بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الثَّلَاثَةِ وَالثُّلُثِ إلَى الْأَرْبَعَةِ نِصْفٌ وَثُلُثٌ (وَإِنْ كَانَ) قَطْعُ الْأُنْمُلَةِ (خَطَأً) (فَفِيهَا) ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثُ قِيمَتِهَا (ثُلُثَا قِيمَةِ الْخُمْسِ) لِأَنَّ نِسْبَةَ الثَّلَاثَةِ وَالثُّلُثِ إلَى الْخَمْسَةِ ثُلُثَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِ الْجَانِي، وَلَا مِنْ جِنْسِ إبِلِ بَلَدِهِ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ.
(وَدِيَةُ أُنْثَى بِصِفَتِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ (نِصْفُ دِيَتِهِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، إجْمَاعًا، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِهِ: دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ» (وَيَسْتَوِيَانِ) ؛ أَيْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى حَيْثُ اتَّفَقَا دِينًا (فِي) جُرْحٍ (مُوجِبٍ دُونَ ثُلُثِ دِيَةِ) ذَكَرٍ حُرٍّ (فَإِذَا بَلَغَتْ جِرَاحَاتُهَا الثُّلُثَ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ) صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ.
قُلْت: فَفِي أُصْبُعَيْنِ؟ : قَالَ عِشْرُونَ.
قُلْت: فَفِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ قُلْت فَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: عِشْرُونَ.
قُلْت: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا قَلَّ عَقْلُهَا قَالَ: هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» ؛ وَلِأَنَّ دِيَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى يَسْتَوِيَانِ فِي الْجَنِينِ فَكَذَا فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَأَمَّا مَا يُوجِبُ الثُّلُثَ فَمَا فَوْقَ، فَهِيَ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الذَّكَرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ» وَحَتَّى لِلْغَايَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِحَدِيثِ: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ؛ وَلِذَلِكَ حَمَلْته الْعَاقِلَةُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ وَالْمَجُوسِيَّةُ وَغَيْرُهَا.
(وَدِيَةُ خُنْثَى مُشْكِلٍ بِصِفَتِهِ) ؛ أَيْ: حُرٍّ مُسْلِمٍ (نِصْفُ دِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ أَيْ: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الذَّكَرِ؛ لِاحْتِمَالِهِ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَقَدْ أَيِسَ مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ؛ فَوَجَبَ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ (وَكَذَا جِرَاحُهُ) ؛ أَيْ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ إذَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ، وَأَمَّا مَا دُونَ الثُّلُثِ فَلَا يَخْتَلِفُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَدِيَةُ كِتَابِيٍّ) ؛ أَيْ: يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ وَمَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (حُرٍّ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ) ؛ أَيْ: مُهَادِنٍ (أَوْ مُسْتَأْمَنٍ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ مُسْلِمٍ) ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِأَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: لَيْسَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْءٌ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ.
وَمَحَلُّ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ عَمْدًا وَالْقَاتِلُ مُسْلِمًا أَمَّا إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ دِيَةِ الْكِتَابِيِّ وَالْمُسْلِمِ، وَيَأْتِي.
(وَكَذَا جِرَاحُهُ) ؛ أَيْ: الْكِتَابِيِّ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ عَلَى نِصْفِ جِرَاحِ الْمُسْلِمِ.
(وَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ حُرٍّ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ، وَدِيَةُ حُرٍّ مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَمَنْ يَعْبُدُ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ كَوْكَبٍ (مُسْتَأْمَنٍ أَوْ مُعَاهَدٍ بِدَارِنَا) أَوْ غَيْرِهَا لِحَقْنِ دَمِهِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ (ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمَجُوسِيِّ وَأُلْحِقَ بِهِ بَاقِي الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ دُونَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . فَالْمُرَادُ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ (وَجِرَاحُهُ) أَيْ: مَنْ ذَكَرَ مِنْ الْمَجُوسِ وَعَابِدِ وَثَنٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (بِالنِّسْبَةِ) إلَى دِيَتِهِ نَصًّا، كَمَا أَنَّ جِرَاحَ الْمُسْلِمِ وَأَطْرَافَهُ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ.
(وَدِيَةُ أُنْثَى الْكُفَّارِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرِهِمْ) . قَالَ فِي الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَظَاهِرُهُ: وَيَسْتَوِيَانِ فِي مُوجَبِ دُونِ ثُلُثِ دِيَةِ ذَكَرِهِمْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) ؛ أَيْ: دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ إنْ وُجِدَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَقَدْ أُخْبِرْتُ عَنْ قَوْمٍ بِآخِرِ بِلَادِ السُّودَانِ لَا يَفْقَهُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ (فَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ فَدِيَتُهُ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ فَكَمَجُوسِيٍّ)
لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ فَهُوَ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ؛ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى، فَإِنْ بَادَرَ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ؛ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ.
قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ (كَ) حُكْمِ (دُرْزِيٍّ وَنُصَيْرِيٍّ) وَإِسْمَاعِيلِيٍّ (وَقَاذِفِ عَائِشَةَ؛ لِرِدَّتِهِمْ) بِجَحْدِهِمْ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ؛ وَاسْتِبَاحَتِهِمْ الْخَمْرَ وَالزِّنَا؛ وَإِنْكَارِهِمْ قِيَامَ السَّاعَةِ وَأَمْرِ الْمَعَادِ؛ وَاعْتِقَادِهِمْ تَنَاسُخَ الْأَرْوَاحِ وَانْتِقَالَهَا إلَى أَبْدَانِ الْحَيَوَانَاتِ، وَحُلُولَ الْإِلَهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ عَقَائِدِهِمْ الْقَبِيحَةِ، وَبِلُغَتِهِمْ الصَّرِيحَةِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِهِمْ الْمَنْهُوبَةِ مِنْ بِلَادِهِمْ.
فَهَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَمَنْ يَشُكُّ فِي كُفْرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُمْ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ بِجِزْيَةٍ وَلَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فِي الدُّنْيَا؛ فَهَذَا الِاتِّجَاهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ كَهَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ مِنْ حَيْثُ إهْدَارِ الدَّمِ فِي كُلٍّ، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ كَهُوَ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ، وَهَؤُلَاءِ يُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا يَأْتِي فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ.
(وَتُغَلَّظُ دِيَةُ قَتْلِ خَطَأٍ) لَا عَمْدٍ (فِي نَفْسٍ) لَا فِي طَرَفٍ خِلَافًا " لِلْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " (وَيَتَّجِهُ) بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ (وَلَوْ) كَانَ الْمَقْتُولُ (ذِمِّيًّا) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فِي كُلٍّ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ وَإِحْرَامِ) مَقْتُولٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ " الْمُغْنِي " (وَشَهْرٍ حَرَامٍ) فَقَطْ فَلَا تَغْلُظُ لِقَتْلِ رَحِمٍ وَلَوْ مُحَرَّمًا (بِثُلُثِ) دِيَةٍ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ نَجِيحٍ أَنَّ امْرَأَةً
وُطِئَتْ فِي الطَّوَافِ فَقَضَى عُثْمَانَ فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي بَلَدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: دِيَتُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَهَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ (فَمَعَ اجْتِمَاعِ) حَالَاتِ التَّغْلِيظِ (كُلِّهَا) يَجِبُ (دِيَتَانِ) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَأِ هُنَا مَا يَعُمُّ شِبْهَ الْعَمْدِ.
(وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا) ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا (عَمْدًا) لَا خَطَأً (وَنَحْوَهُ أُضْعِفَتْ دِيَتُهُ) ؛ أَيْ: الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ، قَضَى بِهِ عُثْمَانُ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرُفِعَ إلَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَيْهِ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي مَذْهَبِهِ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْأَعْوَرِ إذَا قَلَعَ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً؛ لِعَيْنِهِ دِيَةً كَامِلَةً؛ لِمَا دُرِئَ عَنْهُ الْقِصَاصُ، وَظَاهِرُهُ لَا إضْعَافَ فِي جِرَاحَةٍ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
[فَصْلٌ دِيَةُ الْقِنِّ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ قِنٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا (قِيمَتُهُ) عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً (وَلَوْ) كَانَتْ قِيمَتُهُ (فَوْقَ دِيَةِ حُرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَضُمِنَ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ كَالْفَرَسِ، وَضَمَانُ الْحُرِّ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ الَّتِي تَزِيدُ بِهَا قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ قِنًّا، وَإِنَّمَا يُضْمَنُ بِمَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَضَمَانُ الْقِنِّ ضَمَانُ مَالٍ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا.
(وَفِي جِرَاحِهِ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ (إنْ قُدِّرَ مِنْ حُرٍّ بِقِسْطِهِ مِنْ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ كَدِيَةِ الْحُرِّ (فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي أُصْبُعِهِ عُشْرُهَا، وَفِي مُوضِحَةٍ نِصْفُ عُشْرِ) قِيمَتِهِ (سَوَاءٌ نَقَصَ بِجِنَايَةٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِلَّا) يَكُنْ فِيهِ مُقَدَّرٌ مِنْ الْحُرِّ كَالْعُصْعُصِ وَخَرَزَةِ الصُّلْبِ؛ فَعَلَى جَانٍ (مَا نَقَصَهُ) بِجِنَايَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ جَبْرٌ لِمَا فَاتَ بِالْجِنَايَةِ، وَقَدْ أَنْجَبَرَ بِذَلِكَ؛ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ (فَلَوْ جُنِيَ عَلَى رَأْسِهِ) ؛ أَيْ: الْقِنِّ (دُونَ مُوضِحَةٍ) أَوْ جُنِيَ عَلَى وَجْهِهِ دُونَ مُوضِحَةٍ، ضُمِنَ بِمَا نَقَصَ، (وَلَوْ أَنَّهُ) ؛ أَيْ: مَا نَقَصَ بِالْجِنَايَةِ (أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ إذَا نَقَصَهَا (وَفِي مُنَصَّفٍ) ؛ أَيْ: مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ قِنٌّ إذَا قُتِلَ (نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَكَذَا جِرَاحُهُ) مِنْ طَرَفٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَالْقَتْلُ خَطَأٌ وَالْقَاتِلُ حُرٌّ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ فِي مَالِهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَهُ أَوْ رِجْلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ، فَالْجَمِيعُ فِي مَالِ جَانٍ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الدِّيَةِ رُبُعُ دِيَةٍ؛ فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِنَقْصِهِ عَنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ (وَلَيْسَتْ أَمَةٌ كَحُرَّةٍ فِي رَدِّ أَرْشِ جِرَاحٍ بَلَغَ ثُلُثَ قِيمَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ إلَى نِصْفٍ) ؛ أَيْ: أَرْشِ جِرَاحِهَا؛ لِأَنَّ فِي الْحُرَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِكَوْنِ الْأَصْلِ زِيَادَةَ الْأَرْشِ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ نَقْصُهَا وَضَرَرُهَا زَادَ فِي ضَمَانِهَا، فَإِذَا خُولِفَ الْأَصْلُ فِي الْحُرَّةِ لِلْحَدِيثِ، بَقِيَ فِي الْأَمَةِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ.
(وَمَنْ قَطَعَ خُصْيَتَيْ عَبْدٍ) أَوْ ذَكَرَهُ (أَوْ أَنْفِهِ أَوْ أُذُنَيْهِ) وَنَحْوَهُمَا مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحُرِّ دِيَةٌ (لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ) كَامِلَةً لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الدِّيَةِ (وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَهُ ثُمَّ خَصَاهُ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) صَحِيحًا (لِقَطْعِ ذَكَرِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْضًا مَقْطُوعًا) أَيْ: نَاقِصًا بِقَطْعِ ذَكَرِهِ؛ لِقَطْعِ خُصْيَتَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهُمَا إلَّا وَقَدْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِقَطْعِ الذَّكَرِ، وَإِنْ خَصَاهُ ثُمَّ قَطَعَ ذَكَرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً؛ لِقَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ، وَمَا نَقَصَ بِقَطْعِ ذَكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ لَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا مُقَدَّرًا (وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَاسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ بَدَلُ مَا ذَهَبَ مِنْهُ لَا بَدَلَ نَفْسِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُمَا) ؛ أَيْ: ذَكَرَهُ وَخُصْيَتَيْهِ (مَعًا) فَعَلَيْهِ (قِيمَتَانِ كَامِلَتَانِ) كَمَا لَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْحُرِّ دِيَةً كَامِلَةً، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ دِيَةُ الْجَنِينِ]
فَصْلٌ (وَدِيَةُ جَنِينٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَوْ أُنْثَى) وَالْجَنِينُ: الْوَلَدُ الَّذِي فِي الْبَطْنِ مِنْ الْإِجْنَانِ وَهُوَ السَّتْرُ؛ (لِأَنَّهُ أَجَنَّهُ بَطْنُ أُمِّهِ) ؛ أَيْ: سَتَرَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: 32] (أَوْ مَا تَصِيرُ بِهِ أَمَةٌ أُمَّ وَلَدٍ) وَهُوَ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ وَلَوْ خَفِيًّا، لَا مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً (إنْ ظَهَرَ) الْجَنِينُ مَيِّتًا (أَوْ) ظَهَرَ (بَعْضُهُ) كَيَدٍ وَرَأْسٍ (مَيِّتًا وَلَوْ) كَانَ ظُهُورُهُ (بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وَكَذَا مَا فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ كَمَا مَرَّ فِيمَنْ أَسْقَطَتْ فَزَعًا مِنْ طَلَبِ سُلْطَانٍ أَوْ بِرِيحِ نَحْوِ طَعَامٍ (فَسَقَطَ) الْجَنِينُ فِي الْحَالِ، (أَوْ بَقِيَتْ) أُمُّهُ (مُتَأَلِّمَةً حَتَّى سَقَطَ) الْجَنِينُ، فَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ كَأَنْ قَتَلَ حَامِلًا وَلَمْ يُسْقِطْ جَنِينَهَا، أَوْ ضَرَبَ مَنْ بِبَطْنِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ، فَزَالَ ذَلِكَ؛ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (وَلَوْ) كَانَ إسْقَاطُهَا (بِفِعْلِهَا) كَإِجْهَاضِهَا بِشُرْبِ دَوَاءٍ (أَوْ كَانَتْ أَمَةً ذِمِّيَّةً حَامِلًا مِنْ ذِمِّيٍّ وَمَاتَ) الذِّمِّيُّ وَالْجَنِينُ بِهِ بِدَارِنَا (لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ) إذَنْ تَبَعًا لِلدَّارِ (وَيُرَدُّ قَوْلُهَا) ؛ أَيْ: الذِّمِّيَّةِ (إنْ لَمْ يَمُتْ الْجَنِينُ) الَّذِي (حَمَلَتْ بِهِ مِنْ مُسْلِمٍ) .
إنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (أَوْ) كَانَتْ أُمُّ الْجَنِينِ (أَمَةً وَهُوَ حُرٌّ) لِغُرُورٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ إعْتَاقِهِ وَحْدَهُ، فَتَقْدِيرُ أَمَةٍ حُرَّةٍ، وَقَوْلُهُ: (غُرَّةٌ) خَبَرُ دِيَةِ جَنِينٍ
(عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٍ، وَأَصْلُهَا الْخِيَارُ، سَمَّى بِهَا الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ وَوَجْهُ وُجُوبِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) صِفَةٌ لِغُرَّةٍ، وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي الْجِنَايَةِ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَأَمَّا الْأُنْمُلَةُ فَقَدْرُهَا ثَبَتَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ (مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْجَنِينِ (كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا) ثُمَّ مَاتَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ، وَلِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ تُورَثَ عَنْهُ كَسَائِرِ الدِّيَاتِ (فَلَا حَقَّ فِيهَا لِقَاتِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ (وَلَا كَامِلِ رِقٍّ) لِأَنَّهُ مَانِعٌ لِلْإِرْثِ وَيَرِثُ الْمُبَعَّضُ مِنْهَا بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ كَغَيْرِهَا.
(فَيَرِثُهَا) ؛ أَيْ: الْغُرَّةَ (عَصَبَةُ سَيِّدٍ قَتَلَ وَلَدَهُ مِنْ أَمَةٍ) كَأَنْ ضَرَبَ بَطْنَ أُمِّ وَلَدِهِ فَأَسْقَطَتْ وَلَدَهَا مِنْهُ؛ فَلَا يَرِثُهُ هُوَ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، وَيَرِثُهُ مَنْ عَدَاهُ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ السَّيِّدُ بَطْنَ عَتِيقَتِهِ فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا؛ كَانَ عَلَيْهِ غُرَّةٌ يَرِثُهَا أُمُّ الْجَنِينِ وَعَصَبَةُ السَّيِّدِ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ.
(وَتَعَدُّدُ الْغُرَّةِ بِتَعَدُّدِ جَنِينٍ وَإِنْ أَلْقَتْ) بِجِنَايَةٍ (رَأْسَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ أَيْدٍ) أَوْ أَرْجُلٍ (فَغُرَّةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ (أَوْ) أَلْقَتْ (مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ) أَوْ أَلْقَتْ مُضْغَةً فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ آدَمِيًّا (فَلَا شَيْءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ (كَمَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ حَرْبِيَّةٍ) حَامِلٍ (أَوْ) بَطْنَ (مُرْتَدَّةٍ) حَامِلٍ (فَأَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا) فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) (هَذَا) الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ (إنْ) كَانَتْ قَدْ (حَمَلَتْ بِهِ مِنْ كَافِرٍ حَالَ رِدَّتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا حِينَ عِصْمَتِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ قَبْلَ أَنْ تَرْتَدَّ فَفِيهِ الْغُرَّةُ؛ لِعِصْمَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
[تَنْبِيهٌ شَهِدَتْ ثِقَةٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِي السِّقْطِ صُورَةً خَفِيَّةً]
(1) تَنْبِيهٌ: وَإِنْ شَهِدَتْ ثِقَةٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنْ فِي السِّقْطِ صُورَةً خَفِيَّةً، فَفِيهِ غُرَّةٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا.
(وَلَا يَجِبُ مَعَ الْغُرَّةِ ضَمَانُ نَقْصِ الْأُمِّ) ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ أَرْشَيْنِ
. (وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْغُرَّةِ (خَصِيٌّ وَلَا خُنْثَى) وَنَحْوُهُ كَمَوْجُوءِ الْخُصْيَتَيْنِ وَمَسْلُولِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَ (لَا) يُقْبَلُ فِيهَا (مَعِيبٌ) عَيْبًا يُرَدُّ فِي بَيْعٍ، كَأَعْوَرَ وَمُكَاتَبٍ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، وَكَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهَا هَرِمَةٌ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ بَدَلٌ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا السَّلَامَةُ كَإِبِلِ الصَّدَقَةِ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّهَا جُبَارٌ (وَلَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْخِدْمَةِ؛ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ وَيَخْدُمُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ نَفْسُ الْمَالِيَّةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ فِي الْغُرَّةِ (وَإِنْ أَعْوَزَتْ الْغُرَّةُ؛ فَالْقِيمَةُ تَجِبُ مِنْ أَصْلِ الدِّيَةِ) وَهِيَ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ لِلْجَانِي فِي دَفْعِ مَا شَاءَ مِنْ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ.
(وَتُعْتَبَرُ الْغُرَّةُ سَلِيمَةً مَعَ سَلَامَتِهِ) ؛ أَيْ: الْجَنِينِ الْقِنِّ (وَعَيْبِ الْأُمِّ) ؛ لِكَوْنِهَا خَرْسَاءَ أَوْ نَاقِصَةً بَعْضَ الْأَطْرَافِ، وَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا اعْتِبَارًا بِوَصْفِهِ (وَجَنِينٍ مُبَعَّضٍ) ؛ أَيْ: مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ كَذَلِكَ (بِحِسَابِهِ) مِنْ دِيَةٍ وَقِيمَةٍ، فَلَوْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ رَقِيقًا، وَجَبَ لِسَيِّدِهِ بِاعْتِبَارِهِ (وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ وَ) وَجَبَ لِوَرَثَتِهِ (نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهَا) اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجَنِينِ (وَفِي) جَنِينٍ (قِنٍّ وَلَوْ أُنْثَى عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ) كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهَا مُوضِحَةً.
وَإِنْ (كَانَ الْجَنِينُ قِنًّا، وَأُمُّهُ حُرَّةً بِأَنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا وَاسْتَثْنَاهُ فَقَدْرُ أُمِّهِ الْحُرَّةِ) أَنَّهُ كَعَكْسِهِ (وَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا يَوْمَ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا نَقْدًا) ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْجَنِينِ إذَا كَانَ حُرًّا، وَهَذَا رَقِيقٌ (وَيَضْمَنُ شَرِيكُهُ) فِي أَمَةٍ ضَرَبَهَا وَهِيَ حَامِلٌ بِمَمْلُوكٍ فَأَسْقَطَتْهُ (قِيمَةَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ آدَمِيًّا، وَيَسْقُطُ ضَمَانُ نَصِيبِهِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضْمَنُ مَالَهُ لِنَفْسِهِ.
[تَتِمَّةٌ أَعْتَقَ الضَّارِبُ الْحَامِل بَعْدَ ضَرْبِهَا وَكَانَ مُعْسِرًا ثُمَّ أَسْقَطَتْ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَعْتَقَهَا الضَّارِبُ بَعْدَ ضَرْبِهَا وَكَانَ مُعْسِرًا ثُمَّ أَسْقَطَتْ، عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهَا وَمِنْ وَلَدِهَا بِمُجَرَّدِ الْعِتْقِ، وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ جَنِينِهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَعْتَقَهُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ جِنَايَةٌ، وَقَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ مَمْلُوكُهُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهَا وَإِلَى جَنِينِهَا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الْجَنِينِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَلَا يَضْمَنُ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَهَا بِإِعْتَاقِهَا؛ فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا.
(وَإِنْ ضَرَبَ غَيْرُ سَيِّدٍ بَطْنَ أَمَةٍ فَعَتَقَ جَنِينُهَا) بِأَنْ أَعْتَقَهُ مَالِكُهُ (قَبْلَ مَوْتِهِ) أَوْ كَانَ عَلَّقَ عِتْقَهَا عَلَى صِفَةٍ فَوُجِدَتْ، أَوْ نَجَّزَ السَّيِّدُ عِتْقَهَا، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَ جَنِينِهَا عَلَى ضَرْبِ جَانٍ بَطْنَهَا (ثُمَّ سَقَطَ) الْجَنِينُ مَيِّتًا؛ فَفِيهِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ سُقُوطٍ.
وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ كَافِرَةٍ حَامِلٍ، فَأَسْلَمَتْ أَوْ أَبُو الْحَمْلِ ثُمَّ سَقَطَ (أَوْ) ضَرَبَ (بَطْنَ مَيِّتَةٍ أَوْ ضَرَبَ عُضْوًا) مِنْ أَعْضَائِهَا، (وَخَرَجَ) الْجَنِينُ (مَيِّتًا، وَ) قَدْ (شُوهِدَ بِالْجَوْفِ) ؛ أَيْ: جَوْفِ الْمَيِّتَةِ (يَتَحَرَّكُ) ؛ بَعْدَ مَوْتِهَا (فَفِيهِ غُرَّةٌ) كَمَا لَوْ ضَرَبَ حَيَّةً فَمَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ جَنِينُهَا مَيِّتًا.
(وَفِي) جَنِينٍ (مَحْكُومٍ بِكُفْرِهِ) كَجَنِينِ ذِمِّيَّةٍ مِنْ ذِمِّيٍّ لَاحِقٌ بِهِ (غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) قِيَاسًا عَلَى جَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ
(فَغُرَّةُ جَنِينِ مَجُوسِيَّةٍ) مِنْ مَجُوسِيٍّ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمٍ) عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) ؛ أَيْ: الْجَنِينِ (أَشْرَفَ دِينًا) مِنْ الْآخَرِ (كَمَجُوسِيَّةٍ تَحْتَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ تَحْتَ مُسْلِمٍ) فَالْوَاجِبُ فِيهِ (غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ لَوْ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ) الْأَشْرَفِ؛ فَتُقَدَّرُ مَجُوسِيَّةٌ تَحْتَ كِتَابِيٍّ كِتَابِيَّةً وَكِتَابِيَّةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَشْرَفَ أَبَوَيْهِ دِينًا، وَتَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْجَنِينِ بَعْدَ الضَّرْبِ وَقَبْلَ الْوَضْعِ؛ فَفِيهِ غُرَّةٌ اعْتِبَارًا بِحَالِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الِاسْتِقْرَارِ.
(وَإِذَا سَقَطَ جَنِينُ ذِمِّيَّةٍ قَدْ وَطِئَهَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي طُهْرٍ) وَاحِدٍ (فَفِيهِ مَا فِي الْجَنِينِ الذِّمِّيِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ هَذَا الْجَنِينَ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَافَةِ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا أَنْ تُلْحِقَهُ بِالذِّمِّيِّ، أَوْ يُشْكِلَ أَمْرُهُ فَلَا يُدْرَى أَهُوَ مِنْ الذِّمِّيِّ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِ، أَوْ تُلْحِقَهُ بِالْمُسْلِمِ؛ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى تَكُونُ الْغُرَّةُ (لِبَيْتِ الْمَالِ) وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (إنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالذِّمِّيِّ) وَأَشَارَ إلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ (أَوْ أَشْكَلَ) أَمْرُهُ؛ أَيْ: فَكَذَلِكَ تَكُونُ الْغُرَّةُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِالْأَوْلَى، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالْمُسْلِمِ؛ فَتَكُونُ الْغُرَّةُ لَهُ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ؛ لِاتِّضَاحِ الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ ادَّعَتْ ذِمِّيَّةٌ أَنَّ جَنِينَهَا مِنْ مُسْلِمٍ]
(1) تَتِمَّةٌ: وَإِنْ ادَّعَتْ ذِمِّيَّةٌ أَوْ وَرَثَتُهَا، أَنْ جَنِينَهَا مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَإِنْ اعْتَرَفَ الْجَانِي بِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْعَاقِلَةُ أَيْضًا، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ غَيْرَ عَمْدٍ، وَمَاتَ مَعَ أُمِّهِ أَوْ بَعْدَهَا، فَالْغُرَّةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِاعْتِرَافِهَا، وَتَحْلِفُ الْعَاقِلَةُ مَعَ الْإِنْكَارِ أَنَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَعَلَيْهِمَا فِي جَنِينِ
الذِّمِّيِّينَ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَانِي إنْ اعْتَرَفَ لِثُبُوتِهِ بِاعْتِرَافِهِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْعَاقِلَةُ دُونَ الْجَانِي، فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ حَيْثُ مَاتَ بَعْدَهَا أَوْ مَعَهَا بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْجَانِي وَالْعَاقِلَةُ أَنَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مِنْ مُسْلِمٍ، وَوَجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّيٍّ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ الْيَمِينُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْجَنِينِ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَمَاتَ قَبْلَ أُمِّهِ أَوْ بِجِنَايَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَقَوْلُ الْجَانِي وَحْدَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ فِيهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ.
كَانَتْ الذِّمِّيَّةُ كِتَابِيَّةً وَهِيَ امْرَأَةُ مُسْلِمٍ أَوْ سُرِّيَّتُهُ، فَادَّعَى الْجَانِي أَنْ الْجَنِينَ مِنْ ذِمِّيٍّ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، وَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ، فَقَوْلُهُمْ مَعَ يَمِينِهِمْ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
(وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ كُلُّهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ نِصْفُ سَنَةٍ فَصَاعِدًا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ) صَارِخًا، إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ، بِنَفَسِهِ أَوْ ارْتِضَاعِهِ، أَوْ عُطَاسِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَلُّ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ الِاسْتِهْلَالِ (فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِجِنَايَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَ قَتْلَهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، كَدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ (فَكَمَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِحَيَاتِهِ (وَلَا تَثْبُتُ حَيَاتُهُ بِمُجَرَّدِ حَرَكَةٍ وَاخْتِلَاجٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَضِيقٍ، فَلَمْ تُتَيَقَّنْ حَيَاتُهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: الْجَانِي وَوَارِثُ الْجَنِينِ (فِي خُرُوجِهِ) ؛ أَيْ؛ الْجَنِينِ (حَيًّا) بِأَنْ قَالَ الْجَانِي: سَقَطَ مَيِّتًا، فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَقَالَ الْوَارِثُ: بَلْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ (فَقَوْلُ جَانٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا زَادَ عَنْ الْغُرَّةِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا.
. وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَأَنْكَرَ الضَّرْبَ، فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالضَّرْبِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ أَسْقَطَتْ؛ فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ لَا عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَإِنْ ثَبَتَ
الْإِسْقَاطُ وَالضَّرْبُ وَادَّعَى إسْقَاطَهَا مِنْ غَيْرِ الضَّرْبِ، فَإِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْ عَقِبَ الضَّرْبِ؛ فَقَوْلُهَا بِيَمِينِهَا إحَالَةً لِلْحُكْمِ عَلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَتْ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ، وَكَانَتْ مُتَأَلِّمَةً إلَى الْإِسْقَاطِ، فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (كَ) (اخْتِلَافِهِمَا) ؛ أَيْ: الْجَانِي وَالْأُمِّ (فِي الْحَيِّ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) أَسْقَطَتْهُمَا مِنْ الْجِنَايَةِ فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا فَقَالَ الْجَانِي: هُوَ الْأُنْثَى، وَقَالَتْ الْأُمُّ: هُوَ الذَّكَرُ، فَقَوْلُ الْجَانِي بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْأُنْثَى، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُبَيِّنُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ وَجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لِثُبُوتِ اسْتِهْلَالِهِ، وَالْبَيِّنَةُ الْمُعَارِضَةُ لَهَا نَافِيَةٌ، وَلَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْأُنْثَى؛ لِعَدَمِ ادِّعَاءِ وَارِثِهَا إيَّاهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَاعْتَرَفَ الْجَانِي بِاسْتِهْلَالِ الذَّكَرِ، فَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ اسْتِهْلَالَهُ؛ فَقَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُمْ، فَإِذَا حَلَفُوا كَانَ عَلَيْهِمْ دِيَةُ الْأُنْثَى؛ لِاعْتِرَافِهِمْ بِاسْتِهْلَالِهَا، وَعَلَى الْجَانِي تَمَامُ دِيَةِ الذَّكَرِ وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِاعْتِرَافِهِ.
وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَهَلَّ وَلَمْ يُعْرَفْ؛ لَزِمَ الْعَاقِلَةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَيَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ مِنْهُمَا بِكُلِّ حَالٍ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْأُمُّ فِي جَنِينٍ ثَبَتَ أَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، فَقَالَتْ الْأُمُّ: وَلَدْتُهُ (لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ) وَأَنْكَرَهَا الْجَانِي؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ أُمِّهِ) ؛ أَيْ: الْجَنِينِ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ كَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَوُجُودِ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا، وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِاسْتِهْلَالِهِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِخِلَافِهَا؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ.
وَإِنْ قَالَتْ: مَاتَ الْجَنِينُ عَقِبَ الْإِسْقَاطِ، وَقَالَ الْجَانِي: عَاشَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْجِنَايَةِ؛ فَقَوْلُهَا بِيَمِينِهَا اعْتِبَارًا بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ (وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَتَيْنِ بِحَيَاتِهِ وَعَدَمِهِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَاشَ مُدَّةً فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ:
بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَأَنْكَرَ فَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّأَلُّمِ، وَمَعَ التَّعَارُضِ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ (وَيُقْبَلُ فِي حَيَاةِ الْجَنِينِ وَ) فِي (سُقُوطِهِ وَ) فِي بَقَائِهِ مُتَأَلِّمًا أَوْ (بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً قَوْلُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا.
(وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ وَ) كَانَتْ (فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَزِمَهُ الْقَوَدُ) إذَا كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ الْقَاتِلُ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً مَعَ الْعَفْوِ، وَفِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ؛ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْجَانِي عَلَى مَيِّتٍ يُعَزَّرُ فَقَطْ، وَالْغُرَّةُ عَلَى الْأَوَّلِ (وَإِلَّا) يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ (فَ) الْقَاتِلُ هُوَ (الْأَوَّلُ) وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً (وَيُؤَدَّبُ الثَّانِي) كَالْجَانِي عَلَى مَيِّتٍ، وَإِنْ بَقِيَ الْجَنِينُ بَعْدَ الْوَضْعِ حَيًّا، وَبَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ.
(وَإِنْ أَلْقَتْ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهَا جَنِينًا (مَيِّتًا) وَجَنِينًا (حَيًّا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) عَلَى مَا (تَقَدَّمَ) وَفِي (جَنِينِ دَابَّةٍ مَا نَقَصَ أُمَّهُ) نَصًّا كَقَطْعِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا.
قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ ": وَقِيَاسُهُ جَنِينُ الْعَبْدِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ.
[جِنَايَةُ الْعَبْدِ الْقِنِّ]
فَصْلٌ
(وَإِنْ) (جَنَى قِنٌّ) عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ؛ وَتَقَدَّمَ فِي الْكِتَابَةِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْحُرِّ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَكَذَا فِي الْجِنَايَاتِ (خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهِ) كَجَائِفَةٍ (أَوْ) عَمْدًا (فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ الْمَالُ) ؛ أَيْ: اخْتَارَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ (أَوْ أَتْلَفَ مَالًا) تَعَدِّيًا لَمْ تُلْغَ جِنَايَتُهُ وَلَا إتْلَافُهُ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ آدَمِيٍّ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا كَجِنَايَةِ الْحُرِّ، وَكَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَأَوْلَى.
وَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِذِمَّةِ الرَّقِيقِ،
لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إلْغَائِهَا أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ؛ فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَةِ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ كَالْقِصَاصِ (خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ بَيْعِهِ فِي الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ فِدَائِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ) الْجِنَايَةُ (بِأَمْرِهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ (أَوْ إذْنِهِ، وَيَتَّجِهُ وَالْقِنُّ أَعْجَمِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ) كَانَ الْقِنُّ (لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ) كَمَنْ نَشَأَ فِي الْبَادِيَةِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ (كَمَا قَالُوهُ فِي بَابِ الرَّهْنِ) مِنْ أَنَّهُ إذَا جَنَى الْقِنُّ، وَكَانَ حَالَ الْجِنَايَةِ صَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ، وَيَعْتَقِدُ وُجُوبَ امْتِثَالِ أَمْرِ سَيِّدِهِ؛ فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ فَيَلْزَمُهُ الْأَرْشُ كُلُّهُ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ (فَدَاهُ السَّيِّدُ بِأَرْشِهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةِ (كُلِّهِ) نَصًّا، لِوُجُوبِ ضَمَانِهِ عَلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِهِ، كَاسْتِدَانَةٍ بِإِذْنِهِ (وَإِلَّا) تَكُنْ الْجِنَايَةُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ أَوْ إذْنِهِ (وَلَوْ أَعْتَقَهُ) ، أَيْ: الرَّقِيقَ الْجَانِي سَيِّدُهُ (وَلَوْ) كَانَ إعْتَاقُهُ (بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ) فَيَفْدِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ (بِالْأَقَلِّ مِنْ الْأَرْشِ) ؛ أَيْ: أَرْشِ الْجِنَايَةِ (أَوْ) مِنْ (قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْأَرْشَ فَلَا طَلَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ الْقِنَّ فَهُوَ بَدَلُ الْمَحَلِّ الَّذِي تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِهِ.
(وَإِنْ سَلَّمَهُ) ؛ أَيْ الرَّقِيقَ الْجَانِي سَيِّدُهُ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ (فَأَبَى وَلِيُّ) الْجِنَايَةِ (قَبُولَهُ، وَقَالَ) لِسَيِّدِهِ (بِعْهُ أَنْتِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحَقُّ (وَيَبِيعُهُ حَاكِمٌ) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لِيَصِلَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ حَقُّهُ.
وَإِنْ فَضَلَ عَنْ ثَمَنِ الْقِنِّ شَيْءٌ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ هُوَ الْوَاجِبُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ (وَلِسَيِّدِهِ) ؛ أَيْ:
سَيِّدِ الْجَانِي (التَّصَرُّفُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الرَّقِيقِ الْجَانِي بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا يَزُولُ بِذَلِكَ تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ عَنْ رَقَبَتِهِ (كَ) تَصَرُّفِ (وَارِثٍ فِي تَرِكَةِ) مُوَرِّثِهِ الْمَدِينِ، وَحَيْثُ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ بِالْقِنِّ الْجَانِي، فَإِنْ وَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ فَقَدْ مَضَى التَّصَرُّفُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ (لَمْ تُوَفَّ الْجِنَايَةُ رُدَّ التَّصَرُّفُ) بِالْقِنِّ وُجُوبًا؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَقَبَتِهِ، وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيَلْزَمُ إذَا أَعْتَقَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ضَمَانٍ إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ قَبْلَ عِتْقِهِ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي أَوْ هَرَبَ قَبْلَ مُطَالَبَةِ سَيِّدِهِ تَسْلِيمَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِقِيمَتِهِ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ بَدَلُهُ، فَتَحَوَّلَ التَّعَلُّقُ إلَيْهَا كَقِيمَةِ الرَّهْنِ لَوْ أُتْلِفَ.
(وَإِنْ جَنَى) قِنٌّ (عَمْدًا، فَعَفَا وَلِيُّ قَوَدٍ عَلَى رَقَبَتِهِ) ؛ أَيْ: (لَمْ يَمْلِكْهُ) بِغَيْرِ رِضَى سَيِّدِهِ (لِأَنَّهُ إذَا يَمْلِكُهُ بِالْجِنَايَةِ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَهُ بِالْعَفْوِ أَوْلَى) ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْمَالِ، فَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ.
(وَإِنْ جَنَى) الْقِنُّ (عَلَى عَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (خَطَأً) أَوْ عَمْدًا لَا يُوجِبُ قَوَدًا، أَوْ عَمْدًا يُوجِبُهُ وَعَفْوًا إلَى الْمَالِ سَوَاءٌ جَنَى عَلَيْهِمْ (مَعًا) ؛ أَيْ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (أَوْ لَا) كَأَنْ جَنَى عَلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتٍ وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ مَالًا لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (زَاحَمَ كُلٌّ) مِنْ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ (بِحِصَّتِهِ) ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً (فَلَوْ عَفَا الْبَعْضُ) عَنْ حَقِّهِ (أَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَاحِدًا فَمَاتَ؛ وَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ؛ تَعَلَّقَ حَقُّ الْبَاقِي) الَّذِي لَمْ يَعْفُ (بِجَمِيعِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ، وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ جَنَى عَلَى آخَرَ، فَيَسْتَقِرُّ لِلْأَوَّلِ مَا أَخَذَهُ، وَلَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ الثَّانِي، بَلْ يَطْلُبُ لِسَيِّدِهِ بِفِدَائِهِ (وَشِرَاءُ وَلِيٍّ قَوَدٌ لَهُ) ؛ أَيْ: الْجَانِي جِنَايَةً تُوجِبُ الْقَوَدَ (عَفْوٌ عَنْهُ) ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا؛ (وَلَوْ) كَانَ (بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ كَ) مَا لَوْ أَخَذَهُ (بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَيَتَّجِهُ) وَكَشِرَاءٍ فِي الْحُكْمِ لَوْ (مَلَكَهُ) وَلِيُّ قَوَدٍ (بِنَحْوِ هِبَةٍ) كَعِوَضٍ فِي إجَارَةٍ أَوْ جَعَالَةٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ خُلْعٍ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ، دَلِيلٌ عَلَى عَفْوِهِ عَنْهُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ إلَى هُنَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَارِثٌ) فَفِيهِ مَا فِيهِ؛ إذْ لَوْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِإِرْثٍ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الرَّهْنِ؛ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ، فَافْتَرَقَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَإِنْ) (جَرَحَ قِنٌّ حُرًّا وَيَتَّجِهُ جُرْحًا يُوجِبُ الْمَالَ عَيْنًا) بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَعَفَا) عَنْ جِرَاحَتِهِ (ثُمَّ مَاتَ) الْعَافِي (مِنْ جِرَاحَتِهِ وَلَا مَالَ لَهُ) أَيْ الْعَافِي، وَلَمْ تُجِزْهُ الْوَرَثَةُ (وَاخْتَارَ سَيِّدُهُ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (فِدَاءً) بِقِيمَتِهِ (وَكَانَتْ) الْجِرَاحَةُ (بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ) الْعَفْوُ (فِي الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ مَا مَاتَ الْعَافِي عَنْهُ (وَفَدَاهُ سَيِّدُهُ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ جَمِيعُ مَالِهِ، فَنَفَذَ عَفْوُهُ فِي ثُلُثِهِ كَمُحَابَاةٍ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) أَوْ أَمْرِهِ (فَالدِّيَةُ) تَلْزَمُهُ كَامِلَةً كَمَا لَوْ لَمْ يَعْفُ الْمَجْرُوحُ، وَحَيْثُ عَفَا (فَتُرَدُّ نِصْفُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ (عَلَى قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (فَيَفْدِيهِ) سَيِّدُهُ (بِنِسْبَةِ الْقِيمَةِ مِنْ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ) يَعْنِي أَنَّ الطَّرِيقَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ تَزِيدَ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى نِصْفِ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَتُنْسَبَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِمَّا بَلَغَ، فَمَا كَانَ فَهُوَ الَّذِي يَفْدِيهِ بِهِ سَيِّدُهُ، فَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ذَكَرًا حُرًّا، كَانَتْ دِيَتُهُ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ
مَثَلًا مِائَةً وَزِدْتَ نِصْفَ الدِّيَةِ عَلَيْهَا؛ صَارَ الْمَجْمُوعُ سِتَّمِائَةِ مِثْقَالٍ، وَنِسْبَةُ الْقِيمَةِ إلَى ذَلِكَ سُدُسٌ؛ فَيَفْدِيهِ بِسُدُسِ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَفِي مِثَالِنَا مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (وَيَأْخُذُ) ؛ أَيْ: يَأْخُذُ وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (مِنْ الدِّيَةِ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ) وَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي الْمِثَالِ امْرَأَةً حُرَّةً وَزَادَتْ نِصْفُ دِيَتِهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ صَارَ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِثْقَالًا، وَنِسْبَةُ الْقِيمَةِ إلَى ذَلِكَ سُبْعَانِ؛ فَيَفْدِيهِ السَّيِّدُ بِسُبْعَيْ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا.
(وَيَضْمَنُ مُعْتَقٌ) بِفَتْحِ التَّاءِ (مَا تَلِفَ بِجُبٍّ حَفَرَهُ) حَالَ كَوْنِهِ (قِنًّا) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ التَّلَفِ.
(وَيَتَّجِهُ) تَضْمِينُهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ حَفَرَهُ (بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) أَمَّا لَوْ كَانَ فَعَلَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (ا) .
[بَابُ دِيَةِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا]
(دِيَةُ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا) التَّالِفَةُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، وَالْمَنَافِعُ جَمْعُ مَنْفَعَةٍ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ نَفَعَنِي كَذَا نَفْعًا، ضِدُّ الضَّرَرِ.
(مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ) شَيْءٌ (وَاحِدٌ؛ فَفِيهِ دِيَةُ نَفْسِهِ) ؛ أَيْ: نَفْسِ الْمُتْلَفِ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
وَذَلِكَ (كَأَنْفٍ وَلَوْ مَعَ عِوَجِهِ) صَرَّحَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ " إذَا قُطِعَ مَعَ مَارِنِهِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَكَرٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ فَفِيهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَفِيهِ دِيَتُهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَفِيهِ دِيَتُهُ (وَكَذَكَرِ غَيْرِ عِنِّينٍ وَلَوْ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ.
(وَكَلِسَانٍ يَنْطِقُ بِهِ كَبِيرٌ أَوْ يُحَرِّكُهُ بِبُكَاءٍ صَغِيرٌ) فَفِيهِ دِيَةُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِ إذْهَابَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ وَإِتْلَافُهَا كَإِذْهَابٍ بِالنَّفْسِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
(وَ) مَنْ أَتْلَفَ (مَا فِيهِ) ؛ أَيْ: الْإِنْسَانِ مِنْهُ (شَيْئَانِ؛ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (كَعَيْنَيْنِ وَلَوْ مَعَ حَوَلٍ أَوْ عَمَشٍ) وَسَوَاءٌ الصَّغِيرَتَانِ وَالْكَبِيرَتَانِ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (وَ) مَعَ (بَيَاضٍ) بِالْعَيْنَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا (بِنَقْصِ الْبَصَرِ تَنْقُصُ الدِّيَةُ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: نَقْصِ الْبَصَرِ (وَكَأُذُنَيْنِ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ (وَشَفَتَيْنِ) إذَا اسْتَوْعَبَتَا، وَفِي الْبَعْضِ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِمَا تُقَدَّرُ بِالْأَجْزَاءِ (وَكَلَحْيَيْنِ) وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا الْأَسْنَانُ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا (وَكَثُنْدُوَتَيْ رَجُلٍ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ ضَمَمْت الْأَوَّلَ هُمِزَتْ، وَإِنْ فَتَحْته لَمْ تَهْمِزْ، فَالْوَاحِدَةُ مَعَ الْهَمْزَةِ فَعْلَلَةٌ، وَمَعَ الْفَتْحِ فَعُلْوَةٌ (وَكَأُنْثَيَيْهِ) ؛ أَيْ: الرَّجُلِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهُمَا (وَكَثَدْيِ أُنْثَى وَإِسْكَتَيْهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (وَهُمَا شَفَرَاهَا) ؛ أَيْ: حَافَّتَا فَرْجِهَا؛ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَأَشَلَّهُمَا؛ فَالدِّيَةُ كَمَا لَوْ أَشَلَّ الشَّفَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ الرَّتْقَاءُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ: فِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَدُورُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَحْفَظُ الرِّيقَ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ (وَكَيْدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ) ؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِمَا إذْهَابَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ (وَإِنْ قَطَعَ ثَدْيَهَا فَأَجَافَهَا) فَعَلَيْهِ (دِيَةٌ وَثُلُثٌ) هَكَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ؛ إذْ فِي قَطْعِ الثَّدْيِ الْوَاحِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ إجْمَاعًا، وَفِي الثَّدْيَيْنِ جَمِيعًا الدِّيَةُ كَامِلَةٌ، وَفِي حَلَمَتَيْهِمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ كَحَشَفَةِ الذَّكَرِ،
وَإِنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ بِحَلَمَتَيْهِمَا فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَقَطْعِ الذَّكَرِ بِحَشَفَةٍ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، وَإِنْ حَصَلَ مَكَانَ قَطْعِ الثَّدْيَيْنِ جَائِفَتَانِ فَدِيَةٌ لِلثَّدْيَيْنِ وَثُلُثَا دِيَةٍ لِلْجَائِفَتَيْنِ (وَإِنْ ذَهَبَ) بِالْجِنَايَةِ (لَبَنُهُ) ؛ أَيْ: لَبَنُ الثَّدْيِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (بِلَا شَلَلٍ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ، وَلَمْ تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ نَفْعُ الثَّدْيِ بِالْكُلِّيَّةِ.
[تَتِمَّةٌ جَنَى عَلَى ثَدْيَيْ صَغِيرَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ فَلَمْ يَنْزِلْ لَهَا لَبَنٌ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَى ثَدْيَيْ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ فَلَمْ يَنْزِلْ لَهَا لَبَنٌ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: قَطَعَتْهُ الْجِنَايَةُ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ إذَا لَمْ يَشُلَّهُمَا، وَإِنْ قَالُوا: قَدْ انْقَطَعَ مِنْ غَيْرِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَضْمَنْ مَا ذَهَبَ مِنْ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَ لَبَنُهُمَا بِالْجِنَايَةِ فَحُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَا نَاهِدَيْنِ فَكَسَرَهُمَا أَوْ صَارَ بِهِمَا مَرَضٌ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِذَلِكَ النَّقْصِ.
(وَقَدَمُ أَعْرَجَ) كَصَحِيحٍ (وَيَدُ أَعْسَمَ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ أَعْرَجُ الرُّسْغِ) بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا -؛ أَيْ: مَوْصِلِ الذِّرَاعِ - كَصَحِيحٍ (وَ) يَدُ (مُرْتَعِشٍ كَصَحِيحٍ) لِلتَّسَاوِي فِي الْبَطْشِ.
(وَمَنْ لَهُ كَفَّانِ عَلَى ذِرَاعٍ) وَاحِدٍ، (أَوْ) لَهُ (يَدَانِ وَذِرَاعَانِ مِنْ عَضُدٍ) وَاحِدٍ، وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَةٌ دُونَ الْأُخْرَى أَوْ إحْدَاهُمَا مُقَابِلَةُ الذِّرَاعِ وَالْأُخْرَى مُنْحَرِفَةٌ عَنْهُ، أَوْ إحْدَاهُمَا تَامَّةُ الْخَلْقِ وَالْأُخْرَى نَاقِصَةٌ، فَالْأُولَى هِيَ الْأَصْلِيَّةُ وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ؛ فَفِي الْأَصْلِيَّةِ دِيَتُهَا إنْ قُطِعَتْ، وَالْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا عَمْدًا، وَفِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ (وَتَسَاوَتَا) فِي غَيْرِ بَطْشٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا بَطْشَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمَا؛ فَفِيهِمَا حُكُومَةٌ فَهُمَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَإِنْ تَسَاوَتَا (وَلَهُمَا بَطْشٌ أَيْضًا فَفِيهِمَا دِيَةُ يَدٍ وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ (وَلِلزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ) سَوَاءٌ قُطِعَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ (وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ دِيَةٍ وَحُكُومَةٌ، وَفِي أُصْبُعِ إحْدَاهُمَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ مِنْ الْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهُمَا كَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَالتَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَمَشَى فِي " الْإِقْنَاعِ " عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ أَنَّ فِي قَطْعِ أُصْبُعِ إحْدَاهُمَا نِصْفَ أَرْشِ أُصْبُعٍ وَحُكُومَةً، مَا قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " هُوَ قِيَاسُ مَا قَبْلَهُ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ (وَلَا يُقَادَانِ) ؛ أَيْ: الْيَدَانِ الْبَاطِشَتَانِ عَلَى ذِرَاعٍ أَوْ عَضُدٍ وَاحِدٍ بِيَدٍ لِئَلَّا تُؤْخَذَ يَدَانِ بِوَاحِدَةٍ (وَلَا يُقَادُ إحْدَاهُمَا بِيَدٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَقْطُوعَةُ هِيَ الزَّائِدَةَ؛ فَلَا تُقَادُ بِهَا الْأَصْلِيَّةُ (وَكَذَا حُكْمُ رِجْلٍ) فِيمَا ذُكِرَ أَيْ: إذَا كَانَ لَهُ قَدَمَانِ عَلَى سَاقٍ، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَطْوَلَ مِنْ الْأُخْرَى، فَقَطَعَ الطَّوِيلَةَ، وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَةِ؛ فَهِيَ الْأَصْلِيَّةُ، وَإِلَّا فَهِيَ زَائِدَةٌ.
قَالَهُ فِي " الْكَافِي "
[تَنْبِيهٌ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ]
: وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ، وَتَنْدَرِجُ فِيهَا دِيَةُ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ يَدٌ
وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ مِنْ الْكَفِّ فِي دِيَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً كُلَّهَا لَدَخَلَ أَرْشُ الْكَفِّ كُلِّهِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ؛ فَكَذَلِكَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ السَّالِمَةَ يَدْخُلُ فِي دِيَتِهَا، وَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ بَاقِي الْكَفِّ الْمُحَاذِي لِلْمَقْطُوعَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهُ مَا يَدْخُلُ فِي دِيَتِهِ؛ فَوَجَبَ أَرْشُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَقْطُوعَةً
(وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ وَهُمَا مَا عَلَى الظَّهْرِ وَاسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ) الْقَطْعُ (إلَى الْعَظْمِ الدِّيَةُ) كَامِلَةٌ كَالْيَدَيْنِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، وَفِي ذَهَابِ بَعْضِهَا بِقَدْرِهِ مِنْ الدِّيَةِ بِنِسْبَةِ الْأَجْزَاءِ كَسَائِرِ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ جَهِلَ مِقْدَارَ نِسْبَةِ الذَّاهِبِ مِنْهُمَا فَحُكُومَةٌ.
(وَفِي الْمَنْخَرَيْنِ ثُلُثَاهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ وَالْمَنْخَرُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - كَمَسْجِدٍ وَقَدْ تُكْسَرُ إتْبَاعًا لِلْخَاءِ (وَفِي حَاجِزٍ ثُلُثُهَا) ؛ لِاشْتِمَالِ الْمَارِنِ عَلَى ثَلَاثَةِ
أَشْيَاءَ مَنْخَرَيْنِ وَحَاجِزٍ، فَوَجَبَ تَوْزِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَدَدِهَا كَالْأَصَابِعِ، وَإِنْ قَطَعَ أَحَدٌ الْمَنْخَرَيْنِ وَنِصْفَ الْحَاجِزِ، فَفِي ذَلِكَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ شَقَّ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
(وَفِي الْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ) كَامِلَةً (وَفِي إحْدَاهَا) ؛ أَيْ: الْأَجْفَانِ (رُبُعُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ فِيهَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ وَنَفْعٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهَا تُكِنُّ الْعَيْنَ وَتَحْفَظُهَا مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَوْلَاهَا لَقَبُحَ مَنْظَرُ الْعَيْنِ، وَأَجْفَانُ عَيْنِ الْأَعْمَى كَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْبَصَرِ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأَجْفَانِ.
(وَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ) أَصَابِعِ (الرِّجْلَيْنِ دِيَةٌ) كَامِلَةٌ (وَفِي الْأُصْبُعِ) الْوَاحِدَةِ (عُشْرُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ؛ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ.
(وَفِي الْأُنْمُلَةِ وَلَوْ مَعَ ظُفُرٍ) إنْ كَانَتْ (مِنْ إبْهَامِ) يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (نِصْفُ عُشْرِ) الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِبْهَامِ مَفْصِلَيْنِ، فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عُقَدِ الْإِبْهَامِ، وَفِي الْأُنْمُلَةِ (مِنْ غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْإِبْهَامِ (ثُلُثُهُ) ؛ أَيْ: ثُلُثُ عُشْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَفَاصِلَ، فَتُوَزَّعُ دِيَتُهُ عَلَيْهَا.
(وَفِي ظُفْرٍ وَلَمْ يَعُدْ أَوْ عَادَ أَسْوَدَ خُمْسُ دِيَةِ أُصْبُعٍ) نَصًّا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَفِي سِنٍّ أَوْ نَابٍ أَوْ ضِرْسٍ قَلَعَهُ بِسُخْنِهِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ أَصْلِهِ - أَوْ قَلَعَ (الظَّاهِرَ مِنْهُ فَقَطْ، وَلَوْ) كَانَ السِّنُّ (مِنْ صَغِيرٍ وَلَمْ يَعُدْ أَوْ عَادَ أَسْوَدَ، وَاسْتَمَرَّ) أَسْوَدَ (أَوْ) عَادَ (أَبْيَضَ ثُمَّ اسْوَدَّ بِلَا عِلَّةٍ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «فِي الْأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ عَامٌّ
فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّابُ وَالضِّرْسُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَفِي جَمِيعِهَا) ؛ أَيْ: الْأَسْنَانِ (مِائَةٌ وَسِتُّونَ؛ لِأَنَّهَا) اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ (أَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ، وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَعِشْرُونَ ضِرْسًا) فِي كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنْ فَوْقُ وَخَمْسَةٌ مِنْ تَحْتُ (وَفِي سَنِخٍ وَحْدَهُ) ؛ أَيْ: بِلَا سِنٍّ حُكُومَةٌ، وَفِي سِنٍّ أَوْ ظُفْرٍ عَادَ قَصِيرًا، أَوْ عَادَ مُتَغَيِّرًا أَوْ ابْيَضَّ ثُمَّ اسْوَدَّ لِعِلَّةٍ (حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ كُلِّ مَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ وَيَأْتِي.
(وَتَجِبُ دِيَةُ يَدٍ وَدِيَةُ رِجْلٍ بِقَطْعِ يَدٍ مِنْ كُوعٍ وَ) قَطْعِ رِجْلٍ (مِنْ كَعْبٍ) ؛ لِفَوَاتِ نَفْعِهِمَا الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا بِالْقَطْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ اُكْتُفِيَ بِقَطْعِهِمَا مِمَّنْ سَرَقَ مَرَّتَيْنِ (وَلَا شَيْءَ فِي زَائِدٍ لَوْ قُطِعَا) ؛ أَيْ: الْيَدُ وَالرِّجْلُ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا عُضْوَانِ (مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ) كَأَنْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ الْمَنْكِبِ أَوْ الرِّجْلُ مِنْ السَّاقِ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ مِنْ الْمَنْكِبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] وَالرِّجْلُ إلَى السَّاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَتْ الصَّحَابَةُ إلَى الْمَنَاكِبِ.
وَأَمَّا قَطْعُهُمَا فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْكُوعِ أَوْ الْكَعْبِ فَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا بِقَطْعِهَا مِنْهُ كَقَطْعِ أَصَابِعِهَا.
(وَفِي مَارِنِ أَنْفٍ وَحَشَفَةِ ذَكَرٍ وَحَلَمَةِ ثَدْيٍ دِيَتُهُ) كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ، وَحَشَفَةُ الذَّكَرِ وَحَلَمَةُ الثَّدْيِ بِمَنْزِلَةِ الْأَصَابِعِ مِنْ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الذَّكَرِ تَكْمُلُ بِالْحَشَفَةِ كَمَا تَكْمُلُ مَنْفَعَةُ الْيَدِ بِالْأَصَابِعِ.
(وَفِي تَسْوِيدِ سِنٍّ وَ) تَسْوِيدِ (ظُفْرٍ وَ) تَسْوِيدِ (أَنْفٍ وَ) تَسْوِيدِ (أُذُنٍ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ) التَّسْوِيدُ، دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ كَامِلَةً، لِإِذْهَابِهِ جَمَالَهُ.
وَفِي شَلَلٍ (غَيْرِ أَنْفٍ وَ) غَيْرِ (أُذُنٍ كَ) شَلَلِ (يَدٍ وَ) شَلَلِ (مَثَانَةٍ) مُجْتَمَعُ الْبَوْلِ (أَوْ إذْهَابِ نَفْعِ عُضْوٍ، دِيَتُهُ) ؛ أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوِ (كَامِلَةً) ؛ لِصَيْرُورَتِهِ كَالْمَعْدُومِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ.
(وَفِي شَفَتَيْنِ صَارَتَا لَا تَنْطَبِقَانِ عَلَى أَسْنَانٍ، أَوْ اسْتَرْخَتَا فَلَمْ تَنْفَصِلَا عَنْهَا) ؛ أَيْ: الْأَسْنَانِ (دِيَتُهُمَا) ؛ لِتَعْطِيلِهِ نَفْعَهُمَا وَجَمَالَهُمَا كَمَا لَوْ شَلَّهُمَا أَوْ قَطَعَهُمَا، وَإِنْ تَقَلَّصَتَا بَعْضَ التَّقَلُّصِ فَحُكُومَةٌ؛ لِذَلِكَ النَّقْصِ، وَحَدُّ الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنْ أَسْفَلِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنْ جِلْدَةِ الذَّاقِنِ، وَحَدُّ الشَّفَةِ الْعُلْيَا مِنْ فَوْقِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ إلَى اتِّصَالِهِ بِالْمَنْخَرَيْنِ وَالْحَاجِزِ.
وَحَدُّ مَا تَجَافَى الشَّفَتَيْنِ طُولًا طُولُ الْفَمِ إلَى حَاشِيَةِ الشِّدْقَيْنِ.
(وَفِي قَطْعِ أَشَلَّ) مِنْ أُذُنٍ وَأَنْفٍ (وَمَخْرُومٍ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ) إذَا قُطِعَ وَتَرُهُ (دِيَتُهُ كَامِلَةٌ) ؛ لِبَقَاءِ جَمَالِهِمَا؛ وَلِأَنَّ الْأَنْفَ الْمَخْرُومَ أَنْفٌ كَامِلٌ لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ.
(وَفِي أُذُنِ أَصَمَّ وَأَنْفِ أَخْشَمَ) لَا يَجِدُ رَائِحَةَ شَيْءٍ (دِيَتُهُ) ؛ أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوِ (كَامِلَةٌ) ؛ لِأَنَّ الصَّمَمَ وَعَدَمَ الشَّمِّ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ، وَجَمَالُهُمَا بَاقٍ.
(وَفِي قَطْعِ نِصْفِ ذَكَرٍ بِالطُّولِ نِصْفُ دِيَتِهِ) ؛ أَيْ: الذَّكَرِ؛ لِإِذْهَابِ نِصْفِهِ كَسَائِرِ مَا فِيهِ مُقَدَّرٌ، نَقَلَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَقِيلَ تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، اخْتَارَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ، فَإِنْ ذَهَبَ نِكَاحُهُ بِذَلِكَ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْهُ مِمَّا دُونَ الْحَشَفَةِ فَكَانَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَجَبَ بِقَدْرِ الْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَجَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ حِصَّةِ الْقِطْعَةِ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْحُكُومَةِ، وَإِنْ ثَقَبَ ذَكَرَهُ فِيمَا دُونَ الْحَشَفَةِ فَصَارَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّقْبِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
(وَفِي عَيْنٍ قَائِمَةٍ بِمَكَانِهَا صَحِيحَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ ذَهَبَ نَظَرُهَا) حُكُومَةٌ
(وَفِي عُضْوٍ ذَهَبَ نَفْعُهُ وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ كَأَشَلَّ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ وَثَدْيٍ وَذَكَرٍ وَلِسَانِ أَخْرَسَ لَا ذَوْقَ لَهُ وَلِسَانِ طِفْلٍ بَلَغَ أَنْ يُحَرِّكَهُ بِبُكَاءٍ، لَمْ يُحَرِّكْهُ) حُكُومَةٌ.
(وَفِي ذَكَرِ خَصِيٍّ وَعِنِّينٍ وَسِنٍّ أَسْوَدَ أَوْ ثَدْيٍ بِلَا حَلَمَةٍ وَذَكَرٍ بِلَا حَشَفَةٍ وَقَصَبَةِ أَنْفٍ وَشَحْمَةِ أُذُنٍ) حُكُومَةٌ.
(وَفِي زَائِدٍ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ وَسِنٍّ وَشَلَلِ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَتَعْوِيجِهِمَا) ، أَيْ: الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ (حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ.
(وَفِي ذَكَرٍ وَالْأُنْثَيَيْنِ قُطِعُوا مَعًا) ؛ أَيْ: دَفْعَةً وَاحِدَةً دِيَتَانِ، وَفِي عَوْدِ الْوَاوِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ تَسَاهُلٌ، وَلَعَلَّهُ كَوْنُهُمَا بَعْضُ مَنْ يَعْقِلُ (أَوْ) قُطِعَ (هُوَ) ؛ أَيْ: الذَّكَرُ (ثُمَّ هُمَا) ؛ أَيْ: الْأُنْثَيَانِ (دِيَتَانِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لَوْ انْفَرَدَ لَوَجَبَ فِي قَطْعِهِ، فَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَا (وَإِنْ قُطِعَتَا) ؛ أَيْ: الْخُصْيَتَانِ (ثُمَّ قُطِعَ الذَّكَرُ فَفِيهِمَا) ؛ أَيْ: الْأُنْثَيَيْنِ (دِيَةٌ) كَامِلَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يُقْطَعْ الذَّكَرُ (وَفِيهِ) ؛ أَيْ: الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ بَعْدَهُمَا (حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ.
(وَمَنْ قَطَعَ أَنْفًا، أَوْ) قَطَعَ (أُذُنَيْنِ فَذَهَبَ الشَّمُّ) بِقَطْعِ الْأَنْفِ (أَوْ) ذَهَبَ (السَّمْعُ) بِقَطْعِ الْأُذُنَيْنِ؛ (فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ) ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ مِنْ غَيْرِ الْأَنْفِ، وَالسَّمْعَ مِنْ غَيْرِ الْأُذُنَيْنِ؛ فَلَا تَدْخُلُ دِيَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، كَالْبَصَرِ مَعَ الْأَجْفَانِ، وَالنُّطْقِ مَعَ الشَّفَتَيْنِ فَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ نَقَصَ فَقَطْ فَحُكُومَةٌ (وَتَنْدَرِجُ دِيَةُ نَفْعِ بَاقِي الْأَعْضَاءِ فِي دِيَتِهَا) فَتَنْدَرِجُ دِيَةُ الْبَصَرِ فِي الْعَيْنَيْنِ إذَا قَلَعَهُمَا؛ لِتَبَعِيَّتِهِ لَهُمَا.
(فَلَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَكَلَامُهُ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ.
وَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ أَوْ سَلَّهُمَا كَمُلَتْ دِيَتُهُمَا، كَمَا لَوْ قَطَعَهُمَا، وَإِنْ قَطَعَهُمَا فَذَهَبَ نَسْلُهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَحَدَهُمَا فَذَهَبَ النَّسْلُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ مَنْفَعَةِ الْعِوَضِ تَنْدَرِجُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ غَيْرَ السَّمْعِ وَالشَّمِّ.
[فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ]
فَصْلٌ
(فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ) مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَشَمٍّ وَمَشْيٍ وَنِكَاحٍ وَغَيْرِهَا (تَجِبُ) الدِّيَةُ (كَامِلَةً فِي كُلِّ حَاسَّةٍ) ؛ أَيْ: الْقُوَّةِ الْحَاسَّةِ.
يُقَالُ حَسَّ وَأَحَسَّ؛ أَيْ: عَلِمَ وَأَيْقَنَ، وَالْأَلِفُ أَفْصَحُ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَوَاسُّ: الْمَشَاعِرُ الْخَمْسُ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ فَقَوْلُهُ: (مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَشَمٍّ وَذَوْقٍ) بَيَانٌ لِحَاسَّةٍ؛ لِحَدِيثِ «وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ» .
وَلِأَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَنِكَاحُهُ " وَعَقْلُهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَخْتَصُّ بِنَفْعٍ أَشْبَهَ السَّمْعَ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةً (فِي) إذْهَابِ (كَلَامِهِ) كَأَنْ جَنَى عَلَيْهِ فَخَرِسَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِإِتْلَافِهِ تَعَلَّقَتْ بِإِتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ كَالْيَدِ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي عَقْلٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْإِجْمَاعِ، لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا وَأَعْظَمُهَا نَفْعًا؛ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الْإِنْسَانُ عَنْ الْبَهَائِمِ، وَبِهِ يَهْتَدِي لِلْمَصَالِحِ، وَيَدْخُلُ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ شَرْطٌ لِلْوِلَايَاتِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ.
. (وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي (حَدَبٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ فِي مَصْدَرِ حَدِبَ بِكَسْرِ الدَّالِ إذَا صَارَ أَحْدَبَ؛ لِذَهَابِ الْجَمَالِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْتِصَابَ الْقَامَةِ مِنْ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، وَبِهِ شَرَفُ الْآدَمِيِّ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةً فِي (صَعَرٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (بِأَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرُ وَجْهُهُ) ؛ أَيْ: الْمَضْرُوبِ (فِي جَانِبٍ) نَصًّا، وَأَصْلُ الصَّعَرِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ
فَيَلْتَوِي مِنْهُ عُنُقُهُ ". قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِك تَكَبُّرًا.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ (فِي تَسْوِيدِهِ) ؛ أَيْ: الْوَجْهِ بِأَنْ ضَرَبَهُ فَاسْوَدَّ (وَلَمْ يَزُلْ) سَوَادُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ فَضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ كَقَطْعِ أُذُنَيْ الْأَصَمِّ، وَإِنْ صَارَ الْوَجْهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ فَحُكُومَةٌ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ (فِي صَيْرُورَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (لَا يَسْتَمْسِكُ غَائِطًا أَوْ) لَا يَسْتَمْسِكُ (بَوْلًا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْفَعَتُهُ كَبِيرَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهَا، أَشْبَهَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَإِنْ فَاتَتْ؛ الْمَنْفَعَتَانِ وَلَوْ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَدِيَتَانِ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي (مَنْفَعَةِ مَشْيٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ أَشْبَهَ الْكَلَامَ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي مَنْفَعَةِ (نِكَاحٍ) كَأَنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ نِكَاحُهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، أَشْبَهَ الشَّمَّ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي ذَهَابِ مَنْفَعَةِ (أَكْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ؛ أَشْبَهَ الْمَشْيَ.
(وَ) تَجِبُ كَامِلَةٌ فِي ذَهَابِ مَنْفَعَةِ (صَوْتٍ وَ) مَنْفَعَةِ (بَطْشٍ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ مِنْهُمَا نَفْعًا مَقْصُودًا.
(وَ) تَجِبُ (فِي) إذْهَابِ (بَعْضٍ يُعْلَمُ) . قَدْرُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنَافِعِ (بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الذَّاهِبِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِي جَمِيعِ الشَّيْءِ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ (كَأَنْ) جَنَى عَلَيْهِ فَصَارَ (يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا آخَرَ أَوْ يَذْهَبُ ضَوْءُ عَيْنٍ) وَاحِدَةٍ (أَوْ) يَذْهَبُ (شَمُّ مَنْخَرٍ) وَاحِدٍ (أَوْ) يَذْهَبُ (سَمْعُ أُذُنٍ) وَاحِدَةٍ (أَوْ) يَذْهَبُ (أَحَدُ الْمَذَاقِ الْخَمْسِ، وَهِيَ الْحَلَاوَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالْعُذُوبَةُ وَالْمُلُوحَةُ وَالْحُمُوضَةُ) ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ حَاسَّةٌ تُشْبِهُ الشَّمَّ (وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْ الْمَذَاقِ (خُمْسُ الدِّيَةِ) وَفِي اثْنَيْنِ مِنْهُمَا خُمُسَاهَا وَهَكَذَا.
(وَيَجِبُ فِي إذْهَابِ بَعْضِ الْكَلَامِ بِحِسَابِهِ) مِنْ الدِّيَةِ (وَعَكْسِهِ) كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ لِسَانٍ نِصْفَهُ فَذَهَبَ رُبُعُ الْكَلَامِ (بِعَكْسِهِ) ، أَيْ: يَجِبُ
بِقَطْعِ نِصْفِ اللِّسَانِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَرُبُعُ الْكَلَامِ تَبَعٌ لَهُ؛ فَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ بِلَا نِزَاعٍ (وَعَلَى مَنْ قَطَعَ بَقِيَّتَهُ) ؛ أَيْ: بَقِيَّةَ اللِّسَانِ الذَّاهِبِ رُبُعُهُ مَعَ نِصْفِ الْكَلَامِ فَذَهَبَ بِقَطْعِهِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ (تَتِمَّتُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ وَهُوَ نِصْفُهَا (مَعَ حُكُومَةٍ لِرُبُعِ اللِّسَانِ) الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَشَلِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ " " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ ".
(وَلَوْ قَطَعَ) جَانٍ (نِصْفَهُ) ؛ أَيْ: اللِّسَانِ (فَذَهَبَ) بِقَطْعِهِ (رُبُعُ الْكَلَامِ، ثُمَّ) قَطَعَ (آخَرُ بَقِيَّتَهُ) ؛ أَيْ: اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَاقِي الْكَلَامِ (فَعَلَى) الْجَانِي (الْأَوَّلِ بِهِ نِصْفُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ؛ لِقَطْعِهِ نِصْفَ اللِّسَانِ (وَعَلَى) الْجَانِي (الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ؛ لِإِذْهَابِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ.
(وَمَنْ قُطِعَ لِسَانُهُ فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ) فَدِيَةٌ (أَوْ كَانَ) مَنْ قُطِعَ لِسَانُهُ (أَخْرَسَ) فَعَلَى قَاطِعِهِ (دِيَةٌ) وَاحِدَةٌ فِي اللِّسَانِ، وَتَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالْعَيْنَيْنِ (وَلَا يَرُدُّهَا) مَنْ قُطِعَ لِسَانُهُ فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ دِيَةً قَبَضَهَا (بِعَوْدِ لِسَانِهِ بِلَا ذَوْقٍ وَلَا كَلَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي لِسَانٍ عَارٍ عَنْ الذَّوْقِ وَالْكَلَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ كَلَامُهُ أَوْ ذَوْقُهُ أَوْ قُطِعَ لِسَانُهُ ثُمَّ عَادَ كَلَامُهُ؛ فَإِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَرُدُّ الدِّيَةَ لِلْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
[تَنْبِيهٌ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ كُلُّ كَلَامِهِ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ فَعَادَ كَلَامُهُ]
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ كُلُّ كَلَامِهِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ فَعَادَ كَلَامُهُ لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ بِاللِّسَانِ قَدْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا عَادَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ.
(وَإِنْ اقْتَصَّ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (مِنْ جَانٍ كَمِثْلِهِ) ؛ أَيْ: مِثْلِ مَا فَعَلَ بِهِ كَكَوْنِ الْجَانِي قَطَعَ رُبُعَ لِسَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ، فَقَطَعَ الْمَجْنِيُّ
عَلَيْهِ رُبُعَ لِسَانِ الْجَانِي (فَذَهَبَ مِنْ كَلَامِهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي مِثْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَدْ اسْتَوْفِي الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ وَ (لَمْ يَضْمَنْ) لِلْجَانِي مَا زَادَ عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سِرَايَةُ قَوَدٍ، وَهِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَإِنْ ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي أَقَلُّ مِمَّا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ فَلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ.
وَلَوْ كَانَ اللِّسَانُ ذَا طَرَفَيْنِ فَقَطَعَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ وَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْخِلْقَةِ فَكَلِسَانٍ مَشْقُوقٍ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَامَّ الْخِلْقَةِ وَالْآخَرُ نَاقِصًا؛ فَالتَّامُّ فِيهِ الدِّيَةُ، وَالنَّاقِصُ زَائِدٌ فِيهِ حُكُومَةٌ.
[تَتِمَّةٌ قَطَعَ لِسَانَ صَغِيرٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَ صَغِيرٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِطُفُولِيَّتِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَلِسَانِ الْكَبِيرِ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ حَدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَقَطَعَ لِسَانَهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ إنْ كَانَ لَا ذَوْقَ لَهُ، وَإِلَّا وَجَبَتْ.
وَإِنْ كَبِرَ بَعْدَ قَطْعِ لِسَانِهِ فَنَطَقَ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ؛ وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ نَاطِقًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ بِالْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ؛ فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ بِالْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ؛ فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ.
(وَمَنْ ذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ) بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ (وَاللِّسَانُ بَاقٍ) فَدِيَتَانِ (أَوْ كُسِرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ فَدِيَتَانِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَنْفَعَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، فَضُمِنَتْ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ.
(وَإِنْ ذَهَبَ) بِكَسْرِ صُلْبِهِ (مَاؤُهُ) فَالدِّيَةُ، أَوْ ذَهَبَ بِكَسْرِ صُلْبِهِ (إحْبَالُهُ) بِأَنْ صَارَ مَنِيُّهُ لَا يُحْمَلُ مِنْهُ (فَالدِّيَةُ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ "، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي " الرَّوْضَةِ ": إنْ ذَهَبَ نَسْلُهُ الدِّيَةُ.
(وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ جِنَايَةٍ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ فِي دِيَتِهِ) كَمَا لَوْ شَجَّهُ فَذَهَبَ بِهَا عَقْلُهُ؛ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعَقْلِ وَأَرْشُ الشَّجَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَغَايِرَانِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ
ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي نَقْصٍ فِي بَصَرٍ وَسَمْعٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَهُ حُكُومَةٌ، وَإِنْ ادَّعَى نَقْصَ إحْدَى عَيْنَيْهِ عُصِبَتْ الَّتِي ادَّعَى نَقْصَ ضَوْئِهَا، وَأُطْلِقَتْ الصَّحِيحَةُ الْأُخْرَى، وَنُصِبَ لَهُ شَخْصٌ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رُؤْيَتُهُ فَيُعْلَمُ الْمَوْضِعُ، ثُمَّ تُشَدُّ الصَّحِيحَةُ، وَتُطْلَقُ الْأُخْرَى، وَيُنْصَبُ لَهُ شَخْصٌ ثُمَّ يَذْهَبَ حَتَّى تَنْتَهِيَ رُؤْيَتُهُ فَيُعْلَمُ ثُمَّ يُدَارُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ وَيُصْنَعُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُعْلَمُ عَنْهُ الْمَسَافَتَيْنِ، وَيُذَرَّعَانِ، وَيُقَابَلُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَتَا فَقَدْ صَدَقَ، وَلَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْعَلِيلَةِ مِنْ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ اخْتَلَقَتْ الْمَسَافَتَانِ، فَقَدْ كَذَبَ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ فَكَبِرَتَا أَوْ احْتَوَلَتَا أَوْ عَمِشَتَا وَنَحْوَهُ؛ فَحُكُومَةٌ كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَاعْوَجَّتْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ شَرْعًا، وَالْحُكُومَةُ أَرْشُ مَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ) مِنْهُ (كُلٌّ مِنْ جَانِبَيْنِ فَأَكْثَرَ) ؛ لِاتِّفَاقِ الْجَانِيَيْنِ عَلَى الْإِتْلَافِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَعْلَمُ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَغَيْرُهُ مُتَّهَمٌ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ وَلَيْسَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُدَّعِيًا وَلَا مُنْكِرًا؛ فَهُوَ كَالشَّاهِدِ بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (فِي ذَهَابِ بَصَرِ) مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ بِفِعْلِ جَانٍ (أُرِيَ) مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ (أَهْلَ الْخِبْرَةِ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَى بِهِ (وَامْتُحِنَ بِتَقْرِيبِ شَيْءٍ إلَى عَيْنَيْهِ وَقْتَ غَفْلَتِهِ) ، فَإِنْ حَرَّكَهُمَا فَهُوَ يُبْصِرُ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْآدَمِيِّ الْحَذَرُ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ بَقِيَتَا عَلَى حَالِهِمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْصِرُ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ وَجَانٍ (فِي ذَهَابِ سَمْعٍ وَشَمٍّ أَوْ ذَوْقٍ صِيحَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، إنْ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ (وَقْتَ غَفْلَتِهِ، وَأُتْبِعَ بِمُنْتِنٍ) إنْ اخْتَلَفَا فِي شَمِّهِ (وَأُطْعِمَ) الشَّيْءَ (الْمُرَّ) إنْ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ ذَوْقِهِ (فَإِنْ فَزِعَ مِنْ الصَّائِحِ أَوْ مِنْ مُقَرَّبٍ لِعَيْنِهِ وَعَبَسَ لِمُنْتِنٍ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ) لِتَبَيُّنِ كَذِبِهِ (وَإِلَّا) يَفْزَعْ مِنْ صَائِحٍ وَلَا مُقَرَّبٍ لَعَيْنِهِ وَلَا عَبَسَ لِمُنْتِنٍ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ ادَّعَى نُقْصَانَ سَمْعِ إحْدَى أُذُنَيْهِ فَاخْتِيَارُهُ بِأَنْ تُشَدَّ الْأُذُنُ
الْعَلِيلَةُ وَتُطْلَقَ الصَّحِيحَةُ، وَيَصِيحَ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعٍ يَسْمَعُهُ وَيُعْمَلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَقْصِ الْبَصَرِ فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَيَأْخُذُ مِنْ دِيَةِ سَمْعِ الْأُذُنِ بِقَدْرِ نَقْصِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَيْنِ.
وَإِنْ ادَّعَى نُقْصَانَ السَّمْعِ فِي أُذُنَيْهِ، حَلَفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَتَأَتَّى الْعَرْضُ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ، وَوَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ.
(وَيَرُدُّ الدِّيَةَ آخِذٌ لَهَا عُلِمَ كَذِبُهُ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ قَبْضَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
[تَتِمَّةٌ الْجِنَايَةُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ]
ِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِيمَا تُوجِبُهُ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، لَكِنَّ الْمُكَلَّفَ خَصْمٌ لِنَفْسِهِ، وَالْخَصْمُ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُمَا كَالْأَمْوَالِ، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا لَمْ يَحْلِفَا؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا، وَلَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ فِيهَا، فَإِذَا كُلِّفَا حَلَفَا.
قَالَ فِي " شَرَحَ الْإِقْنَاعِ ": وَظَاهِرُهُ لَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَةِ الدَّعْوَى؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُولَاةِ.
[فَصْلٌ فِي دِيَةُ الشُّعُورِ]
فَصْلٌ: (وَفِي كُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ) كَامِلَةً (وَلَا قِصَاصَ فِيهَا) ؛ أَيْ: الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ (لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ) ، (وَهِيَ شَعْرُ رَأْسٍ وَ) شَعْرُ (لِحْيَةٍ وَحَاجِبَيْنِ وَ) شَعْرُ (أَهْدَابِ عَيْنَيْنِ وَلَوْ لِأَعْمَى) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: فِي الشَّعْرِ الدِّيَةُ؛ وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ كَأُذُنَيْ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ، بِخِلَافِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ فَلَيْسَ جَمَالُهَا كَامِلًا (وَفِي حَاجِبٍ نِصْفُ) دِيَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْهُ شَيْئَيْنِ (وَفِي هُدْبٍ رُبُعُ) دِيَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْهُ أَرْبَعَةً (وَفِي بَعْضِ كُلٍّ) مِنْ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ (بِقِسْطِهِ) مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ الْمِسَاحَةِ كَالْأُذُنَيْنِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الشُّعُورُ كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً، جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ كَسَائِرِ مَا فِيهِ دِيَةٌ مِنْ الْأَعْضَاءِ، (وَفِي) شَعْرِ (شَارِبٍ حُكُومَةٌ) نَصًّا (وَمَا عَادَ) مِنْ شَعْرٍ (سَقَطَ مَا فِيهِ) مِنْ دِيَةٍ أَوْ بَعْضِهَا أَوْ حُكُومَةٍ
كَمَا تَقَدَّمَ فِي سِنَّهِ وَنَحْوِهَا إذَا عَادَ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَخْذِ مَا فِيهِ رَدَّهُ، وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ انْتَظَرَ مَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
وَإِنْ أَزَالَ إنْسَانٌ مِنْ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ (وَتَرَكَ مِنْ لِحْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مَا لَا جَمَالَ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَتْرُوكِ، فَعَلَيْهِ (دِيَةٌ كَامِلَةٌ) ؛ لِإِذْهَابِهِ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كُلِّهِ كَمَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِهِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ بِجِنَايَتِهِ لِإِذْهَابِ الْبَاقِي لِزِيَادَةٍ فِي الْقُبْحِ.
(وَإِنْ قَطَعَ جَفْنًا بِهُدْبِهِ؛ فَدِيَتُهُ فَقَطْ) ؛ لِتَبَعِيَّةِ الشَّعْرِ لَهُ فِي الزَّوَالِ كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْكَفِّ.
(وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِأَسْنَانِهِمَا) فَعَلَيْهِ (دِيَةُ الْكُلِّ) مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ فَلَا تَدْخُلُ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَسْنَانَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّحْيَيْنِ، بَلْ مَغْرُوزَةٌ فِيهِمَا، وَكُلٌّ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ عَنْ الْآخَرِ، وَاللَّحْيَانِ يُوجَدَانِ قَبْلَ الْأَسْنَانِ وَيَبْقَيَانِ بَعْدَ قَلْعِهَا، بِخِلَافِ الْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ.
(وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ غَيْرُ دِيَةِ يَدٍ) ؛ لِدُخُولِ الْكُلِّ فِي مُسَمَّى الْيَدِ كَقَطْعِ ذَكَرٍ بِحَشَفَةٍ (وَإِنْ كَانَ بِهِ) ؛ أَيْ: الْكَفِّ (بَعْضُهَا) ؛ أَيْ: الْأَصَابِعِ (دَخَلَ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ مَا حَاذَاهَا) مِنْ الْكَفِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً كُلُّهَا لَدَخَلَ أَرْشُ الْكَفِّ كُلُّهُ فِي دِيَتِهَا (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْجَانِي (أَرْشُ بَقِيَّةِ الْكَفِّ) الَّتِي لَمْ تُحَاذِ الْأَصَابِعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يَدْخُلُ فِي دِيَتِهِ، فَوَجَبَ أَرْشُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَقْطُوعَةً.
(وَفِي ذِرَاعٍ بِلَا كَفٍّ) ثُلُثُ دِيَتِهِ (وَفِي كَفٍّ بِلَا أَصَابِعَ) ثُلُثُ دِيَتِهِ (وَفِي عَضُدٍ بِلَا ذِرَاعٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ) ؛ أَيْ: الْكَفِّ بِمَعْنَى الْيَدِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ: وَقَدْ شَبَّهَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ (بِلَا حُكُومَةٍ خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي كَفٍّ بِلَا أَصَابِعَ، وَذِرَاعٍ بِلَا كَفٍّ، وَعَضُدٍ
بِلَا ذِرَاعٍ حُكُومَةٌ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " رِوَايَةٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافُهَا (وَكَذَا تَفْصِيلُ رِجْلٍ) وَمُقْتَضَى تَشْبِيهِ الْإِمَامِ بِالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ".
(وَفِي عَيْنِ أَعْوَرَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْبَصَرَ كُلَّهُ؛ فَوَجَبَ عَلَيْهِ جَمِيعُ دِيَتِهِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِعَيْنِ الْأَعْوَرِ مَا يَحْصُلُ بِعَيْنِ الصَّحِيحِ؛ لِرُؤْيَتِهِ الْأَشْيَاءَ الْبَعِيدَةَ؛ وَإِدْرَاكِهِ (الْأَشْيَاءَ) اللَّطِيفَةَ، وَعَمَلُهُ عَمَلُ الْبَصَرِ.
(وَإِنْ قَلَعَهَا) ؛ أَيْ: عَيْنَ الْأَعْوَرِ (صَحِيحٌ) الْعَيْنَيْنِ (أُقِيدَ) ؛ أَيْ: قُلِعَتْ عَيْنُهُ (بِشَرْطِهِ) السَّابِقِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ الصَّحِيحِ (مَعَهُ) ؛ أَيْ: الْقَوَدِ فِي نَظِيرَتِهَا (نِصْفُ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بَصَرَ الْأَعْوَرِ كُلَّهُ، وَلَا يُمْكِنُ إذْهَابُ بَصَرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ عَيْنَيْنِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ اسْتَوْفَى نِصْفَ الْبَصَرِ تَبَعًا لِعَيْنِهِ بِالْقَوَدِ، وَبَقِيَ النِّصْفُ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ.
(وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ مَا يُمَاثِلُ صَحِيحَتَهُ) ؛ أَيْ: عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ (مِنْ صَحِيحِ) الْعَيْنَيْنِ (عَمْدًا) فَعَلَى الْأَعْوَرِ (دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُفْضِي إلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْبَصَرِ وَهُوَ إنَّمَا أَذْهَبَ بَعْضَ الْبَصَرِ الصَّحِيحِ فَلَمَّا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِئَلَّا تَذْهَبَ الْجِنَايَةُ مَجَّانًا، وَكَانَتْ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْقِصَاصِ السَّاقِطِ عَنْهُ رِفْقًا بِهِ، وَلَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ ذَهَبَ مَا لَوْ ذَهَبَ الْجِنَايَةُ، لَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
(وَ) إنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ مَا يُمَاثِلُ عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ (خَطَأً فَنِصْفُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ كَمَا لَوْ قَلَعَهَا صَحِيحٌ، وَكَذَا لَوْ قَلَعَ مَا لَا يُمَاثِلُ صَحِيحَتَهُ.
(وَإِنْ قَلَعَ) الْأَعْوَرُ (عَيْنَيْ صَحِيحٍ؛ فَالْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ؛ فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ.
(وَفِي يَدِ أَقْطَعَ صَحِيحَةٍ أَوْ رِجْلِهِ الصَّحِيحَةِ) إنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْأُخْرَى أَوْ رِجْلَهُ الْأُخْرَى (وَلَوْ عَمْدًا أَوْ مَعَ إذْهَابِ) الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ (الْأُولَى حَالَ كَوْنِ الذَّهَابِ هَدْرًا نِصْفُ دِيَتِهِ) ؛
أَيْ: الْأَقْطَعِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا (كَبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ) ؛ لِأَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا بِخِلَافِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ.
(وَلَوْ قَطَعَ) الْأَقْطَعُ (يَدَ صَحِيحٍ) أَوْ رِجْلَهُ (أُقِيدَ بِشَرْطِهِ) السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ أَمْكَنَ الْقَوَدُ فِي مِثْلِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ؛ فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِصَاصَ.
: وَلَا تَجِبُ دِيَةُ جُرْحٍ حَتَّى يَنْدَمِلَ، وَلَا دِيَةُ سِنٍّ وَظُفْرٍ وَمَنْفَعَةٍ مِنْ بَصَرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّهُ لَا دِيَةَ لِمَا رُجِيَ عَوْدُهُ فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ مَاتَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ الْقَوَدِ فَلِوَلِيِّهِ دِيَةُ مَا جَنَى عَلَيْهِ مِنْ سِنٍّ وَظُفْرٍ وَمَنْفَعَةٍ؛ لِلْيَأْسِ مِنْ عَوْدَةٍ بِمَوْتِهِ، وَلَهُ الْعَوْدُ فِي غَيْرِ السِّنِّ وَالظُّفْرِ مِنْ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِعُودِهِ، لَكِنْ لَا يُقْتَصُّ إلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَقَتْلٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِقَتْلٍ؟ فَيُنْتَظَرُ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهِ، وَلِذَا لَمْ تَجِبْ دِيَتُهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ أَوْ الْمُوضِحَةُ فَمَا فَوْقَهَا كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ لَمْ يَسْقُطْ مُوجِبُهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ فِيهَا ذَلِكَ الْأَرْشَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَالِ كَسْرٍ دُونَ حَالٍ، فَوَجَبَ بِكُلِّ حَالٍ.
[بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ]
أَيْ: بَيَانُ مَا يَجِبُ فِيهِ الشَّجُّ: الْقَطْعُ، وَمِنْهُ شَجَجْتُ الْمَفَازَةَ؛ أَيْ: قَطَعْتُهَا (الشَّجَّةُ) وَاحِدَةُ الشِّجَاجِ (جُرْحُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِقَطْعِهَا الْجِلْدَ، وَفِي غَيْرِهِمَا يُسَمَّى جُرْحًا لَا شَجَّةً (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الشَّجَّةُ بِاعْتِبَارِ أَسْمَائِهَا الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْعَرَبِ (عَشْرٌ) مُرَتَّبَةٌ (خَمْسٌ) مِنْهَا (فِيهَا حُكُومَةٌ) . أَحَدُهَا (الْحَارِصَةُ) بِالْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ؛ أَيْ: تَشُقُّهُ وَلَا تُدْمِيهِ) ؛ أَيْ: تُسِيلُ دَمَهُ.
وَالْحِرْصُ: الشَّقُّ، وَمِنْهُ حَرْصُ انْقِصَارُ
الثَّوْبِ إذَا شَقَّهُ قَلِيلًا، وَيُقَالُ لِبَاطِنِ الْجِلْدِ الْحَرَصَاتُ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُصُولِ الشَّقِّ إلَيْهِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْقَاشِرَةُ وَالْقِشْرَةُ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَة تَبَعًا لِلْقَاضِي: وَتُسَمَّى الْمَلْطَاءُ (ثُمَّ) يَلِيهَا (الْبَازِلَةُ الدَّامِيَةُ وَالدَّامِعَةُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الَّتِي (تُدْمِيهِ) ؛ أَيْ: الْجِلْدَ، يُقَالُ: بَزَلَ الشَّيْءُ إذَا سَالَ، وَسُمِّيَتْ دَامِعَةً، لِقِلَّةِ سَيْلَانِ الدَّمِ مِنْهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ (ثُمَّ) يَلِيهَا (الْبَاضِعَةُ) وَهِيَ (الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ) ؛ أَيْ: تَشُقُّهُ بَعْدَ الْجِلْدِ وَمِنْهُ الْبَضْعُ (ثُمَّ) يَلِيهَا (الْمُتَلَاحِمَةُ) وَهِيَ (الْغَائِصَةُ فِيهِ) ؛ أَيْ: اللَّحْمِ مُشْتَقَّةً مِنْ اللَّحْمِ لِغَوْصِهَا فِيهِ (ثُمَّ) يَلِيهَا (السِّمْحَاقُ) وَهِيَ (الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ) رَقِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ تُسَمَّى السِّمْحَاقُ، سُمِّيَتْ؛ لِجِرَاحَةِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهَا بِهَا.
فَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ مِنْ الشَّرْعِ وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيهِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ.»
(وَخَمْسٌ) مِنْ الشِّجَاجِ (فِيهَا مُقَدَّرٌ) أَوَّلُهَا (الْمُوضِحَةُ) وَهِيَ (الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ) ؛ أَيْ: تُبْرِزُهُ؛ أَيْ: تَصِلُ إلَيْهِ وَلَوْ بِقَدْرِ (رَأْسِ إبْرَةٍ) فَلَا يُشْتَرَطُ وُضُوحُهُ لِلنَّاظِرِ، فَلَوْ أَوْضَحَهُ بِرَأْسِ مِسَلَّةٍ أَوْ إبْرَةٍ وَعُرِفَ وُصُولُهَا إلَى الْعَظْمِ كَانَتْ مُوضِحَةً، وَالْوَاضِحُ الْبَيَاضُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَبْدَتْ بَيَاضَ الْعَظْمِ (وَفِيهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) أَيْ: دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (فَمِنْ حُرٍّ أَوْ حُرَّةٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ) ؛ لِمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَإِنْ عَمَّتْ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إلَى الْوَجْهِ فَمُوضِحَتَانِ (وَإِنْ) لَمْ تَعُمَّهُ بَلْ (كَانَ بَعْضُهَا بِوَجْهٍ وَ) بَعْضُهَا (بِرَأْسٍ فَمُوضِحَتَانِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ؛ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ، وَنَزَلَ إلَى الْقَفَا (وَإِنْ أَوْضَحَهُ ثِنْتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ) فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ (عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ فَإِنْ ذَهَبَ) الْحَاجِزُ (بِفِعْلِ جَانٍ أَوْ سِرَايَةٍ، صَارَا) ؛ أَيْ:
الْجُرْحَانِ مُوضِحَةً (وَاحِدَةً) كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ بِلَا حَاجِزٍ، وَإِنْ انْدَمَلَتَا، ثُمَّ زَالَ الْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا؛ لِاسْتِقْرَارِ أَرْشِ الْأَوَّلَتَيْنِ عَلَيْهِ بِانْدِمَالِهِمَا، ثُمَّ لَزِمَهُ أَرْشُ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ زَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِ جَانٍ أَوْ بِسِرَايَةِ الْآخَرِ فَمُوضِحَتَانِ.
(وَإِنْ خَرَقَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاجِزَ بَيْنَ مُوضِحَتَيْنِ (مَجْرُوحٌ) فَعَلَى جَانٍ مُوضِحَتَانِ (أَوْ) خَرَقَهُ (أَجْنَبِيٌّ) ؛ أَيْ غَيْرُ الشَّاجِّ وَالْمَجْرُوحِ؛ فَلِلْمَشْجُوجِ أَرْشُ (ثَلَاثِ) مَوَاضِحَ (عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا ثِنْتَانِ) وَعَلَى الْآخَرِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ، فَانْفِرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَتَيْنِ بِخِرَقِ الْمَشْجُوجِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِجِنَايَةٍ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
(وَيُصَدَّقُ مَجْرُوحٌ بِيَمِينِهِ فِيمَنْ خَرَقَهُ عَلَى الْجَانِي) الْأَوَّلِ، فَلَوْ قَالَ الْجَانِي: خَرَقْت مَا بَيْنَهُمَا فَصَارَتَا وَاحِدَةً.
وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ خَرَقَهُ غَيْرُك فَعَلَيْك الْمُوضِحَتَانِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ؛ لِوُجُودِ سَبَبِ لُزُومِ الْمُوضِحَتَيْنِ، وَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (عَلَى الْأَجْنَبِيِّ) الْمُنْكِرِ إزَالَتَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَمِثْلُهُ) ؛ أَيْ: الْجَانِي مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ إذَا خُرِقَ مَا بَيْنَهُمَا فَصَارَتَا وَاحِدَةً (مَنْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ) بَعِيرًا إنْ لَمْ يَقْطَعْ غَيْرَهَا (فَلَوْ قَطَعَ) الْجَانِي أُصْبُعًا (رَابِعَةً قَبْلَ بُرْءِ) الثَّلَاثِ (رُدَّتْ) الْمَرْأَةُ (إلَى عِشْرِينَ) ؛ بَعِيرًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الذَّكَرَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَعَلَى النِّصْفِ مِنْهُ فِي الثُّلُثِ فَمَا زَادَ عَلَيْهِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: قَاطِعُ أَصَابِعَهَا وَهِيَ (فِي قَاطِعِهِمَا) ؛ أَيْ: الْأُصْبُعِ الرَّابِعَةِ بِأَنْ قَالَ الْجَانِي: أَنَا قَطَعْتُهَا فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا عِشْرُونَ بَعِيرًا.
وَقَالَتْ هِيَ: بَلْ قَطَعَهَا غَيْرُك فَيَلْزَمُك ثَلَاثُونَ (صُدِّقَتْ) يَمِينُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي زَوَالَ مَا وُجِدَ مِنْ سَبَبِ أَرْشِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ تُنْكِرُهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ (وَإِنْ خَرَقَ جَانٍ بَيْنَ مُوضِحَتَيْنِ بَاطِنًا) فَقَطْ (أَوْ) بَاطِنًا (مَعَ ظَاهِرٍ فَ) قَدْ صَارَتَا (وَاحِدَةً) ؛ لِاتِّصَالِهِمَا بَاطِنًا (وَ) إنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا (ظَاهِرًا فَقَطْ) فَهُمَا (ثِنْتَانِ؛) لِعَدَمِ اتِّصَالِهِمَا بَاطِنًا.
(ثُمَّ) يَلِي الْمُوضِحَةَ (الْهَاشِمَةُ) وَهِيَ (الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ) ؛ أَيْ: تُبْرِزُهُ (وَتُهَشِّمُهُ) ؛ أَيْ: تَكْسِرُهُ (وَفِيهَا عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ) رُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ تَوْقِيفٌ، فَإِنْ هَشَمَهُ هَاشِمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ فَفِيهِمَا عِشْرُونَ بَعِيرًا فَإِنْ زَالَ الْحَاجِزُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَالْهَاشِمَةُ الصَّغِيرَةُ كَالْكَبِيرَةِ.
(ثُمَّ) يَلِيهَا (الْمُنَقِّلَةُ الَّتِي تُوضِحُ) الْعَظْمَ (وَتَهْشِمُ) الْعَظْمَ (وَتَنْقُلُ الْعَظْمَ وَفِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ) وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ( «وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ» ) فَإِنْ كَانَتَا مُنَقِّلَتَيْنِ فَعَلَى مَا سَبَقَ.
(ثُمَّ) يَلِيهَا (الْمَأْمُومَةُ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ وَتُسَمَّى الْآمَّةَ) بِالْمَدِّ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لَهَا الْآمَّةُ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ الْمَأْمُومَةُ: الشَّجَّةُ الَّتِي تَصِلُ إلَى (أُمِّ الدِّمَاغِ) وَأُمِّ الدِّمَاغِ هِيَ جَلْدَةٌ فِيهَا الدِّمَاغُ.
قَالَ النَّضْرُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: أُمُّ الرَّأْسِ الْخَرِيطَةُ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاغُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَخْرُطُ الدِّمَاغَ وَتَجْمَعُهُ.
(ثُمَّ) يَلِيهَا (الدَّامِغَةُ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ (الَّتِي تَخْرِقُ الْجَلْدَةَ) ؛ أَيْ: جَلْدَةَ الدِّمَاغِ (وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: الْمَأْمُومَةِ وَالدَّامِغَةِ (ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا: «وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَالدَّامِغَةُ أَوْلَى، وَصَاحِبُهَا لَا يَسْلَمُ غَالِبًا.
(وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ) وَبَقِيَّتُهَا دُونَهَا (أَوْ) بَعْضُهَا (مُوضِحَةٌ وَبَقِيَّتُهَا دُونَهَا فَ) عَلَيْهِ (دِيَةُ هَاشِمَةٍ) فَقَطْ؛ إنْ كَانَ بَعْضُهَا هَاشِمَةً، (أَوْ دِيَةُ مُوضِحَةٍ فَقَطْ) إنْ كَانَ بَعْضُهَا مُوضِحَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَشَمَهُ كُلَّهُ أَوْ أَوْضَحَهُ كُلَّهُ؛ لَمْ
يَلْزَمْهُ فَوْقَ دِيَةِ الْهَاشِمَةِ أَوْ الْمُوضِحَةِ.
(وَإِنْ أَوْضَحَهُ جَانٍ، ثُمَّ هَشَمَهُ ثَانٍ، ثُمَّ جَعَلَهَا ثَالِثٌ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ) جَعَلَهَا (رَابِعٌ مَأْمُومَةً أَوْ دَامِغَةً، فَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثُ بَعِيرٍ) ؛ لِأَنَّهَا تُفَاوِتُ مَا بَيْنَ الْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ أَوْ الدَّامِغَةِ (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ خَمْسٌ) مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا تُفَاوِتُ مَا بَيْنَ الشَّجَّتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ هَشَمَهُ بِمُثْقَلٍ وَلَمْ يُوضِحْهُ) فَحُكُومَةٌ (أَوْ طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ فَوَصَلَ) الطَّعْنُ (إلَى فَمِهِ) فَحُكُومَةٌ (أَوْ نَفَذَ) جَانٍ بِخَرْزَةٍ (أَنْفًا أَوْ ذَكَرًا) فَحُكُومَةٌ (أَوْ) نَفَذَ (جَفْنًا إلَى بَيْضَةِ الْعَيْنِ) فَحُكُومَةٌ (أَوْ أَدْخَلَ) غَيْرُ زَوْجٍ (أُصْبُعَهُ فَرْجَ بِكْرٍ) فَحُكُومَةٌ (أَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ دَاخِلَ عَظْمٍ فَخَذَفَ) عَلَيْهِ (حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ دِيَةٍ]
فَصْلٌ: (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ دِيَةٍ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» ؛ وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْجَائِفَةُ (مَا تَصِلُ بَاطِنَ جَوْفٍ) ؛ أَيْ: مَا لَا يَظْهَرُ مِنْهُ لِلرَّأْيِ؛ (كَ) دَاخِلِ (بَطْنٍ، وَلَوْ لَمْ تُخْرَقْ بِهِ أَمْعَاءٌ) دَاخِلَ (ظَهْرٍ وَصَدْرٍ وَحَلْقٍ وَمَثَانَةٍ وَبَيْنَ خُصْيَتَيْنِ وَ) دَاخِلَ (دُبُرٍ وَإِنْ جَرَحَ جَانِبًا فَخَرَجَ) مَا جَرَحَهُ بِهِ (مِنْ) جَانِبٍ (آخَرَ فَجَائِفَتَانِ) نَصًّا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَأَنْفَذَهُ فَقَضَى أَبُو بَكْرٍ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ "، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إذَا نَفَذَتْ فِي الْجَوْفِ بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعٍ بِضَرْبَتَيْنِ.
وَلَوْ أَدْخَلَ شَخْصٌ يَدَهُ فِي جَائِفَةِ إنْسَانٍ، فَحَزَقَ بَطْنَهُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لَزِمَهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ بِلَا خِلَافٍ.
(وَإِنْ جَرَحَ وِرْكَهُ، فَوَصَلَ) الْجُرْحُ (جَوْفَهُ أَوْ أَوْضَحَهُ) فِي رَأْسِهِ (فَوَصَلَ) الْإِيضَاحُ (قَفَاهُ) فَعَلَى مَنْ جَرَحَ الْوِرْكَ فَوَصَلَ الْجَوْفَ (مَعَ دِيَةِ جَائِفَةٍ) حُكُومَةٌ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَعَلَى مَنْ أَوْضَحَ شَخْصًا فَوَصَلَ قَفَاهُ مَعَ دِيَةِ (مُوضِحَةٍ حُكُومَةٌ بِجُرْحِ قَفَاهُ أَوْ) جُرْحِ (وِرْكِهِ) ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ، فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمُوضِحَةِ فَانْفَرَدَ بِالضَّمَانِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَائِفَةٌ أَوْ مُوضِحَةٌ.
(وَمَنْ وَسَّعَ فَقَطْ جَائِفَةً) أَجَافَهَا غَيْرُهُ (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَوْ انْفَرَدَ فَهُوَ جَائِفَةٌ؛ فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ.
(أَوْ فَتَقَ جَائِفَةً مُنْدَمِلَةً) أَوْ فَتَقَ (مُوضِحَةً نَبَتَ شَعْرُهَا) (فَ) عَلَيْهِ (جَائِفَةٌ) فِي الْأُولَى (وَمُوضِحَةٌ) فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ إذَا الْتَحَمَ صَارَ كَالصَّحِيحِ؛ لِعَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَهُ جِنَايَةٌ أُخْرَى مُتَجَدِّدَةٌ (وَإِلَّا) يُوَسِّعْ بَاطِنَ الْجَائِفَةِ وَظَاهِرَهَا بَلْ وَسَّعَ أَحَدَهُمَا فَقَطْ، وَلَمْ تَكُنْ الْجَائِفَةُ مُنْدَمِلَةً أَوْ الْمُوضِحَةُ نَبَتَ شَعْرُهَا فَفَتَقَهَا (فَ) عَلَيْهِ (حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ جَائِفَةً، وَلَا مُوضِحَةً، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ الْخَيْطِ.
وَإِنْ وَسَّعَ طَبِيبٌ جَائِفَةً بِإِذْنِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ مُكَلَّفٍ، أَوْ أَذِنَ وَلِيُّ غَيْرَهُ لِمَصْلَحَةٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَةً صَغِيرَةً) لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا (أَوْ) وَطِئَ زَوْجَةً (نَحِيفَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَخَرَقَ) بِوَطْئِهِ (مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَ) مَخْرَجِ (مَنِيٍّ، أَوْ) خُرِقَ بِوَطْئِهِ (مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ فَ) عَلَيْهِ (الدِّيَةُ) كَامِلَةً (إنْ لَمْ يُسْتَمْسَكْ بَوْلٌ) ؛ لِإِبْطَالِهِ نَفْعَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى شَخْصٍ فَصَارَ لَا يَسْتَمْسِكُ الْغَائِطَ (وَإِلَّا) بِأَنْ اسْتَمْسَكَ الْبَوْلَ (فَ) عَلَيْهِ أَرْشُ (جَائِفَةٍ) ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ: فِي الْإِفْضَاءِ ثُلُثُ الدِّيَةِ: وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ، أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (أَجْنَبِيَّةً) ؛ أَيْ: غَيْرَ
زَوْجَةِ (وَاطِئٍ كَبِيرَةً حُرَّةً مُطَاوِعَةً، وَلَا شُبْهَةَ) لِوَاطِئٍ فِي وَطْئِهَا (فَوَقَعَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: خَرَقَ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ؛ فَهُوَ هَدْرٌ؛ لِحُصُولِهِ مِنْ فِعْلِ مَأْذُونٍ فِيهِ كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا وَمَهْرِ مِثْلِهَا (وَكَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا فَسَرَى إلَى نَفْسِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَتْ فِي وَطْئِهَا) فَقَطَعَ يَدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَلَا مِنْ ضَرُورَتِهِ (وَلَهَا) ؛ أَيْ: الْمَوْطُوءَةِ (مَعَ شُبْهَةٍ أَوْ مَعَ إكْرَاهٍ الْمَهْرُ) ؛ لِاسْتِيفَائِهِ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، (وَ) لَهَا (الدِّيَةُ) كَامِلَةً (إنْ لَمْ يُسْتَمْسَكْ بَوْلٌ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَذِنَتْ فِي الْفِعْلِ مَعَ الشُّبْهَةِ؛ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ الضَّمَانُ كَمَنْ أَذِنَ فِي قَبْضِ دَيْنٍ ظَانًّا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ فَبَانَ غَيْرُهُ، وَأَمَّا مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ فَلِأَنَّهُ ظَالِمٌ مُتَعَدٍّ (وَإِلَّا) بِأَنْ اسْتَمْسَكَ بَوْلٌ مَعَ خَرْقِهِ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ مَعَ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ إكْرَاهٍ؛ (فَ) عَلَيْهِ مَعَ الْمِثْلِ (ثُلُثُهَا) ؛ أَيْ: الدِّيَةِ كَجِنَايَةِ جَائِفَةٍ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ) ؛ أَيْ: حُكُومَةٌ (مَعَ فَتْقٍ بِغَيْرِ وَطْءٍ) ؛ لِعُدْوَانِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ.
(وَإِنْ الْتَحَمَ مَا) ؛ أَيْ: جُرْحٌ (أَرْشُهُ مُقَدَّرٌ) كَجَائِفَةٍ وَمُوضِحَةٍ وَمَا فَوْقَهَا وَلَوْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ (لَمْ يَسْقُطْ) أَرْشُهُ؛ لِعَدَمِ النُّصُوصِ، هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَخَالَفَ فِي " الْإِقْنَاعِ " هُنَا، فَجَعَلَهَا حُكُومَةً، وَوَافَقَ الْمُصَنِّفَ قَبْلَ بَابِ الشِّجَاجِ فَقَالَ: وَلَوْ الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ وَالْمُوضِحَةُ وَمَا فَوْقَهَا عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ لَمْ يَسْقُطْ مُوجِبُهَا.
وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ الْتَزَمَهُ.
[فَصْلٌ فِي دِيَةِ كَسْرِ الضِّلْع]
فَصْلٌ: (وَفِي كَسْرِ ضِلْعٍ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا (جُبِرَ مُسْتَقِيمًا) كَمَا كَانَ بِأَنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ (بَعِيرٌ، وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالضِّلْعِ إذَا جُبِرَ
مُسْتَقِيمًا (تَرْقُوَةٌ) بِفَتْحِ التَّاءِ أُجْبِرَتْ، كَمَا كَانَتْ فَفِيهَا بَعِيرٌ نَصًّا، فَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرٌ، أَيْ: لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: فِي الضِّلْعِ جَمَلٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ وَالتَّرْقُوَةُ: الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْفَتْقِ مِنْ ثُغْرَةِ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفِ لِكُلِّ إنْسَانٍ تَرْقُوَتَانِ (وَإِلَّا) يُجْبَرْ الضِّلْعُ وَالتَّرْقُوَةُ مُسْتَقِيمَيْنِ (فَ) فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (حُكُومَةٌ) وَتَأْتِي.
(وَفِي كَسْرِ كُلِّ) عَظْمٍ (مِنْ زَنْدٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ (وَ) مِنْ (عَضُدٍ وَفَخِذٍ وَسَاقٍ وَذِرَاعٍ جُبِرَ مُسْتَقِيمًا وَهُوَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمِ الزَّنْدِ) بَعِيرَانِ نَصًّا، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ: فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأُلْحِقَ بِالزَّنْدِ فِي ذَلِكَ بَاقِي الْعِظَامِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهُ (وَفِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ مِنْ جُرْحٍ وَ) مِنْ (كَسْرِ عَظْمٍ كَ) كَسْرِ (خَرَزَةٍ صُلْبٍ وَ) كَسْرِ (عُصْعُصٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَقَدْ تُفْتَحُ الثَّانِيَةُ؛ أَيْ: عُجْبُ ذَنَبٍ (وَ) كَسْرِ (عَانَةٍ حُكُومَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا لَا مُقَدَّرَ فِيهَا (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْحُكُومَةُ (أَنْ يُقَوَّمَ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قِنٌّ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ) يُقَوَّمَ (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةُ (بِهِ قَدْ بَرِئَتْ فَمَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ) بِالْجِنَايَةِ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى جَانٍ (كَنِسْبَتِهِ) ؛ أَيْ: نَقْصِ الْقِيمَةِ (مِنْ الدِّيَةِ) فَيَجِبُ (فِيمَنْ قُوِّمَ) لَوْ كَانَ قِنًّا (صَحِيحًا بِعِشْرِينَ وَ) قُوِّمَ لَوْ كَانَ (مَجْنِيًّا عَلَيْهِ) تِلْكَ الْجِنَايَةَ (بِتِسْعَةَ عَشَرَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قِنًّا، وَلَوْ قُوِّمَ سَلِيمًا بِسِتِّينَ، ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ بِخَمْسِينَ، فَفِيهِ سُدُسُ دِيَتِهِ؛ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ سُدُسَ قِيمَتِهِ.
(وَلَا يُبْلَغُ بِحُكُومَةِ) جِنَايَةٍ فِي (مَحَلٍّ لَهُ) ؛ أَيْ: فِيهِ (مُقَدَّرٌ) شَرْعًا (مُقَدَّرَةً) ؛ أَيْ: مَا قُدِّرَ فِيهِ (فَلَا يُبْلَغُ بِهَا) ؛ أَيْ: الْحُكُومَةِ (أَرْشَ مُوضِحَةٍ فِي شَجَّةٍ دُونَهَا) كَالسِّمْحَاقِ (وَلَا) يُبْلَغُ بِحُكُومَةٍ (دِيَةَ أُصْبُعٍ أَوْ) دِيَةَ (أُنْمُلَةٍ فِيمَا دُونَهُمَا) ؛ أَيْ: الْأُصْبُعِ وَالْأُنْمُلَةِ.
وَلَا يُقَوَّمُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْرَأَ؛ لِيَسْتَقِرَّ الْأَرْشُ؛ (فَلَوْ لَمْ تُنْقِصْهُ الْجِنَايَةُ) حَالَ بُرْءٍ؛ (قُوِّمَ حَالَ جَرَيَانِ دَمٍ) ؛ لِئَلَّا تَذْهَبَ الْجِنَايَةُ عَلَى مَعْصُومٍ هَدْرًا (فَإِنْ لَمْ تُنْقِصْهُ) الْجِنَايَةُ (أَيْضًا) ؛ أَيْ: حَالَ جَرَيَانِ دَمٍ (أَوْ زَادَتْهُ) الْجِنَايَةُ (حُسْنًا) ؛ لِقَطْعِ سَلْعَةٍ أَوْ ثُؤْلُولٍ (فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ بِهَا.