مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَ) يُبَاحُ (قَتْلُ قُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ بِهِ، وَلَا يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِيهِ لِطَهَارَتِهِ، خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ حَرَّمَ إلْقَاءَهُ فِيهِ.
(وَكَلَامُهُ) ، أَيْ: صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْفَصْلِ، (فِي كَثِيرِ مَسَائِلَ غَيْرُ مُحَرَّرٍ) ، كَقَوْلِهِ: وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْسِ فِيهِ - أَيْ: الْمَسْجِدِ - مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا إذَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ تَتَعَدَّى.
وَقَوْلُهُ: وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ، وَقَوْلُهُ: عَنْ إقَامَةِ حَدٍّ، يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ، حَيْثُ أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَعَلَيْهِ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ أَحْمَدُ: حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ.
(وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: كَلَامِهِ هُنَا (ضَعِيفٌ مُكَرَّرٌ) ، كَقَوْلِهِ: وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، مَعَ أَنَّهُ قُدِّمَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَقَوْلِهِ: فَلَا يُلَوِّثُ حُصْرَهُ، مَعَ أَنَّهُ قُدِّمَ: وَأَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَضَعَ سُفْرَةً يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ، لِئَلَّا يُلَوَّثَ الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهَا، وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأَكْثَرُهُ.
. . إلَى آخِرِهِ، نَظَرٌ، إذْ بَعْضُهُ ضَعِيفٌ مُكَرَّرٌ، لَا أَكْثَرُهُ، كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَتَبَّعَهُ.
(وَيُخْرَجُ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (مُعَبِّرٌ) لِلرُّؤْيَا، و (لَا) يُخْرَجُ مِنْهُ (قَاصٌّ) يَعِظُ النَّاسَ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي قَاصٌّ إذَا كَانَ صَدُوقًا) يَذْكُرُ أَخْبَارَ الْأَوَائِلِ عَلَى وَجْهِهَا، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ، (مَا أَحْوَجَ النَّاسُ إلَيْهِ) ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ وَعْظُهُ عَارِيًّا عَنْ شَائِبَةِ الرِّيَاءِ، وَاسْتِجْلَابِ حُطَامِ الدُّنْيَا، قَاصِدًا بِذَلِكَ نُصْحَ إخْوَانِهِ، مُخْلِصًا لِلَّهِ فِي سِرِّهِ وَإِعْلَانِهِ، مُتَّعِظًا بِمَا يُلْقِيه مِنْ النَّصَائِحِ، قَامِعًا نَفْسَهُ عَنْ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ، فَحِينَئِذٍ يَنْشَأُ وَعْظُهُ عَنْ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ، فَيُؤَثِّرُ فِي النُّفُوسِ الْجَمُوحَةِ الْأَبِيَّةِ.
(وَقَالَ) الْإِمَامُ أَيْضًا: (مَا أَنْفَعَهُمْ) ، أَيْ: الْقُصَّاصَ فِي الْجُمْلَةِ، (وَإِنْ كَانَ عَامَّةً) ، أَيْ: غَالِبُ (حَدِيثُهُمْ كَذِبًا) ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَخْبَارٍ إسْرَائِيلِيَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَخْلُو عَنْ مُبَالَغَاتٍ غَيْرِ وَارِدَةٍ.
(وَقَالَ) أَيْضًا: (يُعْجِبُنِي الْقَصَّاصُ، لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْمِيزَانَ وَعَذَابَ الْقَبْرِ) ، وَمَا يَكُونُ فِي الْبَرْزَخِ، (وَذَكَرَ) الْإِمَامُ (أَلْفَاظًا كَثِيرَةً) تَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْوَعْظِ، وَحُسْنُ حَالِ الْوُعَّاظِ، لِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى وَعْظِهِمْ مِنْ الْفَوَائِدِ.
(وَسُنَّ كَنْسُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (يَوْمَ الْخَمِيسِ) ، وَإِخْرَاجُ كُنَاسَةٍ مِنْهُ، (وَتَنْظِيفُهُ) فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، (وَتَطْيِيبُهُ) فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ.
(وَ) سُنَّ (ضَوْءُ قَنَادِيلِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَقَطْ، لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ - وَكَانَتْ الْبِلَادُ إذْ ذَاكَ خَرَبًا - قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَكَثْرَةُ إيقَادِهَا زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ) ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ، (فَمَنْ زَادَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْحَاجَةِ، (ك) مَا لَوْ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي (لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، أَوْ) لَيْلَةِ (خَتْمٍ) فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي
التَّرَاوِيحِ، أَوْ لَيْلَةِ الْمُشْتَهِرَةِ بِالرَّغَائِبِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ (مِنْ مَالِ وَقْفٍ، ضَمِنَ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، لِخُلُوِّهِ عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيُؤَدِّي عَادَةً لِكَثْرَةِ لَغَطٍ وَلَهْوٍ وَشُغْلِ قُلُوبِ الْمُصَلِّينَ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: تَوَهَّمَ كَوْنَهُ قُرْبَةً بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ)
بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ بَعْضِ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إيقَادُ الْمَآذِنِ، لَكِنَّهُ فِي رَمَضَانَ صَارَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ عَلَامَةً عَلَى بَقَاءِ اللَّيْلِ.
(وَيُمْنَعُ مَارٌّ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ) ، صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْبِئْرِ، وَالْفَرَسِ، وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ» . فَأَمَّا الْبِئْرُ، فَهُوَ: مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ، فَهُوَ: مَا دَارَ فِيهِ برسنه إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ، فَهُوَ: اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ " وَهَذَا الْخَبَرُ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، قَالَهُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ ". (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (أَحَدًا) وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ وَلَدَهُ، (وَيَجْلِسَ) مَكَانَهُ، (أَوْ يُجْلِسَ غَيْرَهُ فِيهِ) . لِمَا سَبَقَ (إلَّا لِصَبِيٍّ) ، فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَمَنْ أَتْلَفَ مَسْجِدًا ضَمِنَهُ إجْمَاعًا، وَيَضْمَنُ بِغَصْبٍ) ، قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ، كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ مَسْجِدٌ وَيُجَدَّدَ) بِنَاؤُهُ (لِمَصْلَحَةٍ) كَضِيقِهِ بِأَهْلِهِ (نَصًّا) ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ غَيْرُ حَصِينٍ، وَلَهُ مَنَارَةٌ، لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ، لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكِلَابُ.
(وَ) يَجُوزُ (ارْتِفَاقٌ بِحَرِيمِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِمُصَلِّينَ) ، قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي حَرِيمِهِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ
إذْنُ السُّلْطَانِ، وَلَا نَائِبِهِ لِلْحَرَجِ، وَلَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِارْتِفَاقِ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
(وَلَا يُكْرَهُ تَسَوُّكٌ بِهِ) ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَمِنْ سَرَّحَ شَعْرَهُ، وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ، (وَجَمَعَهُ) ، أَيْ: الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ، (فَأَلْقَاهُ خَارِجَهُ) ، فَلَا بَأْسَ، (وَإِلَّا) يُلْقِهِ خَارِجَهُ، بَلْ تَرَكَهُ فِيهِ، (كُرِهَ، لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ، (يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ إذَا دَفَنَهُ بِالْمَسْجِدِ لَا كَرَاهَةَ.
تَتِمَّةٌ: لَا بَأْسَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَكْلِ فِيهِ، وَالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ لِمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ، وَإِذَا دَخَلَهُ وَقْتَ السَّحَرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى صَدْرِهِ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ.
وَلَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ، وَلَا الْمَدِينَةَ، وَلَا مَسَاجِدِ الْحِلِّ، وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ، وَيَجُوزُ دُخُولُهَا لِلذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ، إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا.
وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِيهِ، لَا عَلَى غَيْرِ سَائِلٍ، وَلَا عَلَى مِنْ سَأَلَ لَهُ الْخَطِيبُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ، قَالَ: صَلَّيْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُقَرِّبُ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَ، فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ إلَى ذَلِكَ السَّائِلِ، وَقَالَ: أَعْطِنِي تِلْكَ الْقِطْعَةَ، فَأَبَى، فَقَالَ: أَعْطِنِي وَأُعْطِيك دِرْهَمًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُو أَنْتَ.
[كِتَابُ الْحَجِّ]
ُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
وَأَخَّرَ الْحَجَّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ، وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ الصَّوْمُ، لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، نَحْوُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] وَنَحْوُ: «فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ، بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
(فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا، نَقَلَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " عَنْ " الرِّعَايَةِ " ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ.
انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ إنَّمَا هُوَ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّفْلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ بُطْلَانُ تَقْسِيمِ الْأَئِمَّةِ الْحَجَّ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ كَذَلِكَ.
(وَهُوَ) لُغَةً: الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَيْهِ.
وَشَرْعًا: (قَصْدُ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ، (وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيه الْمُشَارُ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» .
(وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ: وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَالْأَصْلُ فِي فَرْضِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] .
(وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ سِوَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ) ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَكَّةَ بَعْدَهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ (سَنَةَ عَشْرٍ) مِنْ الْهِجْرَةِ (وَكَانَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَارِنًا نَصًّا) ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ.
انْتَهَى.
وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَى أَنَسٌ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعًا، قَالَ أَنَسٌ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرَبْعَ عُمَرَ: وَاحِدَةً فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، إذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَالْعُمْرَةُ) لُغَةً: الزِّيَارَةُ، يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ، إذَا زَارَهُ.
وَشَرْعًا: (زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَيَجِبَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ " وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ وَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْت: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
(إلَّا لِعَارِضِ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ) ، فَيَجِبُ فَوْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَخَّرَ الْفَرِيضَةَ أَوْ النَّذْرَ أَوْ الْقَضَاءَ بِلَا عُذْرٍ، أَثِمَ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَامِطٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ " (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ) : أَحَدُهَا: (إسْلَامٌ) .
(وَ) الثَّانِي: (عَقْلٌ) ، وَهُمَا شَرْطَانِ ل (لِوُجُوبٍ وَ) الـ (صِحَّةٍ وَالْإِجْزَاءِ، فَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ مُرْتَدًّا) ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ، (وَيُعَاقَبُ) الْكَافِرُ (عَلَى حَجٍّ) ، وَكَذَا عُمْرَةٌ، (وَسَائِرُ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ (كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا) يَجِبُ الْحَجُّ (عَلَى مَجْنُونٍ) كَالْعُمْرَةِ، لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ.
. .» (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ) كَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ الصَّغِيرِ دُونَ التَّمْيِيزِ إذَا عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ لِلنَّصِّ.
تَنْبِيهٌ: لَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَةٌ بِجُنُونٍ، فَيُحَجُّ عَمَّنْ جُنَّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا يَبْطُلُ إحْرَامٌ بِجُنُونٍ كَالصَّوْمِ، وَلَا بِإِغْمَاءٍ وَمَوْتٍ وَسُكْرٍ كَالنَّوْمِ.
(وَيُجْزِئُ) الْحَجُّ (مَنْ) ، أَيْ: كَافِرًا (أَسْلَمَ) ، وَهُوَ حُرٌّ مُكَلَّفٌ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ، أَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا، (أَوْ أَفَاقَ) مِنْ جُنُونٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ (فَأَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ) ، وَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: بُلُوغٌ، وَكَمَالُ حُرِّيَّةٍ) ، وَهُمَا شَرْطَانِ (لِغَيْرِ صِحَّةٍ) ، بَلْ لِوُجُوبٍ وَإِجْزَاءٍ، (فَلَا يَجِبَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، (عَلَى صَغِيرٍ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (وَ) لَا عَلَى (قِنٍّ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ) كَخَالِصِ رِقٍّ وَمُدَبَّرٍ وَمُكَاتَبٍ وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْقِنُّ (مُبَعَّضًا بِمُهَايَأَةٍ) ، وَيَصِحَّانِ مِنْهُمَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْقِنُّ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئَانِهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ عَتَقَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ.
وَلِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُمَا إذَا صَارَا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ، (وَيُجْزِئَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الصَّبِيَّ وَالْقِنَّ (إنْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ مُحْرِمًا أَوْ لَا، (أَوْ عَتَقَ) الْقِنُّ (مُحْرِمًا أَوْ لَا، وَأَحْرَمَ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ وَأَدْرَكَهُ) ، أَيْ: الْوُقُوفَ، بِأَنْ وَقَفَ فِي وَقْتِهِ لِإِتْيَانِهِمَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ، فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ ".
(وَيَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْقِنَّ إذَا عَتَقَ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، قَبْلَ فَوَاتِ
وَقْتِهِ، الْعَوْدُ إلَى عَرَفَةَ إنْ أَمْكَنَهُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ، (أَوْ) بَلَغَ أَوْ عَتَقَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ (قَبْلَ طَوَافِ عُمْرَةٍ) ، ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا، فَيُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، كَمَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَعِتْقِهِ، لِأَنَّهَا حَالٌ تَصْلُحُ لِتَعْيِينِ الْإِحْرَامِ كَحَالِ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، (مَا لَمْ يَكُنْ) الصَّغِيرُ وَالْقِنُّ (فِي حَجٍّ، وَسَعْيٌ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومٍ) ، وَبَلَغَ صَغِيرٌ، وَعَتَقَ قِنٌّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ، (فَلَا يُجْزِئُهُ) مَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَادَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (السَّعْيَ، لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (وَلَا) يُشْرَعُ (تَكْرَارُهُ، وَخَالَفَ الْوُقُوفَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَهُ، وَأَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، يُجْزِئُهُ (إذْ) اسْتِدَامَتُهُ مَشْرُوعَةٌ، و (لَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ) ، وَلَا تُجْزِئُ الْعُمْرَةُ مَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي طَوَافِهِمَا، وَإِنْ أَعَادَهُ وِفَاقًا، وَمَحَلُّ لُزُومِ عَدَدٍ صَغِيرٌ وَقِنٌّ بَلَغَ وَعَتَقَ بَعْدَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ: (مَا لَمْ يُتِمَّ حَجَّهُ) نَفْلًا، (ثُمَّ يُحْرِمُ) لِلْفَرْضِ، (وَيَقِفُ ثَانِيًا إنْ أَمْكَنَهُ) ، وَقَدْ تَمَّ لَهُ حِينَئِذٍ حَجَّتَانِ فِي عَامٍ إحْدَاهُمَا نَفْلٌ، وَالْأُخْرَى فَرْضٌ.
(وَيَتَّجِهُ: الصِّحَّةُ) ، أَيْ: صِحَّةُ حَجِّ صَغِيرٍ وَقِنٍّ صَارَا أَهْلًا، (وَلَوْ بَعْدَ سَعْيٍ إنْ فَسَخَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (حَجَّهُ عُمْرَةٌ) ، بِأَنْ أَحْرَمَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، (وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا أَوْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، كَمَا يَأْتِي) فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَحُكْمُ إحْرَامِهِمَا) ، أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْقِنِّ: (كَصَوْمِ صَغِيرٍ بَلَغَ بِأَثْنَائِهِ) صَائِمًا فِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ نَفْلٌ، وَمَا بَعْدَهُ فَرْضٌ، فَلَا يُعْتَدَّانِ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ حَالَ أَهْلِيَّتِهِمَا.
(وَاخْتَارَ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْخِلَافِ " وَ " الِانْتِصَارِ " وَالْمَجْدُ: إذَا تَغَيَّرَ حَالُهُمَا بِالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، (يَنْقَلِبُ كُلُّهُ فَرْضًا) كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، لَا فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ، إذْ حَجُّهُمَا صَحِيحٌ مُجْزِئٌ.
(وَيَتَّجِهُ: لَوْ حَجَّ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ قِنٌّ، فَبَانَ بَالِغًا حُرًّا، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، إذْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لَيْسَتْ شَرْطًا، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، لَكِنْ يَأْبَاهُ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، لَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
[فَصْلٌ الْحَجّ وَالْعُمْرَة مِنْ صَغِير]
(فَصْلٌ) (وَيَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْحَجَّةُ وَالْعُمْرَةُ، (مِنْ صَغِيرٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ وُلِدَ لَحْظَةً، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيُحْرِمُ وَلِيٌّ فِي مَالٍ عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْهُ، وَوَلِيُّ الْمَالِ: الْأَبُ، وَوَصِيُّهُ، وَالْحَاكِمُ، فَيَعْقِدُ لَهُ وَلِيُّهُ الْإِحْرَامَ (وَلَوْ) كَانَ الْوَالِي (مُحْرِمًا، أَوْ)
كَانَ الْوَلِيُّ (لَمْ يَحُجَّ) عَنْ نَفْسِهِ.
كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ، (وَلَوْ كَانَ) مَعَ الْوَلِيِّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ مِنْ الْأَقَارِبِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهُ، وَلَا شِرَاؤُهُمْ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَصِحُّ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ، يَقْبِضُ لَهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ مَنْ يَلِيه، فَيَنْبَغِي هُنَا كَذَلِكَ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَمَعْنَى إحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (عَنْهُ) ، أَيْ: عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (نِيَّتُهُ الْإِحْرَامَ لَهُ) فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا (وَيَصِحُّ إحْرَامٌ مِنْ أَجْنَبِيٍّ) عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (بِإِذْنِ وَلِيٍّ كَمُمَيِّزٍ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ فَصَحَّ إحْرَامُهُ كَالْبَالِغِ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْعُقُودِ، فَكَانَ مِنْهُ يَعْقِدُهُ الْمُمَيِّزُ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْبَيْعِ، وَلَا يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ.
وَيُجَنَّبُ الطِّيبَ وُجُوبًا، (وَلَيْسَ لَهُ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (تَحْلِيلُهُ بَعْدَ) أَنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ كَالْبَالِغِ.
(وَ) إحْرَامُ الْمُمَيِّزِ (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: وَلِيِّهِ (لَا يَصِحُّ) ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لُزُومِ مَالٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ.
(وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (الصِّحَّةُ لَوْ أَحْرَمَ) الْوَلِيُّ (عَنْ نَفْسِهِ، وَ) عَنْ (مُوَلِّيهِ) غَيْرِ الْمُمَيِّزِ (مَعًا) ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لِكُلٍّ إحْرَامًا عَلَى حِدَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَفْعَلُ وَلِيٌّ) عَنْ (صَغِيرٍ وَمُمَيِّزٍ مَا يُعْجِزُهُمَا) مِنْ أَفْعَالِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْيِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ " أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ جَابِرٍ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
و " كَانَتْ عَائِشَةُ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ
لِلْإِحْرَامِ ".
(وَمَا لَا) يُعْجِزُ الْمُمَيِّزَ (فَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَهُمَا فِعْلُهُ، (كَوُقُوفٍ) بِعَرَفَةَ، (وَمَبِيتٍ) بِمُزْدَلِفَةَ وَلَيَالِي مِنًى، لَزِمَهُمَا فِعْلُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَى لُزُومِ مُبَاشَرَتِهِمَا لَهُ أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ بِتَرْكِهِ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، بَلْ لَيْسَ لِغَيْرِهِمَا فِعْلُهُ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِمَا إلَيْهِ.
(وَلَا يَبْدَأُ وَلِيٌّ فِي رَمْيِ) جَمَرَاتٍ (إلَّا بِنَفْسِهِ) ، كَنِيَابَةِ حَجٍّ، (فَإِنْ خَالَفَ) ، وَرَمَى عَنْ مُوَلِّيه، (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِفَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ رَمْيٌ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ، (ك) مَا لَا يَصِحُّ (إحْرَامُ مَنْ لَا يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ) ، وَيَأْتِي.
(وَلَا يُعْتَدُّ بِرَمْيِ حَلَالٍ) لَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (لَا يَصِحُّ رَمْيٌ) عَنْ صَغِيرٍ (مِنْ غَيْرِ وَلِيِّهِ) فِي مَالِهِ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ، كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ الْإِحْرَامُ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَمْكَنَ صَغِيرًا) ، أَيْ: أَطَاقَ (مُنَاوَلَةَ حَصًى لِنَائِبِهِ، نَاوَلَهُ إيَّاهُ، وَإِلَّا) يُطِقْ مُنَاوَلَةَ الْحَصَى، (سُنَّ وَضْعُ حَصَاةٍ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ فَتُرْمَى) عَنْهُ، (وَإِنْ وَضَعَهَا نَائِبٌ فِي يَدِ صَغِيرٍ، وَرَمَى بِهَا، فَجَعَلَ يَدَهُ كَالْآلَةِ، فَحَسَنٌ) ، لِيُوجَدَ مِنْهُ نَوْعُ عَمَلٍ.
(وَيُطَافُ بِهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ، (لِعَجْزِهِ) عَنْ طَوَافِ نَفْسِهِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا) كَكَبِيرٍ عَاجِزٍ.
(وَتُعْتَبَرُ) لِطَوَافِ صَغِيرٍ (نِيَّةُ طَائِفٍ بِهِ) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا، (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ بِهِ، (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ الْإِحْرَامَ) بِأَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ أَوْ نَائِبُهُ، لِتَتَأَتَّى نِيَّتُهُ عَنْهُ، و (لَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ بِهِ (طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ) كَوْنُهُ (مُحْرِمًا) ،
لِوُجُودِ الطَّوَافِ مِنْ الصَّغِيرِ، (فَإِنْ نَوَى) الطَّائِفُ (عَنْ نَفْسِهِ، وَ) عَنْ (الصَّبِيِّ، فَ) يَقَعُ (عَنْ الصَّبِيِّ) ، كَالْكَبِيرِ الْمَعْذُورِ إذَا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا.
(وَكَفَّارَةُ حَجِّهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ فِي مَالِ وَلِيِّهِ، (وَمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ حَضَرٍ فِي مَالِ وَلِيِّهِ إنْ أَنْشَأَ وَلِيُّهُ السَّفَرَ بِهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ (تَمْرِينًا) لَهُ (عَلَى الطَّاعَةِ) ، لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ لِتَرْكِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ (الْأَمْرُ) كَذَلِكَ، (فَلَا) يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ، بَلْ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، (ك) مَا لَوْ سَافَرَ بِهِ (لِمَصْلَحَتِهِ) مِنْ تِجَارَةٍ وَخِدْمَةٍ، (وَلِاسْتِيطَانِهِ مَكَّةَ) ، أَوْ لِإِقَامَتِهِ بِهَا لِعِلْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ السَّفَرُ بِهِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ.
وَمَعَ الْإِحْرَامِ وَعَدَمِهِ، (وَعَمْدُ صَغِيرٍ) خَطَأٌ، (وَ) عَمْدُ (مَجْنُونٍ) لِمَحْظُورٍ (خَطَأٌ، لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا مَا يَجِبُ فِي خَطَأِ مُكَلَّفٍ أَوْ نِسْيَانِهِ) ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَصْدِهِ، (كَحَلْقِ) شَعْرِهِ (وَتَقْلِيمِ) ظُفْرٍ، وَقَتْلِ صَيْدٍ وَوَطْءٍ، (بِخِلَافِ نَحْوِ لُبْسِ) مَخِيطٍ، (وَتَطَيُّبٍ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، (لَكِنْ لَوْ فَعَلَ وَلِيُّهُ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ، (بِهِ ذَلِكَ) ، أَيْ: اللُّبْسَ وَالتَّطَيُّبَ، (لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ غَطَّى رَأْسَهُ لِبَرْدٍ أَوْ حَرٍّ، أَوْ طَيَّبَهُ لِمَرَضٍ، (أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) لِأَذًى، (ف) كَفَّارَتُهُ (عَلَى وَلِيِّهِ) كَحَلْقِ رَأْسِ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ (صَوْمٌ، صَامَ وَلِيٌّ) ، قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ " (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِي تَفْصِيلِهِ) بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةٍ عَلَى وَلِيٍّ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ، فَصَدْرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْوَلِيِّ الْمُنْشِئِ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْهُ، يَقْتَضِي أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى مُوَلِّيهِ، لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، كَصَوْمِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَظَاهِرُ عِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى " التَّنَاقُضُ، وَالْجَوَابُ عَنْ التَّنَاقُضِ اللَّازِمِ عَلَيْهَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: صَامَ عَنْهُ،
لَيْسَ لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ اسْتَقَرَّتْ عَلَى الصَّبِيِّ، بَلْ لِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ، لِكَوْنِ أَصْلِ الْفِعْلِ عَنْهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ ": حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْوَلِيِّ بِسَبَبِ الصَّبِيِّ وَدَخَلَهَا الصَّوْمُ، صَامَ عَنْهُ، لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
انْتَهَى.
أَيْ: فَصَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْ نَفْسِهِ، لَا بِالنِّيَابَةِ عَنْ الصَّبِيِّ إذْ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَوَجَبَ فِيهَا صَوْمٌ، لَمْ يَصُمْ الْوَلِيُّ عَنْهُ، بَلْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِنْ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَيْضًا فِي " الْمُبْدِعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عُمُومِ عِبَارَةِ " التَّنْقِيحِ " و " الْإِقْنَاعِ " فَقَوْلُهُ: (إذْ الصَّوْمُ لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، وَمِنْ مُمَيِّزٍ نَفْلٌ) ، فِيهِ نَظَرٌ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ وُجُوبُهُ عَلَى الْوَلِيِّ.
(وَوَطْؤُهُ) ، أَيْ: الصَّبِيِّ، وَلَوْ عَمْدًا، (ك) وَطْءِ (بَالِغٍ نَاسِيًا، يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ، وَيَقْضِيه) ، أَيْ: الْحَجَّ إذَا بَلَغَ كَبَالِغٍ، وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ قَبْلَهُ نَصًّا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) وَطْءُ (مَجْنُونٍ) كَبَالِغٍ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُ حَجَّهُ، (وَيَقْضِي إذَا أَفَاقَ) مِنْ جُنُونِهِ (بَعْدَ حَجَّةِ إسْلَامٍ) ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهَا قَبْلَ جُنُونِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ: احْتِلَامُهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ إفَاقَتِهِ، لِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْغُسْلِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَصَلِّ الْحَجّ وَالْعُمْرَة مِنْ قن]
(فَصْلٌ) (وَيَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، (مِنْ قِنٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ الْحُرِّ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ، (وَيَلْزَمَانِهِ) ، أَيْ: يَلْزَمُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الْقِنَّ الْبَالِغَ (بِنَذْرِهِ) لَهُمَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ) ، أَيْ: الْقِنُّ بِنَذْرٍ وَلَا نَفْلٍ، وَمِثْلُهُ مُدَبَّرٌ، وَأُمُّ وَلَدٍ، (وَلَا) أَنْ تُحْرِمَ (زَوْجَتُهُ بِنَفْلٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ) ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِمَا بِالْإِحْرَامِ، (فَإِنْ فَعَلَا) ، أَيْ: عَقَدَ الْقِنُّ وَالْمَرْأَةُ الْإِحْرَامَ بِنَفْلٍ بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ، (حُلِّلَا) ، أَيْ: حَلَّلَهُمَا السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِمَا، (وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُمَا) مُحْرِمَيْنِ، (وَيَكُونَانِ) ، أَيْ: الْقِنُّ وَالزَّوْجَةُ، (كَمُحْصَرٍ) عَلَى مَا يَأْتِي (وَيَأْثَمُ مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ) مِنْ قِنٍّ وَزَوْجَةٍ، (وَلَهُ وَطْءُ مُخَالِفَةٍ) مِنْ (أَمَةٍ وَزَوْجَةٍ) أَحْرَمَتْ بِدُونِ إذْنِهِ بِنَفْلٍ.
(وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَتَلْزَمُهُمَا) ، أَيْ: الْأَمَةَ وَالزَّوْجَةَ، (الْفِدْيَةُ) عُقُوبَةً لَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
و (لَا) يَجُوزُ لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ تَحْلِيلُهُمَا (مَعَ إذْنِهِ) لَهُمَا فِي إحْرَامٍ، لِوُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ، (وَيَصِحُّ) مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ (رُجُوعٌ فِيهِ) ، أَيْ: إذْنٍ بِإِحْرَامٍ، (قَبْلَ) شُرُوعٍ ب (إحْرَامٍ) كَوَاهِبٍ أَذِنَ لِمَوْهُوبٍ لَهُ فِي قَبْضِ هِبَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمَا) بِالرُّجُوعِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَمَتَى عَلِمَا بِرُجُوعٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِمَا الْإِحْرَامُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالرُّجُوعِ فِي الْإِذْنِ، فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِ مُوَكِّلِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ، وَالْحُكْمُ هُنَا كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعٌ فِي إذْنٍ بَعْدَ إحْرَامٍ لِلُزُومِهِ، و (لَا) يَجُوزُ لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ تَحْلِيلُ قِنٍّ وَزَوْجَةٍ أَحْرَمَا (بِنَذْرٍ أُذِنَ) ، أَيْ: أَذِنَ (فِيهِ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (لَهُمَا) ، أَيْ: الْقِنِّ وَالزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي نَذْرِهِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ، (أَوْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ) ، أَيْ: النَّذْرِ (لَهَا) ، أَيْ: الزَّوْجَةِ، فَلَا يُحَلِّلُهَا فِيهِ لِوُجُوبِهِ كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
(وَحَرُمَ) عَلَى الزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ حَجٍّ فَرْضٍ كَمُلَتْ شُرُوطُهُ) كَبَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ.
(وَسُنَّ لَهَا اسْتِئْذَانُهُ) نَصًّا، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا كَتَبَتْ إلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَ، وَإِلَّا حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ، (فَلَوْ لَمْ تَكْمُلْ) شُرُوطُهُ، فَلَهُ مَنْعُهَا، (وَ) إنْ (أَحْرَمَتْ بِهِ بِلَا إذْنِهِ لَمْ) يَمْلِكْ أَنْ (يُحَلِّلَهَا) ، لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِشُرُوعِهَا فِيهِ، (فَلَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، (فَحَلَفَ) زَوْجُهَا، (وَلَوْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ لَا تَحُجُّ الْعَامَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا لِلُزُومِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَ قِنٌّ حَجَّهُ بِوَطْءٍ) فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، (مَضَى) فِي فَاسِدِهِ (وَقَضَاهُ) كَحُرٍّ، (وَيَصِحُّ) الْقَضَاءُ مِنْ قِنٍّ مُكَلَّفٍ (فِي رِقِّهِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ، فَإِنْ عَتَقَ بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ) مِنْ قَضَاءٍ (إنْ) كَانَ (شَرَعَ فِيمَا أَفْسَدَهُ) مِنْ حَجٍّ أَوَعُمْرَةً (سَابِقًا بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: السَّيِّدِ، لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ إذْنٌ فِي مُوجَبِهِ، وَمِنْهُ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ، (وَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ فِي حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ، (أَوْ بَلَغَ الْحُرُّ فِي حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ) ، وَكَانَ عِتْقُهُ أَوْ بُلُوغُهُ (فِي حَالٍ تُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ) الْحَجَّةُ الْفَاسِدَةُ (صَحِيحَةً) بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَادَ وَوَقَفَ، وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، (مَضَى) فِيهَا وَقَضَاهَا فَوْرًا (وَأَجْزَأَتْهُ حَجَّةُ) الْقَضَاءِ عَنْ حَجَّةِ (الْإِسْلَامِ وَعَنْ حَجَّةِ الْقَضَاءِ) ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِيُوَافِقَ أَصْلَيْهِ وَغَيْرَهُمَا
(وَقِنٌّ فِي جِنَايَتِهِ) بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي إحْرَامِهِ، (كَحُرٍّ مُعْسِرٍ) فِي الْفِدْيَةِ بِالصَّوْمِ عَلَى مَا يَأْتِي، (وَإِنْ تَحَلَّلَ) قِنٌّ (بِحَصْرِ) عَدُوٍّ لَهُ، (أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ) لِإِحْرَامِهِ بِلَا إذْنِهِ، (لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ صَوْمٍ) ، كَحُرٍّ أُحْصِرَ وَأُعْسِرَ، فَيَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ.
(وَلَا يُمْنَعُ) الْقِنُّ (مِنْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمِ نَصًّا، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، (وَإِنْ مَاتَ) قِنٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ بِسَبَبِ إحْرَامِهِ، (وَلَمْ يَصُمْ، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ وَالْمُرَادُ: يُسَنُّ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، (عَلَى مَا مَرَّ قُبَيْلَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ.
(وَإِنْ أَفْسَدَ) قِنٌّ (حَجَّهُ، صَامَ) عَنْ الْبَدَنَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَحُرٍّ مُعْسِرٍ، (وَكَذَا إنْ تَمَتَّعَ) قِنٌّ (أَوْ قَرَنَ) ، أَوْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ، صَامَ عَنْ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمُشْتَرِي) الْقِنِّ (الْمُحْرِمِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ) إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِلَا إذْنٍ، (وَ) فِي (عَدَمِهِ)
إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِإِذْنٍ، لِقِيَامِ الْمُشْتَرِي مَقَامَ بَائِعِهِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (الْفَسْخُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ) بِإِحْرَامِ الْقِنِّ، (وَلَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ) ، لِتَعَطُّلِ مَنَافِعِهِ عَلَيْهِ زَمَنَ إحْرَامِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُشْتَرٍ تَحْلِيلَهُ، فَلَا فَسْخَ لَهُ، لِأَنَّ إبْقَاءَهُ فِي الْإِحْرَامِ كَإِذْنِهِ فِيهِ ابْتِدَاءً.
وَكَذَا لَا فَسْخَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ.
(وَلِكُلٍّ مِنْ أَبَوَيْ) حُرٍّ (بَالِغٍ مَنْعُهُ) ، أَيْ: الْوَلَدِ الْبَالِغِ (مِنْ إحْرَامٍ بِنَفْلٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (ك) مَنْعِهِ مِنْ نَفْلِ (جِهَادٍ) لِلْأَخْبَارِ، وَمَا يَفْعَلُهُ فِي الْحَضَرِ مِنْ نَفْلٍ، نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنٌ، وَكَذَا السَّفَرُ لِوَاجِبٍ كَحَجٍّ وَعِلْمٍ، لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ (وَلَا يُحَلِّلَانِهِ) ، أَيْ: الْبَالِغَ إذَا أَحْرَمَ، (وَحَرُمَ طَاعَتُهُمَا) ، أَيْ: وَالِدَيْهِ (فِي مَعْصِيَةٍ، كَتَرْكِ حَجٍّ وَسَفَرٍ لِعِلْمٍ وَاجِبَيْنِ) ، لِحَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» .
(وَلَيْسَ لَهُمَا مِنْ نَحْوِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ) قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ أَبِيهِ: لَا يُعْجِبُنِي، هُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَبَرَّ أَبَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا (وَوَقَعَ خِلَافٌ) بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا (فِي الْمُبَاحِ) كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُمَا) فِيهِ (وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) ، هَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، (ف) عَلَى هَذَا (لَا يُسَافِرُ) لِنَحْوِ تِجَارَةٍ (إلَّا بِإِذْنِهِمَا) ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا، أَيْ: وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ: صِحَّةُ هَذَا) الْقَوْلِ، أَيْ: وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ (فِي سَفَرِهِ، وَفِي كُلِّ مَا يَخَافَانِ عَلَيْهِ مِنْهُ) كَسِبَاحَةٍ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَمُسَابَقَةٍ عَلَى نَحْوِ خَيْلٍ، وَهَذَا اتِّجَاهٌ حَسَنٌ، (وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ) الْحُرُّ الْبَالِغُ
(حَضَرًا كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، (فَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي " الْآدَابِ ": لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُمَا، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ) قَطْعًا، (وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ.
انْتَهَى)
مَا قَالَهُ فِي " الْآدَابِ "، وَهُوَ صَحِيحٌ بِلَا ارْتِيَابٍ
(وَلَا يَحِلُّ غَرِيمٌ مَدِينًا) أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوَعُمْرَة لِوُجُوبِهِمَا بِالشُّرُوعِ، (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ سَفِيهٍ مُبَذِّرٍ) بَالِغٍ (مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ) وعُمْرَتِهِ، (وَلَا تَحْلِيلُهُ) مِنْ إحْرَامٍ بِأَحَدِهِمَا لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، (وَتُدْفَعُ نَفَقَتُهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ) نِيَابَةً عَنْ وَلِيِّهِ، (وَيُحَلَّلُ) سَفِيهٌ (بِصَوْمٍ) كَحُرٍّ مُعْسِرٍ (إنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ) ، أَيْ: السَّفَرِ (عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا) السَّفِيهُ فِي سَفَرِهِ فَإِنْ كَانَتْ تَعْدِلُ نَفَقَةَ الْحَضَرِ، أَوْ زَادَتْ وَكَانَ يَكْتَسِبُ الزَّائِدَ لَمْ يُحَلَّلْ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الزَّائِدِ فِي مَالِهِ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ) لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (الِاسْتِطَاعَةُ) لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (لِمُكَلَّفٍ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَلَا تَبْطُلُ) الِاسْتِطَاعَةُ (بِجُنُونٍ) وَلَوْ مُطْبِقًا، فَيُحَجُّ عَنْهُ، (و) كَذَا لَا تَبْطُلُ الِاسْتِطَاعَةُ (بِرِدَّةٍ، وَتُشْتَرَطُ) الِاسْتِطَاعَةُ (لِوُجُوبِ) الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَقَطْ) دُونَ إجْزَائِهِمَا، (وَهِيَ) ، أَيْ: الِاسْتِطَاعَةُ: (مِلْكُ زَادٍ يَحْتَاجُهُ فِي سَفَرِهِ) ذَهَابًا وَإِيَابًا مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ، (وَ) مِلْكُ (وِعَائِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، (وَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ) ، أَيْ: الزَّادِ، (إنْ وُجِدَ) بِثَمَنٍ مِثْلِهِ، أَوْ زَائِدٍ يَسِيرًا (بِالْمَنَازِلِ) فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَمِلْكُ رَاحِلَةٍ) لِرُكُوبِهِ (بِآلَتِهَا) ، أَيْ: الرَّاحِلَةِ بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ (تَصْلُحُ) ، أَيْ: الرَّاحِلَةُ، (لِمِثْلِهِ مِنْ نَحْوِ رَحْلٍ وَقَتَبٍ وَهَوْدَجٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ تَحْصِيلُ خَادِمٍ إنْ خُدِمَ مِثْلُهُ، إذْ هُوَ كَآلَةِ الرَّاحِلَةِ وَأَوْلَى، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ أَنَسٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ، فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(بِمَسَافَةِ قَصْرٍ) عَنْ مَكَّةَ، و (لَا) يُعْتَبَرُ مِلْكُ رَاحِلَةٍ فِي (مَا دُونَهُ) ، أَيْ: مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَنْ مَكَّةَ، لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ فِيهَا غَالِبًا، وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا يَسِيرَةٌ، وَلَا يَخْشَى فِيهَا عَطَبٌ لَوْ انْقَطَعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْبَعِيدَةِ (إلَّا لِعَاجِزٍ عَنْ مَشْيٍ) كَشَيْخٍ كَبِيرٍ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مِلْكُ الرَّاحِلَةِ بِآلَتِهَا، (وَلَا يَلْزَمُهُ) السَّيْرُ (حَبْوًا وَلَوْ أَمْكَنَهُ) ، وَأَمَّا الزَّادُ فَيُعْتَبَرُ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (أَوْ مِلْكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ) مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ (عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَآلَتِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ عُرْفًا مِنْ كُتُبٍ) ، فَإِنْ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْنِ مِنْ كِتَاب بَاعَ الْأُخْرَى، (وَ) مِنْ (مَسْكَنٍ) لِمِثْلِهِ، (وَ) مِنْ (خَادِمٍ) لِنَفْسِهِ، (وَ) عَنْ (مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ لِبَاسٍ وَغِطَاءٍ) وَوِطَاءٍ وَأَوَانٍ، (فَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيه) ، بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا، أَوْ الْخَادِمُ نَفِيسًا فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مِنْهُ، (وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ) ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ (وَ) يُعْتَبَرُ كَوْنُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ وَآلَتِهِمَا، أَوْ ثَمَنِ ذَلِكَ فَاضِلًا (عَنْ قَضَاءِ دَيْنٍ) حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ (لِلَّهِ أَوْ آدَمِيٍّ) ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى بَرَاءَتهَا، (وَ) أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ (مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) ، لِحَدِيثِ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مِنْ يَقُوتُ» (عَلَى الدَّوَامِ) ، أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ لَهُ إذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ دَائِمًا (مِنْ عَقَارٍ أَوْ بِضَاعَةٍ) يَتَّجِرُ فِيهَا، (أَوْ صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهَا) ، كَعَطَاءِ مِنْ دِيوَانٍ، وَإِلَّا، لَمْ يَلْزَمْهُ، لِتَضَرُّرِهِ بِإِنْفَاقِ مَا فِي يَدِهِ إذَنْ.
(وَلَا يَصِيرُ) مَنْ
لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ) غَيْرِهِ (ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا يَحْتَاجُهُ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، (لَهُ وَلَوْ) كَانَ الْبَذْلُ (مِنْ) وَالِدِهِ أَوْ (وَلَدِهِ) لِلْمِنَّةِ، كَبَذْلِ رَقَبَةٍ لِمُكَفِّرٍ، وَكَبَذْلِ إنْسَانٍ نَفْسَهُ لِيَحُجَّ عَنْ نَحْوِ مَرِيضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَنِيبُ بِهِ.
(وَيَنْبَغِي إكْثَارٌ مِنْ زَادٍ وَنَفَقَةٍ) عِنْدَ إمْكَانِهِ، (لِيُؤْثِرَ مُحْتَاجًا وَرَفِيقًا) ، وَأَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِمَا يُنْفِقُهُ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي أَجْرِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39] .
(وَسُنَّ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي زَادٍ وَنَحْوِهِ) ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ، أَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ رَفِيقِهِ، وَقَدْ لَا يَرْضَى بِهِ، وَاجْتِمَاعُ الرِّفَاقِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَلْيَقُ عَلَى الْمُنَاوَبَةِ فِي الْوَرِعِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي الزَّادِ، (فَإِنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مَنْ لَا 64 يَلْزَمُهُ) وَحَجَّ أَجُزْأَهُ، لِأَنَّ خَلْقًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَجُّوا وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْوُصُولِ، فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ، أَجْزَأَ كَالْمَرِيضِ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُ ذَلِكَ، (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ (وَلَا مَسْأَلَةَ) أَحَدٍ (لِاسْتِغْنَائِهِ بِصَنْعَتِهِ؛ سُنَّ لَهُ الْحَجُّ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَكُرِهَ) الْحَجُّ (لِمَنْ حِرْفَتُهُ الْمَسْأَلَةُ، قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ (لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: فَإِنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَحَسُنَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ النَّاسَ، فَلَا كَرَاهَةَ، (فَإِنْ) كَلَّفَ نَفْسَهُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ (وَتَرَكَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَاجِبًا) مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ، وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَسَعْيٍ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ سِعَةُ وَقْتٍ) بِأَنْ يُمْكِنَ الْخُرُوجُ وَالسَّيْرُ فِيهِ حَسَبَ الْعَادَةِ، لِتَعَذُّرِ الْحَجِّ مَعَ ضِيقِ وَقْتِهِ، فَلَوْ شَرَعَ وَقْتَ وُجُوبِهِ، فَمَاتَ فِي
الطَّرِيقِ، تَبَيَّنَّا عَدَمَ وُجُوبِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ.
(وَ) مِنْهَا (أَمْنُ طَرِيقٍ) - إذْ الْإِلْزَامُ بِدُونِهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرَعَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ الطَّرِيقُ آمِنًا وَسَلَكَهُ، وَعَطِبَ، (فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّهُ (أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ) بِتَفْرِيطِهِ بِهَا - (يُمْكِنُ سُلُوكُهُ) ، أَيْ: الطَّرِيقَ عَلَى الْعَادَةِ، (وَلَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (بَحْرًا) يَغْلِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى، أَشْبَهَ الْبَرَّ، (أَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (غَيْرَ مُعْتَادٍ) ، لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنَّهُ مَشَقَّةٌ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَبُعْدِ الْبَلَدِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّرِيقِ إمْكَانُ سُلُوكِهِ (بِلَا خِفَارَةٍ) بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ (لَا يَسِيرَةٍ) ، فَإِنْ كَانَتْ الْخَفَارَةُ يَسِيرَةً لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهَا، (قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَابْنِ حَامِدٍ وَالْمَجْدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِفَادَاتِ " وَ " تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَ " تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " وَصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " وَزَادَ الْمَجْدُ: إذَا أَمِنَ الْقَدْرَ مِنْ الْمَبْذُولِ لَهُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَفَارَةُ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمُخَفَّرِ، وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا، كَمَا فِي أَخْذِ السُّلْطَانِ مِنْ الرَّعَايَا، وَظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى ": لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ مَعَ الْخَفَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً، لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ الْمُصَنَّفُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَسِيرَةٍ، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرِّي بِقَوْلِهِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ.
(يُوجَدُ فِيهِ) ، أَيْ الطَّرِيقِ، (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) ، بِأَنْ يَجِدَهُ فِي الْمَنَاهِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا، إذْ لَوْ كُلِّفَ لِحَمْلِ مَائِهِ وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ فَوْقَ الْمُعْتَادِ مِنْ ذَلِكَ، أَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ
عَظِيمَةٍ، فَإِنْ وُجِدَ عَلَى الْعَادَةِ وَلَوْ يَحْمِلُ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى آخَرَ، أَوْ الْعَلَفَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ.
(وَ) مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ (دَلِيلٌ لِجَاهِلٍ) طَرِيقَ مَكَّةَ، (وَ) مِنْهَا (قَائِدٌ لِأَعْمَى) ، لِأَنَّ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِمَا بِلَا دَلِيلٍ وَقَائِدٍ ضَرَرًا عَظِيمًا، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، (وَيَلْزَمُهُمَا) ، أَيْ: الْجَاهِلَ وَالْأَعْمَى (أُجْرَةُ مِثْلِهِمَا) أَيْ: الدَّلِيلِ وَالْقَائِدِ، لِتَمَامِ الْوَاجِبِ بِهِمَا، (فَيُعْتَبَرُ قُدْرَةٌ عَلَيْهَا) ، أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِمَا، (فَإِنْ تَبَرَّعَا) ، أَيْ: الدَّلِيلُ وَالْقَائِدُ، (لَمْ يَلْزَمْ) الْجَاهِلَ وَالْأَعْمَى ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ.
(وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ (هَذِهِ) الشَّرَائِطَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ سِعَةِ الْوَقْتِ، وَأَمْنِ الطَّرِيقِ، وَدَلِيلِ الْجَاهِلِ، وَقَائِدِ الْأَعْمَى (مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ وَالسَّعْيِ) ، لِأَنَّهُ، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ أَنَّ هَذِهِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، (فَلَوْ مَاتَ) مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: قَبْلَ وُجُودِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، (وَجَبَ الْحَجُّ فِي مَالِهِ) بِمَوْتِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَشَرْطِ الْأَدَاءِ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ إذَا مَاتَ قَبْلَ وُجُودِهِ، لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ فِي مَالِهِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ وَوُجُوبِ السَّعْيِ إذَا مَاتَ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَقَدْ كَمُلَتْ فِي حَقِّهِ شَرَائِطُ الْوُجُوبِ، وَوَجَبَ الْحَجُّ فِي مَالِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي (اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْأَصْحَابِ.
(وَ) عَلَيْهِ: فَ (يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ) ، أَيْ: فِعْلِ الْحَجِّ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَأُمِنَتْ الطَّرِيقُ، وَوَجَدَ الدَّلِيلَ أَوْ الْقَائِدُ، (كَمَا نَقُولُ فِي طُرُوءِ حَيْضٍ) بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ تَأْثَمُ إنْ لَمْ تَعْزِمْ عَلَى الْقَضَاءِ إذَا زَالَ، (فَالْعَزْمُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ الْعَجْزِ) عَنْهَا (يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ) حَالَ الْعَجْزِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ الشُّرُوطُ) الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ) لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَوْرًا) نَصًّا (إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) ، فَيَأْثَمُ إنْ أَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرْضُ الْعُمْرِ، أَشْبَهَا الْإِيمَانَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، إمَّا لِأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَحُجَّ، فَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِدْرَاكِ، أَوْ لِخَوْفِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَمُرَاسَلَتِهِمْ لِلرُّومِ الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا لَهُ فِي قَرْيَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ فِي غَزْوِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَالْعَاجِزُ) عَنْ سَعْيٍ لِحَجٍّ وعُمْرَةٍ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) لِنَحْوِ زَمَانَةٍ.
(وَيَتَّجِهُ: وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْمَرَضِ الْمَيْئُوسِ مِنْ بُرْئِهِ، الْمُعْجِزِ - مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ - عَنْ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (شَبَقٌ) شَدِيدٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرَ عَنْ الْجِمَاعِ، (وَجُنُونٌ) مُطْبِقٌ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ صَاحِبِهِ لِلنِّيَّةِ، أَوْ غَيْرُ
مُطْبِقٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يُدَارِيهِ حَالَ جُنُونِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ) ل (ثِقَلٍ) بِحَيْثُ يَصِيرُ (لَا يَقْدِرُ مَعَهُ) ، أَيْ: الثِّقَلِ، (رُكُوبًا) عَلَى رَاحِلَةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ، (إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ نِضْوَ الْخِلْقَةِ لَا يَقْدِرُ ثُبُوتًا عَلَى رَاحِلَةٍ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ نَائِبًا حُرًّا وَلَوْ) كَانَ النَّائِبُ (امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَوْرًا مِنْ بَلَدِهِ) ، أَيْ: الْعَاجِزِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَفْظًا.
وَإِنْ نَسِيَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، نَوَى مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ عَنْهُ، (أَوْ) مِنْ (مَوْضِعٍ أَيْسَرَ فِيهِ) ، أَيْ: قَدَرَ فِيهِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ.
(وَأَجْزَأَ) فِعْلُ نَائِبٍ (عَمَّنْ عُوفِيَ) مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أُبِيحَ لِأَجْلِهِ الِاسْتِنَابَةُ، لِإِتْيَانِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَالْمُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ الْيَأْسُ ظَاهِرًا، سَوَاءٌ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ نَائِبِهِ مِنْ النُّسُكِ أَوْ بَعْدَهُ، و (لَا) يُجْزِئُ مُسْتَنِيبًا إنْ عُوفِيَ (قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، وَمَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يَسْتَنِيبُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَرْجِعُ) الْمُسْتَنِيبُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى نَائِبِهِ (بِمَا أَنْفَقَ قَبْلَ أَنْ عُوفِيَ) الْمُسْتَنِيبُ، (بَلْ) يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ مُسْتَنِيبِهِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ شُفِيَ وَعَادَتْ عَافِيَتُهُ إلَيْهِ، (لِعَزْلِهِ) إيَّاهُ (إذَنْ) ، أَيْ: بِمُجَرَّدِ شِفَائِهِ انْعَزَلَ نَائِبُهُ حُكْمًا، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَسْقُطَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَمَّنْ مَاتَ وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا) ، لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا نَائِبِهِ.
(وَمَنْ لَزِمَهُ) حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، (فَتُوُفِّيَ) قَبْلَهُ (وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ فِعْلِهِ: (بِحَبْسٍ بِحَقٍّ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ اعْتِدَاءٍ) ، وَكَانَ قَدْ اسْتَطَاعَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَخَلَّفَ مَالًا، (أُخْرِجَ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، (مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً) ، أَيْ: مَا يَفْعَلَانِهِ بِهِ (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا) ، أَيْ: بَلَدِ الْمَيِّتِ نَصًّا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ، أَكُنْت قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَيُجْزِئُ) أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْ مَعْضُوبٍ أَوْ مَيِّتٍ لَهُ وَطَنَانِ (مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ) ، لَتَخَيُّرِ الْمَنُوبِ عَنْهُ لَوْ أَدَّى بِنَفْسِهِ، (وَ) يُجْزِئُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ (مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ لِدُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، و (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ مِمَّا (فَوْقَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ، (فَلَا يُجْزِئُهُ) حَجُّ مَنْ اُسْتُنِيبَ عَنْهُ مِمَّا فَوْقَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ.
(وَيَسْقُطُ) حَجٌّ عَنْ مَيِّتٍ (بِحَجِّ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ.
(وَيَرْجِعُ) الْأَجْنَبِيُّ (عَلَى تَرِكَتِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ بِمَا أَنْفَقَ (إنْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الرُّجُوعَ، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
و (لَا) يَسْقُطُ حَجٌّ (عَنْ) مَعْضُوبٍ (حَيٍّ) وَلَوْ مَعْذُورًا (بِلَا إذْنِهِ) كَدَفْعِ زَكَاةِ مَالِ حَيٍّ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، (وَيَقَعُ) حَجُّ مَنْ حَجَّ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ (عَنْ نَفْسِهِ) ، أَيْ: الْحَاجِّ، (وَلَوْ) كَانَ الْحَجُّ (نَفْلًا) عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (فَإِنْ جَعَلَ) الْحَاجُّ (ثَوَابَهُ) ، أَيْ: ثَوَابَ حَجِّهِ، (لَهُ) ، أَيْ: لِمَحْجُوجٍ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (حَصَلَ) لَهُ ذَلِكَ (لِمَا مَرَّ آخِرَ الْجَنَائِزِ) مِنْ قَوْلِهِمْ: وَكُلُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، نَفَعَهُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ) وَجَبَ عَلَيْهِ نُسُكٌ وَمَاتَ قَبْلَهُ، و (ضَاقَ مَالُهُ) عَنْ أَدَائِهِ مِنْ بَلَدِهِ، اُسْتُنِيبَ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، (أَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ) وَعَلَيْهِ حَجٌّ، وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا (أُخِذَ) مِنْ مَالِهِ (لِحَجٍّ بِحِصَّتِهِ) ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، (وَحُجَّ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا أُخِذَ لِلْحَجِّ (مِنْ حَيْثُ بَلَغَ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَإِنْ مَاتَ) هُوَ (أَوْ) مَاتَ (نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، لِأَنَّ الِاسْتِنَابَةَ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَالْمَنُوبُ عَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى
وَطَنِهِ، ثُمَّ الْعَوْدُ لِلْحَجِّ مِنْهُ، فَيُسْتَنَابُ عَنْهُ (فِيمَا بَقِيَ) نَصًّا (مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا) ، لِوُقُوعِ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ مَوْقِعِهِ وَإِجْزَائِهِ،
(وَإِنْ صُدَّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجٌّ أَوْ نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، (فَعَلَ مَا بَقِيَ) مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ.
(وَإِنْ وَصَّى) شَخْصٌ (ب) نُسُكٍ (نَفْلٍ وَأَطْلَقَ) ، فَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَحَلِّ كَذَا، (جَازَ) أَنْ يَفْعَلَ (مِنْ مِيقَاتِ بَلَدٍ) مَاتَ فِيهِ (مُوصٍ) نَصًّا، (مَا لَمْ تَمْتَنِعْ قَرِينَةٌ، كَبَذْلِ مَالٍ كَثِيرٍ) يُمْكِنُ الْحَجُّ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُسْتَنَابُ بِهِ مِنْهُ لِحَجٍّ وَجَبَ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِحَجٍّ مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ، حُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ نَصًّا
[فَصْلٌ هَلْ يَصِحّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ]
(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ عَنْ نَفْسِهِ) أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ حَجَّ حَجَّةً فَاسِدَةً وَوَجَبَ عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ) ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ حَجٍّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ (حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ عَنْ غَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَفِي رِوَايَةِ: صَالِحٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا، (وَلَا) عَنْ (نَذْرِهِ وَ) لَا عَنْ (نَافِلَتِهِ) ، أَيْ: الْغَيْرِ حَيًّا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ أَوْ مَيِّتًا.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرِهِ وَلَا نَافِلَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتُهُ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَنْ، (انْصَرَفَ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ أَوْ الْقَضَاءِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «هَذِهِ عَنْك، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ، وَقَوْلُهُ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِك» ،
أَيْ: اسْتَدِمْهُ عَنْ نَفْسِك، كَقَوْلِك لِلْمُؤْمِنِ: آمِنْ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ: فَيَرُدُّ النَّائِبُ مَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ لِعَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّهِ عَنْهُ، وَوُقُوعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، (وَالنَّائِبُ كَمَنُوبٍ عَنْهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرِ مَنُوبِهِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ قَضَاءٍ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ، وَقَعَ عَنْ الْقَضَاءِ دُونَ مَا نَوَاهُ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ وَاحِدٍ فِي فَرْضِهِ وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي عَامٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا، (وَأَيُّهُمَا) ، أَيْ: النَّائِبَيْنِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا) ، أَيْ: قَبْلَ الْآخَرِ، (فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ) الْحَجَّةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي تَأَخَّرَ إحْرَامُ نَائِبِهَا (عَنْ نَذْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) ، أَيْ: الثَّانِي عَنْ النَّذْرِ، لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ فِيهِ عَنْ التَّعْيِينِ ابْتِدَاءً، لِانْعِقَادِهِ بِهِمَا ثُمَّ يُعَيَّنُ، وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ.
(وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِنَفْلٍ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ، ف) يَقَعُ إحْرَامُهُ (عَنْ نَذْرِهِ، أَشْبَهَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَ) أَنْ (يَتَنَفَّلَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (مَنْ) حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَكِنْ (عَلَيْهِ عُمْرَةٌ، وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: يَصِحُّ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَتَنَفَّلَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ، لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ مَنْ عَلَيْهِ نُسُكٌ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ النُّسُكِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَجْعَلَ قَارِنٌ) أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِهَا، ثُمَّ بِهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، (الْحَجَّ عَنْ شَخْصٍ) اسْتَنَابَهُ فِيهِ، (وَالْعُمْرَةَ عَنْ) شَخْصٍ (آخَرَ) اسْتَنَابَهُ فِيهَا (بِإِذْنِهِمَا) ، أَيْ: الشَّخْصَيْنِ، لِأَنَّ الْقِرَانَ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَا، وَقَعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ النَّائِبِ، وَرَدَّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا، كَمَنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ، أَوْ عَكْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَسْتَنِيبَ قَادِرٌ) عَلَى حَجٍّ (وَغَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ
الْقَادِرِ عَلَيْهِ، (فِي نَفْلِ حَجٍّ وَ) فِي (بَعْضِهِ) كَالصَّدَقَةِ، وَكَذَا عُمْرَةٍ.
وَيَصِحُّ نُسُكُ نَفْلٍ عَنْ مَيِّتٍ، وَيَقَعُ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ مُهْدٍ إلَيْهِ ثَوَابَهُ، (وَالنَّائِبُ) فِي نُسُكٍ (أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ) مِنْ مَالٍ (لِيَحُجَّ مِنْهُ) أَوْ يَعْتَمِرَ فَيَرْكَبُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِمَعْرُوفٍ، فَإِنْ زَادَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (ف) إنَّهُ (يَضْمَنُ) .
(وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَا عَقْدَ بِجُعْلٍ مَعْلُومٍ) ، أَمَّا لَوْ عَقَدَ مَعَ الْمُسْتَنِيبِ عَلَى جُعْلٍ مَعْلُومٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ حِينَئِذٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (مَا زَادَ) ، أَيْ: أَنْفَقَهُ زَائِدًا (عَلَى نَفَقَةِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ) مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ (طَرِيقٍ أَقْرَبَ) مِنْ الطَّرِيقِ الْبَعِيدِ إذَا سَلَكَهُ (بِلَا ضَرَرٍ) فِي سُلُوكِ أَقْرَبَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ مَا فَضَلَ) مِنْ نَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ الْمُسْتَنِيبُ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ النَّفَقَةَ مِنْهُ، قَالَ فِي الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ فِي: حُجَّ عَنِّي بِهَذَا، فَمَا فَضَلَ لَك: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ تِجَارَةً قَبْلَ حَجِّهِ.
(وَيَحْسِبُ لَهُ) ، أَيْ: النَّائِبُ (نَفَقَةَ رُجُوعِهِ) بَعْدَ أَدَاءِ النُّسُكِ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ إقَامَةٍ وَلَوْ سَاعَةً، فَلَا يَحْتَسِبُ لَهُ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ، لِسُقُوطِهَا، فَلَمْ تُعَدَّ اتِّفَاقًا.
(وَ) يَحْسِبُ لَهُ نَفَقَةَ (خَادِمِهِ إنْ خُدِمَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، (مِثْلُهُ) ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
وَإِنْ مَاتَ أَوْ ضَلَّ أَوْ صُدَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ، أَوْ أَعْوَزَ بَعْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَيُصَدَّقُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا ظَاهِرًا فَيُبَيِّنُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَهُ صَرْفُ نَقْدٍ بِآخَرَ لِمُصْلِحَتِهِ، وَشِرَاءُ مَاءٍ لِطَهَارَتِهِ، وَتَدَاوٍ، وَدُخُولِ حَمَّامٍ.
(وَيَرْجِعُ) نَائِبٌ (بِمَا اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ) عَلَى مُسْتَنِيبِهِ، (وَ) يَرْجِعُ (بِمَا أَنْفَقَ عَنْ) ، أَيْ: عَلَى
(نَفْسِهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، (وَمَا لَزِمَ نَائِبًا مِنْ دَمٍ وَغَيْرِهِ) كَفِعْلِ مَحْظُورٍ (ب) سَبَبِ (مُخَالَفَتِهِ، فَمِنْهُ) ، أَيْ: النَّائِبِ، لِأَنَّهُ بِجِنَايَتِهِ (حَتَّى دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِمَا) ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْتَنِيبُهُ، فَعَلَيْهِ.
(وَنَفَقَةُ حَجٍّ فَسَدَ عَلَى نَائِبٍ، كَقَضَائِهِ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ) ، لِأَنَّ النُّسُكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ لِجِنَايَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: تَبَيُّنُ وُقُوعِ) فِعْلِ (الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ النَّائِبِ) ، لِيَتَوَجَّهَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ اثْنَيْنِ) اسْتَنَابَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِوُقُوعِهِ عَنْهُ مِنْ الْآخَرِ، (أَوْ) أَحْرَمَ عَنْ (أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ دُونَهُمَا، أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ، لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَمْ يَنْوِهَا، فَمَعَ نِيَّتِهِ أَوْلَى، وَيَرُدُّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا.
(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ أُجْرَةَ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ) وَاحِدٍ، (أُدِّبَ) ، لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَمَنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ بِعَامٍ) وَاحِدٍ (فِي نُسُكٍ، فَأَحْرَمَ) بِهِ (عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَنْسَهُ، صَحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ) نَصًّا، وَلَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَرَمَى، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى، وَرَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامُهَا بَاقِيَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ إحْرَامٍ عَلَى إحْرَامٍ.
(وَإِنْ نَسِيَهُ) ، أَيْ: نَسِيَ مَنْ أَحْرَمَ عَنْهُ مِنْهُمَا، (وَتَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (عِلْمُهُ فَإِنْ فَرَّطَ) النَّائِبُ (أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا) ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا، لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ، بَلْ
يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، (وَإِنْ فَرَّطَ مُوصًى إلَيْهِ) بِذَلِكَ، بِأَنْ لَمْ يُسَمِّهِ لِلنَّائِبِ، (غَرِمَ) مُوصًى إلَيْهِ (ذَلِكَ) ، أَيْ: نَفَقَةَ الْحَجِّ عَنْهُمَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ ذَلِكَ بِتَفْرِيطِ النَّائِبِ وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ، بِأَنْ سَمَّاهُ لِلنَّائِبِ وَعَيَّنَهُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّهُ نَسِيَهُ، فَالنَّفَقَةُ عَنْهُمَا (مِنْ تَرِكَةِ مُوصِيَيْهِ) الْمُسْتَنَابِ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَةُ نَائِبٍ) مَنْ اسْتَنَابَهُ (لَفْظًا) نَصًّا، (فَلَوْ جَهِلَ) النَّائِبُ (اسْمَهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَنِيبِ، (أَوْ نَسِيَهُ، لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ) ، لِحَلِّ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ.
(وَيَتَعَيَّنُ نَائِبٌ بِتَعْيِينِ وَصِيٍّ) جُعِلَ (لَهُ التَّعْيِينُ) ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، (فَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ التَّعْيِينَ، (عَيَّنَ غَيْرَهُ) كَوَارِثٍ أَوْ حَاكِمٍ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْمُوصَى لَهُ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا
[فَرْعٌ هَلْ يَجُوز أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ أَبَوَيْهِ الميتين]
(فَرْعٌ) (سُنَّ أَنْ يَحُجَّ) وَيَعْتَمِرَ (عَنْ أَبَوَيْهِ) إنْ كَانَا (مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَحُجَّا، (وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَ) يُقَدِّمُ (وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا) لِإِبْرَائِهِ ذِمَّتَهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدَيْهِ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَعَنْهُمَا، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بِرًّا " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ ضَعِيفَانِ.
[فَصْلٌ شُرُوط وُجُوب السَّعْيِ لِحَجٍّ أوعمرة]
(فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لِوُجُوبِ سَعْيٍ) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَلَى أُنْثَى مَحْرَمٌ) شَابَّةً كَانَتْ أَوَعَجُوزًا نَصًّا.
قَالَ: الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَجُّ بِنَفْسِهَا وَلَا بِنَائِبِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ: «ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»
وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ فِي حَقِّهِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَيُعْتَبَرُ) الْمَحْرَمُ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْأُنْثَى (حَيْثُ بَلَغَتْ سَبْعًا) فَأَكْثَرَ (فِي كُلِّ سَفَرٍ) حَجًّا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، (فَلَا يَحِلُّ) لَهَا السَّفَرُ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ لِخُرُوجِهَا (بِأَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ أَمْنٍ) عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ الْمُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ النُّسُكِ وَجَوَازِ السَّفَرِ مَعَهُ: (زَوْجٌ) ، وَسُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ حِلِّهَا لَهُ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا بِهِ، مَعَ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا، (أَوْ سَيِّدٌ) ، لِأَنَّهُ كَالزَّوْجِ (لَا سَيِّدَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تَقْوَى عَلَى صِيَانَةِ نَفْسِهَا فَضْلًا عَنْ أَمَتِهَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ، أَيْ: الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لَهُنَّ كَعَدَمِهِ لِلْحُرَّةِ الْأَصْلِ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ يُسَافِرْنَ مَعَهَا تَبَعًا لَهَا، فَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ، لِأَنَّهُنَّ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ.
انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ) : اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، (إلَّا إنْ سَافَرَتْ السَّيِّدَةُ مَعَ مَحْرَمٍ، وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) ، أَيْ: إلَى أَمَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَصْحَبَهَا مَعَهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ اكْتِفَاءً بِمَحْرَمِ سَيِّدَتِهَا، وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ الشَّيْخِ عَلَى هَذَا، لَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: خِلَافًا لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ ذَكَرٌ) مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَذَلِكَ (مُسْلِمٌ) ، فَأَبٌ وَنَحْوُهُ كَافِرٌ لَيْسَ مَحْرَمًا لِمُسْلِمَةٍ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ، وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا، (مُكَلَّفٌ) ،
إذْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ: لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (عَبْدًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا) كَأَبٍ وَأَخٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ وَلَدِ زَوْجٍ أَوْ أَبِيهِ (لِحُرْمَتِهَا، بِخِلَافِ مُلَاعَنَةٍ) ، فَلَيْسَ الْمُلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ أَبَدًا تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ (بِنَسَبٍ) كَأُبُوَّةٍ وَبُنُوَّةٍ وَأُخُوَّةٍ وَنَحْوِهَا، (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، كَحَلَائِلِ آبَاءٍ وَأَبْنَاءٍ وَأُمَّهَاتِ نِسَاءٍ، بِخِلَافِ وَطْءِ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ) ، لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ نِعْمَةٌ، فَاعْتُبِرَ إبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرٍ الرُّخَصِ.
(وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالُ لَوْ تَزَوَّجَهَا) ، أَيْ: الْمَزْنِيَّ بِهَا (بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ زِنَاهُ بِهَا، وَبَعْدَ أَنْ تَابَتْ، (لَا يَعُودُ مَحْرَمًا) لَهَا وَلَا لِأُمَّهَاتِهَا وَبَنَاتِهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا، بَلْ مَتَى تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ صَارَ مَحْرَمًا لَهَا، فَيَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِلَا رَيْبٍ، (سِوَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ.
(وَنَفَقَتُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ زَمَنَ سَفَرِهِ مَعَهَا لِأَدَاءِ نُسُكِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (زَوْجَهَا) ، فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَمَا زَادَ ف (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا، (فَيُشْتَرَطُ لَهَا) ، أَيْ: لِوُجُوبِ النُّسُكِ عَلَيْهَا (مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) بِآلَتِهِمَا (لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الرَّاحِلَةُ وَآلَتُهَا صَالِحِينَ لَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ لَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهَا
(وَلَا يَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ، (مَعَ بَذْلِهَا ذَلِكَ) ، أَيْ: الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لَهُ وَمَا يَحْتَاجُهُ، (سَفَرٌ مَعَهَا) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجِّهِ عَنْ نَحْوِ كَبِيرَةٍ عَاجِزَةٍ، وَأَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِيمَا سَبَقَ الزَّوْجَ بِسَفَرِهِ مَعَهَا إمَّا بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ أَمْرَ تَخْيِيرٍ، لِعِلْمِهِ
مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ السَّفَرُ مَعَهَا، (وَتَكُونُ) إنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ سَفَرٍ مَعَهَا (كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا) ، فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهَا، (فَإِنْ) لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ و (تَزَوَّجَتْ مَنْ) ، أَيْ: زَوْجًا (يَحُجُّ بِهَا، فَلَا بَأْسَ) ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ نَصًّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ، لِحَدِيثِ: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
(وَمَنْ أَيِسَتْ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (اسْتَنَابَتْ) مَنْ يَفْعَلُ النُّسُكَ عَنْهَا كَكَبِيرٍ عَاجِزٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَنْ أَيِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، وَبَعْدَ أَنْ حُجَّ عَنْهَا، أَجْزَأَهَا، لِأَنَّهَا كَالْمَعْضُوبِ إذَا عُوفِيَ بَعْدَ الْحَجِّ عَنْهُ
وَالْمُرَادُ: أَيِسَتْ بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ الْمَحْرَمَ، وَفَرَّطَتْ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى فُقِدَ، لِنَقْلِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ: هَلْ تَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: إذَا كَانَتْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، فَأَرَى أَنْ تُجَهِّزَ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهَا، (وَإِنْ حَجَّتْ) امْرَأَةٌ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (حَرُمَ) سَفَرُهَا بِدُونِهِ (وَأَجْزَأَ) حَجُّهَا، كَمَنْ حَجَّ وَتَرَك حَقًّا يَلْزَمُ مِنْ نَحْوِ دَيْنٍ، لَكِنْ لَا يَتَرَخَّصُ.
(وَإِنْ مَاتَ) مَحْرَمٌ سَافَرَتْ مَعَهُ (بِالطَّرِيقِ) وَكَانَ (بَعِيدًا) عَنْ وَطَنِهَا (مَضَتْ فِي حَجِّهَا) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِرُجُوعِهَا شَيْئًا، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةٍ) ، إذْ لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحْلِيلِ زَوَالُ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ (وَ) وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ (قَرِيبًا) ، فَعَلَيْهَا أَنْ (تَرْجِعَ) ، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَاجِزَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَحْرَمُ (زَوْجًا، فَيَأْتِي فِي الْعِدَدِ) أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ اعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِهِ، وَبَعْدَهَا تُخَيَّرُ بَيْنَ مُضِيٍّ وَرُجُوعٍ
[فَرْعٌ هَلْ يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ]
(فَرْعٌ) (يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ) بِأُجْرَةٍ وَدُونِهَا، (وَتَاجِرٍ) ، وَلَا إثْمَ نَصًّا قَالَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُنْتَخَبِ ":
(وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ) .
قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَك تِجَارَةٌ كَانَ أَخْلَصَ.
(وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ) فَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ.
وَلْيَجْتَهِدْ (فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) بِرَدِّهَا إلَى أَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْعَوَارِيّ وَالدُّيُونُ، وَيَسْتَحِلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ، وَيَسْتَمْهِلُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، (وَ) يَجْتَهِدُ فِي (تَحْصِيلِ رَفِيقٍ حَسَنِ) الْخُلُقِ وَالسَّمْتِ يَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى نَصَبِهِ وَأَدَاءِ نُسُكِهِ، يَهْدِيهِ إذَا ضَلَّ وَيُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، (سِيَّمَا) إنْ تَيَسَّرَ رَفِيقٌ (عَالِمٌ) ، فَلَا يَرْغَبُ عَنْهُ، فَإِنَّ بُلُوغَ رُشْدِهِ فِي اسْتِمْسَاكِهِ بِهِ.
قَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ) ، وَمِنْهُ صُحْبَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ.
(وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ) بَعْدَهُمَا (بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ) قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ، وَيَسْتَخِيرُ: هَلْ يَحُجُّ الْعَامَ أَوْ غَيْرَهُ؟ إنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا، وَأَمَّا الْفَرْضُ فَوَاجِبٌ فَوْرًا، (وَيُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ) بَعْدَهُمَا: (اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَدِيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (يَدْعُو قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ، وَيَخْرُجُ مُبَكِّرًا يَوْمَ خَمِيسٍ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ: (أَوْ) يَوْمَ (اثْنَيْنِ، وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» (أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» . وَيَقُولُ أَيْضًا إذَا رَكِبَ وَنَحْوُهُ مَا وَرَدَ
[بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ]
بَابُ (الْمَوَاقِيتُ) جَمْعُ: مِيقَاتٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْحَدُّ، وَاصْطِلَاحًا: (مَوَاضِيعُ وَأَزْمِنَةٌ)
(مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) مِنْ حَجٍّ وَغَيْرِهِ.
وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
(فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ: أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ، بُعْدُهُ (عَنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَعَنْ مَكَّةَ: عَشْرُ مَرَاحِلَ) وَتُعْرَفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ، (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: (قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ) عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ خَرِبَةٌ (بِقُرْبِ رَابِغٍ، وَالْجُحْفَةُ دُونَهَا بِيَسِيرٍ عَنْ مَكَّةَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ) ، وَهِيَ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ لِمَكَّةَ، تُعْرَفُ الْآنَ بِالْمَقَابِرِ، كَانَ اسْمُهَا مَهْيَعَةَ، فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وَتَلِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فِي الْبُعْدِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ أَوْ أَرْبَعُ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ بِيَسِيرٍ.
(وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) ، فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْيَمَنِ) - وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ: يَمَنِيٌّ، عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَمَانِيٌّ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ -: (يَلَمْلَمُ، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ) ، لُغَةٌ فِيهِ: (جَبَلٌ) مَعْرُوفٌ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ ثَلَاثُونَ مِيلًا.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (نَجْدٍ الْحِجَازُ، وَ) أَهْلِ (نَجْدٍ الْيَمَنِ وَ) أَهْلِ (الطَّائِفِ: قَرْنًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ: (جَبَلٌ أَيْضًا) عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ: ذَاتُ عِرْقٍ) : مَنْزِلٌ مَعْرُوفٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعِرْقٍ فِيهِ، أَيْ: جَبَلٍ صَغِيرٍ، أَوْ: أَرْضٍ سَبْخَةٍ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ وَهُوَ (قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ قَدِيمَةٌ، وَعِرْقٌ: جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْعَقِيقِ) .
(وَ) هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ (كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَا بِاجْتِهَادِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ، (لِأَهْلِهَا) الْمَذْكُورِينَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا) مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (كَشَامِيٍّ) وَمِصْرِيٍّ (مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا صَارَتْ مِيقَاتَهُ (وَمَدَنِيٍّ سَلَكَ طَرِيقَ الْجُحْفَةِ، فَيُحْرِمُ مِنْهَا) وُجُوبًا لِلْحَدِيثِ، (وَالْأَفْضَلُ) لِلْمَارِّ (إحْرَامٌ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ، وَ) هُوَ (طَرَفُهُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ) احْتِيَاطًا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ، جَازَ لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، (وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِالْبِقَاعِ) الَّتِي عَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و (لَا) عِبْرَةَ فِي (مَا بُنِيَ بِقُرْبِهَا وَسُمِّيَ بِاسْمِهَا، فَيَنْبَغِي) لَمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (تَحَرِّي آثَارِ الْقُرَى الْقَدِيمَةِ) ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، (وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، مِنْ مَكَّةَ، كَأَهْلِ عُسْفَانَ، (فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ) ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (بَلَدَهُ كُلَّهَا مَنْزِلُهُ) فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَيِّ مَحَالِّهَا شَاءَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ، جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبَ لِمَكَّةَ وَ) إحْرَامُهُ مِنْ (أَبْعَدَ) عَنْ مَكَّةَ (أَفْضَلُ) ، لِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، (وَيُحْرِمُ مَنْ) كَانَ مُقِيمًا (بِمَكَّةَ لِحَجٍّ مِنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ
حَرْبٍ (مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي " الْمُبْهِجِ ")
وَ " الْإِيضَاحِ " تُحْرِمُ (مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ) . وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ.
(وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ، (وَجَازَ وَصَحَّ) أَنْ يُحْرِمَ مَنْ بِمَكَّةَ بِحَجٍّ مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ (وَمِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ) . وَهُوَ الْحِلُّ كَعَرَفَةَ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ
(وَ) يُحْرِمُ مَنْ بِمَكَّةَ (لِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ) ، " لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلِّهَا فِي الْحَرَمِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَهُمَا.
بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعَ، (وَيَصِحُّ) إحْرَامُهُ (مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ، (دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ، (وَتُجْزِئُهُ) عُمْرَةٌ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ) قَبْلَ إتْمَامِهَا وَلَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْحِلِّ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا وَكَالْحَجِّ، (وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (قَارِنًا فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ.
لِأَجَلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ، (تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ) عَلَى الْعُمْرَةِ، لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ وَسُقُوطِ أَفْعَالِهَا.
(وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِمِيقَاتٍ) مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، (أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وُجُوبًا (إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَاذَى أَقْرَبَهَا) ، أَيْ: الْمَوَاقِيتَ (مِنْهُ) .
لِقَوْلِ عُمَرَ: " اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَسُنَّ) لَهُ (أَنْ يَحْتَاطَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، إذْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ، (فَإِنْ اسْتَوَيَا) ، أَيْ: الْمِيقَاتَانِ فِي الْقُرْبِ، (ف) يُحْرِمُ (مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، (فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا) كَاَلَّذِي يَجِيءُ مِنْ سَوَاكِنَ إلَى جُدَّةَ
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِرَابِغَ وَلَا يَلَمْلَمُ، لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ أَمَامَهُ، فَيَصِلُ جُدَّةَ قَبْلَ مُحَاذَاتِهِمَا، (أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ ب) قَدْرِ (مَرْحَلَتَيْنِ) فَيُحْرِمُ فِي الْمِثَالِ مِنْ جُدَّةَ لِأَنَّهَا عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَوَاقِيتِ.