ) مِنْ عَيْبِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ عَيَّنَهُ) أَيْ: عَيَّنَ صَحِيحًا فَتَعَيَّبَ بِلَا فِعْلِهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ (عَنْ) دَمٍ (وَاجِبٍ سَلِيمٍ بِذِمَّتِهِ كَفِدْيَةٍ) وَهِيَ الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ مِنْ هَدْيِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ، وَمَا وَجَبَ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ (وَ) كَدَمٍ (مَنْذُورٍ) بِذِمَّتِهِ (تَعَيَّنَ) ذَلِكَ
الْمُتَعَيَّبُ (وَلَمْ يُجْزِهِ) ذَبْحُهُ عَمَّا بِذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِذِمَّتِهِ دَمٌ صَحِيحٌ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ مَعِيبٌ، وَيَعُودُ الْوُجُوبُ إلَى الذِّمَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ، فَاشْتَرَى بِهِ مَكِيلًا، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الْوَاجِبِ بِالتَّعْيِينِ عَنْهُ، كَالدَّيْنِ يَضْمَنُهُ ضَامِنٌ، أَوْ يَرْهَنُ بِهِ رَهْنًا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالضَّامِنِ، وَالرَّهْنُ مَعَ بَقَائِهِ بِذِمَّةِ الْمَدِينِ فَمَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الضَّامِنِ، أَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِيَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ، وَيَحْصُلُ التَّعْيِينُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِالْقَوْلِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ بِذِمَّتِهِ دَمٌ وَاجِبٌ (نَظِيرُهُ) أَيْ: نَظِيرُ مَا تَعَيَّبَ (سَلِيمًا وَلَوْ زَادَ) الَّذِي عَيَّنَهُ (عَمَّا) أَيْ: عَنْ الَّذِي (بِذِمَّتِهِ كَبَدَنَةٍ عُيِّنَتْ) أَيْ: كَأَنْ عَيَّنَهَا (عَنْ شَاةٍ) فَتَعَيَّبَتْ الْبَدَنَةُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ نَظِيرُ الَّتِي تَعَيَّبَتْ، لِتَعَلُّقِ الْوَاجِبِ بِهَا، فَلَزِمَهُ مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ (وَكَذَا لَوْ سُرِقَ) الْمُعَيَّنُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ (أَوْ ضَلَّ أَوْ غُصِبَ) فَيَلْزَمُهُ نَظِيرُهُ، وَلَوْ زَادَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ أَوْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ، وَإِنْ نَحَرَهُ جَازَ أَكْلُهُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ) أَيْ: الْعَاطِبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ (لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ أَوْ تَعْيِينِهِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فَأَضَلَّتْهُمَا، فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ بِهَدْيَيْنِ، فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِذَبْحِ غَيْرِهِ بَدَلَهُ.
[فَصْلٌ يَجِبُ هَدْيٌ بِنَذْرٍ]
(فَصْلٌ) (يَجِبُ هَدْيٌ بِنَذْرٍ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ، فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ النُّذُورِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا (وَمِنْهُ) أَيْ: النَّذْرِ (إنْ لَبِسْتُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ) فَيَصِيرُ هَدْيًا وَاجِبًا يَلْزَمُهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
(وَسُنَّ سَوْقُ حَيَوَانٍ) أَهْدَاهُ (مِنْ الْحِلِّ) «لِسَوْقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَجَّتِهِ الْبُدْنَ وَكَانَ يَبْعَثُ هَدْيَهُ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» . (وَ) سُنَّ (أَنْ يَقِفَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (بِعَرَفَةَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى هَدْيًا إلَّا مَا وَقَفَهُ بِعَرَفَةَ.
وَلَنَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْهَدْيِ نَحْرُهُ، وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمٍ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ دَلِيلٌ.
(وَ) سُنَّ (إشْعَارُ بُدْنٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ، جَمْعُ: بَدَنَةٍ.
(وَ) إشْعَارُ (بَقَرٍ بِشَقِّ صَفْحَةٍ يُمْنَى مِنْ سَنَامٍ) بِفَتْحِ السِّينِ (أَوْ) شَقِّ (مَحِلِّهِ) أَيْ: السَّنَامِ، مِمَّا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ بَقَرٍ وَإِبِلٍ (حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ.
وَ) سُنَّ (تَقْلِيدُهُمَا) أَيْ: الْبُدْنِ وَالْبَقَرِ (مَعَ) تَقْلِيدِ (غَنَمٍ النَّعْلَ وَآذَانَ قُرَبٍ وَعُرًى) بِضَمِّ الْعَيْنِ: جَمْعُ: عُرْوَةٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ لِفَرْضٍ صَحِيحٍ، فَجَازَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْحِجَامَةِ، وَفَائِدَتُهُ تَوَقِّي نَحْوِ لِصٍّ لَهَا، وَعَدَمُ اخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا.
وَسُنَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمِيقَاتِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ، فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ مِنْهَا بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ بَعَثَ بِهَا فَمِنْ بَلَدِهِ وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُشْعَرُ، لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا
يَسْتُرُهُ، وَأَمَّا تَقْلِيدُهَا فَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ (فَأَقَلُّ مُجْزِئٍ) عَنْ نَذْرِهِ (شَاةٌ) جَذَعُ ضَأْنٍ، أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ (أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبْعُ (بَقَرَةٍ) لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ فِي النَّذْرِ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ (وَإِنْ ذَبَحَ إحْدَاهُمَا) أَيْ: بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ (كَانَتْ) الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ (كُلُّهَا وَاجِبَةً) لِتَعَيُّنِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِذَبْحِهَا عَنْهُ.
(وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطْلَقَ) الْبَدَنَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَإِلَّا) يُطْلِقْ الْبَدَنَةَ، بِأَنْ نَوَى مُعَيَّنَةً (لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ) . كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِلَفْظِهِ (وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ) كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: النَّاذِرِ (إيصَالُهُ) إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، (وَ) إيصَالُ (ثَمَنِ غَيْرِ مَنْقُولٍ) كَعَقَارٍ (لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ، شَرْعًا.
وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا قَالَ: تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ.
(وَيَتَّجِهُ: فِي هَدْيِ صَيْدٍ) أَتَى بِهِ مِنْ الْجَبَلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ (ذَبْحُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ) وَإِيصَالُ لَحْمِهِ إنْ أَمْكَنَ (أَوْ بَيْعُهُ) إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ (وَنَقْلُ ثَمَنِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا إنْ نَذَرَ سَوْقَ أُضْحِيَّةٍ لِمَكَّةَ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ بِهَا) فَيَلْزَمُهُ لِلْخَبَرِ (وَإِنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ (شَيْئًا لِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ) أَيْ: النَّذْرِ
لِذَلِكَ الْمَكَانِ (تَعَيَّنَ ذَبْحًا وَتَفْرِيقًا لِفُقَرَائِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لَهُمْ) فِي مَوْضِعِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ) : إطْلَاقُهُ لَهُمْ (لِيَنْحَرُوهُ) وَيَنْتَفِعُوا بِهِ، لَا لِيَبِيعُوهُ وَيَقْتَسِمُوا ثَمَنَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ: أَبِهَا صَنَمٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ» وَلِأَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَكَانَ عَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَيْهِمْ (فَإِنْ كَانَ بِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (نَحْوُ صَنَمٍ) كَبُيُوتِ نَارٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ أَمْرِ كُفْرٍ (فَ) هُوَ (نَذْرُ مَعْصِيَةٍ) يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِحَدِيثِ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .
تَتِمَّةٌ: لَوْ عَيَّنَ مَكَانًا لَيْسَ فِيهِ فُقَرَاءُ، لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكَانُ، وَلَهُ الذَّبْحُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، كَالْمَنْذُورِ ذَبْحُهُ لَا بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَلَهُ ذَبْحُهُ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ.
[فَصْلٌ فِي الْعَقِيقَةُ]
(فَصْلٌ) (الْعَقِيقَةُ) : الذَّبِيحَةُ عَنْ الْمَوْلُودِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ: إذَا قَطَعَهُمَا.
وَالذَّبْحُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ.
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
فِي حَقِّ أَبٍ لَا غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَيَقْتَرِضُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَعُقُّ
فَاسْتَقْرَضَ أَرْجُو أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إحْيَاءُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا يَقْتَرِضُ، لِأَنَّهُ إضْرَارٌ لِنَفْسِهِ وَغَرِيمِهِ.
(وَلَا يَعُقُّ غَيْرُ أَبٍ) إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ امْتِنَاعٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
(وَلَا يَعُقُّ مَوْلُودٌ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَبِرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْأَبِ، فَلَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالرَّوْضَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: عَقَّ غَيْرُ الْأَبِ وَالْمَوْلُودُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: لَكِنْ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْعَقِيقَةِ (فَ) تُسَنُّ (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فَإِنْ عَدِمَ) الشَّاتَيْنِ (فَوَاحِدَةٌ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ) جَذَعُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ، لِحَدِيثِ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» وَفِي لَفْظٍ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» .
(وَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) تُذْبَحُ عَقِيقَةً (إلَّا كَامِلَةً) نَصًّا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَأَفْضَلُهُ شَاةٌ تُذْبَحُ (فِي سَابِعِ وِلَادَةٍ) بِنِيَّةِ الْعَقِيقَةِ نَدْبًا ضَحْوَةً، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: ذَبْحُهَا يَوْمَ السَّابِعِ أَفْضَلُ (وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ) أَيْ: السَّابِعِ، وَلَا تُجْزِئُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وِلَادَةٍ، كَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْيَمِينِ، لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سَبَبِهَا.
(وَيَحْلِقُ فِيهِ) أَيْ: السَّابِعِ (رَأْسَ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَتُهُ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، قَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتْ الْحَسَنَ: «احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْأَوْقَاصِ» يَعْنِي: أَهْلَ الصُّفَّةِ.
(وَكُرِهَ لَطْخُهُ) أَيْ: الْمَوْلُودِ (مِنْ دَمِهَا) أَيْ: الْعَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ أَذًى وَتَنْجِيسٌ، لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ مُهَنَّا: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ، فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ يُدَمَّى رَوَاهُ دَمَّامٌ فَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَيُسَمَّى: أَيْ: مَكَانَ يُدَمَّى، قَالَ: وَهِمَ هَمَّامٌ، فَقَالَ: وَيُدَمَّى، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أُرَاهُ إلَّا خَطَأً.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُهُ بِزَعْفَرَانٍ، لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ: «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ، ذَبَحَ عَنْهُ شَاةً، وَيُلَطِّخُ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسُنَّ أَذَانٌ فِي يُمْنَى أُذُنَيْ مَوْلُودٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حِينَ يُولَدُ، وَإِقَامَةٌ بِيُسْرَى أُذُنَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ.» وَسُنَّ أَنْ يُحَنَّكَ الْمَوْلُودُ بِتَمْرَةٍ بِأَنْ تُمْضَغَ وَيُدَلَّكَ بِهَا دَاخِلَ فَمِهِ، وَيُفْتَحُ فَمُهُ لِيَنْزِلَ شَيْءٌ مِنْهَا جَوْفَهُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ» زَادَ
الْبُخَارِيُّ: «وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى» فَإِنْ فَاتَ ذَبْحٌ بِيَوْمِ سَابِعٍ، فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ يُسَنُّ، فَإِنْ فَاتَ ذَبْحٌ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ وِلَادَتِهِ يُسَنُّ، رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.
وَلَا تُعْتَبَرُ الْأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَعُقُّ فِي أَيِّ يَوْمٍ شَاءَ كَقَضَاءِ أُضْحِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.
وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً نَدْبًا، وَلَا يُكَسِّرُ عَظْمَهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «السُّنَّةُ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُطْبَخُ جُدُولًا لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ» ، أَيْ: عُضْوًا عُضْوًا، وَهُوَ الْجَدْلُ، بِدَالٍ، وَالْإِرْبُ وَالشِّلْوُ وَالْعُضْوُ أَوْ الْوَصْلُ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِلتَّفَاؤُلِ بِالسَّلَامَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ.
(وَطَبْخُهَا أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِهَا نِيئًا) نَصًّا (وَيَكُونُ مِنْهُ) أَيْ: الطَّبْخِ (شَيْءٌ بِحُلْوٍ) تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِهِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي التَّنْبِيهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَ الْقَابِلَةَ مِنْهَا فَخْذًا) لِمَا فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الَّتِي عَقَّتْهَا فَاطِمَةُ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: أَنْ يَبْعَثُوا إلَى الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا» وَحُكْمُهَا، أَيْ: الْعَقِيقَةِ كَأُضْحِيَّةٍ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ، وَكَذَا فِيمَا يُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ، وَفِي أَكْلٍ وَهَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَمْلِيكٌ، قَالَ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ جِيرَانَهُ، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُؤْكَلُ مِنْ الْعَقِيقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُؤْكَلُ مِنْهَا، قُلْت: كَمْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
أَمَّا الْأَضَاحِيُّ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَكِنْ الْعَقِيقَةُ يُؤْكَلُ مِنْهَا، قُلْت: يُشْبِهُهَا فِي الْأَكْلِ الْأُضْحِيَّةُ، قَالَ: نَعَمْ، يُؤْكَلُ مِنْهَا فَتُطْبَخُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ نَصًّا.
(وَيُطْعِمُ مِنْهَا لِأَوْلَادٍ وَجِيرَانٍ وَمَسَاكِينَ) قِيلَ لِأَحْمَدَ، فَإِنْ طُبِخَتْ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ؟ فَقَالَ: مَا ضَرَّ ذَلِكَ (لَكِنْ يُبَاعُ جِلْدٌ وَرَأْسٌ وَسَوَاقِطُ) مِنْ عَقِيقَةٍ (وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ) أَيْ: مَا بِيعَ مِنْ ذَلِكَ (وَلَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِذَبْحِهَا، فَلَهُ بَيْعُهَا، بِخِلَافِ أُضْحِيَّةٍ) فِي بَيْعِ مَا ذُكِرَ (لِأَنَّهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةَ (أَدْخَلُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْعَقِيقَةِ (فِي التَّعَبُّدِ) وَالْعَقِيقَةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، أَشْبَهَتْ الْوَلِيمَةَ، وَالذَّكَرُ فِيهَا أَفْضَلُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ» (وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهَا: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ، هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اذْبَحُوا عَلَى اسْمِهِ فَقُولُوا بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ، هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانٍ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ: هَذَا حَسَنٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَرَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ يُهَنِّئُهُ بِابْنٍ: لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا يُدْرِيكَ أَفَارِسٌ هُوَ أَوْ حِمَارٌ؟ فَقَالَ: كَيْف نَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: بُورِكَ فِي الْمَوْهُوبِ، وَشَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ (وَإِنْ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ، فَعَقَّ أَوْ ضَحَّى) وَنَوَى عَنْهُمَا (أَجْزَأَ) مَا ذَبَحَهُ (عَنْ الْأُخْرَى) كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَسُنَّةَ الْمَكْتُوبَةِ، أَوْ صَلَّى بَعْدَ الطَّوَافِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً مَكْتُوبَةً وَقَعَ عَنْهُ وَعَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ شَاةً يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ أَوْ الْقِرَانِ، وَعَنْ الْأُضْحِيَّةِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ: (وَفِي مَعْنَاهُ لَوْ اجْتَمَعَ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ بِمَكَّةَ) فَتُجْزِئُ ذَبِيحَتُهُ عَنْهُمَا، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا بِالذَّبْحِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا تَضْحِيَةَ بِمَكَّةَ إنَّمَا هُوَ الْهَدْيُ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ (وَلَا تُسَنُّ) الـ (فَرَعَةٌ) وَتُسَمَّى: الْفَرَعَ،
بِفَتْحِ الرَّاءِ فِيهِمَا وَهِيَ (نَحْرُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ.
وَلَا) تُسَنُّ (الْعَتِيرَةُ) وَهِيَ: (ذَبِيحَةُ رَجَبٍ وَلَا تُكْرَهَانِ) أَيْ: الْفَرَعَةُ وَالْعَتِيرَةُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ نَفْيُ كَوْنِهِمَا سُنَّةً لَا النَّهْيُ عَنْهُمَا.
[فَصْلٌ سُنَّ تَسْمِيَةُ مَوْلُودٍ سَابِعَ وِلَادَةٍ]
(فَصْلٌ) (سُنَّ تَسْمِيَةُ مَوْلُودٍ سَابِعَ وِلَادَةٍ وَتَحْسِينُ اسْمِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ، وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ) إلَى اللَّهِ (عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا.
وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ، وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ، وَوَاجِبٌ لَهُ، وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ، ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إلَى الرَّبِّ إضَافَةً حَقِيقِيَّةً، فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ، فَجُعِلَتْ لَهَا كَهَذِهِ الْفَضِيلَةِ.
(وَكُلُّ مَا أُضِيفَ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (فَهُوَ حَسَنٌ) كَعَبْدِ الرَّحِيمِ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدِ الْخَالِقِ، وَنَحْوِهَا (وَكَذَا أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ) كَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَمُحَمَّدٍ وَصَالِحٍ وَشَبَهِهَا، لِحَدِيثِ: «تَسَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي» وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا عَذَّبْت أَحَدًا تَسَمَّى بِاسْمِك فِي النَّارِ» (وَتَجُوزُ تَسْمِيَةٌ بِأَكْثَرَ مِنْ اسْمٍ كَ) تَسْمِيَتِهِ (بِاسْمٍ وَكُنْيَةٍ وَلَقَبٍ) وَهُوَ: مَا أَشْعَرَ بِمَدْحٍ كَ: زَيْنِ الْعَابِدِينَ، أَوْ ذَمٍّ كَ: بَطَّةَ (وَ) الِاقْتِصَارُ عَلَى (اسْمٍ) وَاحِدٍ (أَوْلَى) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوْلَادِهِ.
(وَحَرُمَ تَسْمِيَةٌ بِعَبْدٍ لِغَيْرِ اللَّهِ) تَعَالَى (كَعَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَعَبْدِ النَّبِيِّ، وَعَبْدِ الْحُسَيْنِ وَكَ: مَلِكِ الْأَمْلَاكِ) مِمَّا يُوَازِي أَسْمَاءَ اللَّهِ، كَسُلْطَانِ السَّلَاطِينِ (وَشَاهَانْ شَاهْ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ» (أَوْ) أَيْ: وَحَرُمَ تَسْمِيَةٌ (بِمَا لَا يَلِيقُ إلَّا بِهِ تَعَالَى كِ: قُدُّوسٍ وَخَالِقٍ وَرَحْمَنٍ) لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى (قَالَ) الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ (ابْنُ الْقَيِّمِ: وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل الدِّينِ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ إطْلَاقِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ) قِيَاسًا عَلَى مَا يَبْغُضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ (وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ تَحْرُمُ تَسْمِيَةٌ بِسَيِّدِ النَّاسِ، وَسَيِّدِ الْكُلِّ كَمَا يَحْرُمُ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ) لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ إلَّا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَكَ) مَا يَحْرُمُ (قَوْلُهُ لِمُنَافِقٍ أَوْ كَافِرٍ: يَا سَيِّدِي) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» فَلَيْسَ مِنْ بَابِ إنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالِاسْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الْمُسَمَّى، وَالْإِخْبَارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ الْمُسَمَّى لَا يَحْرُمُ، وَبَابُ الْإِخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْإِنْشَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ.
وَكُرِهَ تَسْمِيَةٌ بِحَرْبٍ وَيَسَارٍ وَرَبَاحٍ وَنَجِيحٍ وَأَفْلَحَ وَبَرَكَةَ وَمُبَارَكٍ وَمُفْلِحٍ وَخَيْرٍ وَسُرُورٍ وَنِعْمَةَ وَمُقْبِلَةَ وَيَعْلَى وَرَافِعٍ وَالْعَاصِي وَشِهَابٍ وَمُضْطَجِعٍ وَنَبِيٍّ وَرَسُولٍ وَنَحْوِهَا، كَذَا كُلُّ مَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ كَالتَّقِيِّ وَالزَّكِيِّ وَالْأَشْرَفِ وَالْأَفْضَلِ وَبَرَّةَ، قَالَ الْقَاضِي: وَكُلُّ مَا فِيهِ تَفْخِيمٌ وَتَعْظِيمٍ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: «وَلَا تُسَمِّ غُلَامَك يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّك تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ ، فَلَا يَكُونُ فَتَقُولُ: لَا» فَرُبَّمَا كَانَ طَرِيقًا إلَى التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ، فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ مَا يُطْرِقُ الطِّيرَةَ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ، لِحَدِيثِ عُمَرَ: «إنَّ الْآذِنَ عَلَى مَشْرُبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدٌ يُقَالُ لَهُ: رَبَاحٌ» وَكَذَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الشَّيْطَانِ كِ: مُرَّةَ وَوَلْهَانَ وَالْأَعْوَرِ وَالْأَجْدَحِ، وَكَذَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْفَرَاعِنَةِ وَالْجَبَابِرَةِ كَ: فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَالْوَلِيدِ.
وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ كَ: جَبْرَائِيلُ.
وَيُسْتَحَبُّ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: «وَغَيَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمَ الْعَاصِي وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سِلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا عَفْرَةً سَمَّاهَا خَضِرَةً، وَشِعْبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةٍ بَنِي مُرْشِدَةٍ وَقَالَ: وَتَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلِاخْتِصَارِ» .
(وَلَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ النُّجُومِ) بِالْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ (نَحْوَ: حَمَلٍ وَثَوْرٍ وَجَدْيٍ) لِأَنَّهَا أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ، وَاللُّغَةُ وَضْعُ لَفْظٍ دَلِيلًا عَلَى مَعْنًى (وَلَيْسَ) مَعْنَاهُ أَنَّهَا هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ حَتَّى يَكُونَ (ذَلِكَ كَذِبًا، بَلْ) وَضْعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِتِلْكَ الْمَعَانِي (تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ كَمَا سَمَّوْا) فِي اللُّغَةِ (الْكَرِيمَ بَحْرًا) لَكِنْ اسْتِعْمَالُ الْبَحْرِ لِلْكَرِيمِ مَجَازٌ، بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فِي النُّجُومِ، فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ، وَالتَّوَسُّعُ فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ.
(وَلَا) بَأْسَ (بِالْكُنَى كَأَبِي فُلَانٍ وَ) أَبِي (فُلَانَةَ، وَأُمِّ فُلَانٍ وَ) أُمِّ (فُلَانَةَ) اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَإِنَّ التَّكَنِّي كَانَ مَوْجُودًا كَثِيرًا فِي زَمَنِهِمْ.
(وَلَا يُكْرَهُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ: وَقَدْ فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْيَانِ، وَرِضَاهُمْ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ
بَيْنَهُمَا فِي حَيَاتِهِ.
(وَ) لَا بَأْسَ (بِالْأَلْقَابِ كَ: عِزِّ الدِّينِ، وَشَرَفِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ) تَأْوِيلَ ذَلِكَ أَنَّ (الدِّينَ كَمَّلَهُ وَشَرَّفَهُ) قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ.
(فَرْعٌ: لَا بَأْسَ بِتَرْخِيمِ) الِاسْمِ (الْمُنَادَى، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) «لِزَوْجَتِهِ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ: يَا عَائِشَ» بِحَذْفِ التَّاءِ، وَيَجُوزُ عَرَبِيَّةً ضَمُّ الشِّينِ عَلَى لُغَةِ مَنْ لَا يَنْتَظِرُ.
وَكَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِبِنْتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ: (يَا فَاطِمُ» وَ) لَا بَأْسَ (بِتَصْغِيرِهِ) أَيْ: الِاسْمِ (مَعَ عَدَمِ أَذًى) بِذَلِكَ (كَ) تَصْغِيرِ أَنَسٍ إلَى (أُنَيْسٌ) إذْ قَدْ يُرَادُ بِالتَّصْغِيرِ التَّعْظِيمُ وَالتَّحْبِيبُ.
(وَلَا يَقُلْ) سَيِّدٌ لِرَقِيقِهِ: (يَا عَبْدِي، وَ) لِأَمَتِهِ: يَا (أَمَتِي) لِإِشْعَارِهِ بِالتَّكَبُّرِ وَالِافْتِخَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) يَقُولُ (الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ) : يَا (رَبِّي، وَ) لَا: يَا (مَوْلَايَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيهَامِ.
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
ُ: مَصْدَرُ: جَاهَدَ جِهَادًا وَمُجَاهَدَةً مِنْ جَهَدَ: إذَا بَالَغَ فِي قَتْلِ عَدُوِّهِ، وَخَتَمَ بِهِ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ بِهِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النِّفَاقِ» . فَالْجِهَادُ لُغَةً: بَذْلُ الطَّاقَةِ وَالْوُسْعِ، وَشَرْعًا: (قِتَالُ الْكُفَّارِ) خَاصَّةً بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِمْ (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَإِلَّا أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَالْخِطَابُ فِي ابْتِدَائِهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ، ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا وَيُقِيمُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ كَمَا يَأْتِي وَلِذَلِكَ هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابَهُ، لَمَّا تَخَلَّفُوا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (وَهُوَ) أَيْ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ: (مَا قُصِدَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) كَرَدِّ السَّلَامِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ (كَسَتْرِ عَارٍ وَإِشْبَاعِ جَائِعٍ) وَفَكِّ أَسْرٍ عَلَى قَادِرٍ (مَعَ تَعَذُّرِ بَيْتِ الْمَالِ) عَنْ ذَلِكَ، أَوْ تَعَذُّرِ أَخْذِهِ مِنْهُ لِمَنْعٍ أَوْ نَحْوِهِ (وَ) مِنْ ذَلِكَ (صَنَائِعُ مُبَاحَةٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا غَالِبًا) لِمَصَالِحِ النَّاسِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ (كَخِيَاطَةٍ وَحِدَادَةٍ وَبِنَاءٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ) لِأَنَّ أَمْرَ الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ لَا يَنْتَظِمُ إلَّا بِذَلِكَ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ أَهْلُهُ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ كَانَ طَاعَةً، وَإِلَّا فَلَا (وَ) مِنْ ذَلِكَ إقَامَةُ الدَّعْوَةِ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ (كَدَفْعِ شُبَهٍ بِحُجَّةٍ وَسَيْفٍ) لِمَنْ عَانَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] (وَ) مِنْهُ (أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ) وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ بِشَرْطِهِ.
وَالْمَعْرُوفُ: كُلُّ مَا أُمِرَ بِهِ بِهِ شَرْعًا، وَالْمُنْكَرُ: كُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ جَزْمًا، وَشَاهَدَهُ وَعَرَفَ مَا يُنْكَرُ، وَلَمْ يَخَفْ أَذًى، قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّوَهُّمِ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ: لَا تَأْمُرْ عَلِيًّا بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُك، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْإِرْشَادِ: مِنْ شَرْطِ الْإِنْكَارِ أَنْ يُعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى مَفْسَدَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: إذَا أَمَرْت أَوْ نَهَيْت فَلَمْ يَنْتَهِ فَلَا تَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ