مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 59-98
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 59-98
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ إذَا كِيلَ غَيْرَ مَكْبُوسٍ (وَالِاعْتِبَارُ) مِنْ هَذِهِ الْمَكِيلَاتِ (بِمُتَوَسِّطٍ) وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالْعَدَسُ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي خَفِيفٍ) بَلَغَ نِصَابًا كَيْلًا (قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ) ، أَيْ: الْوَزْنُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ (وَ) لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ (فِي ثَقِيلٍ) بَلَغَهُ وَزْنًا لَا كَيْلًا (وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (فَمَنْ اتَّخَذَ مَا) ، أَيْ: مَكِيلًا (يَسَعُ) صَاعًا وَهُوَ (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ) وَهُوَ الرَّزِينُ مِنْهُ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي وَزْنِهِ، ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ (عَرَفَ بِهِ مَا بَلَغَ حَدَّ الْوُجُوبِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (مِنْ غَيْرِهِ) الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ.
(وَمَنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ) وَلَمْ يَجِدْ مَكِيلًا يُقَدِّرُهُ بِهِ (احْتَاطَ وَأَخْرَجَ) الزَّكَاةَ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهَا (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ إذَنْ (لِأَنَّهُ) أَيْ: عَدَمَ بُلُوغِ النِّصَابِ (الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا كَالْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ.
(وَيَضُمُّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ) بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (مِنْ زَرْعِ عَامٍ وَاحِدٍ) وَلَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ (وَ) مِنْ (ثَمَرَتِهِ) ، أَيْ: الْعَامِ الْوَاحِدِ، كَتَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمِيٍّ فَيُضَمَّانِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَكَالْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانِ.
(وَلَوْ) كَانَ الثَّمَرُ (مِمَّا) ، أَيْ: شَجَرٍ (يَحْمِلُ فِي سَنَةٍ حَمْلَيْنِ) فَيُضَمُّ بَعْضُهَا (إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، كَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مَرَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِحَمْلِ الذُّرَةِ (فَعَلْسٌ يُضَمُّ لِحِنْطَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا (وَسُلْتٌ) يُضَمُّ (لِشَعِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ فِي صُورَتِهِ، فَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ (إلَى) جِنْسٍ (آخَرَ) فِي تَكْمِيلِ نِصَابٍ (كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ) فَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ (وَلَوْ قُطْنِيَّاتٍ كَبَاقِلَاءَ وَعَدَسٍ وَتُرْمُسٍ) بِالضَّمِّ حَمْلُ شَجَرٍ لَهُ حَبٌّ مُضَلَّعٌ مُحَزَّزٌ، أَوْ الْبَاقِلَاءُ

الْمِصْرِيُّ قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " (وَسِمْسِمٍ وَحِمَّصٍ) فَلَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ (وَلَا) يُضَمُّ (نَوْعٌ مِنْ عَامٍ لِ) نَوْعِ عَامٍ (آخَرَ) وَلَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: مِلْكُهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ (وَقْتَ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (وَيَأْتِي، فَلَا تَجِبُ) زَكَاةٌ (فِي مُكْتَسَبِ لُقَاطٍ وَ) لَا فِي (أُجْرَةٍ نَحْوِ حَصَادٍ) كَجُذَاذٍ (وَلَا فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحٍ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ) كَهِبَةٍ (أَوْ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِأَخْذٍ كَبُطْمِ وَزَعْبَلٍ) هُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ (وَبِزْرِ قَطُونَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ (وَكُزْبُرَةٍ وَعَفْصٍ وَسُمَّاقٍ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ نَبَتَ بِأَرْضِهِ إذْ لَا يُمْلَكُ) شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (إلَّا بِأَخْذٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِحَوْزَةٍ (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ (فِعْلُ زَرْعٍ فَيُزَكِّي نِصَابًا حَصَلَ مِنْ حَبٍّ لَهُ سَقَطَ) لِنَحْوِ سَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِ) أَرْضٍ (مِلْكِهِ أَوْ) بِأَرْضٍ (مُبَاحَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَكَذَا لَوْ سَقَطَ بِمَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ إلَّا غَاصِبًا تَمَلَّكَ رَبُّ الْأَرْضِ زَرْعَهُ عَلَى مَا يَأْتِي

[فَصْلٌ زَكَاة الزروع فِيمَا يَشْرَبُ بِلَا كُلْفَةٍ]

(فَصْلٌ) (وَيَجِبُ فِيمَا يَشْرَبُ بِلَا كُلْفَةٍ) مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ (كِ) الَّذِي يَشْرَبُ (بِعُرُوقِهِ) وَيُسَمَّى بَعْلًا.
(وَ) كَاَلَّذِي يَشْرَبُ بِ (غَيْثٍ) وَهُوَ الَّذِي يُزْرَعُ عَلَى الْمَطَرِ (وَ) الَّذِي يَشْرَبُ بِ (سَيْحٍ) ، أَيْ: مَاءٍ جَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَنَهْرِ وَعَيْنٍ.
(وَلَوْ) كَانَ السَّقْيُ (بِإِجْرَاءِ مَاءِ حَفِيرَةٍ) حَصَلَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ أَوْ نَهْرٍ (شَرَاهُ) ، أَيْ: الْمَاءَ رَبُّ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (الْعُشْرُ) فَاعِلُ يَجِبُ لِلْخَبَرِ، وَلِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمَاءِ لَا فِي السَّقْيِ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ

النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إلَى الْأَرْضِ وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَرِيبٍ مِنْ وَجْهِهَا إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ، فَهُوَ مِنْ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ.
(وَلَا يُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ حَفْرِ نَهْرٍ) وَقَنَاةٍ لِقِلَّتِهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ (وَ) لَا تُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ (تَحْوِيلِ مَا فِي سَوَاقٍ؛ لِأَنَّهُ كَحَرْثِ الْأَرْضِ) وَلِأَنَّهُ لِمُلَبِّدٍ مِنْهُ حَتَّى فِي السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حَفِيرَةٍ أَوْ جَمَعَهُ وَسَقَى بِهِ سَيْحًا) فَيَجِبُ الْعُشْرُ لِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ

(وَ) يَجِبُ (فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ كَدَوَالٍ) : جَمْعُ دَالِيَةٍ (وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ وَنَوَاعِيرَ يُدِيرُهَا الْمَاءَ وَنَوَاضِحَ) وَاحِدُهَا نَاضِحٌ وَنَاضِحَةٌ وَهِيَ (إبِلٌ يُسْتَقَى عَلَيْهَا وَكَتَرْقِيَةِ) الْمَاءِ (بِغَرْفٍ وَنَحْوِهِ نِصْفُ الْعُشْرِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عُشْرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَسُمِّيَ عَثْرِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا، فَإِذَا صَدَمَهُ الْمَاءُ تَرَادَّ فَدَخَلَ تِلْكَ الْمَجَارِي فَتَسْقِيهِ، وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى.
(وَ) يَجِبُ (فِيمَا يَشْرَبُ بِكُلْفَةٍ وَ) بِ (دُونِهَا نِصْفَيْنِ) أَيْ: نِصْفِ مُدَّتِهِ بِكُلْفَةٍ، وَنِصْفِهَا بِلَا كُلْفَةٍ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) نِصْفُهُ لِنِصْفِ الْعَامِ بِلَا كُلْفَةٍ، وَرُبْعُهُ لِلْأُخْرَى (فَإِنْ تَفَاوَتَا) ، أَيْ: السَّقْيُ بِكُلْفَةٍ وَالسَّقْيُ بِغَيْرِهَا بِأَنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ (فَالْحُكْمُ لِأَكْثَرِهِمَا) ، أَيْ: السَّقْيَيْنِ (نَفْعًا وَنُمُوًّا) نَصًّا، فَلَا اعْتِبَارَ بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا

هُنَا.
(فَإِنْ جَهِلَ) مِقْدَارَ السَّقْيِ فَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، أَوْ جَهِلَ الْأَكْثَرَ نَفْعًا وَنُمُوًّا (فَالْعُشْرُ) وَاجِبٌ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعُشْرِ تَعَارَضَ فِيهِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ، فَغَلَبَ الْمُوجِبُ لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ.
(وَمَنْ لَهُ مَا) ، أَيْ: حَائِطَانِ أَحَدُهُمَا (يُسْقَى بِكُلْفَةٍ وَ) يُسْقَى الْآخَرُ بِ (دُونِهَا) ، أَيْ: بِلَا كُلْفَةٍ، (ضُمَّا) ، أَيْ: ضُمَّتْ ثِمَارُهُمَا وَزُرُوعُهُمَا بَعْضٌ إلَى بَعْضٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْعَامِ (فِي) تَكْمِيلِ (النِّصَابِ، ثُمَّ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (حُكْمُ نَفْسِهِ) فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَيُخْرِجُ مِمَّا يَشْرَبُ بِمُؤْنَةٍ نِصْفُ عُشْرِهِ، وَمِمَّا يَشْرَبُ بِغَيْرِهَا عُشْرُهُ (وَيُصَدَّقُ مَالِكٌ بِلَا يَمِينٍ فِيمَا سَقَى بِهِ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ.
(وَيَتَّجِهُ) قَبُولُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ سَقَى بِكُلْفَةٍ (مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ حَبْسٌ) كَكَثْرَةِ أَمْطَارٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ مِيَاهٍ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنْ السَّقْيِ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُصَدَّقُ قَوْلُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ كَامِلًا لِظُهُورِ كَذِبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَوَقْتُ وُجُوبِ) زَكَاةٍ (فِي حَبٍّ إذَا اشْتَدَّ) ؛ لِأَنَّ اشْتِدَادَهُ حَالُ صَلَاحِهِ لِلْأَخْذِ وَالتَّوْسِيقِ وَالِادِّخَارِ (وَ) وَقْتُ وُجُوبِهَا (فِي ثَمَرَةٍ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا) ، أَيْ: طِيبُ أَكْلِهَا وَظُهُورُ نُضْجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْخَرْصِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، فَدَلَّ عَلَى تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ وَالْحَبَّ فِي الْحَالَيْنِ يُقْصَدَانِ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (فِي وَرَقِ) سِدْرٍ وَصَعْتَرٍ (عِنْدَ أَوَانِ أَخْذِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبُهُوتِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْمُنْتَهَى " وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ) مَالِكٌ (الْحَبَّ) بَعْدَ اشْتِدَادِهِ (أَوْ) بَاعَ أَوْ وَهَبَ (الثَّمَرَةَ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (أَوْ تَلِفَا) ،

أَيْ: الْحَبُّ وَالثَّمَرَةُ (بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (بَعْدَ) ذَلِكَ، (لَمْ تَسْقُطْ) زَكَاتُهُ.
(وَكَذَا لَوْ مَاتَ) بَعْدَ الِاشْتِدَادِ أَوْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (أَوْ وَرِثَهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ، لَمْ يَمْنَعْ دَيْنُهُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُورِثِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لَا عَلَى الْوَارِثِ الْمَدِينِ، (أَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلٍّ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ وَوَارِثٍ (نِصَابًا) ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِ الْمَالِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِمْ قَبْلَ انْتِقَالِهِ.
(وَيَصِحُّ) مِمَّنْ بَاعَ حَبًّا أَوْ ثَمَرَةً بَعْدَ الْوُجُوبِ (اشْتِرَاطُ إخْرَاجِ) زَكَاتِهِ (عَلَى مُشْتَرٍ) لِلْعِلْمِ بِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى قَدْرَهَا وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِهَا.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ وَاهِبٍ عَلَى (مُتَّهِبٍ) إخْرَاجَ زَكَاةِ حَبٍّ أَوْ ثَمَرَةٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ الْعُشْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مُشْتَرٍ) شُرِطَتْ عَلَيْهِ (وَتَعَذَّرَ رُجُوعُ) سَاعٍ (عَلَيْهِ، أُلْزِمَ بِهَا بَائِعٌ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ

وَ (لَا) يَصِحُّ (اشْتِرَاطُ) بَائِعٍ (زَكَاةَ نِصَابِ مَاشِيَةٍ) عَلَى مُشْتَرٍ، بَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ (لِلْجَهَالَةِ) بِالْمُسْتَثْنَى، وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ زَكَاةِ (مَا اُشْتُرِيَ بِأَصْلِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ) عَلَى بَائِعٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْعِوَضِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ (وَ) لَوْ كَانَ الْبَيْعُ، أَوْ الْهِبَةُ، أَوْ مَوْتُ الْمَالِكِ عَمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ نِصَابًا، أَوْ عَنْ مَدِينٍ (قَبْلَ) اشْتِدَادِ الْحَبِّ أَوْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، (تَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ) فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَتَسْقُطُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ

(وَلَا زَكَاةَ) عَلَى بَائِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ.
وَكَذَا لَوْ

مَاتَ قَبْلُ وَلَهُ وَرَثَةٌ مَدِينُونَ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا (إلَّا إنْ قَصَدَ) بِبَيْعِهِ أَوْ إتْلَافِهِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (الْفِرَارَ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (فَتَلْزَمُهُ) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ، أَيْ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُتْلِفِ فِرَارًا مِنْهَا (إنْ بَاعَهَا لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ) الزَّكَاةُ كَالذِّمِّيِّ (وَإِلَّا) نَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْفَارِّ زَكَاةً، وَعَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِهَا أُخْرَى، (أَدَّى) ذَلِكَ (لِوُجُوبِ زَكَاتَيْنِ فِي عَيْنٍ) وَاحِدَةٍ بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتُقْبَلُ) مِنْهُ (دَعْوَى عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْفِرَارِ بِلَا قَرِينَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَ) تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى (التَّلَفِ) لِلْمَالِ قَبْلَ وُجُوبِ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ (بِلَا يَمِينٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ أُتْهِمَ) فِيهِ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) ، أَيْ: التَّلَفَ (بِ) سَبَبٍ (ظَاهِرٍ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: إنْ السَّبَبُ وُجِدَ، لِإِمْكَانِهِ (ثُمَّ يُصَدَّقُ فِيمَا تَلِفَ) مِنْ مَالِهِ بِذَلِكَ كَالْوَدِيعِ وَالْوَكِيلِ (وَلَا تَسْتَقِرُّ) زَكَاةُ نَحْوِ حَبٍّ وَثَمَرٍ (إلَّا بِجَعْلٍ) لَهُ (فِي جَرِينٍ أَوْ بَيْدَرٍ أَوْ مِسْطَاحٍ) : مَوْضِعِ تَشْمِيسِهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ بِمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَيُسَمَّى بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ الْبَيْدَرَ، وَيُسَمَّى بِالْحِجَازِ الْمِرْبَدَ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ لِيَتَكَامَلَ جَفَافُهَا، وَيُسَمَّى بِالْبَصْرَةِ الْجُوجَانُ، وَيُسَمَّى بِلُغَةِ آخَرِينَ الْمِسْطَاحُ، وَبِلُغَةِ آخَرِينَ الطِّبَابَةَ، وَمُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ

(فَإِنْ تَلِفَتْ) الْحُبُوبُ أَوْ الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ (قَبْلَ) وَضْعِهَا بِجَرِينٍ وَنَحْوِهِ (بِلَا تَعَدِّيهِ) ، أَيْ: مَالِكِهَا (سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ

(خَرَصَتْ) الثَّمَرَةُ (أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَذَهَبَتْ بِعَطَشٍ أَصَابَهَا وَنَحْوِهِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهَا.
وَالْخَرْصُ لَا يُوجَبُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي لِيَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَعَدَمِهِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْبَعْضُ زَكَّى الْبَاقِيَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا (وَ) إنْ تَلِفَتْ الزُّرُوعُ أَوْ الثِّمَارُ (بَعْدَ اسْتِقْرَارٍ) ، أَيْ: وَضْعِهَا بِجَرِينٍ وَنَحْوِهِ (فَلَا) تَسْقُطُ زَكَاتُهَا كَتَلَفِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ.
صَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " " وَالشَّرْحِ "

(وَيَلْزَمُ) رَبَّ مَالٍ (إخْرَاجُ حَبٍّ وَمَعْدِنٍ مُصَفَّى) مِنْ تِبْنِهِ وَقِشْرِهِ (وَ) إخْرَاجُ (ثَمَرٍ يَابِسًا) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ «عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ زَبِيبًا كَمَا يُخْرَصُ التَّمْرُ» وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا حَقِيقَةً إلَّا الْيَابِسُ، وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ حَالَ تَصْفِيَةِ الْحَبِّ وَجَفَافِ التَّمْرِ حَالُ كَمَالٍ وَنِهَايَةُ صِفَاتِ ادِّخَارِهِ، وَوَقْتُ لُزُومِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ (فَإِنْ خَالَفَ) وَأَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا، لَمْ يُجْزِئْهُ إخْرَاجُهُ، وَ (وَقَعَ نَفْلًا) إنْ كَانَ الْإِخْرَاجُ لِلْفُقَرَاءِ (فَلَوْ أَخَذَهُ سَاعٍ رُطَبًا رَدَّهُ) إنْ كَانَ (بَاقِيًا) لِفَسَادِ الْقَبْضِ (وَ) عَلَيْهِ (ضَمَانُهُ) إنْ كَانَ (تَالِفًا.
فَإِنْ جَفَّ) الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ (عِنْدَهُ) ، أَيْ: السَّاعِي وَصَفَّاهُ (أَجْزَأَ إنْ كَانَ بِقَدْرِ زَكَاةٍ وَإِلَّا) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْوَاجِبِ (أَخَذَ) السَّاعِي (التَّفَاوُتَ) ، أَيْ: مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ (أَوْ) زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ (رَدَّهُ) ، أَيْ: الزَّائِدَ لِمَالِكِهِ، لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ (وَيَجُوزُ) لِلْمَالِكِ (قَطْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ أَصْلٍ أَوْ خَوْفِ عَطَشٍ أَوْ تَحْسِينِ بَقِيَّةِ) حَبٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ

(وَيَجِبُ) قَطْعُ ثَمَرٍ بَدَا صَلَاحُهُ (إنْ كَانَ رُطَبُهُ لَا يُتَمَّرُ وَعِنَبُهُ لَا يُزَبَّبُ) ، أَيْ: لَا يَصِيرُ تَمْرًا وَلَا زَبِيبًا.
وَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِمَصْلَحَةٍ مَا غَيْرَ فَارٍّ مِنْهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (وَنِصَابُهُ يَابِسًا) بِحَسَبِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ إذَا جَفَّ (لِيَخْرُجَ يَابِسٌ) . وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " (يَخْرُجُ مِنْهُ رُطَبٌ وَعِنَبٌ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ بِإِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ بِمِلْكِهِ (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمْعٌ (فَ) لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مِنْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ مُشَاعًا، بِأَنْ يُسَلِّمَ السَّاعِي الْعُشْرَ مَثَلًا شَائِعًا، أَوْ مَقْسُومًا بَعْدَ الْجُذَاذِ أَوْ قَبْلَهُ بِالْخَرْصِ

وَ (لِسَاعٍ) التَّخْيِيرُ بَيْنَ مُقَاسَمَةِ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجُذَاذِ و (أَخْذُ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ شَجَرَاتٍ) مُفْرَدَةً (خَرْصًا) وَبَيْنَ مُقَامَسَتِهِ بَعْدَ جَذِّهَا بِالْكَيْلِ فِي الرُّطَبِ، وَالْوَزْنِ فِي الْعِنَبِ.
وَلِلسَّاعِي بَيْعُ الزَّكَاةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقِسْمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ مِنْهَا عِوَضَ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَاضِي وَمُتَابِعِيهِ.
وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا يَابِسًا.
جَذَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِ

(وَحَرُمَ قَطْعُ) ثَمَرٍ (مَعَ حُضُورِ سَاعٍ بِلَا إذْنِهِ) لِحَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَكَوْنِ السَّاعِي كَالْوَكِيلِ عَنْهُمْ.
وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِحَسَبِ الْغَالِبِ

(وَسُنَّ) لِإِمَامٍ (بَعْثُ خَارِصٍ) ، أَيْ: حَازِرٍ يَطُوفُ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ، ثُمَّ يَحْزِرُ قَدْرَ مَا عَلَيْهَا جَافًّا (لِثَمَرَةِ نَخْلٍ وَكَرْمٍ بَدَا صَلَاحُهَا) ، أَيْ: الثَّمَرَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى يَهُودَ لِيَخْرُصَ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ

«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ خَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا» وَحَدِيثُهَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ.
وَقَوْلُ الْمَانِعِ إنَّهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ يُرَدُّ بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْمُجْتَهَدَاتِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ الْمَعْمُولِ بِهَا، وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْخَطَأَ.
(وَيَكْفِي) خَارِصٌ (وَاحِدٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ يُنَفِّذُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَقَائِفٍ وَحَاكِمٍ

(وَشُرِطَ كَوْنُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (مُسْلِمًا أَمِينًا مُكَلَّفًا عَدْلًا خَبِيرًا) بِخَرْصٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْخَبِيرِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ (لَا يُتَّهَمُ) بِكَوْنِهِ مِنْ عَمُودِيِّ نَسَبٍ مَخْرُوصٍ عَلَيْهِ، دَفْعًا لِلرِّيبَةِ.
(وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) كَالْفَتْوَى وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ (وَأُجْرَتُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (عَلَى رَبِّ ثَمَرٍ) لِعَمَلِهِ فِي مَالِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُ خَارِصًا) مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ (فَعَلَى مَالِكِهَا) ، أَيْ: الثَّمَرَةِ (فِعْلُ مَا يَفْعَلُهُ خَارِصٌ) فَيَخْرُصُ الثَّمَرَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِثِقَةٍ عَارِفٍ (لِيَعْرِفَ) قَدْرَ (مَا يَجِبُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ) فِي الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ.
وَإِنْ أَرَادَ إبْقَاءَهُ إلَى الْجُذَاذِ وَالْجَفَافِ لَمْ يَحْتَجْ لِخَرْصٍ (وَلِخَارِصٍ) أَوْ رَبِّ مَالٍ إنْ لَمْ يُبْعَثْ لَهُ خَارِصٌ (الْخَرْصُ كَيْفَ شَاءَ) إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ.
فَإِنْ شَاءَ خَرَصَ (كُلَّ شَجَرَةٍ) مِنْ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ (عَلَى حِدَةٍ أَوْ) خَرَصَ الْجَمِيعَ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً، بِأَنْ يَطُوفَ بِهِ، وَيَنْظُرَ كَمْ فِيهِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا، ثُمَّ مَا يَجِيءُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ.
(وَيَجِبُ خَرْصُ) ثَمَرٍ (مُتَنَوِّعٍ) كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ (وَ) يَجِبُ (تَزْكِيَةُ) الْمُتَنَوِّعِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ) فَيُخْرِجُ عَنْ الْجَيِّدِ جَيِّدًا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ رَدِيءٌ، وَلَا يُلْزَمُ بِإِخْرَاجِ جَيِّدٍ عَنْ رَدِيءٍ (وَلَوْ شَقَّ)

عَلَيْهِ خَرْصُ وَتَزْكِيَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ لِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ حَالَ الْجَفَافِ قِلَّةً وَكَثْرَةً بِحَسَبِ اللَّحْمِ وَالْمَاوِيَّةِ

(وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ نَوْعٍ عَنْ) نَوْعٍ (آخَرَ) مِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ لَا بِالْقِيمَةِ فَلَوْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (جِنْسٍ عَنْ) جِنْسِ (آخَرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبَّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَظَاهِرُ مَا يَأْتِي فِي النَّقْدِ إجْزَاءِ نَوْعٍ رَدِيءٍ عَنْ) نَوْعٍ (جَيِّدٍ) بِالْقِيَمِ (مَعَ الْفَضْلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِالْقِيمَةِ، وَمِنْ غَيْرِهَا النَّفْعُ بِالْعَيْنِ، فَافْتَرَقَا.
(وَيَجِبُ تَرْكُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (لِرَبِّ ثَمَرَةٍ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ فَيَجْتَهِدُ) خَارِصٌ فِي أَيِّهِمَا يَتْرُكُ (بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مَرْفُوعًا «فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبْعَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِمَا يَعْرِضُ لِلثِّمَارِ، وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ، وَفِيهَا السَّاقِطَةُ، فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلُّ أَضَرَّ بِهِمْ، (فَإِنْ أَبَى) خَارِصٌ التَّرْكَ (فَلِرَبِّ الْمَالِ أَكْلُ قَدْرِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ نَصًّا (لَا هَدِيَّةٌ) ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِنْ الْحُبُوبِ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا شَيْئًا.
قَالَ أَحْمَدُ، وَقَدْ سَأَلَهُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ فَرِيكِ السُّنْبُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ صَاحِبُهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
قَالَ: فَيُهْدِي لِلْقَوْمِ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يُقَسَّمَ وَأَمَّا مَا يَتْرُكُهُ لَهُ الْخَارِصُ (مِنْ ثَمَرٍ) فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُتُونِ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ.
(وَ) يَأْكُلُ مَالِكٌ (مِنْ حَبِّ الْعَادَةِ وَمَا يَحْتَاجُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ) ذَلِكَ (عَلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ مِنْ

غَلَّتِهِ بِقَدْرِ مَا يَأْكُلُ هُوَ وَعِيَالُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ (وَيُكْمِلُ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا لَهُ أَكْلُهُ (النِّصَابَ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَهُ (وَتُؤْخَذُ زَكَاةُ مَا سِوَاهُ بِالْقِسْطِ) فَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، حُسِبَ الرُّبْعُ الَّذِي كَانَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ النِّصَابِ فَيُكْمَلُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَسْقٍ

(وَيُزَكِّي) رَبُّ مَالٍ (مَا تَرَكَهُ خَارِصٌ مِنْ وَاجِبٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْخَارِصِ (وَ) يُزَكِّي رَبُّ مَالٍ (مَا زَادَ عَلَى قَوْلِهِ) ، أَيْ: الْخَارِصِ أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ كَذَا (عِنْدَ جَفَافٍ) لِمَا سَبَقَ.
وَ (لَا) يُزَكِّي رَبُّ مَالٍ (مَا نَقَصَ) عَنْ قَوْلِ الْخَارِصِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ (وَمَا تَلِفَ مِنْ عِنَبٍ أَوْ رُطَبٍ بِفِعْلِ مَالِكٍ) هِمَا (أَوْ تَفْرِيطِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهُ) ، أَيْ: التَّالِفِ (بِخَرْصِهِ زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا) ، أَيْ: بِمَا كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ الرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لَوْ أَتْلَفَهُمَا، فَيَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا.
وَإِنْ تَلِفَا لَا بِفِعْلِ مَالِكٍ وَلَا بِتَفْرِيطِهِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُمَا، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا يَخْرُصُ غَيْرَ نَخْلٍ وَكَرْمٍ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهِمَا، وَثَمَرَتُهُمَا تَجْتَمِعُ فِي الْعُذُوقِ وَالْعَنَاقِيدِ، فَيُمْكِنُ إتْيَانُ الْخَرْصِ عَلَيْهَا، وَالْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهَا رَطْبَةً أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْخَرْصَ لَا يَدْخُلُ الْحُبُوبَ (وَيُقْبَلُ مِنْ مَالِكٍ بِلَا يَمِينٍ دَعْوَى غَلَطِ) خَارِصٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِي غَيْرُ كَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهُ بِآفَةٍ لَا يَعْلَمُهَا (أَوْ) ، أَيْ: وَيُقْبَلُ مِنْ مَالِكٍ بِلَا يَمِينٍ دَعْوَى (عَمْدِ خَارِصٍ) الْكَذِبَ عَلَيْهِ، هَكَذَا فِي النُّسَخِ.
وَالصَّوَابُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ الظَّنُّ أَنَّ الْخَارِصَ أَمِينٌ، وَالْأَمِينُ لَا يَكْذِبُ، وَمَحِلُّ قَبُولِ دَعْوَى الْمَالِكِ غَلَطُ خَارِصٍ،

(إنْ احْتَمَلَ) الْغَلَطَ كَالسُّدُسِ (فَإِنْ فَحَشَ) مَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ مِنْ غَلَطِ الْخَارِصِ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَل، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ

[فَرْعٌ الْخَرْصُ فِي زَكَاة الزروع]

(فَرْعٌ: الْخَرْصُ: حَزْرُ مِقْدَارِ ثَمَرَةِ) نَخْلٍ وَكَرْمٍ (فِي رُءُوسِ شَجَرِهَا كَمْ تَبْلُغُ تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا (وَذَكَرَ) أَبُو الْمَعَالِي (بْنُ الْمُنَجَّى أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ لِلْمَشَقَّةِ) وَلِكَثْرَتِهِ وَقِلَّةِ ثَمَنِهِ، فَلَا يَخْرُصُ عَلَيْهِ فِيهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ، فَإِنَّهُمْ يَتَغَالَوْنَ بِهِ لِعِزَّتِهِ، (وَادَّعَى) أَبُو الْمَعَالِي (عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: عَدَمِ خَرْصِ نَخْلِ الْبَصْرَةِ (الْإِجْمَاعَ) مِنْ أَصْحَابِنَا وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَذَا قَالَ

[فَصْلٌ الزَّكَاةُ فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَعَارَةٍ]

(فَصْلٌ) (وَالزَّكَاةُ) فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَعَارَةٍ (عَلَى مُسْتَعِيرٍ) دُونَ مُعِيرٍ، (وَ) الزَّكَاةُ فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُؤَجَّرَةٍ عَلَى (مُسْتَأْجِرِ) أَرْضٍ (دُونَ مَالِكِ) هَا؛ لِأَنَّهَا زَكَاةُ مَالٍ فَكَانَتْ عَلَى مَالِكِهِ كَالسَّائِمَةِ، وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا يَتَّجِرُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ تُزْرَعُ لَمْ تَجِبْ، وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الزَّرْعِ، وَعَكْسُهُ الْخَرَاجُ، فَهُوَ عَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ دُونَ مُسْتَعِيرِهَا وَمُسْتَأْجِرِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَلَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَابِلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ مِنْ أُجْرَةِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ.
(وَ) إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ لِأَرْضٍ سِوَى غَلَّتِهَا وَفِيهَا مَا فِيهِ زَكَاةٌ، كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ ف (يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ) الزَّكَاةُ (كَخُضَرٍ) مِنْ بِطِّيخٍ وَيَاقْطِينٍ وَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهَا (وَيُزَكِّي مَا تَجِبُ فِيهِ) الزَّكَاةُ،

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا وَزَكَّى مَا بَقِيَ

(وَإِنْ حَصَدَ غَاصِبٌ أَرْضِ زَرْعِهِ) مِنْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، بِأَنْ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ رَبُّهُ قَبْلَ حَصَادِهِ (زَكَّاهُ) غَاصِبٌ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (وَيُزَكِّيهِ) ، أَيْ: الزَّرْعَ (رَبُّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (إنْ تَمَلَّكَهُ) ، أَيْ: الزَّرْعَ (قَبْلَ حَصَادِهِ وَلَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " " وَالْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْلِ بَذْرِهِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ تَمَلَّكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ زَكَّاهُ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْغَصْبِ أَيْضًا وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: الْمَالِكَ (اسْتَنَدَ) مِلْكُهُ (إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ) فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ حِينَئِذٍ (وَيَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي) أَرْضٍ (خَرَاجِيَّةٍ) نَصًّا، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَحَدِيثِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَغَيْرِهِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا سَوَاءٌ زَرَعَتْ أَوْ لَا، لَمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ كَافِرٍ.
وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَسَبَبَ الْعُشْرِ وُجُودُ الْمَالِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَأُجْرَةِ حَانُوتِ الْمَتْجَرِ وَزَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْجَزَاءِ وَقِيمَةِ الصَّيْدِ.
وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ.
وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْجِزْيَةِ

(وَهِيَ) أَيْ: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: إحْدَاهَا: (مَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقَسَّمْ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
(وَ) الثَّانِيَةُ: (مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا.
وَ) الثَّالِثَةُ: (مَا صُولِحُوا) ، أَيْ: أَهْلُهَا (عَلَى أَنَّهَا لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ) الَّذِي يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَرَاضِي الْمَغْنُومَةِ.
وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُقَابِلُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي غَلَّتِهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَخَوْخٍ وَمِشْمِشٍ وَخَضْرَاوَاتٍ، وَفِيهَا زَرْعٌ فِيهِ الزَّكَاةُ، جَعَلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ إنْ وَفَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ وَزَكَّى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَلَّةٌ إلَّا مَا فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا، وَزَكَّى الْبَاقِيَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا

(وَ) الْأَرْضُ (الْعُشْرِيَّةُ) خَمْسَةُ أَضْرُبٍ، إحْدَاهَا: (مَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ، وَجُوَاثَى مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ.
(وَ) الثَّانِيَةُ: (مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ، بُنِيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ وَقْفِ السَّوَادِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي حَدِّهِ دُونَ حُكْمِهِ (وَوَاسِطُ) مِثْلُهَا.
(وَ) الثَّالِثَةُ: (مَا صُولِحَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَالْيَمَنِ.
وَ) الرَّابِعَةُ: (مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ) بَيْنَ غَانِمِيهِ (كَنِصْفِ خَيْبَرَ) : بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ، ذَاتُ نَخِيلٍ وَمَزَارِعَ وَحُصُونٍ، وَهِيَ بِلَادُ طَيِّئٍ، فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.
(وَ) الْخَامِسَةُ: (مَا أَقْطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ السَّوَادِ) ، أَيْ: أَرْضِ الْعِرَاقِ (إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْأَرْضُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا أَرْبَابُهَا لَيْسَ فِيهَا خَرَاجٌ مِثْلُ هَذِهِ الْقَطَائِعِ الَّتِي أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ فِي السَّوَادِ لِسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَقْطَعَهُمْ مَنَافِعَهَا وَخَرَاجَهَا.
وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْأَرْضَ،

بَلْ أُقْطِعُوا الْمَنْفَعَةَ، وَأُسْقِطَ الْخَرَاجُ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ السَّوَادِ وَقْفٌ، فَلَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ.
لَكِنْ يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ الْإِمَامِ وَوَقْفُهُ لَهُ، فَلِذَلِكَ أَبْقَى الْأَكْثَرُ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ تَمْلِيكٌ

(وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ) الْأَرْضِ (الْعُشْرِيَّةِ ظُلْمٌ) إجْمَاعًا، لِدُخُولِهِ فِي إقْطَاعِ الْإِمَامِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، (وَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ) أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ.
(وَ) لَهُمْ أَيْضًا (اسْتِئْجَارُ) أَرْضٍ (عُشْرِيَّةٍ وَخَرَاجِيَّةٍ) مِنْ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُمَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَائِهِ كَالسَّائِمَةِ (وَيُكْرَهُ لِ) مُسْلِمٍ بَيْعُهَا أَوْ إجَارَتُهَا أَوْ إعَارَتُهَا لِذِمِّيٍّ (غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ) لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا.
وَأَمَّا التَّغْلِبِيُّ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ شِرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرَانِ يُصْرَفَانِ مَصْرِفَ الْجِزْيَةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا، وَصُرِفَ الْآخَرُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ.
وَلَا تَصِيرُ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ خَرَاجِيَّةً، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ تَغْلِبِيٌّ.
وَدَعْوَى كَوْنِ الْعُشْرِ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عُشْرٌ إذَا لَمْ تُزْرَعْ.
وَمَعْنَى شِرَاءِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، قَبُولُهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ بَيْعًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا إذَا بَاعَهَا الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَحَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ.
(وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ أَوْ الْخَرَاجِيَّةِ إذَا اشْتَرُوهُمَا أَوْ اسْتَأْجَرُوهُمَا وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ وَقُرْبَةٌ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا (وَلَا خَرَاجَ) عَلَيْهِمْ فِي الْأَرْضِ غَيْرِ الْخَرَاجِيَّةِ (كَمُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ (جَعَلَ دَارِهِ مَزْرَعَةً) أَوْ بُسْتَانًا، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ فِيمَا زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ فِيهَا (أَوْ أَحْيَا) الْمُسْلِمُ (مَوَاتًا) ثُمَّ زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ،

فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ مَا أَحْيَاهُ مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً، وَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ (أَوْ أَقْطَعَهُ) ، أَيْ: أَقْطَعَ (إمَامٌ) مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَرْضًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ فِيهَا

[فَصْلٌ يَجِبُ فِي الْعَسَلِ مِنْ النَّحْلِ الْعُشْرُ]

(فَصْلٌ) (وَ) يَجِبُ (فِي الْعَسَلِ) مِنْ النَّحْلِ (الْعُشْرُ) قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً؟ قَالَ: نَعَمْ، أَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةَ الْعُشْرِ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ.
قُلْت: ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ يَطَّوَّعُونَ، قَالَ: لَا بَلْ أُخِذَ مِنْهُمْ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ) كَرُءُوسِ الْجِبَالِ (أَوْ) أُخِذَ مِنْ أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ) وَلَوْ (لِغَيْرِهِ) عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ (لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ) أَرْضٍ وُجِدَ فِيهَا (كَصَيْدٍ) وَطَائِرٍ يُعَشِّشُ بِمِلْكِهِ، " لِمَا رَوَى عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَ " عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي نَحْلًا.
قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ.
قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِ لِي جَبَلَهَا قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ.
وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ، وَلِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي أَصْلِ اللَّبَنِ وَهُوَ السَّائِمَةُ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ، وَبِأَنَّ الْعَسَلَ مَأْكُولٌ فِي الْعَادَةِ، مُتَوَكِّدٌ مِنْ الشَّجَرِ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْلَ يَقَعُ عَلَى نَوْرِ الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ، فَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ

(وَنِصَابُهُ) ، أَيْ: الْعَسَلِ (مِائَةٌ وَسِتُّونَ رَطْلًا عِرَاقِيَّةً) وَمِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ مِصْرِيٍّ، وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا وَسُبْعَا رَطْلٍ دِمَشْقِيٍّ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ حَلَبِيٍّ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ قُدْسِيٍّ، وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ بَعْلِيٍّ.
(وَهِيَ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرَقٍ: سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا) عِرَاقِيَّةً، " لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ، وَإِنَّا نَجِدُ نَاسًا يَسْرِقُونَهَا.
فَقَالَ عُمَرُ: إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا حَمَيْنَاهَا لَكُمْ " وَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ.
ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَحَمْلُ كَلَامِ عُمَرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بِبَلَدِهِ أَوْلَى، وَهُوَ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: فَمِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يَسَعُ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَطْلًا.

(وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ كَمَنٍّ وترنجبيل وشيرخشك ولادن وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمَعْزُ فَتَعْلَقُ تِلْكَ الرُّطُوبَةُ بِهَا فَتُؤْخَذُ) لِعَدَمِ النَّصِّ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ.
(وَتَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ بَاطِلٌ) نَصًّا (لِعَدَمِ) جَوَازِ (تَمَلُّكِ زَائِدٍ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ بِهِ، بَلْ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، (وَ) يَقْتَضِي (غُرْمَ نَقْصٍ) عَنْهُ (وَهُوَ) ، أَيْ: تَمَلُّكُ الزَّائِدِ، وَغُرْمُ مَا نَقَصَ (مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعَمَالَةِ وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ) سُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْقَبَالَاتُ رِبًا» قَالَ هُوَ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْقَرْيَةَ وَفِيهَا الْعُلُوجُ وَالنَّخْلُ، فَسَمَّاهُ رِبًا، أَيْ: فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ.

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إيَّاكُمْ وَالرِّبَا، أَلَا وَهِيَ الْقَبَالَاتُ، أَلَا وَهِيَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ " قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَبِيلُ: الْكَفِيلُ وَالْعَرِّيفُ، وَقَدْ قَبِلَ بِهِ يَقْبَلُ، وَيَقْبَلُ قَبَالَةً، وَنَحْنُ فِي قَبَالَتِهِ، أَيْ: عَرَافَتِهِ.

[تَتِمَّةٌ الزَّكَاةُ إذَا رُفِعَتْ لِمَنْ الْتَزَمَ بِهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ]

تَتِمَّةٌ: وَتَجُوزُ الزَّكَاةُ إذَا رُفِعَتْ لِمَنْ الْتَزَمَ بِهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَضَلَ عَلَيْهِ مِمَّا الْتَزَمَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ زَادَ الْمَالُ الَّذِي الْتَزَمَ بِهِ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْإِمَامِ

[فَصْلٌ زَكَاة الْمَعْدِن]

(فَصْلٌ) (وَفِي الْمَعْدِنِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي عَدَنَ بِهِ الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ، سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ، أَيْ: إقَامَتِهِ بِهِ، مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحِلِّ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَعْدِنِ يُوصَفُ بِهِ الْمُسْتَقِرُّ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَحْصَيْتُ الْمَعَادِنَ فَوَجَدْتُ تِسْعَمِائَةِ مَعْدِنٍ.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَعْدِنُ (كُلُّ مُتَوَلِّدٍ فِي الْأَرْضِ لَا مِنْ جِنْسِهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ لِيُخْرِجَ التُّرَابَ.
(وَلَا نَبَاتَ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَوْهَرٍ وَيَاقُوتٍ وَبِلَّوْرٍ وَعَقِيقٍ وَزَبَرْجَدٍ وفيروزج) حَجَرٌ أَخْضَرُ مَشُوبٌ بِزُرْقَةٍ يُوجَدُ بِخُرَاسَانَ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَصْفُو بِصَفَاءِ الْجَوِّ، وَيَتَكَدَّرُ بِكَدَرِهِ (وبلخش) وَهُوَ والبنفش والبجاري مِنْ أَشْبَاهِ الْيَاقُوتِ، كَمَا أَنَّ الزَّبَرْجَدَ وَالْمَاسَ مِنْ أَشْبَاهِ الزُّمُرُّدِ، وَيُؤْتَى بِهِ مِنْ بلخشان الْعَجَمِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحْمَرُ وَأَخْضَرُ وَأَصْفَرُ، وَأَجْوَدُهُ الْأَحْمَرُ.
(وَصُفْرٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ وَكُحْلٍ وَزِرْنِيخٍ وَمَغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ وَزِفْتٍ وَمِلْحٍ وَزِئْبَق) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالْبَاءِ وَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَقَارٍ وَنِفْطٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ (وَمُومْيَا) قَالَ فِي " مِنْهَاجِ

الْبَيَانِ " هِيَ مَعْدِنٌ فِي قُوَّةِ الزِّفْتِ (وسندروس وَزُجَاجٍ) بِتَثْلِيثِ الزَّايِ بِخِلَافِ زِجَاجٍ، جَمْعِ: زُجٍّ: الرُّمْحُ، فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ.
(وَزَاجٍّ وَيَشْمٍ وَرُخَامٍ وَ) حَجَرِ (مِسَنٍّ وَنَحْوِهِ) كَبِرَامٍ وَهُوَ الصَّوَّانُ، وَحَدِيثُ: «لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ» إنْ صَحَّ، مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً، قَالَهُ الْقَاضِي.
(مِمَّا يُسَمَّى مَعْدِنًا) قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَعْدِنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، حَيْثُ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي الْبَرَارِيِّ (إذَا اُسْتُخْرِجَ رُبْعُ الْعُشْرِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَوْ غَنِمَهُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَعْدِنٍ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (مِنْ عَيْنِ نَقْدٍ) ، أَيْ: ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَ) مِنْ (قِيمَةِ غَيْرِهِ) ، أَيْ: النَّقْدِ يُصْرَفُ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ» وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ، وَالْقَبَلِيَّةُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، هِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ (بِشَرْطِ كَوْنِ مُخْرِجِ) ذَلِكَ (مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، وَلَوْ صَغِيرًا.
فَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مَدِينًا دَيْنًا يَنْقُصُ بِهِ النِّصَابُ لَمْ تَلْزَمُهُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ.
وَحَدِيثُ: «الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الْمَعْدِنُ جُبَارٌ إذَا وَقَعَ عَلَى الْأَجِيرِ شَيْءٌ (وَ) بِشَرْطِ (بُلُوغِهِمَا) ، أَيْ: النَّقْدِ، وَقِيمَةِ غَيْرِهِ (نِصَابًا بَعْدَ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ) كَحَبٍّ وَثَمَرٍ.
فَلَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرٍ بِتُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ رُدَّ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ آخِذٍ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَإِنْ صَفَّاهُ فَكَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ النَّقْصُ،

وَإِنْ زَادَ رَدَّ الْقَابِضُ الزِّيَادَةَ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِهَا الْمُخْرِجُ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْقَابِضُ السَّاعِيَ - وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ الْفَقِيرَ فَلَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
(وَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَتِهِمَا) ، أَيْ: السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، فَيُسْقِطُهَا وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ، بَلْ يُزَكِّي الْكُلَّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ دَيْنًا، كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ.
(وَلَا) يُحْتَسَبُ بِ (مُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِ) مَعْدِنٍ (إنْ لَمْ تَكُنْ دَيْنًا) فَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا زَكَّى مَا سِوَاهَا كَالْخَرَاجِ لِسَبْقِهَا الْوُجُوبَ.
(وَيُضَمُّ مَا اُسْتُخْرِجَ) مِنْ مَعْدِنٍ فِي (دَفَعَاتٍ) كَثِيرَةٍ (لَمْ يُهْمَلْ عَمَلٌ بَيْنَهَا) ، أَيْ: الدَّفَعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ لِبُعْدِ اسْتِخْرَاجِ نِصَابٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِلَا عُذْرٍ كَمَرَضٍ وَإِصْلَاحِ آلَةٍ) وَسَفَرٍ وَاشْتِغَالٍ بِتُرَابٍ يَخْرُجُ بَيْنَ النِّيلَيْنِ، أَوْ هَرَبِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إعْرَاضًا، أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ وَلَمْ يُهْمِلْ الْعَمَلَ (بَعْدَ زَوَالِهِ) ، أَيْ: الْعُذْرِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، أَيْ: فَلَا يَنْقَطِعُ الْعَمَلُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهَا حَدُّ تَرْكِ الْإِهْمَالِ حَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ ابْنِ الْمُنَجَّى (فَإِنْ أَهْمَلَهُ) ، أَيْ: الْعَمَلَ (لِغَيْرِ عُذْرٍ ثَلَاثًا) فَأَكْثَرَ (فَلِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا) فَمَا بَلَغَتْ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَمَا بَلَغَتْ دُونَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا.
فَإِنْ أَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ بَقِيَّةَ النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَإِنْ بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
(وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ سُقُوطِهَا فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ فَارًّا) مِنْ الزَّكَاةِ بِإِهْمَالِهِ الْعَمَلَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمُّ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ.
قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِمَعْنَاهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ قَارَبَهُ كَقَارٍ وَنَفْطٍ وَحَدِيدٍ

وَنُحَاسٍ، أَوْ لَا كَحُبُوبٍ وَغَيْرِهَا (غَيْرَ نَقْدٍ) ، أَيْ: ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (فِي تَكْمِيلِ نِصَابِ غَيْرِهِ) أَمَّا الْجِنْسُ الْوَاحِدُ فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (وَيُضَمُّ مَا تَعَدَّدَتْ مَعَادِنُهُ) ، أَيْ: أَمَاكِنُ اسْتِخْرَاجِهِ (وَاتَّحَدَ جِنْسُهُ) وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ، كَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ، وَتَمْرٍ وَبُرٍّ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا، وَاتَّحَدَتْ أَجْنَاسُهَا، (وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبٌ) فِي زَكَاةِ مَعْدِنٍ (بِإِحْرَازٍ، فَلَا تَسْقُطُ) زَكَاتُهُ (بِتَلَفٍ بَعْدَ) إحْرَازِهِ مُطْلَقًا، وَقَبْلَهُ بِلَا فِعْلِهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ تَسْقُطُ، (وَمَا بَاعَهُ) مِنْ مُحْرَزٍ مِنْ مَعْدِنٍ (تُرَابًا) بِلَا تَصْفِيَةٍ وَبَلَغَ نِصَابًا وَلَوْ بِالضَّمِّ، (زَكَّاهُ كَتُرَابِ صَاغَةٍ)

(وَيَجُوزُ بَيْعُ) تُرَابِ مَعْدِنٍ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) وَإِنْ اسْتَتَرَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَبَيْعِ نَحْوِ لَوْزٍ فِي قِشْرِهِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ تُرَابُ صَاغَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْ تُرَابِهِ إلَّا فِي تَأَنِّي الْحَالِ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَلِذَلِكَ اُحْتُمِلَتْ جَهَالَةُ اخْتِلَاطِ الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ مَعَاجِينَ وَنَحْوِهَا، وَنَحْوِ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ

(وَالْجَامِدُ الْمُخْرَجُ مِنْ) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ لِرَبِّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، (لَكِنْ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ حَتَّى يَصِلَ لِيَدِهِ) كَمَدْفُونٍ مَنْسِيٍّ (فَلَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ) لِاحْتِمَالِ خَلْقِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَتَحَقَّقُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهِ (كِ) مَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ (خُمْسِ رِكَازٍ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهِ قَبْلَ أَخْذِهِ (بِخِلَافِ) مَعْدِنٍ (جَارٍ، فَلِآخِذِهِ، لِإِبَاحَتِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِمَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بَلْ كَالْمَاءِ

(وَلَا زَكَاةَ فِي مِسْكٍ وَزَبَادٍ وَ) لَا فِي (مُخْرَجٍ مِنْ بَحْرٍ كَسَمَكٍ وَلُؤْلُؤٍ وَجَوْهَرٍ وَمَرْجَانٍ) هُوَ: نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ مُتَوَسِّطٌ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ، (وَ) لَا فِي (عَنْبَرٍ) وَلَوْ بَلَغَ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ

الْوُجُوبِ، وَكَانَ الْعَنْبَرُ وَغَيْرُهُ يُوجَدُ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْهُمْ فِيهِ سُنَّةٌ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ذَعَرَهُ الْبَحْرُ ". وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ وُجُودَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ

[فَرْعٌ لَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعْشِرَاتٍ]

(فَرْعٌ: لَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعْشِرَاتٍ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُوَصَّدَةٍ لِلنَّمَاءِ، فَهِيَ كَعَرَضِ الْقِنْيَةِ بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهَا بِنَحْوِ أَكْلٍ (وَلَا) زَكَاةُ (مَعْدِنٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ أَشْبَهَ الْمُعْشِرَاتِ (غَيْرَ نَقْدٍ وَعَرَضٍ) فَتَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلنَّمَاءِ كَالْمَوَاشِي.

[فَصْلٌ الرِّكَازُ]

(فَصْلٌ) (الرِّكَازُ الْكَنْزُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: دَفِينِهِمْ (أَوْ) دِفْنُ (مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارٍ فِي الْجُمْلَةِ) فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا إذَا كَانَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ خَرِبَةٍ، سُمِّيَ بِهِ مِنْ الرُّكُوزِ، أَيْ: التَّغْيِيبِ، وَمِنْهُ: رَكَزْت الرُّمْحَ، إذَا غَيَّبْتُ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْهُ الرِّكْزُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ (عَلَيْهِ) كُلِّهِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ كُفْرٍ فَقَطْ) ، أَيْ: لَا عَلَامَةُ إسْلَامٍ (وَفِيهِ) ، أَيْ: الرِّكَازِ إذَا وُجِدَ.
(وَلَوْ) كَانَ (قَلِيلًا أَوْ عَرْضًا الْخُمُسُ) عَلَى وَاجِدِهِ (وَلَوْ) كَانَ وَاجِدُهُ (ذِمِّيًّا أَوْ مَدِينًا) كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، حُرًّا أَوْ مُكَاتَبًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَازِ وَمِنْ غَيْرِهِ (وَلَهُ تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ) وَاحْتُجَّ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ أَنْ يُمْسِكَ الْوَاجِبَ فِيهِمَا لِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا

(يَصْرِفُ) ، أَيْ: يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ (مَصْرِفَ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا) نَصًّا، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادِهِ " عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ " وَلَوْ كَانَ الْخُمُسُ زَكَاةً لَخُصَّ بِهِ أَهْلُ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ أَوْ بَعْضِهِ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَتَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْخَرَاجِ، لِأَنَّهُ فَيْءٌ (وَبَاقِيهِ) ، أَيْ: الرِّكَازَ (لِوَاجِدِهِ) لِلْخَبَرِ.
(وَلَوْ) كَانَ (أَجِيرًا) لِنَقْضِ حَائِطٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ

(لَا) إنْ كَانَ أَجِيرًا (لِطَلَبِهِ) ، أَيْ: الرِّكَازِ فَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّ الْوَاجِدَ نَائِبُهُ فِيهِ (أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا) فَبَاقِي مَا وَجَدَهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْخُمُسِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قِنًّا فَلِسَيِّدِهِ، وَسَوَاءٌ وَجَدَهُ (مَدْفُونًا) بِدَارٍ أَوْ (بِمَوَاتٍ أَوْ شَارِعٍ أَوْ) فِي (أَرْضٍ مُنْتَقِلَةٍ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاجِدِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَمْ يَدَّعِهِ مُنْتَقِلَةٌ عَنْهُ (أَوْ) فِي أَرْضٍ (لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا أَوْ عُلِمَ) مَالِكُهَا (وَلَمْ يَدَّعِهِ) ، أَيْ: الرِّكَازَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، بَلْ مُودَعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الصَّيْدَ يَمْلِكُهُ آخِذُهُ (فَإِنْ ادَّعَاهُ) ، أَيْ: الرِّكَازَ (مَالِكُهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ (أَوْ) ادَّعَاهُ (مَنْ انْتَقَلَتْ) الْأَرْضُ (عَنْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ) لِلرِّكَازِ (حَلَفَ وَأَخَذَهُ) ، أَيْ: الرِّكَازَ، لِأَنَّ يَدَ مَالِكَ الْأَرْضِ عَلَى الرِّكَازِ، وَيَدَ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْأَرْضُ كَانَتْ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا عَلَى مَحَلِّهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَنَفَاهُ وَاجِدُهُ فَ) هُوَ (لِمَنْ فَوْقَ) ، أَيْ: لِمَنْ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَلِمَنْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ اعْتَرَفَ بِهِ (وَ) هـ (كَذَا إلَى الْمُحْيِي أَوَّلًا إنْ كَانَ أَوْ) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ (لِوَارِثِهِ بِلَا دَعْوَى؛ إذْ الْكَنْزُ يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ مَوَاتٍ) . وَفِي " الشَّرْحِ "، وَالْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمُصَنِّفُ مَشَى هُنَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا) ، أَيْ: الْوَرَثَةَ (فَلِبَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ نَفَاهُ بَعْضُ وَرَثَةٍ سَقَطَ حَقُّهُ) مِنْ الرِّكَازِ (فَقَطْ) وَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِلْوَاجِدِ وَيَبْقَى نَصِيبُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لِمُوَرِّثِهِ، فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ.
وَكَذَا وَرَثَةُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ (أَوْ ظَاهِرًا) بِأَنْ وَجَدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ (بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ) فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا بِطَرِيقٍ مَسْلُوكٍ فَلُقَطَةٌ (أَوْ) وَجَدَهُ ظَاهِرًا بِ (خَرِبَةٍ بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ) بِدَارِ (عَهْدٍ أَوْ) بِدَارِ (حَرْبٍ وَقَدَرَ) وَاجِدُهُ (عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ) قَدَرَ عَلَيْهِ (بِجَمَاعَةٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ) ، أَيْ: لَا قُوَّةَ لَهُمْ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ بِمَوَاتٍ

. (وَ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَعْدِنٍ بِدَارِ حَرْبٍ (مَعَ) جَمَاعَةٍ ذِي (مَنَعَةٍ فَ) هُوَ (غَنِيمَةٌ) لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْهُمْ إلَيْهِ (كَمَعْدِنٍ) وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُخَمَّسُ بَعْدَ إخْرَاجِ رُبُعِ عُشْرِهِ.
(وَمَا) وُجِدَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَ (خَلَا مِنْ عَلَامَةِ كُفْرٍ) كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، أَوْ صُوَرِهِمْ، أَوْ صُوَرِ أَصْنَامِهِمْ أَوْ صُلْبَانِهِمْ وَنَحْوِهَا (أَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ عَلَامَةُ مُسْلِمِينَ فَ) هُوَ (لُقَطَةٌ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ مِلْكِهِ، وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
(وَوَاجِدُهَا) ، أَيْ: اللُّقَطَةِ (فِي) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ أَحَقُّ) بِهَا (مِنْ مَالِكِ) أَرْضٍ، فَيُعَرِّفُهَا ثُمَّ يَمْلِكُهَا (وَرَبُّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ (أَحَقُّ بِرِكَازٍ وَلُقَطَةٍ) بِهَا (مِنْ وَاجِدٍ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِهِ) فِيهَا

(وَإِذَا تَدَاعَى دَفِينَةً بِدَارِ مُؤَجِّرِهَا وَمُسْتَأْجِرِهَا فَ) هِيَ (لِوَاصِفِهَا) لِوُجُوبِ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا (بِيَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْآخَرِ فِي

دَعْوَاهَا (وَإِلَّا) تُوصَفُ (فَ) هِيَ (لِوَاجِدِهَا) بِيَمِينِهِ (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) مِنْهُمَا (وِجْدَانَهَا أَوَّلًا فَقَوْلُ مُكْتَرٍ لِزِيَادَةِ يَدِ) هـ، وَمِثْلُهُ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ اخْتَلَفَا فِيهَا، فَوَصَفَهَا أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ تَرْجِيحًا لَهُ بِالْوَصْفِ، فَإِنْ وَصَفَاهَا تَسَاقَطَا، وَرَجَحَ مُسْتَعِيرٌ لِزِيَادَةِ الْيَدِ.

[فَرْعٌ لَوْ أخرج وَاجِدُ رِكَازٍ خُمُسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ]

(فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ وَاجِدُ رِكَازٍ خُمُسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (غَرِمَ) الْوَاجِدُ بَدَلَ (الْخُمُسِ) لِلْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) ، أَيْ: بِبَدَلِ الْخُمُسِ الَّذِي غَرِمَهُ (عَلَى إمَامٍ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا) فَيَأْخُذُهُ مِنْ مَالِهِ، مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ ".

[بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ]

(بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ) جَمْعُ: ثُمْنٍ، (وَهِيَ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، إذْ بِهِمَا قِوَامُ الدُّنْيَا وَنِظَامُ الْخَلْقِ، لِأَنَّ حَاجَاتِ النَّاسِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا تُقْضَى بِهِمَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، فَمَنْ كَنَزَهُمَا فَقَدْ أَبْطَلَ الْحِكْمَةَ الَّتِي خُلِقَا لَهَا، كَمَنْ حَبَسَ قَاضِيَ الْبَلَدِ، وَمَنَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ النَّاسِ، فَالْفُلُوسُ وَلَوْ رَائِجَةً عُرُوضٌ، وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (رُبُعُ عُشْرِهِمَا) لِلْأَخْبَارِ.
وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] . الْآيَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ

لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَأَقَلُّ نِصَابِ ذَهَبٍ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا) ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَهِيَ) ، أَيْ: الْعِشْرُونَ مِثْقَالًا (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ إسْلَامِيِّ) إذْ الْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَقَدْرُهَا) بِالدَّنَانِيرِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ وَتُسْعُهُ بِ) الدِّينَارِ (الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٌ وَثُمْنُ) دِرْهَمٍ (تَحْدِيدًا) وَتَقَدَّمَ أَنَّ نِصَابَ الْأَثْمَانِ تَقْرِيبٌ يُعْفَى فِيهِ عَنْ نَحْوِ حَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ (وَالْمِثْقَالُ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامًا: دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيِّ، (فَإِذَا زِيدَ عَلَى الدِّرْهَمِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ فَ) هُوَ (مِثْقَالٌ، وَإِنْ نَقَصَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ فَ) هُوَ (دِرْهَمٌ، وَ) الْمِثْقَالُ (بِالدَّوَانِقِ: ثَمَانِيَةُ) دَوَانِقَ.
(وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) دَانِقٍ (وَ) الْمِثْقَالُ (بِالشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطِ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً، وَالدِّرْهَمُ) الْإِسْلَامِيُّ نِسْبَةٌ لِلْمِثْقَالِ، (كَمَا قَدَّرَهُ بَنُو أُمَيَّةَ: نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمُسُهُ) فَالْعَشَرَةُ مِنْ الدَّرَاهِمِ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، (وَ) الدِّرْهَمُ بِالدَّوَانِقِ: (سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَهِيَ) ، أَيْ: السِّتَّةُ دَوَانِقَ: (خَمْسُونَ) حَبَّةَ شَعِيرٍ (وَخُمُسَا حَبَّةٍ) شَعِيرٍ، وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ حَبَّةَ خرنوب، (وَالدَّانِقُ: ثَمَانِ حَبَّاتِ شَعِيرٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ) مِنْهُ.

(وَأَقَلُّ نِصَابِ فِضَّةٍ: مِائَتَا دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ

فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ، وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَهِيَ بِالْمَثَاقِيلِ: (مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا.
وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ الْخُرَاسَانِيَّةُ وَهِيَ دَانِقٌ أَوْ نَحْوُهُ) إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ، (وَ) تُرَدُّ (الْيَمَنِيَّةُ وَهِيَ دَانِقَانِ وَنِصْفٌ) إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ، (وَ) تُرَدُّ الدَّرَاهِمُ (الطَّبَرِيَّةُ) ، نِسْبَةً إلَى طَبَرِيَّةِ الشَّامِ: بَلَدٌ مَعْرُوفٌ، (وَهِيَ: أَرْبَعَةُ) دَوَانِقَ إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ (وَ) تُرَدُّ الدَّرَاهِمُ (الْبَغْلِيَّةُ) نِسْبَةً إلَى مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ: رَأْسُ الْبَغْلِ، (وَتُسَمَّى السَّوْدَاءُ، وَهِيَ: ثَمَانِيَةُ) دَوَانِقَ (إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ) ، قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ.

(وَيُزَكَّى مَغْشُوشٌ) ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ إذَا كَانَ الْغِشُّ غَيْرَ الْفِضَّةِ فِي الذَّهَبِ، كَمَا لَوْ كَانَ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَحْوَهُمَا (بَلَغَ خَالِصُهُ نِصَابًا) نَصًّا، وَإِلَّا فَلَا.

وَيُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاِتِّخَاذُهُ نَصًّا، وَالضَّرْبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.

(وَيُجْزِئُ إخْرَاجٌ مِنْ مَغْشُوشٍ إنْ عَلِمَ قَدْرَ غِشٍّ فِي كُلِّ دِينَارٍ) أَوْ دِرْهَمٍ لِلْعِلْمِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْغِشِّ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجَ مِنْهُمَا قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ، فَيُجْزِئَهُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، (فَإِنْ شَكَّ فِيهِ) ، أَيْ: فِي بُلُوغِ مَغْشُوشٍ نِصَابًا (سَبَكَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشَ، لِيَعْلَمَ خَالِصَهُ، (أَوْ احْتَاطَ فَأَخْرَجَ) عَنْ مَغْشُوشٍ (مَا يُجْزِئُهُ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ (بِيَقِينٍ) لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ، وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ مَا لَا غِشَّ فِيهِ.
وَإِنْ أَخْرَجَ مِمَّا تَيَقَّنَ أَنَّ فِيهِ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ مَالٍ عَلِمَ غِشَّ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ، قُبِلَ بِلَا يَمِينٍ.

(وَيُزَكَّى غِشٌّ) مِنْ نَقْدٍ (بَلَغَ بِضَمٍّ) إلَى غَيْرِهِ (نِصَابًا) فَأَرْبَعُمِائَةٍ

ذَهَبٌ فِيهَا مِائَةٌ فِضَّةٌ، وَعِنْدَهُ مِائَةٌ فِضَّةٌ، يُزَكِّي الْمِائَةَ الْغِشَّ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ نِصَابًا بِضَمِّهَا إلَى الْمِائَةِ الْأُخْرَى، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِضَّةٌ، لِأَنَّهَا تُضَمُّ إلَى الذَّهَبِ، (أَوْ) بَلَغَ نِصَابًا (بِدُونِهِ) ، أَيْ الضَّمِّ (كَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِيهَا ذَهَبٌ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ) فِيهَا (فِضَّةٌ مِائَتَانِ) فَيُزَكِّي الْمِائَتَيْنِ الْغِشَّ لِأَنَّهَا نِصَابٌ بِنَفْسِهَا.
(وَإِنْ شَكَّ مِنْ أَيِّهِمَا) ، أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (الثَّلَاثُمِائَةِ) دِرْهَمٍ، (احْتَاطَ فَجَعَلَهَا ذَهَبًا) فَيُخْرِجُ زَكَاةَ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً احْتِيَاطًا (وَيُعْرَفُ غِشُّهُ) ، أَيْ: الذَّهَبَ الْمَغْشُوشَ (بِوَضْعِ ذَهَبٍ خَالِصٍ وَزْنَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (بِمَاءٍ) ، أَيْ: فِيهِ (فِي إنَاءٍ أَسْفَلُهُ) ، أَيْ: الْإِنَاءِ (كَأَعْلَاهُ) قَدْرًا، ثُمَّ يُرْفَعُ الذَّهَبُ (ثُمَّ) يُوضَعُ (فِضَّةٌ) خَالِصَةٌ (وَزْنَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (وَهِيَ) ، أَيْ الْفِضَّةُ (أَضْخَمُ) مِنْ الذَّهَبِ أَغْلَظُ، ثُمَّ تُرْفَعُ (ثُمَّ) يُوضَعُ (مَغْشُوشٌ) ثُمَّ يُرْفَعُ (وَيُعْلَمُ عِنْدَ وَضْعِ كُلٍّ) مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمَغْشُوشٍ (عُلُوَّ الْمَاءِ) فِي الْإِنَاءِ، وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ ضَيِّقًا لِيَظْهَرَ ذَلِكَ (فَإِنْ تَنَصَّفَتْ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: عَلَامَتَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (عَلَامَةُ مَغْشُوشٍ، فَنِصْفُهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (ذَهَبٌ وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ وَإِلَّا) يَتَنَصَّفْ، (فَإِلَى أَيِّهِمَا) ، أَيْ: الْعَلَامَتَيْنِ (كَانَ ارْتِفَاعُهُ أَقْرَبَ فَهُوَ الْأَكْثَرُ بِحِسَابِهِ) ، فَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَيْ مَا بَيْنَ عَلَامَتَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ، وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَهُ، كَانَتْ الْفِضَّةُ ثُلُثَيْنِ وَالذَّهَبُ ثُلُثٌ.
وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ، وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَاهُ فَالذَّهَبُ ثُلُثَانِ، وَالْفِضَّةُ ثُلُثٌ، إذْ الِارْتِفَاعُ لِلْفِضَّةِ لِضَخَامَتِهَا، وَالِانْخِفَاضُ لِلذَّهَبِ لِثِقَلِهِ

(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ مَغْشُوشٍ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ وَفِيهِ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (نِصَابٌ) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مِنْهُمَا (أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ، فَعِشْرُونَ مِثْقَالًا غُشَّتْ فَصَارَتْ تُسَاوِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِثْقَالًا " أَخْرَجَ عَنْهَا

رُبُعَ الْعُشْرِ فِيمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهَا كَمَا يُخْرِجُ عَنْ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ (كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ بِصِنَاعَتِهِ) فَيُعْتَبَرُ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ كَعَرْضِ التِّجَارَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَغْشُوشِ نِصَابٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ قِيمَةِ النَّقْدِ بِالصِّنَاعَةِ وَالضَّرْبِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ.

[فَصْلٌ يُخْرِجُ مُزَكٍّ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ]

(فَصْلٌ) (وَيُخْرِجُ) مُزْكٍ (عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ نَوْعِهِ كَالْمَاشِيَةِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِهِ، فَلَا يُجْزِئُ أَدْنَى عَنْ أَعْلَى إلَّا مَعَ الْفَضْلِ (وَ) يُخْرِجُ عَنْ (رَدِيءٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (مِنْ نَوْعِهِ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ أَعْلَى مِمَّا وَجَبَتْ فِيهِ

. (وَ) إنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الْمُزَكَّى أَخْرَجَ (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ) فَلَوْ كَانَ النِّصَابُ رُبُعَهُ جَيِّدٌ وَرُبُعَهُ رَدِيءٌ، وَنِصْفُهُ مُكَسَّرٌ، أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ الْجَيِّدِ الرُّبْعَ، وَمِنْ الرَّدِيءِ كَذَلِكَ، وَمِنْ الْمُكَسَّرِ النِّصْفَ، (وَلَوْ شَقَّ) ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ (وَالْأَفْضَلُ) الْإِخْرَاجُ (مِنْ الْأَعْلَى) الْأَجْوَدِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ خَيْرٍ لِلْفُقَرَاءِ

. (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (رَدِيءٍ عَنْ أَعْلَى) مَعَ الْفَضْلِ، كَدِينَارٍ وَنِصْفٍ مِنْ الرَّدِيءِ عَنْ دِينَارٍ جَيِّدٍ مَعَ تَسَاوِي الْقِيمَةِ نَصًّا، لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ.
(وَ) يُجْزِئُ (مُكَسَّرٌ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (عَنْ صَحِيحٍ) مِنْهُمَا مَعَ الْفَضْلِ (وَ) يُجْزِئُ (مَغْشُوشٌ عَنْ) خَالِصٍ (جَيِّدٍ) مَعَ الْفَضْلِ (وَ) تُجْزِئُ دَرَاهِمُ (سُودٍ عَنْ) دَرَاهِمَ (بِيضٍ مَعَ الْفَضْلِ فِي الْكُلِّ) نَصًّا، لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قِيمَةً وَقَدْرًا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ

. (وَ) يُجْزِئُ (قَلِيلُ الْقِيمَةُ عَنْ كَثِيرِهَا) ، أَيْ: الْقِيمَةِ مِنْ نَوْعِهِ (مَعَ) اتِّفَاقِ

(الْوَزْنِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالنَّوْعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: فَلَا يُجْزِئُ أَعْلَى مِنْ وَاجِبٍ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْوَزْنِ.
فَلَوْ وَجَبَ نِصْفُ دِينَارٍ رَدِيءٍ، فَأَخْرَجَ عَنْهُ ثُلُثَ جَيِّدٍ يُسَاوِيهِ قِيمَةً، لَمْ يُجْزِئْهُ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ، فَيُخْرِجُ أَيْضًا سُدُسًا (وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ فِي عَقْدٍ وَغَيْرِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ، لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْجَيِّدِ (وَيَثْبُتُ الْفَسْخُ) فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذَا بَانَ عِوَضُهُ الْمُعَيَّنُ مُعَيَّبًا كَالْمَبِيعِ (وَيُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِالْأَجْزَاءِ) لَا بِالْقِيمَةِ (فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) لِأَنَّ زَكَاتَهُمَا وَمَقَاصِدَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى مَا يُضَمُّ إلَيْهِ الْآخَرُ فَيُضَمُّ إلَى الْآخَرِ كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، فَمَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا وَمِائَةَ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ، زَكَّاهُمَا وَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةَ مَثَاقِيلَ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، لَمْ تَجِبْ، لِأَنَّ مَا لَا يَقُومُ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَقُمْ مَعَ غَيْرِهِ كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
(وَيُخْرِجُ عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ (مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ) فَيُخْرِجُ ذَهَبًا عَنْ فِضَّةٍ وَعَكْسَهُ بِالْقِيمَةِ (لِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ) وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الثَّمَنِيَّةِ، وَالتَّوَسُّلِ إلَى الْمَقَاصِدِ، فَهُوَ كَإِخْرَاجِ مُكَسَّرَةٍ عَنْ صِحَاحٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ لِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْمُعْطِي وَالْآخِذِ، وَلِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى التَّشْقِيصِ وَالْمُشَارَكَةِ، أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْآخَرِ فِي زَكَاةِ مَا دُونَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا.

وَإِنْ اخْتَارَ مَالِكٌ الدَّفْعَ مِنْ الْجِنْسِ، وَأَبَاهُ فَقِيرٌ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي أَخَذَهُ، لَمْ يَلْزَمْ مَالِكًا إجَابَتُهُ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ، فَلَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ.

وَ (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (فُلُوسٍ) عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ

(وَيُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ وَمَضْرُوبُهُ إلَى رَدِيئِهِ وَتِبْرِهِ) كَأَنْوَاعِ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى (وَ) تُضَمُّ (قِيمَةُ عَرْضِ تِجَارَةٍ إلَى) أَحَدِ (ذَلِكَ مَضْرُوبَةً وَخَمْسَةُ) مَثَاقِيلَ (تِبْرٍ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا) مِنْ فِضَّةِ الْجَمِيعِ (نِصَابٌ بِالضَّمِّ) فَيُخْرِجُ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ أَيِّ نَقْدٍ شَاءَ.

[فَرْعٌ الْفُلُوسُ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيهَا إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا زَكَاةُ]

(فَرْعٌ: الْفُلُوسُ كَعُرُوضِ) الـ (تِجَارَةِ فِيهَا) إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا (زَكَاةُ قِيمَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ) الْفُلُوسُ (لِلنَّفَقَةِ) فَإِنْ كَانَتْ لِلنَّفَقَةِ (فَلَا) زَكَاةَ فِيهَا.

[فَصْلٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ]

(فَصْلٌ) (وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ أَوْ إعَارَةٍ) لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَوْ يَعُدَّهُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ، وَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ: وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْوَرِقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» ، فَجَوَابُهُ أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ هَذَا الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَب إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الشُّمُولِ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ) كَانَ الْحُلِيُّ (لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ اتَّخَذَ حُلِيَّ نِسَاءٍ لِإِعَارَتِهِنَّ وَعَكْسُهُ) كَامْرَأَةٍ اتَّخَذَتْ حُلِيَّ رِجَالٍ لِإِعَارَتِهِمْ (غَيْرِ فَارٍّ) مِنْ زَكَاةٍ بِاِتِّخَاذِ الْحُلِيِّ فَإِنْ اتَّخَذَهُ فِرَارًا (فَ) أَنَّهَا (تَلْزَمُهُ) الزَّكَاةُ

(فَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ) الْيَتِيمُ (فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ فَإِنْ فَعَلَ) ، أَيْ: أَعَارَهُ (فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ (وَإِلَّا فَفِيهِ الزَّكَاةُ نَصًّا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.

(وَيَتَّجِهُ: لَا) أَيْ.
لَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ (بَلْ حَيْثُ كَانَ) حُلِيُّ الْيَتِيمِ (مُعَدًّا لِاسْتِعْمَالٍ فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ.
(وَلَوْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ) إذْ نَفْسُ إعَارَةِ مَالِ الْيَتِيمِ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا لَوْلَا النَّصُّ، لِمَا يَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَالْيَتِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، قَالُوا بِجَوَازِ إعَارَةِ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَتِهِ، أَوْ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْهُ، وَإِعَارَةُ حُلِيِّهِ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَبَلَغَ مُجَرَّدُ اسْتِعْدَادِهِ وَإِرْصَادِهِ إلَى بُلُوغِهِ وَاسْتِئْنَاسِ رُشْدِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(فَإِنْ تَكَسَّرَ الْحُلِيُّ) الْمُبَاحُ (كَسْرًا لَا يَمْنَعُ لُبْسَهُ) كَانْشِقَاقِهِ وَنَحْوِهِ، (فَ) هُوَ (كَصَحِيحٍ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ.
(وَإِنْ مَنَعَهُ) ، أَيْ: مَنَعَ تَكَسُّرَهُ لَبِسَهُ، (فَ) هُوَ (كَنَقْرَةٍ فَيُزَكَّى) وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ.

(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي) حُلِيِّ (مُحَرَّمٍ كَحِلْيَةِ نَحْوِ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ وَطَوْقِ رَجُلٍ وَسِوَارِهِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ)

(وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي (حُلِيِّ صَيَارِفَ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلتِّجَارَةِ

(أَوْ) ، أَيْ: وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حُلِيٍّ مُعَدٍّ لِ (قِنْيَةٍ أَوْ) مُعَدٍّ لِ (نَفَقَةٍ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) مُعِدُّهُ (بِهِ) ، أَيْ: بِاعْتِدَادِهِ (شَيْئًا، وَ)

تَجِبُ أَيْضًا فِي (آنِيَةِ) الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ كَالْعَدَمِ.

(وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ (مُعَدٍّ لِكِرَاءٍ إذَا بَلَغَ نِصَابًا وَزْنًا فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ سُقُوطَ الزَّكَاةِ فِيمَا أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ أَوْ إعَارَةٍ بِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، (وَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ قِيمَةِ) حُلِيٍّ (مُحَرَّمٍ) لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ يَجِبُ إتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ لِذَلِكَ (وَتُعْتَبَرُ) زِيَادَةُ الْقِيمَةِ (فِي) حُلِيٍّ (مُبَاحِ) الصِّنَاعَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالٍ أَوْ إعَارَةٍ (فَتُزَكَّى) الزِّيَادَةُ، إذْ لَوْ أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ وَزْنًا لَفَاتَتْ الصَّنْعَةُ الْمُتَقَوِّمَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(وَحَرُمَ كَسْرُهُ) ، أَيْ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَقْتَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ (لِنَقْصِهَا) ، أَيْ: الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ فِي كَسْرِهِ إضَاعَةَ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ

(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يُحَلَّى مَسْجِدٌ أَوْ مِحْرَابٌ) بِنَقْدٍ (أَوْ) أَنْ (يَمُدَّهُ سَقْفٌ أَوْ حَائِطٌ) مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِنَقْدٍ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ، لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (إلَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) لَوْ أُزِيلَ (فَلَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ) لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ.
وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ: أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ.
فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَتَرَكَهُ (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ اسْتِدَامَةِ) مُحَرَّمٍ (أَوْ اسْتِعْمَالِ مُحَرَّمٍ جَوَازُ صَنْعَتِهِ كَاسْتِعْمَالِ مُصَوَّرٍ) فِي افْتِرَاشٍ وَجَعْلِهِ مِخَدًّا، فَيَجُوزُ مَعَ حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ.

تَتِمَّةٌ: لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ زَاوِيَةٍ قِنْدِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْآنِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.

[فَصْلٌ فِي التَّحَلِّي]

(فَصْلٌ) فِي التَّحَلِّي (وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ وَخُنْثَى وَلَوْ بِقَصْدِ تَزَيُّنٍ مِنْ فِضَّةٍ خَاتَمٌ فَأَكْثَرُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ.
(وَ) لُبْسُهُ (بِخِنْصَرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) مِنْ لُبْسِهِ بِخِنْصَرِ يُمْنَى نَصًّا.
وَضَعَّفَ الْحَدِيثُ التَّخَتُّمَ فِي الْيُمْنَى فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ» ، وَكَانَ بِالْخِنْصَرِ لِأَنَّهَا طَرَفٌ، فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الِامْتِهَانِ فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ، وَلَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ، وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ» وَلِمُسْلِمٍ «كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» . (وَيَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " (وَكُرِهَ) لُبْسُهُ (بِسَبَّابَةٍ وَوُسْطَى فَقَطْ) لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهِمَا اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ

(وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) ، أَيْ: الْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ (أَكْثَرَ مِنْ مِثْقَالٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عَادَةٍ فَيَحْرُمُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ خَرَجَ الْمُعْتَادُ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
وَلُبْسُ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا، الْأَظْهَرُ الْجَوَازُ وَعَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِيهِ.
(وَسُنَّ) كَوْنُ الْخَاتَمِ (دُونَهُ) ، أَيْ: الْمِثْقَالِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِيَيْنِ " وَ " الْآدَابِ "

(وَ) يُبَاحُ لِذَكَرٍ (قَبِيعَةُ سَيْفٍ) مِنْ فِضَّةٍ، لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْضَةِ، وَلِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ أَشْبَهَتْ الْخَاتَمَ (وَ) يُبَاحُ لَهُ (حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ) وَهِيَ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ.
قَالَهُ الْخَلِيلُ.
وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ حِيَاصَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ، وَهِيَ كَالْخَاتَمِ (وَ) يُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ (جَوْشَنٍ) وَهُوَ الدِّرْعُ (وَخُوذَةٍ) وَهِيَ الْبَيْضَةُ (وَ) حِلْيَةُ (خُفٍّ وَنَعْلٍ وَرَادٍّ وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ وَحَمَائِلِ) سَيْفٍ، وَاحِدَتُهَا: حَمَالَةُ.
قَالَهُ الْخَلِيلُ (وَ) حِلْيَةُ (مِغْفَرٍ وَرَأْسِ رُمْحٍ وَشَعِيرَةِ سِكِّينٍ وتركاش نَشَّابٍ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنَّهُ يُسَاوِيهَا حُكْمًا.
وَعَلَّلَ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ.
وَ (لَا) يُبَاحُ (حِلْيَةُ رِكَابٍ وَلِجَامٍ وَسَرْجٍ وَدَوَاةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُشْطٍ وَمُكْحُلَةٍ وَمِجْمَرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمِيلٍ وَمِرْوَحَةٍ وَمَشْرَبَةٍ وَمُدْهِنَةٍ وَمِسْعَطٍ وَمِلْعَقَةٍ وَقِنْدِيلٍ وَمِسْرَجَةٍ

(وَيُبَاحُ) لِذَكَرٍ (مِنْ ذَهَبٍ قَبِيعَةُ سَيْفٍ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانَ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ.
ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ.

وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ أَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ (يَسِيرٍ فَصِّ خَاتَمٍ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْمَجْدُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " يَسِيرُ الذَّهَبِ التَّابِعِ لِغَيْرِهِ كَالطِّرَازِ وَنَحْوِهِ جَائِزٌ فِي الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.

(وَ) يُبَاحُ لِذَكَرٍ مِنْ ذَهَبٍ (مَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ، «لِأَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ أَنَّهُ لَا يَصْدَأُ بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وشلسن) رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ.
وَثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ وَغَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ فَأُبِيحَ كَالْأَنْفِ «وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ» ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ الْإِمَامِ، قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ

(وَ) يُبَاحُ (لِنِسَاءٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ كَطَوْقٍ وَخَلْخَالٍ وَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ) فِي أُذُنٍ (وَقِلَادَةٍ وَتَاجٍ وَمَا فِي مخانق وَمَقَالِدَ مِنْ حِرْزٍ وَتَعَاوِيذَ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ) ، أَيْ ذَاتِ عُرْيٍ، وَكَذَا عُقُودُ وَأُكَرٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (أَوْ) جُعِلَتْ الدَّنَانِيرُ (فِي مُرْسَلَةٍ) . أَيْ: قِلَادَةً طَوِيلَةً تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجَمُّلِ، وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ كَالنِّعَالِ الْمُذَهَّبَةِ لَا يُبَاحُ لَهُنَّ لِانْتِفَاءِ التَّجَمُّلِ، فَلَوْ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ.

(وَ) يُبَاحُ (لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَحِلُّ بِجَوْهَرٍ وَزُمُرُّدٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ وَفَيْرُوزَجَ وَنَحْوِهِ) كَلُؤْلُؤٍ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ

. (وَكُرِهَ تَخَتُّمُهُمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (بِحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَنُحَاسٍ وَصُفْرٍ) نَصًّا.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ

(وَيُسْتَحَبُّ) تَخَتُّمُهُمَا (بِعَقِيقٍ) ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ.» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: كَذَا ذُكِرَ.
قَالَ

الْعُقَيْلِيُّ، لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا شَيْءٌ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ هَذَا عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ (وَ) لِذَلِكَ قَالَ (فِي " الْإِقْنَاعِ " يُبَاحُ) التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ، لِمَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَ الْإِمَامُ: مَا السُّنَّةُ؟ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ - لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا مِنْ الْفِضَّةِ.
وَتَبِعَ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِحْبَابِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ فِي إسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ.

[فَرْعٌ كُرِهَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى خَاتَمٍ ذِكْرُ اللَّهِ]

(فَرْعٌ: كُرِهَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى خَاتَمٍ ذِكْرُ اللَّهِ قُرْآنٌ أَوْ غَيْرُهُ) نَصًّا (وَكَذَا عَلَى دَرَاهِمَ) قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءُ فِيهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، وَهِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

(وَحَرُمَ نَقْشُ صُورَةِ حَيَوَانٍ) عَلَى الْخَاتَمِ (وَلُبْسُهُ بِهَا) ، أَيْ: الصُّورَةِ كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ.

(بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ) أَيْ: عُرُوضَ التِّجَارَةِ.
الْعُرُوض، جَمْعُ: عَرْضٍ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَهُوَ.
مَا عَدَا الْأَثْمَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَبِفَتْحِهَا: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ، وَسُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عَلَمًا.
وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَمِّلِينَ الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ.
(لَا تُجْزِئُ) زَكَاةُ الْعُرُوضِ (مِنْهَا وَلَوْ) كَانَتْ الْعُرُوض (بَهِيمَةَ أَنْعَامٍ، بَلْ) تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ (مِنْ قِيمَتِهَا نَقْدًا) لِأَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ

بِالْقِيمَةِ، فَهِيَ مَحَلُّ الْوُجُوبِ.
(وَالْعَرْضُ مَا يُعَدُّ لِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ لِأَجْلِ رِبْحٍ وَلَوْ مَنْفَعَةً) كَالْإِجَارَةِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي قِيمَةِ) عُرُوضِ تِجَارَةٍ إذَا (بَلَغَتْ) قِيمَتُهَا (نِصَابًا) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، لَا فِي نَفْسِ الْعَرْضِ (لِمَا) ، أَيْ: عَرْضٍ (مُلِكَ بِفِعْلٍ) كَمَبِيعٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ (بِنِيَّةِ تِجَارَةٍ حَالَ مِلْكِهِ) بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ، فَوَجَبَ اقْتِرَانُهَا بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ (أَوْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا) ، أَيْ: نِيَّةَ التِّجَارَةِ (فِيمَا تُعَوِّضُ عَنْ عَرْضِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ وَلَوْ بِصُلْحٍ عَنْ قِنِّهَا الْمَقْتُولِ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَأَنْ تُعَوِّضَ عَنْ عَرْضِهَا شَيْئًا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ (وَسَوَاءٌ مَلَكَ الْعَرْضَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ) ، أَيْ: خَالِصَةٍ (كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَصُلْحٍ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ وَأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ وَاسْتِرْدَادِ مَا بَاعَهُ) بِإِقَالَةٍ أَوْ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (أَوْ) بِمُعَاوَضَةٍ (غَيْرِ مَحْضَةٍ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ) وَعِوَضِ خُلْعٍ (أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ) لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ثَوَابٌ.
(وَغَنِيمَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ) لِعُمُومِ خَبَرِ «سَمُرَةَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ جَعْفَرٌ وَخُبَيْبٌ مَجْهُولَانِ.
وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] ، وَقَوْلُهُ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَصَحَّحَ إسْنَادَهُمَا، وَقَالَ:

إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ لِحِمَاسٍ: " أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ.
فَقَالَ: مَا لِي إلَّا جِعَابٌ وَأُدْمٌ.
فَقَالَ: قَوِّمْهَا وَأَدِّ زَكَاتَهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَالْجِعَابُ: جَمْعُ جَعْبَةٍ، كِنَانَةُ النَّشَّابِ، وَهِيَ مِنْ جِلْدٍ لَا خَشَبَ فِيهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.

(فَإِنْ مَلَكَهُ) ، أَيْ: الْعَرْضَ (بِإِرْثٍ) أَوْ عَادَ إلَيْهِ بِطَلَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ، أَوْ فَسْخٍ مِنْ قِبَلَهَا قَبْلَهُ (أَوْ) مَلَكَهُ بِ (لُقَطَةٍ) مَضَى حَوْلُ تَعْرِيفِهَا، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ (أَوْ) مَلَكَهُ (بِفِعْلِهِ بِلَا نِيَّةِ تِجَارَةٍ ثُمَّ نَوَاهَا) ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا بِأَنْ لَا يَنْوِيَهَا لِلْقِنْيَةِ.
(أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِتِجَارَةٍ فَنَوَاهُ لِقِنْيَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا: الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ التِّجَارَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَنْوِيُّ لِلْقِنْيَةِ (ثِيَابَ حَرِيرٍ لِلُبْسٍ مُحَرَّمٍ ثُمَّ) نَوَاهُ (لِتِجَارَةٍ لَمْ يَصِرْ لَهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ، فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا، فَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إذَا نَوَى عَلَفَهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ السَّوْمُ دُونَ نِيَّةٍ (حَتَّى تُبَاعَ) بِنَقْدٍ مُطْلَقًا أَوْ بِعَرْضٍ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (وَيَمْضِي حَوْلٌ) فَيُزَكِّيهِ عِنْدَ تَمَامِهِ

(غَيْرَ حُلِيِّ لُبْسٍ) إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَيَصِيرُ لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (لِأَنَّ التِّجَارَةَ أَصْلٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْحُلِيِّ، فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ.

(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ حُلِيُّ اللُّبْسِ (غَيْرَ نَقْدٍ) كَجَوْهَرٍ وَزُمُرُّدٍ وَلُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ قَتَلَ عَبْدَ تِجَارَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَصَالَحَ) سَيِّدَهُ (عَلَى مَالٍ، صَارَ) الْمَالُ (لِتِجَارَةٍ) بِاسْتِصْحَابِ نِيَّتِهَا، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لَهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (فَتَخَمَّرَ) الْعَصِيرُ (ثُمَّ تَخَلَّلَ عَادَ حُكْمُ تِجَارَةٍ) اسْتِصْحَابًا لِلْيَدِ كَالرَّهْنِ.

(وَتُقَوَّمُ عُرُوضُ) تِجَارَةٍ (عِنْدَ) تَمَامِ (حَوْلٍ.
وَأَوَّلِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ (مِنْ حِينِ بَلَغَتْ) الْعُرُوض (نِصَابًا فَيَسْتَأْنِفُ) الْحَوْلَ (لَوْ نَقَصَتْ) قِيمَةُ الْعُرُوضِ (بِأَثْنَائِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ (بِالْأَحَظِّ) مُتَعَلِّقٌ بِتُقَوَّمُ (لِفُقَرَاءَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ بَلَدٍ) وَبِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْآخِذِ (أَوْ نَقَصَتْ) الْقِيمَةُ (بَعْدَ) التَّقْوِيمِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَقَرَّتْ، كَمَا لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ.

وَ (لَا) تُقَوَّمُ الْعُرُوض (بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، لَا قَدْرًا وَلَا جِنْسًا،

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل