مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَسْقُطُ بِهِمْ الْفَرْضُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيَجِبُ حِفْظُ مَا) أَيْ: قَدْرِ (يَجِبُ فِي صَلَاةٍ، كَفَاتِحَةٍ) ، لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ.
وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ، كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ؛ أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ.
(وَ) الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ) وَزَبُورٍ، وَسَائِرِ الصُّحُفِ، (وَبَعْضُهُ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ (أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ) إمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ، وَالْفَاتِحَةِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ صَرْفَ الزَّمَانِ فِي (مَا وَرَدَ) أَنْ يُتْلَى (فِيهِ) مِنْ الْأَوْقَاتِ (ذِكْرٌ خَاصٌّ) ، كَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَالْمُقِيمِ، وَمَا يُقَالُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ، وَفِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ (أَفْضَلُ مِنْ) صَرْفِهِ فِي (قِرَاءَةِ) الْقُرْآنِ تَأَدُّبًا أَنْ يُفَضَّلَ شَيْءٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ، بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ.
(وَيُقَدَّمُ صَبِيٌّ بِتَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ قَبْلَ الْعِلْمِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ أَوَّلًا؛
تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ لَزِمَهَا (إلَّا أَنْ يَعْسَرَ) عَلَيْهِ حِفْظُهُ كُلِّهِ؛ فَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.
(وَيُقَدَّمُ مُكَلَّفُ الْعِلْمِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا يَجِبُ فِي صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، (كَمَا يُقَدَّمُ كَبِيرُ نَفْلِ عِلْمٍ عَلَى نَفْلِ قِرَاءَةٍ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ.
(وَسُنَّ خَتْمُهُ) فِي (كُلِّ أُسْبُوعٍ) ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ كُلَّ أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَرًا، أَيْ: فِي الْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ؛ فَحَسَنٌ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ لِي قُوَّةً، قَالَ: اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَا بَأْسَ بِهِ) ، أَيْ: بِالْخَتْمِ (فِيمَا دُونَهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثِ (أَحْيَانَا) .
(وَسُنَّ إكْثَارُ قِرَاءَةٍ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ، كَرَمَضَانَ وَمَكَّةَ، اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) .
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالنَّشَاطِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ؛ فَمَنْ وَجَدَ نَشَاطًا فِي خَتْمِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا؛ كُرِهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ.
(وَكُرِهَ تَأْخِيرُ خَتْمِ) الْقُرْآنِ (فَوْقَ أَرْبَعِينَ) يَوْمًا (بِلَا عُذْرٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ؛ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ.
وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ.
(وَحَرُمَ) تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ (إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: مَا أَشَدُّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ) ، صَاحِبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي مَعْنَى حَدِيثِ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ: الْمُرَادُ بِالنِّسْيَانِ: أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ) ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ.
(وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الْقُرْآنَ لِاشْتِغَالِهِ بِعِلْمٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَهُوَ غَيْرُ مَأْثُومٍ) .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (يَخْتِمَ بِشِتَاءٍ أَوَّلَ لَيْلٍ) لِطُولِهِ، (وَبِصَيْفٍ أَوَّلَ نَهَارٍ) لِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ يُعْجِبُ أَحْمَدَ، لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ؛ قَالَ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ؛ يَقُولُونَ: إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ؛ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ خَتْمِهِ) رَجَاءَ عَوْدِ نَفْعِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ إلَيْهِمْ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ رَجُلًا يُرَاقِبُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ؛ أَعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَيَشْهَدُ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ، وَدَعَا " وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخَتْمَةِ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ: الْحِلُّ وَالرِّحْلَةُ؛ قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ، وَخَتْمُهُ» . (وَيَدْعُوَ) عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا، لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَتَقَدَّمَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُكَبِّرَ فَقَطْ) ، فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ (لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ آخِرِ الضُّحَى) إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ " رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ " رَوَاهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ.
(وَلَا يُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَخَمْسًا) ، أَيْ: خَمْسَ آيَاتٍ (مِنْ) أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ أَثَرٌ صَحِيحٌ، (فَإِنْ فَعَلَ) ذَلِكَ؛ (فَلَا بَأْسَ) ، لَكِنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ يُسَنُّ تَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ]
(فَصْلٌ) (يُسَنُّ تَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ) أَيْ: التَّأْوِيلُ (هُنَا: التَّفْسِيرُ) لَا إخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ.
(وَيَجُوزُ تَفْسِيرُ) الْقُرْآنِ (بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِهَا، وَ (لَا) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (بِالرَّأْيِ) مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ، (فَمَنْ قَالَ فِيهِ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ، أَيْ: فَسَّرَهُ (بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) ، أَيْ: لِيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ (مِنْ النَّارِ، وَأَخْطَأَ وَلَوْ أَصَابَ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُوَيْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
(وَيَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِتَفْسِيرِ صَحَابِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ، فَهُوَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَ (لَا) يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِتَفْسِيرِ (تَابِعِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ: تَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ التَّابِعِينَ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ، لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ.
قَالَهُ الْقَاضِي
(وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ) مِنْهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
(وَحَرُمَ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ.
فَيَقُولُ ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: 40] فَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُسْتَعْمَلَ) الْقُرْآنُ (فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِتَعْظِيمِهِ وَاحْتِرَامِهِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنْ قَرَأَ عِنْدَمَا يُنَاسِبُهُ فَحَسَنٌ، كَقَوْلِ مَنْ دُعِيَ لِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: 16] ، وَكَقَوْلِهِ عِنْدَ إصَابَتِهِ (وَعِنْدَ) مَا (أَهَمَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] ، وَ) كَقَوْلِهِ (لِمَنْ اسْتَعْجَلَهُ) : ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا هُوَ مُنَاسِبٌ لِمُقْتَضَى الْحَالِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْقِيصَ فِيهِ.
(وَلَا يَجُوزُ نَظَرٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنْ التَّوْرَاةِ.
وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» . . .؟ ، " الْحَدِيثَ.
(وَلَا) النَّظَرُ فِي (كُتُبِ أَهْلِ بِدَعٍ، وَ) لَا النَّظَرُ فِي (كُتُبٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَا رِوَايَتُهَا) .
لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ الْعَقَائِدِ.
(وَيَتَّجِهُ جَوَازُ نَظَرٍ) فِي كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ: لِمَنْ كَانَ مُتَضَلِّعًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ شِدَّةِ تَثَبُّتٍ.
وَصَلَابَةِ دِينٍ، وَجَوْدَةِ فِطْنَةٍ، وَقُوَّةِ ذَكَاءٍ وَاقْتِدَارٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ، (لِرَدٍّ عَلَيْهِمْ) وَكَشْفِ أَسْرَارِهِمْ، وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ أَهْلُ الْجَهَالَةِ بِتَمْوِيهَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ؛ فَتَخْتَلَّ عَقَائِدُهُمْ الْجَامِدَةُ.
وَقَدْ فَعَلَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلْزَمُوا أَهْلَهَا بِمَا لَمْ يُفْصِحُوا عَنْهُ جَوَابًا.
وَكَذَلِكَ نَظَرُوا فِي التَّوْرَاةِ، وَاسْتَخْرَجُوا
مِنْهَا ذِكْرَ نَبِيِّنَا مِنْ مَحَلَّاتٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُصْحَفِ) فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
[تَتِمَّةٌ يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ]
ِ، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ، لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو، وَلَا يَسْهُوَ مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]
(بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَمَنْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَمَنْ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَمَوْقِفُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
وَهِيَ (وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ عَيْنٍ، (لِلْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102] فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا.
وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ؛ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنَّا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ.
وَيُعَضِّدُ وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهَا حَالَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَجُوزُ فِي الْأَمْنِ، وَأَبَاحَ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً؛ لَمَا جَازَ ذَلِكَ (عَلَى رِجَالٍ) لَا النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى (أَحْرَارٍ) دُونَ الْعَبِيدِ وَالْمُبَعَّضِينَ، (قَادِرِينَ) عَلَيْهَا دُونَ ذَوِي الْأَعْذَارِ، (وَلَوْ سَفَرًا فِي شِدَّةِ خَوْفٍ) ، لِعُمُومِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
(وَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
(كَأَذَانٍ) ، أَيْ: كَمَا يُقَاتَلُ تَارِكُ الْأَذَانِ؛ لَكِنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ تَارِكُهَا وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ بِخِلَافِهِ، (لَا شَرْطًا) ، أَيْ: لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَأَبَا دَاوُد.
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ لَوْلَا الْعُذْرُ لِلْخَبَرِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ لِلْعِبَادَةِ شَيْءٌ، وَتَصِحُّ بِدُونِهِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَكَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ؛ (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُنْفَرِدٍ) لَا عُذْرَ لَهُ.
(وَيَأْثَمُ، وَفِي صَلَاتِهِ فَضْلٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ.
(وَتَفْضُلُ الْجَمَاعَةُ) عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) ،
لِمَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُفْرَدَةً؛ أَشْبَهَتْ الْعَدَدَ الْمُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ الْعَدَدِ، وَكَانَتْ خَمْسًا، فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ؛ فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَأُدْخِلَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ الْمُضَاعَفَةِ، فِي الْحِسَابِ.
(وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ عُذْرٍ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ؛ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، صَحِيحًا مُقِيمًا» .
(وَتَنْعَقِدُ) الْجَمَاعَةُ (بِاثْنَيْنِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) ، لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِمَا، (وَلَوْ) كَانَتْ الْجَمَاعَةُ (بِأُنْثَى) وَالْإِمَامُ رَجُلٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، (أَوْ) كَانَتْ بِ (عَبْدٍ) ، وَالْإِمَامُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، لِمَا سَبَقَ.
وَ (لَا) تَنْعَقِدُ (بِصَبِيٍّ) ، وَالْإِمَامُ بَالِغٌ (فِي فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إمَامًا فِي الْفَرْضِ، وَيَصِحُّ فِي النَّفْلِ،؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ» وَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا.
(وَتَحْصُلُ) الْجَمَاعَةُ (بِبَيْتِهِ وَصَحْرَاءَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ؛ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَتُسَنُّ) الْجَمَاعَةُ (بِمَسْجِدٍ) ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْهُ إقَامَتُهَا بِالرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ
أَدَّى ذَهَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَى انْفِرَادِ أَهْلِهِ؛ فَالْمُتَّجِهُ إقَامَتُهَا فِي بَيْتِهِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ.
وَلَوْ كَانَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا، وَفِي بَيْتِهِ صَلَّى جَمَاعَةً؛ تَعَيَّنَ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ، وَفِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ؛ كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى
(وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِمَقْضِيَّةٍ وَكُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَرَاوِيحَ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
(وَ) تُسَنُّ لِ (عَبِيدٍ وَصِبْيَانٍ وَخَنَاثَى) تَحْصِيلًا لِلْفَضِيلَةِ.
(وَ) تُسَنُّ أَيْضًا (لِنِسَاءٍ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ رِجَالٍ فِي دُورِهِنَّ) ، لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
«وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ وَرَقَةَ بِأَنْ تَجْعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ (مِنْهُنَّ إمَامُهُنَّ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، أَشْبَهْنَ الرِّجَالَ.
(وَيُكْرَهُ لِحَسْنَاءَ) وَلَوْ غَيْرَ شَابَّةٍ (حُضُورُ جَمَاعَةٍ مَعَ رِجَالٍ) ، خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهَا، (وَيُبَاحُ الْحُضُورُ لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْحَسْنَاءِ، كَعَجَائِزَ لَا حُسْنَ لَهُنَّ، فَيَحْضُرْنَ الْجَمَاعَةَ (تَفِلَاتٍ، أَيْ: غَيْرَ مُطَيَّبَاتٍ) وَلَا مُزَيَّنَاتٍ يُقَالُ: تَفِلَتْ الْمَرْأَةُ تَفَلًا، مِنْ بَابِ، تَعِبَ؛ إذَا أَنْتَنَ رِيحُهَا لِتَرْكِ التَّطَيُّبِ وَالِادِّهَانِ، وَتَفِلَتْ: إذَا تَطَيَّبَتْ؛ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، ذَكَرَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي " حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ "، (بِإِذْنِ أَزْوَاجِ) هِنَّ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا.
(وَكَذَا مَجَالِسُ وَعْظٍ) وَأَوْلَى، لَكِنَّ بَيْتَهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، لِلْخَبَرِ.
(وَحَرُمَ عَلَيْهِنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ (تَطَيُّبٌ لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّا تَجْتَمِعُ فِيهِ الرِّجَالُ، كَصَلَاةِ عِيدٍ أَوْ اسْتِسْقَاءٍ، لِئَلَّا يُفْتَتَنَ بِهِنَّ.
(وَمَنْ اسْتَأْذَنَتْهُ امْرَأَتُهُ) إلَى الْمَسْجِدِ، (أَوْ اسْتَأْذَنَتْهُ أَمَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ كُرِهَ) لَهُ (مَنْعُهَا) مِنْهُ، لِحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، وَلَوْ) كُنَّ (بِمَكَّةَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَلِأَبٍ ثُمَّ وَلِيٍّ مَحْرَمٍ) لِامْرَأَةٍ كَأُمٍّ وَعَمٍّ (مَنْعُ مُوَلِّيَتِهِ) مِنْ خُرُوجٍ مِنْ بَيْتِهَا (إنْ خَشِيَ) بِخُرُوجِهَا (فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا) اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ، (وَ) لِمَنْ ذُكِرَ مَنْعُهَا (مِنْ الِانْفِرَادِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ دُخُولُ مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا.
(وَمَنْ بِطَرِيقِ مَسْجِدِهِ مُنْكَرٌ، كَغِنَاءٍ) ، لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ، بَلْ (يَمُرُّ وَيُنْكِرُهُ) بِحَسَبِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَيَحْضُرُ؛ وَيُنْكِرُهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ) إتْيَانُ الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ؛ فَعَلَ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَتُسَنُّ لِأَهْلِ كُلِّ ثَغْرٍ) مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ (اجْتِمَاعٌ بِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ، فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ؛ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَإِنْ جَاءَهُمْ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ؛ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَأَخْبَرَ بِهَا.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ.
(وَالْأَفْضَلُ لِوَجِيهِ غَيْرِهِمْ) ، أَيْ: غَيْرِ أَهْلِ الثَّغْرِ (الْمَسْجِدُ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ) الْجَمَاعَةُ (إلَّا بِحُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَعْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَيُحَصِّلُهَا لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ، (أَوْ تُقَامُ) فِيهِ الْجَمَاعَةُ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: حُضُورِهِ؛ (لَكِنْ فِي قَصْدِهِ غَيْرَهُ كَسْرُ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ) ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى، (قَالَهُ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الْمُوَفَّقُ
وَالشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ.
(ثُمَّ) إنْ اسْتَوَى حُضُورُهُ وَعَدَمُهُ، فَالْمَسْجِدُ (الْأَقْدَمُ) ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ، (فَالْأَكْثَرُ جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا، (وَأَبْعَدُ) مَسْجِدَيْنِ قَدِيمَيْنِ أَوْ جَدِيدَيْنِ (أَوْلَى مِنْ أَقْرَبَ، وَلَوْ كَثُرَ جَمْعُهُ) ، أَيْ: الْأَقْرَبِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُنَوِّرِ " لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ اُعْتُبِرَ تَقْدِيمُ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمْعًا عَلَى الْأَبْعَدِ.
(وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ وَقْتٍ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ جَمْعٍ) ، قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَتُقَدَّمُ جَمَاعَةٌ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ وَقْتٍ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ سُنَّةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ.
(وَحَرُمَ أَنْ يَؤُمَّ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ) ، وَهُوَ (أَهْلٌ لَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ؛ (فَلَا تَصِحُّ) إمَامَةُ غَيْرِ الرَّاتِبِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُبْدِعِ "، وَمَعْنَاهُ فِي " التَّنْقِيحِ "، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا تَصِحُّ (مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ فَيُبَاحُ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَؤُمَّ، وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ.
(وَ) قُدِّمَ (فِي الرِّعَايَةِ ") أَنَّهَا (تَصِحُّ) مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ بَعْدَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ،
فَلَا افْتِئَاتَ عَلَيْهِ.
وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": إلَّا لِمَنْ يُعَادِي الْإِمَامَ، أَيْ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ بَعْدَهُ لِقَصْدِهِ إيذَاءَهُ بِذَلِكَ فَيُشْبِهُ مَا لَوْ تَقَدَّمَهُ.
(وَيُرَاسَلُ) رَاتِبٌ (إنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتٍ مُعْتَادٍ مَعَ) سَعَةِ وَقْتٍ وَ (قُرْبِ) مَحَلِّهِ (وَعَدَمِ مَشَقَّةٍ) ، لِيَحْضُرَ أَوْ يَأْذَنَ أَوْ يُعْلَمَ عُذْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ (فَإِنْ تَأَخَّرَ) حُضُورُهُ، (وَضَاقَ وَقْتٌ) ؛ صَلَّوْا، (أَوْ بَعُدَ) مَحَلُّهُ، (أَوْ شَقَّ) الذَّهَابُ، إلَيْهِ، (أَوْ لَمْ يُظَنَّ حُضُورُهُ أَوْ ظُنَّ) حُضُورُهُ.
(وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ) ، أَيْ: أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُهُ مَعَ غَيْبَتِهِ؛ (صَلَّوْا) ، «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَحْسَنْتُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَيَتَّجِهُ: وَصَاحِبُ بَيْتٍ أَهْلٌ لَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةِ (كَرَاتِبٍ) ، فَيَحْرُمُ أَنْ يُؤَمَّ أَحَدٌ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ صَلَّى) فَرْضَهُ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، (ثُمَّ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ
وَقْتَ نَهْيٍ أَوْ لَا؛ (سُنَّ) لَهُ (أَنْ يُعِيدَ) مَعَ الْجَمَاعَةِ ثَانِيًا مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَصَلِّ وَلَا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
(غَيْرَ مَغْرِبٍ) ، فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ تَطَوُّعٌ، وَلَا يَكُونُ بِوِتْرٍ، وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ - ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - فَيُعِيدُ غَيْرَ الْمَغْرِبِ، (وَلَوْ) كَانَ (مَسْبُوقًا، وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) ، فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّتِهِ رَكْعَتَيْنِ؛ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا، وَلَا يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ نَصًّا، لِعُمُومِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ؛ (فَيَنْوِي الثَّانِيَةَ نَفْلًا أَوْ ظُهْرًا مُعَادَةً مَثَلًا، وَلَا) يَنْوِي الثَّانِيَةَ (فَرْضًا) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: الْأَوْلَى: التَّفْوِيضُ) فِي النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَفْلٍ وَلَا فَرْضٍ، وَإِنْ نَوَاهَا نَفْلًا مُطْلَقًا؛ صَحَّ، لِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا إنْ جَاءَ مَسْجِدًا) وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا، (وَلَوْ) كَانَ مَجِيئُهُ الْمَسْجِدَ (بِوَقْتِ نَهْيٍ، خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ: فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ
الدُّخُولُ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى ": وَكَذَا إنْ جَاءَ مَسْجِدًا غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ؛ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لَا يُعِيدُ، وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إذَنْ حَتَّى يُصَلُّوا.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، مَعَ أَنَّهُ مَشَى هُنَاكَ عَلَى مَنْعِهِ مُوَافَقَةً لِلْكِتَابَيْنِ، وَمَا قَالَاهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ: إنْ جَاءَ الْمَسْجِدَ (لِغَيْرِ قَصْدِهَا) ، أَيْ: الْإِعَادَةِ، (وَ) إنْ كَانَ مَجِيئُهُ الْمَسْجِدَ (لِقَصْدِهَا) ؛ فَإِنَّهُ (يُكْرَهُ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ.
(وَ) جَاءَ الْمَسْجِدَ (بِوَقْتِ نَهْيٍ، وَقَصَدَ) الْإِعَادَةَ؛ (فَكَفِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ) فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْمَذْهَبُ: لَا يَجُوزُ، فَلَا إعَادَةَ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعَادَةَ.
(وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ جَمَاعَةٍ فِي) مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ كَغَيْرِهِ، (غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ) فَقَطْ، فَالْأَقْصَى كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ،
وَفِيهِمَا تُكْرَهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ أَرْغَبُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمَاعَةِ؛ أَيْ: لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَسْجِدَيْنِ، لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَتَأَخَّرُ، وَفَوَاتِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ.
(وَلَا) تُكْرَهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ (فِيهِمَا) ، أَيْ: مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، (لِعُذْرٍ) فِي إقَامَتِهَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا إذَنْ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهَا.
(وَلَيْسَ لِإِمَامٍ اعْتِيَادُ صَلَاةٍ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ ثَانِيَةٍ عَنْ فَائِتَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا، (وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ.
وَفِي " وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ ": لَا يَجُوزُ فِعْلُ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ، أَيْ: عَلَى اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِمَا، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُعَادَةً أَوْ فَائِتَةً؛ فَلَا مَانِعَ.
وَمَنْ نَذَرَ أَنَّهُ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ؛ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَحَفِظَهُ؛ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
(وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ صَلَاةٌ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) جَمَاعَةً أُخْرَى؛ (سُنَّ لِبَعْضِهِمْ) ، أَيْ: الْحَاضِرِينَ (أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ) ، لِحَدِيثِ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» . (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (هَذَا) الْفِعْلَ مَسْنُونٌ إذَا أَرَادَ فِعْلَ الصَّلَاةِ (فِي) مَوْضِعٍ (غَيْرِ مَسْجِدٍ اُعْتِيدَ بِإِقَامَةِ جَمَاعَةٍ بَعْدَ) جَمَاعَةٍ (أُخْرَى) ، كَمَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَعْمُورَةِ بِالْعِبَادَةِ، (وَإِلَّا) يُرِدْ فِعْلَهَا فِي مَسْجِدٍ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ أَرَادَ فِعْلَهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ (فَيَلْزَمُ) تَحَرِّي الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَيَأْثَمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَرْعٌ: مَنْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فِي الْأَثْنَاءِ) ، أَيْ: أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، (وَ) يَعْلَمُ أَنْ (بَعْدَهَا) تُقَامُ (جَمَاعَةٌ أُخْرَى؛ فَهِيَ) ، أَيْ: الْجَمَاعَةُ الَّتِي سَتُقَامُ (أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا، فَيَحُوزُ فَضِيلَتَهَا عَلَى الْكَمَالِ، (إلَّا أَنْ تَتَمَيَّزَ) الْجَمَاعَةُ (الْأُولَى بِكَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ فَضْلِ إمَامٍ أَوْ رَاتِبَةٍ) ، أَيْ: إمَامُهَا رَاتِبٌ، (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (وَقَالَ: مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) ، أَيْ: مَسْأَلَةِ تَعَدُّدِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ فِي كُلِّ وَقْتٍ (لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إمَامَانِ رَاتِبَانِ وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ تَتَوَفَّرُ مَعَ) الْإِمَامِ (الرَّاتِبِ) ، فَلَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
[فَصْلٌ الشُّرُوعُ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ]
فَصْلٌ
(وَيَمْنَعُ شُرُوعٌ فِي إقَامَةِ) صَلَاةٍ (انْعِقَادَ نَافِلَةٍ وَرَاتِبَةٍ) مِنْ (مُرِيدِ صَلَاةٍ) لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا (مَعَ إمَامِهَا) ، لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ؛ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، فَلَوْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ، (وَلَوْ بِبَيْتِهِ) ؛ لَمْ تَنْعَقِدْ، (أَوْ) شَرَعَ فِيهَا حَالَ كَوْنِهِ (جَاهِلًا) الْإِقَامَةَ، فَوَافَقَ أَنَّهُ كَانَ الشُّرُوعُ فِيهَا؛ لَمْ تَنْعَقِدْ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ (لَا يَضُرُّ) مَنْ أَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يُرِدْ الدُّخُولَ فِيهَا (طُرُوءُ إرَادَةِ) الصَّلَاةِ مَعَ مَنْ أَقَامَهَا (فِي أَثْنَاءِ) تِلْكَ النَّافِلَةِ، أَيْ: فَلَا تَبْطُلُ نَافِلَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) شَرَعَ (فِيهَا) أَيْ: فِي النَّافِلَةِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ (وَلَوْ) كَانَ (خَارِجَ مَسْجِدٍ، يُتِمُّ) مَا ابْتَدَأَ وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] هَذَا (مَعَ أَمْنِ فَوْتِ جَمَاعَةٍ، وَيُخَفِّفُ) صَلَاتَهُ حَسَبَ إمْكَانِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي ثَالِثَةٍ أَتَمَّ نَافِلَتَهُ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثِ.
(فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ (مَنْ نَوَى أَرْبَعًا؛ جَازَ نَصًّا) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعُ ": وَلَعَلَّ عَدَمُ كَرَاهَةِ الثَّلَاثِ هُنَا لِلْعُذْرِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَ) إنْ سَلَّمَ مَرِيدُ الِاقْتِدَاءِ بِجَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ (مِنْ) رَكْعَةٍ (وَاحِدَةٍ) ، وَهُوَ (نَاوٍ ثِنْتَيْنِ) ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لَا يُوجِبُ إتْمَامَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَعَ خَوْفِ) مَنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي نَافِلَةٍ (فَوْتَ) مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ (يَقْطَعُهَا) ، أَيْ: النَّافِلَةَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ، (قَالَهُ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
(وَفَضِيلَةُ تَكْبِيرَةٍ أَوْلَى) ، أَيْ: تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ إمَامٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ إمَامٍ أَوْلَى، أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ) مَعَ الْإِمَامِ (بِانْتِهَائِهِ لِحَدٍّ أَجْزَأَ قَبْلَ رَفْعِ) رَأْسِ (إمَامٍ) مِنْ الرُّكُوعِ عَنْ حَدِّ الْإِجْزَاءِ (غَيْرَ شَاكٍّ) فِي إدْرَاكِ الْإِمَامِ رَاكِعًا (دُونَ طُمَأْنِينَتِهِ) أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَهُ (اطْمَأَنَّ) الْمَسْبُوقُ، (ثُمَّ تَابَعَ) ، إمَامَهُ (وَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ؛ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ؛ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ: هَلْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ لَا؛ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، (وَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ: مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا (تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ عَنْ وَاجِبِ تَكْبِيرِ رُكُوعٍ نَصًّا) ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ عَنْ الْوَاجِبِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالِ الْقِيَامِ خِلَافَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
(وَإِنْ) كَبَّرَ مَسْبُوقٌ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ؛ ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى (رَفَعَ إمَامٌ رَأْسَهُ) عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ؛ (فَاتَتْ الرَّكْعَةُ) . وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ، وَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ
فِي أَثْنَاءِ رُكُوعِهِ؛ انْقَلَبَتْ نَفْلًا.
وَإِنْ نَوَى الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرَةِ؛ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ عَنْهُمَا، وَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ الرُّكُوعَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا.
(وَسُنَّ دُخُولُ مَأْمُومٍ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (كَيْفَ أَدْرَكَهُ) ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ لَهُ بِمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَنْحَطُّ) مَأْمُومٌ أَدْرَكَ إمَامَهُ غَيْرَ رَاكِعٍ (بِلَا تَكْبِيرٍ) نَصًّا، (وَلَوْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا) ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ.
(وَيَقُومُ مَسْبُوقٌ) سَلَّمَ إمَامُهُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ (وُجُوبًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ يُعْتَدُّ بِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الِانْتِقَالَاتِ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةُ) لِإِمَامِهِ (قَوْلًا وَفِعْلًا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ؛ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا» وَالْمُرَادُ بِمُتَابَعَتِهِ فِي الْأَقْوَالِ: أَنْ يَأْتِيَ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ عَمَّا أَدْرَكَهُ فِيهِ، وَمَا فِي السُّجُودِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَتَبْطُلُ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (بِتَرْكِ مُتَابَعَةِ) إمَامِهِ فِي (فِعْلٍ) ، كَرُكُوعٍ (لِعَالِمٍ) عَمْدًا، وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَرْكِهِ مُتَابَعَتَهُ فِي (قَوْلٍ، كَتَسْبِيحٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ سَبَّحَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، لِتَعَسُّرِ الْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَيَأْتِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ قَامَ مَسْبُوقٌ) لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ثَانِيَةً وَلَمْ يَرْجِعْ) ، لِيَقُومَ بَعْدَ سَلَامِهَا، (وَيَلْزَمُهُ) الرُّجُوعُ؛ (انْقَلَبَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) ، لِتَرْكِهِ الْعَوْدَ الْوَاجِبَ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ الِائْتِمَامِ، وَيَبْطُلُ فَرْضُهُ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّ صَلَاةَ الْمَسْبُوقِ تَنْقَلِبُ نَفْلًا بِمُجَرَّدِ قِيَامِهِ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ إمَامِهِ الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَسْبُوقُ (جَاهِلًا) أَنَّ قِيَامَهُ مُضِرٌّ فِي فَرْضِهِ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ) أَيْ: الْمَسْبُوقُ، لَهُ أَنْ (يَقُومَ بِإِيَاسٍ) مِنْ تَسْلِيمَةٍ (ثَانِيَةٍ) مِمَّنْ لَا يَرَى وُجُوبَهَا (مِنْ نَحْوِ شَافِعِيٍّ) ، كَمَالِكِيٍّ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى.
(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ يَقُومُ) وُجُوبًا (فَوْرًا بَعْدَ) تَسْلِيمَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَسْبُوقُ (بِمَوْضِعِ جُلُوسٍ) لِأَجْلِ (تَشَهُّدِهِ) ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ مَثَلًا، ثُمَّ سَلَّمَ إمَامُهُ؛ فَلَهُ الْبَقَاءُ جَالِسًا إلَى أَنْ يُتِمَّ تَشَهُّدَهُ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، (وَإِلَّا يَكُنْ) فَرَاغُ إمَامِهِ مِنْ ثَانِيَةٍ بِمَوْضِعِ جُلُوسِ الْمَسْبُوقِ، كَكَوْنِهِ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ؛ فَعَلَى
الْمَسْبُوقِ أَنْ يَقُومَ فَوْرًا، وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ تَشَهُّدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَوْرًا؛ (بَطَلَتْ لِعَامِدٍ) عَدَمَ الْقِيَامِ لَا جَاهِلٍ أَوْ نَاسٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَا أَدْرَكَ) مَسْبُوقٌ مَعَ إمَامِهِ (فَأَخَّرَهَا) ، أَيْ: أَخَّرَ صَلَاتَهُ، (فَلَا اسْتِفْتَاحَ لَهُ) ، أَيْ: لِمَا أَدْرَكَهُ، سَوَاءٌ قَرَأَ، أَوْ لَمْ يَقْرَأْ، (ولَا اسْتِعَاذَةَ إنْ لَمْ يَقْرَأْ) ، فَإِنْ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ؛ اسْتَعَاذَ وَسَمَّى، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَفِي " الْإِقْنَاعُ ": فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لَمْ يَسْتَفْتِحْ، وَلَمْ يَسْتَعِذْ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ.
(وَيَتَوَرَّكُ)
الْمَسْبُوقُ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي تَشَهُّدِهِ الَّذِي أَدْرَكَهُ (مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ صَلَاتَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ لَهُ بِهِ، كَمَا يَتَوَرَّكُ لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي فِيمَا يَقْضِيهِ، فَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ؛ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مُتَوَرِّكًا لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُتَابَعَةً لَهُ، وَجَلَسَ بَعْدَ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُتَوَرِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَلَامُهُ، (مُكَرِّرًا التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَدْبًا حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ) التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ وَاقِعٌ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِ مَسْبُوقٍ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ؛ قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يُتِمَّ التَّشَهُّدَ الَّذِي يُكَرِّرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
(وَمَا يَقْضِي) مَسْبُوقٌ (أَوَّلَهَا) ، أَيْ: أَوَّلُ صَلَاتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (يَسْتَفْتِحُ لَهُ) ، أَيْ: لِمَا يَقْضِيهِ، (وَيَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ سُورَةً) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ الصَّلَاةَ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " وَاقْضِ مَا سَبَقَك " وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ، فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ.
(وَيَأْتِي) مَسْبُوقٌ (بِعَدَدٍ مَا فِي أُولَى) صَلَاةِ (عِيدٍ مِنْ تَكْبِيرٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) كَذَلِكَ مَسْبُوقٌ (بِ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ يَقْرَأُ) بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ (الْفَاتِحَةَ، فَمَا بَعْدُ مِمَّا فَاتَهُ) ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَانِي تَكْبِيرَةٍ، وَيَدْعُو بَعْدَ الثَّالِثَةِ، (وَيُطَوِّلُ أُولَى) الرَّكْعَتَيْنِ الْمَقْضِيَّتَيْنِ (عَلَى ثَانِيَةٍ) .
(لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ؛ تَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (عَقِبَ) قَضَاءِ رَكْعَةٍ (أُخْرَى) نَصًّا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا، لِحَدِيثِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى:
فَأَتِمُّوا قَضَاءً لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَتَشَهَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَقِبَ أُخْرَى؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ؛ لَزِمَ عَلَيْهِ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وِتْرِ الثَّلَاثَةِ شَفْعًا، وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مُمْكِنَةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَرْكِهَا، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ.
(وَيَتَوَرَّكُ) مَسْبُوقٌ (فِي) التَّشَهُّدِ (الْأَخِيرِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ وَمَغْرِبٍ.
(وَيَتَحَمَّلُ إمَامٌ عَنْ مَأْمُومٍ قِرَاءَةَ) فَاتِحَةٍ (وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، (وَ) سُجُودَ (سَهْوٍ بِشَرْطٍ) ، وَهُوَ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَسُتْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، (وَدُعَاءٍ قُنُوتٍ) فَيُؤَمِّنُ إذَا سَمِعَ الْإِمَامَ، وَإِلَّا فَيَقْنُتُ.
(وَ) يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ (عَنْ) الْمَأْمُومِ أَيْضًا (تَسْمِيعًا) ، أَيْ: قَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، (وَ) قَوْلَ (مِلْءُ السَّمَاءِ إلَى آخِرِهِ) بَعْدَ التَّحْمِيدِ، (وَكَذَا تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ) وَجُلُوسُهُ لَهُ (إذَا سَبَقَ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ.
(وَيَتَّجِهُ: فِي غَيْرِ مَغْرِبٍ) ، وَأَمَّا فِي الْمَغْرِبِ، فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ هُوَ مَحَلُّ تَشَهُّدِ الْإِمَامِ الْأَخِيرِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ إطْلَاقِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ (لِمَأْمُومٍ اسْتِفْتَاحٌ وَتَعَوُّذٌ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالصُّبْحِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِمَا، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
(وَ) سُنَّ لِمَأْمُومٍ أَيْضًا (قِرَاءَةُ فَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ حَيْثُ شُرِعَتْ) السُّورَةُ (فِي سَكَتَاتِهِ) يَعْنِي: أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى عَقِبَ إحْرَامِهِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الثَّانِيَةِ
عَقِبَ فَرَاغِهِ لَهَا، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، (وَهِيَ) أَيْ: سَكَتَاتُ الْإِمَامِ ثَلَاثٌ (قَبْلَ فَاتِحَةٍ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَطْ، (وَبَعْدَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
(وَتُسَنُّ) أَنْ: تَكُونَ (هُنَا) أَيْ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِهَا) ، لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا، (وَبَعْدَ فَرَاغِ قِرَاءَةٍ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةٍ فِيهَا.
(وَ) يُسَنُّ لِمَأْمُومٍ أَيْضًا أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً حَيْثُ شُرِعَتْ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) إمَامُهُ كَالظُّهْرِ، وَكَذَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ مَغْرِبٍ، وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ " كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ.
(أَوْ) ، أَيْ: وَيُسَنُّ لِمَأْمُومٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَقَدَّمَ حَيْثُ كَانَ (لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ (لِبُعْدٍ) عَنْهُ (أَوْ لِطَرَشٍ إنْ لَمْ يُشْغَلْ) مَأْمُومٌ بِقِرَاءَتِهِ (مَنْ بِجَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَإِذَا شَغَلَهُ تَرَكَهُ.
(وَيَتَّجِهُ التَّحْرِيمُ) : لِإِيذَائِهِ مَنْ بِجَنْبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (سَكَتَاتٌ) يَتَمَكَّنُ الْمَأْمُومُ فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ (كُرِهَ) لَهُ (أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) ، لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (وَلَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ؛ لَمْ يَقْرَأْ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
[تَتِمَّةٌ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً]
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَدْرَكَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً؛ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِالْحَمْدُ وَسُورَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِالْحَمْدُ فَقَطْ، وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ؛ جَهَرَ فِي قَضَائِهِمَا.
[فَصْلٌ الْأَوْلَى لِمَأْمُومٍ شُرُوعٌ فِي فِعْلِ صَلَاةٍ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامٍ فَوْرًا]
(فَصْلٌ) (وَالْأَوْلَى لِمَأْمُومٍ شُرُوعٌ فِي فِعْلِ) صَلَاةٍ (بَعْدَ) شُرُوعِ (إمَامٍ فَوْرًا) وَالْمُرَادُ: بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، لِحَدِيثِ «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ، تَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَ (يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ) الَّتِي شَرَعَ بِهَا، (وَيَرْكَعُ عَقِبَهُ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمَأْمُومِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، (بِخِلَافِ تَشَهُّدٍ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ، (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ (يُتِمُّهُ) إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ.
(فَإِنْ وَافَقَهُ) ، أَيْ: وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ؛ (كُرِهَ) لِمُخَالِفَةِ السُّنَّةِ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ فِي أَقْوَالِ الصَّلَاةِ (إنْ كَبَّرَ لِإِحْرَامٍ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ إمَامِهِ، (أَوْ) كَبَّرَ (قَبْلَ إتْمَامِهِ) الْإِحْرَامَ؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ إمَامِهِ وَقَدْ فَاتَهُ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) مَأْمُومٌ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ إمَامِهِ (عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ) لِلْمَأْمُومِ؛ بَطَلَتْ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ عَمْدًا، (أَوْ) سَلَّمَ مَأْمُومٌ قَبْلَهُ (سَهْوًا، وَلَمْ يُعِدْهُ) ، أَيْ: السَّلَامَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ إمَامِهِ أَوْ مَعَهُ، إذْ الْبَعْدِيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ؛ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ.
(وَ) سَلَّمَ مَأْمُومٌ (مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ فَإِنَّهُ (يُكْرَهُ)
لَهُ ذَلِكَ، (وَلَا يُكْرَهُ سَبْقُ) مَأْمُومٍ إمَامَهُ (بِقَوْلٍ) مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ (غَيْرِهِمَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وِفَاقًا، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَالْأَوْلَى تَسْلِيمُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (عَقِبَ فَرَاغِ إمَامِهِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ) ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ الْأُولَى، وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ، وَسَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ الثَّانِيَةَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ لَا إنْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا؛ فَلَا يَجُوزُ، لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى.
[تَتِمَّةٌ سَبَقَ مَأْمُومُ إمَامٌ بِفِعْلٍ]
تَتِمَّةٌ: فَإِنْ سَبَقَ إمَامٌ بِالسَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ مَأْمُومٌ دُعَاءَ التَّشَهُّدِ؛ أَتَمَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا، ثُمَّ سَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا تَابَعَهُ بِالسَّلَامِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد.
(وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ وَنَحْوَهُ) ، كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ) وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُ؛ فَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِالرُّكُوعِ حَتَّى يَرْفَعَ، وَلَا بِالرَّفْعِ حَتَّى يَهْوِيَ إلَى السُّجُودِ (عَالِمًا عَمْدًا حَرُمَ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَأْمُومٍ تَعَمَّدَ السَّبْقَ، (وَعَلَى جَاهِلٍ وَنَاسٍ ذَكَرَ أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ: بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ) أَيْ: عَقِبَهُ،
وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ، (فَإِنْ أَبَى) الرُّجُوعَ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ (حَتَّى أَدْرَكَهُ) إمَامُهُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الرُّكْنِ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِرُكُوعِهِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، وَيَعْتَدُّ) لَهُ (بِهِ) أَيْ: بِاَلَّذِي سَبَقَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ إمَامِهِ فِيهِ، فَلَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِاقْتِدَائِهِ لِلْعُذْرِ.
(وَمَنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ) فَصَلَّى (بِأَنْ رَكَعَ) قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ (وَرَفَعَ لَا لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ) أَيْ: عَقِبَهُ (قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ عَالِمًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ: هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ عَقِبَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
[تَنْبِيهٌ تَعَمُّدُ الْمَأْمُومِ السَّبْقَ بِرُكْنٍ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ]
تَنْبِيهٌ: لَا فَرْقَ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا فِي السَّبْقِ بِرُكْنٍ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ تَعَمُّدَهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " وَ " الْمُجَرَّدِ " وَ " غَايَةِ الْمَطْلَبِ " وَ " الْإِنْصَافِ " وَ " شَرْحِ الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْبُطْلَانِ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ، وَالسَّبْقُ بِالرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ السَّبْقَ إلَيْهِ وَزِيَادَةً، وَعَدَمُ الْعُذْرِ مَفْرُوضٌ فَمَا بَقِيَ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُسَوِّغٌ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَإِنْ سَبَقَهُ بِالرُّكْنِ عَمْدًا، وَلَمْ يُدْرِكْهُ فِيهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَ فِي " الشَّرْحِ ": تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِأَيِّ رُكْنٍ مِنْ الْأَرْكَانِ رُكُوعًا كَانَ أَوْ سُجُودًا أَوْ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، وَهَذَا ظَاهِرُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا.
وَالْقَوْلُ، بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالسَّبْقِ بِالرُّكْنِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الرُّكُوعِ، وَلَوْ
عَمْدًا، ضَعِيفٌ مَرْجُوحٌ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ وَلِصَنِيعِهِمْ.
(أَوْ) سَبَقَ مَأْمُومٌ إمَامَهُ (بِرُكْنَيْنِ بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ وَاعْتَدَلَ) وَهَوَى إلَى السُّجُودِ، إذْ الرَّفْعُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْهَوِيِّ لَا بِالِاعْتِدَالِ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ
كَلَامِهِمْ، (قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَوْ رَفَعَ) الْمَأْمُومُ (وَاعْتَدَلَ وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (عَالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ عَادَ وَأَتَى بِهِ عَقِبَ إمَامِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ.
(وَ) سَبَقَهُ بِرُكْنٍ أَوْ رُكْنَيْنِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، بَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) الَّتِي وَقَعَ السَّبْقُ فِيهَا (مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا مَعَ إمَامِهِ) ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، قَالَهُ جَمْعٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى "
وَ (لَا)
تَبْطُلُ (رَكْعَتُهُ) سَبَقَ إمَامَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا (بِرُكْنٍ) غَيْرِ رُكُوعٍ كَقِيَامٍ وَهَوِيٍّ إلَى السُّجُودِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ، فَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ بِالسَّبْقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ وَقَوْلُهُ: (وَيَتَّجِهُ) : لَا تَبْطُلُ رَكْعَةُ مَنْ سَبَقَ إمَامَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بِرُكْنٍ، (أَوْ بِرُكْنَيْنِ غَيْرَ رُكُوعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، فَالسَّبْقُ بِهِ كَالسَّبْقِ بِرُكْنَيْنِ مُخَالِفٌ لِصَحِيحِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لَمْ يَحْكِ فِي " الْإِنْصَافِ " فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَعِبَارَتُهُ: الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِإِمَامِهِ فِيهَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) مَأْمُومٌ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ) فَعَلَى أَيْ: رُكْنٍ كَانَ (فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ وَعَجَلَةٍ، (فَكَسَبْقٍ، فَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِهِ (لِعَامِدٍ، وَتَصِحُّ لِجَاهِلٍ وَنَاسٍ) ، وَقَوْلُهُ: (وَتَبْطُلُ رَكْعَةُ) جَاهِلٍ وَنَاسٍ (بِرُكُوعِ) إمَامِهِ، (لِتَخَلُّفِهِ) عَنْهُ بِمَا هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، فِيهِ نَظَرٌ.
إذْ لَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ عَنْ إمَامِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، (وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ، إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ فِي غَيْرِ رُكُوعٍ) ، صَوَابُهُ: وَإِنْ كَانَ رُكُوعًا، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرُهُمَا، بَلْ مَا قَالَهُ الْجَمْعُ هُوَ الْمَذْهَبُ.
(مَعَ أَمْنِ فَوْتِ آتِيَةٍ وَلَحِقَهُ، صَحَّتْ) رَكْعَتُهُ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ حَيْثُ
أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ، وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ.
(أَوْ خَافَ فَوْتَ) رَكْعَةٍ (آتِيَةٍ لَغَتْ الرَّكْعَةُ) الَّتِي تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنِهَا (وَتَابَعَ إمَامَهُ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا وَيُتِمُّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ.
(فَإِنْ ظَنَّ) مَنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ قَبْلَ رَفْعِ إمَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ إذَنْ) أَيْ: حَالَ خَوْفِ فَوْتِ آتِيَةٍ، (فَسَجَدَ جَهْلًا، اُعْتُدَّ بِهِ) أَيْ: السُّجُودِ لِعُذْرِ الْجَهْلِ (كَسُجُودِهِ) أَيْ: الْمَأْمُومِ (يَظُنُّ لُحُوقَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ فَلَمْ يَلْحَقْهُ.
[تَنْبِيهٌ تَخَلَّفَ الْمَأْمُوم عَنْهُ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ]
تَنْبِيهٌ: عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ، فَكَسَبْقٍ، فَتَبْطُلُ لِعَامِدٍ، وَتَصِحُّ لِجَاهِلٍ وَنَاسٍ، وَتَبْطُلُ رَكْعَتُهُ بِرُكُوعٍ، وَلِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ إلَى آخِرِهِ، مَعَ كَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلْمَذْهَبِ غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ، فَلْيَتَفَطَّنْ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْبُهُوتِيُّ وَهُمْ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى
بِحِلِّهِ قَوْلُهُ: لَا بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ، وَتَبِعَهُ النَّجْدِيُّ، فَلْيُرَاجَعَا.
(وَإِنْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ) رَكْعَةٍ (أَوْلَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ تَابَعَهُ فِي سُجُودِهَا، وَتَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ تُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ) إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ جُمُعَةً، وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ.
(وَلَوْ أَدْرَكَهُ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ مَا تَخَلَّفَ بِهِ عَنْهُ (فِي رُكُوعِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ؛ تَبِعَهُ فِيهِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالرَّكْعَتَيْنِ.
(وَ) إنْ أَدْرَكَهُ (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، (تَبِعَهُ) فِي سُجُودِهَا (وَقَضَى) أَيْ: أَتَى بِرَكْعَةٍ، وَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ.
(وَإِنْ تَخَلَّفَ) مَأْمُومٌ (بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ، تَابَعَ) إمَامَهُ، وَقَضَى مَا تَخَلَّفَ
بِهِ (كَمَسْبُوقٍ) ، فِي مُجَرَّدِ الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ مَا تَخَلَّفَ بِهِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ؛ فَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلَهَا، وَإِنْ كَانَ آخِرَهَا فَهُوَ آخِرُهَا، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ؛ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
[فَصْلٌ يُسَنُّ لِإِمَامٍ تَخْفِيفُ صَلَاتِهِ]
(فَصْلٌ) (يُسَنُّ لِإِمَامٍ تَخْفِيفُ) صَلَاتِهِ (مَعَ إتْمَامِ) هَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ
الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا؛ قَالَ: فَمَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ؛ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ: فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَمَعْنَاهُ أَنْ
يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، (مَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ، فَإِنْ آثَرُوا كُلُّهُمْ) التَّطْوِيلَ، (اُسْتُحِبَّ) ، لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ: التَّنْفِيرُ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ.
(وَتُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا فِعْلَ مَا يُسَنُّ) لَهُ فِعْلُهُ، (بَلْ يُرَتِّلُ نَحْوَ قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مَنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ) ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى الْمَأْمُومِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ، وَالْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَإِتْمَامِ مَا تُسَنُّ لَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
(وَيُسَنُّ) لِإِمَامٍ (تَخْفِيفُ) الصَّلَاةِ (إذَا عَرَضَ لِبَعْضِ مَأْمُومِينَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (مَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْهَا (كَسَمَاعِ بُكَاءِ صَبِيٍّ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ غَالِبًا، (يَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ) كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ أَحْيَانًا.
(وَ) سُنَّ لِإِمَامٍ (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) مَعَهُ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ أَوْ لَا (فِي رُكُوعٍ وَغَيْرِهِ) . وَسُنَّ كَوْنُ انْتِظَارِهِ لَهُ (بِنِيَّةِ تَقَرُّبٍ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (لَا) بِنِيَّةِ (تَوَدُّدٍ) ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ ثَبَتَ عَنْ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ بِلَا مَضَرَّةٍ، فَكَانَ مُسْتَحَبًّا كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (إنْ لَمْ يَشُقَّ) انْتِظَارُهُ (عَلَى مَأْمُومٍ) بِأَنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِلَّا (فَيُكْرَهُ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَأْمُومِ الَّذِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَى مَنْ مَعَهُ لِنَفْعِ الدَّاخِلِ، (وَكَذَا لَوْ كَثُرَتْ جَمَاعَةٌ) أَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، فَيُكْرَهُ انْتِظَارُهُ، (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْحَالَ وَالشَّأْنَ (يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ، زَادَ جَمَاعَةٌ أَوْ طَالَ ذَلِكَ.
(وَسُنَّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) رَكْعَةٍ (أَوْلَى) لِإِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (عَنْ) قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلْيَلْحَقْهُ الْقَاصِدُ إلَيْهَا، لِئَلَّا يَفُوتَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ (إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي) كَمَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، (فَثَانِيَةٌ أَطْوَلُ) مِنْ أُولَى، لِتُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَذْهَبَ لِتَحْرُسَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى، فَتَدْخُلَ مَعَهُ، (أَوْ) إلَّا إذَا كَانَ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى (بِيَسِيرٍ، كَ) مَا إذَا قَرَأَ بِ: (سَبِّحْ، وَالْغَاشِيَةِ) لِوُرُودِهِ فِي نَحْوِ الْجُمُعَةِ (وَفِي " الْإِقْنَاعِ ":) وَ (لَعَلَّ الْمُرَادَ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ، وَهُوَ) ، أَيْ: تَرَجِّي صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (حَسَنٌ) ؛ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، لِمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْجِنِّ]
(فَصْلٌ) فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ (الْجِنِّ) مُنَزَّلُونَ عَلَى مَرَاتِبَ: فَإِذَا أُرِيدَ ذِكْرُ الْجِنِّ خَاصَّةً؛ قِيلَ: جِنِّيٌّ، فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ؛ قِيلَ: عَامِرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ؛ قِيلَ: أَرْوَاحٌ، فَإِنْ خَبُثَ وَتَعَزَّمَ؛ قِيلَ: شَيْطَانٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ؛ قِيلَ: مَارِدٌ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَى نَقْلِ الصُّخُورِ وَالْأَحْجَارِ وَتَفَرْعَنَ؛ قِيلَ: عِفْرِيتٌ.
وَهُمْ (مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] (يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ، إجْمَاعًا، وَ) يَدْخُلُ (مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، (وَلَا يَصِيرُ تُرَابًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ) ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا، وَأَنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ، (وَهُمْ) ، أَيْ: مُؤْمِنُو الْجِنِّ (فِيهَا كَغَيْرِهِمْ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ (عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، (لَا أَنَّهُمْ حَوْلَهَا) ، أَيْ: الْجَنَّةِ (خِلَافًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ أَوْ نَارِيَّةٌ، أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ كَالْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَقِيلَ: أَرْوَاحٌ مُجَرَّدَةٌ، وَقِيلَ: نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ مُفَارِقَةٌ عَنْ أَبْدَانِهَا، وَعَلَى كُلٍّ؛ فَلَهُمْ عَقْلٌ وَفَهْمٌ، يَقْدِرُونَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فِي أَسْرَعِ زَمَنٍ، وَصَحَّ خَبَرُ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ ذُو أَجْنِحَةٍ يَطِيرُونَ بِهَا، وَحَيَّاتٌ، وَآخَرُونَ يَحِلُّونَ وَيَرْحَلُونَ، وَنُوَزِّعُ فِي قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّشَكُّلِ بِاسْتِلْزَامِهِ رَفْعَ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ رَأَى وَلَوْ وَلَدَهُ؛ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ جِنِّيٌّ تَشَكَّلَ بِهِ،