مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(وَفَاتَ) الرَّهْنُ عَلَى الْآخَرِ؛ (ضَمِنَ) الْعَدْلُ (حَقَّ الْآخَرِ) مِنْ الْمُتَرَاهِنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ؛ رَدَّهُ الدَّافِعُ إلَى يَدِ نَفْسِهِ لِيُوَصِّلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ؛ (وَإِنْ رَدَّهُ) الْعَدْلُ (عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ؛ الْمُتَرَاهِنَيْنِ؛ (فَامْتَنَعَا) مِنْ أَخَذَهُ؛ (أَجْبَرَهُمَا حَاكِمٌ) عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ؛ لِتَطَوُّعِهِ بِالْحِفْظِ، فَإِنْ تَغَيَّبَا نَصَبَ حَاكِمٌ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا؛ لِوِلَايَتِهِ عَلَى مُمْتَنِعٍ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ؛ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْعَدْلُ (حَاكِمًا، فَتَرَكَهُ لِعُذْرٍ عِنْدَ عَدْلٍ آخَرَ؛ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعَا، وَدَفَعَهُ عَدْلٌ أَوْ حَاكِمٌ إلَى آخَرَ؛ ضَمِنَهُ دَافِعٌ وَقَابِضٌ، وَإِنْ غَابَ مُتَرَاهِنَانِ، وَأَرَادَ الْمَشْرُوطُ جَعْلَهُ عِنْدَهُ رَدَّهُ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ؛ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ دَفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ، فَقَبَضَهُ مِنْهُ، أَوْ نَصَبَ لَهُ عَدْلًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَوْدَعَهُ ثِقَةً.
(وَلَا يُسَافِرْ) الْعَدْلُ بِهِ؛ أَيْ: الرَّهْنِ بِلَا (إذْنٍ) ؛ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِي السَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَغَيْبَتُهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ؛ قَبَضَهُ حَاكِمٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ دَفَعَهُ إلَى عَدْلٍ، وَإِنْ غَابَا دُونَ الْمَسَافَةِ فَكَحَاضِرَيْنِ، وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمَا فَكَمَا لَوْ غَابَا.
(وَيَضْمَنُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنَ؛ (مُرْتَهِنٌ بِغَصْبِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ) ؛ أَيْ: الْعَدْلِ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ، (وَيَزُولُ) الْغَصْبُ وَالضَّمَانُ (بِرَدِّهِ لَهُ) ؛ أَيْ: الْعَدْلِ؛ لِنِيَابَةِ يَدِهِ عَنْ يَدِ مَالِكِهِ؛ كَمَا لَوْ رَدَّهُ لِمَالِكِهِ، وَ (لَا) يَزُولُ حُكْمُ ضَمَانِهِ (بِرَدِّهِ) ؛ أَيْ: عَوْدِهِ (مِنْ سَفَرٍ بِهِ) ؛ أَيْ: لَوْ سَافَرَ أَحَدُهُمَا بِالرَّهْنِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ؛ صَارَ ضَامِنًا لَهُ، فَإِنْ عَادَ مِنْ سَفَرِهِ؛ لَمْ يَزُلْ ضَمَانُهُ بِمُجَرَّدِ عَوْدِهِ.
وَ (لَا بِزَوَالِ تَعَدِّيهِ) عَلَى الرَّهْنِ؛ كَمَا لَوْ لَبِسَ الْمَرْهُونَ لَا لِمَصْلَحَتِهِ، ثُمَّ خَلِقَ؛ لِزَوَالِ ائْتِمَانٍ، فَلَمْ يَعُدْ بِخَلْعِهِ مَعَ بَقَائِهِ بِيَدِهِ (بِلَا عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ) ، فَإِنْ رَدَّهُ لِمَالِكٍ، وَجَدَّدَ مَعَهُ عَقْدَ الرَّهْنِ؛ زَالَ الضَّمَانُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِرَهْنٍ، بِخِلَافِ وَدِيعَةٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِبَلَدِ الرَّهْنِ مِنْ الْبَيْعِ بِنَقْدِهِ وَبَيْعِهِ فِيهِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ؛ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ بَقَاؤُهُ فِيهِ عِنْدَ ثِقَةٍ أَوْ حَاكِمٍ.
(وَإِنْ) (حَدَثَ لِعَدْلٍ) مَشْرُوطٍ جُعِلَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ (فِسْقٌ أَوْ خِيَانَةٌ أَوْ ضَعْفٌ) عَنْ حِفْظِهِ (أَوْ عَدَاوَةٌ مَعَ أَحَدِهِمَا) ؛ أَيْ: الْمُتَرَاهِنَيْنِ (أَوْ مَاتَ) الْعَدْلُ، (أَوْ) مَاتَ (مُرْتَهِنٌ) عِنْدَهُ الرَّهْنُ؛ (وَلَمْ يَرْضَ رَاهِنٌ بِكَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (بِيَدِ وَرَثَةٍ أَوْ) بِيَدِ (وَصِيٍّ) لَهُ، أَوْ حَدَثَ لِمُرْتَهِنٍ فِسْقٌ وَنَحْوُهُ وَالرَّهْنُ بِيَدِهِ؛ (جَعَلَهُ حَاكِمٌ بِيَدِ أَمِينٍ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ حُقُوقِهِمَا وَقَطْعِ نِزَاعِهِمَا ؛ مَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وَضْعِهِ بِيَدِ آخَرَ، (فَإِنْ اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: الْمُتَرَاهِنَانِ (فِي تَغَيُّرِ حَالِهِ) ؛ أَيْ: الْعَدْلِ (بَحَثَ عَنْهُ حَاكِمٌ، وَعَمِلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ) مِنْ حَالِهِ، (وَكَذَا لَوْ تَغَيَّرَ حَالُ مُرْتَهِنٍ؛ فَلِرَاهِنٍ دَفْعُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (لِحَاكِمٍ يَضَعُهُ فِي يَدِ عَدْلٍ) ؛ بِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (وَإِنْ أَذِنَا) ؛ أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْعَدْلِ فِي بَيْعِ رَهْنٍ، (أَوْ) أَذِنَ (رَاهِنٌ لِمُرْتَهِنٍ فِي بَيْعِ) رَهْنٍ (وَعُيِّنَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - لِعَدْلٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ (نَقْدٌ؛ تَعَيَّنَ؛ فَلَا يَصِحُّ) بَيْعُهُ (بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا) يُعَيَّنْ لَهُ نَقْدٌ؛ (بِيعَ) رَهْنٌ (بِنَقْدِ الْبَلَدِ) إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نَقْدٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ لَهُ لِرَوَاجِهِ، (فَإِنْ تَعَدَّدَ) نَقْدُ الْبَلَدِ (فَبِأَغْلَبِهِ رَوَاجًا) يُبَاعُ؛ لِمَا سَبَقَ؛ (فَإِنْ تَسَاوَى) ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَغْلَبُ رَوَاجًا؛ (فَإِنَّهُ) يُبَاعُ (بِجِنْسِ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وَفَاءِ الْحَقِّ، (وَإِلَّا) يَكُنْ فِيهِ جِنْسُ الدَّيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاعُ (بِمَا يَرَاهُ) مَأْذُونٌ لَهُ فِي بَيْعٍ (أَصْلَحَ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الْحَظِّ ؛ (فَإِنْ تَرَدَّدَ) رَأْيُهُ، أَوْ اخْتَلَفَ رَاهِنٌ وَمُرْتَهِنٌ عَلَى عَدْلٍ فِي تَعْيِينِ ثَمَنِهِ؛ بِأَنْ (عَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَمَنًا؛ عَيَّنَهُ حَاكِمٌ - وَلَوْ) كَانَ مَا عَيَّنَهُ الْحَاكِمُ (غَيْرَ جِنْسِ الْحَقِّ -) لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْحَظِّ؛ وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ.
(وَتَلِفَ ثَمَنُ) رَهْنٍ (بِيَدِ عَدْلٍ بِلَا تَفْرِيطٍ مِنْ ضَمَانِ رَاهِنٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِي الْبَيْعِ، وَالثَّمَنُ مِلْكُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ؛ فَيَضِيعُ عَلَى مُوَكِّلِهِ؛ كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ، وَإِنْ أَنْكَرَ رَاهِنٌ وَمُرْتَهِنٌ قَبْضَ عَدْلٍ ثَمَنًا، وَادَّعَاهُ؛ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْعَدْلُ (فِي وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ وَغَيْرِهِ) فِي الْبَيْعِ؛ (كَوَكِيلٍ) عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ.
(وَمَتَى خَالَفَ) الْعَدْلُ (لَزِمَهُ) فِي مُخَالَفَتِهِ
(مَا يَلْزَمُ وَكِيلًا خَالَفَ) فِي وَكَالَتِهِ، (وَإِنْ اُسْتُحِقَّ رَهْنٌ بِيعَ) ؛ أَيْ: بَانَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِ رَاهِنٍ؛ (لَمْ يَرْجِعْ بِثَمَنٍ مُشْتَرٍ أُعْلِمَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ -؛ أَيْ: أَعْلَمَهُ بَائِعٌ مِنْ عَدْلٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي بَيْعِهِ (عَلَى عَدْلٍ بَائِعٍ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ) وَحُقُوقُ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا رَبُّ الْعَيْنِ فَلَهُ طَلَبُهُ بِهَا؛ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ؛ لَا يُقَالُ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا سُلِّمَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ لِيُسَلِّمَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ وَهَكَذَا كُلُّ وَكِيلٍ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ؛ وَأَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِالْحَالِ، (بَلْ) يَرْجِعُ مُشْتَرٍ (عَلَى رَاهِنٍ مُفْلِسًا كَانَ) الرَّاهِنُ (أَوْ مَيِّتًا) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ، فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ، (وَإِلَّا) يُعْلِمْ عَدْلٌ مُشْتَرٍ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَيَرْجِعُ مُشْتَرٍ (عَلَى بَائِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، (وَيَرْجِعُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْبَائِعُ (عَلَى الرَّاهِنِ) إنْ أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ؛ (وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ مُرْتَهِنٌ؛ رَجَعَ مُشْتَرٍ عَلَيْهِ) بِهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ سَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبَانَ فَسَادُ الرَّهْنِ؛ فَلَهُ فَسْخُ بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ، (وَإِنْ رَدَّهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنَ (مُشْتَرٍ بِعَيْبٍ ثَابِتٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى مُرْتَهِنٍ) بِالثَّمَنِ؛ (لِقَبْضِهِ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (الثَّمَنَ بِحَقٍّ، وَلَا) عَلَى (بَائِعٍ أَعْلَمَهُ) بِالْحَالِ؛ (لِأَنَّهُ أَمِينٌ) ؛ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، (بَلْ) يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ (عَلَى الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُهُ، وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَلِفَ مَبِيعٌ اُسْتُحِقَّ) ؛ أَيْ: لَوْ بِيعَ الرَّهْنُ، ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْغَيْرِ، وَكَانَ تَلَفُهُ (بِيَدِ مُشْتَرٍ قَبْلَ وَزْنِ ثَمَنِهِ) أَوْ بَعْدَهُ؛ (فَلِرَبِّهِ تَضْمِينُ) مَنْ شَاءَ مِنْ (غَاصِبٍ) - وَهُوَ الرَّاهِنُ - (أَوْ بَائِعٍ) - وَهُوَ الْعَدْلُ - (أَوْ مُرْتَهِنٍ أَوْ مُشْتَرٍ) . ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُغْنِي " وَالْكَافِي " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ "؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ وَضَعَ الْمُرْتَهِنُ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا طَلَبَ عَلَيْهِ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ؛ أَيْ: صَاحِبِ الْمُغْنِي " قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: إذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُرْتَهِنِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَا قَبَضَ ثَمَنَهُ، فَكَيْفَ
يَضْمَنُهُ، (وَالْقَرَارُ) ؛ أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُشْتَرِي - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ - (لِتَلَفِهِ) ؛ أَيْ: الْمَبِيعِ (تَحْتَ يَدِهِ) ، وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بَيْعًا فَاسِدًا؛ وَجَبَ رَدُّهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ؛ فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْمُشْتَرِي أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَيْنِهِ، وَمَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَإِنْ وَفَّى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ؛ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ
قَالَ فِي الْكَافِي " (وَإِنْ قَضَى الْعَدْلُ مُرْتَهِنًا) دَيْنَهُ (مِنْ الثَّمَنِ) ؛ أَيْ: ثَمَنِ الرَّهْنِ (فِي غَيْبَةِ رَاهِنٍ، فَأَنْكَرَ مُرْتَهِنٌ الْقَضَاءَ - وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ - ضَمِنَ الْعَدْلُ) ؛ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ مَدِينٌ، فَإِنْ حَضَرَ رَاهِنٌ الْقَضَاءَ؛ لَمْ يَضْمَنْ الْعَدْلُ؛ وَكَذَا إنْ شَهِدَ الْعَدْلُ، وَلَوْ غَابَ شُهُودُهُ، أَوْ مَاتُوا، إنْ صَدَّقَهُ رَاهِنٌ، (وَلَا يُصَدَّقُ) الْعَدْلُ (عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ: الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، أَمَّا الرَّاهِنُ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي الْقَضَاءِ، عَلَى وَجْهٍ يَبْرَأُ بِهِ، وَهُوَ لَمْ يَبْرَأْ بِهَذَا، وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِي الْحِفْظِ فَقَطْ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَكِيلٍ فِيهِ، (فَيَحْلِفُ مُرْتَهِنٌ) أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى دَيْنَهُ (وَيَرْجِعُ) بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عَدْلٍ وَرَاهِنٍ، (فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ؛ لَمْ يَرْجِعْ) الْعَدْلُ (عَلَى أَحَدٍ) ؛ لِدَعْوَاهُ ظُلْمَ مُرْتَهِنٍ لَهُ وَأَخْذَ مَالٍ مِنْهُ ثَانِيًا بِغَيْرِ حَقٍّ، (وَإِنْ رَجَعَ) مُرْتَهِنٌ (عَلَى رَاهِنٍ؛ رَجَعَ) الرَّاهِنُ (عَلَى الْعَدْلِ) ؛ لِتَفْرِيطِهِ؛ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ؛ كَمَا لَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ بِتَفْرِيطِهِ، (وَكَذَا فِيمَا مَرَّ) مِنْ الْأَحْكَامِ (كُلُّ وَكِيلٍ) فِي قَضَاءِ دَيْنٍ إذَا قَضَاهُ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلٍ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَيَضْمَنُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَأْتِي فِي الضَّمَانِ حُكْمُ مَا لَوْ أَشْهَدَ) الْوَكِيلُ عَلَى الْقَضَاءِ مُسْتَوْفًى.
[فَصْلٌ شَرْط الْمُتَرَاهِنَيْنِ مَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ الرَّهْن]
(فَصْلٌ: وَيَصِحُّ شَرْطُ كُلِّ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ) بِلَا نِزَاعٍ، وَذَلِكَ؛ كَشَرْطِ (بَيْعِ مُرْتَهِنٍ) لِرَهْنٍ، (وَ) كَشَرْطِ بَيْعِ (عَدْلٍ لِرَهْنٍ عِنْدَ حُلُولِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ.
(وَيَنْعَزِلَانِ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنُ وَالْعَدْلُ الْمَأْذُونُ لَهُمَا فِي بَيْعِ الرَّهْنِ (بِعَزْلِ رَاهِنٍ وَمَوْتِهِ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمَا -) كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ وَالْوَكَالَاتِ، فَلَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ
وَ (لَا) يَصِحُّ شَرْطُ (مَا لَا يَقْتَضِيهِ) عَقْدُ الرَّهْنِ؛ (كَكَوْنِ مَنَافِعِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (لِمُرْتَهِنٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَلَا تَكُونُ مَنَافِعُهُ لِغَيْرِهِ، (أَوْ هُوَ) ؛ أَيْ: الرَّهْنُ (لَهُ) ؛ أَيْ: لَلْمُرْتَهِنِ (إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِحَقِّهِ فِي مَحِلِّهِ) أَوْ إنْ لَمْ يَأْتِهِ فِي مَحِلِّهِ فَالرَّهْنُ مَبِيعٌ لَهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، (أَوْ) شَرْطُ مَا (يُنَافِيهِ) ؛ أَيْ: يُنَافِي مُقْتَضَى عَقْدِ الرَّهْنِ؛ (كَتَوْقِيتِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ؛ بِأَنْ قَالَ: هُوَ رَهْنٌ لِسَنَةٍ مَثَلًا، (وَكَوْنِهِ يَوْمًا رَهْنًا وَيَوْمًا لَا) يَكُونُ رَهْنًا، (أَوْ) شَرْطُ أَنْ (لَا يُبَاعَ إلَّا بِثَمَنٍ يَرْضَاهُ رَاهِنٌ، أَوْ) شَرْطَ (أَنْ يَبِيعَهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ) شَرْطُ (كَوْنِ رَهْنِهِ بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الرَّاهِنِ، (أَوْ) شَرْطُ أَنَّهُ (غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ) ؛ أَيْ الرَّهْنِ، (أَوْ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَهُ) ؛ أَيْ: الرَّاهِنِ، (أَوْ) شَرْطُ أَنْ (لَا يُبَاعَ) الرَّهْنُ (عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ) ، أَوْ لَا يُبَاعُ مَا خِيفَ تَلَفُهُ مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، (أَوْ) شَرْطُ كَوْنِهِ (مِنْ ضَمَانِ مُرْتَهِنٍ) ، أَوْ مِنْ ضَمَانِ عَدْلٍ، (أَوْ) شَرْطُ الرَّاهِنِ أَنْ (لَا يَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ) فَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، لِمُنَافَاتِهِ الرَّهْنَ، (وَلَا يَفْسُدُ عَقْدُ) الرَّهْنِ (بِذَلِكَ) ؛ لِحَدِيثِ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» ، وَتَقَدَّمَ.
(بَلْ) يَفْسُدُ (الشَّرْطُ) فَقَطْ؛ حَيْثُ سَمَّاهُ فِي الْحَدِيثِ رَهْنًا، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ رَهْنٌ وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ، نَصَّ عَلَى مَعْنَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ كَشَرْطِ (كَوْنِ أَمَةٍ مَرْهُونَةً بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ، (أَوْ) بِيَدِ (أَجْنَبِيٍّ عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي لِلْخَلْوَةِ) بِهَا، مِثْلُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْأَجْنَبِيِّ زَوْجَاتٌ وَلَا سَرَارِيُّ وَلَا نِسَاءٌ مَعَهَا فِي دَارِهِمَا؛ فَيَفْسُدُ الشَّرْطُ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَا يَفْسُدُ الرَّهْنُ، وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ تَحْتَ يَدِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ أَمِينٍ لَهُ زَوْجَاتٌ أَوْ سَرَارِيُّ أَوْ مَحَارِمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ
الْمُحَرَّمَةِ، (أَوْ) كَوْنِ (قِنٍّ بِيَدِهَا) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا؛ بِأَنْ شَرَطَتْ كَوْنَهُ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى خَلْوَتِهِ بِهَا؛ (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ عِنْدَهَا حَيْثُ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا مَحْرَمَ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ.
(وَ) إنْ قَالَ غَرِيمٌ: (رَهَنْتُك هَذَا) ؛ أَيْ: دَارِي مَثَلًا (عَلَى أَنْ لَا تَزِيدَنِي فِي الْأَجَلِ) ، بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا إلَى مُحَرَّمٍ، فَرَهَنَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ إلَى صَفَرٍ؛ (فَرَهْنٌ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَثْبُتُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدٍ وَجَبَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَجَلُ فَسَدَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ.
[تَتِمَّةٌ فَسَدَ الرَّهْنُ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ]
تَتِمَّةٌ: إذَا فَسَدَ الرَّهْنُ؛ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَالرَّهْنُ الصَّحِيحُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ، وَالْمَبِيعُ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ مَضْمُونٌ، فَكَذَا الْمَقْبُوضُ بِعَقْدِهِ فَاسِدٌ؛ كَمَا سَبَقَ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي أَنَّ الرَّاهِنَ أَقْبَضَ الْمُرْتَهِنَ خَمْرًا]
(فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (فِي أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الرَّاهِنَ (أَقْبَضَهُ) ؛ أَيْ: أَقْبَضَ الْمُرْتَهِنَ (عَصِيرًا أَوْ) أَقْبَضَهُ (خَمْرًا فِي عَقْدٍ شَرَطَ فِيهِ) رَهْنَهُ، بِأَنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَشَرَطَ أَنْ يَرْهَنَهُ بِهِ هَذَا الْعَصِيرَ، وَقَبَضَهُ، ثُمَّ عَلِمَهُ خَمْرًا، فَقَالَ مُشْتَرٍ: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا وَتَخَمَّرَ عِنْدَك، فَلَا أَفْسَخُ لَك؛ لِأَنِّي وَفَيْتُ بِالشَّرْطِ.
وَقَالَ بَائِعٌ كَانَ تَخَمَّرَ قَبْلَ قَبْضٍ فَلِي الْفَسْخُ لِلشَّرْطِ؛ فَقَوْلُ رَاهِنٍ؛ أَيْ: مُشْتَرٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (رَدِّ رَهْنٍ) ؛ بِأَنْ ادَّعَاهُ مُرْتَهِنٌ، وَأَنْكَرَهُ رَاهِنٌ؛ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ - وَالْمُرْتَهِنُ قَبَضَ الرَّهْنَ لِمَنْفَعَتِهِ - فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ؛ كَمُسْتَعِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ (أَوْ) اخْتَلَفَا (فِي عَيْنِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ، وَيَأْتِي مِثَالُهُ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (قَدْرِهِ) ؛ بِأَنْ قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ، فَقَالَ مُرْتَهِنٌ: بَلْ هُوَ وَهَذَا الْآخَرَ، فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (قَدْرِ) دَيْنٍ بِهِ؛ بِأَنْ يَقُولَ رَاهِنٌ: رَهَنْتُك بِأَلْفٍ، فَقَالَ مُرْتَهِنٌ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ؛ فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الدَّيْنِ أَلْفَانِ أَوْ اخْتَلَفَا.
أَوْ اخْتَلَفَا (فِي صِفَةِ دَيْنٍ بِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ؛ كَرَهَنْتُكَ (بِنِصْفِ الدَّيْنِ، أَوْ) رَهَنْتُك (بِالْمُؤَجَّلِ) مِنْهُ؛ فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِرَهْنِهِ بِالزَّائِدِ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (قَبْضِهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَدِ مُرْتَهِنٍ) عِنْدَ الِاخْتِلَافِ؛ فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ، (وَقَالَ) الرَّاهِنُ: (قَبَضْته بِلَا إذْنِهِ؛ فَقَوْلُ رَاهِنٍ بِيَمِينِهِ) . جَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِيَيْنِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْمُغْنِي " " " وَالشَّرْحِ " لِأَنَّهُ مُنْكِرُ الْإِذْنِ.
وَقَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا لِلتَّلْخِيصِ ": وَلَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْهُ؛ قُبِلَ مِنْهُ إنْ كَانَ بِيَدِهِ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ.
فَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: (رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ، فَقَالَ) الْمُرْتَهِنُ: (بَلْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ؛ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ) ؛ لِإِقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّهُ لَيْسَ رَهْنًا، (وَكَذَا) خَرَجَتْ (الْجَارِيَةُ) مِنْ الرَّهْنِ (إنْ حَلَفَ) الرَّاهِنُ (أَنَّهُ مَا رَهَنَهَا) ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ رَهْنِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَهَذَا مِثَالٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: (رَهَنْتُك عَبْدِي) الَّذِي بِيَدِكَ (بِأَلْفٍ، فَقَالَ) ذُو الْيَدِ: (بَلْ بِعْتَنِيهِ بِهِ) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ، (أَوْ) قَالَ: (بِعْتُكَ بِهِ، فَقَالَ: بَلْ رَهَنْتَنِيهِ) بِهِ - وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا - (حَلَفَ كُلٌّ) مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ مَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُمَا، وَيَأْخُذُ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ،
(وَبَقِيَ الْأَلْفُ بِلَا رَهْنٍ) ، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، فَإِنْ نَكَلَا صَرَفَهُمَا، عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: (رَهَنْتنِي عَبْدَك) هَذَا (بِأَلْفٍ، فَقَالَ) مَالِكُهُ: (بَلْ غَصَبْتَنِيهِ؛ أَوْ) قَالَ: (هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدَك أَوْ عَارِيَّةُ؛ فَقَوْلُ رَبِّهِ) سَوَاءٌ (اعْتَرَفَ بِالدَّيْنِ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ قَالَ مَنْ بِيَدِهِ رَهْنٌ لِرَبِّهِ: (أَرْسَلْتُ وَكِيلَك زَيْدًا لِيَرْهَنَهُ بِعِشْرِينَ، وَقَبَضَهَا زَيْدٌ، وَصَدَّقَ الْوَكِيلُ) أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ الْعِشْرِينَ، وَأَنَّهُ سَلَّمَهَا لِرَبِّ الرَّهْنِ؛ (فَقَوْلُ رَاهِنٍ) ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ زَيْدًا، بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ زَيْدًا لِيَرْهَنَهُ إلَّا (بِعَشَرَةٍ) وَلَمْ يَقْبِضْ سِوَاهَا؛ (كَمَا) يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِيَمِينِهِ (لَوْ عَدِمَ الْوَكِيلَ) ، فَإِذَا حَلَفَ رَاهِنٌ بَرِيءَ مِنْ الْعَشَرَةِ، (وَيَغْرَمُ الْوَكِيلُ) الْعَشَرَةَ (الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِهَا، (وَإِنْ صَدَّقَ) الْوَكِيلُ (مُوَكِّلَهُ) - وَهُوَ الرَّاهِنَ - (فَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْوَكِيلِ الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ (الْيَمِينُ لِنَفْيِهَا) ؛ أَيْ: الْعَشَرَةِ الْأُخْرَى، فَيَحْلِفُ مَا رَهَنَهُ إلَّا بِعَشَرَةٍ، وَلَا قَبَضَ إلَّا عَشَرَةً، وَلَا يَمِينَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِيءَ هُوَ وَمُوَكِّلُهُ، (وَإِلَّا) يَحْلِفْ؛ بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ؛ (غَرِمَ) الْعَشَرَةَ الْمُخْتَلِفَ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ ظَلَمَهُ.
وَلَا يَرْجِعُ الْإِنْسَانُ بِظُلَامَتِهِ إلَّا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، أَوْ تَسَبَّبَ فِي ظُلْمِهِ.
[فَصْلٌ الِانْتِفَاع بِالْمَرْهُونِ]
(فَصْلٌ: وَلِمُرْتَهِنٍ رُكُوبُ حَيَوَانٍ مَرْهُونٍ) ؛ كَفَرَسٍ وَبَعِيرٍ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، نَصًّا وَلَوْ (بِلَا إذْنِ رَاهِنٍ؛ وَلَوْ) كَانَ الرَّاهِنُ (حَاضِرًا، أَوْ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الْإِنْفَاقِ) عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . (وَ) لِمُرْتَهِنٍ (حَلْبُهُ فَقَطْ) ؛ أَيْ: لَيْسَ لَهُ إلَّا الرُّكُوبُ وَالْحَلْبُ بِقَدْرِ
النَّفَقَةِ، لَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا.
(وَ) لَهُ (اسْتِرْضَاعُ أَمَةٍ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ؛ لِلْخَبَرِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثَ: «وَلَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ النَّمَاءُ لِلرَّاهِنِ، لَكِنْ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ صَرْفِهِ لِنَفَقَةِ الرَّهْنِ؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ، وَلِمُرْتَهِنٍ فِيهِ حَقٌّ؛ فَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ: «إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً؛ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلْفُهَا» ، فَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الْمُنْفِقُ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ.
(مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ) فِي كَوْنِ الرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ؛ (فَلَا يُنْهِكُهُ) ؛ أَيْ: الْمَرْكُوبَ وَالْمَحْلُوبَ (بِذَلِكَ) الرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُرْتَهِنُ تَلَفَ دَابَّةٍ مَرْهُونَةٍ رَكِبَهَا بِنَفَقَتِهَا إذَا لَمْ يُنْهِكْهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَبِيعُ) مُرْتَهِنٌ (فَضْلَ لَبَنٍ) مَرْهُونٍ (بِإِذْنِ رَاهِنٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، (وَإِلَّا) ؛ يَأْذَنْ لِامْتِنَاعِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ؛ (فَحَاكِمٌ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، (وَيَرْجِعُ) مُرْتَهِنٌ (بِفَضْلِ نَفَقَتِهِ) عَنْ رُكُوبٍ وَحَلْبٍ وَاسْتِرْضَاعٍ (عَلَى رَاهِنٍ) بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فِي غَيْرِهِ.
(وَلَا يَتَصَرَّفُ) مُرْتَهِنٌ (فِي) رَهْنٍ (غَيْرِ مَرْكُوبٍ) (وَ) غَيْرِ (مَحْلُوبٍ بِاسْتِعْمَالٍ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ ": لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَيَسْتَخْدِمَهَا بِقَدْرِ النَّفَقَةِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (انْتِفَاعٌ بِمَرْهُونٍ بِإِذْنِ رَاهِنٍ مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ، وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِعِوَضٍ (وَبِمُحَابَاةٍ) ؛ بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ بِعِوَضٍ أَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الرَّهْنِ (مَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ قَرْضًا) ؛ فَيَحْرُمُ؛
لِجَرِّهِ النَّفْعَ، (وَيَصِيرُ) الرَّهْنُ الْمَأْذُونُ فِي اسْتِعْمَالِهِ مَجَّانًا (مَضْمُونًا بِالِانْتِفَاعِ) بِهِ؛ لِصَيْرُورَتِهِ عَارِيَّةً، وَظَاهِرُهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ) مُرْتَهِنٌ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (لِيَرْجِعَ) عَلَى رَاهِنٍ (بِلَا إذْنِ رَاهِنٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِأَنْفَقَ - (وَأَمْكَنَ) اسْتِئْذَانُهُ، فَالْمُنْفِقُ (مُتَبَرِّعٌ) حُكْمًا؛ لِتَصَدُّقِهِ بِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِعِوَضِهِ؛ كَالصَّدَقَةِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَلِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، (وَإِنْ تَعَذَّرَ) اسْتِئْذَانُهُ (بِنَحْوِ غَيْبَةٍ) أَوْ تَوَارٍ، أَوْ أَنْفَقَ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ؛ (رَجَعَ) ؛ أَيْ: فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى رَاهِنٍ (بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ) عَلَى رَهْنٍ، (أَوْ نَفَقَةِ مِثْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، (أَوْ لَمْ يَشْهَدْ) أَنَّهُ يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ عَلَى رَبِّهِ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْإِنْفَاقِ لِحِرَاسَةِ حَقِّهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ.
(وَ) حَيَوَانٌ (مُعَارٌ وَمُؤَجَّرٌ وَمُودَعٌ، وَيَتَّجِهُ وَمُشْتَرَكٌ) بِيَدِ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ (كَرَهْنٍ) فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ، وَإِنْ مَاتَ فَكَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ؛ كَذَلِكَ (وَإِنْ انْهَدَمَتْ مَرْهُونَةٌ، فَعَمَرَهَا مُرْتَهِنٌ بِلَا إذْنِ) رَاهِنٍ؛ (لَمْ يَرْجِعْ) الْمُرْتَهِنُ بِمَا أَنْفَقَهُ فِي عِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الرَّاهِنِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ - (وَلَوْ نَوَاهُ) ؛ أَيْ: نَوَى الْمُرْتَهِنُ الرُّجُوعَ - (لَكِنْ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ - إذَا عَمَرَ - (أَخْذُ أَعْيَانِ آلَتِهِ) الَّتِي عَمَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ مَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ ثَمَنِ مَاءٍ وَرَمَادٍ وَطِينٍ وَجِصٍّ وَنَوْرَةٍ وَأُجْرَةِ مُعَمِّرِينَ، وَكَذَا مُسْتَأْجِرٌ وَوَدِيعٌ.
[فَصْلٌ جَنَى الرَّقِيق الْمَرْهُون وَاخْتِيرَ الْمَالُ]
(فَصْلٌ وَإِنْ جَنَى) رَقِيقٌ (رَهْنَهُ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٌ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهِ أَوْ فِيهِ قَوَدٌ، وَاخْتِيرَ الْمَالُ؛ (تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِقِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي، هَكَذَا وَقَعَ فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ النُّسَخِ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " " وَالْإِنْصَافِ " بِرَقَبَتِهِ
بَدَلُ قِيمَتِهِ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ؛ يَصِحُّ قَوْلُهُ: (وَقُدِّمَ) حَقُّ الْجِنَايَةِ (عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ) . قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْجِنَايَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِهِ اخْتِيَارُهُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ، فَقُدِّمَ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدِهِ، وَلِاخْتِصَاصِ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِالْعَيْنِ فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهَا.
(فَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ؛ (خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ) أُمُورٍ فِدَاؤُهُ؛ أَيْ: الْقِنِّ الْمَرْهُونِ (بِالْأَقَلِّ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْأَرْشِ (وَمِنْ قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنْ كَانَ أَقَلَّ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضُ الْجَانِي؛ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ؛ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ (وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ) ؛ لِقِيَامِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِوُجُودِ سَبَبٍ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِقُوَّتِهِ وَقَدْ زَالَ (أَوْ بَيْعِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (فِي الْجِنَايَةِ، أَوْ تَسْلِيمِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (لِوَلِيِّهَا) ؛ أَيْ الْجِنَايَةِ، (فَيَمْلِكُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ؛ (وَيَبْطُلُ) الرَّهْنُ (فِيهِمَا) ؛ أَيْ: فِيمَا إذَا بَاعَهُ فِي الْجِنَايَةِ، وَفِيمَا إذَا سَلَّمَهُ فِيهَا؛ لِاسْتِقْرَارِ كَوْنِهِ عِوَضًا عَنْهَا بِذَلِكَ، فَبَطَلَ كَوْنُهُ مَحِلًّا لِلرَّهْنِ؛ كَمَا لَوْ تَلِفَ أَوْ بَانَ مُسْتَحَقًّا.
(وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهُ) ؛ أَيْ: لَمْ يَسْتَغْرِقْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ الرَّهْنَ (بِيعَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِلضَّرُورَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِقَدْرِهَا، (وَبَاقِيهِ رَهْنٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) بَيْعُ بَعْضِهِ؛ فَكُلُّهُ يُبَاعُ لِلضَّرُورَةِ، (وَبَاقِي الثَّمَنِ رَهْنٌ) ، وَكَذَا إنْ نَقَصَ بِتَشْقِيصٍ، فَيُبَاعُ كُلُّهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " (وَإِنْ فَدَاهُ) ، أَيْ: الرَّهْنَ (مُرْتَهِنٌ؛ بِلَا إذْنِ رَاهِنٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى رَاهِنٍ (- وَلَوْ نَوَى) الرُّجُوعَ - جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " " وَالْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " التَّصْحِيحِ " وَالنَّظْمِ " حَتَّى (وَلَوْ تَعَذَّرَ إذْنُ رَاهِنٍ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ؛
الْمُرْتَهِنِ.
وَفِي فِدَائِهِ بِدُونِ إذْنِ الرَّاهِنِ تَآمُرٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَكَذَا لَا يَرْجِعُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَنَوَى التَّبَرُّعَ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى " لَمْ يَرْجِعْ إلَّا إنْ نَوَى، وَهُوَ رِوَايَةٌ.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ.
(وَ) إنْ فَدَاهُ مُرْتَهِنٌ (بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: الرَّاهِنِ؛ فَلَهُ أَنْ (يَرْجِعَ) ؛ كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ) مُرْتَهِنٍ (كَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (رَهْنًا بِفِدَائِهِ مَعَ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَرْهُونٌ بِهِ بِدَيْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ بِآخَرَ؛ (لِصِحَّةِ زِيَادَةِ رَهْنٍ؛ لَا) زِيَادَةِ (دَيْنِهِ) ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَوْجَبَتْ جِنَايَتُهُ؛ أَيْ: الْمَرْهُونِ (الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ) ؛ فَلِوَلِيِّهَا اسْتِيفَاؤُهُ، (فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ وَلِيُّهَا؛ بَطَلَ الرَّهْنُ) ؛ كَمَا لَوْ تَلِفَ؛ (وَ) إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ (فِي طَرَفٍ، اقْتَصَّ مِنْهُ؛ وَبَاقِيهِ رَهْنٌ) ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، (وَمَعَ عَفْوٍ) مِنْ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ عَنْ الْقِصَاصِ (قَالَ لِمَالٍ؛ فَكَمَا مَرَّ) ؛ أَيْ: فَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ جَنَى) الْمَرْهُونُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَ) كَانَ (يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ) ؛ أَيْ: تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ، (وَ) يَعْلَمُ (أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ ذَلِكَ) الْأَمْرِ مِنْ سَيِّدِهِ؛ (فَكَالْجِنَايَةِ بِلَا إذْنِهِ) مِنْ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَتَقَدَّمَ مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَرْهُونُ (صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ؛ (فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ) ، وَالْعَبْدُ كَالْآلَةِ؛ (فَيَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدَ (الْأَرْشُ كُلُّهُ) ، وَلَا يُبَاعُ [الْعَبْدُ] ، فِيهَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ، مُوسِرًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ مُعْسِرًا؛ كَمَا لَوْ بَاشَرَ الْقَتْلَ.
(وَحُكْمُ إقْرَارِ الرَّهْنِ بِالْجِنَايَةِ؛ حُكْمُ إقْرَارِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْحَجْرِ وَالْإِقْرَارِ.
(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الْمَرْهُونِ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَوْ الْمَالِ؛
(فَالْخَصْمُ سَيِّدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لَهُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا لَلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ، (فَإِنْ أَخَّرَ السَّيِّدُ الطَّلَبَ لِغَيْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) ، كَمَرَضٍ؛ (فَالْمُرْتَهِنُ) الْمُطَالِبُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُعَلَّقٌ بِمُوجِبِهَا؛ كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِيَ سَيِّدُهُ.
(وَيَتَّجِهُ سُقُوطُ حَقِّهِ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ مِنْ التَّوْثِقَةِ (لَوْ عَفَا) عَنْ الْجَانِي؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِهِ جُزْءًا مِنْ الرَّهْنِ لِمَالِكِهِ، فَيَنْفَكُّ عَقْدُ الرَّهْنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، لَكِنَّ لِلرَّاهِنِ الْمُطَالَبَةَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِمِلْكِهِ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَرْجُوحٌ، وَاَلَّذِي صَوَّبَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " عَدَمُ السُّقُوطِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَفْوِهِ عَنْ التَّوْثِقَةِ [سُقُوطُ حَقِّهِ مِنْ التَّوَثُّقِ بِهِ] .
(وَلِسَيِّدٍ أَنْ) يَعْفُوَ عَلَى مَالٍ.
وَيَأْتِيَ.
وَلَهُ أَنْ (يَقْتَصَّ) مِنْ جَانٍ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (إنْ أَذِنَ) لَهُ فِيهِ (مُرْتَهِنٌ، أَوْ أَعْطَاهُ) ؛ أَيْ: أَعْطَى السَّيِّدُ الْمُرْتَهِنَ (مَا) ؛ أَيْ: شَيْئًا (يَكُونُ رَهْنًا) ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّهُ مِنْ التَّوَثُّقِ بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، (فَإِنْ) اقْتَصَّ السَّيِّدُ (بِدُونِهِمَا) ؛ أَيْ: الْإِذْنِ وَإِعْطَاءِ مَا يَكُونُ رَهْنًا (فِي نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا) مِنْ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا تُجْعَلُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ؛ فَلَزِمَهُ غُرْمُهُ؛ كَمَا لَوْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ مَالًا (أَوْ عَفَا) السَّيِّدُ عَنْ الْجِنَايَةِ (عَلَى مَالٍ) كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ؛ (فَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ (قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا) ؛ أَيْ: الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (تُجْعَلُ) رَهْنًا (مَكَانَهُ) ، فَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مِائَةً وَالْجَانِي تِسْعِينَ، وَبِالْعَكْسِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا تِسْعُونَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ إلَّا بِهِ: قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " هَذَا الْمَذْهَبَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالْوَجِيزِ " " وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ " وَغَيْرِهِمْ، (وَفِي رِوَايَةٍ) عَلَى السَّيِّدِ (قِيمَةُ الرَّهْنِ أَوْ أَرْشُهُ) الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ تُجْعَلُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُمَا بَدَلُ مَا فَاتَ عَلَى مُرْتَهِنٍ، (وَكَذَا لَوْ جَنَى) رَهْنٌ (عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ هُوَ) ؛ أَيْ: السَّيِّدُ، (أَوْ) اقْتَصَّ مِنْهُ (وَارِثُهُ) ، فَعَلَيْهِ
قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشُهُ يُجْعَلُ رَهْنًا إنْ لَمْ يَأْذَنْ مُرْتَهِنٌ، (وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ (عَنْ الْمَالِ) الْوَاجِبِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ؛ (صَحَّ) عَفْوُهُ فِي حَقِّهِ لِمِلْكِهِ إيَّاهُ، وَ (لَا) يَصِحُّ (فِي حَقِّ مُرْتَهِنٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَمْلِكُ تَفْوِيتَهُ عَلَيْهِ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ جَانٍ، وَيَكُونُ رَهْنًا، (فَإِذَا انْفَكَّ) الرَّهْنُ (بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ؛ رَدَّ مَا أَخَذَ مِنْ جَانٍ) إلَيْهِ؛ لِسُقُوطِ التَّعَلُّقِ بِهِ، (وَإِنْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنْ الْأَرْشِ؛ رَجَعَ جَانٍ [رَاهِنٌ] ) ، لِذَهَابِ مَالِهِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ؛ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهُ، فَرَهَنَهُ، فَبِيعَ فِي الدَّيْنِ.
(وَإِنْ جَنَى قِنٌّ رُهِنَ عَلَى قِنِّ سَيِّدِهِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ؛ فَكَالْجِنَايَةِ عَلَى) طَرَفِ (سَيِّدِهِ) إنْ أَوْجَبَتْ مَالًا؛ فَهَدَرٌ، وَإِنْ أَوْجَبَتْ قِصَاصًا؛ فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ، أَوْ إعْطَائِهِ مَا يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَبِدُونِهِمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا رَهْنًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ، وَكَانَتْ عَلَى طَرَفِهِ أَوْ مَالِهِ؛ فَكَأَجْنَبِيٍّ، وَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ مُوحِيَةً لَهُ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ، فَلَهُ مَا لِمَوْرُوثِهِ مِنْ الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ؛ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِسَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.
وَمُكَاتَبُ السَّيِّدِ كَوَلَدِهِ، وَتَعْجِيزُهُ كَمَوْتِ وَلَدِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ) وَالْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ (فَإِنْ اقْتَصَّ سَيِّدُهُ بَطَلَ) الرَّهْنُ (فِي مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) ؛ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ مُقْتَصٍّ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، (وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، (وَكَانَا) ؛ أَيْ: الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (رَهْنًا بِحَقٍّ وَاحِدٍ؛ فَجِنَايَتُهُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ؛ كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَهْنًا (بِحَقَّيْنِ) ؛ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا مَرْهُونٌ بِحَقٍّ مُنْفَرِدٍ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ، سَوَاءٌ (تَمَاثَلَا) فِي الْجِنْسِيَّةِ (وَ) كَانَتْ (قِيمَتُهَا سَوَاءً) فَالْجِنَايَةُ (هَدَرٌ) ؛
لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِهَا، وَتَعَلُّقِ دَيْنِ الْمَقْتُولِ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، (وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَقَّانِ وَاتَّفَقَتْ الْقِيمَتَانِ) ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَدَيْنُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ (وَدَيْنُ الْقَاتِلِ أَكْثَرُ) وَهُوَ الْمِائَتَانِ؛ (لَمْ يُنْقَلْ لِدَيْنِ مَقْتُولٍ) ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، (وَ) إنْ كَانَ (دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ) ؛ بِأَنْ كَانَ مَرْهُونًا بِالْمِائَتَيْنِ [ (يُنْقَلُ) دَيْنُهُ - وَهُوَ الْمِائَتَانِ - (لِقَاتِلٍ) بِحَالِهِ، فَيَصِيرُ رَهْنًا بِالْمِائَتَيْنِ] ؛ (وَلَا يُبَاعُ) الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بَلْ إذَا حَلَّتْ الْمِائَتَانِ، (وَإِنْ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ، وَاخْتَلَفَ الْقِيمَتَانِ) ؛ بِأَنْ يَكُونَ دَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ، (وَ) كَانَتْ (قِيمَةُ مَقْتُولٍ أَكْثَرَ) - وَهِيَ الْمِائَتَانِ - (بَقِيَ حَالُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي النَّقْلِ (وَ) إنْ كَانَ (قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ؛ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَةٍ يَكُونُ رَهْنًا بِدَيْنِ الْمَقْتُولِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ اتَّفَقَا) ؛ أَيْ: الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (عَلَى تَبْقِيَتِهِ) ؛ أَيْ: الْقَاتِلِ، (وَنَقْلُ الدَّيْنِ) ؛ أَيْ: دَيْنِ الْمَقْتُولِ (إلَيْهِ؛ صَارَ الْقَاتِلُ مَرْهُونًا بِهِمَا) ؛ أَيْ: بِدَيْنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ، (فَإِنْ حَلَّ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الدَّيْنَيْنِ؛ (بِيعَ بِكُلِّ حَالٍّ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دَيْنَهُ الْمُعَجَّلَ؛ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ رَهْنٌ بِالدَّيْنِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ الْآخَرَ؛ بِيعَ مِنْهُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ، (وَإِنْ اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ وَالْقِيمَتَانِ) ؛ كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ خَمْسِينَ، وَالْآخَرُ ثَمَانِينَ، وَتَكُونُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً، وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ، (وَ) كَانَ (دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ؛ نُقِلَ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: إلَى الْقَاتِلِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَكْثَرَ؛ (فَلَا) يُنْقَلُ إلَيْهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَهْنًا عِنْدَ) إنْسَانٍ (آخَرَ) غَيْرِ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ، (وَاقْتَصَّ السَّيِّدُ) مِنْ الْقَاتِلِ؛ بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُوجِبْ مَالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَحَيْثُ بَطَلَ؛ (فَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ السَّيِّدِ (قِيمَةُ) عَبْدٍ (مُقْتَصٍّ مِنْهُ) تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْوَثِيقَةِ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ (وَإِنْ عَفَا) السَّيِّدُ (عَلَى مَالٍ) صَارَتْ الْجِنَايَةُ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ
فَيَثْبُتُ الْمَالُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (فِي رَقَبَةِ الْقَنِّ) الْجَانِي؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ؛ لَوَجَبَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْلَى، (فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ لَا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ) ؛ أَيْ: الْقَنِّ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الْأَرْشِ يَكُونُ (رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنٍ مَقْتُولٍ، وَبَاقِيهِ) ؛ أَيْ: الْقَنِّ (رَهْنٌ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ) ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ، (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ بَعْضِهِ؛ بِيعَ كُلُّهُ، وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ) ؛ لِلضَّرُورَةِ (بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنَيْنِ (بِحَسَبِ ذَلِكَ) فَقَدْرُ الْأَرْشِ مِنْ ثَمَنِهِ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَبَاقِيهِ رَهْنٌ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَرْشُ (يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ؛ نُقِلَ الْجَانِي) ، فَجُعِلَ (رَهْنًا عَنْهُ) الْمُرْتَهِنُ (الْآخَرُ) ؛ لِمَا سَبَقَ، وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ دَيْنُهُ.
(وَمَنْ قَالَ: جَنَيْتُ عَلَى الرَّهْنِ، فَكَذَّبَهُ رَاهِنٌ وَمُرْتَهِنٌ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِتَكْذِيبِهِمَا لَهُ، (وَإِنْ كَذَّبَهُ مُرْتَهِنٌ فَقَطْ؛ فَلِرَاهِنٍ الْأَرْشُ) ، وَلَا حَقَّ لَلْمُرْتَهِنِ فِيهِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ (مُرْتَهِنٌ فَقَطْ؛ فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (الْأَرْشُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا وَفَّى) رَاهِنٌ (الْحَقَّ) ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ؛ (رَجَعَ الْأَرْشُ لِجَانٍ) ؛ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ لِلرَّاهِنِ فِيهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ اسْتَوْفَى) الْمُرْتَهِنُ (الْحَقَّ مِنْ الْأَرْشِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَاهِنٍ) بِمَا اسْتَوْفَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْأَرْشِ، (لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْجَانِيَ (مُقِرٌّ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلرَّاهِنِ (بِاسْتِحْقَاقِهِ) الْأَرْشَ.
[تَتِمَّةٌ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا]
تَتِمَّةٌ: إذَا كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً فَضَرَبَ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا، فَمَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ إنْ سَقَطَ مَيِّتًا، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ سَقَطَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِيهِ لِمِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بَهِيمَةً، فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا مَيِّتًا؛ فَفِيهِ مَا نَقَصَهَا لَا غَيْرُ يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ؛ فَمَا قَبَضَ مِنْهُ جُعِلَ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَتَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وَطِئَ مُرْتَهِنٌ أَمَةً مَرْهُونَةً وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي وَطْئِهَا]
(فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ مُرْتَهِنٌ أَمَةً مَرْهُونَةً، وَلَا شُبْهَةَ لَهُ) فِي وَطْئِهَا؛ (حُدَّ) ؛
لِتَحْرِيمِهِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . وَلَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَكَالْمُسْتَأْجَرَةِ مَعَ مِلْكِهِ نَفْعَهَا، فَهُنَا أَوْلَى، (وَرُقَّ وَلَدُهُ) إنْ وَلَدَتْ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ، وَهُوَ وَلَدُ زِنًا، وَسَوَاءٌ أَذِنَ رَاهِنٌ أَوْ لَا، (وَلَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنَ (الْمَهْرُ) إنْ لَمْ يَأْذَنْ رَاهِنٌ بِوَطْئِهَا، أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَطَاعَتْ، وَلَوْ اعْتَقَدَ الْحِلَّ أَوْ اشْتَبَهَتْ، لِأَنَّهُ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا وَإِذْنِهَا فِي الْوَطْءِ؛ كَإِذْنِهَا فِي قَطْعِ يَدِهَا وَكَأَرْشِ بَكَارَتِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا.
(وَإِنْ أَذِنَ رَاهِنٌ) مُرْتَهِنًا فِي وَطْئِهَا، (فَلَا مَهْرَ) ؛ لِإِذْنِ الْمَالِكِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ؛ كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ، (وَكَذَا لَا حَدَّ) بِوَطْءِ مُرْتَهِنٍ مَرْهُونَةً (إنْ ادَّعَى) مُرْتَهِنٌ (جَهْلَ تَحْرِيمِهِ) ؛ أَيْ: الْوَطْءِ، (وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ (بِجَهْلِهِ) ؛ أَيْ: التَّحْرِيمِ (كَنَاشِئٍ بِبَادِيَةٍ) بَعِيدَةٍ، (وَحَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ) سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ رَاهِنٌ أَوْ لَا.
(وَوَلَدُهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَهِنِ مِنْ وَطْءٍ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ (حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَهَا أَمَةً، (وَلَا فِدَاءَ) عَلَيْهِ.
صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَالنِّهَايَةِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْفُصُولِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّلْخِيصِ " " وَالْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِحُدُوثِ الْوَلَدِ مِنْ وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَالْإِذْنُ فِي الْوَطْءِ إذْنٌ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ رَاهِنٌ فِي الْوَطْءِ وَوَطِئَ بِشُبْهَةٍ؛ فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ، فَيَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى الرَّاهِنِ بِاعْتِقَادِهِ الْحُرِّيَّةَ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ أَيْضًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: لِلْمُرْتَهِنِ (بَيْعُ رَهْنٍ جَهِلَ رَبُّهُ، وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ " وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ) لِرَبِّهِ أَوْ وَارِثِهِ إذَا عَرَفَهُ، فَإِذَا عَرَفَ أَرْبَابُ رُهُونٍ وَوَدَائِعَ بَعْدَ أَنْ تَصَدَّقَ بِهَا؛ خُيِّرُوا بَيْنَ الْأَجْرِ، أَوْ يَغْرَمُ لَهُمْ
الْمُتَصَدِّقُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ بَيْعُهُ - وَلَوْ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ - وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ؛ لَكِنَّهُ صَوَّبَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " اسْتِئْذَانَ الْحَاكِمِ فِي بَيْعِهِ إنْ كَانَ أَمِينًا (وَلَا يَسْتَوْفِي) الْمُرْتَهِنُ (حَقَّهُ مِنْ الثَّمَنِ) الَّذِي بَاعَ بِهِ الرَّهْنَ، (نَصًّا) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَجَزَ عَنْ إذْنِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ.
قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَالصَّوَابُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عَدِمَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ، (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (بَلَى) ؛ أَيْ: لَهُ أَخْذُ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا، (وَإِنْ بَاعَهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنَ (حَاكِمٌ، وَوَفَّاهُ) حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ؛ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ [وِلَايَةُ] مَالِ الْغَائِبِ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْغَصْبِ تَتِمَّتُهُ) ؛ أَيْ: تَتِمَّةُ هَذَا الْبَحْثِ مُسْتَوْفًى.
[بَابُ الضَّمَانِ]
(بَابُ الضَّمَانِ) الضَّمَانُ: جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ أَوْ مِنْ التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ أَوْ مِنْ الضِّمْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ وَثِيقَةٍ.
وَشَرْعًا (الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) ، وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ؛ كَالشِّرَاءِ (بِمَا) ؛ أَيْ: دَيْنٍ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْتِزَامٍ (وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ) ، (أَوْ بِمَا يَجِبُ) عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَاءِ مَا وَجَبَ أَوْ يَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ، (غَيْرَ) ضَمَانِ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ (جِزْيَةٍ) - وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ - لِأَنَّهَا إذَا أُخِذَتْ مِنْ الضَّامِنِ فَاتَ صِغَارُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَكَذَا الْكَفَالَةُ، (أَوْ الْتِزَامُ مُفْلِسٍ، وَيَتَّجِهُ أَوْ) الْتِزَامُ (سَفِيهٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُمَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فِي مَالِهِمَا لَا فِي ذِمَّتِهِمَا؛ كَالرَّاهِنِ يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) كَذَا الْتِزَامُ (مَرِيضٍ مَرَضَ الْمَوْتِ) ؛ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ (أَوْ) الْتِزَامُ (قِنٍّ أَوْ مُكَاتَبٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّهِ فَإِذَا أَذِنَهُمَا؛ انْفَكَّ؛ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْهُمَا فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ أَذِنَ فِي التِّجَارَةِ أَوْ لَا؛ إذْ الضَّمَانُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إيجَابَ مَالٍ؛ كَالنِّكَاحِ.
(وَيُؤْخَذُ) مَا ضَمِنَ فِيهِ مُكَاتَبٌ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (مِمَّا بِيَدِ مُكَاتَبٍ) ؛ كَثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ وَنَحْوِهِ، (وَ) يُؤْخَذُ (مَا ضَمِنَهُ قِنٌّ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (مِنْ سَيِّدِهِ) ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ كَاسْتِدَانَةٍ، (إلَّا) الْقِنَّ (الْمَأْذُونَ لَهُ) فِي الضَّمَانِ (لِيَقْضِيَ مِمَّا) ؛ أَيْ: مَالٍ (بِيَدِهِ) ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ، (وَيَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْمَالِ (خَاصَّةً) ؛ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهُ كَذَلِكَ؛ (كَقَوْلِ حُرٍّ ضَمِنْتُ) لَكَ هَذَا (الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ) مَا ضَمِنْتُهُ (مِنْ مَالِي هَذَا) ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَإِذَا تَلِفَ الْمَالُ سَقَطَ الضَّمَانُ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِبَدَلِهِ، (وَ) يُؤْخَذُ (مَا ضَمِنَهُ مَرِيضٌ) مَرَضَ الْمَوْتِ (مِنْ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ؛ فَهُوَ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ، وَكَالْوَصِيَّةِ، وَقِيَاسُ الْمَرِيضِ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِاللُّجَّةِ عِنْدَ الْهَيَجَانِ، أَوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، وَنَحْوَهُمَا مِمَّا أَلْحَقَ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ.
(وَ) يُؤْخَذُ (مِمَّا بِيَدِ مُفْلِسٍ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ) كَسَائِرِ دُيُونِهِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ الثَّابِتَةِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ (ضَمَانُ أَوْ كَفَالَةُ جِزْيَةٍ) وَجَبَتْ أَوْ تَجِبُ - (وَلَوْ) كَانَ الضَّامِنُ (كَافِرًا) - لِفَوَاتِ الصِّغَارِ.
وَتَقَدَّمَ (خِلَافًا لِمَفْهُومِهِ) ؛ أَيْ: فِي
الْإِقْنَاعِ "، فَإِنَّهُ قَالَ: غَيْرُ ضَمَانِ مُسْلِمٍ جِزْيَةً وَكَفَالَتُهُ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ صِحَّةُ ضَمَانِ الْكَافِرِ الْجِزْيَةَ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
(وَصَحَّ) الضَّمَانُ (بِلَفْظِ ضَمِينٍ وَكَفِيلٍ وَقَبِيلٍ وَحَمِيلٍ وَصَبِيرٍ وَزَعِيمٍ) بِمَا عَلَيْهِ، يُقَالُ: قَبِلَ بِهِ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - فَهُوَ قَبِيلٌ، وَحَمَلَ بِهِ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ، وَزَعَمَ بِهِ يَزْعُمُ - بِالضَّمِّ - زَعْمًا، وَصَبَرَ يَصْبِرُ - بِالضَّمِّ - صَبْرًا أَوْ صَبَارَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَفَلَ.
وَيَصِحُّ الضَّمَانُ أَيْضًا بِلَفْظِ (ضَمِنْتُ دَيْنَكَ، أَوْ تَحَمَّلْتُهُ، وَهُوَ) ؛ أَيْ: دَيْنُكَ (عِنْدِي، أَوْ) هُوَ (عَلَيَّ، أَوْ لَا تَعْرِفُهُ إلَّا مِنِّي، أَوْ بِعْهُ أَوْ زَوِّجْهُ، وَعَلَيَّ الثَّمَنُ أَوْ الْمَهْرُ) .
(وَ) يَصِحُّ الضَّمَانُ (بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ مِنْ أَخْرَسَ) ؛ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا كَاللَّفْظِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ، وَ (لَا) يَصِحُّ ضَمَانُهُ بِإِشَارَةٍ خَفِيَّةٍ (غَيْرِ مَفْهُومَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ) مُنْفَرِدَةٍ عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ مِنْهَا قَصْدُهُ الضَّمَانَ [ (لِكَتْبِهِ) ؛ أَيْ: الْأَخْرَسِ] (نَحْوَ تَجْوِيدِ) خَطٍّ أَحْيَانًا وَعَبَثًا وَتَجْرِبَةً؛ فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا بِالِاحْتِمَالِ.
وَمَنْ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ لَا يَصِحَّ - وَلَوْ بِكِتَابَةٍ - لِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ؛ فَتَصِحُّ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ، لَا بِكِتَابَةٍ مُفْرَدَةٍ عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ بِهَا الْمَقْصُودُ، وَلَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ.
وَتَأْتِي صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ بِالْكِتَابَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ صِحَّةِ ضَمَانِ الْأَخْرَسِ بِالْكِتَابَةِ الْمُنْفَرِدَةِ عَنْ الْإِشَارَةِ (حَيْثُ لَا قَرِينَةَ) تَدُلُّ عَلَى الضَّمَانِ؛ كَكَوْنِ الْمَضْمُونِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَخْرَسِ مُخَالَطَةٌ وَمُعَامَلَةٌ، فَكَتَبَ لِشَخْصٍ أَنْ ادْفَعْ لِهَذَا كَذَا وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، فَدَفَعَ لَهُ بِكِتَابَتِهِ، فَيُعْمَلُ بِهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ (وَلَا) يَصِحُّ الضَّمَانُ بِلَفْظِ (ضَمِنْت فُلَانًا أَوْ ضَمَانُهُ عَلَيَّ، وَيَكُونُ) قَوْلُهُ ذَلِكَ (كَفَالَةً، مَا لَمْ يَنْوِ الدَّيْنَ) ، أَمَّا لَوْ نَوَى الدَّيْنَ فَلَا رَيْبَ فِي
صِحَّةِ ضَمَانِهِ (إذْ الضَّمَانُ الِالْتِزَامُ بِمَا عَلَيْهِ) ، فَإِذَا قَالَ: ضَمِنْتُ فُلَانًا فَكَأَنَّهُ قَالَ: ضَمِنْتُ ذَاتَه.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قَالَ: أَنَا أُؤَدِّي) مَا عَلَيْهِ، (أَوْ) أَنَا (أُحْضِرُ) مَا عَلَيْهِ (أَوْ أَضْمَنُ) مَا عَلَيْهِ؛ (لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، بَلْ يُسَنُّ، (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَصِحُّ) الضَّمَانُ (بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا) ؛ كَقَوْلِهِ: (زَوِّجْهُ وَأَنَا أُؤَدِّي الصَّدَاقَ، أَوْ) قَوْلُهُ: (بِعْهُ وَأَنَا أُعْطِيكَ الثَّمَنَ أَوْ) قَوْلُهُ: (اُتْرُكْهُ أَوْ لَا تُطَالِبْهُ وَأَنَا أُعْطِيكَ) مَا عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ؛ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ.
[فَرْعٌ أَرْكَانُ الضَّمَانِ]
(فَرْعٌ: أَرْكَانُ الضَّمَانِ أَرْبَعَةٌ ضَامِنٌ وَمَضْمُونٌ) ؛ أَيْ: لِشَخْصٍ مَضْمُونٍ عَنْهُ، وَكَذَا عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، (وَمَضْمُونٌ لَهُ، وَصِيغَةٌ) ، وَتَقَدَّمَتْ أَلْفَاظُهَا.
(وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَضْمَنَ الْمَضْمُونُ) وَهُوَ الْمَدِينُ (الضَّامِنَ فِيمَا ضَمِنَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا؛ (كَمَا لَوْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ اثْنَيْنِ (مَا) ؛ أَيْ: دَيْنًا (عَلَى شَخْصٍ، ثُمَّ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ (صَاحِبَهُ) - وَهُوَ الضَّامِنُ الْآخَرُ - فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِ الْأَصْلِ، فَهُوَ أَصْلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا، (وَصَحَّ لَوْ ضَمِنَاهُ) ؛ أَيْ: ضَمِنَ الْمَدِينُ اثْنَانِ، (ثُمَّ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ (حِصَّةَ صَاحِبِهِ) مِنْ الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ.
(وَلِرَبِّ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ ضَامِنٍ وَمَضْمُونٍ مَعًا لِثُبُوتِهِ) ؛ أَيْ: الْحَقِّ
(بِذِمَّتَيْهِمَا، وَ) لَهُ مُطَالَبَةُ (أَيِّهِمَا شَاءَ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ: الْتَزَمْت أَوْ تَكَفَّلْتُ بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلَ الدَّيْنِ؛ لَمْ يَصِحَّ (فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِمَا سَبَقَ، فَإِنْ قِيلَ: الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَشْغَلُ مَحِلَّيْنِ أُجِيبُ بِأَنَّ إشْغَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَلُّقِ وَالِاسْتِيثَاقِ؛ كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا) يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ (الْمُعْسِرِ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: مِنْ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] : (وَلَا) مُطَالَبَةَ (مِنْ) ؛ أَيْ: ضَامِنٍ (ضَمِنَ) الدَّيْنَ (الْحَالَّ مُؤَجَّلًا) حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ الَّذِي ضَمِنَهُ إلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَلَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتٍ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ الْوَفَاءَ - وَلَوْ كَانَ حَالًّا - لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ضَمَانِهِ إلَّا مُؤَجَّلًا، وَأَمَّا الْمَضْمُونُ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ فِي الْحَالِّ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ لَمْ يُؤَجَّلْ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ أَحَالَ رَبُّ دَيْنٍ) عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ بِدَيْنِهِ؛ بَرِئَ ضَامِنٌ.
(أَوْ أُحِيلَ) ؛ أَيْ: أَحَالَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ (بِدَيْنِهِ) ؛ بَرِئَ ضَامِنٌ، (أَوْ زَالَ عَقْدٌ) ؛ بِأَنْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ الَّذِي ضَمِنَ فِيهِ الثَّمَنَ، أَوْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ - وَقَدْ ضَمِنَ الْأُجْرَةَ - (بَرِئَ ضَامِنٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ.
قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَبَرِئَ كَفِيلٌ، وَبَطَلَ رَهْنٌ) إنْ كَانَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالتَّسْلِيمِ؛ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ (وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ) رَبُّ دَيْنٍ (بِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ (لِلْغَيْرِ) فَيَبْرَأُ ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ لَهُ، لَا لِلْغَيْرِ.
وَلَا يَبْرَأُ ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ، وَلَا يَبْطُلُ رَهْنٌ (إنْ مَاتَ رَبُّ دَيْنٍ) ،
فَوَرِثَ الْحَقَّ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِلْمَيِّتِ، فَتُورَثُ عَنْهُ؛ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَكَذَا لَا يَبْرَأُ ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ إنْ مَاتَ (مَدِينٌ) ، وَتَعَجَّلَ أَخْذُ الدَّيْنِ مِنْ تَرِكَتِهِ.
(وَإِنْ أَحَالَ رَبُّ دَيْنٍ عَلَى اثْنَيْنِ) مَدِينَيْنِ لَهُ (وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِآخَرَ ثَالِثًا) - مَفْعُولُ أَحَالَ - (لِيَقْبِضَ) الْمُحْتَالُ الدَّيْنَ (مِنْهُمَا) جَمِيعًا، (أَوْ) يَقْبِضَ (مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ هُنَا فِي نَوْعٍ وَلَا أَجَلَ وَلَا عَدَدَ، وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنَ الْآخَرِ، وَأَحَالَهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ وَاحِدٍ؛ جَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ اثْنَيْنِ، (وَكَذَا) لَوْ أَحَالَهُ أَنْ يَقْبِضَ (مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) ؛ صَحَّ؛ لِاسْتِقْرَارِ الدَّيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، (لَكِنْ مَنْ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ؛ فَالظَّاهِرُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْمُحِيلِ) ؛ لِانْتِقَالِ حَقِّهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ، وَيَنْتَقِلُ الدَّيْنُ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَكِنْ لَا يُطَالَبُ الْآخَرُ حَتَّى يُؤَدِّيَ؛ كَمَا فِي ضَمَانِ الضَّامِنِ.
قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ، وَأَطَالَ، (وَاخْتَارَ) ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمَضْمُونِ يَصِيرُ لِلضَّامِنِ، لَكِنْ لَا يُطَالَبُ الْمَضْمُونُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى الْمُحْتَالِ) عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: أَنَّ لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ.
فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ الْمَضْمُونَ قَبْلَ أَدَاءِ) الدَّيْنِ، (لَا إبْرَاءُ مُحْتَالٍ لَهُ) ، وَإِنْ أَقَرَّ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الرَّهْنِ؛ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ رَهَنَهُ بِغَيْرِ دَيْنٍ لَهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ إنْ قَالَ: ضَمِنْت مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَضْمُونَ لَهُ؛ فَالضَّمَانُ بَاقٍ، وَإِنْ عَيَّنَ الْمَضْمُونَ لَهُ بِالدَّيْنِ؛ لَمْ يَصِحَّ الضَّامِنُ.
(انْتَهَى) مَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (مُلَخَّصًا) . وَإِنْ أَحَالَ أَحَدُ اثْنَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنٌ الْآخَرَ رَبَّ الدَّيْنِ بِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مَعًا؛ كَمَا لَوْ قَضَاهُ.
(وَإِنْ أُبْرِئَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ (مِنْ الْكُلِّ) بَرِئَ مِمَّا
عَلَيْهِ أَصَالَةً وَضَمَانًا، (وَبَقِيَ عَلَى الْآخَرِ أَصَالَةً) ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَمْ يُصَادِفْهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَالَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْهُ بِإِبْرَاءِ الْأَصْلِ.
(وَإِنْ أَحَالَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الْمُتَضَامِنَيْنِ أَوْ الْمَدِينُ وَالضَّامِنِ (رَبَّ الدَّيْنِ) عَلَى مَلِيءٍ [بِدَيْنِهِ] (بَرِئَا) جَمِيعًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ بَرِئَ مَدْيُونٌ) بِوَفَاءٍ، أَوْ إبْرَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ (بَرِئَ ضَامِنُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ وَالضَّمَانُ وَثِيقَةٌ - فَإِذَا بَرِئَ الْأَصِيلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ؛ كَالرَّهْنِ، (وَلَا عَكْسُ) ؛ أَيْ: لَا يَبْرَأُ مَدِينٌ بِبَرَاءَةِ ضَامِنِهِ؛ لِعَدَمِ تَبَعِيَّتِهِ لَهُ
(وَلَوْ لَحِقَ ضَامِنٌ بِدَارِ حَرْبٍ مُرْتَدًّا أَوْ) كَانَ (كَافِرًا أَصْلِيًّا) فَضَمِنَ وَلَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ؛ (لَمْ يَبْرَأْ) مِنْ الضَّمَانِ؛ كَالدَّيْنِ الْأَصْلِيِّ
(وَإِنْ قَالَ رَبُّ دَيْنٍ لِضَامِنٍ: [بَرِئْتُ] إلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ) الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ بِفِعْلٍ وَاصِلٍ إلَيْهِ مِنْ الضَّامِنِ، وَالْبَرَاءَةُ لَا تَكُونُ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا بِأَدَائِهِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَلَا يَرْجِعُ) بَعْدَ ذَلِكَ (عَلَى) مَدِينٍ (مَضْمُونٌ) ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَكُونُ قَوْلُهُ لِلضَّامِنِ: (أَبْرَأْتُكَ) مِنْ الدَّيْنِ، (أَوْ بَرِئْتَ مِنْهُ) - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: إلَيَّ - إقْرَارًا بِقَبْضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَمَّا فِي أَبْرَأْتُكَ؛ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي بَرِئْتَ مِنْهُ؛ فَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ قَلَّمَا تُضَافُ إلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ: بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْبَرَاءَةُ بِفِعْلِ الضَّامِنِ أَوْ الْمَضْمُونِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَيَسْقُطُ الضَّمَانُ) عَنْ الضَّامِنِ فَقَطْ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِإِبْرَاءِ رَبِّ الْحَقِّ
قَوْلًا وَاحِدًا، وَلِرَبِّ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ الْمَدِينِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) قَوْلُ رَبِّ دَيْنٍ لِضَامِنٍ: (وَهَبْتُكَهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنَ (تَمْلِيكٌ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلضَّامِنِ، (فَيَرْجِعُ الضَّامِنُ بِالدَّيْنِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى مَضْمُونٍ) عَنْهُ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ عَنْهُ، ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ هِبَةِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ ضَامِنًا.
(وَلَوْ) ضَمِنَ (ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، فَأَسْلَمَ مَضْمُونٌ لَهُ أَوْ) مَضْمُونٌ (عَنْهُ بَرِئَ) الْمَضْمُونُ عَنْهُ (كَضَامِنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا، وَلَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْخَمْرِ عَلَى مُسْلِمٍ، وَالضَّامِنُ فَرْعُهُ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ ضَامِنٌ) فِي خَمْرٍ دُونَ مَضْمُونٍ لَهُ وَمَضْمُونٍ عَنْهُ؛ (بَرِيءَ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْخَمْرِ عَلَى مُسْلِمٍ وَجَدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، فَلَا يَبْرَأُ الْأَصْلُ بِبَرَاءَتِهِ.
(وَإِذَا تَبَايَعَ ذِمِّيَّانِ خَمْرًا بِثَمَنٍ بِذِمَّةٍ، وَأُقْبِضَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - (الْخَمْرُ ثُمَّ مَاتَ بَائِعُهُ) ؛ أَيْ: الْخَمْرِ، (وَأَسْلَمَ وَارِثُهُ؛ جَازَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْوَارِثِ (أَخْذُ الثَّمَنِ نَصًّا) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: «وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا» . (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا فِي جَوَازِ أَخْذِ الثَّمَنِ لَوْ أَسْلَمَ بَائِعُهُ) ؛ أَيْ: الْخَمْرِ وَحْدَهُ (أَوْ) أَسْلَمَ (مُشْتَرِي) الْخَمْرِ وَحْدَهُ، (أَوْ) أَسْلَمَا (هُمَا) ؛ أَيْ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا وَتَقَابُضِ الْخَمْرِ (أَوْ لَمْ يَمُوتَا) ؛ أَيْ: الْمُتَبَايِعَانِ، (لِاسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ) بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي (بِقَبْضِ الْخَمْرِ، وَاحْتُمِلَ) إنَّمَا يَحْكُمُ لَهُ بِهِ وَيَطِيبُ لَهُ أَكْلُهُ (إنْ أَسْلَمَا) أَوْ أَحِدُهُمَا (بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِ عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بِالتَّفَرُّقِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَرْعٌ قَالَ الضَّامِنُ كَانَ ضَمَانِي قَبْلَ بُلُوغِي وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ كَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ]
(فَرْعٌ لَوْ قَالَ) الضَّامِنُ: (ضَمِنْت) وَكَانَ ضَمَانِي لِذَلِكَ (قَبْلَ بُلُوغِي) ، وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ: بَلْ كَانَ الضَّمَانُ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ، (أَوْ) قَالَ: ضَمِنْت (حَالَ جُنُونِي) ، وَأَنْكَرَهُ مَضْمُونٌ لَهُ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْ الضَّامِنِ (- وَلَوْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ -) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْعَقْدِ.
[فَصْلٌ شَرْط صِحَّةِ الضَّمَان]
(فَصْلٌ: وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ ضَمَانٍ (رِضَا ضَامِنٍ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ الْحَقِّ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الرِّضَى؛ كَالتَّبَرُّعِ بِالْأَعْيَانِ، وَ (لَا) يُعْتَبَرُ رِضَى (مَنْ ضُمِنَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ الْمَيِّتَ بِالدِّينَارَيْنِ بِغَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ، وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِصِحَّةِ قَضَاءِ دَيْنِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأَوْلَى ضَمَانُهُ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى مَنْ (ضُمِنَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا قَبْضٌ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا رِضًى؛ كَالشَّهَادَةِ.
(وَلَا) يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الضَّمَانِ (أَنْ يَعْرِفَهُمَا) ؛ أَيْ: الْمَضْمُونَ لَهُ وَالْمَضْمُونَ عَنْهُ (ضَامِنٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، فَكَذَا مَعْرِفَتُهُمَا.
(وَلَا) تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ ضَامِنٍ (الْعِلْمَ بِالْحَقِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ؛ كَالْإِقْرَارِ.
(وَلَا) تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ (وُجُوبِهِ) ؛ أَيْ: الْحَقِّ (إنْ آلَ إلَيْهَا) ؛ أَيْ: إلَى الْعِلْمِ وَالْوُجُوبِ؛ فَيَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبُ إذَا آلَ إلَى الْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] .
فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى ضَمَانِ حِمْلِ الْبَعِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ.
لَا يُقَالُ الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ فَلَا ضَمٌّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمَّ ذِمَّتَهُ إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ،
وَثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَثْبُتُ فِيهَا، وَهَذَا كَافٍ.
(فَيَصِحُّ) قَوْلُهُ (ضَمِنْتُ لِزَيْدٍ مَا عَلَى بَكْرٍ) أَوْ مَا عَلَى زَيْدٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي وَنَحْوُهُ.
وَهَذِهِ أَمْثِلَةُ الْمَجْهُولِ، (أَوْ) ضَمِنْتُ لَهُ (مَا يُدَايِنُهُ) وَهُوَ [مِنْ] أَمْثِلَةِ مَا يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ، (أَوْ) ضَمِنْتُ لَهُ (مَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ) ، أَوْ مَا تَقُومُ لَهُ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، أَوْ مَا يُخْرِجُهُ الْحِسَابُ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةُ الْمَجْهُولِ أَيْضًا.
(وَلَهُ) أَيْ: الضَّامِنِ (إبْطَالُهُ) ؛ أَيْ: الضَّمَانِ (قَبْلَ وُجُوبِهِ) ، لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْوُجُوبِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِ ضَامِنٍ، (وَإِنْ) قَالَ إنْسَانٌ لِزَيْدٍ: (مَا أَعْطَيْتُهُ لَهُ) ؛ أَيْ: لِعَمْرٍو فَهُوَ (- عَلَيَّ وَلَا قَرِينَةَ) تَدُلُّ عَلَى مَا أَعْطَاهُ فِي الْمَاضِي أَوْ مَا يُعْطِيهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ - فَهُوَ (لِمَا وَجَبَ فِي الْمَاضِي) ، حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إذْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ مِنْهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ "
(وَمِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ ضَمَانِ مَا يَجِبُ (ضَمَانُ السُّوقِ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ، وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ غَيْنٍ مَضْمُونَةٍ) .
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ وَالشَّهَادَةُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَرَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادِهِ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ عَلَيْهِمْ فَحَرَامٌ، (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (صِحَّةَ ضَمَانِ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبٍ مَا يَذْهَبُ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَحْرِ) ، وَإِنَّ غَايَتَهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ كَضَمَانِ السُّوقِ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنُ مَا يَجِبُ عَلَى التُّجَّارِ مِنْ الدُّيُونِ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَحْمَدَ.
وَقَالَ أَيْضًا: الطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ الْمُمْتَنِعَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي يَنْصُرُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَجْرِي مَجْرَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي مُعَاهَدَتِهِنَّ، وَإِذَا شَرَطُوا عَلَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا لِلْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَمَا أَخَذُوهُ كَانُوا ضَامِنِينَ لَهُ، وَالْمَضْمُونُ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ؛ جَازَ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا أَخَذُوا مَالًا لِتُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِمَا ضَمِنُوهُ وَيَحْبِسَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ.
انْتَهَى
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ مَا صَحَّ أَخْذُ رَهْنٍ بِهِ) مِنْ دَيْنٍ وَعَيْنٍ، لَا عَكْسُهُ؛ لِصِحَّةِ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ دُونَ أَخْذِ الرَّهْنِ بِهَا.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (نَحْوِ جُعْلٍ) فِي جَعَالَةٍ وَمُسَابَقَةٍ وَمُنَاضَلَةٍ - وَلَوْ قَبْلَ الْعَمَلِ - لِأَنَّ الْجُعْلَ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا عَمِلَ الْعَمَلَ، لَا ضَمَانِ الْعَمَلِ فِي الْجَعَالَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَالْمُسَابَقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (دَيْنِ ضَامِنٍ) بِأَنْ يَضْمَنَهُ ضَامِنٌ آخَرُ، وَكَذَا ضَامِنُ الضَّامِنِ، فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ [فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ] عَلَى الْجَمِيعِ أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئُوا، وَإِنْ بَرِئَ الْمَدِينُ، بَرِئَ الْكُلُّ، وَإِنْ أَبْرَأَ مَضْمُونٌ لَهُ أَحَدَهُمْ؛ بَرِئَ وَمَنْ بَعْدَهُ لَا مَنْ قَبْلَهُ.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (مَيِّتٍ) وَإِنْ (لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً) لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ دِينَارَانِ قَالَ: هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لَا، فَتَأَخَّرَ، فَقَالُوا: لِمَ لَا تُصَلِّي؟ فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ، أَلَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَيِّتِ (قَبْلَ وَفَاءِ) دَيْنِهِ (نَصًّا) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ» .
وَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو قَتَادَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَفَاءِ الدِّينَارَيْنِ قَالَ: «الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِدَيْنِهِ؛ أَشْبَهَ الرَّهْنَ، وَكَالْحَيِّ.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (مُفْلِسٍ مَجْنُونٍ) ؛ لِعُمُومِ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ.» . (مَعَ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ دَيْنًا وَأُخْرَى إنْ لَمْ يُفَرِّطْ قَبْلُ) . قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ لَكِنَّ عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ لَا يُسْقِطُهُ.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (نَقْصِ صَنْجَةٍ أَوْ) (كَيْلٍ) أَيْ: مِكْيَالٍ فِي بَذْلِ وَاجِبٍ أَوْ مَآلِهِ إلَيْهِ، مَا لَمْ يَكُنْ دَيْنَ سَلَمٍ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ بَاذِلٍ، فَصَحَّ
ضَمَانُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ؛ وَلِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ ضَمَانٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ؛ كَضَمَانِ الْعُهْدَةِ، (وَيَرْجِعُ) قَابِضٌ (بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ) فِي قَدْرِ نَقْصٍ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا ادَّعَاهُ بَاذِلٌ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ اشْتِغَالِ ذِمَّةِ بَاذِلٍ، وَلِرَبِّ الْحَقِّ طَلَبُ ضَامِنٍ بِهِ؛ لِلُزُومِهِ مَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونُ.
(وَيَتَّجِهُ لَا) يَرْجِعُ قَابِضُ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَجَدَهُ نَاقِصًا عَلَى ضَامِنِ نَقْصِهِ (مَعَ تَصْدِيقِ بَاذِلٍ) ، فَيُطَالِبُ الْبَاذِلَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ لَهُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (عُهْدَةِ مَبِيعٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْوَثِيقَةِ، وَالْوَثَائِقُ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ، وَالشَّهَادَةُ لَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ؛ وَالرَّهْنُ لَا يَجُوزُ ضَمَانُهُ فِيهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حَبْسُ الرَّهْنِ إلَى أَنْ يُؤَدَّى، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيُؤَدِّي إلَى حَبْسِهِ أَبَدًا [؛ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَامْتَنَعَتْ الْمُعَامَلَاتُ مَعَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ] ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ رَافِعٌ لِأَصْلِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهَا.
وَعُهْدَةُ الْمَبِيعِ لُغَةً الصَّكُّ يُكْتَبُ فِيهِ الِابْتِيَاعُ، وَاصْطِلَاحًا ضَمَانُ الثَّمَنِ (عَنْ بَائِعٍ لِمُشْتَرٍ بِأَنْ يَضْمَنَ) الضَّامِنُ (عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْبَائِعِ.
(الثَّمَنَ) - وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ - لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ (إنْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ) ؛ أَيْ: ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِ بَائِعٍ، (أَوْ رُدَّ) الْمَبِيعُ عَلَى بَائِعٍ (بِعَيْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ، (أَوْ) يَضْمَنُ (أَرْشَهُ) إنْ اخْتَارَ مُشْتَرٍ إمْسَاكَهُ مَعَ عَيْبٍ، (وَ) يَكُونُ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ (عَنْ مُشْتَرٍ لِبَائِعٍ بِأَنْ يَضْمَنَ) الضَّامِنُ (عَنْهُ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ) فِي الْمَبِيعِ (قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، أَوْ إنْ ظَهَرَ بِهِ) ؛ أَيْ: الثَّمَنِ (عَيْبٌ، أَوْ اُسْتُحِقَّ) الثَّمَنُ؛ أَيْ: خَرَجَ مُسْتَحَقًّا؛ فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ
(وَلَوْ بَنَى مُشْتَرٍ) فِي مَبِيعٍ، ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا، (فَهَدَمَهُ مُسْتَحِقٌّ، فَالْأَنْقَاضُ لِرَبِّهَا) - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهَا.
(وَيَرْجِعُ مُشْتَرٍ) لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَبِيعَ مَغْصُوبٌ (بِقِيمَةِ تَالِفٍ) مِنْ ثَمَنِ مَاءِ وَرَدٍ وَطِينٍ وَنَوْرَةٍ وَجِصٍّ وَنَحْوِهِ (عَلَى بَائِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَكَذَا أُجْرَةُ مُعَمَّرِينَ وَثَمَنُ الْمُؤْنَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَأَرْشُ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْقَلْعِ وَأُجْرَةُ الْمَبِيعِ مُدَّةَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، (وَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْعُهْدَةِ) ؛ فَلِمُشْتَرٍ رُجُوعٌ بِهِ عَلَى ضَامِنِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَرَكِ الْمَبِيعِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ قُلِعَ غِرَاسٌ) بِظُهُورِ اسْتِحْقَاقِ أَرْضٍ مَبِيعَةٍ، فَيَرْجِعُ مُشْتَرٍ بِمَا غَرِمَ عَلَى الْغَرْسِ وَبِمَا نَقَصَهُ الْغِرَاسُ بِسَبَبِ الْقَلْعِ عَلَى ضَامِنِ الْعُهْدَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَأَلْفَاظُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ ضَمِنْتُ عُهْدَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ أَوْ دَرَكَهُ، أَوْ يَقُولُ) الضَّامِنُ (لِلْمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلَاصَكَ مِنْهُ، أَوْ مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَقَدْ ضَمِنْتُ كَذَا الثَّمَنُ) . وَ (لَا) يَصِحُّ (إنْ ضَمِنَ لِمُشْتَرٍ خَلَاصَ الْمَبِيعِ.
قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ؟) وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ (إذَا خَرَجَ حُرًّا) أَوْ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَسْتَطِعْ خَلَاصَهُ.
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ كَمَقْبُوضٍ عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ وَوَلَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الضَّمَانِ، وَكَذَا غَصْبٌ وَعَارِيَّةٌ؛ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُمَا (فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِسَوْمٍ - لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ يَضْمَنُهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لَوْ تَلِفَتْ؛ فَصَحَّ ضَمَانُهَا كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ (إنْ قَطَعَ ثَمَنَهُ أَوْ أُجْرَتَهُ أَوْ سَامَهُ فَقَطْ) بِلَا قَطْعِ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ (لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ إنْ رَضُوهُ وَإِلَّا رَدَّهُ) ؛ فَهُوَ فِي حُكْمِ
الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى حُكْمِ الْبَدَلِ وَالْعِوَضِ، لَكِنْ فِي الْإِجَارَةِ يَنْبَغِي ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ، لَا الْعَيْنِ؛ إذْ فَاسِدُ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا؛ كَمَا يَأْتِي.
.
وَ (لَا) ضَمَانَ عَلَى أَخْذِهِ (إنْ أَخَذَهُ لِذَلِكَ) ؛ أَيْ: لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ (بِلَا مُسَاوَمَةٍ أَوْ قَطْعِ ثَمَنٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا سَوْمَ فِيهِ؛ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانٌ.
وَمَعْنَى ضَمَانِ الْغَصْبِ وَنَحْوِهِ ضَمَانُ انْتِقَاضِهِ وَالْتِزَامُ تَحْصِيلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عِنْدَ تَلَفِهِ؛ فَهُوَ كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ (وَيَتَّجِهُ) .
(وَلَا) يَصِحُّ ضَمَانٌ (زَائِدٍ عَنْ قَدْرِ مَا يَأْخُذُ مِنْهُ) ؛ بِأَنْ سَاوَمَهُ عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ ثَوْبٍ بَيَّنَ لَهُ ابْتِدَاءَهَا وَانْتِهَاءَهَا، ثُمَّ أَخَذَ الثَّوْبَ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ فَقَطَعَ مِنْهُ عَشَرَةً؛ فَلَا ضَمَانَ فِيمَا زَادَ عَنْ الْعَشَرَةِ إنْ تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ سَوْمٌ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَصِحُّ ضَمَانُ (بَعْضٍ لَمْ يُقَدَّرْ مِنْ دَيْنٍ) ؛ لِجَهَالَتِهِ حَالًا وَمَآلًا (أَوْ) ضَمَانُ (أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ) ؛ لِلْجَهَالَةِ أَيْضًا.
(وَلَا) يَصِحُّ ضَمَانُ (دَيْنِ كِتَابَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْأَصْلُ فَالْفَرْعُ أَوْلَى.
(وَلَا) يَصِحُّ ضَمَانُ (أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ وَرَهْنٍ وَمُؤَجَّرٍ) وَمَالِ الشَّرِكَةِ وَعَيْنٍ وَثَمَنٍ بِيَدِ وَكِيلٍ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُومَةٍ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ، فَكَذَا عَلَى ضَامِنِهِ، (إلَّا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا) ؛ فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا مَعَ التَّعَدِّي كَالْغَصْبِ.
(وَصَحَّ ضَمَانُ أَرْشِ جِنَايَةٍ) ، نُقُودًا كَانَ الْأَرْشُ كَقِيمَةِ مُتْلَفٍ أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ
(وَ) صَحَّ ضَمَانُ (نَقْدٍ وَ) ضَمَانُ (نَفَقَةِ زَوْجَةٍ، مُسْتَقْبَلَةً) كَانَتْ (أَوْ مَاضِيَةً) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَيَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الضَّامِنَ (مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ) عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَوْ زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ مِنْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) لُزُومُ الضَّامِنِ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ (مَا دَامَتْ) الزَّوْجَةُ (فِي عِصْمَتِهِ) ؛ أَيْ: زَوْجِهَا، أَمَّا لَوْ بَانَتْ فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ سِوَى النَّفَقَةِ مِنْ حِينِ الضَّمَانِ إلَى وَقْتِ الْبَيْنُونَةِ، (وَلَوْ مَاتَ ضَامِنٌ) قَبْلَ زَوَالِ الْعِصْمَةِ فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَتَلْزَمُ الضَّامِنَ النَّفَقَةُ بِالْتِزَامِهِ - وَلَوْ (لَمْ يُقَدِّرْ زَمَنٌ) - لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ إيصَالَهَا لِلزَّوْجَةِ «وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ بَاعَ) شَيْئًا (بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرَكِهِ إلَّا مِنْ) [زَيْدٍ] ؛ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ زَيْدٍ مِنْ ضَمَانِ دَرَكِهِ يَدُلُّ عَلَى حَقٍّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ بَاطِلًا، (ثُمَّ) إنْ (ضَمِنَ دَرَكَهُ مِنْهُ) أَيْضًا؛ (لَمْ يَعُدْ الْبَيْعُ صَحِيحًا) ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا.
(وَإِنْ شُرِطَ خِيَارٌ فِي ضَمَانٍ أَوْ فِي كَفَالَةٍ) ؛ بِأَنْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ بِمَا عَلَيْهِ أَوْ كَفِيلٌ بِبَدَنِهِ وَلِي الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا؛ (فَسَدَا) ؛ أَيْ: الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ؛ لِمُنَافَاتِهِ لَهُمَا.
[فَرْعٌ خِيفَ غَرَقُ سَفِينَةٍ فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَرِّ]
(فَرْعٌ: لَوْ خِيفَ غَرَقُ سَفِينَةٍ) فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَرِّ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ - وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ - وَيَجِبُ الْإِلْقَاءُ إنْ خِيفَ تَلَفُ الرُّكْبَانِ بِالْغَرَقِ، فَيُلْقَى مَا لَا رُوحَ فِيهِ، فَإِنْ خِيفَ الْغَرَقُ بَعْدَ ذَلِكَ أُلْقِيَ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ خَافُوا الْغَرَقَ، (فَقَالَ) بَعْضُ مَنْ فِيهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: (أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ) ، فَأَلْقَاهُ؛ (فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى إلْقَائِهِ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ، (وَإِنْ قَالَ) : أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ (وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ، ضَمِنَ) الْآمِرُ الْجَمِيعَ وَحْدَهُ؛ لِصِحَّةِ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، (وَ) إنْ قَالَ: أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ، وَ (أَنَا وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ؛ ضَمِنَ الْآمِرُ وَحْدَهُ بِحِصَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ بِالْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ حِصَّتَهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ سَائِرِ رُكَّابِ السَّفِينَةِ بِضَمَانِ سَائِرِهِ؛ فَلَزِمَتْهُ حِصَّتُهُ، وَلَمْ يَسْرِ قَوْلُهُ عَلَى الْبَاقِينَ، (وَ) إنْ قَالَ: أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ و (كُلُّ وَاحِدٍ) مِنَّا (ضَامِنٌ كُلَّ مَتَاعِكَ) أَوْ قِيمَتِهِ (فَعَلَى الْقَائِلِ) وَحْدَهُ ضَمَانُ (الْجَمِيعِ.
وَلَوْ سَمِعُوا) ؛ أَيْ: رُكَّابُ السَّفِينَةِ (قَوْلَهُ، فَسَكَتُوا) ، أَوْ قَالُوا: لَا تَفْعَلْ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ بِهِ حَقٌّ، (وَإِنْ رَضُوا) ؛ أَيْ: الرُّكَّابُ (بِمَا قَالَ؛ لَزِمَهُمْ) الْغُرْمُ، وَيُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الضَّمَانِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى مَدِينٍ، فَإِنْ قَالُوا ضَمِنَّا لَكَ الدَّيْنَ كَانُوا شُرَكَاءَ، عَلَى كُلٍّ حِصَّتُهُ، وَإِنْ قَالُوا كُلٌّ مِنَّا ضَامِنٌ لَكَ الدَّيْنَ؛ طُولِبَ كُلُّ وَاحِدٍ كَامِلًا.
(وَ) لَوْ قَالَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ مَثَلًا: (اعْتِقْ عَبْدَك، أَوْ طَلِّقْ امْرَأَتَكَ وَعَلَيَّ كَذَا) ؛ أَيْ: أَلْفٌ مَثَلًا (أَوْ) عَلَيَّ (مَهْرُهَا) ، فَطَلَّقَهَا؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْقَائِلَ مَا الْتَزَمَهُ.
(وَ) لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ: (بِعْهُ) ؛ أَيْ: بِعْ عَمْرًا مَثَلًا (عَبْدُك بِمِائَةٍ وَعَلَيَّ مِائَةٌ أُخْرَى؛ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الثَّانِي إتْلَافٌ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
(وَ) لَوْ قَالَ: (بِعْهُ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ؛ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ حَالَ عُقِدَ، (وَإِنْ كَانَ) قَوْلُهُ: بِعْهُ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ (عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ) ؛ أَيْ: أَرَادَ وَأَنَا ضَامِنٌ ثَمَنَهُ؛ (صَحَّا) ؛ أَيْ: الْبَيْعُ وَالضَّمَانُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ أَحَالَ ضَامِنٌ رَبَّ دَيْنٍ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ رُجُوعًا عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ]
[فَصْلٌ] : (وَإِنْ) (قَضَى الدَّيْنَ ضَامِنٌ، أَوْ أَحَالَ) ضَامِنٌ رَبَّ دَيْنٍ (بِهِ، وَلَمْ يَنْوِ) ضَامِنٌ (رُجُوعًا) عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ أَوْ أَحَالَ بِهِ عَنْهُ - (وَلَوْ) كَانَ عَدَمُ نِيَّةِ الرُّجُوعِ (ذُهُولًا) - (لَمْ يَرْجِعْ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ سَوَاءٌ كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ وَالْحَوَالَةُ بِإِذْنِ الْمَضْمُونِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ مُبَرِّئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ؛ كَالْحَاكِمِ إذَا قَضَى عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ - (وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ) الْمَضْمُونُ (فِي ضَمَانٍ وَلَا قَضَاءٍ) - لِمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا قَضَاءُ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ عَنْ الْمَيِّتِ، فَكَانَ تَبَرُّعًا؛ لِقَصْدِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.
وَالْكَلَامُ فِيمَنْ نَوَى الرُّجُوعَ، لَا مَنْ تَبَرَّعَ
وَيَرْجِعُ ضَامِنٌ (بِالْأَقَلِّ مِمَّا قَضَى، وَلَوْ) كَانَ مَا قَضَاهُ لَا (قِيمَةَ عِوَضٍ عَوَّضَهُ) الضَّامِنُ (بِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ (أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ) ، فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً وَوَفَّاهُ عَنْهُ ثَمَانِيَةً، أَوْ عَوَّضَهُ عَنْهُ عِوَضًا قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ رَجَعَ بِالثَّمَانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمٌ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ فَالزَّائِدُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمَضْمُونِ فَالضَّامِنُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ.
(وَكَذَا) فِي الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ (كَفِيلٌ وَكُلُّ مُؤَدٍّ عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا) ، فَيَرْجِعُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ.
وَإِلَّا فَلَا، (بِخِلَافِ دَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ؛ فَلَا يَرْجِعُ قَاضِيهِ) عَلَى الْمَدِينِ (قَبْلَ حُلُولِهِ) ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ
(وَيَتَّجِهُ فِي دَيْنِ كِتَابَةٍ) إذَا قَضَاهُ شَخْصٌ عَنْ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِنَظِيرِهِ؛ فَلَهُ (الرُّجُوعُ) ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ دَيْنًا وَاجِبًا صُورَةً، (وَ) أَمَّا إذَا قَضَاهُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ، فَيَتَّجِهُ (عَدَمُهُ) ؛ أَيْ: الرُّجُوعِ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْجِزُ نَفْسَهُ وَيَعُودُ إلَى الرِّقِّ، فَيَفُوتُ الْمَالُ عَلَى الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَالًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ؛ أَشْبَهَ الْمُتَبَرِّعَ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَ (لَا) يَرْجِعُ مُؤَدٍّ عَنْ غَيْرِهِ (زَكَاةً وَنَحْوَهَا) مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ كَكَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ، (لَكِنْ يَرْجِعُ ضَامِنُ الضَّامِنِ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الضَّامِنِ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ الَّذِي ضَمِنَهُ دُونَ الْأَصِيلِ، (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الضَّامِنُ لِلْأَصِيلِ يَرْجِعُ (عَلَى الْأَصِيلِ) الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
(وَإِنْ أُحِيلَ) ؛ أَيْ: أَحَالَ رَبَّ الدَّيْنِ بِهِ (عَلَى الضَّامِنِ؛ فَلَهُ) ؛ أَيْ: الضَّامِنِ (مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ) عَنْهُ (بِمُجَرَّدِهَا) ؛ أَيْ: الْحَوَالَةِ؛ كَالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ، (فَلَوْ مَاتَ الضَّامِنُ) قَبْلَ أَدَاءِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً؛ فَلِمُحْتَالٍ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ) ؛ أَيْ: الضَّامِنِ الْمَيِّتِ، (وَ) لِوَرَثَتِهِ (أَنْ يُطَالِبُوا الْأَصِيلَ) وَيَدْفَعُوا لِلْمُحْتَالِ، (وَلَهُمْ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الدَّفْعِ وَالْمُطَالَبَةِ؛ (لِعَدَمِ لُزُومِ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ) لَهُمْ؛ أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا تَرِكَةً، (وَيَرْفَعُ) الْمُحْتَالُ (الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ، فَيَأْخُذُ الدَّيْنَ مِنْ الْأَصِيلِ، وَيَدْفَعُهُ لِمُحْتَالٍ، وَلَمْ يَسْقُطْ دَيْنُهُ؛ لِعَدَمِ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ لَهُ تَرِكَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِذِمَّةِ الْأَصِيلِ) ، وَكَذَا إذَا أَدَّى ضَامِنُ الضَّامِنِ وَمَاتَ الضَّامِنُ، قَبْلَ أَدَائِهِ إلَى ضَامِنِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا.
(قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) بَحْثًا.
وَهُوَ ضَعِيفٌ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ (قَالَ وَقَدْ نُقِلَ لِي أَنَّ) شَيْخَ الْإِسْلَامِ (الْبُلْقِينِيَّ الشَّافِعِيَّ أَفْتَى بِذَلِكَ انْتَهَى) .
(وَإِنْ أَبْرَأَ مُحْتَالٌ الضَّامِنَ بَرِئَ، وَطَالَبَ) مُحْتَالٌ (الْأَصِيلَ وَتَرَدَّدَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ أَنْكَرَ مُقْتَضِي الْقَضَاءِ) ؛ أَيْ: أَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ أَخْذَهُ مِنْ نَحْوِ ضَامِنٍ، (وَحَلَفَ) رَبُّ الْحَقِّ؛ (لَمْ يَرْجِعْ قَاضٍ) ؛ أَيْ مُدَّعِي الْقَضَاءِ (عَلَى مَدِينٍ) ؛ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِهَذَا الْقَضَاءِ (وَلَوْ صَدَّقَ) مَدِينٌ عَلَى دَفْعِ الدَّيْنِ - لِأَنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ لِتَفْرِيطِ الضَّامِنِ وَنَحْوِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ، (إلَّا إنْ ثَبَتَ) الْقَضَاءُ بِبَيِّنَةٍ (أَوْ حَضَرَهُ) ؛ أَيْ: الْقَضَاءَ مَضْمُونٌ عَنْهُ، (وَثَبَتَ) حُضُورُهُ بِاعْتِرَافٍ أَوْ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، (أَوْ أَشْهَدَ) دَافِعُ الدَّيْنِ (وَمَاتَ شُهُودُهُ أَوْ غَابُوا) ؛ أَيْ: شُهُودُهُ، (وَصَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: الدَّافِعُ - وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُضُورَ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَدِينٍ عَلَى حُضُورِهِ أَوْ غَيْبَةِ شُهُودِهِ أَوْ مَوْتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَلَيْسَ الْمَوْتُ أَوْ الْغَيْبَةُ مِنْ فِعْلِهِ.
(وَيَتَّجِهُ فَيَرْجِعُ ضَامِنٌ) عَلَى مَدِينٍ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى عَنْهُ الدَّيْنَ، وَأَنْكَرَهُ الدَّائِنُ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ ثَانِيًا، وَكَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَمَاتَ شُهُودُهُ، أَوْ غَابُوا، وَصَدَّقَهُ الْمَدِينُ فِي دَعْوَاهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْمَدِينِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي دَفَعَهُ أَوَّلًا؛ لِحُصُولِ الْبَرَاءَةِ بِهِ بَاطِنًا، وَ (لَا) يَرْجِعُ عَلَيْهِ (بِمَا أَخَذَ مِنْهُ ثَانِيًا) ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الدَّائِنَ ظَلَمَهُ؛ فَلَا يَحْمِلُ ظُلْمَهُ لِغَيْرِهِ، (وَعَكْسُهُ وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ) ؛ أَيْ: لَمْ يُصَدِّقْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ وَلَا بَيِّنَةَ؛ فَيَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ الدَّائِنُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْمَدِينَ لَمْ يَبْرَأْ ظَاهِرًا إلَّا فِي الْقَضَاءِ الثَّانِي وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الشُّهُودِ (بِنَحْوِ فِسْقٍ ظَاهِرٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ) الضَّامِنُ؛ لِتَفْرِيطِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ (بِأَمْرٍ خَفِيٍّ) ؛ كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ مُخْتَلَفًا فِيهَا؛ كَشَهَادَةِ الْعَبِيدِ؛ (فَاحْتِمَالَانِ) أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ (وَيَرْجِعُ مَعَ شَاهِدٍ) وَاحِدٍ (وَيَمِينٍ) .
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى (وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ") لِقَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ.
(وَإِنْ اعْتَرَفَ رَبُّ دَيْنٍ بِالْقَضَاءِ وَأَنْكَرَ مَدِينٌ؛ لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ) ؛ لِاعْتِرَافِ رَبِّ الْحَقِّ بِأَنَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ؛ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَمَنْ) (أَرْسَلَ آخَرَ إلَى مَنْ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْسِلِ (عِنْدَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْسَلِ إلَيْهِ (مَالٌ لِأَخْذِ دِينَارٍ) مِنْ الْمَالِ، (فَأَخَذَ) الرَّسُولُ مِنْ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ (أَكْثَرَ) مِنْ دِينَارٍ، فَضَاعَ؛ (ضَمِنَهُ) ؛ أَيْ: الْمَأْخُوذَ (مُرْسِلٌ) لِأَنَّهُ الْمُسَلِّطُ لِلرَّسُولِ، (وَرَجَعَ) مُرْسَلٌ (بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَأْخُوذِ (عَلَى رَسُولِهِ) . نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ فِي بَابِ الْحَوَالَةِ وَابْنُ رَجَبٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ (إنْ ثَبَتَ) أَخْذُهُ الْأَكْثَرَ (بِاعْتِرَافِهِ) ؛ أَيْ: الرَّسُولِ (أَوْ إقَامَةِ بَيِّنَةِ دَافِعٍ) بِذَلِكَ، فَإِنْ ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِيَدِهِ.
(وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَزِمَ مُؤَجَّلًا بِعَقْدٍ، فَكَانَ كَمَا الْتَزَمَهُ؛ كَالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَالْحَقُّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ إذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِعَقْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الضَّامِنِ حَالًّا وَتَأَجَّلَ، وَيَجُوزُ تَخَالُفُ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرَيْنِ؛ لَمْ يُطَالِبْ قَبْلَ مُضِيِّهَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَلَا يُطَالَبُ ضَامِنٌ قَبْلَ حُلُولِهِ) ؛ أَيْ: الْأَجَلِ، (وَ) لِلدَّائِنِ مُطَالَبَةُ (مَدِينٍ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَجَّلْ فِي حَقِّهِ.
(وَضَامِنُ) دَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ حَالًا لَا يَلْزَمُهُ) أَدَاؤُهُ (قَبْلَ حُلُولِهِ) ؛ أَيْ: أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، فَلَا يُلْزَمُ مَا لَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ؛ كَمَا أَنَّ الْمَضْمُونَ لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ تَعْجِيلَ [الْمُؤَجَّلِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ تَأْجِيلُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْحَالَ ثَابِتٌ] مُسْتَحِقُّ الْقَضَاءَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ مُؤَجَّلًا؛ فَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ فَصَحَّ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً، فَضَمِنَ خَمْسَةً، وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ؛ فَلَا يُسْتَحَقُّ قَضَاؤُهُ إلَّا عِنْدَ أَجَلِهِ؛ فَإِذَا ضَمِنَهُ حَالًا؛ الْتَزَمَ مَا لَمْ يَجِبْ؛ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشَرَةً، فَضَمِنَ عِشْرِينَ.
(وَإِنْ عَجَّلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُؤَجَّلَ ضَامِنٌ (بِلَا إذْنِ مَدِينٍ؛ لَمْ يَرْجِعْ) ضَامِنٌ عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ (حَتَّى يَحِلَّ) الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ لَا يُغَيِّرُهُ عَنْ تَأْجِيلِهِ؛ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَذِنَ مَضْمُونٌ عَنْهُ بِتَعْجِيلِهِ؛ (رَجَعَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَلَا يَحِلُّ) دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ (بِمَوْتِ مَضْمُونٍ) عَنْهُ، (وَ) لَا بِمَوْتِ (ضَامِنٍ إنْ وَثَّقَ الْوَرَثَةُ) [رَبَّ الدَّيْنِ] بِرَهْنٍ بِحِرْزٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، (وَإِلَّا) تَوَثَّقَ الْوَرَثَةُ؛ (حَلَّ) الدَّيْنُ، فَيُطَالَبُونَ بِهِ فِي الْحَالِ.
(وَمَنْ ضَمِنَ أَوْ كَفَلَ) شَخْصًا، (ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَضْمُونِ أَوْ الْمَكْفُولِ (حِينَئِذٍ) ؛ أَيْ: حِينَ ضَمِنْته أَوْ كَفَلْته (حَقٌّ) لِلْمَضْمُونِ أَوْ الْمَكْفُولِ لَهُ؛ (صَدَّقَ خَصْمُهُ) ؛ أَيْ: الْمَضْمُونُ أَوْ الْمَكْفُولُ (بِيَمِينِهِ) ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ دَعْوَاهُ، فَإِنْ نَكَلَ مَضْمُونٌ وَمَكْفُولٌ لَهُ؛ قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَرَاءَةِ الضَّمِينِ وَالْأَصِيلِ.
(فَرْعٌ مَنْ ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ وَأَنَّ كُلًّا) مِنْهُمَا (ضَمِنَ صَاحِبَهُ) مَا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اعْتَرَفَ الْحَاضِرُ بِذَلِكَ فَلِلْمُدَّعِي أَخْذُ الْأَلْفِ مِنْهُ؛ لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِهِ أَصَالَةً وَضَمَانًا، فَإِذَا رَجَعَ الْغَائِبُ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ
صَاحِبُهُ بِنِصْفِهِ الَّذِي أَدَّاهُ عَنْهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْغَائِبُ ذَلِكَ - وَلَا بَيِّنَةَ - فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، وَإِنْ (أَنْكَرَ الْحَاضِرُ) ذَلِكَ فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، (فَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) بِالدَّعْوَى، (وَأَخَذَ) الْمُدَّعِي (مِنْهُ الْأَلْفَ؛ لَمْ يَرْجِعْ) الْغَارِمُ (عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ) ؛ لِإِقْرَارِهِ أَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّ الْمُدَّعِيَ ظَلَمَهُ، (مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ) ؛ أَيْ: يُصَدِّقُ الْغَائِبُ الْغَارِمَ؛ بِأَنْ يَعْتَرِفَ الْغَائِبُ بِمَا عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْحَاضِرُ عَنْ إنْكَارِهِ؛ فَلِلْحَاضِرِ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا غَرِمَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَى الْحَاضِرِ بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ أَصَالَةً وَضَمَانًا؛ حَلَفَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَبَرِئَ؛ أَيْ: انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي؛ فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنْ أَنْكَرَ مَا كَانَ ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصَالَةِ وَالضَّمَانِ، وَحَلَفَ؛ بَرِئَ؛ أَيْ؛ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ مَعَهُ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالدَّعْوَى؛ لَزِمَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِاعْتِرَافِهِ، وَلَا رُجُوعَ عَلَى الْحَاضِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْ الْحَاضِرِ.
[فَصْلٌ فِي تَعْرِيف الْكَفَالَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْكَفَالَةِ) (وَهِيَ) مَصْدَرُ كَفَلَ بِمَعْنَى (الْتِزَامِ رَشِيدٍ مُخْتَارٍ إحْضَارَ مَنْ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: تَعَلَّقَ بِهِ (حَقٌّ مَالِيٌّ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا (إلَى رَبِّهِ) ؛ أَيْ؛ الْحَقِّ - مُتَعَلِّقٌ بِإِحْضَارٍ - وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهَا؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الِاسْتِيثَاقِ بِضَمَانِ الْمَالِ أَوْ الْبَدَنِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَمْتَنِعُ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ، فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الْكَفَالَةُ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ، وَتَعَطَّلَتْ الْمُعَامَلَاتُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا.
(وَيَتَّجِهُ وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (مِنْ قِنٍّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) وَكَذَا مِنْ مُكَاتَبٍ [كَبَاقِي الْمُعَامَلَاتِ] ، (وَ) مِنْ (مُفْلِسٍ) بَعْدَ أَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ؛ لِقَبُولِ ذِمَّتِهِ الِالْتِزَامَ، (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ إحْضَارِ مَكْفُولٍ وَتَسْلِيمِهِ؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسَ أَدَاءُ مَا عَلَيْهِ (بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) لِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ (رِضَى مَكْفُولٍ وَلَا مَكْفُولٍ لَهُ) ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا قَبْضَ فِيهَا، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمَا كَالشَّهَادَةِ.
(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً كَضَمَانٍ) وَثَمَنٍ فِي بَيْعٍ، (وَمَعَ إطْلَاقٍ) ؛ كَقَوْلِهِ: أَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ (فَحَالَّةً) كَالضَّمَانِ إذَا أُطْلِقَ يَكُونُ حَالًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُهُ الْحُلُولُ؛ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ اقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ.
(وَتَنْعَقِدُ) الْكَفَالَةُ (بِمَا) ؛ أَيْ: لَفْظٍ (يَنْعَقِدُ بِهِ ضَمَانٌ) ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهُ فَانْعَقَدَتْ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّتُهَا مِمَّنْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهَا تَنْعَقِدُ (بِشَرْطِ إضَافَةِ اللَّفْظِ لِإِحْضَارِ مَكْفُولٍ) ؛ كَأَنَا ضَامِنٌ إحْضَارَهُ، (وَعَلَى قِيَاسِ كَلَامِ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الضَّمَانِ؛ (لَا) تُشْتَرَطُ إضَافَةُ اللَّفْظِ إلَى مَكْفُولٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ، إلَّا مَا اتَّجَهَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَمَنْ ضَمِنَ مَعْرِفَةَ شَخْصٍ) بِأَنْ جَاءَ إنْسَانٌ آخَرُ يَسْتَدِينُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: لَا أُعْطِيك؛ لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُكَ، فَضَمِنَ لَهُ إنْسَانٌ مَعْرِفَتَهُ، فَدَايَنَهُ؛ ثُمَّ غَابَ الْمُسْتَدِينُ، أَوْ تَوَارَى؛ (أُخِذَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - ضَامِنُ الْمَعْرِفَةِ (بِتَعْرِيفِهِ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَعْنَاهُ أَنِّي أُعَرِّفُكَ مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ (لَا بِحُضُورِهِ) فِي قَوْلٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْكَفِيلِ الْمَكْفُولَ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ وَإِعْلَامَهُ بِمَكَانِهِ، يَبْرَأُ بِهِ وَيُعَدُّ تَسْلِيمًا، (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ أُخِذَ بِهِ؛ أَيْ بِالْمُسْتَدِينِ نَصًّا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ضَمِنَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ