مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 496-535
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 496-535
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْحُضُورِ لِيُحْضِرَهُ (وَمَتَى حَضَرَ) بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ؛ فَلَهُ تَأْدِيبُهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ (بِمَا يَرَاهُ مِنْ كَلَامٍ وَكَشْفِ رَأْسٍ وَضَرْبٍ وَحَبْسٍ) لِأَنَّ التَّعْزِيرَ إلَى رَأْيِهِ.
تَنْبِيهٌ: فَإِنْ اخْتَفَى مُسْتَعْدًى عَلَيْهِ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ؛ لِتَزُولَ مَعْذِرَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمِّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَيَخْتِمَهُ؛ أَجَابَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ حَكَمَ عَلَيْهِ كَغَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
(وَيُعْتَبَرُ تَحْرِيرُهَا) أَيْ: الدَّعْوَى فِيمَا إذَا اسْتَعْدَاهُ عَلَى (حَاكِمٍ مَعْزُولٍ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَكَابِرِ) ذَوِي الْمَنَاصِبِ كَالْخَلِيفَةِ وَالْعَالِمِ الْكَبِيرِ وَالشَّيْخِ الْمَتْبُوعِ وَكُلِّ مَنْ خِيفَ تَبْذِيلُهُ وَنَقْصُ حُرْمَتِهِ بِإِحْضَارِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ حَاكِمَانِ فَأَكْثَرُ وَاسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لَمْ يَعِدْهُ حَتَّى يُحَرِّرَ دَعْوَاهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ (ثُمَّ يُرَاسِلُهُ) بَعْدَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، وَيَسْأَلُهُ عَنْهَا صِيَانَةً لَهُ عَنْ الِامْتِهَانِ، فَإِنْ ذَكَرَ الْمُسْتَعْدِي أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَخَذَهَا مِنْهُ عَلَى الْحُكْمِ رَاسِلُهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ لِتَوَجُّهِ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ) لِمَا ذُكِرَ؛ لَمْ يَحْتَجْ لِحُضُورٍ، وَإِلَّا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحْضَرَهُ كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّ الْمُدَّعِي، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْقَاضِي الْمَعْزُولِ الْجَوْرَ فِي الْحُكْمِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ أَحْضَرَهُ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي دَعْوَاهُ؛ فَقَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ (وَلَا يُعْتَبَرُ لِإِحْضَارِ مَنْ) أَيْ: امْرَأَةٍ (تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا) إذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهَا (مَحْرَمٌ) لَهَا يَخْرُجُ مَعَهَا نَصًّا لِأَنَّهُ لَا سَفَرَ (وَغَيْرُ الْبَرْزَةِ) وَهِيَ الْمُخَدَّرَةُ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا إذَا اسْتَعْدَى عَلَيْهَا تُوَكِّلُ كَمَرِيضٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ (وَإِنْ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا (يَمِينٌ أَرْسَلَ) الْحَاكِمُ (مَنْ) أَيْ: أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ يُحَلِّفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا.

(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِمَوْضِعٍ) مِنْ عَمَلِ الْقَاضِي (لَا حَاكِمَ بِهِ بَعَثَ)

الْقَاضِي (إلَى مَنْ) أَيْ: ثِقَةٍ (يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَمْ يَقْبَلَاهُ (حَرَّرَ) الْقَاضِي (دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَعْدِي؛ لِئَلَّا يَكُونَ مَا يَدَّعِيه لَيْسَ حَقًّا كَشُفْعَةِ جِوَارٍ وَقِيمَةِ كَلْبٍ (ثُمَّ أَحْضَرَهُ) الْقَاضِي (وَلَوْ بَعُدَ) مَكَانُهُ إذَا كَانَ (بِعَمَلِهِ) لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِلْحَاقُ الْمَشَقَّةِ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِإِلْحَاقِهَا بِمَنْ يُنْفِذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعَمَلِ الْقَاضِي لَمْ يَعُدَّ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ ادَّعَى قِبَلَ إنْسَانٍ شَهَادَةً؛ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْلِفْ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.

(وَمَنْ قَالَ لِحَاكِمٍ حَكَمْتَ عَلَيَّ) بِشَهَادَةِ (فَاسِقَيْنِ عَمْدًا فَأَنْكَرَ) الْقَاضِي (لَمْ يَحْلِفْ) لِئَلَّا يَتَطَرَّقْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لِإِبْطَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ بِذَلِكَ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَالْيَمِينُ إنَّمَا تَجِبُ لِلتُّهْمَةِ، وَالْقَاضِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.

(وَإِنْ قَالَ قَاضٍ مَعْزُولٌ عَدْلٌ لَا يُتَّهَمُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَبَيَّنَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ يُسَوَّغُ لَهُ الْحُكْمُ لَهُ كَغَيْرِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ؛ قُبِلَ) قَوْلُهُ نَصًّا (وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ) الْقَاضِي (مُسْتَنَدَهُ فِي حُكْمِهِ) كَأَنْ يَقُولَ (حَكَمْت بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَلَوْ أَنَّ الْعَادَةَ تَسْجِيلُ أَحْكَامِهِ وَضَبْطِهَا بِشُهُودِ) لِأَنَّ عَزْلَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَاضٍ آخَرَ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرُ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ؛ أَشْبَهَ حَالَ وِلَايَتِهِ (مَا لَمْ يَشْتَمِلْ) الْحُكْمُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْحَاكِمُ بَعْدَ عَزْلِهِ (عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ حَاكِمٍ آخَرَ) فَلَا يُقْبَلُ إذَنْ (فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِرُجُوعِ وَاقِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَخْبَرَ حَنْبَلِيٌّ أَنَّهُ كَانَ حَكَمَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِ الْوَقْفِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) إخْبَارُ الْحَنْبَلِيِّ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، قَالَهُ الْقَاضِي مَجْدُ الدِّينِ.
قَالَ

ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَهُوَ حَسَنٌ.

(وَإِنْ أَخْبَرَ حَاكِمٌ حَاكِمًا) آخَرَ (بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا) أَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (قَبِلَ الْخَبَرُ، وَعَمِلَ بِهِ) الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ إذَا بَلَغَ عَمَلَهُ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِحُكْمٍ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَلَا يَقْبَلُ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَلَا يَعْمَلُ إذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ (مَعَ حُضُورِ مُخْبِرٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَهُمَا بِعَمَلِهِمَا) إذَا أَخْبَرَهُ بِالثُّبُوتِ عِنْدَهُ بِلَا حُكْمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَنَقْلِ الشَّهَادَةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (وَكَذَا إخْبَارُ أَمِيرِ جِهَادٍ وَأَمِينِ صَدَقَةٍ وَنَاظِرِ وَقْفٍ مُتَبَرِّعَيْنِ) فَيُقْبَلُ إخْبَارُ كُلٍّ مِنْهُمْ بَعْدَ عَزْلِهِ بِأَمْرٍ صَدَرَ مِنْهُ حَالَ وِلَايَتِهِ، كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ.
وَكُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ إنْشَاءُ أَمْرٍ؛ صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ ".

[بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ]

ِ أَيْ: كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ (طَرِيقُ كُلُّ شَيْءٍ) حُكْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (مَا تُوُصِّلَ بِهِ إلَيْهِ) أَيْ: الشَّيْءِ.
وَالْحُكْمُ لُغَةً الْمَنْعُ وَاصْطِلَاحًا (الْفَصْلُ) وَقَدْ لَا يَكُونُ خُصُومَةً كَعَقْدٍ دُفِعَ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بِهِ؛ فَهُوَ إلْزَامٌ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ وَسُمِّيَ الْقَاضِي حَاكِمًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ.
(إذَا أُحْضِرَ إلَيْهِ) أَيْ: الْقَاضِي (خَصْمَانِ) اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد: (لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ» ) . وَقَالَ عَلِيٌّ حِينَ خَاصَمَ الْيَهُودِيَّ دِرْعَهُ إلَى شُرَيْحٍ: لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ.
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَلَسَا (فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا) أَيْ: الْخَصْمَانِ بِالدَّعْوَى (وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا (وَمِنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى مِنْهُمَا نُطْقًا؛ قُدِّمَ) أَيْ: قَدَّمَهُ الْحَاكِمُ عَلَى خَصْمِهِ لِتَرْجِيحِهِ بِالسَّبَقِ؛ فَإِنْ قَالَ خَصْمُهُ أَنَا الْمُدَّعِي لَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْتَ (ثُمَّ) إنْ ادَّعَيَا مَعًا قُدِّمَ (مَنْ قُرِعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهَا تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ (فَإِذَا انْتَهَتْ حُكُومَتُهُ) أَيْ: الْأَوَّلِ (ادَّعَى الْآخَرُ) لِاسْتِيفَاءِ الْأَوَّلِ حَقَّهُ.

(وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى مَقْلُوبَةٌ) لِأَنَّ الْأَصْحَابَ عَرَّفُوا الْمُدَّعِيَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ غَيْرَهُ بِحَقٍّ يُذْكَرُ اسْتِحْقَاقًا عَلَيْهِ، وَلَا يَنْطَبِقُ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى مَنْ ادَّعَى دَعْوَى مَقْلُوبَةً، وَهِيَ (بِأَنْ يَدَّعِيَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ أَوْ لِيَسْتَحْلِفَهُ) سُمِّيَتْ مَقْلُوبَةً؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِيهَا يَطْلُبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعِي فِي غَيْرِهَا يَطْلُبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ فَانْقَلَبَ فِيهَا الْقَصْدُ الْمُعْتَادُ.

(وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى حِسْبَةٍ بِحَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى كَعِبَادَةٍ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَنَحْوِهَا وَحَدِّ زِنًا أَوْ شُرْبٍ (وَعِدَّةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ) كَيَمِينٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَجَزَاءِ صَيْدٍ قَتَلَهُ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ (وَتُسْمَعُ) بِلَا دَعْوَى (بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَيَعْتِقُ، وَلَوْ أَنْكَرَ مَعْتُوقٌ) الْعِتْقَ الْمَشْهُودَ بِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُسْمَعُ بَيِّنَةٌ بِلَا دَعْوَى (بِحَقٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَوَقْفٍ) عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ (وَوَصِيَّةٍ عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ) أَوْ رِبَاطٍ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، أَشْبَهَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَتُسْمَعُ بَيِّنَةٌ بِلَا دَعْوَى بِوَكَالَةٍ (وَاسْتِنَادِ وَصِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ مُسَخَّرٍ) وَلَوْ كَانَ بِالْبَلَدِ.

وَلَا تُسْمَعُ (بَيِّنَةٌ) بِحَقِّ (آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ قَبْلَ دَعْوَاهُ) بِحَقِّهِ وَتَحْرِيرِهَا (وَلَا) تُسْمَعُ (يَمِينُهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (إلَّا بَعْدَهَا) أَيْ: الدَّعْوَى (وَبَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ إنْ كَانَ) حَيْثُ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (وَأَجَازَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ سَمَاعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ لِحِفْظِ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ بِالثَّبَاتِ بِخَصْمٍ مُسَخَّرٍ) أَيْ: يُنَصَّبُ لِيُنَازَعَ صُورَةً، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا سَمَاعَهُمَا لِذَلِكَ بِلَا خَصْمٍ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": الثُّبُوتُ الْمَحْضُ يَصِحُّ بِلَا مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرُهُ قَوْمٌ مِنْ " الْفُقَهَاءِ "، وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُضَاةِ انْتَهَى.
وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا فَأَجَازَهُمَا الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِخَصْمٍ مُسَخَّرٍ يُظْهِرُ النِّزَاعَ، وَلَيْسَ مُنَازِعًا فِي الْحَقِيقَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا وَأَصْلِ مَالِكٍ فَإِمَّا أَنْ تُمْنَعَ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ؛ فَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَإِمَّا أَنْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بِهَا بِلَا خَصْمٍ.
وَذَكَرُهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي مَوَاضِعَ؛ لِأَنَّا نَسْمَعُهُمَا عَلَى غَائِبٍ وَمُمْتَنِعٍ وَنَحْوِهِ كَمَيِّتٍ، وَكَذَا عَلَى الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ فِي الْمَنْصُوصِ، فَمَعَ عَدَمِ خَصْمٍ أَوْلَى؛ فَإِنْ الْمُشْتَرِي مَثَلًا قَبَضَ الْمَبِيعَ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ؛ فَلَا يَدَّعِي وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ سَمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَحُكْمُهُ بِمُوجَبِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ عَلَى أَحَدٍ، لَكِنْ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ وَحَاجَةِ النَّاسِ خُصُوصًا فِيمَا قَالَ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ خِلَافٌ لِرَفْعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الشُّبْهَةِ أَوْ الْخِلَافِ انْتَهَى.
الْمُنَقَّحُ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَا يَقَعُ مِنْ عُقُودِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا حَيْثُ يُرْفَعُ لِلْحَاكِمِ وَتَشَهَّدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ؛ فَيَحْكُمُ بِهِ بِلَا خَصْمٍ، وَهُوَ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَإِذَا حَكَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ مُقَابِلًا لِمَا قَدَّمُوهُ؛ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا.

[فَصْلٌ شُرُوطُ صِحَّةِ الدَّعْوَى]

فَصْلٌ (وَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِالْقَلِيلِ وَلَوْ لَمْ تَتْبَعْهُ التُّهْمَةُ) بِخِلَافِ الِاسْتِعْدَاءِ لِلْمَشَقَّةِ (وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الدَّعْوَى شُرُوطٌ: أَحَدُهَا (تَحْرِيرُهَا) لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّمَا أَقْضِي عَلَى مَا أَسْمَعُ» ) . وَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ تَحْرِيرِهَا (فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى بِدَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ ذَكَرَ مَوْتَهُ وَحَرَّرَ الدَّيْنَ بِذِكْرِ جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَصِفَةٍ) وَقَدْرٍ وَحَرَّرَ التَّرِكَةَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَفِي " الْمُغْنِي " (أَوْ أَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ) وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَارِثٍ فِي عَدَمِ التَّرِكَةِ بِيَمِينِهِ، وَيَكْفِيه أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُخْلِفْ شَيْئًا، لِأَنَّهُ قَدْ يُخْلِفُ شَيْئًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ.

وَالشَّرْطُ الثَّانِي (كَوْنُهَا) أَيْ: الدَّعْوَى (مَعْلُومَةً) أَيْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَيَتَمَكَّنَ الْحَاكِمُ مِنْ الْإِلْزَامِ بِهِ إذَا ثَبَتَ (إلَّا فِي وَصِيَّةٍ) بِمَجْهُولٍ بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِدَابَّةٍ أَوْ بِشَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِلَّا فِي إقْرَارٍ) بِمَجْهُولٍ بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمُجْمَلٍ؛ فَتَصِحُّ، وَإِذَا ثَبَتَ طُولِبَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالْبَيَانِ، وَإِلَّا فِي خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى مَجْهُولٍ كَأَنْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ عَلَى أَحَدِ دَوَابِّهَا، فَأَجَابَهَا، وَتَنَازَعَا.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَكَذَا جَعَلَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ إذَا سُمِّيَ مَجْهُولًا لِصِحَّتِهِ كَمَا سَبَقَ، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهِ مَعَ جَهَالَتِهِ (فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (عَنْ دَعْوَى بِوَرَقَةٍ ادَّعَى بِمَا فِيهَا مُصَرِّحًا بِهَا، فَلَا يَكْفِي لِي عِنْدَهُ كَذَا حَتَّى يَقُولَ:

وَأَنَا مُطَالِبُهُ بِهِ) ذَكَرُهُ فِي " التَّرْغِيبِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَكْفِي الظَّاهِرُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ مُدَّعٍ (أَنَّهُ أَقَرَّ لِي بِكَذَا، وَلَوْ) كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ (مَجْهُولًا حَتَّى يَقُولَ) مُدَّعٍ: وَأُطَالِبُهُ بِهِ، أَوْ أُطَالِبُهُ بِمَا يُفَسِّرُهُ بِهِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى (مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِ، فَلَا تَصِحُّ) الدَّعْوَى بِدَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الطَّلَبَ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ (وَفِي " التَّرْغِيبِ " إلَّا إنْ خَافَ) الْمُدَّعِي (سَفَرَ الشُّهُودِ) أَوْ خَافَ سَفَرَ الْمَدْيُونِ؛ فَتَصِحُّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ حِفْظًا لِلْمَالِ.
(وَتَصِحُّ الدَّعْوَى بِتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ وَاسْتِيلَادٍ) لِصِحَّةِ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ أَثَرُهَا.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى (مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا؛ فَلَا تَصِحُّ) الدَّعْوَى عَلَى شَخْصٍ (بِأَنَّهُ قَتَلَ أَوْ سَرَقَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةٍ وَسَنَةٍ دُونَهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ الْحِسَّ يُكَذِّبُهَا وَمِنْهُ لَوْ ادَّعَى أَنْ الْخَلِيفَةَ اشْتَرَى مِنْهُ حُزْمَةَ بَقْلٍ وَحَمَلَهَا بِيَدِهِ؛ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ " (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ الْمُشَارَكَةَ) فِي قَتْلِ أَبِيهِ (لَمْ تُسْمَعْ) الدَّعْوَى (الثَّانِيَةُ) لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِدَعْوَاهُ الْأُولَى، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْآخَرُ الِانْفِرَادَ بِهِ؛ فَلَا تُسْمَعُ (وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي) لِتَكْذِيبِهِ لَهُ أَوَّلًا (إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي غَلِطْتُ أَوْ كَذَبْتُ فِي الْأُولَى) فَتُقْبَلُ الثَّانِيَةُ؛ لِإِمْكَانِهِ، وَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ ذُكِرَ تَلَقِّيهِ مِنْهُ؛ سُمِعَ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ، وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ، وَإِلَّا يَذْكُرُ تَلَقِّيهِ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَهُ الْآنَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْسِ؛ لِعَدَمِ التَّطَابُقِ.

وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى (ذِكْرُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ) لَعَيْنٍ أَوْ لِدَيْنٍ لِكَثْرَةِ سَبَبِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي (وَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُ مُدَّعًى بِهِ) إنْ حَضَرَ (بِالْمَجْلِسِ بِإِشَارَةٍ) لِنَفْيِ اللَّبْسِ بِالتَّعْيِينِ، وَيُعْتَبَرُ (إحْضَارُ عَيْنٍ) مُدَّعًى بِهَا إنْ كَانَتْ (بِالْبَلَدِ وَأَمْكَنَ

إحْضَارُهَا) بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (لِتُعَيَّنَ) بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا نَفْيًا لِلَّبْسِ (وَيَجِبُ الْإِحْضَارُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ مِثْلُهَا) أَنْ يُحْضِرَهُ، وَيُوَكِّلَ بِهِ حَتَّى يُحْضِرَهَا، فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِغَصْبٍ نَحْوَ عَبْدٍ صِفَتُهُ كَذَا، أَوْ أَقَرَّ أَنْ بِيَدِهِ عَبْدًا كَذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الْغَصْبَ، وَقَالَ: الْعَبْدُ مِلْكِي أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ؛ لِتَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهِ (وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا) أَيْ: الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (بِيَدِهِ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا (بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ؛ حُبِسَ حَتَّى يُحْضِرَهَا) لِتَقَعَ الدَّعْوَى عَلَى عَيْنِهَا (أَوْ حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَفَهَا؛ فَيُصَدَّقُ لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ (وَيَكْفِي ذِكْرُ الْقِيمَةِ) بِأَنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: قِيمَتُهَا كَذَا حَيْثُ تَلِفَتْ، (وَإِنْ كَانَتْ) الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا (غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ، أَوْ) كَانَتْ (تَالِفَةً، أَوْ) كَانَتْ (فِي الذِّمَّةِ وَلَوْ غَيْرَ مِثْلِيَّةٍ) كَالْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ بِالصِّفَةِ وَكَوَاجِبِ الْكِسْوَةِ (وَصَفَهَا مُدَّعٍ كَسَلَمٍ) بِأَنْ يَذْكُرَ مَا يَضْبِطُهَا مِنْ الصِّفَاتِ (وَالْأَوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا أَيْضًا) أَيْ: مَعَ وَصْفِهَا؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَكْفِي قِيمَةُ غَيْرٍ مِثْلِيٍّ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَيَكْفِي فِي الدَّعْوَى بِنَقْدِهِ (ذِكْرُ قَدْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) إنْ اتَّحَدَ، وَذِكْرُ (قِيمَةِ جَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ سَلَمٌ؛ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ صِفَاتِهِ.

(وَمَنْ ادَّعَى دَارًا) غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ (بَيَّنَ مَوْضِعَهَا وَحُدُودَهَا، فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ) الْمُدَّعَى بِهَا (بِحُقُوقِهَا وَحُدُودِهَا مِلْكِي وَأَنَّهُ غَصَبَنِيهَا أَوْ) هِيَ (بِيَدِهِ ظُلْمًا، وَأَنَا مُطَالَبُهُ بِرَدِّهَا، وَتَكْفِي شُهْرَةُ عَقَارٍ عِنْدَهُمَا) أَيْ: الْمُتَدَاعِيَيْنِ (وَعِنْدَ حَاكِمٍ عَنْ تَحْدِيدِهِ) لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ وَيَأْتِي.

(وَلَوْ قَالَ مُدَّعٍ: أُطَالِبُهُ بِثَوْبٍ غَصَبَنِيهِ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ) فَيَرُدَّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، أَوْ قَالَ: أُطَالِبُ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ (أَخَذَهُ مِنِّي لِيَبِيعَهُ بِعِشْرِينَ) وَأَبَى رَدَّهُ وَإِعْطَاءَ ثَمَنِهِ (فَيُعْطِينِيهَا) ؛ أَيْ: الْعِشْرِينَ (إنْ كَانَ بَاعَهُ، أَوْ) يُعْطِينِي (الثَّوْبَ إنْ كَانَ بَاقِيًا) أَوْ يُعْطِينِي (قِيمَتَهُ) الْعَشَرَةَ (إنْ كَانَ تَلِفَ؛ صَحَّ) ذَلِكَ اصْطِلَاحًا مِنْ الْقُضَاةِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى الْمُرَدَّدَةِ لِلْحَاجَةِ.

(وَمَنْ ادَّعَى عَقْدًا، وَلَوْ غَيْرَ نِكَاحٍ) كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (ذَكَرَ شُرُوطَهُ لُزُومًا) لِلِاخْتِلَافِ فِي الشُّرُوطِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَا

يَنَالُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِهَا (فَيَقُولُ فِي بَيْعٍ: اشْتَرَيْتُ مِنْهُ هَذِهِ الْعَيْنَ بِكَذَا، أَوْ هُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ، وَكَذَا إنْ ادَّعَى عَقْدَ إجَارَةٍ) وَيَقُولُ (فِي) دَعْوَى (نِكَاحٍ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَبِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا إنْ كَانَتْ لَا تُجْبَرُ) بِأَنْ لَا تَكُونَ لَا بِكْرًا وَلَا ثَيِّبًا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ مَعَ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ (وَلَا يَحْتَاجُ) أَنْ يَقُولَ (وَلَيْسَتْ مُرْتَدَّةً وَلَا مُعْتَدَّةً) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ (وَإِنْ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (أَمَةً) وَهُوَ حُرٌّ (ذَكَرَ عَدَمَ طَوْلٍ وَخَوْفَ عَنَتٍ) مَعَ الْوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ.
فَائِدَةٌ: وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِهَا؛ سُمِعَ إقْرَارُهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ وَالْوَطَنِ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِحَقٍّ عَلَيْهَا؛ فَقُبِلَ إقْرَارُهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(وَإِنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ فَقَطْ) ؛ أَيْ: وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ (لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ شُرُوطِ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِعَاضَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَعَهَا اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ.
(وَيُجْزِئُ عَنْ تَعْيِينِ الْمَرْأَةِ) الْمُدَّعَى نِكَاحُهَا (إنْ غَابَتْ ذِكْرُ اسْمِهَا وَنَسَبِهَا، وَإِنْ ادَّعَتْ هِيَ) أَيْ: الْمَرْأَةُ (عَقْدَ النِّكَاحِ، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَحْوَ نَفَقَةٍ أَوْ مَهْرٍ؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا) لِأَنَّهَا تَدْعِي حَقًّا لَهَا، نُضِيفُهُ إلَى سَبَبِهِ؛ أَشْبَهَ سَائِرَ الدَّعَاوَى، وَلَا تَدَّعِي سِوَى النِّكَاحِ؛ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا؛ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا بِحَقٍّ لِغَيْرِهَا.
(وَمَتَى جَحَدَ) الزَّوْجُ (الزَّوْجِيَّةَ، وَنَوَى بِهِ) أَيْ: بِجَحْدِهِ (الطَّلَاقَ؛ لَمْ تَطْلُقْ) بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ (وَيُتَّجَهُ) ، وَلَوْ كَانَ جُحُودُهُ الزَّوْجِيَّةَ (بِلَفْظِ لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ) أَيْ: مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ؛ لَمْ تَطْلُقْ، كَذَا قَالَ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ أَنَّ الْكِنَايَةَ الْخَفِيَّةَ يَقَعُ بِهَا طَلْقَةٌ مَعَ النِّيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ (لِأَنَّ الْجُحُودَ هُنَا) أَيْ: قَبْلَ الِاتِّجَاهِ (لِعَقْدِ النِّكَاحِ، لَا لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ) وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ بِعَدَمِ عَقْدٍ أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.

(وَمَنْ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ ذَكَرَ الْمُدَّعِي الْقَتْلَ) وَكَوْنَهُ (عَمْدًا أَوْ شِبْهَهُ أَوْ خَطَأً، أَوْ يَصِفُهُ) لِاخْتِلَافِ الْحَالِ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ: فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهِ، لِيَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ (وَذِكْرِ أَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ أَوَّلًا) أَيْ: أَنَّهُ شُورِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَلَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ؛ فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ.
(وَلَوْ قَالَ) مُدَّعٍ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدَّهُ أَيْ: مُوَرِّثَهُ (نِصْفَيْنِ، وَكَانَ حَيًّا) حِينَ قَدَّهُ أَوْ أَنَّهُ ضَرَبَهُ (وَهُوَ حَيٌّ) فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ فَيُطَالَبُ خَصْمُهُ بِالْجَوَابِ.

(وَإِنْ ادَّعَى شَخْصٌ) عَلَى آخَرَ (إرْثًا: ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجُوبًا، لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الْإِرْثِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، فَكَذَا الدَّعْوَى.
(وَإِنْ ادَّعَى مُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَكَانَ تَالِفًا، قَوَّمَهُ) بِالنَّقْدِ الْآخَرِ، فَإِنْ ادَّعَى مُحَلًّى بِذَهَبٍ؛ قَوَّمَهُ بِفِضَّةٍ، وَإِنْ ادَّعَى مُحَلًّى بِفِضَّةٍ؛ قَوَّمَهُ بِذَهَبٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ إلَى الرِّبَا، قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ ادَّعَى مَصُوغًا مِنْ أَحَدِهِمَا صِنَاعَةً مُبَاحَةً تَزِيدُ بِهَا قِيمَتُهُ أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ (فَبِأَيِّهِمَا) ، أَيْ: النَّقْدَيْنِ شَاءَ يُقَوِّمُ (لِلْحَاجَةِ) أَيْ: انْحِصَارِ الثَّمَنِيَّةِ فِيهِمَا (وَيُعْطَى بِقِيمَتِهِ عِوَضًا) .

[فَصْلٌ إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ]

فَصْلٌ (وَإِذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ؛ فَلِلْحَاكِمِ سُؤَالُ خَصْمِهِ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (ابْتِدَاءَ الْجَوَابَ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي سُئِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِحْضَارَهُ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ تُرَادُ لِذَلِكَ (فَإِنْ أَقَرَّ) مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى (لَمْ يُحْكَمْ لَهُ) أَيْ: الْمُدَّعِي (إلَّا بِسُؤَالِهِ)

الْحَاكِمَ الْحُكْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ حَقُّهُ) فَلَا يَسْتَوْفِيه الْحَاكِمُ إلَّا بِمَسْأَلَتِهِ (وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ قَدْ أَلْزَمْتُكَ ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْتُ عَلَيْكَ لَهُ، أَوْ حَكَمْتُ بِذَلِكَ) أَوْ يَقُولَ أَخْرِجْ لَهُ مِنْ حَقِّهِ (وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ وَقَعَ الْحُكْمُ لَازِمًا لَا يَجُوزُ) لِلْحَاكِمِ (الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ: الْحُكْمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (نَقْضُهُ) حَيْثُ وَافَقَ الصَّوَابَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ الدَّعْوَى بِأَنْ قَالَ مُدَّعٍ عَلَيْهِ لِمُدَّعٍ قَرْضًا أَوْ لِمُدَّعٍ ثَمَنًا: مَا أَقْرَضَنِي؛ أَوْ قَالَ: (مَا بَاعَنِي أَوْ قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ قَالَ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ؛ صَحَّ الْجَوَابُ) لِنَفْيِهِ عَيْنَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " لَا حَقَّ لَهُ " نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ كُلَّ حَقٍّ (مَا لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِسَبَبِ الْحَقِّ) فَلَا يَكُونُ قَوْلَهُ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَمَا بَعْدَهُ جَوَابًا، فَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ مَهْرَهَا عَلَى مُعْتَرِفٍ بِزَوْجِيَّتِهَا، فَقَالَ: لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ، وَلَزِمَهُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِهِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَرْضًا، فَاعْتَرَفَ بِهِ.
وَقَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا؛ لِثُبُوتِ سَبَبِ الْحَقِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ مُزِيلُهُ (وَلِهَذَا) (لَوْ أَقَرَّتْ) مَرِيضَةٌ (بِمَرَضِهَا) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (وَأَنْ لَا مَهْرَ لَهَا) عَلَى زَوْجِهَا (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهَا ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ) نَصًّا.
نَقَلَهُ مُهَنَّا (أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ عَنْهُ فِي الصِّحَّةِ) يَعْنِي غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ.

وَلَوْ قَالَ مُدَّعٍ لِمُدَّعًى عَلَيْهِ (لِي عَلَيْك مِائَةٌ) أُطَالِبَكَ بِهَا (فَقَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَيْسَ لَك عَلَيَّ مِائَةٌ؛ اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا شَيْءَ مِنْهَا) لِأَنَّ نَفْيَ الْمِائَةِ لَا يَنْفِي دُونَهَا كَ (يَمِينٍ) فَيَحْلِفُ إذَا وُجِّهَتْ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا يَكْفِي الْحَلِفُ عَلَى نَفْيِ الْمِائَةِ (فَإِنْ نَكِلَ) عَنْ الْيَمِينِ (عَمَّا دُونَ الْمِائَةِ) بِأَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ مِائَةٌ، وَنَكِلَ أَنْ يَقُولَ وَلَا

شَيْءٌ مِنْهَا (حُكِمَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا) مِنْ أَجْزَاءِ الْمِائَةِ.
(وَمَنْ أَجَابَ مُدَّعِي اسْتِحْقَاقِ مَبِيعٍ بِقَوْلِهِ: مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا، وَهُوَ مِلْكُهُ؛ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ رُجُوعَهُ عَلَى زَيْدٍ بِالثَّمَنِ) أَيْ: ثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُسْتَحَقِّ إذَا أَثْبَتَهُ رَبُّهُ.
قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ الصَّوَابُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا وَالْإِضَافَةُ إلَى مِلْكِهِ فِي الظَّاهِرِ (كَمَا لَوْ أَجَابَ) مُشْتَرٍ (بِمُجَرَّدِ إنْكَارٍ) أَنَّهُ لَهُ (أَوْ اُنْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (بِبَيِّنَةِ مِلْكٍ سَابِقٍ) عَلَى شِرَائِهِ؛ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ اُنْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةِ مِلْكِهِ (مُطْلَقٍ) عَنْ التَّارِيخِ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.

(وَلَوْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (لِمُدَّعٍ دِينَارًا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً؛ صَحَّ الْجَوَابُ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ) إذْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً لَيْسَ بِجَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بِنَصٍّ لَا بِظَاهِرٍ (وَيَعُمُّ الْحَبَّاتِ) ؛ أَيْ: حَبَّاتِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَتَعُمُّ (وَيَعُمُّ مَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظَةِ حَبَّةٍ) أَيْ: مَا دُونُهَا (مِنْ بَابِ الْفَحْوَى) أَيْ: الظَّاهِرِ مِنْ عَرْضِ الْكَلَامِ، أَوْ يَعُمُّ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً؛ إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ نَفْيُ اسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مِنْ الدِّينَارِ.
وَلَوْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (لَك عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَالَ) الْمُدَّعِي لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ، وَإِنَّمَا لِي عَلَيْك أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ نَفَاهَا بِنَفْيِ الشَّيْءِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ (لَكَ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْك دِرْهَمٌ وَلَا دَانِقٌ، بَلْ) لِي عَلَيْكَ (أَلْفٌ) قُبِلَ مِنْهُ دَعْوَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى نَفْيِهِ لَيْسَ حَقِّي هَذَا الْقَدْرَ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا دِرْهَمٌ؛ صَحَّ ذَلِكَ.
قَالَهُ الْأَزَجِيُّ.

وَإِنْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (إنْ ادَّعَيْت أَلْفًا بِرَهْنِ كَذَا لِي بِيَدِكَ أَجَبْتُ أَوْ إنْ ادَّعَيْت هَذَا الَّذِي ادَّعَيْته ثَمَنَ كَذَا بِعْتنِيهِ وَلَمْ أَقْبِضْهُ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فَجَوَابٌ) صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى قَيْدٍ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، مُنْكِرٌ لَهُ فِيمَا

سِوَاهُ.
قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " (لَا إنْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ) فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ جَوَابًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَلِمُدَّعٍ) أَنْكَرَ خَصْمُهُ (أَنْ يَقُولَ لِي بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُهَا (وَلِلْحَاكِمِ) إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ (أَنْ يَقُولَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَضْرَمِيِّ أَلَك بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

(فَإِنْ قَالَ) مُدَّعٍ سَأَلَهُ حَاكِمٌ أَلَك بَيِّنَةٌ؟ (نَعَمْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: إنْ شِئْت فَأَحْضِرْهَا، فَإِنْ أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا) الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِلَا إذْنِهِ (وَلَمْ يُلَقِّنْهَا) الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ، بَلْ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهُ الْبَيِّنَةَ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا إنْ شَاءَ، وَلَا يَقُولُ لَهُمَا: اشْهَدَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ: مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا، وَإِنِّي بِكَمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكَمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (فَإِذَا شَهِدَتْ) عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ (سَمِعَهَا، وَلَزِمَهُ فِي الْحَالِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ، وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (تَرْدِيدُهَا، وَيُكْرَهُ) لَهُ (تَعَنُّتُهَا) أَيْ: طَلَبُ زَلَّتِهَا (وَانْتِهَارُهَا) أَيْ: زَجْرُهَا؛ لِئَلَّا يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْكِتْمَانِ، وَلَا يُكْرَهُ (قَوْلُهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (لِمُدَّعًى عَلَيْهِ أَلَك فِيهَا دَافِعٌ أَوْ مَطْعَنٌ؟) بَلْ يُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ قَدْ شَهِدَا عَلَيْك، فَإِنْ كَانَ لَكَ قَادِحٌ فَبَيِّنْهُ لِي.
وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " بِمَا إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِقَادِحٍ (وَاتَّضَحَ) لِلْحَاكِمِ (الْحُكْمُ، وَكَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ وَسَأَلَهُ) ؛ أَيْ الْحَاكِمُ (الْحُكْمَ؛ لَزِمَهُ) الْحُكْمُ فَوْرًا، وَلَا يَحْكُمُ بِدُونِ سُؤَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يَحْلِفُ مُدَّعٍ مَعَ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ) لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَنْ الْيَمِينِ.

(وَيَحْرُمُ الْحُكْمُ وَلَا يَصِحُّ مَعَ عِلْمِهِ بِضِدِّهِ) أَيْ: ضِدِّ مَا يَعْلَمُهُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ (أَوْ مَعَ لَبْسٍ قَبْلَ الْبَيَانِ) وَيَأْمُرُ بِالصُّلْحِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] وَمَعَ عِلْمِهِ بِضِدِّهِ أَوْ اللَّبْسِ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا يَحْكُمُ بِهِ.

(وَيَحْرُمَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (لِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّ لَهُ طَلَبَ تَسْمِيَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَدْحِ بِالِاتِّفَاقِ (وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَكَمْتُ بِكَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ) فَيَحْرُمُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ (لِذَلِكَ) .

(وَلَهُ الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ وَبِإِقْرَارٍ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ) (وَيُتَّجَهُ احْتِمَالُ) الْحُكْمِ بِبَيِّنَةٍ (لَا) أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ مَحَلِّ عَمَله) عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، بَلْ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ حُكْمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ دَفْعًا لِلرِّيبَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ) نَصًّا نَقَلَهُ حَرْبٌ؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ قَضَاءِ الْقَاضِي هُوَ الْحُجَجُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهِمَا إذَا سَمِعَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ مَسْلَمَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ؛ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّار» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
فَجَعَلَ مُسْتَنَدَ قَضَائِهِ مَا سَمِعَهُ لَا غَيْرَهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ فَبِسَمَاعِهِ أَوْلَى، وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
وَلَا يَحْكُمُ قَاضٍ (بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ) الْمَسْأَلَةِ (وَفِي افْتِيَاتٍ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ) وَلَوْ فِي غَيْرِ حَدٍّ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ؛ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي خَاطِبٌ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَر الْقِصَّةَ، وَقَالَ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا، فَهَمَّ بِهِمْ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ» ) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيُّ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ حَدًّا عَلَى رَجُلٍ لَمْ آخُذْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ.
وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى تُهْمَتِهِ وَحُكْمِهِ بِمَا يَشْتَهِي وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ، لَكِنْ يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْحَاكِمِ عَلَى عِلْمِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَظْهَرِ الْبَيِّنَاتِ؛ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْحَاكِمِ تُهْمَةٌ إذَا اسْتَنَدَ إلَيْهَا فَحُكْمُهُ بِهَا حُكْمٌ بِحُجَّةٍ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ.
ذَكَرَهُ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ (إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ مَرْجُوحَةٍ) قَالَ الْمُنَقَّحُ: وَقَرِيبٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ عَمَلُ الْحُكَّامِ بِصُورَةٍ تُسَمَّى بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (قَبُولِي الشَّاهِدِ الْبَاقِي) مِنْ شَاهِدَيْنِ بَعْدَ رَفِيقِهِ (الْقَضَاءَ) لِعُذْرٍ، فَيَقْضِي بِمَا سَمِعَهُ بَيْنَ الْمُقِرِّ، وَقَدْ عَمِلَ بِالطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ كَثِيرٌ مِنْ حُكَّامِنَا وَأَعْظَمُهُمْ الشَّارِحُ.
(وَيْحُكُمْ وَيَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَةٍ بَيِّنَةٍ وَجَرْحِهَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِئَلَّا يَتَسَلْسَلَ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَةِ الْمُزَكِّينَ أَوْ جَرْحِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ لَاحْتَاجَ كُلٌّ مِنْ الْمُزَكِّينَ إلَى مُزَكِّينَ، ثُمَّ يَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى مُزَكِّينَ، وَهَكَذَا.

(وَمَنْ جَاءَ) مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ (بِبَيِّنَةٍ فَاسِدَةٍ اسْتَشْهَدَهَا الْحَاكِمُ) لِئَلَّا يَفْضَحَهَا (وَقَالَ لِمُدَّعٍ زِدْنِي شُهُودًا) وَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] .

[فَصْلٌ يُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا]

فَصْلٌ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، وَكَذَا) وَتُعْتَبَرُ (بَاطِنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وَالْفَاسِقُ لَا يُؤْمَنُ كَذِبُهُ (لَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) فَتَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، فَلَا يَبْطُلُ لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ، وَتَقَدَّمَ.
وَيُعْتَبَرُ فِي قَبُولِ (مُزَكِّينَ مَعْرِفَةُ حَاكِمٍ خِبْرَتَهُمَا بِصُحْبَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ) أَوْ جِوَارٍ، وَيُعْتَبَرُ، (مَعْرِفَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الْمُزَكِّينَ (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: كَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِمَنْ يُزَكُّونَهُ) مِنْ الشُّهُودِ (فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِهَا) ؛ أَيْ: الْعَدَالَةِ لِأَنَّهَا شَرْطٌ (وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لِأَنَّ الْغَالِبَ الْخُرُوجُ عَنْهَا (أَوْ لَمْ يَطْعَنْ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ (الْخَصْمُ) فَيُجِيبُ الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ كَالْإِسْلَامِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ قَالَ إنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ الْعَدَالَةُ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: 72] انْتَهَى.
فَالْفِسْقُ وَالْعَدَالَةُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْرَأُ عَلَى الْآخَرِ، وَعَنْهُ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ) لِقَبُولِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
وَقَوْلِ عُمَرَ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ وَلِأَنَّ

ظَاهِرَ الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ لِأَنَّهَا أَمْرٌ، فَفِي سَبَبِهَا الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، دَلِيلُهُ الْإِسْلَامُ فَإِذَا وُجِدَ اُكْتُفِيَ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: ظَاهِرُ الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ مَمْنُوعٌ، بَلْ الظَّاهِرُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إظْهَارُ الطَّاعَةِ وَإِسْرَارُ الْمَعْصِيَةِ.
وَقَوْلُ عُمَرَ مُعَارِضُ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا: لَسْت أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا أَنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمَا، وَالْأَعْرَابِيُّ الَّذِي قَبِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَهَادَتَهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ صَحَابِيٌّ، وَهُمْ عُدُولٌ.

(وَيَكْفِي فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ) عَدْلَانِ يَقُولَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا: (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ) وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: أَرْضَاهُ لِي وَعَلَيَّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا لَزِمَ قَبُولُهُ عَلَى مُزَكِّيهِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا (وَيَكْفِي فِيهَا) ؛ أَيْ: التَّزْكِيَةِ (الظَّنُّ، بِخِلَافِ الْجَرْحِ، وَتَجِبُ فِيهَا الْمُشَافَهَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا إخْبَارٌ، فَلَا تَكْفِي فِيهَا رُقْعَةُ الْمُزَكِّي؛ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الشَّهَادَةِ) وَهَذِهِ مِنْهَا (وَلَوْ رَضِيَ) مَشْهُودٌ عَلَيْهِ (أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ فَاسِقٍ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ حَقٌّ لِلَّهِ (وَبَيِّنَةٌ بِجَرْحٍ مُقَدَّمَةٌ) عَلَى بَيِّنَةٍ بِتَعْدِيلٍ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ بَاطِنٍ خَفِيٍّ عَلَى الْعَدْلِ، وَشَاهِدُ الْعَدَالَةِ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ مُثْبِتٌ لِلْجَرْحِ وَالْمُعَدِّلُ نَافٍ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَإِذَا عَصَى فِي بَلَدِهِ، فَانْتَقَلَ فَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فِي بَلْدَةٍ وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ فِي الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، قُدِّمَتْ التَّزْكِيَةُ (وَتَعْدِيلُ الْخَصْمِ وَحْدَهُ) لِشَاهِدٍ عَلَيْهِ تَعْدِيلٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لَحِقَهُ، وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ بِعَدَالَتِهِ إقْرَارٌ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ (أَوْ تَصْدِيقِهِ) ؛ أَيْ: الْخَصْمِ (لِلشَّاهِدِ) عَلَيْهِ (تَعْدِيلٌ لَهُ) فَيُؤْخَذُ بِتَصْدِيقِهِ الشَّاهِدَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدُونِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ.

(وَلَا يَصِحُّ مِنْ نِسَاءٍ تَزْكِيَةٌ وَتَجْرِيحٌ) لِقُصُورِ مَعْرِفَتِهِنَّ (وَلَا تَصِحُّ تَزْكِيَةٌ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ) كَقَوْلِ مُزَكٍّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَلَمْ تُوجَدْ.

(وَمَنْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً) بِأَنْ شَهِدَ فَعُدِّلَ، ثُمَّ شَهِدَ فِي قَضِيَّةٍ أُخْرَى

(لَزِمَ الْبَحْثُ عَنْهَا) ؛ أَيْ: الْعَدَالَةِ (مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ) بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ (عُرْفًا) لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تَتَغَيَّرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ، فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ عُرْفًا لَمْ يُبْحَثْ عَنْ عَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهَا.

(وَمَتَى ارْتَابَ الْحَاكِمُ عَلَى عَدْلَيْنِ لَمْ يَخْتَبِرْ قُوَّةَ ضَبْطِهِمَا وَقُوَّةَ دِينِهِمَا؛ لَزِمَهُ الْبَحْثُ) عَمَّا شَهِدَا بِهِ (وَسُؤَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا عَنْ كَيْفِيَّةِ تَحَمُّلِهِ) بِأَنْ يَقُولَ: هَلْ هُوَ مَا شَهِدْت بِهِ أَوْ أَخْبَرْت بِهِ أَوْ أُقِرَّ عِنْدِي (بِهِ رُؤْيَةً أَوْ سَمَاعًا أَوْ إقْرَارًا وَمَتَى) تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ لِيَذْكُرَ تَارِيخَ التَّحَمُّلِ، وَأَيْنَ تَحَمَّلْتهَا فِي مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ بَيْتٍ؟ (وَ) يَسْأَلُهُ (هَلْ تَحَمَّلَ) الشَّهَادَةَ (وَحْدَهُ) بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ غَيْرَهُ حِينَ التَّحَمُّلِ، (أَوْ) كَانَ (مَعَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اتَّفَقَا) فِي جَوَابِهِمَا عَنْ ذَلِكَ (وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضٍ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاَلَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ، وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا، فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا وَتَرْمِي مِمَّا فِي حَوَاصِلِهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا، فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا (فَإِنْ ثَبَتَا) بَعْدَ وَعْظِهِمَا (حُكِمَ) بِشَهَادَتِهِمَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ (وَإِلَّا) يَثْبُتَا (لَمْ يَقْبَلْهُمَا) قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.

(وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ - لَا إنْ لَمْ يُقِمْهَا وَسَأَلَ حَبْسَ خَصْمِهِ) فِي غَيْرِ حَدٍّ حَتَّى تُزَكَّى بَيِّنَتُهُ أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُقَالُ لَهُ: إنْ جِئْت بِالْمُزَكِّينَ فِيهَا، وَإِلَّا أَطْلَقْنَاهُ (أَوْ أَقَامَ، بَيِّنَةً) وَسَأَلَ (كَفِيلًا) ؛ أَيْ: بِخَصْمَيْهِ (فِي غَيْرِ حَدٍّ) حَتَّى تُزَكَّى شُهُودُهُ أُجِيبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَسَأَلَ (جَعْلَ مُدَّعًى بِهِ) مِنْ عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى بَيِّنَتُهُ تُزَكَّى أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً بِطَلَاقِهَا، وَسَأَلَتْ (تَجَنُّبَ مُطَلِّقِهَا بَائِنًا إيَّاهَا) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (حَتَّى تُزَكِّي) بَيِّنَتَهَا أُجِيبَتْ إلَى ذَلِكَ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا احْتِيَاطًا، وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَثْبُتُ بِهِ طَلَاقٌ فَأَشْبَهَ عَدَمَهُ (أَوْ أَقَامَ) مُدَّعٍ (شَاهِدًا) عَلَى خَصْمِهِ (بِمَالٍ وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ أُجِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَحْثِ فِيهَا، فَلَا حَاجَةَ إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا، بَلْ فِي حَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُدَّعِي إحْضَارُ الْمُزَكِّينَ أَوْ الشَّاهِدِ الثَّانِي فِيهَا وَلَا يُحْبَسُ مُدَّعًى عَلَيْهِ (إنْ أَقَامَهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدَ مُدَّعٍ (بِغَيْرِ مَالٍ) وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرَ (أَوْ سَأَلَ حَبْسَهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَةٍ) فَلَا يُجِيبُهُ (لَكِنْ يُجَابُ الْمُدَّعِي لِلْمُلَازَمَةِ) لِخَصْمِهِ (وَيَأْتِي، وَإِنْ جَرَحَهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةَ (الْحُكْمُ بَعْدَ تَعْدِيلِهَا، أَوْ أَرَادَ جَرْحَهَا، كُلِّفَ) الْخَصْمُ بِهِ؛ أَيْ: الْجَرْحِ بِبَيِّنَةٍ لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (وَيُنْظَرُ لِجَرْحٍ وَإِرَادَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ فِي كِتَابِهِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: وَاجْعَلْ لِمَنْ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ حَقَّهُ، وَإِلَّا اسْتَحْلَلْتَ الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْفَى لِلشَّكِّ وَأَجْلَى لِلْغَمِّ (وَيُلَازَمُ الْمُدَّعِي) فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِئَلَّا يَهْرَبَ، فَيَضِيعَ حَقُّهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِيهَا (فَإِنْ أَتَى بِهَا) ؛ أَيْ: بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا يَأْتِ بِهَا فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (حُكِمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ مُدَّعَاهُ مِنْ الْجَرْحِ.
(وَيَتَّجِهُ ثُمَّ إنْ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (بِبَيِّنَةِ جَرْحٍ عُمِلَ بِهَا) لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ أَمْرًا مُمْكِنًا سَابِقًا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُسْمَعُ جَرْحٌ لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ) (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) أَقْوَى أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ جَرْحٌ لَمْ يُبَيِّنْ جَارِحٌ سَبَبَهُ إنْ اخْتَلَفَ مَذْهَبُ قَادِحٍ وَحَاكِمٍ، أَمَّا (مَعَ اتِّحَادِ مَذْهَبِ حَاكِمٍ، وَمُجَرِّحٍ) بِأَنْ كَانَا يَرَيَانِ

عَدَمَ بَيَانِ سَبَبِ الْجَرْحِ، فَيُسْمَعُ الْجَرْحُ، وَلَا يُكَلَّفُ جَارِحٌ بَيَانَ السَّبَبِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِذِكْرِ قَادِحٍ فِيهِ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ) بِأَنْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ فَقَدْ يُجَرِّحُهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جُرْحًا (فَلَا يَكْفِي) قَوْلُ شَاهِدٍ (أَشْهَدُ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] (بَلْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْته يَشْرَبُ الْخَمْرَ) أَوْ رَأَيْته يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا (أَوْ) عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: (سَمِعْته يَقْذِفُ) وَنَحْوَهُ (وَيُعَرِّضُ جَارِحٌ بِزِنًا) أَوْ لِوَاطٍ.
(فَإِنْ صَرَّحَ) بِالرَّمْيِ بِالزِّنَا (وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ) بِأَنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ (حُدَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13] وَإِنْ أَقَامَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِهَذَا الْمُدَّعَى بِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا بِطَلَبِ شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً.

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، وَجَرَّحَهُ وَاحِدٌ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ؛ لِتَمَامِ نِصَابِهِ، وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ قُدِّمَ الْجَرْحُ وُجُوبًا، وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ عَدَّلُوهُ مَا جَرَّحَاهُ بِهِ قَدْ تَابَ مِنْهُ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ لِمَا مَعَ بَيِّنَتِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ.

(وَإِنْ جَهِلَ حَاكِمٌ لِسَانَ خَصْمٍ تَرْجَمَ لَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ عَنْ الْخَصْمِ (مَنْ يَعْرِفُهُ) ؛ أَيْ: لِسَانَ الْخَصْمِ.
قَالَ أَبُو حُمْرَةَ: كُنْت أُتَرْجِمُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ قَالَ: حَتَّى كُنْت أَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُتُبَهُ، وَأَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي تَرْجَمَةٍ وَفِي جَرْحٍ وَفِي تَعْدِيلٍ وَفِي رِسَالَةٍ) ؛ أَيْ: مَنْ يُرْسِلُهُ الْحَاكِمُ لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ (وَفِي تَعْرِيفٍ عِنْدَ حَاكِمٍ) وَأَمَّا التَّعْرِيفُ عِنْدَ شَاهِدٍ فَيَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ (فِي حَدِّ زِنًا) وَلِوَاطٍ (إلَّا أَرْبَعَةُ) رِجَالٍ عُدُولٍ كَشُهُودِ الْأَصْلِ، (وَلَا) يُقْبَلُ فِي تَرْجَمَةٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا (فِي غَيْرِ مَالٍ) كَنِكَاحٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ وَقَذْفٍ وَقِصَاصٍ (إلَّا رَجُلَانِ وَ) لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ (فِي مَالٍ إلَّا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِأَنَّهُ نَقَلَ مَا يَخْفَى عَلَى الْحَاكِمِ بِمَا يَسْتَنِدُ الْحَاكِمُ إلَيْهِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ (وَذَلِكَ شَهَادَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَنْ يُتَرْجِمُ أَوْ يَجْرَحُ أَوْ يُعَدِّلُ أَوْ يُرْسَلُ أَوْ يُعَرِّفُ (وَفِي مَنْ رَتَّبَهُ حَاكِمٌ يَسْأَلُ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ لِتَزْكِيَةٍ أَوْ جَرْحٍ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ الْآتِيَةِ وَتَجِبُ الْمُشَافَهَةُ) فِيمَنْ يُعَدِّلُ أَوْ يَجْرَحُ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا تَكْفِي كِتَابَتُهُ أَنَّهُ عَدْلٌ أَوْ ضِدُّهُ وَنَحْوُهُ كَالشَّهَادَةِ، وَإِذَا رَتَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَسْأَلُ سِرًّا عَنْ الشُّهُودِ فَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ كَتَبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَكُنْيَتَهُ وَصَنْعَتَهُ وَسُوقَهُ وَمَسْكَنَهُ وَمَنْ شَهِدَ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَمَا شَهِدَ بِهِ فِي رِقَاعٍ وَدَفَعَهَا إلَى أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ وَلَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا الشُّهُودُ، وَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً، وَلَا يُعْلِمُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَسْأَلُوا عَنْهُ، فَإِنْ رَجَعُوا بِتَعْدِيلِهِ قَبِلَهُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَيَشْهَدَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ.
(وَمَنْ نُصِّبَ لِلْحُكْمِ بِجَرْحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ، أَوْ نُصِّبَ لِسَمَاعِ بَيِّنَةٍ؛ قَنَعَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْحُكَّامِ (وَإِنْ سَأَلَهُ حَاكِمٌ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ أَخْبَرَهُ) وُجُوبًا بِالْوَاقِعِ (وَإِلَّا) يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ قَالَ الْمُدَّعِي مَالِي بَيِّنَةٌ]

فَصْلٌ (وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي مَالِي بَيِّنَةٌ فَقَوْلُ مُنْكِرٍ بِيَمِينِهِ) لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) إذَا ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ؛ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَحَدٌ (فَقَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ) لِعِصْمَتِهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِتَعْلِيلِهِمْ بِالْعِصْمَةِ، وَالْكُلُّ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا (فَيُعْلِمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (حَاكِمٌ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (فَإِنْ سَأَلَ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (إحْلَافَهُ) ؛ أَيْ: الْمُنْكِر (وَلَوْ عَلِمَ) وَقْتَ إحْلَافِهِ (عَدَمَ قُدْرَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُنْكِرِ (عَلَى حَقِّهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " هَذَا الْمَذْهَبُ (وَيُكْرَهُ) ؛ لَهُ إحْلَافُهُ إذَنْ؛ لِئَلَّا يَضْطَرَّهُ إلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ؛ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْحَبْسِ إذَا أَقَرَّ لِعُسْرَتِهِ (احْلِفْ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ نَصًّا مِنْ نَحْوِ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ) لَا عَلَى صِفَةِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِجَوَابٍ، فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَلَفَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ؛ لِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ.
(وَحُرِّمَ دَعْوَاهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (ثَانِيًا وَتَحْلِيفُهُ) أَيْضًا كَبَرِيءٍ؛ أَيْ: كَمَا تَحْرُمُ دَعْوَاهُ عَلَى بَرِيءٍ وَتَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ (وَتَخْتَصُّ الْيَمِينُ بِمُدَّعًى عَلَيْهِ دُونَ مُدَّعٍ) بِلَا نِزَاعٍ (إلَّا فِي الْقَسَامَةِ) إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُمَا (وَإِلَّا مَعَ الشَّاهِدِ) عَلَى مُدَّعٍ، وَتَقَدَّمَ.

(وَلَا يُعْتَدُّ بِيَمِينِ) مُنْكِرٍ إلَّا إنْ كَانَتْ (بِأَمْرِ حَاكِمٍ لَا بِسُؤَالِ مُدَّعٍ طَوْعًا) فَإِنْ حَلَفَ بِلَا أَمْرِ حَاكِمٍ، أَوْ حَلَّفَهُ حَاكِمٌ بِلَا سُؤَالِ

مُدَّعٍ أَوْ بِسُؤَالِهِ كَرْهًا؛ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْيَمِينُ، فَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي الْحَاكِمَ إعَادَتَهَا أَعَادَهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَّفَهُ الْمُدَّعِي، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ (وَلَا يَصِلُهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينَ مُنْكِرٌ (بِاسْتِثْنَاءٍ) وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهَا قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَكَذَا بِمَا لَا يُفْهَمُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْحَاكِمُ الْمُحَلِّفُ لَهُ.

(وَحُرِّمَ تَوْرِيَةٌ) فِي حَلِفٍ وَهِيَ إطْلَاقُ لَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَيُرَادُ الْبَعِيدُ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةٍ خَفِيَّةٍ.
(وَيَحْرُمُ تَأْوِيلٌ) فِي حَلِفٍ بِأَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ (إلَّا لِحَالِفٍ مَظْلُومٍ) فَيَجُوزُ لَهُ التَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ.

(وَيَحْرُمُ حَلِفُ مُعْسِرٍ حَيًّا) إنْ أَقَرَّ بِمَا عَلَيْهِ (أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي (لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، وَلَوْ نَوَى) لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ (السَّاعَةَ) لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا، خَافَ حَبْسًا أَوْ لَا.
(وَمَرَّ فِي الْحَجْرِ) مُسْتَوْفًى.
(وَ) يَحْرُمُ (حَلِفُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرِهِ) فَأَنْكَرَ، وَحَلَفَ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ السَّاعَةَ لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهُ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ؛ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ.

(وَلَا يَحْلِفُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ (فِي شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَعْتَقِدُهُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ حَقًّا (نَصًّا وَحَمَلَهُ) ؛ أَيْ: النَّصَّ (الْمُوَفَّقُ عَلَى الْوَرَعِ) دُونَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ (وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ حَمْلِهِ) ؛ أَيْ: النَّصِّ (عَلَى مَا إذَا حَكَمَ بِهِ) ؛ أَيْ: الشَّيْءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (مَنْ) ؛ أَيْ: حَاكِمٌ (يَرَاهُ، أَوْ عَلَى مَا إذَا قَلَّدَهُ) ؛ أَيْ: قَلَّدَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (حَالَ فِعْلِهِ) أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَنُقِلَ عَنْهُ) ؛

أَيْ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يُعْجِبُنِي) ؛ أَيْ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَعْتَقِدُهُ، فَلَوْ بَاعَ شَافِعِيٌّ حَنْبَلِيًّا لَحْمًا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ بِدِينَارٍ مَثَلًا، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَأَجَابَ الْحَنْبَلِيُّ بِأَنْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فَالْتَمَسَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ، فَمُقْتَضَى الْإِمَامِ لَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِهَذِهِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُدَّعِي مَا لَا عِنْدَهُ (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْيَمِينِ (فِيمَنْ عَامَلَ بِحِيلَةٍ رِبَوِيَّةٍ كَعِينَةٍ) إذَا أَنْكَرَ الْآخِذُ الزِّيَادَةَ وَأَرَادَ الْحَلِفَ عَلَيْهَا هَلْ يَحْلِفُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ؟ نَقَلَهُ حَرْبٌ قَالَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ هُنَا عَلَى الْقَطْعِ، وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ ظَنِّيَّةٌ (فَلَوْ أُبْرِئَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينِ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُ مُدَّعٍ: أَبْرَأْتُك مِنْ الْيَمِينِ بَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْيَمِينِ (فِي هَذِهِ الدَّعْوَى فَقَطْ) فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُهُ فِيهَا لِإِسْقَاطِهِ (فَلَوْ جَدَّدَهَا) ؛ أَيْ: اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ (وَطَلَبَ) الْمُدَّعِي (الْيَمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَحْلِفْ مَرَّةً أُخْرَى (وَلَوْ أَمْسَكَ مُدَّعٍ عَنْ إحْلَافِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّعْوَى (وَأَرَادَهُ) ؛ أَيْ: أَرَادَ الْمُدَّعِي إحْلَافَهُ (بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ دَعْوَاهُ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي.

(وَمَنْ) أَنْكَرَ فَوُجِّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ (فَلَمْ يَحْلِفْ) وَامْتَنَعَ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: إنْ لَمْ تَحْلِفْ قَضَيْتُ عَلَيْك بِالنُّكُولِ نَصًّا، وَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ) ؛ أَيْ: قَوْلِ إنْ لَمْ تَحْلِفْ قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالنُّكُولِ (ثَلَاثًا) قَطْعًا لِحُجَّتِهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ (بِسُؤَالِ مُدَّعٍ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ قَضَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِنُكُولِهِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَحَصَرَهَا فِي جِهَتِهِ؛ فَلَمْ تُشْرَعْ لِغَيْرِهِ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: النُّكُولُ (كَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَا كَإِقْرَارٍ) بِالْحَقِّ، لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ وَبِأَنَّ الْمُدَّعِي لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ مُتَوَرِّعٌ عَنْ الْيَمِينِ؛ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُقِرٌّ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ (فَيَرْجِعُ) مَقْضِيٌّ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ

(بِمَا أُخِذَ مِنْهُ لَوْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ) وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ بَيِّنَةٌ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ وَأَيْضًا الْإِقْرَارُ إخْبَارٌ وَشَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُقِرًّا شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِسُكُوتِهِ (وَلَا كَبَذْلِ) الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْبَذْلَ قَدْ يَكُونُ تَبَرُّعًا، وَلَا تَبَرُّعَ هُنَا (مِنْ رَأْسِ مَالِ مَرِيضٍ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، وَلَوْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا لَاعْتُبِرَ خُرُوجُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَحَيْثُ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ كَالْإِقْرَارِ وَالْبَذْلِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ كَالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ، وَنُكُولُهُ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَى خَصْمِهِ (لَكِنْ لَا يُشَارِكُ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِهِ) ؛ أَيْ: بِالنُّكُولِ، (عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسِ غُرَمَائِهِ) ؛ أَيْ: الْمُفْلِسِ الثَّابِتِ حَقُّهُمْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ تَوَاطُؤِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مَعَ الْمُدَّعِي عَلَى الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ لِيَقْطَعَا بِذَلِكَ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي الْحَجْرِ.

(وَإِنْ قَالَ مُدَّعٍ) سُئِلَ عَنْ الْبَيِّنَةِ وَقَدْ أَنْكَرَ خَصْمُهُ (لَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً، ثُمَّ أَتَى بِهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يَعْلَمُهَا ثُمَّ عَلِمَهَا، وَنَفْيُ الْعِلْمِ لَا يَنْفِيهَا؛ فَلَا تَكْذِيبَ لِنَفْسِهِ (أَوْ قَالَ) مُدَّعٍ سُئِلَ عَنْ بَيِّنَةٍ: لَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً، فَقَالَ (عَدْلَانِ نَحْنُ نَشْهَدُ لَك فَقَالَ: هَذِهِ بَيِّنَتِي؛ سُمِعَتْ) لِمَا سَبَقَ، (وَ) لَا تُسْمَعُ (إنْ قَالَ مُدَّعٍ مَالِي بَيِّنَةٌ، ثُمَّ أَتَى بِهَا) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا (أَوْ قَالَ) مَنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ (كَذَبَ شُهُودِي، أَوْ قَالَ) مُدَّعٍ (كُلُّ بَيِّنَةٍ أُقِيمُهَا فَهِيَ زُورٌ؛ أَوْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ أَوْ فَلَا حَقَّ لِي فِيهَا) فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ (وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الدَّلِيلِ بُطْلَانُ الْمُدَّعِي؛ فَلَهُ تَحْلِيفُ خَصْمِهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ.

(وَلَا تُرَدُّ الْبَيِّنَةُ بِذِكْرِ السَّبَبِ) إذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ؛ لِعَدَمِ

الْمُنَافَاةِ حِينَئِذٍ (بَلْ تُرَدُّ بِذِكْرِ سَبَبِ الْمُدَّعِي) فِي دَعْوَاهُ سَبَبًا (غَيْرَهُ) كَأَنْ طَالَبَهُ بِأَلْفٍ قَرْضًا، فَأَنْكَرَهُ، فَشَهِدَتْ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعِ أُجْرَةٍ أَوْ غَصْبٍ لِلتَّنَافِي (وَمَتَى شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِغَيْرِ مُدَّعًى بِهِ) كَأَنْ ادَّعَى دِينَارًا، فَشَهِدَتْ بِدَرَاهِمَ، أَوْ فِضَّةً، فَشَهِدَتْ بِفُلُوسٍ، أَوْ غَصَبَ فَرَسِي، فَشَهِدَتْ بِغَصْبِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ (فَهُوَ) أَيْ: الْمُدَّعِي (مُكَذِّبٌ لَهَا) ؛ أَيْ: لِشَهَادَتِهِمَا نَصًّا؛ فَلَا تُسْمَعُ (وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا أَنَّهُ لَهُ) ؛ أَيْ: يَمْلِكُهُ (الْآنَ؛ لَمْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ) إنْ شَهِدَتْ (أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ فِي يَدِهِ أَمْسِ) ؛ لِعَدَمِ التَّطَابُقِ (حَتَّى تُبَيِّنَ الْبَيِّنَةُ سَبَبَ يَدِ الثَّانِي كَغَصْبٍ) أَوْ اسْتِعَارَةٍ (بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ (أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ بِالْأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنْ رَبِّ الْيَدِ) ، فَيُقْبَلُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا؛ قُبِلَ، وَقَالَ (لَا يُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ) بِالدَّيْنِ (قَوْلُهُ) ؛ أَيْ: الشَّاهِدِ (وَإِنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ إلَى الْآنِ بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبْقُ الْحَقِّ إجْمَاعًا) اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَقَالَ فِيمَنْ بِيَدِهِ عَقَارٌ فَادَّعَى رَجُلٌ بِثُبُوتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَانَ لِجَدِّهِ إلَى مَوْتِهِ، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُخَلَّفٌ عَنْ مُوَرِّثِهِ لَا يُنْتَزَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَيْنِ تَعَارَضَا، وَأَسْبَابُ انْتِقَالِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْإِرْثِ؛ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِسُكُوتِهِمَا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وَقَالَ فِي بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِهِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ، وَأَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّ مُوَرِّثَهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْوَاقِفِ قَبْلَ وَقْفِهِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ وَارِثٍ؛ لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ كَتَقْدِيمِ مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ.
(وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَأَقَرَّ بِغَيْرِهِ؛ لَزِمَهُ) مَا أَقَرَّ لَهُ (إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِحَدِيثِ: «لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ» . (وَالدَّعْوَى) بَاقِيَةٌ (بِحَالِهَا) نَصًّا فَلَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهَا، أَوْ تَحْلِيفُهُ.

(وَإِنْ سَأَلَ مُدَّعٍ لَهُ بَيِّنَةً) بِدَعْوَاهُ (إحْلَافَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا يُقِيمُهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةَ (فَحَلَفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَلَهُ إقَامَتُهَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ (تَامَّةً) لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِخْلَافِ،

كَمَا لَوْ غَابَتْ عَنْ الْبَلَدِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ (حَلِفُهُ مَعَ إقَامَةِ شَاهِدٍ) وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إقَامَةِ شَاهِدٍ آخَرَ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إقَامَتِهَا تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ لِمُدَّعٍ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْمَالِ، وَأَقَامَهُ عَرَّفَهُ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ وَرَضِيَ بِيَمِينِهِ اُسْتُحْلِفَ لَهُ، وَانْقَطَعَ النِّزَاعُ، فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي وَقَالَ أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي؛ لَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ.
نَقَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْبُهُوتِيِّ فِي شَرْحِهِ " عَلَى " الْمُنْتَهَى " فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَقَطَعَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَ " الْإِنْصَافِ " فِي أَحْكَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ يُسْتَحْلَفُ؛ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " لَمْ يَقْطَعَا بِذَلِكَ، وَصَاحِبُ " الْمُبْدِعِ " جَعَلَ الْأَشْهَرَ عَدَمَ الِاسْتِحْلَافِ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ حَلِفِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَبَذَلَ الْيَمِينَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ وَجَدَ مُدَّعٍ مَعَ شَاهِدِهِ آخَرَ، فَشَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي بِحَقِّهِ كَمُلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقَضَى لَهُ بِهَا.

(وَإِنْ قَالَ مُدَّعٍ: لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً بِالْمَجْلِسِ؛ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا إحْدَاهُمَا) ؛ أَيْ: الْبَيِّنَةِ أَوْ تَحْلِيفِ خَصْمِهِ؛ لِحَدِيثِ: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» . وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ؛ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِإِمْكَانِ فَصْلِ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ فَلَمْ يُشْرَعْ غَيْرُهَا مَعَ إرَادَةِ مُدَّعٍ إقَامَتَهَا وَحُضُورَهَا، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَدَلِهَا كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا، (وَإِلَّا) تَكُنْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً بِالْمَجْلِسِ (فَلَهُ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَحْلِيفُهُ ثُمَّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْبَيِّنَةِ فُجُورُ الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَكُونُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ يَجِبُ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ، كَمَا قُبِلَ الْيَمِينُ.

(وَإِنْ سَأَلَ مُدَّعٍ مُلَازَمَتَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (حَتَّى يُقِيمَهَا) أَيْ: الْبَيِّنَةَ (أُجِيبَ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ) حَيْثُ أَمْكَنَ إحْضَارُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ

إقَامَتِهَا، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَعُدَتْ، وَلَمْ يُمْكِنْ إحْضَارُهَا؛ فَإِنَّ إلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إلَى إحْضَارِهَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهَا) الْمُدَّعِي (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَجْلِسِ (صَرَفَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَا مُلَازَمَةَ) لِغَرِيمِهِ نَصًّا، وَلَا لِلْحَاكِمِ إلْزَامُهُ (بِكَفِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَرَهْنٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ أَوْ يُقِيمُ بِهِ كَفِيلًا أَوْ يُوَثَّقُ بِهِ رَهْنٌ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ؛ فَلَا يَلْزَمُ مَعْصُومًا مَا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَتَمَكَّنَّ كُلُّ ظَالِمٍ مِنْ حَبْسِ مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.

(وَإِنْ سَكَتَ مُدَّعًى عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالدَّعْوَى وَلَمْ يُنْكِرْهَا (أَوْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَا أَقُولُ وَلَا أُنْكِرُ، أَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِمُدَّعٍ بِدَعْوَاهُ.
قَالَ الْحَاكِمُ: إنْ أَجَبْتَ وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْك بِالنُّكُولِ، وَسُنَّ تَكْرَارُهُ) ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّهَ مِنْ الْجَوَابِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ، كَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ، وَطَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأُحْلِفَ لَهُ، ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمُلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقُضِيَ لَهُ بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتَحْلَفَهُ الْمُدَّعِي.
(فَلَوْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي جَوَابِ الدَّعْوَى: (لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ) وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُلَازِمُهُ الْمُدَّعِي فِيهَا؛ لِإِمْكَانِ مَا يَدَّعِيهِ، وَتَكْلِيفُهُ الْإِقْرَارَ فِي الْحَالِ إلْزَامٌ لَهُ بِمَا لَا يَتَحَقَّقُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ أَوْ يَخَافُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ كَاذِبًا، أَوْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَيُقِرَّ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ، فَوَجَبَ إنْظَارُهُ مَا لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي إنْظَارِهِ إلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، أَوْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّعْوَى) عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ قَضَيْته) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى بِهِ، وَلِي بَيِّنَةٌ بِقَضَائِهِ (أَوْ قَالَ أَبْرَأَنِي) مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ (وَلِي بَيِّنَةٌ بِهِ) ؛ أَيْ: إبْرَائِهِ (يَعْنِي غَيْرَ غَائِبَةٍ وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ، لَزِمَ إنْظَارُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ) لِأَنَّ إلْزَامَهُ فِي الْحَالِ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنْظَارُهُ أَكْثَرَ مِنْ

ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ فَجُمِعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (وَلِمُدَّعٍ مُلَازَمَتُهُ) زَمَنَ الْإِنْظَارِ؛ لِئَلَّا يَهْرُبَ، وَظَاهِرُهُ لَا يَحْبِسُهُ، وَعَمَلُ الْحُكَّامِ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَلَا يُنْظَرُ إنْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ تَدْفَعُ دَعْوَاهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الدَّفْعِ (فَإِنْ عَجَزَ) مُدَّعِي الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْإِنْظَارِ (حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ دَعْوَاهُ) مِنْ قَضَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ (وَاسْتَحَقَّ) مَا ادَّعَى بِهِ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ عَلَى ذَلِكَ (حُكِمَ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي بِنُكُولِهِ (وَصُرِفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي إذَنْ مُنْكِرٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَنَكَلَ عَنْهَا؛ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
(هَذَا) ؛ أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ إنْظَارِ مُدَّعِي الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ وَقَبُولِ بَيِّنَتِهِ إنْ أَحْضَرَهَا بِذَلِكَ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَ سَبَبَ الْحَقِّ) ابْتِدَاءً (فَأَمَّا إنْ كَانَ أَنْكَرَهُ ثُمَّ ثَبَتَ فَادَّعَى قَضَاءَ أَوْ إبْرَاءَ) مُدَّعٍ لَهُ (سَابِقًا عَلَى زَمَنِ إنْكَارِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَقَالَ: مَا اقْتَرَضْت مِنْهُ وَمَا اشْتَرَيْت مِنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، فَقَالَ قَضَيْته، أَوْ أَبْرَأَنِي قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (وَلَوْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْحَقِّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ؛ فَيَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ؛ وَإِنْ ادَّعَى قَضَاءً أَوْ إبْرَاءً بَعْدَ إنْكَارِهِ؛ قُبِلَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بَعْدَ إنْكَارِهِ كَالْإِقْرَارِ بِهِ؛ فَيَكُونُ قَاضِيًا لِمَا هُوَ مُقِرٌّ بِهِ؛ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِهِ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ، وَإِبْرَاءُ الْمُدَّعِي بَعْدَ إنْكَارِهِ إقْرَارٌ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ فَلَا تَنَافِيَ.

(وَإِنْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ) بِعَيْنٍ جَوَابًا لِمُدَّعِيهَا (كَانَتْ بِيَدِكَ) أَمْسِ (أَوْ) كَانَتْ (لَك أَمْسِ؛ لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إثْبَاتُ سَبَبِ زَوَالِ يَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي عَنْ الْعَيْنِ الْمُدَّعَى بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْيَدِ أَوْ الْمِلْكِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ

إثْبَاتِهِ حَلَفَ مُدَّعٍ عَلَى بَقَائِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ بِوَجْهٍ (وَانْتُزِعَتْ) الْعَيْنُ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ الْمُدَّعِي.

[تَتِمَّةٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَحْلِفُوهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ؛ لَمْ يَحْلِفْ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» . وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلْبَيِّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ أَقَالَهُ فِي بَيْعٍ وَأَنْكَرَهُ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِقَالَةِ، وَإِنْ قَالَ قَتَلْتُ دَابَّتِي وَلِي عَلَيْكَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ، وَقَالَ لَا يَلْزَمُنِي أَوْ لَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ فَقَدْ أَجَابَ.

[فَصْلٌ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ بِيَدِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِمُدَّعِيهَا]

فَصْلٌ (وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ بِيَدِهِ) وَلَا بَيِّنَةَ لِمُدَّعِيهَا (فَأَقَرَّ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (بِهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنِ (لِحَاضِرٍ مُكَلَّفٍ) غَيْرِ الْمُدَّعِي (جُعِلَ) الْمُقَرُّ لَهُ (الْخَصْمَ فِيهَا إنْ صَدَّقَ) الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ؛ لِاعْتِرَافِ صَاحِبِ الْيَدِ بِنِيَابَةِ يَدِهِ عَنْ يَدِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ لِغَيْرِهِ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ قَالَ أَنَا مُسْتَأْجِرٌ مِنْهُ أَوْ مُسْتَعِيرٌ أَوْ لَا.
(وَحَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ) أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لِمُدَّعٍ (فَإِنْ نَكَلَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ (أُخِذَ مِنْهُ) لِلْمُدَّعِي (بَدَلُهَا) كَإِقْرَارِهِ بِهَا لِلْمُدَّعِي بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهَا لِغَيْرِهِ (ثُمَّ إنْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقِرَّ (الْمُقَرُّ لَهُ) بِالْعَيْنِ أَنَّهَا مِلْكُهُ (فَهُوَ) ؛ أَيْ: الْمُقَرُّ لَهُ (كَأَحَدِ مُدَّعِيَيْنِ عَلَى ثَالِثٍ أَقَرَّ لَهُ الثَّالِثُ عَلَى مَا يَأْتِي) فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ.

(وَإِنْ قَالَ) مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ (لَيْسَتْ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ) وَجُهِلَ لِمَنْ هِيَ؛ سُلِّمَتْ لِمُدَّعٍ (أَوْ قَالَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: لَيْسَتْ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ (الْمُقَرُّ لَهُ وَجُهِلَ لِمَنْ هِيَ؛ سُلِّمَتْ لِمُدَّعٍ) بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيهَا، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا (فَإِنْ كَانَا) ؛ أَيْ: مُدَّعِيَاهَا (اثْنَيْنِ اقْتَرَعَا عَلَيْهَا، وَلَزِمَ الْمُقِرَّ يَمِينٌ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ، وَإِنْ عَادَ) الْمُقِرُّ بِالْعَيْنِ (وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ) ادَّعَاهَا (لِثَالِثٍ) غَيْرِ مُدَّعِيهَا وَغَيْرِ الْمُقَرِّ لَهُ أَوَّلًا؛ لَمْ يُقْبَلْ (أَوْ عَادَ الْمُقَرُّ لَهُ أَوَّلًا إلَى دَعْوَاهُ) الْعَيْنَ (وَلَوْ قَبْلَ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَهَا الْمُقِرُّ لِنَفْسِهِ (لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِهَذِهِ الدَّعْوَى أَوْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: هِيَ لِفُلَانٍ، أَوْ بِقَوْلِهِ: لَيْسَتْ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ لَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ خِلَافُهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَيْنٍ (بِهَا لِغَائِبٍ) عَنْ الْبَلَدِ (أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ (وَلِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ) شَهِدَتْ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ (فَهِيَ) ؛ أَيْ: الْعَيْنُ لَهُ؛ لِتَرَجُّحِ جَانِبِهِ بِالْبَيِّنَةِ (بِلَا يَمِينٍ) اكْتِفَاءً بِالْبَيِّنَةِ؛ لِخَبَرِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . (وَيَتَّجِهُ) وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مُدَّعٍ (عَلَى بَيِّنَةِ مُدَّعًى عَلَيْهِ) لِلْخَبَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعٍ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنَ الْمُدَّعَى بِهَا (لِمَنْ سَمَّاهُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا (لَمْ يَحْلِفْ) اكْتِفَاءً بِالْبَيِّنَةِ وَسُمِعَتْ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ وَسُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ.
(وَلَا تَثْبُتُ) الْعَيْنُ (لِغَائِبٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِهَا هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ (وَإِنْ لَمْ يُقِمْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بَيِّنَةً) أَنَّ الْعَيْنَ لِمَنْ سَمَّاهُ (اُسْتُحْلِفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ لِمُدَّعِيهَا، وَأُقِرَّتْ بِيَدِهِ؛ لِانْدِفَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِالْيَمِينِ (فَإِنْ نَكَلَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ (غَرِمَ بَدَلَهَا) ؛ أَيْ: مِثْلَ الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً (لِمُدَّعٍ) لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ كَانَا) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِيَانِ لَهَا (اثْنَيْنِ) كُلّ مِنْهُمَا يَدَّعِي جَمِيعَهَا (فَ) عَلَى نَاكِلٍ (بَدَلَانِ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلٌ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا) مُدَّعًى عَلَيْهِ بِعَيْنِ يَدِهِ (لِمَجْهُولٍ) بِأَنْ قَالَ: هِيَ لِإِنْسَانٍ

لَا أُسَمِّيه وَلَا أَعْرِفُهُ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: عَرِّفْهُ وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا، وَقَضَيْت عَلَيْك بِالنُّكُولِ) لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا لِمَجْهُولٍ عُدُولٌ عَنْ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْخَصْمَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَيِّنَ الْمُقَرَّ لَهُ لِتَنْتَقِلَ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ، أَوْ تَدَّعِيَهَا لِنَفْسِك لِتَكُونَ الْخُصُومَةُ مَعَك، أَوْ تُقِرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي لِتَنْدَفِعَ الْخُصُومَةُ عَنْك، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَجْهُولَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ بِهَا (فَإِنْ عَادَ) الْمُقِرُّ (ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا) فَدَعْوَاهَا ثَانِيًا لِنَفْسِهِ مُخَالِفَةٌ لَدَعْوَاهُ الْأُولَى.

[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ مَسَافَةَ قَصْرٍ بِعَمَلِ الْقَاضِي]

فَصْلٌ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ مَسَافَةَ قَصْرٍ بِعَمَلِهِ) ؛ أَيْ: الْقَاضِي (أَوْ لَا) ؛ أَيْ: بِغَيْرِ عَمَلِهِ (أَوْ) ادَّعَى عَلَى (مُسْتَتِرٍ بِالْبَلَدِ أَوْ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ) عَلَى (مَيِّتٍ أَوْ) عَلَى (غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ) كَامِلَةٌ (وَيَتَّجِهُ لَا شَاهِدَ وَيَمِينَ) وَلَوْ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ؛ لِضَعْفِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهَا) فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؛ لِحَدِيثِ «هِنْدَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَقَضَى لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا.
وَلِأَنَّ الْمُدَّعِي هُنَا لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا.
وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْغَيْبَةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَأَمَّا الْمُسْتَتِرُ فَلِأَنَّهُ مُتَعَذِّرُ الْحُضُورِ؛ أَشْبَهَ الْغَائِبَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا، بِخِلَافِ الْمُسْتَتِرِ، وَالْمَيِّتُ كَالْغَائِبِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا تُسْمَعُ بِعَمَلِهِ كَغَيْرِهِ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَلَوْ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، فَمُقْتَضَاهُ كَالْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَمَلِهِ تُسْمَعُ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى،

وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِ " الِاخْتِيَارَاتِ " وَظَاهِرٌ إطْلَاقُ غَيْرِهِ، وَقُيِّدَ فِي الْمُنْتَهَى " بِمَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، وَقَالَ فِي " شَرْحِهِ ": لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِعَمَلِهِ أَحْضَرَهُ لِيَكُونَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَ " الْإِقْنَاعُ " لِمُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى الْخِلَافِ.

(وَلَا) تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ (فِي حَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى (فَيُقْضَى فِي سَرِقَةٍ) ثَبَتَتْ عَلَى غَائِبٍ (بِغُرْمِ) مَالٍ مَسْرُوقٍ (فَقَطْ) دُونَ قَطْعٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) يُقْضَى (فِي زِنَاهُ) ؛ أَيْ: الْغَائِبِ (بِأَمَتِهِ) الْمُزَوَّجَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ (بِمَهْرٍ فَقَطْ) دُونَ حَدٍّ؛ لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَلِأَنَّ مَبْنَى حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَلَيْسَ تَقَدُّمُ الْإِنْكَارِ فِي الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ شَرْطًا؛ إذْ الْغَيْبَةُ وَنَحْوُهَا كَالسُّكُوتِ، وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى سَاكِتٍ، لَكِنْ لَوْ قَالَ هُوَ مُعْتَرِفٌ، وَأَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ اسْتِظْهَارًا، لَمْ تُسْمَعْ.
قَالَهُ الْآدَمِيُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمَحْكُومِ لَهُ عَلَى غَائِبٍ وَنَحْوِهِ (يَمِينٌ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ)

فِي ذِمَّةِ غَائِبٍ أَوْ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ مُسْتَتِرٍ؛ لِحَدِيثِ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَحُصِرَ الْيَمِينُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ؛ فَلَا تَجِبُ مَعَهَا الْيَمِينُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ (إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ.
قَالَ الْمُنَقَّحُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ) انْتَهَى؛ لِفَسَادِ أَحْوَالِ غَالِبِ النَّاسِ (وَلَهُ تَحْلِيفُهُ احْتِيَاطًا) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْفَى مَا شَهِدَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ (ثُمَّ إذَا كُلِّفَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَرَشَدَ) بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، (أَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ، أَوْ ظَهَرَ الْمُسْتَتِرُ؛ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ) إنْ كَانَتْ؛ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَصْلِ الْحَقِّ لَا يُبْطِلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْقِطُ الْحَقَّ، وَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ وُقِفَ عَلَى حُضُورِهِ، وَلَا تَجِبُ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ، بَلْ يُخْبِرُهُ الْحَاكِمُ بِالْحَالِ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ الْجَرْحِ (فَإِنْ جَرَحَ) مَحْكُومٌ عَلَيْهِ (الْبَيِّنَةَ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا) بِأَنْ جَرَحَهَا، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلَا قَبْلَهُ (لَمْ يُقْبَلُ) تَجْرِيحُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَإِذَا أَطْلَقَ اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ؛ فَلَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ؛ لِجَوَازِ حُدُوثِ الْجَرْحِ بَعْدَهُ.
وَإِنْ جَرَحَهَا (بِأَمْرٍ سَابِقٍ) الْأَدَاءِ (قَبْلَ تَجْرِيحِهِ) . وَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْحُكْمِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ.
(وَالْغَائِبُ دُونَ الْمَسَافَةِ) ؛ أَيْ: مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إنْ كَانَ (غَيْرَ مُسْتَتِرٍ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ دَعْوَى وَلَا بَيِّنَةٌ حَتَّى يَحْضُرَ) مَجْلِسَ الْحُكْمِ (كَحَاضِرٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا تَقْضِي» . حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ؛ فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَهُ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ (إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ) الْحَاضِرُ بِالْبَلَدِ أَوْ الْغَائِبُ دُونَ الْمَسَافَةِ عَنْ الْحُضُورِ (فَيُسْمَعَا) ؛ أَيْ: الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُهْجَمُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ) بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّرْغِيبِ ". وَحَيْثُ سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ بِبَيِّنَةٍ؛ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا؛ لِتَعَذُّرِ حُضُورِهِ كَالْغَائِبِ الْبَعِيدِ (ثُمَّ إنْ) كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى الْغَائِبِ عَيْنًا سَلَّمَهَا الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي،

كَمَا لَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا، فَإِنْ (وَجَدَ) الْحَاكِمُ (لَهُ مَالًا وَفَّاهُ) ؛ أَيْ: دَيْنَهُ (مِنْهُ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ظُلْمٌ لَهُ، (وَإِلَّا) يَجِدْ لِلْغَائِبِ مَالًا (قَالَ لِمُدَّعٍ إنْ عَرَفْت لَهُ) ؛ أَيْ: الْغَائِبِ (مَالًا وَثَبَتَ عِنْدِي) أَنَّهُ مَالُهُ (وَفَّيْتُك مِنْهُ) دَيْنَهُ.
(وَالْحُكْمُ لِلْغَائِبِ لَا يَصِحُّ) لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِلْغَائِبِ (تَبَعًا) لِمُدَّعٍ حَاضِرٍ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ (كَمَنْ ادَّعَى مَوْتَ أَبِيهِ) أَوْ ادَّعَاهُ وَكِيلُهُ أَوْ وَلِيُّهُ (عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ أَوْ غَيْرِ رَشِيدٍ، وَلِلْمَيِّتِ عِنْدَ فُلَانٍ عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ، فَثَبَتَ) الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى فُلَانٍ (بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ) أَوْ نُكُولٍ (فَيَأْخُذُ الْمُدَّعِي) أَوْ وَكِيلُهُ أَوْ وَلِيُّهُ (نَصِيبَهُ، وَ) يَأْخُذُ (الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ) أَوْ غَيْرِ الرَّشِيدِ؛ فَيَجْعَلُهُ فِي يَدِ أَمِينٍ أَمَانَةً، وَيُكْرِيه لَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُكْرَى، أَوْ يَحْفَظُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ بِيَدِ الْغَرِيمِ أَوْ ذِمَّتِهِ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ بِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ وَعَزْلِ الْحَاكِمِ وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ حُضُورِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَنْ الطَّلَبُ بِضَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ طَعْنٌ عَلَى الشُّهُودِ (وَكَالْحُكْمِ بِوَقْفٍ يَدْخُلُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَقْفِ (مَنْ لَمْ يُخْلَقْ) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (تَبَعًا) لِمَحْكُومٍ لَهُ الْآنَ (وَكَإِثْبَاتِ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الْوَكَالَةَ فِي غَيْبَةِ) الْوَكِيلِ (الْآخَرِ فَتَثْبُتُ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلْغَائِبِ (تَبَعًا) فَلَا تُعَادُ الْبَيِّنَةُ إذَا حَضَرَ (وَسُؤَالُ أَحَدِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ) عَلَى الْمُفْلِسِ (كَسُؤَالِ الْكُلِّ) ؛ أَيْ: كُلِّ الْغُرَمَاءِ (فَالْقَضِيَّةُ الْوَاحِدَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مُتَعَدِّدٍ) أَوْ عَلَى أَعْيَانٍ مَحْكُومٍ بِهَا (كَوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ) فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ (الْمُشَرِّكَةِ) وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَوَلَدَاهَا وَعَصَبَةٌ شَقِيقٌ (الْحُكْمُ فِيهَا لِوَاحِدٍ) مِنْ الْعَصَبَةِ بِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْإِخْوَةَ لِأُمٍّ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، (أَوْ) الْحُكْمُ (عَلَيْهِ) بِأَنَّهُ سَاقِطٌ لِاسْتِغْرَاقِ الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ (يَعُمُّهُ) ؛ أَيْ: الْمَحْكُومَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ (وَيَعُمُّ غَيْرَهُ) مِنْ الْعَصَبَةِ لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْحُكْمِ (وَحُكْمُهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ (لِطَبَقَةٍ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (حُكْمٌ لِلطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ الشَّرْطُ وَاحِدًا) غَيْرَ مُخْتَلِفٍ (ثُمَّ مَنْ أَبْدَى) مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ (مَا) ؛ أَيْ: أَمْرًا يُمْكِنُ أَنْ (يَمْنَعَ بِهِ الْأَوَّلَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى (لَوْ عَلِمَهُ؛ فَلِثَانٍ) ؛ أَيْ: الْمُبْدِي لِذَلِكَ الْأَمْرِ (الدَّفْعُ بِهِ) كَالْأَوَّلِ لَوْ عَلِمَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَطْنٍ يَتَلَقَّاهُ عَنْ وَاقِفِهِ فَهُوَ أَصْلٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ، وَيَبِيعُ مَالَهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ لِلْغَائِبِ، وَأَعْلَى طُرُقِهِ الْبَيِّنَةُ، فَيَكُونُ مِنْ الدَّعْوَى لِلْغَائِبِ تَبَعًا أَوْ مُطْلَقًا، لِلْحَاجَةِ إلَى إيفَاءِ الْحَاضِرِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْغَائِبِ.

[فَصْلٌ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ الْحَاكِمُ فِي دَعْوَاهُ]

فَصْلٌ (وَمَنْ ادَّعَى أَنْ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَصَدَّقَهُ) الْحَاكِمُ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ (قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ) فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ بِالْحُكْمِ، وَيُلْزِمُ خَصْمَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ حُكْمًا بِالْعِلْمِ، بَلْ إمْضَاءً لِلْحُكْمِ السَّابِقِ (كَقَوْلِهِ) ؛ أَيْ: (ابْتِدَاءً حَكَمْت بِكَذَا) فَيُقْبَلُ مِنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ) ؛ أَيْ: الْحُكْمَ حَاكِمٌ (فَشَهِدَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِحُكْمِهِ (عَدْلَانِ) فَقَالَا لِلْحَاكِمِ نَشْهَدُ عِنْدَك أَنَّك حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا (قَبِلَهُمَا) الْحَاكِمُ (وَأَمْضَاهُ) ؛ أَيْ: حُكْمَهُ (وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَك بِكَذَا) قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأَمْضَى حُكْمَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إمْضَائِهِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ) . (فِيهِمَا) ؛ أَيْ: الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَهُمَا، فَكَذَا إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ صَوَابَ نَفْسِهِ لَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَلَمْ يُمْضِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَالْيَقِينُ أَقْوَى (بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ شَهَادَتَهُ، فَشَهِدَا) ؛ أَيْ: الْعَدْلَانِ (عِنْدَهُ) ؛ أَيْ: النَّاسِي لِشَهَادَتِهِ بِهَا بِأَنْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّكَ شَهِدْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا (فَلَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ) لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْضَاءِ شَهَادَتِهِ، وَإِنَّمَا يُمْضِيهَا الْحَاكِمُ، فَفَارَقَ الْحَاكِمَ بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِحُكْمِهِ) أَحَدٌ يَعْنِي عَدْلَيْنِ (وَوَجَدَهُ) ؛ أَيْ: حُكْمَهُ مَكْتُوبًا (وَلَوْ فِي قِمْطَرِهِ تَحْتَ حُكْمِهِ) وَلَمْ يَذْكُرْ؛ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ كَحُكْمِ غَيْرِهِ، وَلِجَوَازِ أَنْ يُزَوَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَطِّهِ وَخَتْمِهِ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ (أَوْ وَجَدَ) شَاهِدٌ (شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، وَتَيَقَّنَهُ) ؛ أَيْ: الْخَطَّ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ) ؛ أَيْ: الْمَشْهُودَ بِهِ (لَمْ يُعْمَلْ بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ نَصًّا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زُوِّرَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كَثِيرًا، (كَوِجْدَانِ خَطِّ أَبِيهِ بِحُكْمٍ) لِأَبِيهِ؛ أَيْ: لَوْ وَجَدَ الْحَاكِمُ حُكْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّ أَبِيهِ، فَلَيْسَ لَهُ إنْفَاذُهُ (أَوْ) وِجْدَانِ خَطِّ أَبِيهِ (بِشَهَادَةٍ) فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ كَشَهَادَةِ غَيْرِهِ إذَا وَجَدَهَا بِخَطِّهِ، وَلَوْ تَيَقَّنَهُ (إلَّا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ) قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا الَّذِي رَأَيْته عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي قِمْطَرِهِ وَتَحْتَ حُكْمِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.
(وَمَنْ تَحَقَّقَ الْحَاكِمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ) الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا (أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ) فَيَتَسَاهَلَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، (لَمْ يَجُزْ) لِلْحَاكِمِ الْمُتَحَقِّقِ لِذَلِكَ (قَبُولُ شَهَادَتِهِ) كَمُغَفَّلٍ، (وَإِلَّا) يَتَحَقَّقْ الْحَاكِمُ مِنْهُ (حَرُمَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الْحَالِ) لِقَدْحِهِ فِيهِ (وَلَا يَجِبُ) عَلَى الشَّاهِدِ (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالصِّفَةِ) الَّتِي شَهِدَ بِهَا؛ أَيْ: أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ أَوْ اعْتَمَدَ عَلَى خَطِّهِ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ]

فَصْلٌ (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ) ؛ أَيْ: يُحِيلُهُ (عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا) وَلَوْ عَقْدًا أَوْ فَسْخًا؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: كَوْنُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا (فِيمَا) ؛ أَيْ: فِي الْحُكْمِ الَّذِي (يُنْقَضُ) وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْفَتْوَى كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا لَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَمَتَى كَانَتْ الْبَيِّنَةُ كَاذِبَةً) وَحَكَمَ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهَا (لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ حَتَّى وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَفَسْخٍ) وَطَلَاقٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَمَنْ حَكَمَ لَهُ) حَاكِمٌ (بِبَيِّنَةٍ زُورٍ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ) فَلَا تَحِلُّ لَهُ بَاطِنًا، وَيَلْزَمُهَا حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ، لِعَدَمِ مَا يَدْفَعُهُ (فَإِنْ وَطِئَ مَعَ الْعِلْمِ) بِالْحَالِ (فَزِنًا يَحُدُّ مَعَ أَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، فَرُفِعَا إلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ، فَقَالَ شَاهِدَاك زَوَّجَاك.
فَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا حُجَّةَ فِيهِ

لِلْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ، لَا إلَى حُكْمِهِ، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ، لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ، لَكِنَّ اللِّعَانَ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَهُ لِسِتْرِ الزَّانِيَةِ وَصِيَانَةِ النَّسَبِ، فَتَعَقَّبَهُ الْفَسْخُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ إلَّا بِهِ، وَلَيْسَ كَمَسْأَلَتِنَا (وَيَجِبُ امْتِنَاعُهَا مِنْهُ) مَا أَمْكَنَهَا (فَإِنْ أَكْرَهَهَا وَوَطِئَهَا فَهُوَ الْآثِمُ) لَا هِيَ؛ لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ (وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا) ؛ أَيْ: الْمَرْأَةِ الْمَحْكُومِ بِنِكَاحِهَا لِرَجُلٍ بِبَيِّنَةٍ زُورٍ (غَيْرَهُ) لِخُلُوِّهَا مِنْ النِّكَاحِ.
(وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا بِشُهُودِ زُورٍ، فَهِيَ زَوْجَةٌ بَاطِنًا نَصًّا، وَيُكْرَهُ لَهُ اجْتِمَاعُهُ بِهَا ظَاهِرًا) خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ لِسَبَبِ طَعْنِهِ عَلَى الْحَاكِمِ (وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ بِالْحَالِ) مِنْ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَةِ الْأَوَّلِ.

(وَمَنْ حَكَمَ لِمُجْتَهِدٍ، أَوْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ؛ عَمِلَ) الْمُجْتَهِدُ (بِالْحُكْمِ حَتَّى بَاطِنًا، لَا بِاجْتِهَادِهِ) لِرَفْعِ حُكْمِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَحْكُومِ (بِهِ وَإِنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ لَحْمًا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا (فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ حَاكِمٌ (شَافِعِيٌّ نُفِّذَ حُكْمُهُ) فَيَدْخُلُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ أَوْ النَّجَاسَةِ تَبَعًا لَا اسْتِقْلَالًا، وَكَذَا إنْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ لِحَنْبَلِيٍّ بِشُفْعَةِ جِوَارٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْإِمَامِ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِشُفْعَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَهُوَ فِي حَالِ طَلَبِهِ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ طَلَبِ شَيْءٍ وَبَيْنَ اعْتِقَادِهِ تَحْرِيمَهُ.
قَالَ: لَكِنْ لَوْ كَانَ الطَّالِبُ غَيْرَهُ أَوْ ابْتَدَأَ الْإِمَامُ بِحُكْمٍ أَوْ قَسْمٍ فَهُنَا يَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، ثُمَّ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ رَدَّ حَاكِمٌ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِعَدَالَتِهِ، وَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ (كَرَدٍّ) بِشَهَادَةِ (مَنْ شَهِدَ بِمِلْكٍ مُطْلَقٍ) فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ، (وَ) عَدَمُ التَّأْثِيرِ بِرَدِّ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ (أَوْلَى) مِنْ عَدَمِهِ بِرَدِّهَا بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمَ (لَا مَدْخَلَ لِحُكْمِهِ فِي عِبَادَةٍ وَوَقْتٍ) . (وَيَتَّجِهُ وَلَا مَدْخَلَ) لِحُكْمِ الْحَاكِمِ (فِي طَهَارَةٍ) وَتَنْجِيسٍ (ك) مَا لَوْ حَكَمَ حَنْبَلِيٌّ بِنَجَاسَةِ لَحْمٍ مَذْبُوحٍ (مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا؛ فَلَا يَصِيرُ مُتَنَجِّسًا بِحُكْمِهِ أَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِطَهَارَتِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ حُكْمُهُ فِي طَهَارَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَإِنَّمَا هُوَ) ؛ أَيْ: رَدُّ شَهَادَتِهِ بِرَمَضَانَ (فَتْوَى، فَلَا يُقَالُ حَكَمَ بِكَذِبِهِ أَوْ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ) ؛ أَيْ: الْهِلَالَ؛ فَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ الصَّوْمُ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْوَاحِدِ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (أُمُورُ الدِّينِ وَالْعِبَادَاتِ لَا يَحْكُمُ فِيهَا إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إجْمَاعًا) قَالَ الْغَزِّيِّ: طَهَارَةُ الشَّيْءِ وَنَجَاسَتُهُ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ يَدْخُلُهَا تَضَمُّنًا كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى طَهَارَةِ شَيْءٍ أَوْ نَجَاسَتِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَحُكِمَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلِّقِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ.

(وَلَوْ رُفِعَ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمِ (حُكْمٌ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ) لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا أَوْ مَا يَعْتَقِدُهُ (لِيُنَفِّذَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِرُفِعَ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْحَاكِمَ (تَنْفِيذُهُ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ) الْمَرْفُوعُ إلَيْهِ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ حُكْمٌ سَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ؛ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ (وَكَذَا إنْ كَانَ نَفْسُ الْحُكْمِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَحُكْمِهِ بِعِلْمِهِ، وَتَزْوِيجِهِ يَتِيمَةً) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَكَحُكْمِهِ (عَلَى غَائِبٍ) أَوْ بِنُكُولِ الْخَصْمِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ بِالثُّبُوتِ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل