مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرحيباني
- الكتاب
- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
- المؤلف
- مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
- الناشر
- المكتب الإسلامي
- الطبعة
- الثانية، 1415هـ - 1994م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِعَمَلِ الْمُضَارَبَةِ فِي الْمَالِ، فَمَا يَحْصُلُ مِنْ الرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْعَامِلِ، (بِخِلَافِ) مَا لَوْ حَابَا أَجِيرًا، فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ حَابَا فِي (مُسَاقَاةٍ وَمُزَارَعَةٍ) ، فَتُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ (مِنْ الثُّلُثِ) ؛ لِخُرُوجِ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ.
(وَإِذَا فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ) فِي التِّجَارَةِ؛ (فَلَا شَيْءَ لِعَامِلٍ) ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهَا إلَى الرِّبْحِ غَيْرُ مَعْلُومٍ (بِخِلَافِ) مَا إذَا فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ فِي (مُسَاقَاةٍ) ؛ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ لِمَنْعِهِ مِنْ إتْمَامِ عَمَلِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ وَيَأْتِي.
(وَالْمُضَارِبُ أَمِينٌ بِالْقَبْضِ) - أَيْ: قَبْضِ الْمَالِ - (وَكِيلٌ بِالتَّصَرُّفِ) فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَالْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ.
(شَرِيكٌ ب) ظُهُورِ (الرِّبْحِ) فِي الْمَالِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الرِّبْحِ
(أَجِيرٌ بِالْفَسَادِ) ؛ أَيْ: إذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ فَحُكْمُ الْعَامِلِ حُكْمُ الْأَجِيرِ فِيمَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ، وَهُوَ الْجُزْءُ الْمُسَمَّى لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً.
(غَاصِبٌ بِالتَّعَدِّي) عَلَى الْمَالِ أَوْ بَعْضِهِ؛ بِأَنْ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، وَيَضْمَنُ، وَيَرُدُّ الْمَالَ وَنَمَاءَهُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ.
[مُقْتَرِضٌ بِاشْتِرَاطِ كُلِّ الرِّبْحِ لَهُ؛ بِأَنْ] قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: اتَّجَرَ بِهَذَا الْمَالِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَك، فَالْمَالُ الْمَدْفُوعُ قَرْضٌ، لَا قِرَاضٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لَهُ، وَقَدْ قَرَنَ بِهِ حُكْمَهُ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ كَالتَّمْلِيكِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ لَا حَقَّ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ رَبُّ الْمَالِ بِمِثْلِ مَا دَفَعَهُ، وَإِنْ زَادَ رَبُّ الْمَالِ مَعَ قَوْلِهِ: وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَك: وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك؛ فَهُوَ قَرْضٌ شَرَطَ فِيهِ نَفْيَ الضَّمَانِ، فَلَا يَنْتَفِي لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(مُتَبَضِّعٌ بِاشْتِرَاطِ كُلِّ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ) بِأَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ، فَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ إبْضَاعٌ، لَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ، فَيَصِيرُ وَكِيلًا مُتَبَرِّعًا؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْإِبْضَاعِ.
فَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَعَلَيْكَ ضَمَانُهُ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ أَمَانَةً غَيْرَ مَضْمُونٍ مَا لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ
يُفَرِّطْ فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ.
وَالْإِبْضَاعُ وَالْقَرْضُ لَيْسَا بِشَرِكَةٍ وَلَا مُضَارَبَةٍ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَعْنَاهُمَا فِيهِمَا.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: (خُذْهُ مُضَارَبَةً، وَلَك) رِبْحُهُ كُلُّهُ لَمْ يَصِحَّ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(أَوْ) قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً، و (لِي كُلُّ رِبْحِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ لِلتَّنَاقُضِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مُضَارَبَةً، يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ، وَقَوْلَهُ: لَكَ أَوْ لِي يَقْتَضِي عَدَمَهَا، فَتَنَاقَضَ قَوْلُهُ وَفَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ، فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَفَسَدَ؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ لِأَحَدِهِمَا.
وَيُفَارِقُ إذَا لَمْ يَقُلْ مُضَارَبَةً لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِمَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ مِنْ الْإِبْضَاعِ وَالْقَرْضِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ فِيهَا؛ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي هَذِهِ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً، و (لِي) ثُلُثُ الرِّبْحِ، وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْآخَرِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْقِرَاضُ، وَالْبَاقِي مِنْ الرِّبْحِ لِلْآخَرِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
(أَوْ) قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً، و (لَك ثُلُثُهُ) - أَيْ: الرِّبْحِ (يَصِحُّ) الْقِرَاضُ، (وَبَاقِيهِ) - أَيْ: الرِّبْحِ - (لِلْآخَرِ) الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَهُوَ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَهُمَا، فَإِذَا قَدَّرَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا مِنْهُ فَالْبَاقِي لِلْآخَرِ بِمَفْهُومِ اللَّفْظِ؛ كَمَا عُلِمَ أَنَّ ثُلُثَيْ الْمِيرَاثِ لِلْأَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] (وَإِنْ أَتَى مَعَهُ) - أَيْ: مَعَ الْجُزْءِ الْمُسَمَّى - (بِرُبُعِ عُشْرِ الْبَاقِي) صَحَّ، وَاسْتُخْرِجَ بِالْحِسَابِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ تُلْقِيَ بَسْطَ الثُّلُثِ وَهُوَ وَاحِدٌ، يَبْقَى اثْنَانِ، وَرُبُعُ الْعُشْرِ مَخْرَجُهُ أَرْبَعُونَ، فَتَنْظُرُ بَيْنَ الْبَاقِي بَعْدَ الْبَسْطِ - وَهُوَ اثْنَانِ - وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ يُوَافِقُ بِالْإِنْصَافِ، فَتَضْرِبُ الثَّلَاثَةَ فِي نِصْفِ الْأَرْبَعِينَ تَبْلُغُ سِتِّينَ، وَتَأْخُذُ ثُلُثَهَا عُشْرَيْنِ وَرُبُعَ عُشْرِ الْبَاقِي - وَهُوَ وَاحِدٌ - يَبْلُغُ إحْدَى وَعِشْرِينَ،
(وَنَحْوُهُ) كَرُبُعِ خُمُسِ جُزْءِ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ (صَحَّ) لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تَزُولُ بِالْحِسَابِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً؛ (لِي النِّصْفُ وَلَك الثُّلُثُ وَسَكَتَ عَنْ) السُّدُسِ (الْبَاقِي؛ صَحَّ، وَكَانَ) الْبَاقِي (لِرَبِّ الْمَالِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ؛ لِكَوْنِهِ نَمَاءَهُ وَفَرْعَهُ، وَالْعَامِلُ يَأْخُذُهُ بِالشَّرْطِ، فَمَا شُرِطَ لَهُ اسْتَحَقَّهُ، وَمَا بَقِيَ؛ فَلِرَبِّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ
[ (وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ (خُذْهُ) مُضَارَبَةً، (وَلَك ثُلُثُ الرِّبْحِ، وَثُلُثُ مَا بَقِيَ فَلَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ -] (خَمْسَةُ أَتْسَاعِ) الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الثُّلُثِ وَثُلُثَ الْبَاقِي تِسْعَةٌ، وَثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ، وَثُلُثُ مَا بَقِيَ اثْنَانِ، وَنِسْبَتُهَا إلَى التِّسْعَةِ مَا ذُكِرَ
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً، و (لَك ثُلُثُ الرِّبْحِ وَرُبُعُ مَا بَقِيَ؛ فَلَهُ النِّصْفُ) ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الثُّلُثِ وَرُبُعَ الْبَاقِي سِتَّةٌ، وَثُلُثُهَا اثْنَانِ وَرُبُعُ الْبَاقِي وَاحِدٌ، وَالثَّلَاثَةُ نِصْفُ السِّتَّةِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: خُذْهُ مُضَارَبَةً و (لَك الرُّبُعُ وَرُبُعُ مَا بَقِيَ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَنِصْفُ ثُمُنٍ) ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الرُّبُعِ وَرُبُعَ الْبَاقِي مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَرُبُعُهَا أَرْبَعَةٌ وَرُبُعُ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ، وَالسَّبْعَةُ نِسْبَتُهَا إلَى السِّتَّةَ عَشْرَ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ عَرَفَا الْحِسَابَ أَوْ جَهِلَاهُ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مُمْكِنَةٌ بِالرُّجُوعِ إلَى غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَعْرِفُ بِالْحِسَابِ.
[فَائِدَةٌ قَالَ خُذْهُ مُضَارَبَةً وَلَكَ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ]
فَائِدَةٌ: وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَلَك جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ شَرِكَةٌ فِي الرِّبْحِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ وَنَصِيبٌ مِنْ الرِّبْحِ وَحَظٌّ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَالْمُضَارَبَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٌ
وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْعَامِلِ اتَّجَرَ بِهِ (وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا) ؛ صَحَّ مُضَارَبَةً، (وَيَسْتَوِيَانِ) فِي الرِّبْحِ؛ لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِمَا إضَافَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ أَحَدُهُمَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهَا) أَيْ: الْمُضَارَبَةِ لِمَنْ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؛ فَلِعَامِلٍ،
(أَوْ) اخْتَلَفَا؛ (فِي مُسَاقَاةٍ أَوْ) فِي (مُزَارَعَةٍ لِمَنْ) الْجُزْءُ (الْمَشْرُوطُ؛ فَهُوَ لِعَامِلٍ) ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ، وَالْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ، فَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ عَامِلٍ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ وَبَيِّنَةُ الْمَالِكِ دَاخِلَةٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْمَالِ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاضِعًا لَهَا حِسًّا
(وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ) ؛ فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَالْعَامِلُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الشَّرْطُ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَ (لِعَامِلٍ أَجْرُ مِثْلِهِ) نَصًّا - (وَلَوْ خَسِرَ الْمَالَ) أَوْ رَبِحَ - لِأَنَّ عَمَلَهُ إنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسَمَّى فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ وَجَبَ رَدُّ عَمَلِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ إلَّا لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَوَجَبَ لَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ أَجْرُ مِثْلِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى مَنْ تَلِفَ بِيَدِهِ إذَا تَقَابَضَا، وَتَلِفَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ (إلَّا فِي) عَقْدِ (إبْضَاعٍ) ؛ بِأَنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ؛ (لِتَبَرُّعِهِ) بِعَمَلِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعَانَهُ أَوْ تَوَكَّلَ لَهُ بِلَا جُعْلٍ.
(وَإِنْ رَبِحَ) فِي مُضَارَبَةٍ فَاسِدَةٍ؛ فَالرِّبْحُ (لِمَالِكٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ (وَمُضَارَبَةٌ) مُبْتَدَأٌ (فِيمَا لِعَامِلٍ أَنْ يَفْعَلَهُ) مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَأَخْذٍ وَإِعْطَاءٍ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ، وَبَيْعِ نَسَاءٍ وَبِعِوَضٍ وَشِرَاءِ مَعِيبٍ، وَإِيدَاعٍ لِحَاجَةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (أَوَّلًا) يَفْعَلُهُ؛ كَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَقَرْضٍ وَأَخْذِ سَفْتَجَةَ وَإِعْطَائِهَا وَنَحْوِهِ، (وَفِيمَا يَلْزَمُهُ) فِعْلُهُ مِنْ نَشْرِ ثَوْبٍ وَطَيٍّ وَخَتْمٍ وَحِرْزٍ وَنَحْوِهِ، (وَفِي شُرُوطٍ) صَحِيحَةٍ وَمُفْسِدَةٍ وَفَاسِدَةٍ؛ (كَشَرِكَةِ عِنَانٍ) عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ بِالْإِذْنِ
(وَإِنْ قِيلَ) ؛ أَيْ: قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: (اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) أَوْ بِمَا أَرَاك اللَّهُ تَعَالَى، (وَهُوَ) - أَيْ الْعَامِلُ - (مُضَارِبٌ بِالنِّصْفِ، فَدَفَعَهُ) ؛ أَيْ: دَفَعَ الْعَامِلُ الْمَالَ لِعَامِلٍ (آخَرَ) عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ (بِالرُّبُعِ) مِنْ رِبْحٍ صَحَّ، (وَعَمِلَ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى دَفْعَهُ، إلَى أَبْصَرَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتُكَ
فِي دَفْعِهِ مُضَارَبَةً؛ صَحَّ، وَالْمَقُولُ لَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ، (وَمَلَكَ) الْعَامِلُ إذَا قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ أَوْ بِمَا أَرَاك اللَّهُ (الزِّرَاعَةَ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا، وَقَالَ: اتَّجَرَ فِيهَا بِمَا شِئْت، فَزَرَعَ زَرْعًا، فَرَبِحَ فِيهِ؛ فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ اتَّجِرْ بِمَا شِئْتَ دَخَلَتْ فِيهِ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا النَّمَاءُ، فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الْمُزَارَعَةِ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ، و (لَا) يَمْلِكُ مَنْ قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ أَوْ بِمَا أَرَاك اللَّهُ (التَّبَرُّعَ) مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ (وَنَحْوِهِ) - أَيْ التَّبَرُّعِ - (كَقَرْضٍ) مِنْ الْمَالِ (وَعِتْقِ) رَقِيقٍ مِنْ مَالِهِ (بِمَالٍ) أَوْ غَيْرِهِ (وَكِتَابَةِ) رَقِيقٍ (وَتَزْوِيجِ) رَقِيقٍ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَنْعَقِدُ عَلَى التِّجَارَةِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ تِجَارَةً، سِيَّمَا تَزْوِيجُ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ مَحْضُ ضَرَرٍ، (إلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ التِّجَارَةُ.
(وَ) لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ دَفْعُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ إلَى آخَرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَرْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ، (فَإِنْ دَفَعَهُ لِآخَرَ مُضَارَبَةً بِلَا إذْنِ) رَبِّ الْمَالِ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ وَزَالَ اسْتِئْمَانُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ فِي الْمَالِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَجَبَ رَدُّهُ لِمَالِكِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ رِبْحٌ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَإِنْ رَبِحَ فِي الْمَالِ (فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِمَالِكِ) الْمَالِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ (وَسَوَاءٌ اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ الثَّانِي (بِعَيْنِ الْمَالِ) الْمَدْفُوعِ لَهُ، (أَوْ) اشْتَرَى (فِي الذِّمَّةِ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَطِيبُ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّ الْمُضَارِبَ الْأَوَّلَ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ وَلَا مَالٌ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ فِي الْمُضَارَبَةِ إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْعَامِلُ الثَّانِي عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا شَرْطِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَهُ لَهُ غَيْرُهُ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْغَاصِبُ مُضَارَبَةً، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَهُ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ؛ فَمَا شَرَطَهُ لَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْلَى.
(وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي عَلَى) الْمُضَارِبِ (الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ
بِعِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَوَجَبَ أَجْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ (إنْ جَهِلَ) الْمُضَارِبُ الثَّانِي (الْحَالَ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ، وَلِرَبِّ الْمَالِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِرَدِّ الْمَالِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَرَدِّ بَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَإِنْ طَالَبَ الْأَوَّلَ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ التَّالِفِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْحَالِ؛ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِقَبْضِهِ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعُدْوَانِ، فَإِنْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
(وَمَنْ دَفَعَ) مَالًا (لِاثْنَيْنِ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ) وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ، (وَجَعَلَ) الدَّافِعُ (الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ صَحَّ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ الْمَالِ: (لَكُمَا كَذَا) وَكَذَا كَالنِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ مِنْ الرِّبْحِ، (وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ هُوَ) ؛ أَيْ: كَيْفِيَّةَ قَسْمِهِ بَيْنَهُمَا مِنْ تَسَاوٍ أَوْ تَفَاضُلٍ؛ فَالْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ (بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
(وَ) إنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ (لِأَحَدِهِمَا) - أَيْ الْعَامِلَيْنِ - (ثُلُثَ الرِّبْحِ، وَ) شَرَطَ (لِلْآخَرِ رُبُعَهُ) - أَيْ الرِّبْحِ - (وَالْبَاقِي لَهُ) - أَيْ لِرَبِّ الْمَالِ (جَازَ) ذَلِكَ، وَكَانَ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطُوا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ؛ فَجَازَ مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ.
(وَإِنْ قَارَضَا) - أَيْ اثْنَانِ - (وَاحِدًا بِأَلْفٍ لَهُمَا) جَازَ؛ كَمَا لَوْ قَارَضَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ فِي مَالِهِمَا رِبْحًا مُتَسَاوِيًا مِنْهُمَا؛ بِأَنْ (شَرَطَ أَحَدُهُمَا لَهُ النِّصْفَ، وَ) شَرَطَ (الْآخَرُ) لَهُ (الثُّلُثَ جَازَ) ؛ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَقْدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ، (وَ) يَكُونُ (بَاقِي رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (لَهُ) - أَيْ لِصَاحِبِ ذَلِكَ الْمَالِ - لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ.
(وَإِنْ شَرَطَا) - أَيْ لِصَاحِبِ الْمَالِ - (كَوْنَ بَاقٍ مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَلَا عَمَلَ لَهُ فِيهِ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ رِبْحِهِ شَيْئًا.
[فَرْعٌ أَخَذَ عَامِلٌ مِنْ رَجُلٍ مِائَةً قِرَاضًا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ آخَرَ مِثْلَهَا]
(فَرْعٌ: لَوْ) أَخَذَ عَامِلٌ مِنْ رَجُلٍ مِائَةً قِرَاضًا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ آخَرَ مِثْلَهَا،
و (اشْتَرَى الْعَامِلُ) الَّذِي أَخَذَ مَالًا (لِاثْنَيْنِ بِرَأْسِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الِاثْنَيْنِ - وَهُوَ الْمِائَةُ فِي الْمِثَالِ - (أَمَةً أَوْ نَحْوَهَا) كَعَبْدَيْنِ أَوْ فَرَسَيْنِ، (وَاشْتَبَهَا) - أَيْ الْأَمَتَانِ أَوْ الْعَبْدَانِ أَوْ الْفَرَسَانِ - وَلَمْ تَتَمَيَّزَا فَقَالَ الْمُوَفَّقُ (فِي " الْمُغْنِي " يَصْطَلِحَانِ) عَلَيْهِمَا؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ حِنْطَةٌ، فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى، (وَقِيلَ) ؛ أَيْ: قَالَ الْقَاضِي: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِمَا؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَتُبَاعَانِ وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا رِبْحٌ دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ حِصَّتَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَالثَّانِي (يَضْمَنُ) الْعَامِلُ (رَأْسَ مَالِ كُلٍّ) مِنْ الْمَالِكَيْنِ، (وَتَصِيرَانِ) - أَيْ الْأَمَتَانِ - (لَهُ) - أَيْ لِلْعَامِلِ - وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَالْأَوَّلُ - أَيْ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ - أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، فَلَا يَزُولُ الِاشْتِبَاهُ عَنْ جَمِيعِهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُونَا فِي يَدِ الْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَاهُمَا لِلْمُضَارِبِ أَدَّى إلَى أَنْ يَكُونَ تَفْرِيطُهُ سَبَبًا بِالرِّبْحِ وَحِرْمَانِ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ، وَعَكْسُ ذَلِكَ أَوْلَى، وَإِنْ جَعَلَاهُمَا شَرِيكَيْنِ أَدَّى إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا رِبْحَ مَالِ الْآخَرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ انْتَهَى
[فَائِدَةٌ اتَّفَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا]
فَائِدَةٌ: إذَا اتَّفَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ عَلَى أَنْ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا؛ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى شَرَطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ؛ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَهَالَتِهِ الرِّبْحَ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ الْعَقْدُ؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ.
[فَصْلٌ الْمُضَارَبَةُ مُؤَقَّتَةً]
(فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ مُؤَقَّتَةً) كَأَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ: (ضَارِبْ بِكَذَا) - أَيْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ - (سَنَةً أَوْ) شَهْرًا؛ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ بِتَقْيِيدٍ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ، فَجَازَ تَقْيِيدُهُ بِالزَّمَانِ؛ كَالْوَكَالَةِ.
(وَ) إنْ قَالَ لِلْعَامِلِ: ضَارِبْ بِهَذَا الْمَالِ، (وَإِذَا مَضَى كَذَا) - أَيْ لِسَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ - (فَلَا تَشْتَرِ شَيْئًا.
أَوْ) ضَارِبْ بِهَذَا الْمَالِ كَذَا وَإِذَا مَضَى الْأَجَلُ (فَهُوَ) - أَيْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ (قَرْضٌ، فَإِذَا مَضَى) الْأَجَلُ الْمُعَيَّنُ؛ لَمْ يَشْتَرِ فِي الْأُولَى، وَإِذَا مَضَى فِي الثَّانِيَةِ (وَهُوَ مَتَاعٌ؛ فَلَا بَأْسَ) بِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ تَنْضِيضُهُ، (فَإِذَا بَاعَهُ) ، وَنَضَّهُ (كَانَ قَرْضًا) نَصًّا.
نَقَلَهُ مُهَنَّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ غَرَضٌ.
وَتَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ (مُعَلَّقَةً) ؛ لِأَنَّهَا إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ كَالْوَكَالَةِ، كَقَوْلِ رَبِّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: (إذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَضَارِبْ بِهَذَا) الْمَالِ، (أَوْ بِعْ هَذَا) الْعَرْضَ، (وَمَا حَصَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَقَدْ ضَارَبْتُكَ بِهِ) صَحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) قَالَ لِلْعَامِلِ: (اقْبِضْ دَيْنِي مِنْك) ، وَضَارِبْ بِهِ صَحَّ، لِصِحَّةِ قَبْضِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، (أَوْ قَالَ لَهُ: اقْتَضِ دَيْنِي مِنْ زَيْدٍ؛ وَضَارِبْ بِهِ) صَحَّ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ، وَمَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ؛ فَجَازَ جَعْلُهُ مُضَارَبَةً إذَا قَبَضَهُ؛ كَاقْبِضْ أَلْفًا مِنْ غُلَامِي وَضَارِبْ بِهِ.
و (لَا) تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ إنْ قَالَ: (ضَارِبْ بِدَيْنِي) الَّذِي لِي (عَلَيْك؛ أَوْ) قَالَ: ضَارِبْ بِدَيْنِي الَّذِي لِي (عَلَى زَيْدٍ، فَاقْبِضْهُ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ مِلْكٌ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ رَبُّهُ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، (أَوْ) قَالَ رَبُّ الْمَالِ: (هُوَ) - أَيْ هَذَا الْمَالُ - (قَرْضٌ عَلَيْكَ شَهْرًا) أَوْ نَحْوَهُ، (ثُمَّ هُوَ مُضَارَبَةٌ) ؛ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ قَرْضًا مَلَكَهُ الْمُقْتَرِضُ، فَلَمْ يَصِحَّ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِعَدَمِ مِلْكِ رَبِّ الدَّيْنِ لَهُ إذَنْ.
(أَوْ) قَالَ لِلْعَامِلِ: (اعْزِلْ مَالِي) - أَيْ دَيْنِي - (عَلَيْكَ، وَقَدْ قَارَضْتُكَ بِهِ) ، فَفَعَلَ، وَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ؛ لَمْ يَصِرْ لَهَا، (وَمَا اشْتَرَاهُ) فَهُوَ (لَهُ) - أَيْ الْمُشْتَرِي - لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ، فَحَصَلَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَرِبْحُهُ لَهُ وَخُسْرَانُهُ (عَلَيْهِ) ، وَإِنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ الْقِرَاضِ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ
(وَصَحَّ) قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ: (ضَارِبْ بِوَدِيعَةٍ) لِي عِنْدَك أَوْ عِنْدَ زَيْدٍ مَعَ عِلْمِهِمَا قَدْرَهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ، فَجَازَ أَنْ يُضَارِبَهُ عَلَيْهَا؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ
حَاضِرَةً فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَتْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَضْمَنُهَا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَارِبَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا.
(أَوْ) قَالَ مَغْصُوبٌ مِنْهُ: ضَارِبْ (بِغَصْبٍ لِي عِنْدَ زَيْدٍ أَوْ عِنْدَك) مَعَ عِلْمِهِمَا، قَدْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ غَاصِبِهِ وَقَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ، وَكَذَا بِعَارِيَّةٍ، (وَيَزُولُ الضَّمَانُ) عَنْ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ (بِمُجَرَّدِ عَقْدِ) الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُمْسِكًا لَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ مَالِكُهُ، ثُمَّ أَقْبَضَهُ لَهُ، فَإِنْ تَلِفَ فَكَمَا تَقَدَّمَ.
(وَمَنْ عَمِلَ مَعَ مَالِكِ نَقْدٍ أَوْ) مَالِكِ (شَجَرٍ أَوْ) مَالِكِ (أَرْضٍ وَحَبٍّ) فِي تَنْمِيَةِ ذَلِكَ؛ بِأَنْ عَاقَدَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ فِيهِ، (وَالرِّبْحُ) فِي الْمُضَارَبَةِ، أَوْ الثَّمَرُ فِي الْمُسَاقَاةِ، أَوْ الزَّرْعُ فِي الْمُزَارَعَةِ (بَيْنَهُمَا) أَنْصَافًا أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ نَحْوَهُ؛ (صَحَّ) ذَلِكَ، وَكَانَ (مُضَارَبَةً) فِي مَسْأَلَةِ النَّقْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْمُضَارَبَةِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا مَعَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْآخَرِ، (وَ) كَانَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّجَرِ (مُسَاقَاةً، وَ) فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ وَالْحَبِّ (مُزَارَعَةً) قِيَاسًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ.
(وَإِنْ شَرَطَ) الْعَامِلُ (فِيهِنَّ) - أَيْ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ - (عَمَلَ مَالِكٍ، أَوْ) شَرَطَ عَمَلَ (غُلَامِهِ) - أَيْ رَقِيقِهِ - (مَعَهُ) - أَيْ الْعَامِلِ - بِأَنْ شَرَطَ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْعَمَلِ؛ (صَحَّ كَ) شَرْطِهِ عَلَيْهِ عَمَلَ (بَهِيمَةٍ) ؛ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا وَنَحْوَهُ.
(وَلَا يَضُرُّ عَمَلُ مَالِكٍ بِلَا شَرْطٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ.
تَتِمَّةٌ: نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَنْ أَعْطَى رَجُلًا مُضَارَبَةً عَلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمَوْصِلِ، فَيُوَجِّهَ إلَيْهِ بِطَعَامٍ فَيَبِيعَهُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهِ، وَيُوَجِّهَ إلَيْهِ إلَى الْمَوْصِلِ.
قَالَ: لَا بَأْسَ إذَا كَانُوا تَرَاضَوْا عَلَى الرِّبْحِ.
[فَائِدَةٌ لَمْ يَعْمَلْ الْمُضَارِبُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ صَرَفَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ فَارْتَفَعَ الصَّرْفُ]
فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَعْمَلْ الْمُضَارِبُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ صَرَفَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، فَارْتَفَعَ الصَّرْفُ؛ اسْتَحَقَّ لَمَّا صَرَفَهَا.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِعَامِلٍ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
(فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِعَامِلٍ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَلَا حَظَّ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ؛ إذْ هِيَ مَعْقُودَةٌ لِلرِّبْحِ حَقِيقَةً أَوْ مَظِنَّةً، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ هُنَا، سَوَاءٌ كَانَ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ (بِرَحِمٍ) كَابْنِهِ وَنَحْوِهِ، (أَقُولُ) كَتَعْلِيقِ رَبِّ الْمَالِ عِتْقَهُ عَلَى شِرَائِهِ، أَوْ إقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، (فَإِنْ فَعَلَ) ؛ أَيْ: اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ (صَحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ قَابِلٌ لِلْعُقُودِ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ كَغَيْرِهِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَعَتَقَ) عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِهِ، (وَضَمِنَ) الْعَامِلُ (ثَمَنَهُ) الَّذِي اشْتَرَاهُ؛ لِمُخَالَفَتِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ انْفَسَخَتْ فِي قَدْرِ ثَمَنِهِ لِتَلَفِهِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ كُلَّ الْمَالِ انْفَسَخَتْ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) - أَيْ كَالْعَامِلِ - (وَكِيلٌ) اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى مُوَكِّلِهِ؛ فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَيَعْتِقُ بِمُجَرَّدِهِ، وَيَضْمَنُ ثَمَنَهُ لِمُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ؛ لِشِرَائِهِ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَيَتَّجِهُ (وَشَرِيكٌ) كَذَلِكَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى التِّجَارَةِ عَلَى مَظِنَّةِ الرِّبْحِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) عَامِلٌ - (وَلَوْ بَعْضَ زَوْجٍ؛ أَوْ) بَعْضَ - (زَوْجَةٍ - لِمَنْ لَهُ فِي الْمَالِ مِلْكٌ) - وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا - (صَحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِوُقُوعِهِ عَلَى مَا يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فِيهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ) - أَيْ الْمُشْتَرِي - كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُجَامِعُ الْمِلْكَ، (وَضَمِنَ) عَامِلٌ (نِصْفَ مَهْرِ) الزَّوْجَةِ الْمُشْتَرَاةِ (قَبْلَ دُخُولِ) رَبِّ الْمَالِ بِهَا؛ لِوُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَلَمَّا اشْتَرَاهَا الْعَامِلُ؛ ضَمِنَ مَا دَفَعَهُ الزَّوْجُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ أَفْسَدَتْ امْرَأَةٌ نِكَاحَهُ بِالرَّضَاعِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
(وَلَا) يَضْمَنُ الْعَامِلُ مَهْرَ زَوْجَةٍ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِشِرَاءِ عَامِلٍ لَهَا (بَعْدَهُ) - أَيْ الدُّخُولِ - (لِاسْتِقْرَارِهِ) - أَيْ الْمَهْرِ - عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِدُخُولِهِ، فَقَدْ فَوَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ بِشَيْءٍ، (وَلَا) يَضْمَنُ عَامِلٌ مَا يَفُوتُ مِنْ الْمَهْرِ (إنْ اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ الْمَالِ) ، وَلَا يَضْمَنُ مَا يَفُوتُهَا مِنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعُودُ إلَى الْمُضَارَبَةِ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ، (وَظَهَرَ رِبْحٌ) فِي الْمُضَارَبَةِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ ثَمَنُ الْأَبِ أَوْ الْأَخِ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، سَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ ظَاهِرًا حِينَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بَاقٍ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ؛ (عَتَقَ) عَلَيْهِ كُلُّهُ؛ (كَمُشْتَرَكٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِمِلْكِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِالظُّهُورِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَخْرُجْ كُلُّ ثَمَنِهِ مِنْ الرِّبْحِ، لَكِنَّهُ مُوسِرٌ بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، فَعَتَقَ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ [مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ حَتَّى بَاعَ] مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، (فَلَا) يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ.
هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَهُ) - أَيْ الْعَامِلِ - (بَيْعُهُ إذَنْ) ؛ أَيْ: حِينَ شِرَائِهِ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ.
(وَ) يَتَّجِهُ أَنَّهُ (لَا يُوقَفُ) الرَّقِيقُ (لِاحْتِمَالِ رِبْحٍ؛ لِيَعْتِقَ) ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمَالِكِ وَالْمَقْصُودُ بِالتِّجَارَةِ عَدَمُهُ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَلَهُ) - أَيْ لِلْعَامِلِ - (التَّسَرِّي مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بِإِذْنِ) رَبِّ الْمَالِ، (فَإِذَا اشْتَرَى) الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ (أَمَةً) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِيَتَسَرَّى بِهَا بِإِذْنِ رَبِّهِ (مَلَكَهَا) ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، وَالْإِذْنُ فِيهِ يَسْتَدْعِي الْإِذْنَ
فِي الْوَطْءِ؛ (لِأَنَّ إبَاحَةَ الْبُضْعِ لَا تَحْصُلُ) لِلْعَامِلِ (بِلَا مِلْكٍ أَوْ عَقْدٍ) ، وَرَبُّ الْمَالِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَبَرُّعِهِ بِالثَّمَنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهَا بِالْإِذْنِ، (وَيَصِيرُ ثَمَنُهَا قَرْضًا بِذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ.
وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَتَسَرَّى بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ، (فَإِنْ) خَالَفَ [و] (وَطِئَ أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ عُزِّرَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، و (مَعَ) ذَلِكَ يَلْزَمُهُ (الْمَهْرُ، وَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ؛ لِلشُّبْهَةِ - (وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ - لَكِنْ) إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، و (وَلَدُهُ رَقِيقٌ) مَمْلُوكٌ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَوْ عَتَقَ، ثُمَّ مَاتَ لَا يَرِثُهُ الْوَاطِئُ؛ (وَيَتَّجِهُ) لَا حَدَّ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ عَدَمَ ظُهُورِهِ) - أَيْ: الرِّبْحِ - فَيُحَدُّ لِوَطْئِهِ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا شُبْهَةُ مِلْكٍ؛ وَذَلِكَ (كَأَمَةٍ اشْتَرَاهَا) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (بِمِائَةٍ) وَهِيَ (تُسَاوِي) نَحْوَ (خَمْسِينَ، فَيُحَدُّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ عَدَمَ الرِّبْحِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ عَدَمَ الرِّبْحِ، وَجَهِلَ التَّحْرِيمَ، وَعَلِقَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ؛ فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُرْتَهِنِ إذَا وَطِئَ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ جَاهِلًا تَحْرِيمَ الْوَطْءِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ) ؛ بِأَنْ اشْتَرَى مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ أَمَةً بِخَمْسِينَ تُسَاوِي نَحْوَ مِائَةٍ، وَوَطِئَهَا بِدُونِ إذْنٍ، وَعَلِقَتْ مِنْهُ؛ (فَ) وَلَدُهُ (حُرٌّ، وَتَصِيرُ) الْأَمَةُ (أُمَّ وَلَدِهِ، وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ قِيمَتُهَا) يَوْمَ إحْبَالِهَا كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا أَحْبَلَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ نَصًّا لِلشُّبْهَةِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْعَامِلِ مِنْ الْمَهْرِ وَالْقِيمَةِ قَدْرُ حَقِّهِ فَقَطْ، وَيَغْرَمُ تَتِمَّةَ الْمَهْرِ وَالْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ.
(وَيُعَزَّرُ رَبُّ الْمَالِ) إنْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِإِقْدَامِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرُهُمْ، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ خَرَجَتْ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ
قِيمَتُهَا، وَيُضَافُ إلَيْهَا بَقِيَّةُ الْمَالِ، (وَوَلَدُهُ حُرٌّ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ ظَهَرَ رِبْحٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ يُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ؛ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ.
(وَلَيْسَ لِعَامِلٍ الشِّرَاءُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ) ؛ كَأَنْ يَكُونَ فِيهَا عَبْدٌ أَوْ ثَوْبٌ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " (إنْ ظَهَرَ) فِي الْمُضَارَبَةِ (رِبْحٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَرِيكًا فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ صَحَّ شِرَاؤُهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ بِإِذْنِهِ كَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي مِنْ مُوَكِّلِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ لِرَبِّ الْمَالِ الشِّرَاءُ مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (لِنَفْسِهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ كَشِرَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ ظَهَرَ رِبْحٌ أَوْ لَا.
(وَإِنْ اشْتَرَى شَرِيكٌ) فِي مَالٍ (نَصِيبَ شَرِيكِهِ؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (الْجَمِيعَ) - أَيْ: حِصَّتَهُ وَحِصَّةَ شَرِيكِهِ - (صَحَّ) الشِّرَاءُ (فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ) - أَيْ: الْمُشْتَرِي - وَهُوَ نَصِيبُ شَرِيكِهِ الَّذِي بَاعَهُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
(وَحَرُمَ) عَلَى عَامِلٍ (أَنْ يُضَارِبَ) ؛ أَيْ: يَأْخُذَ مُضَارَبَةً (لِآخَرَ إنْ ضَرَّ) اشْتِغَالُهُ بِالْعَمَلِ فِي مَالِ الثَّانِي رَبَّ الْمَالِ (الْأَوَّلَ) بِلَا إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مَقْصُودَ الْمُضَارَبَةِ مِنْ طَلَبِ النَّمَاءِ وَالْحَظِّ؛ كَكَوْنِ الْمَالِ كَثِيرًا، فَيَسْتَوْعِبُ زَمَانَهُ، فَإِنْ كَانَ مَالُ الثَّانِي يَسِيرًا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْعَمَلِ فِي مَالِ الْأَوَّلِ جَازَ، (فَإِنْ فَعَلَ) ؛ أَيْ: ضَارَبَ لِآخَرَ مَعَ تَضَرُّرِ الْأَوَّلِ حَرُمَ عَلَيْهِ، (وَرَدَّ مَا خَصَّهُ مِنْ الرِّبْحِ) الْحَاصِلِ فِي الْمَالِ الثَّانِي (فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ) . نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَيُنْظَرُ مَا رَبِحَ فِي الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَدْفَعُ إلَى رَبِّ مَالِهَا مِنْهُ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْ الْمُضَارِبِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ الْمَالِ الثَّانِي، وَيَأْخُذُ الْمُضَارِبُ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ، فَيَضُمُّهُ إلَى
رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى فَيَقْتَسِمَانِهِ، وَالْوَكِيلُ يُجْعَلُ كَالْمُضَارِبِ.
(وَلَا نَفَقَةَ لِعَامِلٍ) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ مَعَ السَّفَرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْعَمَلِ بِجُزْءٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَلَوْ اسْتَحَقَّهُ لَأَفْضَى إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالرِّبْحِ إذَا لَمْ يَرْبَحْ غَيْرَهَا (إلَّا بِشَرْطٍ) كَوَكِيلٍ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَيَصِحُّ شَرْطُهَا سَفَرًا وَحَضَرًا؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، (فَإِنْ شُرِطَتْ) نَفَقَةُ الْعَامِلِ مُقَدَّرَةً فَحَسَنٌ؛ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ شُرِطَتْ (مُطْلَقَةً، وَاخْتَلَفَا) ؛ أَيْ: تَشَاحَّا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ؛ (فَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ عُرْفًا مِنْ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ) كَالزَّوْجَةِ وَسَائِرِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النَّفَقَةِ يَقْتَضِي جَمِيعَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ، فَكَانَ لَهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ، وَهِيَ إبَاحَةٌ فَلَا تُنَافِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ يُبْطِلُهَا.
وَتَرَدَّدَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، هَلْ النَّفَقَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ الرِّبْحِ؟ قَالَ الْبُهُوتِيُّ: بَلْ الظَّنُّ أَنَّهَا مِنْ الرِّبْحِ.
(وَلَوْ لَقِيَهُ) ؛ أَيْ: لَقِيَ رَبُّ الْمَالِ الْعَامِلَ (بِبَلَدٍ) كَانَ قَدْ (أَذِنَ) لَهُ (فِي سَفَرِهِ إلَيْهِ) - أَيْ: بِالْمَالِ - (وَقَدْ نَضَّ الْمَالُ) بِأَنْ صَارَ الْمَتَاعُ نَقْدًا، (فَأَخَذَهُ) رَبُّهُ مِنْهُ (فَلَا نَفَقَةَ) لِلْعَامِلِ؛ (لِرُجُوعِهِ) إلَى الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَا دَامَا فِي الْقِرَاضِ - وَقَدْ زَالَ الْقِرَاضُ - فَزَالَتْ النَّفَقَةُ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ تَكْفِينُهُ وَلَوْ اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ لِانْقِطَاعِ الْقِرَاضِ بِمَوْتِهِ، فَانْقَطَعَتْ النَّفَقَةُ.
(وَإِنْ تَعَدَّدَ رَبُّ الْمَالِ) ؛ بِأَنْ كَانَ عَامِلًا لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ عَامِلًا لِوَاحِدٍ، وَمَعَهُ مَالٌ لِنَفْسِهِ أَوْ بِضَاعَةٌ لِآخَرَ، وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ نَفَقَةَ السَّفَرِ؛ (فَهِيَ) - أَيْ: النَّفَقَةُ - (عَلَى) قَدْرِ (مَالِ كُلٍّ) مِنْهُمَا، أَوْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَجَبَتْ لِأَجْلِ عَمَلِهِ فِي الْمَالِ، فَكَانَتْ عَلَى قَدْرِ مَالِ كُلٍّ فِيهِ، (إلَّا أَنْ يَشْرِطَهَا بَعْضٌ) مِنْ أَرْبَابِ الْمَالِ (مِنْ مَالِهِ عَالِمًا بِالْحَالِ) ، وَهُوَ كَوْنُ الْعَامِلِ يَعْمَلُ فِي مَالٍ آخَرَ مَعَ مَالِهِ؛ فَيَخْتَصُّ بِمَالِهِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ؛ فَعَلَيْهِ بِالْحِصَّةِ، (وَحَيْثُ شُرِطَتْ)
النَّفَقَةُ لِلْعَامِلِ، (فَادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ) الْمُخْتَصِّ بِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ (قُبِلَ) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، (وَرَجَعَ بِهِ) - أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ - (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (بَعْدَ رُجُوعِ الْمَالِ) - أَيْ: مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (لِرَبِّهِ) وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا.
(وَلَا رِبْحَ لِعَامِلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ) . قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا لَمْ يَفْضُلْ فَلَيْسَ بِرِبْحٍ، (فَإِنْ رَبِحَ فِي إحْدَى سِلْعَتَيْنِ) وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى؛ (أَوْ) رَبِحَ فِي إحْدَى (سَفْرَتَيْنِ، وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى، أَوْ تَعَيَّبَتْ) سِلْعَةٌ، وَزَادَتْ أُخْرَى، (أَوْ نَزَلَ السِّعْرُ، أَوْ تَلِفَ) بَعْضُ الْمَالِ (بَعْدَ عَمَلِ) عَامِلٍ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ (فَالْوَضِيعَةُ) فِي بَعْضِ الْمَالِ تُجْبَرُ (مِنْ رِبْحِ بَاقِيهِ) - أَيْ: الْمَالِ - (إنْ كَانَتْ) الْوَضِيعَةُ (قَبْلَ قَسْمِهِ) - أَيْ: الرِّبْحِ - (نَضًّا) - أَيْ: نَقْدًا - (وَلَوْ) كَانَ تنضيض الْمَالِ (بِمُحَاسَبَةٍ) جَرَتْ بَيْنَهُمَا (أُجْرِيَ لَهَا) - أَيْ: الْمُحَاسَبَةِ - (مُجْرَى الْقِسْمَةِ) نَصًّا.
(قِيلَ) لِلْإِمَامِ (أَحْمَدَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فَيَحْتَسِبَانِ) ؟ - أَيْ: رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ - (عَلَى الْمَتَاعِ) قَبْلَ تَنْضِيضِهِ (فَقَالَ: لَا يَحْتَسِبَانِ إلَّا عَلَى النَّاضِّ؛ لِأَنَّ الْمَتَاعَ قَدْ يَنْحَطُّ سِعْرُهُ وَ) قَدْ (يَرْتَفِعُ) ، فَإِنْ تَقَاسَمَا الرِّبْحَ وَالْمَالُ نَاضٌّ، أَوْ تَحَاسَبَا بَعْدَ تَنْضِيضِ الْمَالِ، وَأَبْقَيَا الْمُضَارَبَةَ؛ فَهِيَ مُضَارَبَةٌ ثَانِيَةٌ، فَمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجْبُرُ بِهِ وَضِيعَةَ الْأَوَّلِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إجْرَاءِ الْمُحَاسَبَةِ مَجْرَى الْقِسْمَةِ، وَالتَّنْضِيضُ: أَنْ يَصِيرَ الْمَالُ كَمَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ فِضَّةً يَصِيرُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا يَصِيرُ كَذَلِكَ.
(وَيَمْلِكُ عَامِلٌ حِصَّةً مِنْ رِبْحٍ) بِمُجَرَّدِ ظُهُورٍ (قَبْلَ قِسْمَةٍ؛ كَمَالِكِ) الْمَالِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
[قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ "] : و (لَا) يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ (الْأَخْذَ مِنْهُ) - أَيْ: الرِّبْحِ - (إلَّا بِإِذْنِ) رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مُشَاعٌ، فَلَا يُقَاسِمُ نَفْسَهُ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ لَا يَمْلِكَهُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(وَتَحْرُمُ قِسْمَةُ رِبْحٍ) دُونَ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا وِقَايَةَ لَهُ، (وَالْعَقْدُ) - أَيْ: عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ - (بَاقٍ) ؛ فَلَا يُجْبَرُ، مُمْتَنِعٌ عَنْهَا عَلَيْهَا (إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا) ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ، فَيُجْبِرُهُ بِالرِّبْحِ، وَلِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُلْزِمَهُ رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمُضَارِبِ يَرْبَحُ، وَيَضَعُ مِرَارًا، يَرُدُّ الْوَضِيعَةَ عَلَى الرِّبْحِ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ فَيَقُولُ: اعْمَلْ بِهِ ثَانِيَةً؛ فَمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجْبُرَ بِهِ وَضِيعَةَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُضَارَبَةٌ ثَانِيَةٌ.
قَالَ: فَهَذَا لَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، (فَإِنْ اتَّفَقَا) - أَيْ: الْمُتَقَارِضَانِ - عَلَى قَسْمِ الرِّبْحِ أَوْ قَسْمِ بَعْضِهِ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا، فَاقْتَسَمَا الرِّبْحَ أَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، (فَظَهَرَ) فِي الْمَالِ (خُسْرَانٌ) ؛ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِرِبْحٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ مِائَةً وَرَبِحَ عِشْرِينَ، وَاقْتَسَمَاهَا، ثُمَّ خَسِرَ ثَلَاثِينَ؛ فَعَلَى الْعَامِلِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ - وَهُوَ الْعَشَرَةُ فِي الْمِثَالِ - لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، وَبَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ (أَوْ تَلِفَ الْمَالُ) - أَيْ: مَالُ الْمُضَارَبَةِ - (كُلُّهُ) مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ؛ (لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا أَخَذَهُ) - وَهُوَ الْعَشَرَةُ - فِي الْمِثَالِ، (أَوْ الْخُسْرَانُ) وَهُوَ الثَّلَاثُونَ، وَلَا سَبِيلَ إلَى رَدِّ الثَّلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا فَيَرُدُّ الْعَشَرَةَ الْمَأْخُوذَةَ فَقَطْ.
(وَلَا يَخْلِطُ) عَامِلٌ (رَأْسَ مَالٍ قَبَضَهُ مِنْ) مَالِكٍ (وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ بِلَا إذْنٍ) نَصًّا؛ (لِأَنَّهُمَا) - أَيْ: الْمَالَيْنِ - (عَقْدَانِ، فَلَا يُجْبَرُ) خُسْرَانُ (أَحَدِهِمَا مِنْ) رِبْحِ الْمَالِ الْآخَرِ؛ كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ خَلْطِهِمَا.
(وَإِنْ أَذِنَ) رَبُّ الْمَالِ لَهُ - أَيْ: الْمُضَارِبِ فِي الْخَلْطِ - (قَبْلَ تَصَرُّفِهِ) - أَيْ الْمُضَارِبِ - (فِي) الْمَالِ (الْأَوَّلِ) جَازَ، (أَوْ) أَذِنَهُ فِي الْخَلْطِ (بَعْدَهُ) أَيْ: التَّصَرُّفِ فِي الْأَوَّلِ - (وَقَدْ نَضَّ) الْمَالُ الْأَوَّلُ؛ (جَازَ وَصَارَا)
أَيْ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي - (عَقْدًا) وَاحِدًا؛ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَ إذْنُهُ فِي الْخَلْطُ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِي الْأَوَّلِ، (وَلَمْ يُنِضَّ) الْأَوَّلُ؛ (حَرُمَ) الْخَلْطُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ اسْتَقَرَّ؛ فَكَانَ رِبْحُهُ وَخُسْرَانُهُ مُخْتَصًّا بِهِ، فَضَمُّ الثَّانِي إلَيْهِ يُوجِبُ جُبْرَانَ خُسْرَانِ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ.
(وَشَرْطُ) الْمُتَقَارِضَيْنِ (ضَمَّ) مَالٍ (ثَانٍ لَهُ) - أَيْ: لِلْأَوَّلِ (مُفْسِدٌ) لِلْعَقْدِ
(وَإِذَا رَبِحَ الْمَالُ فَأَخَذَ رَبُّهُ بَعْضَهُ) - أَيْ: الْمَالِ - (كَانَ مَا أَخَذَهُ) رَبُّ الْمَالِ (مِنْ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ فَلَوْ اشْتَرَى الْعَامِلُ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَبَاعَ) الْعَامِلُ (الْآخَرَ بِخَمْسِينَ، فَأَخَذَ مِنْهَا رَبُّ الْمَالِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ؛ بَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَخَذَ نِصْفَ) الْمَالِ (الْمَوْجُودِ، فَسَقَطَ نِصْفُ الْخُسْرَانِ.
وَلَوْ) لَمْ يَتْلَفْ الْعَبْدُ و (بَاعَ) الْعَامِلُ (الْعَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ سِتِّينَ، ثُمَّ خَسِرَ الْعَامِلُ فِيمَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ (عِشْرِينَ) ؛ فَلَهُ مِنْ الرِّبْحِ خَمْسَةٌ؛ (لِأَنَّ سُدُسَ مَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ رِبْحٌ) وَسُدُسُهُ عَشْرَةٌ، (لِلْعَامِلِ نِصْفُهُ) خَمْسَةٌ؛ إذَا كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ عَلَى الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا، نِصْفَيْنِ (وَقَدْ انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ) بِأَخْذِ رَبِّ الْمَالِ لَهُ؛ (فَلَا يَجْبُرُ بِهِ خُسْرَانَ الْبَاقِي) لِمُفَارَقَتِهِ.
(وَإِنْ اقْتَسَمَا) - أَيْ: الْمُتَقَارِضَانِ (الْعِشْرِينَ الرِّبْحَ خَاصَّةً، فَخَسِرَ) الْمَالُ (عِشْرِينَ؛ فَعَلَى الْعَامِلِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَبَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ تِسْعِينَ، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ الْبَاقِيَةَ مَعَ رَبِّ الْمَالِ تُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) . وَمَهْمَا بَقِيَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَجَبَ جَبْرُ خُسْرَانِهِ مِنْ رِبْحِهِ فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً، فَخَسِرَ عَشْرَةً، ثُمَّ أَخَذَ رَبُّهُ عَشْرَةً، لَمْ يَنْقُصْ رَأْسُ الْمَالِ بِالْخُسْرَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبَحُ فَيَجْبُرُ الْخُسْرَانَ مِنْ الرِّبْحِ.
لَكِنْ يَنْقُصُ رَأْسُ الْمَالِ بِمَا أَخَذَ رَبُّهُ مِنْهُ، وَهُوَ الْعَشَرَةُ؛ وَقِسْطُهَا مِنْ الْخُسْرَانِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَتُسْعُ دِرْهَمٍ، وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ وَثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ.
فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ أَخَذَ نِصْفَ التِّسْعِينَ الْبَاقِيَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ؛ بَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَخَذَ نِصْفَ الْمَالِ، فَسَقَطَ نِصْفُ
الْخُسْرَانِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ أَخَذَ خَمْسِينَ؛ بَقِيَ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَأَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ خَمْسَةَ أَتْسَاعِ الْمَالِ؛ فَسَقَطَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الْخُسْرَانِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةُ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ، يَبْقَى مَا ذُكِرَ
[فَصْلٌ تَنْفَسِخُ مُضَارَبَةٌ فِيمَا تَلِفَ قَبْلَ عَمَلِ الْعَامِلِ]
فَصْلٌ (وَتَنْفَسِخُ) مُضَارَبَةٌ (فِيمَا تَلِفَ) مِنْ مَالِهَا (قَبْلَ عَمَلِ) الْعَامِلِ فِي مَالِهَا، وَيَصِيرُ الْبَاقِي رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِالْعَمَلِ لَمْ يُصَادِفْ إلَّا الْبَاقِيَ، فَكَانَ هُوَ رَأْسَ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا تَلِفَ بَعْدَ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ دَارَ بِالتَّصَرُّفِ، فَوَجَبَ إكْمَالُهُ؛ لِاسْتِحْقَاقِهِ الرِّبْحَ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الشَّرْطِ.
(فَإِنْ تَلِفَ) بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ فِيهِ، انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ فِي التَّالِفِ، وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ هُوَ الْبَاقِي خَاصَّةً، لِأَنَّهُ مَالٌ هَلَكَ عَلَى جِهَتِهِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ، أَشْبَهَ التَّالِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفَارَقَ مَا بَعْدَ التَّصَرُّفِ، لِأَنَّهُ دَارَ فِي التِّجَارَةِ، وَشُرِعَ فِيمَا قُصِدَ بِالْعَقْدِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الرِّبْحِ.
(وَإِنْ تَلِفَ الْكُلُّ) ؛ أَيْ: كُلُّ مَالِ الْمُضَارَبَةِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ، (ثُمَّ اشْتَرَى) الْعَامِلُ (لِلْمُضَارَبَةِ شَيْئًا) مِنْ السِّلَعِ؛ فَهُوَ (كَفُضُولِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُضَارَبَةِ؛ لِانْفِسَاخِ الْمُضَارَبَةِ بِتَلَفِ الْمَالِ، فَبَطَلَ الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ، فَقَدْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَكَانَ مَا اشْتَرَاهُ لَهُ، وَثَمَنُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ تَلَفَ الْمَالِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ جَهِلَهُ، مَا لَمْ يُجِزْ رَبُّ الْمَالِ شِرَاءَهُ فَيَكُونُ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ سِلْعَةً وَلَمْ يُسَمِّهِ.
(وَإِنْ تَلِفَ) مَالُ الْمُضَارَبَةِ (بَعْدَ شِرَائِهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (فِي ذِمَّتِهِ وَقَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِ) مَا اشْتَرَاهُ؛ فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا.
(أَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ) ؛ أَيْ: مَالُ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ الْعَمَلِ (مَعَ مَا اشْتَرَاهُ) لَهَا؛ (فَالْمُضَارَبَةُ) بَاقِيَةٌ (بِحَالِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِفَسْخِهَا هُوَ التَّلَفُ، وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ الشِّرَاءِ وَلَا قَبْلَهُ، وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ كَالْمُوَكِّلِ، وَيَصِيرُ رَأْسُ الْمَالِ الثَّمَنَ دُونَ التَّالِفِ؛ لِتَلَفِهِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وَيُطَالَبَانِ) ؛ أَيْ: رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ (بِالثَّمَنِ) الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْعَامِلُ؛ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَلِمُبَاشَرَةِ الْعَامِلِ، فَإِنْ غَرِمَهُ رَبُّ الْمَالِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِهِ.
(وَيَرْجِعُ بِهِ) - أَيْ: الثَّمَنِ - (عَامِلٌ) ، إنْ دَفَعَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ لِلُزُومِهِ لَهُ أَصَالَةً، وَالْعَامِلُ بِمَنْزِلَةِ الضَّامِنِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ) الْعَامِلُ (مَا اشْتَرَاهُ لَهَا) - أَيْ: لِلشَّرِكَةِ (فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ) الْعَامِلُ (الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِلَا إذْنِ) رَبِّ الْمَالِ؛ (لَمْ يَرْجِعْ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (بِشَيْءٍ) ، وَالْعَامِلُ بَاقٍ عَلَى الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ بِشَيْءٍ (إنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ) ، أَمَّا إذَا ظَهَرَ رِبْحٌ؛ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ؛ لِعَدَمِ انْفِسَاخِ الْمُضَارَبَةِ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَالْمُضَارَبَةُ) بَاقِيَةٌ (بِحَالِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِفَسْخِهَا هُوَ التَّلَفُ، وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ الشِّرَاءِ وَلَا قَبْلَهُ.
(وَإِنْ قُتِلَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - (قِنُّهَا) ؛ بِأَنْ قَتَلَ عَبْدٌ لِأَجْنَبِيٍّ عَبْدًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ عَمْدًا؛ (فَلِرَبِّ الْمَالِ) أَنْ يَقْتَصَّ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَقْتُولِ، وَتَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ؛ لِذَهَابِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَهُ (الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، وَيَكُونُ) الْمَالُ الْمَعْفُوُّ عَلَيْهِ (كَبَدَلِ مَبِيعٍ) ؛ أَيْ: ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْهُ، (وَالزِّيَادَةُ) فِي الْمَالِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ (عَلَى قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْتُولِ، الَّتِي اُشْتُرِيَ بِهَا (رِبْحٌ) فِي الْمُضَارَبَةِ، فَتَكُونُ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ.
مِثَالُ الزِّيَادَةِ: (كَأَنْ صُولِحَ) رَبُّ الْمَالِ (عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فِي قَتْلِ عَمْدٍ، فَيَقْسِمَانِهَا عَلَى مَا شَرَطَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ
الرِّبْحِ (وَمَعَ) ظُهُورِ (رِبْحٍ) فِي الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا، (الْقَوَدُ لَهُمَا) ؛ أَيْ: لِرَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ كَالْمُصَالَحَةِ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا شَرِيكَيْنِ بِظُهُورِ الرِّبْحِ.
(وَاذَا طَلَبَ عَامِلٌ الْبَيْعَ) ؛ أَيْ: بَيْعَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، (وَقَدْ فُسِخَتْ) الْمُضَارَبَةُ (أَوَّلًا، فَأَبَى مَالِكٌ) الْبَيْعَ؛ (أُجْبِرَ) عَلَيْهِ (إنْ كَانَ) فِي الْمَالِ (رِبْحٌ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْبَيْعِ، فَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَنْ تَوْفِيَتِهِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ ظَاهِرٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ الْمَالِكُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ عَرْضًا.
(وَمِنْهُ) - أَيْ: وَمِنْ الرِّبْحِ (مَهْرٌ) وَجَبَ بِوَطْءِ أَمَةٍ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ بِتَزْوِيجِهَا بِاتِّفَاقِهِمَا.
(وَثَمَرَةٌ) ظَهَرَتْ مِنْ شَجَرٍ اُشْتُرِيَ مِنْ مَالِهَا، (وَأُجْرَةٌ) وَجَبَتْ بِعَقْدٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، أَوْ بِتَعَدٍّ عَلَيْهِ، (وَأَرْشُ) عَيْبٍ، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ، (وَنِتَاجٌ) نَتَجَتْهُ بِمُهِمَّتِهَا.
(وَإِتْلَافُ مَالِكٍ) الْمَالَ (كَقِسْمَةِ) الرِّبْحِ، (فَيَغْرَمُ) رَبُّ الْمَالِ (حِصَّةَ عَامِلٍ مِنْ رِبْحٍ) ؛ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ (أَجْنَبِيٌّ) ؛ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لِلْعَامِلِ حِصَّتَهُ، وَلِرَبِّ الْمَالِ رَأْسُ مَالِهِ وَحِصَّتُهُ.
(وَحَيْثُ فُسِخَتْ) الْمُضَارَبَةُ، (وَالْمَالُ عَرْضٌ أَوْ دَرَاهِمُ، وَكَانَ دَنَانِيرَ أَوْ عَكْسَهُ) ، بِأَنْ كَانَ دَنَانِيرَ وَأَصْلُهُ دَرَاهِمَ، (فَرَضِيَ رَبُّهُ بِأَخْذِهِ) ؛ أَيْ: مَالِ الْمُضَارَبَةِ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا؛ (قَوَّمَهُ) - أَيْ: مَالَ الْمُضَارَبَةِ - (وَدَفَعَ حِصَّتَهُ) - أَيْ: الْعَامِلِ - مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي ظَهَرَ بِتَقْوِيمِهِ، (وَمَلَكَهُ) ؛ أَيْ: مَلَكَ رَبُّ الْمَالِ مَا قَابَلَ حِصَّةَ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْ الْعَامِلِ الْبَيْعَ، وَقَدْ صَدَّقَهُ عَلَى الرِّبْحِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَظٍّ يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي بَيْعِهِ.
فَإِنْ ارْتَفَعَ السِّعْرُ بَعْدَ التَّقْوِيمِ عَلَى الْمَالِكِ، وَدَفَعَ حِصَّةَ الْعَامِلِ؛ لَمْ يُطَالِبْ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ بِقِسْطِهِ؛ كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ بَعْدَ بَيْعِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، (إنْ لَمْ يَكُنْ) فَعَلَ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ (حِيلَةً عَلَى قَطْعِ رِبْحِ عَامِلٍ؛ كَشِرَائِهِ نَحْوَ جُزْءٍ) كَطَعَامٍ (فِي الصَّيْفِ لِيَرْبَحَ فِي الشِّتَاءِ؛ فَيَبْقَى حَقُّهُ فِي رِبْحِهِ) .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ قَصَدَ رَبُّ الْمَالِ الْحِيلَةَ لِيَخْتَصَّ بِالرِّبْحِ؛ بِأَنْ كَانَ الْعَامِلُ اشْتَرَى خَزًّا فِي الصَّيْفِ لِيَرْبَحَ فِي الشِّتَاءِ، أَوْ يَرْجُو دُخُولَ مَوْسِمٍ أَوْ قَفْلٍ؛ فَإِنَّ حَقَّهُ يَبْقَى فِي الرِّبْحِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا أَظُنُّ الْأَصْحَابَ يُخَالِفُونَ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَزَجِيُّ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحِيَلَ لَا أَثَرَ لَهَا.
انْتَهَى.
(وَإِنْ لَمْ يَرْضَ) رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ فَسْخِ مُضَارَبَةٍ بِأَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ طَلَبَ الْبَيْعَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ فَسْخِ مُضَارَبَةٍ؛ (فَعَلَى عَامِلٍ بَيْعُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ (وَقَبْضُ ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ الْمَالِ نَاضًّا كَمَا أَخَذَهُ.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْمَالِ (رِبْحٌ) ، فَإِنْ نَضَّ الْعَامِلُ رَأْسَ الْمَالِ جَمِيعَهُ، وَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَنِضَّ لَهُ الْبَاقِيَ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ أَنْ يَنِضَّ الْبَاقِيَ.
وَلَوْ كَانَ صِحَاحًا فَنَضَّ قُرَاضَةً، أَوْ مُكَسَّرَةً؛ لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّهُ إلَى الصِّحَاحِ بِطَلَبِ رَبِّهَا، فَيَبِيعُهَا بِصِحَاحٍ أَوْ بِعَرَضٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِهِ؛ كَمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ بَعْدَ فَسْخِ الْمُضَارَبَةِ (تَقَاضِيهِ) - أَيْ: مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (لَوْ كَانَ دَيْنًا) مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِاقْتِضَاءِ الْمُضَارَبَةِ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى صِفَةٍ، وَالدُّيُونُ لَا تَجْرِي مَجْرَى النَّاضِّ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَنِضَّهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي التَّقَاضِي عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَوُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ تَقَاضِيهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَقَاضِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ.
(وَإِنْ قَضَى عَامِلٌ بِرَأْسِ الْمَالِ دَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّجَرَ بِوَجْهِهِ) ؛ أَيْ: اشْتَرَى بِذِمَّتِهِ بِجَاهِهِ، وَبَاعَ، وَحَصَلَ رِبْحٌ، (وَأَعْطَى رَبَّهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الْمَالِ الَّذِي قَضَى بِهِ دَيْنَهُ، (حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ) مِنْ تِجَارَتِهِ بِوَجْهِهِ (مُتَبَرِّعًا بِهَا) لِرَبِّ الْمَالِ؛
(جَازَ) نَصًّا، نَقَلَ صَالِحٌ؛ أَمَّا الرِّبْحُ فَأَرْجُو إذَا كَانَ هَذَا مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ لَوْ امْتَنَعَ) الْعَامِلُ مِنْ دَفْعِهِ لِرَبِّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ؛ (لَمْ يُجْبَرْ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ بِجَاهِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّبَرُّعُ بِهِ لِغَيْرِهِ.
(وَأَنَّهُمْ) - أَيْ: الْأَصْحَابَ - (صَحَّحُوا قَضَاءَ دَيْنِهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (بِمَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: ذَلِكَ الْغَيْرِ، مَعَ حُرْمَةِ الْقَضَاءِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِتَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِرَبِّ الْمَالِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ، إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا، فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ.
وَحَيْثُ صَحَّ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطَاءُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ رِبْحِ مَا اتَّجَرَ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[فَائِدَةٌ لَوْ قَارَضَ الْمَرِيضُ وَسَمَّى لِلْعَامِلِ فَوْقَ تَسْمِيَةِ الْمِثْلِ وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ]
ِ؛ فَلِلْعَامِلِ أَخْذُ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الرِّبْحِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ بِعَمَلِهِ مِنْ الرِّبْحِ الْحَادِثِ، وَيَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُضَارِبِ دُونَ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَابَى الْأَجِيرَ فِي الْأَجْرِ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ مَا حَابَاهُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ سَاقَى الْمَرِيضُ، أَوْ زَارَعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ حُسِبَ الزَّائِدُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ.
(وَإِنْ مَاتَ عَامِلٌ) فِي مُضَارَبَةٍ، (أَوْ) مَاتَ (مُودِع) - بِفَتْحِ الدَّالِ - (أَوْ) مَاتَ (وَصِيٌّ) عَلَى صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، (وَجُهِلَ بَقَاءُ مَا بِيَدِهِمْ) مِنْ مُضَارَبَةٍ الْوَدِيعَةٍ وَمَالِ مُوَلِّيهِ؛ فَهُوَ (دَيْنٌ) لِصَاحِبِهِ (فِي التَّرِكَةِ) أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَيِّتِ، وَاخْتِلَاطُهُ بِجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، وَلَا سَبِيلَ
إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ؛ فَكَانَ دَيْنًا، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ مَالِكِ الْمَالِ، وَلَا إلَى إعْطَائِهِ عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَيْنِ مَالِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَكَأَنَّهُ غَاصِبٌ؛ فَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَقِيَاسُهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَعَامِلُهُ، إذَا قَبَضَ لِلْوَقْفِ شَيْئًا وَمَاتَ، وَجُهِلَ بَقَاؤُهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةُ النَّاظِرِ وَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِاللُّزُومِ.
(وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ) مَالَ الْمُضَارَبَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَامِلِهِ (تَقْرِيرَ وَارِثِ عَامِلٍ) مَكَانَهُ؛ (فَ) تَقْرِيرُهُ (مُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ) لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى نَقْدٍ مَضْرُوبٍ، (فَلَا تَصِحُّ بِعَرْضٍ) ، وَلَا صَنْجَةٍ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ.
(وَلَا يَبِيعُ وَارِثُهُ) - أَيْ وَارِثُ الْعَامِلِ (عَرْضًا) لِلْمُضَارَبَةِ (بِلَا إذْنِ مَالِكٍ) لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِاجْتِهَادِ مُوَرِّثِهِ، - (وَلَا) يَبِيعُ (هُوَ) - أَيْ الْمَالِكُ (بِلَا إذْنِ وَارِثِ) الْعَامِلِ؛ لِوُجُودِ حَقِّهِ فِي الرِّبْحِ، (لِبُطْلَانِهَا) - أَيْ الْمُضَارَبَةِ - (بِمَوْتِ) الْعَامِلِ (فَإِنْ تَشَاحَّا) ؛ أَيْ: رَبُّ الْمَالِ وَوَارِثُ الْعَامِلِ، بِأَنْ أَبَى كُلٌّ الْإِذْنَ لِلْآخَرِ فِي بَيْعِهِ؛ (بَاعَهُ حَاكِمٌ، وَيُقَسِّمُ الرِّبْحَ) عَلَى مَا شُرِطَ.
(وَوَارِثُ مَالِكٍ) لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ (أَوْ وَلِيُّهُ) - أَيْ: الْمَالِكِ (لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ) جُنُونًا مُطْبِقًا أَوْ تُوَسْوَسَ بِحَيْثُ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ، أَوْ حُجِرَ - عَلَيْهِ لِسَفَهٍ؛ (كَهُوَ) ؛ أَيْ: كَالْمَالِكِ لَوْ انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ وَهُوَ حَيٌّ، وَتَقَدَّمَ؛ (فَيَتَقَرَّرُ مَا لِمُضَارِبٍ مِنْ رِبْحٍ مُقَدَّمًا بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، فَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا الذِّمَّةِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ؛ كَالْجِنَايَةِ (وَلَا يَشْتَرِي) عَامِلٌ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ.
(بِلَا إذْنِ) وَرَثَةٍ، وَيَكُونُ وَكِيلًا عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ.
(وَهُوَ) - أَيْ الْعَامِلُ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ (فِي) مَا يَلْزَمُهُ مِنْ (بَيْعِ) عَرْضٍ (وَاقْتِضَاءِ دَيْنٍ) مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ - (كَفَسْخٍ) لِلْمُضَارَبَةِ، (وَالْمَالِكُ حَيٌّ) ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَرَادَ) الْوَارِثُ الْجَائِزُ التَّصَرُّفَ، أَوْ وَلِيُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، إتْمَامَ الْمُضَارَبَةَ، وَالْمَالُ نَاضٌّ جَازَ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ الْمُوَرِّثُ وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ رَأْسَ الْمَالِ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةٌ لَهُ مُشَاعٌ، وَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ هُوَ الْعَامِلُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.
وَإِنْ أَرَادَ وَارِثُ رَبِّ الْمَالِ (الْمُضَارَبَةَ، وَالْمَالُ عَرْضٌ) ؛ فَمُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ؛ (لَمْ تَصِحَّ) عَلَى الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَوَازِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ؛ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بَعْدَ انْفِسَاخِ الْقِرَاضِ، ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
فَصْلٌ (وَالْعَامِلُ أَمِينٌ) فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا كَالْوَكِيلِ، وَفَارَقَ الْمُسْتَعِيرَ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ
(يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ) ، إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ مُتَنَازَعٌ فِيهِ وَلَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَيُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِ (رِبْحٍ وَعَدَمِهِ) - أَيْ: الرِّبْحِ - (وَ) فِي (هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ) ، إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإِنْ ادَّعَى الْهَلَاكَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ؛ كُلِّفَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِهِ، ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ تَلِفَ بِهِ.
(وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ (فِيمَا يَذْكُرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهَا) - أَيْ: الْمُضَارَبَةِ - (وَلَوْ فِي) شَرِكَةِ (عَنَانٍ، وَ) شَرِكَةِ (وُجُوهٍ) ، وَكَذَا فِي مُفَاوَضَةٍ، وَفِي شَرِكَةِ أَبْدَانٍ، إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَبَّلَ الْعَمَلَ لِنَفْسِهِ دُونَ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالِاخْتِلَافُ هُنَا فِي نِيَّةِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ وَوَلِيَّ الْيَتِيمِ وَنَحْوَهُ.
(وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ (مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ)
أَوْ جِنَايَةٍ (أَوْ تَفْرِيطٍ) ، أَوْ مُخَالَفَتِهِ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ الْمُضَارِبُ يَدْفَعُ إلَى رَبِّ الْمَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، ثُمَّ طَلَبَ رَأْسَ مَالِهِ، فَقَالَ الْمُضَارِبُ: كُلُّ مَا دَفَعْت إلَيْكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ أَكُنْ أَرْبَحُ شَيْئًا؛ فَقَوْلُ الْمُضَارِبِ فِي ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا.
وَإِذَا شَرَطَ الْعَامِلُ النَّفَقَةَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ أَوْ رَجَعَ إلَى رَبِّهِ، كَالْوَصِيِّ ادَّعَى النَّفَقَةَ عَلَى الْيَتِيمِ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَامِلٍ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الْبَيْعِ نَسَاءً أَوْ عَنْ الشِّرَاءِ بِكَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ شَيْئًا، وَقَالَ الْمَالِكُ: كُنْتُ نَهَيْتُكَ عَنْهُ، فَأَنْكَرَ الْعَامِلُ النَّهْيَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ - (طَلَبُ نَحْوِ غَاصِبٍ) ، كَمُنْتَهِبٍ وَمُخْتَلِسٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، (وَمُخَاصَمَةٌ) - أَيْ: الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ - (فَإِنْ تَرَكَهُ) ؛ أَيْ: تَرَكَ الْعَامِلُ الطَّلَبَ بِهِ وَالْخُصُومَةَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ (ضَمِنَ) مَا فَاتَ بِتَرْكِهِ مِنْ مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّعَهُ وَفَرَّطَ فِيهِ.
هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّهُ) - أَيْ الْمَالِ - (حَاضِرًا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ") . وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حَاضِرًا، وَعَلِمَ الْحَالَ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ طَلَبُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إذَنْ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ وَكِيلِهِ.
انْتَهَى كَلَامُ " الْمُغْنِي ".
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) ؛ أَيْ: كَالْمُضَارِبِ فِي الطَّلَبِ وَتَرْكِهِ، (كُلُّ أَمِينٍ) ، كَوَكِيلٍ وَوَدِيعٍ وَوَصِيٍّ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْمُخَاصَمَةَ مَعَ تَمَكُّنِهِ؛ يَضْمَنُ مَا فَاتَ بِتَرْكِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ أَقَرَّ) عَامِلٌ (بِرِبْحٍ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفًا أَوْ) ادَّعَى (خَسَارَةً) ، بِأَنْ قَالَ: تَلِفَ الرِّبْحُ، أَوْ قَالَ: حَصَلَتْ خَسَارَةٌ بَعْدَ الرِّبْحِ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ.
لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْوَكِيلِ الْمُتَبَرِّعِ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ ادَّعَى (غَلَطًا أَوْ كَذِبًا أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ) ادَّعَى (اقْتِرَاضًا تَمَّمَ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ، بَعْدَ إقْرَارِهِ) - أَيْ الْعَامِلِ بِهِ -؛ أَيْ: بِرَأْسِ الْمَالِ؛ كَمَا لَوْ أَعْطَى إنْسَانٌ إنْسَانًا أَلْفًا مُضَارَبَةً، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ (لِرَبِّهِ) : رَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ بِيَدِي وَهَا هُوَ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: قَدْ فَسَخْت الْمُضَارَبَةَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ، فَقَالَ الْعَامِلُ: إنَّ الْمَالَ كَانَ قَدْ خَسِرَ مِائَةً، وَخَشِيتُ أَنَّكَ إنْ وَجَدْتَهُ نَاقِصًا أَخَذْتُهُ مِنِّي، فَاقْتَرَضْت مِنْ فُلَانٍ مِائَةً تَمَّمْت بِهَا رَأْسَ الْمَالِ لِأَعْرِضَهُ عَلَيْك؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْعَامِلِ لَا يُقْبَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارِهِ بِحَقٍّ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي ": (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقْرِضِ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مَلَكَهُ بِالْقَرْضِ، ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى رَبِّ الْمَالِ.
وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ عَلَى الْعَامِلِ لَا غَيْرُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ": تَحْرِيرُ الْجَوَابِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ نَقْصًا؛ يَضْمَنُهُ الْمُضَارِبُ؛ بِأَنْ تَعَدَّى، أَوْ فَرَّطَ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمَالِكِ بِحَالٍ، لَا لِلْمُقْرِضِ وَلَا لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ اقْتَرَضَ شَيْئًا فَمَلَكَهُ بِالْقَرْضِ، ثُمَّ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ النَّقْصُ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي الْبَاطِنِ؛ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُقْرِضِ عَلَى الْمَالِكِ لِمَا سَبَقَ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ إنْ عَلِمَ بَاطِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ الْمَالِكِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ.
انْتَهَى.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي عَدَمِ) رَدِّهِ؛ أَيْ: مَالَ الْمُضَارَبَةِ؛ إنْ ادَّعَى عَامِلٌ رَدَّهُ إلَيْهِ، وَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْعٍ لَهُ فِيهِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ، كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُنْكِرٌ، فَقُدِّمَ قَوْلُهُ.
(وَ) يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي (صِفَةِ خُرُوجِهِ) - أَيْ الْمَالِ - (عَنْ يَدِهِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قِرَاضٍ) ، فَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَعْطَيْتُكَ أَلْفًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ رِبْحِهِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ قَرْضًا لَيْسَ لَك شَيْءٌ مِنْ رِبْحِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ.
فَإِذَا حَلَفَا؛ قُسِّمَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ خَسِرَ الْمَالَ أَوْ تَلِفَ،
فَقَالَ رَبُّهُ: كَانَ قَرْضًا، وَقَالَ الْعَامِلُ: كَانَ قِرَاضًا أَوْ بِضَاعَةً؛ فَقَوْلُ رَبِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ.
(فَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ عَامِلٍ) لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ.
وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: كَانَ بِضَاعَةً، وَقَالَ الْعَامِلُ: كَانَ قَرْضًا، حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ، (وَلَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ لِلْإِقْنَاعِ - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَا وَقُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَالِكٍ (فِي قَدْرِ مَا شَرَطَ لِعَامِلٍ) ، فَإِذَا قَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْت لِي النِّصْفَ، وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ الثُّلُثَ مَثَلًا، فَقَوْلُ مَالِكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَسِنْدِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ السُّدُسَ الزَّائِدَ، وَاشْتِرَاطَهُ لَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
(وَيَتَّجِهُ) فِي رِوَايَةٍ (وَتُقَدَّمُ حُجَّةُ) - أَيْ دَعْوَى - (عَامِلٍ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي " بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى: إذَا ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ وَزِيَادَةً يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا وَافَقَ أَجْرَ الْمِثْلِ.
انْتَهَى.
(وَإِنْ قَالَ رَبُّ مَالٍ: كَانَ بِضَاعَةً) فَرِبْحُهُ لِي، (وَقَالَ عَامِلٌ) : كَانَ
(نَقْدًا) فَرِبْحُهُ لَنَا، وَلَا بَيِّنَةَ؛ (فَقَوْلُهُ) - أَيْ الْعَامِلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ تَكُونَ فِي النَّقْدِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: (أَخَذْته بِضَاعَةً مُضَارَبَةً) فَرِبْحُهُ لِي، (فَقَالَ عَامِلٌ) : بَلْ أَخَذْته (قَرْضًا) فَرِبْحُهُ لِي؛ (حَلَفَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ لِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، (وَ) كَانَ (لِلْعَامِلِ أَجْرُ عَمَلِهِ) فَقَطْ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ مَالِهِ تَابِعٌ لَهُ.
(وَإِنْ دَفَعَ) شَخْصٌ (لِرَجُلَيْنِ) أَوْ غَيْرِهِمَا (مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ) لَهُ وَالنِّصْفُ لَهُمَا، فَنَضَّ الْمَالُ وَ (صَارَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَقَالَ رَبُّهُ) - أَيْ الْمَالِ - (رَأْسُهُ أَلْفَانِ، وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ الْعَامِلَيْنِ - (وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ) هُوَ (أَلْفٌ، فَقَوْلُهُ) - أَيْ الْمُنْكِرِ - (بِيَمِينِهِ) ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ أَلْفٌ (وَالرِّبْحُ أَلْفَانِ؛ فَلَهُ) - أَيْ الْمُنْكِرِ الْحَالِفِ - مِنْ الْأَلْفَيْنِ (خَمْسُمِائَةٍ، يَبْقَى أَلْفَانِ) وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْهَا، (لِرَبِّ الْمَالِ) أَلْفَانِ يَأْخُذُهَا لِأَنَّ الْآخَرَ يُصَدِّقُهُ، (وَ) يَبْقَى (خَمْسُمِائَةٍ) هِيَ (رِبْحٌ، لِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثَاهُ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثُهُ) - أَيْ الرِّبْحِ - لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ نِصْفُهُ، وَنَصِيبَ هَذَا الْعَامِلِ رُبْعُهُ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بَاقِي الرِّبْحِ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَمَا أَخَذَهُ الْحَالِفُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ كَالتَّالِفِ مِنْهُمَا، وَالتَّالِفُ يُحْسَبُ فِي الْمُضَارَبَةِ مِنْ الرِّبْحِ.
(فُرُوعٌ: يَصِحُّ تَشْبِيهًا) بِشَرِكَةِ (الْمُضَارَبَةِ دَفْعُ عَبْدٍ أَوْ) دَفْعُ (دَابَّةٍ) ، أَوْ آنِيَةٍ كَقِرْبَةٍ وَقِدْرٍ، وَآلَةٍ لِحِرَاثٍ، أَوْ نَوْرَجٍ، أَوْ مِنْجَلٍ (لِمَنْ يَعْمَلُ بِهِ) - أَيْ بِالْمَدْفُوعِ - (بِجُزْءٍ مِنْ أُجْرَتِهِ) .
نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَكْسِبَ عَلَيْهِ، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ أَوْ رُبْعُهُ؛ فَجَائِزٌ؛ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ يُعْطِي فَرَسَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا كَانَ عَلَى النِّصْفِ وَالرُّبْعِ فَهُوَ جَائِزٌ (كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَنَسْجِ غَزْلٍ، وَحَصَادِ زَرْعٍ، وَنَفْضِ زَيْتُونٍ، وَطَحْنِ حَبٍّ، وَرَضَاعِ قِنٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَاسْتِيفَاءِ مَالٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَنَجْرِ خَشَبٍ، بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا؛ فَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا؛ كَالشَّجَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَخْرِيجَهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِالْعُرُوضِ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي التِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفَ فِي رَقَبَةِ الْمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ لِيُفَصِّلَهُ قُمْصَانًا لَيَبِيعَهَا، وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا بِحَقِّ عَمَلِهِ جَازَ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
وَإِنْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ يَنْسِجُهُ ثَوْبًا بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ رُبْعِهِ؛ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، (فَإِنَّ جَعَلَ لَهُ مَعَهُ) - أَيْ الْجُزْءِ (دِرْهَمًا وَنَحْوَهُ) كَدِينَارٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ) نَصًّا، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ وَدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ، قَالَ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ، وَالثُّلُثُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ نَرَاهُ جَائِزًا.
(وَلَا بَأْسَ بِحَصْدِ زَرْعٍ، وَصَرْمِ نَخْلٍ بِسُدُسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ) أَوْ نِصْفِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ» (قَالَ) (الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَنْهُ فِي الْحَصَادِ (هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَاطَعَةِ) . وَلَا يُعَارِضُ مَا سَبَقَ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَعَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» ؛ لِحَمْلِهِ عَلَى قَفِيزٍ مِنْ الْمَطْحُونِ، فَلَا يُدْرَى الْبَاقِي بَعْدَهُ كَمْ هُوَ، فَتَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةً.
أَشَارَ إلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي ".
(وَيَصِحُّ بَيْعُ وَإِيجَارُ مَتَاعٍ، وَغَزْوٌ بِدَابَّةٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ) - أَيْ الْمَتَاعِ - (أَوْ سَهْمِهَا) - أَيْ الدَّابَّةِ - كَالْهَجِينِ أَوْ سَهْمَيْهَا كَالْعَرَبِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ أَعْطَى فَرَسَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَمَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ مَالِكٌ: (أَجِّرْ عَبْدِي) ، أَوْ بِعْهُ، (أَوْ) أَجِّرْ (دَابَّتِي) ؛ أَوْ بِعْهَا، (وَالْأُجْرَةُ) أَوْ الثَّمَنُ (بَيْنَنَا) ؛ لَا يَصِحُّ، وَالثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ لِلْمَالِكِ، وَأَمَّا الْعَاقِدُ (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) .
(وَ) لَوْ قَالَ لِصَيَّادٍ: (صِدْ بِشَبَكَتِي وَالصَّيْدُ بَيْنَنَا) ، فَفَعَلَ؛ (فَالصَّيْدُ)
كُلُّهُ (لِصَائِدٍ، وَلِرَبِّهَا) - أَيْ الشَّبَكَةِ - (أَجْرُ مِثْلِهَا) عَلَى الصَّائِدِ
(وَيَصِحُّ دَفْعُ دَابَّةٍ أَوْ نَحْلٍ) أَوْ دَجَاجٍ أَوْ حَمَامٍ، قَالَهُ فِي " الْفَائِقِ " (أَوْ قِنٍّ) أَوْ أَمَةٍ (لِمَنْ يَقُومُ بِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً) ، كَسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ؛ أَيْ: مِنْ الْمَدْفُوعِ، (وَالنَّمَاءُ) الْحَاصِلُ مِنْ الدَّابَّةِ أَوْ النَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا (مِلْكٌ لَهُمَا) ؛ أَيْ: الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ.
وَ (لَا) يَجُوزُ دَفْعُ دَابَّةٍ أَوْ نَحْلٍ وَنَحْوِهِمَا لِمَنْ يَقُومُ بِهِمَا مُدَّةً، وَلَوْ مَعْلُومَةً، (بِجُزْءٍ مِنْ نَمَاءٍ كَدَرٍّ وَنَسْلٍ وَصُوفٍ وَعَسَلٍ وَزَبَادٍ) وَمِسْكٍ؛ لِحُصُولِ نَمَائِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، (وَلِعَامِلٍ أَجْرُ مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَعَنْهُ) - أَيْ الْإِمَامِ - (بَلَى) ؛ أَيْ: لَهُ دَفْعُ دَابَّتِهِ أَوْ نَحْلِهِ لِمَنْ يَقُومُ بِهِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ.
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
[فَصْلٌ الثَّالِث شَرِكَة الْوُجُوه]
فَصْلٌ وَالضَّرْبُ (الثَّالِثُ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَهِيَ) : أَنْ (يَشْتَرِكَا) بِلَا مَالٍ، (فِي رِبْحِ مَا يَشْتَرِيَانِ فِي ذِمَمِهِمَا بِجَاهِهِمَا) ؛ أَيْ: وُجُوهِهِمَا، وَثِقَةِ التُّجَّارِ بِهِمَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُعَامَلَانِ فِيهَا بِوَجْهِهِمَا، وَالْجَاهُ وَالْوَجْهُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: فُلَانٌ وَجِيهٌ، إذَا كَانَ ذَا جَاهٍ.
وَهِيَ جَائِزَةٌ؛ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مُضِرَّةٍ، وَلِأَنَّ مَعْنَاهَا وَكَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْكَفَالَةِ بِالثَّمَنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ (عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ) ؛ كَأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ رِبْحُ مَا يَشْتَرِيَانِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّتِهَا (ذِكْرُ جِنْسِ) مَا يَشْتَرِيَانِهِ، (وَلَا) ذِكْرُ (قَدْرٍ، وَلَا) ذِكْرُ (وَقْتٍ) ؛ أَيْ: مُدَّةِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ أَمَّا الْوَكَالَةُ الدَّاخِلَةُ فِي ضِمْنِ الشَّرِكَةِ؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ، بِدَلِيلِ الْمُضَارَبَةِ وَشَرِكَةِ الْعَنَانِ، فَإِنَّ فِي ضِمْنِهَا تَوْكِيلًا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
(فَلَوْ قَالَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (لِصَاحِبِهِ: مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنَنَا) ، وَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: كَذَلِكَ؛
(صَحَّ) الْعَقْدُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، عَلَى مَا شَرَطَا كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ وَغَيْرِهَا.
(وَكُلٌّ) مِنْهُمَا (وَكِيلُ الْآخَرِ) فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ، (وَكَفِيلُهُ بِالثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ.
(وَرَأْسُ مَالٍ) كَمَا شَرَطَا، وَكَذَا مِلْكٌ فِيمَا يَشْتَرِيَانِهِ بِجَاهِهِمَا بَيْنَهُمَا كَمَا شَرَطَا عِنْدَ الْعَقْدِ، لِحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ، فَتَتَقَيَّدُ بِمَا وَقَعَ الْإِذْنُ وَالْقَبُولُ فِيهِ.
(وَرِبْحٌ كَمَا شَرَطَا) مِنْ تَسَاوٍ وَتَفَاضُلٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَوْثَقَ عِنْدَ التُّجَّارِ، وَأَبْصَرَ بِالتِّجَارَةِ مِنْ الْآخَرِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ زِيَادَةً فِي الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةٍ أَوْ ثِقَةٍ، وَزِيَادَةِ إبْصَارِهِ بِالتِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ عَلَى عَمَلٍ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ رِبْحُهَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ.
(وَالْوَضِيعَةُ) ؛ أَيْ: الْخُسْرَانُ بِتَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ بِنُقْصَانٍ عَمَّا اشْتَرَى بِهِ، (عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ) فِيمَا يَشْتَرِيَانِهِ، فَمَنْ لَهُ الثُّلُثَانِ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الْوَضِيعَةِ، وَمَنْ لَهُ الثُّلُثُ عَلَيْهِ ثُلُثُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لِتَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ بِنُقْصَانٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْوَضِيعَةَ نَقْصُ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمُلَّاكِهِ، فَيُوَزَّعُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ.
(وَتَصَرُّفُهُمَا) ؛ أَيْ: شَرِيكَيْ الْوُجُوهِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَيَجِبُ، وَشُرُوطٌ وَإِقْرَارٌ وَخُصُومَةٌ، كَتَصَرُّفِ (شَرِيكَيْ عَنَانٍ) ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
وَالضَّرْبُ (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ) ؛ أَيْ: شَرِكَةٌ بِالْأَبْدَانِ، فَحُذِفَتْ الْبَاءُ ثُمَّ أُضِيفَتْ؛ لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا أَبْدَانَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ لِتَحْصِيلِ الْمَكَاسِبِ.
(وَهِيَ) ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا (أَنْ يَشْتَرِكَا) ؛ أَيْ: اثْنَانِ فَأَكْثَرَ (فِيمَا يَتَمَلَّكَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ مُبَاحٍ، كَاحْتِشَاشٍ وَاصْطِيَادٍ وَتَلَصُّصٍ عَلَى دَارِ حَرْبٍ وَسَلَبِ) مَنْ يَقْتُلَانِهِ بِدَارِ حَرْبٍ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ
يَشْتَرِكَ الْقَوْمُ بِأَبْدَانِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ مَالٌ؛ مِثْلُ الصَّيَّادِينَ وَالْبَقَّالِينَ وَالْحَمَّالِينَ.
«وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ يَجِيئَا بِشَيْءٍ» وَفَسَّرَ أَحْمَدُ صِفَةَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يُصِيبَانِ مِنْ سَلَبِ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ.
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَيْف يَصِحُّ اخْتِصَاصُ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَغَنَائِمُهَا كَانَتْ لِمَنْ أَخَذَهَا قَبْلَ أَنْ يُشْرِكَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ جِهَتَيْ الْمُضَارَبَةِ، فَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ كَالْمَالِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ (لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (فَسْخُهَا) ؛ أَيْ: شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، مَتَى شَاءَ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَظْهَرْ فَضْلُهُ) - أَيْ كَسْبُهُ - زِيَادَةً (عَلَى صَاحِبِهِ) . فَإِنْ ظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَلَا فَسْخَ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا؛ لِلُحُوقِ الضَّرَرِ بِمَنْ لَمْ يَفْسَخْ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِكَا (فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ كَنَسْجٍ) وَحِدَادَةٍ (وَقِصَارَةٍ وَخِيَاطَةٍ) وَنَحْوِهَا.
(وَصَحَّ) قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ: (أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ) ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا، لِأَنَّ تَقَبُّلَ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ.
وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُضَارِبِ.
(وَيُطَالَبَانِ بِمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا) مِنْ عَمَلٍ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا.
(وَيَتَّجِهُ بَعْدَ تَقَبُّلِ أَحَدِهِمَا) عَمَلًا مُبَاحًا، أَوْ اسْتِئْجَارًا عَلَيْهِ، [ (لَا فَسْخَ) لِلشَّرِيكِ (الْآخَرِ) ؛ لِإِذْنِهِ فِيهِ؛ كَشِرَاءِ شَرِيكِ الْعَنَانِ مَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ] . (وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الضَّمَانِ، فَكَأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ مَا يَلْزَمُهُ.
(وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (طَلَبُ أُجْرَةٍ) لِعَمَلٍ تَقَبَّلَهُ هُوَ أَوْ صَاحِبُهُ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَبْرَأُ مِنْهَا الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْوَكِيلِ عَنْ الْآخَرِ.
(وَتَلَفُهَا) أَيْ الْأُجْرَةِ (بِلَا تَفْرِيطٍ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) مِنْ ضَمَانِهِمَا تَضْيِيعٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنْ الْآخَرِ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ، وَمَا يَتْلَفُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأُجْرَةِ بِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا أَوْ تَفْرِيطِهِ أَوْ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ؛ كَمَنْعٍ أَوْ جُحُودٍ؛ فَالتَّلَفُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِانْفِرَادِهِ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ.
(وَإِقْرَارُهُ) ؛ أَيْ: إقْرَارُ أَحَدِهِمَا (بِمَا فِي يَدِهِ) مِنْ الْأَعْيَانِ يُقْبَلُ (عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا فِيهَا.
وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ (بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ وَلَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ) لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ أَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ إنْ كَانَ (غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالشَّرِكَةِ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
أَمَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالِاسْتِدَانَةِ لِلشَّرِكَةِ وَأَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَدَانَ لَهَا؛ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ أَصَالَةٌ عَنْ نَفْسِهِ وَوَكَالَةٌ عَنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ لَهُ فِي الِاسْتِدَانَةِ تَضَمَّنَ الْإِقْرَارَ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ،
(وَالْحَاصِلُ) مِنْ مُبَاحٍ تَمَلَّكَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ مِنْ أُجْرَةِ عَمَلٍ تَقَبَّلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ (كَمَا شُرِطَ) عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، وَيَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعَمَلِ؛ فَجَازَ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِهِ.
(وَمُوجَبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ فِي شَرِكَةٍ) بِأَنْوَاعِهَا، (وَفِي جِعَالَةٍ وَفِي إجَارَةٍ؛ التَّسَاوِي فِي عَمَلٍ وَأَجْرٍ) ؛ إذْ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَضْلَ عَلَى الْآخَرِ، (وَلِزَائِدِ عَمَلٍ) حَيْثُ (لَمْ يَتَبَرَّعْ بِزِيَادَةِ عَمَلِهِ طَلَبُهُ) - أَيْ شَرِيكِهِ - بِالزِّيَادَةِ؛ لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) لِصِحَّتِهَا (اتِّفَاقُ صَنْعَةِ) الشَّرِيكَيْنِ، فَلَوْ اشْتَرَكَ حَدَّادٌ وَنَجَّارٌ، أَوْ خَيَّاطٌ وَقَصَّارٌ، فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ؛ صَحَّ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَسْبٍ مُبَاحٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَحْذَقَ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّتَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَاتُ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ (مَعْرِفَتُهَا) - أَيْ الصِّفَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَوْ اشْتَرَكَ شَخْصَانِ لَا يُحْسِنَانِ الْخِيَاطَةَ فِي تَقَبُّلِهَا، وَأَنْ يَدْفَعَا مَا تَقَبَّلَاهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ يُحْسِنُهَا، بِمَا يُوَافِقَانِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَمَا فَضَلَ بَيْنَهُمَا؛ صَحَّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّقَبُّلَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ (فَيَلْزَمُ غَيْرَ عَارِفٍ إقَامَةُ عَارِفٍ) لِلصَّنْعَةِ (مَقَامَهُ) فِي الْعَمَلِ، لِيَعْمَلَ مَا يَلْزَمُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
(وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ - فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا (أَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ) مَعَ شَرِيكِهِ (لِعُذْرٍ أَوْ لَا) لِعُذْرٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا، (فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا) عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي عَمَلِ الْأَبْدَانِ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ وَلَا يَأْتِي الْآخَرُ بِشَيْءٍ قَالَ: نَعَمْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَدِيثِ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يَعْنِي حَيْثُ اشْتَرَكُوا، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَأَخْفَقَ الْآخَرَانِ، وَلِأَنَّ
الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا، وَبِضَمَانِهِمَا لَهُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ، فَتَكُونُ لَهُمَا، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا عَوْنًا لِصَاحِبِهِ فِي حِصَّتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُقَصِّرَ ثَوْبًا فَاسْتَعَانَ بِآخَرَ.
(وَيَلْزَمُ مِنْ عُذْرٍ) بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ مَعَ شَرِيكِهِ (بِطَلَبِ شَرِيكِهِ) الصَّحِيحِ، (أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ) مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ، فَإِنْ طَلَبَ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَمَلُ أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ، تَوْفِيَةً لِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ.
(وَيَصِحُّ) أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ (يُحَمِّلَا دَابَّةً لَهُمَا مَا يَتَقَبَّلَانِهِ) ، مِنْ حَمْلِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ (فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَالْأُجْرَةُ) بَيْنَهُمَا (كَمَا شَرَطَا) ؛ لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتَ الضَّمَانَ فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَاهُ عَلَى أَيِّ ظَهْرٍ كَانَ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ، كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (أَنْ يَشْتَرِكَا فِي أُجْرَةِ عَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، أَوْ فِي أُجْرَةِ أَنْفُسِهِمَا إجَارَةٌ خَاصَّةً) ؛ كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَأْجِرُ: اسْتَأْجَرْتُ هَاتَيْنِ الدَّابَّتَيْنِ، أَوْ اسْتَأْجَرْتُكُمَا لِحَمْلِ هَذَا الْمَتَاعِ إلَى مَحِلِّ كَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَمْلِ فِي ذِمَّتَيْهِمَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُكْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، أَوْ مَنْفَعَةَ الْمُؤَجَّرَ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمَأْجُورِ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إنْسَانٍ، فَلَمْ يَتَأَتَّ ضَمَانٌ؛ فَلَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَيْهِ، (وَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أُجْرَةُ دَابَّتِهِ فِيمَا) إذَا أَجَّرَ عَيْنَ الدَّابَّتَيْنِ، (وَ) أُجْرَةُ (نَفْسِهِ) فِيمَا إذَا أَجَّرَا نَفْسَهُمَا؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ.
فَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ؛ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ طَامِعًا فِي عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
(وَتَصِحُّ شَرِكَةُ اثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا آلَةُ قِصَارَةٍ، وَلِآخَرَ بَيْتٌ، شَرِكَةَ) أَبْدَانٍ عَلَيْهِمَا، عَلَى أَنَّهُمَا (يَعْمَلَانِ) ؛ أَيْ: يُقَصِّرَانِ مَا يَتَقَبَّلَانِ عَمَلَهُ عَلَى عَمَلِهِمَا، وَالْعَمَلُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ، وَالْآلَةُ وَالْبَيْتُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ
فِي الْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ، فَصَارَا كَالدَّابَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَحْمِلَانِ عَلَيْهِمَا مَا يَتَقَبَّلَانِ حَمْلَهُ فِي ذِمَّتَيْهِمَا.
فَإِنْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ لِنَحْوِ جَهَالَةٍ؛ قُسِّمَ رِبْحُ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِمَا، أَوْ عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ الدَّارِ وَالْآلَةِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ قَدْ أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ، يَلْزَمُ تَوْزِيعُهُ عَلَيْهِمَا بِالْمُحَاصَّةِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا بِأَجْرٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا آلَةٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا بَيْتٌ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِالْآلَةِ أَوْ فِي الْبَيْتِ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا صَحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ (ثَلَاثَةٌ، لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ، وَلِآخَرَ رَاوِيَةٌ، وَثَالِثٌ يَعْمَلُ) بِالرَّاوِيَةِ عَلَى الدَّابَّةِ، عَلَى أَنْ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ.
(أَوْ أَرْبَعَةٌ، لِوَاحِدٍ دَابَّةٌ، وَلِآخَرَ رَحًى، وَلِثَالِثٍ دُكَّانٌ، وَرَابِعٌ يَعْمَلُ) الطَّحْنَ بِالدَّابَّةِ وَالرَّحَى فِي الدُّكَّانِ، وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَبَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشَارَكَةً وَلَا مُضَارَبَةً؛ لِكَوْنِهِمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا عُرُوضًا، وَلِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهِمَا عَوْدَ رَأْسِ الْمَالِ تَسْلِيمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسْتَوْفَى رَأْسُ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجَارَةً؛ لِافْتِقَارِهَا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ.
(وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مَا تَقَبَّلَهُ) مِنْ عَمَلٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَأْجَرُ لِحَمْلِ الْمَاءِ وَالطَّحْنِ، (وَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْعَامِلِ - (أُجْرَةُ آلَةِ رُفْقَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَقِيَاسُ نَصِّهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - فِي دَابَّةٍ يَدْفَعُهَا شَخْصٌ إلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا؛ (صِحَّتُهَا) ؛ أَيْ: مَسْأَلَةِ اشْتَرَاكِ الثَّلَاثَةِ، وَمِثْلُهَا اشْتِرَاكُ الْأَرْبَعَةِ، (وَاخْتَارَهُ) ؛ أَيْ: الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، (جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، (وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ") ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالرِّعَايَةِ " قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ مَا ذُكِرَ) ، مِنْ الدَّابَّةِ وَالرَّحَى وَالدُّكَّانِ وَالْعَامِلِ (لِلطَّحْنِ) ؛ أَيْ: لِطَحْنِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَأَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، (صَفْقَةً)
وَاحِدَةً؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ، (وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ (بِقَدْرِ قِيمَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ) ؛ أَيْ: تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَعْيَانِ الْمُؤَجَّرَةِ؛ كَتَوْزِيعِ الْمَهْرِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَرْبَعًا مِنْ النِّسَاءِ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، وَيَأْتِي.
(وَإِنَّ تَقَبَّلُوهُ) - أَيْ الطَّحْنَ الْأَرْبَعَةُ - وَهُمْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ، وَصَاحِبُ الرَّحَى، وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ، وَالْعَامِلُ، (فِي ذِمَمِهِمْ) ؛ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ إنْسَانٌ: اسْتَأْجَرْتُكُمْ لِطَحْنِ هَذَا الْقَمْحِ بِمِائَةٍ؛ فَقَبِلُوا؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ، (وَ) تَكُونُ (الْأُجْرَةُ) بَيْنَهُمْ (أَرْبَاعًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُؤَجَّرٌ لِطَحْنِ رُبْعِهِ بِرُبْعِ الْأُجْرَةِ، (وَيَرْجِعُ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى رُفْقَتِهِ) الثَّلَاثَةِ؛ (لِتَفَاوُتِ) قَدْرِ (الْعَمَلِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَجْرِ الْمِثْلِ) ، عَلَى وَاحِدٍ بِالرُّبْعِ، فَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ مِثْلِ الدَّابَّةِ أَرْبَعِينَ، وَالرَّحَى ثَلَاثِينَ، وَالدُّكَّانِ عِشْرِينَ، وَعَمَلِ الْعَامِلِ عَشَرَةً، فَإِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يَرْجِعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أُجْرَتِهَا - وَهِيَ ثَلَاثُونَ؛ - مَعَ رُبْعِ أُجْرَتِهَا الَّذِي لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى وَاحِدٍ - وَهُوَ عَشَرَةٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ أَرْبَعُونَ؛ وَيَرْجِعُ رَبُّ الرَّحَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَنِصْفٍ، مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ - فَيَكْمُلُ ثَلَاثُونَ.
وَيَرْجِعُ رَبُّ الدُّكَّانِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ خَمْسَةٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ عِشْرُونَ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ، مَعَ مَا لَا يَرْجِعُ بِهِ - وَهُوَ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ - فَيَكْمُلُ لَهُ عَشَرَةٌ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ وَهِيَ الْقَدْرُ الَّذِي اُسْتُؤْجِرُوا بِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ بِالرُّبْعِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ لَزِمَهُ رُبْعُ الطَّحْنِ بِمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَوْ تَوَلَّى أَحَدُهُمَا الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ؛ كَانَتْ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا لَهُ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُفْقَتِهِ أُجْرَةُ مَا كَانَ مِنْ جِهَتِهِ.
[فَرْعٌ شَرِكَةُ الدَّلَّالِينَ]
(فَرْعٌ: لَا تَصِحُّ شَرِكَةُ دَلَّالَيْنِ) ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ وَكَالَةٍ، وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ؛ كَأَجِّرْ دَابَّتَكَ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَنَا.
وَهَذَا فِي الدَّلَالَةِ الَّتِي فِيهَا عَقْدٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ.
قَالَ الشَّيْخُ
تَقِيُّ الدِّينِ: فَأَمَّا مُجَرَّدُ النِّدَاءِ وَالْعَرْضِ؛ أَيْ: عَرْضِ الْمَتَاعِ لِلْبَيْعِ، وَإِحْضَارِ الزُّبُونِ؛ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ.
وَقَالَ: وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْمَنْعُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، مِمَّا يَسُوعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
انْتَهَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا وَحَرَجًا، وَالِاخْتِلَافُ رَحْمَةٌ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا) تَصِحُّ شَرِكَةُ (فُقَرَاءَ فِي صَدَقَةٍ) ؛ لِفَقْدِ شَرْطِهَا، وَهُوَ الْوَكَالَةُ وَالضَّمَانُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (تَصِحُّ شَرِكَةُ شُهُودٍ) ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَقَالَ: لِلشَّاهِدِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ، إنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَقَالَ: وَلِلْحَاكِمِ إكْرَاهُهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: إنْ اشْتَرَكُوا عَلَى مَا حَصَّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ، بِحَيْثُ إذَا كَتَبَ أَحَدُهُمْ وَشَهِدَ شَارَكَهُ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ؛ فَهِيَ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ، تَجُوزُ حَيْثُ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ، وَأَمَّا حَيْثُ لَا تَجُوزُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ كَشَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ.
انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ لَا) تَصِحُّ شَرِكَةُ الشُّهُودِ، (لِأَنَّ الشَّرِكَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ) ، وَلَا وَكَالَةَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا عَلَى بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ، (وَالضَّمَانِ) ، وَلَا ضَمَانَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ بِذَلِكَ يَصِيرُ فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَقَدْ فُقِدَا) - أَيْ الْوَكَالَةُ وَالضَّمَانُ (هُنَا) - أَيْ فِي شَرِكَةِ الشُّهُودِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
لَكِنْ لَوْ تَقَبَّلَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ، مِنْ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، كِتَابَةً كَحُجَجٍ أَوْ دَفَاتِرَ مَعْلُومَةٍ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ شَرِكَةِ النَّسْخِ، وَهِيَ شَرِكَةُ أَبْدَانٍ.
(وَيَصِحُّ جَمْعٌ بَيْنَ شَرِكَةِ عَنَانٍ، وَأَبْدَانٍ، وَوُجُوهٍ، وَمُضَارَبَةٍ) ؛ لِصِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُفْرَدَةً، فَصَحَّتْ مَعَ غَيْرِهَا، (وَهِيَ) ؛ أَيْ: الْمُجَمَّعَةُ مِنْ شَرِكَةِ الْعَنَانِ وَالْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُضَارَبَةِ، تُسَمَّى (شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ) ، وَهَذَا هُوَ الضَّرْبُ الْخَامِسُ مِنْ أَضْرُبِ الشَّرِكَةِ، (وَهِيَ) فِي اللُّغَةِ: الِاشْتِرَاكُ فِي شَيْءٍ؛ وَفِي الشَّرْعِ (قِسْمَانِ) : أَحَدُهُمَا (صَحِيحٌ، وَهُوَ) نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ (تَفْوِيضُ كُلٍّ) مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (إلَى صَاحِبِهِ شِرَاءً أَوْ بَيْعًا فِي الذِّمَّةِ، وَمُضَارَبَةً، وَتَوْكِيلًا، وَمُسَافَرَةً بِالْمَالِ، وَارْتِهَانًا، وَضَمَانَ) ؛ أَيْ: تَقَبُّلَ (مَا يَرَى مِنْ الْأَعْمَالِ) ؛ كَخِيَاطَةٍ وَحِدَادَةٍ وَقِصَارَةٍ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ شَرِكَةِ الْعَنَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْأَبْدَانِ، وَجَمِيعُهَا مَنْصُوصٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَشْتَرِكَانِ فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا، إنْ لَمْ يُدْخِلَا) فِي ذَلِكَ (كَسْبًا نَادِرًا) ، أَوْ يُدْخِلَا فِيهَا (غَرَامَةً) ، فَتَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ أَضْرُبِ الشَّرِكَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
(وَقِسْمٌ فَاسِدٌ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَا) فِي الشَّرِكَةِ (كَسْبًا نَادِرًا؛ كَوِجْدَانِ لُقَطَةٍ، أَوْ دُكَّانٍ.
أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَحْصُلُ مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ) يُدْخِلَا فِيهَا (مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ وَعَارِيَّةٍ) .
(وَ) لَزِمَ (مَهْرٌ) بِوَطْءٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ
الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ فِيهِ مَا لَا يَقْدِرُ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي هَذَا الْقِسْمِ (مَا يَسْتَفِيدُهُ، وَلَهُ رِبْحُ مَالِهِ، وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ) ، لَا يُشْرِكُ فِيهِ غَيْرَهُ؛ لِفَسَادِ الشَّرِكَةِ.
(وَيَخْتَصُّ) كُلٌّ مِنْهُمَا (بِضَمَانِ مَا غَصَبَهُ أَوْ جَنَاهُ أَوْ ضَمِنَهُ عَنْ الْغَيْرِ) ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
الْمُسَاقَاةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ أَمْرِهَا بِالْحِجَازِ، وَكَانَتْ النَّخْلُ بِالْحِجَازِ تُسْقَى نَضْحًا - أَيْ مِنْ الْآبَارِ - فَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَتَكْثُرُ مَشَقَّتُهُ وَهِيَ: (دَفْعُ أَرْضٍ وَشَجَرٍ مَغْرُوسٍ، مَعْلُومٍ) لِلْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ) لَهُمَا.
فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ مِنْهُمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ، كَبَيْعِ مَا لَا تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ بِالْوَصْفِ.
(بَعْلًا) ، وَهُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، أَوْ (سَقْيًا) وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ، كَدِعَايَتِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ.
(لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ) - أَيْ عَلَى الشَّجَرِ وَيَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ، مِنْ ثَمَرِهِ النَّامِي) بِعَمَلِهِ الْمُتَكَرِّرِ كُلَّ عَامٍ؛ كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالرُّمَّانِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالزَّيْتُونِ؛ فَلَا تَصِحُّ عَلَى مَا يَتَكَرَّرُ حَمْلُهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ؛ كَالْقُطْنِ وَالْمَقَاثِي وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " وَغَيْرُهُ: لَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مَا لَا سَاقَ لَهُ.
وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَرْطِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ