مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 739-5
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ

صفحات 739-5
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الدَّافِعِ وَالْمُسْقِطِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي النِّيَّةِ، وَهُنَا الِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْقَابِضِ.
قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": فَقِيَاسُ هَذَا أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ، لَا إلَى سَيِّدِهِ، وَمِيلُ " الْإِنْصَافِ " إلَى هَذَا، لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِهِمْ هُنَاكَ كَمَا دَرَيْتَ، وَهُنَا كَمَا رَأَيْتَ.

[فَصْلٌ يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ كَسْبَهُ وَنَفْعَهُ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يُصْلِحُ مَالَهُ]

(فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ كَسْبَهُ وَنَفْعَهُ، وَكُلَّ تَصَرُّفٍ يُصْلِحُ مَالَهُ، كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَاسْتِئْجَارٍ وَأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ وَاسْتِدَانَةٍ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ وُضِعَتْ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالتَّكَسُّبِ، وَهَذِهِ أَقْوَى أَسْبَابِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ.
(وَتَتَعَلَّقُ) دُيُونٌ اسْتَدَانَهَا الْمُكَاتَبُ، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا (بِذِمَّتِهِ) دُونَ رَقَبَتِهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ فِي حَالِ مُكَاتَبَتِهِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ، وَالْحُرُّ إذَا اسْتَدَانَ دُيُونًا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَابِلَةٌ لِلِاشْتِغَالِ، وَلِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ مِنْ سَيِّدِهِ غُرُورٌ، بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَفَائِدَةُ تَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ أَنَّهُ (يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ) لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَ يَسَارِهِ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ دُيُونِ الْمُعَامَلَةِ (تَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ) ، وَهْمٌ سَرَى إلَيْهِ مِنْ عِبَارَةِ " الْإِقْنَاعِ " وَهِيَ: وَلَا يَمْلِكُ غَرِيمُهُ تَعْجِيزَهُ، وَإِنْ عَجَزَ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ مَعَ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي خَبَرِ النَّفْيِ، مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا يُقَالُ إنْ عَجَزَ عُلِّقْت بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ؛ لِئَلَّا يُنَاقِضَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلِئَلَّا يُخَالِفَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ الْإِمَامِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ ": فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ الْمَدِينُ وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا سَقَطَ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ، هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ انْتَهَى.

(وَسَفَرُهُ) أَيْ: الْمُكَاتَبُ (كَ) سَفَرِ (غَرِيمٍ) فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يُوثَقَ بِرَهْنٍ يُحْرَزُ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ لِأَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ

(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (أَخْذُ صَدَقَةٍ) وَاجِبَةٍ وَمُسْتَحَبَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] وَإِذَا جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْوَاجِبَةِ فَالْمُسْتَحَبَّةُ أَوْلَى (وَيَلْزَمُ) مُكَاتَبًا شَرْطُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ (تَرْكُهُمَا) أَيْ: السَّفَرِ وَأَخْذِ الصَّدَقَةِ (كَ) مَا يَلْزَمُ (الْعَقْدَ) ؛ أَيْ: عَقْدَ الْكِتَابَةِ (فَيَمْلِكُ) سَيِّدُهُ (تَعْجِيزَهُ) بِسَفَرِهِ أَوْ أَخْذِهِ الصَّدَقَةَ عَنْهُ شَرْطَ تَرْكِهِمَا؛ لِحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ) . وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ إنْ رَأَيْته يَسْأَلُ تَنْهَاهُ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَعُودُ لَمْ يَرُدَّهُ عَنْ كِتَابَتِهِ فِي مَرَّةٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَازِمٌ، وَأَنَّهُ إنْ خَالَفَ مَرَّةً لَمْ يُعَجِّزْهُ و (إنْ خَالَفَ) مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ جَمْعٌ بَيْنَ شَرْطَيْنِ فَأَكْثَرَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.

وَ (لَا) يَصِحُّ (شَرْطُ) سَيِّدِهِ عَلَيْهِ (نَوْعِ تِجَارَةٍ) كَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي نَوْعِ كَذَا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمَوْضُوعِ لِلْعِتْقِ، كَشَرْطِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ أَصْلًا (وَيُنْفِقُ مُكَاتَبٌ عَلَى نَفْسِهِ) وَزَوْجَتِهِ (وَرَقِيقِهِ وَوَلَدِهِ التَّابِعِ لَهُ) فِي كِتَابَتِهِ مِنْ كَسْبِهِ (كَ) وَلَدِهِ (مِنْ أَمَتِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَابِعَةٌ لِلْكَسْبِ، وَكَسْبُ مَنْ ذُكِرَ كُلُّهُ لِلْمُكَاتَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدُهُ تَابِعًا لَهُ؛ بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجَةٍ؛ فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(فَإِنْ) عَجَزَ مُكَاتَبٌ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَةٍ وَ (لَمْ يَفْسَخْ سَيِّدُهُ كِتَابَتَهُ لِعَجْزِهِ؛ لَزِمَتْهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدَ (النَّفَقَةُ) عَلَى مَنْ ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ (وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ) وَلَوْ وُلِدَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، وَلَيْسَ الْمُكَاتَبُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ (وَيَتْبَعُهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَ وَلَدُهُ فِي كِتَابَتِهِ (مِنْ أَمَةِ سَيِّدِهِ إنْ شَرَطَ) ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ فِي الْعَقْدِ، لِحَدِيثِ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ) فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَوَلَدُهُ قِنٌّ لِسَيِّدِهِ تَبَعًا، لِأُمِّهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ (وَنَفَقَةُ وَلَدِ مُكَاتَبٍ مِنْ مُكَاتَبَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ (لِسَيِّدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (عَلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا) وَكَسْبُهُ لَهَا.

(وَلَهُ) أَيْ: الْمَكَاتِبِ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ وَلَوْ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ (مِنْ جَانٍ عَلَى طَرَفِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ لَكَانَ لَهُ، فَكَذَا بَدَلُهُ وَ (لَا) يَمْلِكُ أَنْ يَقْتَصَّ (مِنْ بَعْضِ رَقِيقِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ السَّيِّدِ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ رَقِيقِهِ الْجَانِي مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ، فَيَعُودُ الرَّقِيقُ لِسَيِّدِهِ نَاقِصًا، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَاصِرٌ عَلَى مَا يَبْتَغِي بِفِعْلِهِ الْمَصْلَحَةَ دُونَ غَيْرِهِ.

(وَلَا) يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ (أَنْ يُكَفِّرَ بِمَالٍ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاةٌ وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ حُرٍّ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا أَنْ (يُسَافِرَ) مُكَاتَبٌ (لِجِهَادٍ) ؛ لِتَفْوِيتِ حَقِّ سَيِّدِهِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (أَوْ يَتَزَوَّجَ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَهْدٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ حَدِيثِ: «أَيُّمَا عَبْدٍ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» ) ؛ وَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا؛ لِاحْتِيَاجِهِ لِأَدَاءِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مِنْ كَسْبِهِ، وَرُبَّمَا عَجَزَ وَرُقَّ، فَيَرْجِعُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ (أَوْ يَتَسَرَّى) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ، وَرُبَّمَا أَحَبَلَهَا، فَتَتْلَفُ أَوْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهِ (أَوْ يَتَبَرَّعَ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِمَالِهِ، (أَوْ يُعِيرَ) دَابَّتَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ (أَوْ يُقْرِضَ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، فَرُبَّمَا أَفْلَسَ الْمُقْتَرِضُ أَوْ مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، أَوْ هَرَبَ (أَوْ يُحَابِي) ؛ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ (أَوْ يَرْهَنَ) مَالَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يَتْلَفُ، فَيُفَوِّتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ (أَوْ يُضَارِبَ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قِرَاضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاع الْكَسْبِ (أَوْ يَبِيعَ نَسَاءً وَلَوْ بِرَهْنٍ) أَوْ ضَمِينٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَفِيهِ غَرَرٌ بِتَسْلِيمِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْغَرِيمَ وَالضَّمِينَ قَدْ يُفْلِسَانِ، وَإِنْ

بَاعَ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ حَالًّا، وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مُؤَجَّلَةً جَازَ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ (أَوْ يَهَبَ وَلَوْ بِعِوَضٍ) مَجْهُولٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَقَدْ يَعْجِزُ، فَيَعُودُ إلَيْهِ، فَإِنْ وَهَبَ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ؛ صَحَّ حَيْثُ لَا مُحَابَاةَ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ (أَوْ يَتَوَسَّعَ فِي النَّفَقَةِ) إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (أَوْ يُزَوِّجَ رَقِيقَهُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ تَبَرُّعٍ (أَوْ يَحُدَّهُ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ وِلَايَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا (أَوْ يَعْتِقَهُ وَلَوْ بِمَالٍ) فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إعْتَاقٍ أَشْبَهَ الْعِتْقَ بِغَيْرِ مَالٍ (أَوْ يُكَاتِبَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ إعْتَاقٍ، فَلَمْ تَجُزْ مِنْهُ كَالْمُنَجَّزِ.
(تَتِمَّةٌ) لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لَكِنْ تَقَدَّمَ: تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ إنْ مَاتَ حُرًّا، وَلَا يَحُطَّ الْمُكَاتَبُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَلَا يَضْمَنَ مَالًا وَلَا يَتَكَفَّلَ بِبَدَنِ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ؛ إذْ رُبَّمَا عَجَزَ؛ فَعَادَ إلَيْهِ كُلُّ مَا فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَذِنَ زَالَ الْمَانِعُ.

(وَالْوَلَاءُ) عَلَى مَنْ أَعْتَقَهُ الْمُكَاتَبُ، أَوْ كَاتَبَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَأَدَّى مَا عَلَيْهِ (لِسَيِّدِهِ) وَلَوْ مَعَ عَدَمِ رُجُوعِهِ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوَلَاءِ، وَالْوَلَاءُ لَا يُوقَفُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُورَثُ بِهِ، فَهُوَ كَالنَّسَبِ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ مَا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مُكَاتَبُهُ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ وَلَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِسَيِّدِهِ (وَ) لَهُ (خَتْنُهُ) لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْأَخْذُ بِهَا، وَلَوْ مِنْ سَيِّدِهِ، وَكَذَا السَّيِّدُ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَهُ الشِّرَاءُ نَسِيئَةً؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَقْتَرِضَ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ.

(وَ) لِلْمُكَاتَبِ (تَمَلُّكُ رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ) كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ (بِهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ، وَ) لَهُ (شِرَاؤُهُمْ وَفِدَاؤُهُمْ) إذَا جُنُّوا، وَهُمْ فِي يَدِهِ (وَلَوْ أَضَرَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِحُرِّيَّتِهِمْ بِتَقْدِيرِ عِتْقِهِ، وَالْعِتْقُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (كَسْبُهُمْ) ؛ أَيْ: مَنْ صَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ أَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ (وَلَا يَبِيعُهُمْ) ؛ أَيْ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ الْمُكَاتَبُ ذَوِي رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا، فَلَا يَمْلِكُهُ مُكَاتَبًا (فَإِنْ عَجَزَ رُقُّوا مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ مَالِهِ، فَيَصِيرُونَ لِلسَّيِّدِ كَعَبِيدِهِ الْأَجَانِبِ (وَإِنْ أَدَّى، عَتَقُوا مَعَهُ) ، لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ كَمُلَ مِلْكُهُ فِيهِمْ، وَزَالَ تَعَلُّقُ حَقِّ سَيِّدِهِ عَنْهُمْ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ (وَكَذَا) ؛ أَيْ: وَكَحُكْمِ رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ إذَا صَارَ إلَيْهِ يَكُونُ (وَلَدُهُ مِنْ أَمَتِهِ) ؛ أَيْ: أَمَةِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَمَلَّكَهُ، وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ أَبِيهِ صَارَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ (وَإِنْ أُعْتِقَ) الْمُكَاتَبُ بِأَنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بِدُونِ مَالِ الْكِتَابَةِ (صَارُوا) ؛ أَيْ: ذَوُو رَحِمِهِ وَرَقِيقُهُ كُلُّهُمْ وَأَوْلَادُهُ مِنْ أَمَتِهِ (أَرِقَّاءَ لِلسَّيِّدِ) كَرَقِيقِهِ الْأَجْنَبِيِّ؛ إذْ مَا بِيَدِهِ مُعْتَقٌ بِغَيْرِ أَدَاءً لِسَيِّدِهِ، وَتَقَدَّمَ.

(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ) كَأَبِي سَيِّدِهِ وَعَمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ، (فَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ أَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بِلَا أَدَاءً (عَتَقَ) مَنْ بِيَدِهِ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِزَوَالِ تَعَلُّقِ الْمُكَاتَبِ عَنْهُ وَخُلُوصِ مِلْكِهِ لِلسَّيِّدِ (وَإِنْ أَدَّى) الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ (فَ) مُكَاتَبُهُ (رَقِيقٌ) لَهُ (وَوَلَدُ) أَمَةِ (مُكَاتَبَةٍ وَضَعَتْهُ بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: بَعْدِ كِتَابَتِهَا (يَتْبَعُهَا) ؛ أَيْ: الْأَمَةَ الْمُكَاتَبَةَ (فِي عِتْقٍ بِأَدَاءٍ) مَالُ الْكِتَابَةِ لِسَيِّدِهَا (أَوْ) عِتْقُهَا بِ (إبْرَاءٍ) مِنْ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ مِنْ السَّيِّدِ بِالِاخْتِيَارِ، أَشْبَهَ الِاسْتِيلَادَ، وَلَا يَتْبَعُهَا مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَّبَّرَةِ وَ (لَا) يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ (بِإِعْتَاقِهَا) بِدُونِ أَدَاءً أَوْ إبْرَاءٍ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةٌ وَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا (وَلَا) يَعْتِقُ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ (إنْ مَاتَتْ) قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنْ قُتِلَ فَقِيمَتُهُ

لَهَا، وَكَذَا لَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جُزْئِهَا، وَبَدَلُ جُزْئِهَا لَهَا.
قَالَهُ فِي " الْكَافِي ": (وَوَلَدُ بِنْتِهَا) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَةِ التَّابِعَةِ لِأُمِّهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (كَوَلَدِهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَالْأُمُّ تَابِعَةٌ لِأُمِّهَا، فَيَعْتِقُ إنْ عَتَقَتْ الْكُبْرَى بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ، لَا بِإِعْتَاقٍ وَمَوْتٍ وَ (لَا) يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ (وَلَدُ ابْنِهَا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ دُونَ أَبِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمَتِهِ، فَيَتْبَعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَتْبَعُهَا مَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهَا بِالْعِتْقِ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، فَلَأَنْ لَا يَتْبَعَهَا فِي الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ أَوْلَى.
وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ دُونَهَا؛ صَحَّ عِتْقُهُ لَهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ كَأُمِّهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ مَعَهَا.

(وَإِنْ اشْتَرَى مُكَاتَبٌ زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) أَوْ اشْتَرَتْ الْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ مَتَى مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَمِلْكُ الْمُكَاتَبِ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مِلْكِهِ لِكَسْبِهِ وَمَنَافِعِهِ.

(وَإِنْ اسْتَوْلَدَ) مُكَاتَبٌ (أَمَتَهُ) ثُمَّ عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ) لَهُ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا لَهُ حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِ أَبِيهِ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْحُرِّ مِنْ أَمَتِهِ

(وَعَلَى سَيِّدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (أَرْشُهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةِ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ (بِحَبْسِهِ مُدَّةً) لِمِثْلِهَا أُجْرَةُ (أَرْفَقِ الْأَمْرَيْنِ) بِالْمُكَاتَبِ (مِنْ إنْظَارِهِ مِثْلَهَا) ؛ أَيْ: مُدَّةِ حَبْسِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْكِتَابَةِ (أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) زَمَنَ حَبْسِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَلْحُوظٌ، فِيهِ حَظُّ الْمُكَاتَبِ، وَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ أَمْرَانِ؛ فَاعْتُبِرَ أَحَظُّهُمَا لَهُ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ يَصِحُّ فِي عَقْدِ كِتَابَةٍ شَرْطُ وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ]

(فَصْلٌ: وَيَصِحُّ) فِي عَقْدِ كِتَابَةٍ، (شَرْطُ وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ) نَصًّا؛ لِبَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَرَاهِنٍ يَطَأُ بِشَرْطٍ، ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَلِأَنَّ بُضْعَهَا مِنْ جُمْلَةِ مَنَافِعِهِ، فَإِذَا اسْتَثْنَى نَفْعَهُ؛ صَحَّ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةً أُخْرَى؛ وَجَازَ وَطْؤُهُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَتُهُ، وَهِيَ فِي جَوَازِ وَطِئَهُ لَهَا كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ لِاسْتِثْنَائِهِ

(وَلَا) يَصِحُّ شَرْطُ وَطْءِ (بِنْتٍ لَهَا) أَيْ: لِمُكَاتَبَتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ فِيهَا بِالتَّبَعِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا حَالَةَ الْعَقْدِ فَيَشْتَرِطُهُ (فَإِنْ وَطِئَهَا) أَيْ: مُكَاتَبَتَهُ (بِلَا شَرْطٍ) فَلَهَا الْمَهْرُ (أَوْ) وَطِئَ (بِنْتَهَا) ؛ أَيْ: بِنْتَ مُكَاتَبَتِهِ (الَّتِي) هِيَ وَأُمُّهَا (فِي مِلْكِهِ أَوْ) وَطِئَ (أَمَتَهَا) ؛ أَيْ: أَمَةَ مُكَاتَبَتِهِ أَوْ أَمَةَ مُكَاتَبِهِ (أُدِّبَ عَالِمٌ تَحْرِيمَ) ذَلِكَ الْوَطْءِ (مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ؛ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُنَّ مَمْلُوكَاتٌ لَهُ، وَرُبَّمَا عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ، فَعُدْنَ لِمِلْكِهِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَلَهَا) ؛ أَيْ: الْمَوْطُوءَةِ عَلَيْهِ (الْمَهْرُ وَلَوْ) كَانَتْ (مُطَاوِعَةً) لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَلِأَنَّهُ عِوَضُ شَيْءٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْمُكَاتَبَةِ، فَكَانَ لَهَا كَبَقِيَّةِ مَنَافِعِهَا، وَعَدَمُ مَنْعِهَا مِنْ وَطِئَهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ مِنْهَا لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَلِهَذَا لَوْ رَأَى مَالِكُ مَالٍ إنْسَانًا يُتْلِفُهُ، فَلَمْ يُمْنَعْهُ؛ لَمْ يُسْقَطْ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَتَحْصُلُ الْمُقَاصَّةُ إنْ حَلَّ النَّجْمُ، وَهُوَ بِذِمَّتِهِ بِشَرْطِهِ (وَمَتَى تَكَرَّرَ) وَطْؤُهُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (وَكَانَ قَدْ أَدَّى) الْمَهْرَ (لِمَا قَبْلَهُ) مِنْ الْوَطْءِ (لَزِمَهُ) مَهْرٌ (آخَرُ) لِوَطْئِهِ بَعْدَ أَدَاءِ مَهْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْمَهْرَ الْأَوَّلَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْوَطْءُ الثَّانِي وَطْءٌ (وَإِلَّا) يَكُنْ أَدَّى مَهْرًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْوَطْءِ (فَلَا) يَلْزَمُهُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْطُوءَةِ مَمْلُوكَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَةَ مَمْلُوكَتِهِ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: سَيِّدِ الْمُكَاتَبَةِ (قِيمَةُ أَمَتِهَا إنْ أَوْلَدَهَا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِمَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قِيمَةُ (نَحْوِ بِنْتِهَا) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَةِ كَأُمِّهَا الْمَمْلُوكَةِ لَهَا إنْ أَوْلَدَهَا (لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهَا) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَةِ (بَيْعُهَا) قَبْلَ اسْتِيلَادِهَا، فَلَمْ يَفُتْ عَلَيْهَا شَيْءٌ بِاسْتِيلَادِهَا، بِخِلَافِ أَمَتِهَا (وَلَا) يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَيْضًا (قِيمَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَةِ مُكَاتَبَةٍ أَوْ) أَمَةِ (مُكَاتَبَتِهِ) إنْ اسْتَوْلَدَهُمَا؛ لِأَنَّ وَلَدَ السَّيِّدِ جُزْءٌ مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ قِيمَتِهِ لِرَقِيقِهِ؛ وَلِأَنَّهُ انْعَقَدَ حُرًّا (وَتَصِيرُ) مُكَاتَبَتُهُ أَوْ بِنْتُهَا أَوْ أَمَتُهَا أَوْ أَمَةُ مُكَاتَبِهِ (إنْ وَلَدَتْ) مِنْ سَيِّدِهَا سَوَاءٌ شَرَطَ وَطْءَ مُكَاتَبَتِهِ أَوْ لَا (أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهَا أَمَتُهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا دِرْهَمٌ (ثُمَّ إنْ أَدَّتْ) مُكَاتَبَتُهُ الَّتِي أَوْلَدَهَا (عَتَقَتْ)

وَكَسْبُهَا لَهَا، وَلَا تَنْفَسِخُ كِتَابَتُهَا بِاسْتِيلَادِهَا (وَإِنْ مَاتَ) سَيِّدُهَا (وَعَلَيْهَا شَيْءٌ) مِنْ كِتَابَتِهَا (سَقَطَ، وَعَتَقَتْ) لِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ (وَمَا بِيَدِهَا لِوَرَثَتِهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ (وَلَوْ لَمْ تَعْجِزْ) لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ أَدَاءً (وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ سَيِّدٌ مُكَاتَبَهُ) فَلَهُ كُلُّ مَا بِيَدِهِ (وَعِتْقُهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ فَسْخٌ لِلْكِتَابَةِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا بِصَيْرُورَتِهِ حُرًّا، وَلَوْ كَانَ عِتْقُهُ (فِي غَيْرِ كَفَّارَةٍ) وَيَصِحُّ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ، وَيَأْتِي.

(وَمَنْ كَاتَبَهَا شَرِيكَانِ) فِيهَا (ثُمَّ) وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، أُدِّبَ فَوْقَ أَدَبِ وَاطِئِ الْمُكَاتَبَةِ الْخَالِصَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مُكَاتَبَةً وَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ الْخَالِصَةِ، وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَهَا، فَإِذَا تَلِفَتْ بِالْوَطْءِ؛ لَزِمَ مُتْلِفَهَا بَدَلُهَا، وَهُوَ الْمَهْرُ وَإِنْ (وَطِئَاهَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَانِ (فَلَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (الْمَهْرُ) فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَى الْوَاطِئِ الْأَوَّلِ مَهْرُ بِكْرٍ، وَعَلَى الْوَاطِئِ الْآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ اعْتِبَارًا بِالْحَالِ الَّتِي وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهَا (وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا) فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَ (صَارَتْ) الْمُكَاتَبَةُ (أُمَّ وَلَدِهِ) لِأَنَّهَا عُلِّقَتْ بِحُرٍّ فِي شَيْءٍ يَمْلِكُ بَعْضَهُ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلسِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنْ الْعِتْقِ، بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْمَجْنُونِ (وَلَوْ لَمْ تَعْجِزْ) فَتَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهَا فِي نَصِيبِهِ، وَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَهَا مِنْ شَرِيكِهِ (وَيَغْرَمُ) مَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ) مِنْهَا مُكَاتَبَةً؛ لِسَرَيَانِ الِاسْتِيلَادِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْلِدُ مُوسِرًا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا أَدَّاهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يُوسِرَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَ) يَغْرَمُ الْمُسْتَوْلِدُ لِشَرِيكِهِ (نَظِيرَهَا) ؛ أَيْ: حِصَّتِهِ (مِنْ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَبِيلِ هَذَا النِّصْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِهِ فَقَدْ أَتْلَفَ رِقَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهَا فِي " التَّصْحِيحِ " وَالنَّظْمِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ

وَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ " الْمُبْدِعِ "، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ، وَيَغْرَمُ الْمُسْتَوْلِدُ لِمُكَاتَبَةٍ الْمَهْرُ كَامِلًا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَهَا، فَيَضْمَنُهَا لَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ (وَإِنْ أَلْحَقَ) وَلَدَ مُكَاتَبَةٍ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا (بِهِمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ سِرَايَتُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى وَكِتَابَتُهُمَا بِحَالِهَا، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ فِي حَيَاتِهِمَا، وَمَا بِيَدِهَا لَهَا، وَإِلَّا فَإِنَّهُ (يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ (وَ) يَعْتِقُ (بَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ عِتْقَ نِصْفَهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ مُعْتَبَرٌ (حَيْثُ لَا سِرَايَةَ) عَلَى الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَكَوْنِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ مُعْسِرًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْرِي إحْبَالُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاق بِالْقَوْلِ، أَمَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ الْبَاقِي، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُهُ بِمَوْتِهِ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى الْبَاقِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُدَبَّرِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِحُصُولِ الْوَلَدِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَوْجَبَ السِّرَايَةَ فِي جَمِيعِهَا، وَيُفَارِقُ الْإِعْتَاقَ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ عَلَى مَا مَرَّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ إجْبَارُ مُكَاتَبَتِهِ) وَلَا بِنْتِهَا وَلَا أَمَتَهَا (عَلَى تَزْوِيجٍ) لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ عَنْ نَفْعِهَا وَنَفْعِ بُضْعِهَا وَعَنْ عِوَضِهِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَزْوِيجٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهَا يَثْبُتُ حَقًّا لِلزَّوْجِ فِيهَا، فَرُبَّمَا عَجَزَتْ، وَعَادَتْ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَلِيُّ بِنْتِهَا وَجَارِيَتِهَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْقِنَّ.

[فَصْلٌ يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْمُكَاتَبِ]

(فَصْلٌ: وَيَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْمُكَاتَبِ) بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إلَى أَهْلِك، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْك كِتَابَتَكِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُك لِي فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، وَقَالُوا إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْك، فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونُ لَنَا وَلَاؤُك، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ابْتَاعِي وَاعْتِقِي؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِيعَتْ بَرِيرَةُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ، وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا دَلَّ عَلَى عَجْزِهَا، وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهَا أَعِينِينِي دَلَّ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ مَعَ صِحَّةِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا (حَتَّى بِوَقْفٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِصَاحِبِ " الْمُبْدِعِ " (فَإِذَا أَدَّى) الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ (بَطَلَ) الْوَقْفُ، وَوَلَدُهُ التَّابِعُ لَهُ فِي كِتَابَتِهِ كَهُوَ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ مَعَ الْمُكَاتَبِ، لَا مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ كَأَصْلِهِ، وَلِذَا صَحَّ عِتْقُهُ لَهُ، بِخِلَافِ ذَوِي رَحِمِ الْمُكَاتَبِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَبِيدًا لِسَيِّدِهِ.

(وَلِمُشْتَرٍ) مُكَاتَبًا (جَهِلَ الْكِتَابَةَ رَدٌّ أَوْ أَرْشٌ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَقْصٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَنَافِعِهِ وَكَسْبِهِ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ؛ أَشْبَهَ الْأُمَّةَ الْمُزَوَّجَةَ (وَهُوَ) : أَيْ: الْمُشْتَرِي إنْ أَمْسَكَ وَالْمُتَّهَبُ وَالْمُوصَى لَهُ (كَبَائِعٍ فِي عِتْقِ) مُكَاتَبٍ (بِأَدَاءِ) هـ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْمُكَاتَبِ، بَلْ مَتَى أَدَّى مَا عَلَيْهِ عَتَقَ (وَلَهُ) ؛ أَيْ: مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ (الْوَلَاءُ) عَلَيْهِ؛ لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ إلَّا الْمَوْقُوفَ إذَا أَدَّى مَالَ كِتَابَتِهِ لِمَنْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَيَبْطُلُ وَقْفُهُ وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ (وَ) مُشْتَرٍ كَبَائِعٍ فِي (عَوْدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ؛ أَيْ: إعَادَتِهِ مِنْ إطْلَاقِ الْعَوْدِ وَإِرَادَةِ الْإِعَادَةِ؛ إذْ الْعَوْدُ صِفَةُ الْمُكَاتَبِ الَّتِي هِيَ أَثَرُ الْإِعَادَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ السَّيِّدِ (قِنًّا بِعَجْزِهِ) عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْبَائِعِ.

(وَإِنْ أَدَّى) مُكَاتَبٌ مَا عَلَيْهِ (لِوَارِثٍ) بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ (فَالْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ) الَّذِي كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَفَادَهُ السَّبَبُ، هَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ.

(وَلَوْ اشْتَرَى كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ مُكَاتَبَيْ شَخْصٍ) الْمُكَاتَبَ الْآخَرَ؛ صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا مَوْلَاك، وَلِي وَلَاؤُك، وَإِنْ عَجَزْت صِرْت لِي رَقِيقًا (أَوْ) اشْتَرَى كُلٌّ مِنْ مُكَاتَبَيْ شَخْصَيْنِ (اثْنَيْنِ الْآخَرَ؛ صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ) لِأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ شِرَاءُ الْعَبِيدِ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ كَشِرَائِهِ لِلْقِنِّ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُ الْعَبْدِ لَا يَمْلِكُ سَيِّدَهُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا، فَإِنْ أَدَّى الْمَبِيعَ مِنْهُمَا؛ عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ، فَيَثْبُتُ لِسَيِّدِهِ، هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ (فَإِنْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا) ؛ أَيْ: الْبَيْعَيْنِ (بَطَلَا) وَيُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى كِتَابَتِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ، وَجَهِلَ السَّابِقَةَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى فَسْخٍ وَلَا قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ يَقِينُ الْبَيْعِ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى فَسْخٍ.

(وَإِنْ أُسِرَ) الْمُكَاتَبُ؛ أَيْ: أَسَرَهُ الْكُفَّارُ (فَاشْتُرِيَ) مِنْهُمْ، أَوْ وَقَعَ فِي قِسْمِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ (فَأَحَبَّ سَيِّدُهُ؛ أَخْذَهُ) مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْكُفَّارِ (بِمَا اُشْتُرِيَ بِهِ) فَلَهُ ذَلِكَ، وَكِتَابَتُهُ بِحَالِهَا؛ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ سَيِّدُهُ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَأَحَبَّ أَخْذَهُ، فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُدَبَّرِ (وَإِلَّا) يُحِبَّ السَّيِّدُ أَخْذَهُ بِذَلِكَ مِنْهُ؛ بَقِيَ بِيَدِ مُشْتَرِيهِ أَوْ بِيَدِ مَنْ وَقَعَ فِي قِسْمِهِ (فَ) إذَا (أَدَّى) الْمُكَاتَبُ (لِمُشْتَرِيهِ) أَوْ لِمَنْ وَقَعَ فِي قِسْمَتِهِ (مَا بَقِيَ) عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ؛ عَتَقَ لِلُزُومِ الْكِتَابَةِ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِالْأَسْرِ كَالْبَيْعِ وَأَوْلَى، وَوَلَاؤُهُ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِمُشْتَرِيهِ، لِعِتْقِهِ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (بِمُدَّةِ أَسْرٍ) الَّتِي هُوَ فِيهَا عِنْدَ الْكُفَّارِ (فَلَا يَعْجِزُ) الْمُكَاتَبُ (حَتَّى يَمْضِيَ) عَلَيْهِ (بَعْدَ الْأَجَلِ مِثْلُهَا) ؛ أَيْ: مُدَّةِ الْأَسْرِ، فَتُلْغَى مُدَّةُ الْأَسْرِ؛ وَيَبْقَى عَلَى مَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ

يَتَمَكَّنْ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ، فَاسْتَظْهَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا التَّغْلِبِيُّ أَنَّ مُدَّتَهُ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ كَالْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ

(وَعَلَى مُكَاتَبٍ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ) فِدَاءُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْحُرِّ فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَكَذَا فِي الْجِنَايَاتِ (أَوْ) ؛ أَيْ: أَوْ عَلَى مُكَاتَبٍ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ (فِدَاءُ نَفْسِهِ) مِمَّا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي، وَقَدْ مَلَكَ نَفْعَهُ وَكَسْبَهُ، أَشْبَهَ الْحُرَّ، ثُمَّ إنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَفْدِي نَفْسَهُ (بِقِيمَتِهِ فَقَطْ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْ رَقَبَتِهِ (مُقَدِّمًا) فِدَاءَ نَفْسِهِ (عَلَى) دَيْنِ (كِتَابَةٍ) وَلَوْ حَلَّ نَجْمٌ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَدَيْنَ الْكِتَابَةِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ، وَعَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الْمُكَاتَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ مِنْ سَيِّدٍ وَغَيْرِهِ التَّأْخِيرَ إلَى بَعْدِ وَفَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ رَضِيَ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ فَلِمُسْتَحِقِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِمْ الْأَخِيرَيْنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرَقَبَتِهِ؛ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ إنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الطَّرَفِ، وَإِنْ عَفَا مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى مَالٍ؛ جَازَ وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَيَسْتَوِي وَلِيُّهَا مَعَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَطَأً (فَإِذَا أَدَّاهَا) أَيْ: أَدَّى مُكَاتَبٌ جَانٍّ كِتَابَتَهُ (مُبَادِرًا) قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَلَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ سَأَلَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَأَجَابَهُ؛ صَحَّ وَ (عَتَقَ) لِصِحَّةِ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ قَضَى الْمُفْلِسُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ (وَاسْتَقَرَّ الْفِدَاءُ) ؛ أَيْ: أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَأَلَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، وَأَجَابَهُ قَبْلَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ،

فَلَا يَعْتِقُ، وَارْتَجَعَهُ حَاكِمٌ، فَدَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ؛ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُسْتَقِرٌّ، وَدَيْنَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.

(وَإِنْ قَتَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَ الْجَانِيَ (سَيِّدُهُ لَزِمَهُ) مَا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْجِنَايَةِ (الْأَقَلُّ) ؛ أَيْ: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مَحَلَّ تَعْلِيقِهَا، وَهُوَ رَقَبَةٌ (وَكَذَا إنْ أَعْتَقَهُ) سَيِّدُهُ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِإِتْلَافِهِ مَالِيَّتَهُ بِعِتْقِهِ.
(وَتَسْقُطُ) جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ؛ أَيْ: يَسْقُطُ أَرْشُهَا (فِيهِمَا) ؛ أَيْ: بِقَتْلِ سَيِّدِهِ أَوْ عِتْقِهِ إيَّاهُ (إنْ كَانَتْ) جِنَايَتُهُ (عَلَى سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَالِيَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ لِنَفْسِهِ

(وَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ الْجَانِي عَنْ فِدَاءِ نَفْسِهِ (عَنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ) جَنَاهَا (عَلَى سَيِّدِهِ فَلَهُ) ؛ أَيْ: سَيِّدِهِ (تَعْجِيزُهُ) بِعُودِهِ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ حَقٌّ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ رَقَبَتُهُ (وَإِنْ كَانَتْ) جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ (عَلَى غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ سَيِّدِهِ وَعَجَزَ عَنْ فِدَاءِ نَفْسِهِ (فَ) إنْ (فِدَاهُ سَيِّدٌ؛ لَمْ يُبَعْ) بَلْ يَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ (وَإِلَّا) يَفْدِهِ (بِيعَ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةِ (قِنًّا لَا مُكَاتَبًا) لِبُطْلَانِ كِتَابَتِهِ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِرَقَبَتِهِ (وَيَجِبُ فِدَاءُ جِنَايَتِهِ مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ (بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (أَوْ أَرْشُهَا) ؛ أَيْ: الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَ الْأَرْشُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا.

(وَإِنْ اسْتَدَانَ) الْمُكَاتَبُ (تَعَلَّقَ) مَا اسْتَدَانَهُ (بِذِمَّتِهِ فَقَطْ) دُونَ رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْأَحْرَارِ، وَالْحُرُّ إذَا اسْتَدَانَ دُيُونًا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، وَفَائِدَةُ تَعَلُّقِهَا بِذِمَّتِهِ أَنَّهُ يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ يَسَارِهِ، وَخَرَجَ بِالِاسْتِدَانَةِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ؛ وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَيَكُونُ مَا اسْتَدَانَهُ (مُقَدَّمًا مَعَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ الْحَاكِمَ ذَلِكَ (عَلَى دَيْنِ كِتَابَةٍ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِ ذَلِكَ بِرَقَبَتِهِ (فَ) لِهَذَا إنْ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ (فَلَيْسَ لِغَرِيمِهِ تَعْجِيزُهُ) عَنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ لِيَعُودَ إلَى الرِّقِّ (بِخِلَافِ أَرْشِ) جِنَايَةٍ لِتَعَلُّقِهِ بِرَقَبَتِهِ (وَ) بِخِلَافِ (دَيْنِ كِتَابَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ رَقَبَتِهِ (فَ) لِلسَّيِّدِ أَنْ (يُعْجِزَ) الْمُكَاتَبَ، وَإِذَا أَعْجَزَهُ فَعَادَ قِنًّا؛ خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتِهِ، وَبَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ فِيهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى السَّيِّدِ أَوْ عَلَى مَالِهِ، أَوْ وَرِثَ أَرْشَهَا عَنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى قِنِّهِ مَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ عَلَيْهِ.

(وَ) إنْ مَاتَ مُكَاتَبٌ جَانٍّ وَمَدِينٌ؛ فَإِنَّهُ (يَشْتَرِكُ رَبُّ دَيْنِ) مُعَامَلَةٍ (وَ) رَبُّ (أَرْشِ) جِنَايَةٍ (بَعْدَ مَوْتِهِ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (فِي تَرِكَتِهِ بِالْحِصَصِ) ؛ أَيْ: فَيَتَحَاصَّانِ بِقَدْرِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِفَوَاتِ الرَّقَبَةُ (وَلِ) مُكَاتَبٍ (غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ؛ أَيِّ: دَيْنٍ شَاءَ) مِنْ دَيْنِ كِتَابَةٍ وَمُعَامَلَةٍ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ كَالْحُرِّ.
(تَتِمَّةٌ) : لَا يُجْبَرُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَاءِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ كُلْفَةً وَمَشَقَّةً، وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ؛ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ لِوَفَائِهَا؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ.

[فَصْلٌ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ]

(فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ) الصَّحِيحَةُ (عَقْدٌ لَازِمٌ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَهُوَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ (لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا تَحْصِيلُ الْعِتْقِ، فَكَأَنَّ السَّيِّدَ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ شُرِعَ لِدَفْعِ الْغَبْنِ عَنْ الْمَالِ، وَالسَّيِّدُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِعَبْدِهِ؛ فَلَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْخِيَارِ.
(وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا) أَيْ: الْكِتَابَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْكِتَابَةِ (عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ كَاتَبْتُك: (كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ) وَخَرَجَ بِمُسْتَقْبَلٍ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ كَإِنْ كُنْت عَبْدِي وَنَحْوِهِ فَقَدْ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا؛ فَيَصِحُّ.

(وَلَا تَنْفَسِخُ) الْكِتَابَةُ (بِمَوْتِ سَيِّدٍ وَ) لَا (جُنُونِهِ وَ) لَا (بِحَجْرٍ عَلَيْهِ) لِسَفَهٍ أَوْ فَلْسٍ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.

(وَيَعْتِقُ) الْمُكَاتَبُ (بِأَدَاءٍ) إلَى سَيِّدِهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَبْضِ أَوْ بِأَدَاءٍ (إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ مِنْ وَلِيِّهِ وَوَكِيلِهِ أَوْ الْحَاكِمِ مَعَ غَيْبَةِ سَيِّدِهِ (أَوْ) بِأَدَاءٍ إلَى (وَارِثِهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ إنْ مَاتَ، وَالْوَلَاءُ لَلسَّيِّدِ لَا لِلْوَارِثِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِمَا عَلَيْهِ لِشَخْصٍ، فَأَدَّى إلَيْهِ.

(وَإِنْ حَلَّ) عَلَى مُكَاتَبٍ (نَجْمٌ) مِنْ كِتَابَتِهِ (فَلَمْ يُؤَدِّهِ؛ فَلِسَيِّدِهِ الْفَسْخُ) كَمَا لَوْ أَعْسَر الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ (بِلَا حُكْمِ) حَاكِمٍ كَرَدِّ الْمَعِيبِ

(وَلَوْ) كَانَ الْمُكَاتَبُ (غَائِبًا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ؛ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِانْتِظَارِهِ (وَ) إنْ غَابَ الْمُكَاتَبُ (بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ (فَلَا) يَمْلِكُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنِهِ لَهُ، وَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا (حَتَّى يُرَاسَلَهُ الْحَاكِمُ) بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ يَأْمُرُهُ بِالْأَدَاءِ، أَوْ يَثْبُتُ عَجْزُهُ عِنْدَهُ؛ فَيَفْسَخُ السَّيِّدُ أَوْ وَكِيلُهُ حِينَئِذٍ؛ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ لِيُؤَدِّيَ مَا حَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ (وَ) عَلَيْهِ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى (يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ) الْمَسِيرُ عَادَةً، فَإِنْ خَرَجَ أَوْ وَكَّلَ فِي أَوَّلِ حَالِّ الْإِمْكَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ عَادَةً إلَّا مَعَهَا؛ لَمْ يَجُزْ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْخُرُوجَ أَوْ التَّوْكِيلَ مَعَ الْإِمْكَانِ؛ فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ؛ إزَالَةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ السَّيِّدُ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، جَازَ، وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ بِبَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَأْمَنُ الْمُكَاتَبُ إنْكَارَ السَّيِّدِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمُكَاتَبُ الدَّفْعَ إلَيْهِ وَلَوْ صَدَّقَهُ أَنَّهُ وَكِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ إنْكَارَ سَيِّدِهِ الْوَكَالَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ عُذْرًا يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ.
وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ وَمَالُ الْمُكَاتَبِ

حَاضِرٌ عِنْدَهُ طُولِبَ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ قَبْلَ الطَّلَبِ، فَإِنْ طَلَبَ السَّيِّدُ مِنْهُ مَا حَلَّ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ أَنْ مَالَهُ غَائِبٌ عَنْ الْمَجْلِسِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ؛ لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ، وَأُمْهِلَ الْمُكَاتَبُ لِذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْوَفَاءِ؛ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ.
(وَيَلْزَمُ) السَّيِّدَ (إنْظَارُهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبِ (ثَلَاثًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (لِبَيْعِ عَرَضٍ) يُوَفِّيهِ مِنْ ثَمَنِهِ (وَلِمَالٍ غَائِبٍ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ يَرْجُو قُدُومَهُ، وَلِدَيْنٍ حَالٍّ عَلَى مَلِيءٍ وَ) قَبْضِ مَالٍ (مُودَعٍ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَلْحُوظٌ فِيهِ حَظُّ الْمُكَاتَبِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الْإِضْرَارِ بِالسَّيِّدِ.

(وَلِمُكَاتَبٍ قَادِرٍ عَلَى كَسْبٍ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ) بِتَرْكِ التَّكَسُّبِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ، وَمُعْظَمُ الْقَصْدِ مِنْ الْكِتَابَةِ تَخْلِيصُهُ مِنْ الرِّقِّ، فَإِذَا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَمْلِكْ وَفَاءً) . وَ (لَا) يَمْلِكُ مُكَاتِبٌ (فَسْخَهَا) ؛ أَيْ: الْكِتَابَةِ بِحَالٍ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لِأَنَّهَا سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ، وَفِيهَا حَقٌّ مُعَلَّقٌ، وَفِي فَسْخِهَا إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ (فَإِنْ مَلَكَهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءَ مُكَاتَبٌ لَمْ يَمْلِكْ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ وَ (أُجْبِرَ عَلَى أَدَائِهِ) لِسَيِّدٍ (ثُمَّ عَتَقَ) بِأَدَائِهِ، وَلَا يَعْتِقُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ قَبْلَ أَدَائِهِ، فَيَفُوتَ عَلَى السَّيِّدِ (فَإِنْ مَاتَ) مُكَاتَبٌ (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ (انْفَسَخَتْ) وَلَوْ مَلَكَ وَفَاءً؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا؛ فَمَالُهُ جَمِيعًا لِسَيِّدِهِ.
وَيَصِحُّ فَسْخُهَا؛ أَيْ: الْكِتَابَةِ (بِاتِّفَاقِهِمَا) أَيْ: السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ بِأَنْ يَتَقَايَلَا أَحْكَامَهَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ.

(وَلَوْ زَوَّجَ السَّيِّدُ امْرَأَةً تَرِثُهُ) ؛ أَيْ: تَرِثُ السَّيِّدَ إنْ مَاتَ كَبِنْتِهِ وَنَحْوِهَا (مِنْ مُكَاتَبِهِ؛ ثُمَّ مَاتَ) السَّيِّدُ (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ تَمْلِكُهُ أَوْ تَمْلِكُ

سَهْمًا مِنْهُ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَتْهُ، كَمَا لَوْ وَرِثَ زَوْجٌ حُرٌّ زَوْجَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ، أَوْ وَرِثَ زَوْجَةً لَهُ غَيْرُهَا، فَمَتَى مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ أَبْطَلَهُ.

(وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ) السَّيِّدُ (إلَى مَنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ) كُلَّهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمُكَاتَبُ (ذِمِّيًّا رُبْعُهَا) أَمَّا وُجُوبُ الْإِيتَاءِ بِلَا تَقْدِيرٍ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ رُبْعُ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ فَلِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] قَالَ: رُبْعُ الْكِتَابَةِ» وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) ؛ أَيْ: الْمُكَاتَبَ (قَبُولُ بَدَلِهِ) ؛ أَيْ: بَدَلِ رُبْعِ الْكِتَابَةِ، إنْ دَفَعَهُ سَيِّدُهُ لَهُ (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ) الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ؛ بِأَنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ، فَأَدَّاهَا إلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ دَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أَعْطَاهُ عَنْهَا عُرُوضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْإِيتَاءِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ، فَتُسَاوَيَا فِي الْإِجْزَاءِ كَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ أُلْحِقَ بِهِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى مِنْ عَيْنِهِ؛ لِظَاهِرِ النَّصِّ.
(فَلَوْ وَضَعَ السَّيِّدُ) عَنْ مُكَاتَبِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَوَّلِ أَنْجُمِهَا أَوْ أَوْسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، وَكَانَ الْوَضْعُ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الرُّبْعِ؛ جَازَ لِتَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ الْآيَةَ بِذَلِكَ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْوَضْعُ عَنْهُ (أَفْضَلُ) مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّفْعِ، وَأَعْوَنُ عَلَى حُصُولِ الْعِتْقِ (أَوْ عَجَّلَهُ) ؛ أَيْ: إيتَاءَ الرُّبْعِ لِلْمُكَاتَبِ سَيِّدُهُ (جَازَ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهُ وَكَالزَّكَاةِ، وَوَقْتُ وُجُوبِ أَدَاءِ السَّيِّدِ رُبْعَ

مَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمُكَاتَبِ عِنْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَائِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي آتَاهُ، وَإِذَا أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ؛ عَتَقَ فَيَجِبُ إيتَاؤُهُ حِينَئِذٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: الْكِتَابَةُ عَلَى نَجْمَيْنِ وَالْإِيتَاءُ مِنْ الثَّانِي.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَالَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ إيتَائِهِ مُكَاتَبَهُ رُبْعَهُ؛ فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ يُحَاصِصُ بِهِ غُرَمَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِآدَمِيٍّ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ دُيُونِهِ.

(وَلِسَيِّدِ) مُكَاتَبٍ (الْفَسْخُ) لِلْكِتَابَةِ (بِعَجْزِ) مُكَاتَبٍ (عَنْ رُبْعِهَا) أَيْ: الْكِتَابَةِ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «كُنَّ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ مُكَاتَبٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارٌ» .

(وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُصَالِحَ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ كِتَابَتِهِ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (بِشَرْطِ حُلُولٍ وَتَقَابُضٍ) فِي الْمَجْلِسِ لَا مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضٍ إنْ جَرَى بَيْنَ الْجِنْسِ رِبَا نَسِيئَةٍ.

(وَمَنْ أُبْرِئَ) مِنْ الْمُكَاتَبِينَ (مِنْ كِتَابَتِهِ) كُلِّهَا (عَتَقَ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . لِأَنَّهُ مَعَ الْبَرَاءَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِي مَعْنَى الْأَدَاءِ بِجَامِعِ سُقُوطِ الْحَقِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَإِنْ أُبْرِئَ) مُكَاتَبٌ (مِنْ بَعْضِهَا) كَأَنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَأَبْرَأَهُ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ (فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الْأَلْفِ، فَإِذَا أَدَّاهَا؛ عَتَقَ

[تَتِمَّةٌ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ]

(تَتِمَّةٌ) : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُوصَى لَهُ، وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ؛ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهَا وَبَرَاءَتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ، وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فِي عِتْقِهِ، وَحَقُّهُ فِيمَا عَلَيْهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ

صَارَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ دُونَ الْمُوصَى لَهُ بِمَا عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ فِي تَعْجِيزِهِ لِلْوَرَثَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَمَا قَبَضَهُ الْمُوصَى لَهُ فَهُوَ لَهُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْهُ، لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ.

[فَصْلٌ كِتَابَةُ عَدَدٍ مِنْ رَقِيقِهِ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ]

(فَصْلٌ: وَتَصِحُّ كِتَابَةُ عَدَدٍ) مِنْ رَقِيقِهِ (بِعِوَضٍ) وَاحِدٍ كَأَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَيْنِ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى سَنَتَيْنِ كُلُّ سَنَةٍ مِائَةٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهُمْ كَذَلِكَ لِوَاحِدٍ (وَيُقَسَّطُ) الْعِوَضُ بَيْنَهُمْ (عَلَى الْقِيَمِ) ؛ أَيْ: قِيمَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ (يَوْمَ الْعَقْدِ) لِأَنَّهُ زَمَنُ الْمُعَاوَضَةِ، لَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، وَاشْتَرَى عَبِيدًا وَرَدَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْبٍ (وَيَكُونُ كُلٌّ) مِنْهُمْ (مُكَاتَبًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) مِنْ الْعِوَضِ؛ فَمَنْ أَدَّى مِنْهُمْ مِنْ كِتَابَتِهِ؛ فَإِنَّهُ (يَعْتِقُ) وَحْدَهُ (بِأَدَائِهَا، وَيُعَجَّزُ بِعَجْزٍ عَنْهَا) ؛ أَيْ: قَدْرِ حِصَّتِهِ (وَحْدَهُ) لِأَنَّ الْحِصَّةَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ الْمَنْقُودِ، وَمَنْ جَنَى مِنْهُمْ فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَضَامَنُوا) أَيْ الْعَبِيدُ الَّذِينَ كَاتَبَهُمْ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ (لَمْ يَصِحَّ) الضَّمَانُ.
(وَلَوْ شَرَطَ) أَيْ: شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَيْهِمْ الضَّمَانَ (فِي عَقْدِ) الْكِتَابَةِ (فَسَدَ) الـ (شَّرْطُ) لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ لَازِمًا، وَلَا يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ؛ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَ (لَا) يَفْسُدُ الـ (عَقْدُ) بِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ.
(وَإِنْ أَدَّوْا) مَا كُوتِبُوا عَلَيْهِ جَمِيعَهُ (وَاخْتَلَفُوا) بَعْدَ أَدَائِهِ (فِي قَدْرِ مَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ بِأَنْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ قِيمَةً: أَدَّيْنَا عَلَى قَدْرِ قِيَمِنَا، وَقَالَ الْأَقَلُّ قِيمَةً: أَدَّيْنَا عَلَى السَّوَاءِ، فَبَقِيَتْ لَنَا عَلَى الْأَكْثَرِ قِيمَةُ بَقِيَّةٍ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مُدَّعٍ أَدَاءَ الْوَاجِبِ) ؛ أَيْ: قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَدَاءُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ؛ لِاعْتِضَادِهِ بِالظَّاهِرِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا يُدَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَدَاءِ (مَا زَادَ) عَلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(وَيَصِحُّ أَنْ يُكَاتِبَ) السَّيِّدُ (بَعْضَ عَبْدِهِ كَنِصْفِهِ) كَالْبَيْعِ، وَيَجِبُ أَنْ

يُؤَدِّيَ إلَى سَيِّدِهِ مِنْ كَسْبِهِ بِحَسَبِ مَا لَهُ فِيهِ مِنْ الرِّقِّ، وَيُؤَدِّي فِي الْكِتَابَةِ بِحَسَبِ مَا كُوتِبَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ بِتَأْدِيَةِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابَةِ (فَإِذَا أَدَّى مِثْلَيْ كِتَابَتِهِ؛ عَتَقَ) مِنْهُ قَدْرُ مَا كُوتِبَ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ، فَيَصِيرُ (كُلُّهُ) حُرًّا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا سَرَى إلَى مِلْكِ غَيْرِ السَّيِّدِ، فَلَأَنْ يَسْرِيَ إلَى مِلْكِهِ أَوْلَى، وَإِذَا كَاتَبَ رَقِيقَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ، وَشَرَطَ السَّيِّدُ أَنْ يُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَلْفِ الْأَوَّلِ؛ صَحَّ الْعَقْدُ، وَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَ، وَيَعْتِقُ عِنْدَ أَدَائِهِ الْأَلْفَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ؛ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ عِتْقَهُ عِنْدَ أَدَاءِ بَعْضِ الْكِتَابَةِ، وَيَبْقَى الْأَلْفُ الْآخَرُ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِهِ.

(وَ) يَصِحُّ أَنْ يُكَاتِبَ (شِقْصًا مِنْ) رَقِيقٍ (مُشْتَرَكٍ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ) مُوسِرًا كَانَ الشَّرِيكُ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى نَصِيبِهِ، فَصَحَّ كَبَيْعِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ؛ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَالْكَامِلِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا، وَلَا يُمْنَعُ الْكَسْبَ وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِذَلِكَ الْجُزْءِ كَمَا لَوْ وَرِثَ الْمُبَعَّضُ شَيْئًا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، فَإِنْ هَايَأَ مَالِكَ الْبَقِيَّةِ؛ فَكَسَبَ فِي نَوْبَتِهِ شَيْئًا اخْتَصَّ بِهِ الْمُكَاتَبُ، وَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ؛ فَمَا كَسَبَهُ بِجُمْلَتِهِ فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ مِنْهُ، وَلِسَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْمَمْلُوكِ.
(وَيَمْلِكُ مُكَاتَبٌ) بَعْضَهُ (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْمُكَاتَبَةِ (فَإِذَا أَدَّى) الْمُكَاتَبُ بَعْضَ (مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ) لِمَنْ كَاتَبَهُ (وَدَفَعَ لِ) لِلشَّرِيكِ (الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ (مَا يُقَابِلُ حِصَّتَهُ عَتَقَ كُلُّهُ إنْ كَانَ مَنْ كَاتَبَهُ) ؛ أَيْ: كَاتَبَ نَصِيبَهُ مِنْهُ (مُوسِرًا) بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ بِالْأَدَاءِ وَالْآخَرُ بِالسِّرَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مَنْ كَاتَبَهُ شَيْئًا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ مَا يُقَابِلُ حِصَّتَهُ مِنْهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي كِتَابَتِهِ أَوْ

لَمْ يَأْذَنْ، فَلَوْ أَدَّى الْكِتَابَةَ مِنْ جَمِيعِ كَسْبِهِ؛ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَا لَيْسَ لَهُ (وَعَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الشَّرِيكِ الَّذِي كَاتَبَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَأَدَّى إلَيْهِ (قِيمَةَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ) رَقِيقًا لَا مُكَاتَبًا، إذْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ الَّتِي فَوَّتَهَا كَانَتْ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ بِشَرْطٍ، فَوُجِدَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ سِوَى نَصِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ عَتَقَ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُوسِرٌ بِهِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَهُ الشَّرِيكُ) الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ؛ أَيْ: أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ (قَبْلَ أَدَائِهِ) كِتَابَتَهُ (عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ) بِالسِّرَايَةِ (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ كَوْنُهُ مُوسِرًا بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ مُكَاتَبًا (وَغَرِمَ) الشَّرِيكُ الْمُعْتِقُ (قِيمَةَ مَا لِشَرِيكِهِ) الَّذِي كَاتَبَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ (مُكَاتَبًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ سِوَى نَصِيبِهِ، وَيَبْقَى نَصِيبُ شَرِيكِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِذَا أَدَّاهَا؛ كَمُلَتْ حُرِّيَّتُهُ عَلَيْهِمَا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَا عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ.

(وَلَهُمَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ فِي قِنٍّ (كِتَابَةُ عَبْدِهِمَا) أَوْ أَمَتِهِمَا، سَوَاءٌ تُسَاوَى مِلْكُهُمَا فِيهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (عَلَى تَسَاوٍ) فِي مَالِ الْكِتَابَةِ كَأَنْ يُكَاتِبَاهُ عَلَى أَلْفَيْنِ لِكُلٍّ أَلْفٌ (وَ) عَلَى (تَفَاضُلٍ) كَأَنْ يُكَاتِبَاهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، لِوَاحِدٍ أَلْفَانِ، وَالْآخَرِ أَلْفٌ، سَوَاءٌ كَاتَبَاهُ فِي عَقْدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْقِدُ عَلَى نَصِيبِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّنْجِيمِ، أَوْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا فِي النُّجُومِ قَبْلَ النَّجْمِ الْأَخِيرِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لِمَنْ تَأَخَّرَ نَجْمُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَيُعْطِي مَنْ قَلَّ نَجْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الدَّفْعِ إلَى الْآخَرِ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنْظِرَهُ مَنْ حَلَّ نَجْمُهُ، أَوْ يَرْضَى مَنْ لَهُ الْكَثِيرُ بِأَخْذِ دُونَ حَقِّهِ، وَإِذَا أَمْكَنَ إفْضَاءُ الْعَقْدِ إلَى مَقْصُودِهِ؛ فَلَا يُبْطِلُهُ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ، وَإِذَا عَجَزَ قَسَمَ مَا كَسَبَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ،

وَعَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ إلَى حُكْمِ الرِّقِّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ.
(وَلَا) يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ (يُؤَدِّيَ إلَيْهِمَا) ؛ أَيْ إلَى سَيِّدَيْهِ (إلَّا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) مِنْهُ، فَلَا يَزِيدُ أَحَدَهُمَا، وَلَا يُقَدِّمُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي كَسْبِهِ، وَحَقُّهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي يَدِهِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا مِنْهُ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، وَلِلْمَفْضُولِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حِصَّتَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ عَجَزَ مُكَاتَبُهُمَا؛ فَلَهُمَا الْفَسْخُ وَالْإِمْضَاءُ، فَإِنْ فَسَخَا جَمِيعًا، أَوْ أَمْضَيَا الْكِتَابَةَ؛ جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا، وَأَمْضَى الْآخَرُ؛ جَازَ، وَعَادَ نِصْفُهُ رَقِيقًا وَنِصْفُهُ مُكَاتَبًا (فَإِنْ كَاتَبَاهُ مُنْفَرِدَيْنِ) فِي صَفْقَتَيْنِ (فَوَفَّى) الْمُكَاتَبُ (أَحَدَهُمَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَاهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً (أَوْ أَبْرَأَهُ) أَحَدُهُمَا مِنْ حِصَّتِهِ (عَتَقَ نَصِيبُهُ خَاصَّةً إنْ كَانَ) الْمُسْتَوْفِي لِنَصِيبِهِ أَوْ الْمُبَرِّئُ (مُعْسِرًا) بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِعَدَمِ السِّرَايَةِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ؛ عَتَقَ عَلَيْهِ (كُلُّهُ) بِالسِّرَايَةِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مُكَاتَبًا، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ.
(وَإِنْ كَاتَبَاهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً) فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ (فَوَفَّى أَحَدَهُمَا) ؛ أَيْ: أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَهُ عَلَيْهِ (بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ؛ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ) لَتَعَلُّقِ حَقِّ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا أَوْ دَفَعَ لَهُ دُونَ حِصَّتِهِ (أَخْذُ حِصَّتِهِ) أَوْ مَا زَادَ فِي يَدِ شَرِيكِهِ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ شَرِيكِهِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ (وَإِنْ كَانَ) أَدَاؤُهُ لِأَحَدِهِمَا (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْآخَرِ (عَتَقَ نَصِيبُهُ) لِصِحَّةِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْآخَرِ، وَقَدْ زَالَ بِالْإِذْنِ (وَسَرَى) الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ كَوْنُ الْمُسْتَوْفِي مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ (وَضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ مُكَاتَبًا) حَالَ الْعِتْقِ؛ لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ بَاقِيًا عَلَى كِتَابَتِهِ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ.
وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ لِلَّذِي لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ

كَوْنِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِقَدْرِ مَا قَبَضَ صَاحِبُهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ الَّذِي عَتَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَنِصْفَهُ بِالسِّرَايَةِ، فَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ لِلْعَبْدِ، وَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لِلسَّيِّدِ.

(وَإِذَا كَاتَبَ ثَلَاثَةٌ عَبْدًا) لَهُمْ (فَادَّعَى الْأَدَاءَ إلَيْهِمْ) كُلِّهِمْ (فَأَنْكَرَهُ) ؛ أَيْ: أَنْكَرَ وَفَاءَ مَالِ كِتَابَتِهِ (أَحَدُهُمْ) أَيْ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَأَقَرَّ الْآخَرَانِ (شَارَكَهُمَا) الْمُنْكِرُ (فِيمَا أَقَرَّا بِقَبْضِهِ) مِنْ الْعَبْدِ، فَلَوْ كَانُوا كَاتَبُوهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَاعْتَرَفَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِقَبْضِ مِائَتَيْنِ، وَأَنْكَرَ الثَّالِثُ قَبْضَ الْمِائَةِ؛ شَارَكَهُمَا فِي الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتَرَفَا بِقَبْضِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِأَخْذِهِمَا مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، فَثَمَنُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ، وَلِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لَهُمْ، وَاَلَّذِي أَخَذَاهُ كَانَ فِي يَدِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ الْجَمِيعُ (وَنَصُّهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى الْمُنْكِرِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الْعَبْدِ قَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا لِلْعَبْدِ بِأَدَاءِ مَا يَعْتِقُ بِهِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلَيْهِمَا بِحِصَّتِهِ مِمَّا قَبَضَاهُ، وَإِلَّا لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا، يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِهَا مَغْرَمًا، فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكَانِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، لَكِنْ يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا، فَيَعْتِقُ نُصِيبُهُمَا، وَيَبْقَى نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْقَبْضِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِنَصِيبِهِ أَوْ مُشَارَكَةُ صَاحِبَيْهِ فِيمَا أَخَذَا.
وَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ وَلَمْ يَشْهَدَا؛ أَخَذَ الْمُنْكِرُ مِنْهُمَا ثُلُثَيْ مِائَةٍ، وَمِنْ الْعَبْدِ تَمَامَهَا، وَلَا يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى الْبَاقِينَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ؛ فَهُوَ يَقُولُ ظَلَمَنِي، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؛ فَهُمَا يَقُولَانِ ظَلَمَنَا، وَأَخَذَ مِنَّا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْنَا، وَالْمَظْلُومُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِظُلَامَتِهِ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الثَّالِثُ الْكِتَابَةَ فَنَصِيبُهُ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا كَاتَبَهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ مَعَ عَدَالَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ بِهَا إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا (وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالشَّرْحِ " (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَصَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " " وَالْمُحَرَّرِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا.

وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا؛ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ، وَالتُّهْمَةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ.

(وَمَنْ قَبِلَ كِتَابَةً) مِنْ سَيِّدِهِ (عَنْ نَفْسِهِ وَ) عَنْ رَقِيقٍ لِسَيِّدِهِ (غَائِبٍ) بِأَنْ قَالَ سَيِّدٌ: لِبَعْضِ أَرِقَّائِهِ: كَاتَبْتُك وَفُلَانًا الْغَائِبَ عَلَى مِائَتَيْنِ تُؤَدِّيَانِهِمَا عَلَى قِسْطَيْنِ سَلْخَ كُلِّ شَهْرٍ النِّصْفَ، فَقَالَ الْعَبْدُ: قَبِلْت ذَلِكَ لِنَفْسِي وَلِفُلَانٍ الْغَائِبِ (صَحَّ) ذَلِكَ (كَتَدْبِيرٍ) ؛ أَيْ: كَمَا يَصِحُّ التَّدْبِيرُ مَعَ غِيبَةِ الْمُدَبَّرِ بِجَامِعِ كَوْنِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ سَبَبَيْنِ لِلْعِتْقِ وَإِنْ انْفَرَدَتْ الْكِتَابَةُ بِشُرُوطٍ لَيْسَتْ لِلتَّدْبِيرِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَإِنْ أَجَازَ الْغَائِبُ) مَا قَبِلَهُ لَهُ الْحَاضِرُ مِنْ الْكِتَابَةِ؛ انْعَقَدَتْ لَهُ، وَصَارَ الْمَالُ عَلَيْهِمَا عَلَى حُكْمِ مَا قَبِلَ الْحَاضِرُ (وَإِلَّا) يَجْزِ الْغَائِبُ مَا فَعَلَهُ الْحَاضِرُ (لَزِمَهُ الْكُلُّ) ؛ أَيْ: لَزِمَ الْحَاضِرَ الْمِائَتَانِ اللَّتَانِ كَاتَبَهُمَا السَّيِّدُ عَلَيْهِمَا (وَعَتَقَ) الْحَاضِرُ بِأَدَائِهِمَا (وَحْدَهُ) لِحُصُولِ الْقَبُولِ مِنْهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَا السَّيِّدُ وَرَقِيقُهُ فِي كِتَابَةٍ]

(فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: السَّيِّدُ وَرَقِيقُهُ (فِي كِتَابَةٍ) كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقِنُّ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى كَذَا، فَأَنْكَرَ، أَوْ ادَّعَى ذَلِكَ السَّيِّدُ عَلَى قِنِّهِ، فَأَنْكَرَ (فَقَوْلُ مُنْكِرٍ) مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ السَّيِّدَ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ بِكِتَابَةِ رَقِيقِهِ (وَ) أَنَّ رَقِيقَهُ (يَعْتِقُ إذَا ادَّعَاهَا) ؛ أَيْ: إذَا ادَّعَى (السَّيِّدُ) الْكِتَابَةَ (كَمَا يَأْتِي فِي) كِتَابِ (الْإِقْرَارِ) مِنْ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّهُ بَاعَ رَقِيقَهُ نَفْسِهِ بِأَلْفٍ عَتَقَ عَلَيْهِ الرَّقِيقُ؛ لِإِقْرَارِ سَيِّدِهِ بِالْكِتَابَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِتْقِ، ثُمَّ إنْ صَدَّقَ الرَّقِيقُ سَيِّدَهُ؛ لَزِمَهُ الْأَلْفُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَإِلَّا يُصَدِّقْهُ الرَّقِيقُ، حَلَفَ، وَبَرِئَ مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، فَإِنْ نَكِلَ قَضَى عَلَيْهِ الْأَلْفَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَاخْتَلَفَا (فِي قَدْرِ عِوَضِهَا) بِأَنْ قَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ، وَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ عَلَى أَلْفٍ؛ فَقَوْلُ سَيِّدٍ بِيَمِينِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ فِي

أَصْلِ الْكِتَابَةِ.
وَتُفَارِقُ الْبَيْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ عَدَمُ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا صَارَ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ هُوَ وَكَسْبُهُ لِلسَّيِّدِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ يُفِيدُ وَلَا فَائِدَةَ هُنَا؛ إذْ فَائِدَتُهُ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، وَرَدُّ الْعَبْدِ لِلرِّقِّ إذَا لَمْ يَرْضَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِحَلِفِ السَّيِّدِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْأَصْلُ هَاهُنَا مَعَ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِلْكُهُ الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ لِسَيِّدِهِ أَلْفَيْنِ، فَيَعْتِقَ، ثُمَّ يَدَّعِيَ الْمُكَاتَبُ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَنْ الْكِتَابَةِ وَالْآخَرَ وَدِيعَةٌ، وَيَقُولُ السَّيِّدُ: بَلْ هُمَا جَمِيعًا مَالُ الْكِتَابَةِ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (جِنْسِهِ) ؛ أَيْ: عِوَضِ مَالِ الْكِتَابَةِ بِأَنْ قَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ؛ فَقَوْلُ سَيِّدٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ (أَجَلِهَا) ؛ أَيْ: الْكِتَابَةِ بِأَنْ قَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى شَهْرَيْنِ كُلُّ شَهْرٍ أَلْفٌ، وَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ إلَى سَنَتَيْنِ كُلُّ سَنَةٍ أَلْفٌ؛ فَقَوْلُ سَيِّدٍ بِيَمِينِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (وَفَاءِ مَالِهَا) بِأَنْ قَالَ الْعَبْدُ: وَفَّيْتُك مَالَ الْكِتَابَةِ، فَعَتَقْت، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ (فَقَوْلُ سَيِّدٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنْ سَيِّدَهُ أَبْرَأَهُ مِنْهَا، فَأَنْكَرَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ

(وَإِنْ) أَقَرَّ السَّيِّدُ، وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ عَتَقَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي إقْرَارِهِ بِذَلِكَ، وَلَوْ (قَالَ) السَّيِّدُ (قَبَضْتهَا) أَيْ: دَرَاهِمَ الْكِتَابَةِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى (أَوْ) قَالَ قَبَضْتهَا إنْ شَاءَ (زَيْدٌ؛ عَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (وَلَمْ يُؤَثِّرْ) الِاسْتِثْنَاءُ (وَلَوْ) كَانَ (فِي مَرَضِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ إنَّمَا هُوَ الْمُسْتَقْبَلُ، وَقَوْلُهُ: قَبَضْتهَا مَاضٍ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ عَنْهَا بِالشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت آخِرَ كِتَابَتِي، وَقَالَ

إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي اسْتَوْفَيْت النَّجْمَ الْآخِرَ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَادَّعَى الْعَبْدُ إقْرَارَهُ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ؛ فَقَوْلُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
(وَيَثْبُتُ الْأَدَاءُ) لِكِتَابَةٍ (وَيَعْتِقُ) بِهِ الْمُكَاتَبُ (بِشَاهِدٍ) ؛ أَيْ: بِرَجُلٍ وَاحِدٍ (مَعَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ) بِرَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ (يَمِينِ) الْعَبْدِ لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَالُ، يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ، وَالرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ.
(تَتِمَّةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: لِي شَاهِدٌ غَائِبٌ أَنْظِرْ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ؛ وَإِلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ، ثُمَّ مَتَى جَاءَ شَاهِدُهُ، وَأَدَّى الشَّهَادَةَ، ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، وَإِنْ جُرِّحَ شَاهِدُهُ، فَقَالَ: لِي شَاهِدٌ آخَرُ؛ أَنْظِرْ ثَلَاثًا.

[فَصْلٌ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ]

(فَصْلٌ: وَ) الْكِتَابَةُ (الْفَاسِدَةُ كَ) مَا لَوْ كَاتَبَهُ (عَلَى خَمْرٍ أَوْ) كَاتَبَهُ عَلَى (خِنْزِيرٍ أَوْ) كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ (مَجْهُولٍ) كَثَوْبٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ (إذَا أَدَّى) مَا سُمِّيَ فِيهَا (عَتَقَ) سَوَاءٌ كَانَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ صِفَةُ تَعْلِيقٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ؛ فَهُوَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ وَكَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، وَإِذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ، وَمَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ؛ فَهُوَ مَنْ كَسْبِ عَبْدِهِ.
وَ (لَا) يَعْتِقُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ (إنْ أُبْرِئَ) الْمُكَاتَبُ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (وَيَتْبَعُ وَلَدٌ) فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ؛ أَشْبَهَ الصَّحِيحَةَ وَ (لَا) يَتْبَعُ (كَسْبٌ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْفَاسِدَةِ فَمَا بِيَدِهِ حِينَ عَتَقَ لِسَيِّدِهِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ، فَوُجِدَتْ وَبِيَدِهِ مَالٌ (وَلَا يَجِبُ) عَلَى السَّيِّدِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ (الْإِيتَاءُ) أَيْ: أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْمُكَاتَبِ رُبْعَ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُنَا بِالصِّفَةِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ.

(وَلِكُلٍّ) مِنْ سَيِّدٍ وَرَقِيقٍ (فَسْخُهَا) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمَّةَ صِفَةً كَقَوْلِهِ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَتَابِعَةٌ لَهَا، وَالْمُعَاوَضَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْمُعَاوَضَةُ؛ بَطَلَتْ الصِّفَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ فِي الْفَاسِدَةِ التَّصَرُّفَ فِي كَسْبِهِ، وَأَخْذِ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِذَا كَاتَبَ عَدَدًا كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى إلَيْهِ أَحَدُهُمْ؛ عَتَقَ كَالصَّحِيحَةِ.
(وَتَنْفَسِخُ) الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ (بِمَوْتِ سَيِّدٍ وَجُنُونِهِ وَحَجْرٍ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ، وَأَيْضًا فَالْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَهِيَ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ.

(وَإِنْ) كَاتَبَ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً وَ (وَقَعَتْ) الْكِتَابَةُ (غَيْرَ مُنَجَّمَةٍ بِ) عِوَضٍ (مُبَاحٍ مَعْلُومٍ) كَوُقُوعِهَا عَلَى عِوَضٍ مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، أَوْ حَالَّةً، أَوْ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ (فَقَالَ الْأَكْثَرُ) مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهَا (بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا) لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ؛ عَتَقَ مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً، فَحَكَمَ فِي الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ إلَّا فِي الْمُحَرَّمَةِ، فَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِأَدَاءِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ بِعِوَضٍ مُحَرَّمٍ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ، وَأَمَّا فِي الْحَالَّةِ؛ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ عَقَدُوا الْكِتَابَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَقْدُهَا حَالَّةً، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَرْكِهِ، وَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ عِوَضِهَا فِي الْحَالِ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا التَّأْجِيلُ كَالسَّلَمِ، وَأَمَّا فِي الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ؛ فَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفِي التَّنْجِيمِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نَجْمٍ حِكْمَتَانِ: إحْدَاهُمَا تَرْجِعُ إلَى الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ التَّخْفِيفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ إذَا كَانَ مُفَرَّقًا أَسْهَلُ، وَلِهَذَا تُقَسَّطْ الدُّيُونُ عَلَى الْمُعْسِرِينَ عَادَةً تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ.
وَالْأُخْرَى لِلسَّيِّدِ، وَهِيَ أَنَّ مُدَّةَ الْكِتَابَةِ تَطُولُ غَالِبًا، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ إلَّا

فِي آخِرِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَادَ إلَى الرِّقِّ، وَفَاتَتْ مَنَافِعُهُ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا عَلَى السَّيِّدِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ حَصَلَ لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ مُنَجَّمَةً نُجُومًا، فَعَجَزَ عَنْ النَّجْمِ الْأَوَّلِ فَمُدَّتُهُ يَسِيرَةٌ، وَإِنَّ عَجَزَ عَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ حَصَلَ لِلسَّيِّدِ نَفْعٌ بِمَا أَخَذَ مِنْ النُّجُومِ قَبْلَ عَجْزِهِ (وَكَانَ الْأَوْلَى) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (تَغْلِيبُ حُكْمِ الصِّفَةِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ) ، وَلِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالُوا: إنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فَسَادُهَا وَلَا تَحْرِيمُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْطَيْتنِي خَمْرًا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَعْطَاهُ؛ عَتَقَ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (قَالَهُ) زَيْنُ الدِّينِ (بْنُ رَجَبٍ) فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

(وَإِنْ كَاتَبَ ذِمِّيٌّ قِنَّهُ) وَأَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ لَمْ يُسْلِمَا (وَتَرَافَعَا إلَيْنَا، فَإِنْ كَانَتْ) الْكِتَابَةُ (صَحِيحَةً؛ أُقِرَّ الْعَقْدُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48] (أَوْ) كَانَتْ الْكِتَابَةُ (فَاسِدَةً) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ خَمْرًا وَنَحْوَهُ، وَقَدْ تُقَابِضَاهُ؛ أُقِرَّ الْعَقْدُ أَيْضًا، وَحَصَلَ الْعِتْقُ، سَوَاءٌ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِلُزُومِهِ بِالتَّقَابُضِ، وَإِنْ تَقَابَضَاهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَهِيَ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَإِنْ تَرَافَعَا (قَبْلَ تَقَابُضٍ) لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (أَبْطَلْنَاهُ) ؛ أَيْ: الْعَقْدَ كَسَائِرِ عُقُودِهِمْ الْفَاسِدَةِ، إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ.
(تَتِمَّةٌ) : وَتَصِحُّ كِتَابَةُ الْحَرْبِيِّ لِرَقِيقِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ، كَكِتَابَةِ الذِّمِّيِّ وَسَائِرِ عُقُودِهِ، فَإِنْ دَخَلَا مُسْتَأْمَنَيْنِ إلَيْنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْحَاكِمُ لَهُمَا؛ إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إلَيْهِ، إنْ تَرَافَعَا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً أَلْزَمَهُمَا حُكْمَهَا، وَإِنْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَهَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ وَإِبَاحَةٍ، فَمَنْ قَهَرَ صَاحِبَهُ - وَلَوْ حُرًّا - قَهْرَ حُرًّا مَلَكَهُ.
وَإِنْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ، ثُمَّ قَهَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَمْ تَبْطُلْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْقَهْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.

[بَابُ أَحْكَامِ أُمِّ الْوَلَدِ]

(بَابُ أَحْكَامِ أُمِّ الْوَلَدِ) أَصْلُ أُمٍّ أَمْهَةٌ، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ عَلَى أُمَّهَاتٍ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَقِيلَ الْأُمَّهَاتُ لِلنَّاسِ، وَالْأُمَّاتُ لِلْبَهَائِمِ، وَالْهَاءُ فِي أَمْهَةٍ زَائِدَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَجُوزُ التَّسَرِّي إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] وَاشْتُهِرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَدَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ» ، وَعَمِلَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ.
وَأُمُّ الْوَلَدِ شَرْعًا هِيَ (مَنْ وَلَدَتْ وَلَوْ) كَانَتْ وِلَادَتُهَا (بِتَحَمُّلٍ) بِأَنْ تَحَمَّلَتْ مَاءَ سَيِّدِهَا، فَعَلِقَتْ مِنْهُ، وَوَلَدَتْ (مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَوْ) كَانَتْ الصُّورَةُ (خَفِيَّةً مِنْ مَالِكٍ) مُتَعَلِّقٌ بِوَلَدَتْ (وَلَوْ) كَانَ مَالِكًا (بَعْضَهَا) وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا (أَوْ) كَانَ مَالِكُهَا أَوْ بَعْضِهَا (مُكَاتَبًا) لِصِحَّةِ مِلْكِهِ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَعْتِقَ، وَمَتَى عَجَزَ، وَعَادَ إلَى الرِّقِّ؛ فَهِيَ أَمَةُ قِنٍّ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ بَيْعَهَا (أَوْ) كَانَ أَوْلَدَهَا (سَيِّدُهُ) ؛ أَيْ: سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا وَطِئَ فَقَدْ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ (أَوْ) كَانَتْ الْمُسْتَوْلَدَةُ (مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي أَوْلَدَهَا كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ، وَكَمَجُوسِيَّةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، وَكَوَطْئِهَا فِي نَحْوِ حَيْضٍ (أَوْ) وَلَدَتْ مِنْ (أَبِ مَالِكِهَا) لِأَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ لِأَجَلِ شُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا) نَصًّا.
قَالَ الْقَاضِي: فَظَاهِرُهُ إنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا؛ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ بِاسْتِيلَادِهَا؛ لِأَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِوَطْءِ ابْنِهِ لَهَا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يَمْلِكُهَا، وَلَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَيَعْتِقُ عَلَى

أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو رَحِمِهِ، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِالْأَبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ.
(وَتُعْتَقُ) أُمُّ الْوَلَدِ (بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: مَوْتِ سَيِّدِهَا مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، عَفِيفَةً كَانَتْ أَوْ فَاجِرَةً، وَكَذَا حُكْمُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا بِسَبَبِ اخْتِلَاطِ دَمِهَا بِدَمِهِ وَلَحْمِهَا بِلَحْمِهِ، فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّسَبِ اسْتَوَيَا فِي حُكْمِهِ (وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، فَوَلَدَتْ؛ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: «ذُكِرْت أُمُّ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ إتْلَافٌ حَصَلَ بِسَبَبِ حَاجَةٍ أَصْلِيَّةٍ، وَهِيَ الْوَطْءُ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرِيضٍ (وَ) إذَا عَتَقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا فَ (مَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَتِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ لِلسَّيِّدِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ (غَيْرَ ثِيَابِ لُبْسٍ مُعْتَادٍ) فَإِنَّهَا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، وَكَذَا لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ بِتَدْبِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَوُجُودِ صِفَةٍ عُلِّقَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا؛ فَمَا بِيَدِهَا لِسَيِّدِهَا، وَثِيَابُ اللُّبْسِ الْمُعْتَادِ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، فَكَذَا فِي الْعِتْقِ.

(وَلَوْ وَطِئَهَا) أَيْ: أُمَّ الْوَلَدِ (وَارِثٌ) بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا (عَمْدًا؛ فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ لَمْ يُرْجِعْ عِتْقَهَا) بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا.
قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ لَا يَرْفَعُهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَهُوَ الْأَظْهَرُ قَالَ: فَتُعْتَقُ بِوَفَاةِ سَيِّدِهَا مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا إنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ أَوْ بَعْضُهَا مَعَ عَدَمِ سَعَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ، فَكَسَائِرِ رَقِيقِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنَّا فَتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فَأَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَنْ يَبِيعَهَا فِي دَيْنِهِ، فَأَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ لَا بُدَّ، فَاجْعَلُوهَا مِنْ نَصِيبِ أَوْلَادِهَا،

وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ لَهَا مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا (وَيَأْتِي قَرِيبًا) مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ

(وَإِنْ وَضَعَتْ) أَمَةٌ مِنْ مَالِكِهَا أَوْ أَبِيهِ (جِسْمًا لَا تَخْطِيطَ فِيهِ كَمُضْغَةٍ) هِيَ لَحْمَةٌ صَغِيرَةٌ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ (لَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ، وَعِتْقُهَا مَشْرُوطٌ بِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنْ شَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ بِأَنَّ فِي هَذَا الْجِسْمَ صُورَةٌ خَفِيَّةٌ؛ تَعَلَّقَتْ بِهَا الْأَحْكَامُ، جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ؛ لِأَنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهِنَّ

(وَإِنْ أَصَابَهَا) ؛ أَيْ: أَصَابَ أَمَةً (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِزِنًا أَوْ لَا) كَمَا لَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ بِزَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ حُرِّيَّةُ وَلَدِهَا (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا بِزِنًا (ثُمَّ مَلَكَهَا) بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ وَنَحْوِهِ حَالَ كَوْنِهَا حَامِلًا مِنْهُ (عَتَقَ الْحَمْلُ إنْ مَلَكَهُ) فِي صُورَتَيْ النِّكَاحِ وَالشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمَا وَلَدُهُ، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ؛ فَعَتَقَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: بِزِنًا، فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَوْ مَلَكَهَا حَامِلًا مِنْ زِنَاهُ بِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ؛ فَإِنَّ وَلَدَهَا لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ، وَلَيْسَ رَحِمُهُ، بَلْ هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ أَرِقَّائِهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْف شَاءَ إلَّا فِي الْوَطْءِ؛ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى (وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْإِصَابَةِ بِالنِّكَاحِ وَالشُّبْهَةِ، وَفِي الزِّنَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا

(وَمَنْ مَلَكَ) أَمَةً (حَامِلًا) مِنْ غَيْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَ) إنْ (وَطِئَهَا) قَبْلَ وَضْعِهَا (حَرُمَ) عَلَيْهِ (بَيْعُ الْوَلَدِ) وَلَمْ يَصِحَّ (وَ) لَا يُلْحَقُ بِهِ بَلْ (يُعْتِقُهُ) . قَالَ أَحْمَدُ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ، فَوَطِئَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ، لَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَكِنْ يُعْتِقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ

يُزِيدُ فِي الْوَلَدِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد كَيْفَ يُورَثُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ ، أَمْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ ، يَعْنِي إنَّهُ اسْتَلْحَقَهُ، وَشَرِكَهُ فِي مِيرَاثِهِ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُهُ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ

(وَيَصِحُّ قَوْلُهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (لِأَمَتِهِ: يَدُك أُمُّ وَلَدِي) وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ مِثْلَ قَوْلِهِ لَهَا: أَنْتَ أُمُّ وَلَدِي؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّ جُزْءًا مِنْهَا مُسْتَوْلِدٌ؛ سَرَى إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيلَادِ إلَى جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَدُك حُرَّةٌ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي إلَى جَمِيعِهِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ قَوْلُ السَّيِّدِ (لِابْنِهَا) ؛ أَيْ: ابْنِ أَمَتِهِ (يَدُك ابْنِي أَوْ) يَقُولُ عَنْهُ (هُوَ ابْنِي أَنْ لَمْ يَقُلْ) السَّيِّدُ (وَلَدْته فِي مِلْكِي، خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " هُنَا) أَيْ: فِي هَذَا الْبَابِ فِي قَوْلِهِ: وَيَصِحُّ قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ: يَدُك أُمُّ وَلَدِي أَوْ لِابْنِهَا يَدُك ابْنِي، فَجَعَلَ قَوْلَهُ لِابْنِهَا يَدُك ابْنِي إقْرَارًا بِأَنَّهُ ابْنُهُ فِي أَنَّهُ يَسْرِي ذَلِكَ إلَى جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَمَا يُخَالِفُهُ، فَعَلَى الْأَصَحِّ لَوْ قَالَ لِوَلَدِهَا: أَنْتَ ابْنِي، أَوْ هُوَ ابْنِي، وَلَمْ يَقُلْ وَلَدْته فِي مِلْكِي؛ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إلَّا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى وِلَادَتِهَا لَهُ فِي مِلْكِهِ.

(وَأَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ ك) أَحْكَامِ (أَمَةٍ) غَيْرِ مُسْتَوْلَدَةٍ (فِي إجَارَةٍ وَاسْتِخْدَامٍ وَوَطْءٍ وَسَائِرِ أُمُورِهَا) كَالْإِعَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْعِتْقِ وَالْإِيدَاعِ وَمِلْكِ كَسْبِهَا وَحَدِّهَا وَعَوْرَتِهَا وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَاءِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ؛ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ؛ أَوْ قَالَ: مِنْ بَعْدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الرِّقِّ مُدَّةَ حَيَاتِهِ؛ فَكَسْبُهَا لَهُ (إلَّا فِي تَدْبِيرٍ) فَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ إذْ الِاسْتِيلَادُ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ أَبْطَلَهُ (أَوْ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَبَيْعٍ) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ (غَيْرَ كِتَابَةٍ) فَتَصِحُّ كِتَابَتُهَا، وَتَقَدَّمَ (وَكَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ؛ يَسْتَمْتِعُ بِهِنَّ السَّيِّدُ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا.
قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» . وَرَوَى سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ، فَقَالَ شَاوَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَرَأَيْت أَنَا وَعُمَرُ عِتْقَهُنَّ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا وُلِّيت رَأَيْت فِيهِنَّ رَأْيًا قَالَ عُبَيْدَةُ: فَرَأْي عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ: مَا مِنْ رَجُلٍ كَانَ يُقِرُّ أَنَّهُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَمُوتُ إلَّا أَعْتَقْتهَا إذَا وَلَدَتْ، وَإِنْ كَانَ سَقْطًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ؟ قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ الرُّجُوعُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ.
فَرَوَى عَبِيدَةُ قَالَ: بُعِثَ إلَى عَلِيٍّ وَإِلَى شُرَيْحٍ أَنْ اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَبْغَضُ الِاخْتِلَافَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَتِهَا، وَهُوَ الرَّاوِي لِحَدِيثِ عِتْقِهِنَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ عُمَرَ، فَيَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِاتِّفَاقِهِمْ قَبْلَ الْمُخَالَفَةِ، وَاتِّفَاقُهُمْ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَأِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ زَمَنٌ عَنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّتِهِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ، لَجَازَ فِي جَمِيعِهِ، وَرَأْيُ الْمُوَافِقِ فِي زَمَنِ الِاتِّفَاقِ خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْخِلَافِ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ الِاتِّفَاقُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ كَانَ الِاتِّفَاقُ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ إجْمَاعًا حَرُمَتْ مُخَالِفَتُهُ، فَكَيْفَ خَالَفَهُ الْأَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُمْ إلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ؟ قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ يَنْقَسِمُ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ، وَهَذَا مِنْ الْمَظْنُونِ، فَيُمْكِنُ وُقُوعُ الْمُخَالَفَةِ مِنْهُمْ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ حَجَّةً، كَمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ، وَلَمْ تَخْرُجْ بِمُخَالِفَتِهِمْ عَنْ كَوْنِهَا حُجَّةً كَذَا هَاهُنَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " (أَوْ يُرَادُ لَهُ) ؛ أَيْ: لِنَقْلِ الْمِلْكِ (كَرَهْنٍ) فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ

(وَوَلَدُهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ الْحَادِثُ (مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا) إنْ أَتَتْ بِهِ

(بَعْدَ إيلَادِهَا) مِنْ سَيِّدِهَا (كَهِيَ) سَوَاءٌ أَتَتْ بِهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، وَسَوَاءٌ عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ سَيِّدِهَا، وَيَجُوزُ فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كُلُّ مَا يَجُوزُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ؛ وَيَمْتَنِعُ فِيهِ كُلُّ مَا يَمْتَنِعُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَكَذَلِكَ فِي سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا: وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا.
(إلَّا أَنَّهُ) ؛ أَيْ: وَلَدَهَا (لَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهَا) ؛ أَيْ: بِإِعْتَاقِ السَّيِّدِ لِأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي تَبِعَهَا فِيهِ، وَيَبْقَى عِتْقُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ سَيِّدِهِ، وَكَذَا لَوْ عَتَقَ وَلَدُهَا لَمْ تُعْتَقْ بِذَلِكَ (بَلْ) تُعْتَقُ (بِمَوْتِهِ) ؛ أَيْ: سَيِّدِهَا (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَعْتِقُ وَلَدُهَا بِ (مَوْتِهَا قَبْلَ سَيِّدِهَا) وَيَبْقَى عِتْقُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ سَيِّدِهَا، لِبَقَاءِ التَّبَعِيَّةِ

(وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ) مِنْهُ (فَنَفَقَتُهَا لِمُدَّةِ حَمْلِهَا مِنْ مَالِ حَمْلِهَا) أَيْ: نَصِيبِهِ الَّذِي وُقِفَ لَهُ لِمِلْكِهِ لَهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْحَمْلِ مَالٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُخْلِفْ السَّيِّدُ شَيْئًا يَرِثُ مِنْهُ الْحَمْلُ (فَ) نَفَقَةُ الْحَمْلِ (عَلَى وَارِثِهِ) الْمُوسِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]

: (وَكُلَّمَا جَنَتْ أُمُّ وَلَدٍ) عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهَا تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا بِرَقَبَتِهَا وَ (فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ) الْجِنَايَةِ (أَوْ) مِنْ (قِيمَتِهَا يَوْمَ فِدَاءٍ) ، فَإِنْ كَانَتْ حِينَئِذٍ مَرِيضَةً أَوْ مُزَوَّجَةً وَنَحْوَهُ؛ أُخِذَتْ قِيمَتُهَا بِذَلِكَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ جَمِيعُهَا لَسَقَطَ الْفِدَاءُ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُهُ بِتَلَفِ بَعْضِهَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا زَادَ فِدَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ زَادَ، فَزَادَ الْفِدَاءُ بِزِيَادَتِهِ كَالْقِنِّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ قِيمَتُهَا (مَعِيبَةً بِعَيْبِ الِاسْتِيلَادِ) لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا، فَاعْتُبِرَ كَالْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنْ كَسَبَتْ شَيْئًا فَهُوَ لِسَيِّدِهَا دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، وَإِنْ فَدَاهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مُتَّصِلٌ بِهَا أَشْبَهَ سِمَنَهَا (وَلَوْ اجْتَمَعَتْ أُرُوشٌ) بِجِنَايَتِهَا (قَبْلَ إعْطَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الْأُرُوشِ (تَعَلَّقَ الْجَمِيعُ) مِنْ الْأُرُوشِ (بِرَقَبَتِهَا، وَلَزِمَ سَيِّدًا الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ) جَمِيعِ الْجِنَايَاتِ (أَوْ) مِنْ (قِيمَةِ) هَا يَشْتَرِكُ فِيهَا أَرْبَابُ الْجِنَايَاتِ (فَإِنْ لَمْ تَفِ) الْقِيمَةُ بِأُرُوشِ أَرْبَابِ الْجِنَايَاتِ (تَحَاصَّوْا) فِيهَا (بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ) لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ كَالْجِنَايَاتِ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ مَاتَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ الْجَانِيَةُ (قَبْلَ فِدَاءٍ لَا بِفِعْلِ سَيِّدِ) هَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا الْأَرْشُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا وَقَدْ فَاتَتْ، وَأَمَّا إذَا مَاتَتْ بِفِعْلِ سَيِّدِهَا كَقَتْلِهِ إيَّاهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يُسَلِّمُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَهَا، وَإِنْ نَقَصَهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهَا.

(وَإِنْ قَتَلَتْ) أُمُّ وَلَدٍ (سَيِّدَهَا - وَلَوْ عَمْدًا - عَتَقَتْ) لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَمِلْكِهَا زَوَالُ مِلْكِ سَيِّدِهَا عَنْهَا، وَقَدْ زَالَ، فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُعْتَقْ كَمَا لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَكَالْمُدَبَّرِ؛ أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعْتَقْ بِذَلِكَ؛ لَزِمَ جَوَازُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لِلَّهِ، وَالِاسْتِيلَادَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ.
(وَلِوَلِيِّهِ) أَيْ: وَلِيِّ السَّيِّدِ (إنْ لَمْ يَرِثْ وَلَدُهَا شَيْئًا مِنْ دَمِهِ) ؛ أَيْ: السَّيِّدِ بِأَنْ قَامَ بِالْوَلَدِ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ (الْقِصَاصُ) كَغَيْرِ أُمِّ وَلَدِهِ، فَإِنْ وَرِثَ وَلَدُهَا شَيْئًا مِنْ دَمِ سَيِّدِهَا؛ فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ (فَإِنْ عَفَا) عَنْهَا وَلِيُّ السَّيِّدِ (عَلَى مَالٍ لَزِمَهَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ دِيَتِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (كَخَطَأٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْ وَلَدٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ وَكَمَا لَوْ جَنَى عَبْدٌ، فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، وَهِيَ حَالَ الْجِنَايَةِ أَمَةٌ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ رِقَّهَا بِقَتْلِهَا لِسَيِّدِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَوَّتَ الْمُكَاتَبُ الْجَانِي رِقَّهُ بِأَدَائِهِ

(وَلَا حَدَّ بِقَذْفِ أُمِّ وَلَدٍ) كَالْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْإِمَاءِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَفِي الْحَدِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ وَيُعَزَّرُ قَاذِفُهَا؛ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ.

(وَإِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدٍ لِكَافِرٍ مُنِعَ مِنْ غَشَيَانِهَا) ؛ أَيْ: وَطْئِهَا وَالتَّلَذُّذِ

وَمِنْ الْخَلْوَةِ؛ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] . الْآيَةَ (وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) لِئَلَّا يَغْشَاهَا، وَتُجْعَلُ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ لِتَحْفَظَهَا وَلَا تُعْتَقُ بِإِسْلَامِهَا بَلْ يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَيْهَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ إسْلَامِهَا (وَأُجْبِرَ) سَيِّدُهَا (عَلَى نَفَقَتِهَا إنْ عُدِمَ كَسْبُهَا) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا كَسْبٌ؛ فَنَفَقَتُهَا فِيهِ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهَا بِأَخْذِ كَسْبِهَا، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِمَّا شَاءَ، وَإِنْ فَضَلَ عَنْ كَسْبِهَا شَيْءٌ عَنْ نَفَقَتِهَا فَلِسَيِّدِهَا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهَا لَا يَفِي بِنَفَقَتِهَا؛ لَزِمَهُ تَمَامُ النَّفَقَةِ إلَى أَنْ يَمُوتَ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ (فَإِنْ أَسْلَمَ) سَيِّدُهَا (حَلَّتْ لَهُ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْكُفْرُ (وَإِنْ مَاتَ) سَيِّدُهَا (كَافِرًا عَتَقَتْ) بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.

(وَإِنْ وَطِئَ أَحَدُ اثْنَيْنِ) مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَمَةٍ (أَمَتِهِمَا، أُدِّبَ) لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، وَلَا حَدَّ فِيهِ؛ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكًا كَوَطْءِ أَمَتِهِ الْحَائِضِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ: وَاطِئَ الْمُشْتَرَكَةِ (لِشَرِيكِهِ مِنْ مَهْرِ) هَا (بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) مِنْهَا سَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ أَوْ أَكْرَههَا؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي إتْلَافِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا (فَلَوْ) أَحْبَلَهَا أَوْ (وَلَدَتْ) مِنْ وَطِئَهُ (صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ) إذَا وَضَعَتْ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ خَالِصَةً لَهُ، وَتَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ، مُوسِرًا كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ الْإِيلَادَ أَقْوَى مِنْ الْإِعْتَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَوَلَدُهُ) أَيْ: الشَّرِيكِ الْوَاطِئِ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ مَحَلٍّ لِلْوَاطِئِ فِيهِ مِلْكٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ (وَيَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ) ؛ أَيْ: الْوَاطِئِ (وَلَوْ) كَانَ (مُعْسِرًا) نَصًّا (قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) مِنْ الْمَوْطُوءَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْإِتْلَافِ، وَإِنَّمَا سَرَى الْإِيلَادُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ مَعَ عُسْرَتِهِ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى؛ لِكَوْنِ الْإِيلَادِ

لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ مِنْ فِعْلِهِ؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ بِلَا إيلَادٍ؛ فَهُوَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُ مُسَبَّبَاتِهَا كَالزَّوَالِ؛ لِوُجُودِ الظُّهْرِ، وَ (لَا) يَلْزَمُ الشَّرِيكَ الْوَاطِئَ لِشَرِيكِهِ شَيْءٌ (مِنْ مَهْرٍ وَ) قِيمَةِ (وَلَدٍ) لِأَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ شَرِيكِهِ الْوَاطِئِ بِمُجَرَّدِ الْعُلُوقِ، فَصَارَتْ كُلُّهَا لَهُ، وَانْعَقَدَ وَلَدُهُ حُرًّا (كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا) فَمَاتَتْ مِنْ الْوَطْءِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهَا (فَإِنْ أَوْلَدَهَا) الشَّرِيكُ (الثَّانِي بَعْدَ) إيلَادِ الْأَوَّلِ (فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا) كَامِلًا؛ لِمُصَادِفَةِ وَطْئِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً أَجْنَبِيَّةً (وَوَلَدُهُ) مِنْهَا (رَقِيقٌ) تَبَعًا لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا (إنْ عَلِمَ إيلَادَ شَرِيكِهِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ (وَإِنْ جَهِلَهُ) ؛ أَيْ: جَهِلَ الْوَاطِئُ الثَّانِي إيلَادَ شَرِيكِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَ حِصَّتَهُ؛ انْتَقَلَ مِلْكُهَا لِلْوَاطِئِ الْأَوَّلِ بِإِيلَادِهَا، وَأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ بِذَلِكَ (فَ) وَلَدُهُ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَ) عَلَى الْوَاطِئِ الثَّانِي أَنْ (يَفْدِيَهُ) أَيْ: يَفْدِيَ وَلَدَهُ الَّذِي أَتَتْ بِهِ مِنْ وَطْئِهِ؛ لِكَوْنِهِ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَيَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ (يَوْمَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ

[كِتَابُ النِّكَاحِ]

ِ هُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَطْءُ الْمُبَاحُ.
قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَسُمِّيَ التَّزْوِيجُ نِكَاحًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ؛ وَقَالَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ الْكُوفِيِّينَ، وَعَنْ الْمُبَرِّدِ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ الْجَمْعُ.
قَالَ الشَّاعِرُ: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرُك اللَّهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْوَطْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدَ، وَعَنْ الزَّجَّاجِ أَنَّهُمَا بِمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ فَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعًا بِالْأَبْدَانِ فَهُوَ الْإِيلَاجُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ غَايَةٌ مِنْ اجْتِمَاعِ الْبَدَنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعًا بِالْعُقُودِ، فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا عَلَى الدَّوَامِ وَاللُّزُومِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اسْتَنْكَحَهُ الْمَذْيُ إذَا لَازَمَهُ وَدَاوَمَهُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَنْ شَيْخِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: فَرَّقَتْ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا، فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ فُلَانَةَ أَرَادُوا تَزْوِيجَهَا، وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَرَادُوا مُجَامَعَتَهَا.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ دَلِيلٌ، وَهُوَ (حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: وَلِهَذَا قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَفْظُ النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ، إلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَلِصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْ الْوَطْءِ فَيُقَالُ: هَذَا سِفَاحٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:

«وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» . وَيُقَالُ عَنْ السُّرِّيَّةِ: لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مَنْكُوحَةٍ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْعَقِدُ بِهِمَا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ كَاللَّفْظِ الْآخَرِ (مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) : أَيْ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " " وَشَرْحِ الْخِرَقِيِّ " وَ " الْعُمْدَةِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ " وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ وَغُلَامِ ثَعْلَبٍ، وَلِقَوْلِ الْعَرَبِ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَيُرَى: أَيْ أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ أُتُنَهُ، فَسَيُرَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا.
فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا ... وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلَهَّفُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعُرْفِ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ (وَالْأَشْهَرُ) أَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، فَيُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ حَقِيقَةً.
قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] (وَالْمَعْقُودُ) الَّذِي يُرَدُّ (عَلَيْهِ) عَقْدُ النِّكَاحِ (مَنْفَعَةُ الِاسْتِمْتَاعِ) لَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ؛ إذْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا يُسْتَبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا.
قَالَ الْقَاضِي فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْحِلُّ، لَا مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا يَقَعُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهَا.
وَقِيلَ: بَلْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الِازْدِوَاجُ كَالْمُشَارَكَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:

﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْوِجَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - رَضُّ الْخَصِيَتَيْنِ أَصَالَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَاسِرٌ لِشَهْوَتِهِ بِإِدَامَتِهِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَالتَّبَتُّلُ: تَرْكُ النِّكَاحِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ.

(وَسُنَّ) النِّكَاحُ (لِذِي شَهْوَةٍ لَا يَخَافُ الزِّنَا) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، عَلَّلَ أَمْرَهُ بِأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَخَاطَبَ الشَّبَابَ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْلَبُ شَهْوَةً، وَذَكَرَهُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى لِلْأَمْنِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورَاتِ النَّظَرِ وَالزِّنَا مِنْ تَرْكِهِ (وَاشْتِغَالَهُ) أَيْ: ذِي الشَّهْوَةِ (بِهِ) أَيْ النِّكَاحِ (أَفْضَلُ مِنْ) نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُخْتَصَرِ " وَمِنْ (التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، لِي فِيهِ طَوْلُ النِّكَاحِ، لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: تَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً (قَالَ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ المروذي (لَيْسَتْ الْعُزُوبَةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ) وَمَنْ دَعَاك إلَى غَيْرِ التَّزْوِيجِ فَقَدْ دَعَاك إلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَالْعَاجِزِ وَالْوَاجِدِ، وَالرَّاغِبِ وَالزَّاهِدِ، نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ» ، وَلِأَنَّهُ «- عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَلِيلِ الْكَسْبِ يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنْ التَّزْوِيجِ: فَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33] انْتَهَى.
وَنَقَلَ صَالِحٌ: يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ تَزَوَّجَ وَهُوَ لَا يَجِدُ الْقُوتَ، وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْ مَصَالِحِ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِينِ فَرْجِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَحِفْظِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا وَإِيجَادِ النَّسْلِ، وَتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْلِ الْعِبَادَةِ.
فَائِدَةٌ: قَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتَّى صَارَ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً اشْتِغَالًا بِطَلَبِ الْعِلْمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ شَغَلَهُ النِّكَاحُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمْ يَشْتَغِلْ أَحْمَدُ بِكَسْبٍ وَلَا نِكَاحٍ حَتَّى بَلَغَ مِنْ الْعِلْمِ مَا أَرَادَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ عَنْ المروذي أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَهُ: مَا تَزَوَّجْت إلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ.

(وَيُبَاحُ) النِّكَاحُ (لِمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ) أَصْلًا، كَالْعِنِّينِ وَالْمَرِيضِ وَالْكَبِيرِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي يَجِبُ النِّكَاحُ لَهَا أَوْ يُسْتَحَبُّ - وَهُوَ خَوْفُ الزِّنَا أَوْ وُجُودِ الشَّهْوَةِ - مَفْقُودَةٌ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَهُوَ فِيمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْخِطَابُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، لِعَدَمِ مَنْعِ الشَّرْعِ مِنْهُ، وَتَخَلِّيهِ إذَنْ لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ (وَقِيلَ: يُكْرَهُ) النِّكَاحُ لِمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لِمَنْعِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَيَضُرُّهَا بِحَبْسِهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل