مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهىصفحات 528-567
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 528-567
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرحيباني
الكتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
المؤلف
مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)
الناشر
المكتب الإسلامي
الطبعة
الثانية، 1415هـ - 1994م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لِأَجْلِ الْوَصِيَّةِ (وَاضْرِبْهُ) ؛ أَيْ: الْمُجْتَمِعَ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَثُلُثٌ (فِي ثَلَاثَةٍ) الَّتِي هِيَ الْمَخْرَجُ (يَكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) سَهْمًا (لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُوصَى لَهُ (سَهْمٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةٌ) وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَالُ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْصِبَاءٍ وَوَصِيَّةٌ، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ نَصِيبٌ إلَّا رُبُعَ الْمَالِ الْبَاقِي بَعْدَهَا، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ نَصِيبٍ، فَيَبْقَى رُبُعُ نَصِيبٍ وَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَرُبُعٌ، فَأَلْقِ مِنْ وَاحِدٍ رُبُعَهَا وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، يَبْقَى رُبُعٌ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، زِدْهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ يَبْلُغُ ثَلَاثَةً وَرُبُعًا، وَهُوَ الْمَالُ، فَابْسُطْ الْكُلَّ أَرْبَاعًا لِيَزُولَ الْكَسْرُ يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، لِلْوَصِيَّةِ وَاحِدٌ وَلِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةٌ، وَفِي أَكْثَرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصُّوَرِ طُرُقٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَقَدْ أَطَالَ الْأَصْحَابُ وَالْفَرْضِيُّونَ وَالْحُسَّابُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَظَائِرِهَا، وَوَضَعُوا لَهَا كُتُبًا أَفْرَدُوهَا فِي هَذَا الْفَنِّ قَصْدًا لِلتَّمْرِينِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

[بَابُ الْمُوصَى إلَيْهِ]

(بَابُ الْمُوصَى إلَيْهِ) (الْمُوصَى إلَيْهِ) : وَهُوَ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(الدُّخُولُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَوِيِّ عَلَيْهَا قُرْبَةٌ) مَنْدُوبَةٌ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ أَوْصَى إلَى عُمَرَ.
وَأَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سِتَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: مِنْهُمْ، عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَلِأَنَّهُ مَعُونَةٌ لِلْمُسْلِمِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا.
أَخْرَجَهُ

الْبُخَارِيُّ (وَتَرْكُهُ) ؛ أَيْ: الدُّخُولِ فِي الْوَصِيَّةِ (أَوْلَى) لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ، وَهُوَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا (فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ) إذْ الْغَالِبُ فِيهَا الْعَطَبُ وَقِلَّةُ السَّلَامَةِ، لَكِنْ رَدَّ الْحَارِثِيُّ ذَلِكَ، وَقَالَ: الْوَصِيَّةُ إمَّا وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَأَوْلَوِيَّةُ تَرْكِ الدُّخُولِ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِهَا.
قَالَ: فَالدُّخُولُ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِيمَا هُوَ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ، إمَّا لِعَدَمِ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ وَجَلْبِ الْمَصْلَحَةِ.

(وَتَصِحُّ) وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ (إلَى) كُلِّ (مُسْلِمٍ) لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَلِي مُسْلِمًا (مُكَلَّفٍ) فَلَا تَصِحُّ إلَى طِفْلٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا أَبْلَهٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَأَهَّلُونَ إلَى تَصَرُّفٍ أَوْ وِلَايَةٍ (رَشِيدٍ) فَلَا تَصِحُّ إلَى سَفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ (عَدْلٍ) إجْمَاعًا (وَلَوْ) كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ (مَسْتُورًا) ؛ أَيْ: ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، (أَوْ) كَانَ (عَاجِزًا وَيُضَمُّ) إلَيْهِ (قَوِيٌّ أَمِينٌ أَوْ) كَانَ الْمُوصَى إلَيْهِ (أُمَّ وَلَدٍ أَوْ قِنًّا وَلَوْ) كَانَا (لِمُوصٍ) لِصِحَّةِ اسْتِنَابَتِهِمَا فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَا الْحُرَّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ» . وَالرِّعَايَةُ وِلَايَةٌ فَوَجَبَ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ، وَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعَدَالَةِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَيَاةِ فَتَأَهَّلَ لِلْإِسْنَادِ إلَيْهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَلِي عَلَى ابْنِهِ؛ فَلَا أَثَرَ لَهُ بِدَلِيلِ الْمَرْأَةِ، وَكَوْنُ عَبْدِ الْغَيْرِ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِ، لَا أَثَرَ لَهُ أَيْضًا بِدَلِيلِ تَوَقُّفِ التَّنْفِيذِ لِلْقَدْرِ [الْمُجَاوِزِ] لِلثُّلُثِ عَلَى إذْنِ الْوَارِثِ (وَيَقْبَلُ) الْقِنُّ وَأُمُّ الْوَلَدِ إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُوصٍ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَفِعْلُ مَا وُصِّيَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ.

وَكَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى مَنْ ذُكِرَ تَصِحُّ (مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ لَيْسَتْ تَرِكَتُهُ نَحْوَ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) وَنَحْوَهُمَا كَسِرْجِينٍ نَجِسٍ، (وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (مِنْ كَافِرٍ إلَى) كَافِرٍ (عَدْلٍ فِي دِينِهِ) لِأَنَّهُ يَلِي عَلَى غَيْرِهِ بِالنَّسَبِ، فَيَلِي بِالْوَصِيَّةِ كَالْمُسْلِمِ (وَتُعْتَبَرُ) هَذِهِ (الصِّفَاتُ) الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ وَالرُّشْدِ وَالْعَدَالَةِ (حِينَ مَوْتِ) مُوصٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَمْلِكُ الْمُوصَى إلَيْهِ التَّصَرُّفَ بِالْإِيصَاءِ (وَ) يُعْتَبَرُ

وُجُودُهَا حِينَ (وَصِيَّةِ) مُوصٍ؛ لِأَنَّهَا شُرُوطٌ لِصِحَّتِهَا، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهَا حَالَهَا (فَإِنْ تَغَيَّرَتْ) هَذِهِ الصِّفَاتُ (بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ عَادَتْ قَبْلَ مَوْتِ) مُوصٍ (عَادَ) الْمُوصَى إلَيْهِ (لِعَمَلِهِ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَ (لَا) يَعُودُ مُوصًى إلَيْهِ إلَى الْوَصِيَّةِ (إنْ) زَالَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِوُجُودِ الْمُنَافِي، أَوْ زَالَتْ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَ (لَمْ تَعُدْ قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْتِ؛ لِانْعِزَالِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِزَوَالِ الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِصِحَّتِهَا (وَيَصِحُّ قَبُولُ وَصِيَّةٍ فِي حَيَاةِ مُوصٍ) لِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكَالَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ قَبْلَهُ، (وَ) يَصِحُّ الْقَبُولُ أَيْضًا (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ، فَصَحَّ قَبُولُهُ إذَنْ كَوَصِيَّةِ الْمَالِ (فَمَتَى قَبِلَ) مُوصًى إلَيْهِ (صَارَ وَصِيًّا) قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَقُومُ فِعْلُ التَّصَرُّفِ مَقَامَ اللَّفْظِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ.
قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ

(وَتَنْعَقِدُ) الْوَصِيَّةُ إلَى شَخْصٍ (بِ) قَوْلِ مُوصٍ: (فَوَّضْت) إلَيْك كَذَا (أَوْ وَصَّيْت إلَيْك بِكَذَا) أَوْ وَصَّيْت إلَى زَيْدٍ بِكَذَا (أَوْ أَنْتَ) وَصِيِّي، أَوْ زَيْدٌ وَصِيِّي فِي كَذَا (أَوْ جَعَلْتُك) أَوْ جَعَلْت زَيْدًا (وَصِيِّي) عَلَى كَذَا.

(وَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (إلَى فَاسِقٍ أَوْ) إلَى (صَبِيٍّ وَلَوْ مُرَاهِقًا أَوْ) إلَى (سَفِيهٍ أَوْ) إلَى (مَجْنُونٍ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَالْأَمَانَةِ (أَوْ إلَى كَافِرٍ مِنْ مُسْلِمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا نَظَرَ لِحَاكِمٍ مَعَ وَصِيٍّ خَاصٍّ كُفُؤٍ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقْطَعُ نَظَرَ الْحَاكِمِ، لَكِنْ لَهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ.

(وَمَنْ نَصَبَ وَصِيًّا، وَنَصَبَ عَلَيْهِ نَاظِرًا؛ يَرْجِعُ الْوَصِيُّ لِرَأْيِهِ وَلَا يَتَصَرَّفُ) الْوَصِيُّ (إلَّا بِإِذْنِهِ جَازَ) فَإِنْ خَالَفَ؛ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ (وَإِنْ حَدَثَ عَجْزٌ) لِمُوصًى إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ (لِضَعْفٍ أَوْ عِلَّةٍ) كَعَمًى (أَوْ كَثْرَةِ عَمَلٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَشُقُّ مَعَهُ الْعَمَلُ (وَجَبَ ضَمُّ أَمِينٍ) إلَيْهِ

لِيَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِ الْمُوصَى إلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا تَعَطَّلَ الْحَالُ، وَحَيْثُ ضُمَّ الْأَمِينُ إلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ مُنْفَرِدًا (وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَصِيُّ فَقَطْ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ، وَلَمْ يَنْعَزِلْ إجْمَاعًا.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (لِمُنْتَظِرِ) أَهْلِيَّتِهِ (كَ) أَنْ يُوصِيَ إلَى صَغِيرٍ بِأَنْ يَكُونَ وَصِيًّا (إذَا بَلَغَ، أَوْ) وَصَّى إلَى غَائِبٍ لِيَكُونَ وَصِيًّا إذَا (حَضَرَ) مِنْ غَيْبَتِهِ، (أَوْ) وَصَّى إلَى سَفِيهٍ إذَا (رَشِدَ أَوْ) إلَى فَاسِقٍ إذَا (تَابَ مِنْ فِسْقِهِ، أَوْ) إلَى مَرِيضٍ إذَا (صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ إذَا صَالَحَ أُمَّهُ) عَمَّا تَدَّعِيهِ، أَوْ إلَى كَافِرٍ إذَا أَسْلَمَ، (أَوْ) يُوصِيَ إلَى شَخْصٍ، وَيَقُولَ: (إنْ مَاتَ الْوَصِيُّ فَزَيْدٌ وَصِيٌّ) بِذَلِكَ (أَوْ) يَقُولَ: (زَيْدٌ وَصِيٌّ سَنَةً ثُمَّ عَمْرو) وَصِيٌّ بَعْدَهَا، فَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك، فَإِذَا بَلَغَ ابْنِي فَهُوَ وَصِيِّي؛ صَحَّ ذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغَ ابْنُهُ صَارَ وَصِيَّهُ، وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك، فَإِذَا تَابَ ابْنِي مِنْ فِسْقِهِ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، أَوْ صَالَحَ أُمَّهُ عَنْ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ، أَوْ رَشِدَ، فَهُوَ وَصِيِّي؛ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَيَصِيرُ الْمَذْكُورُ وَصِيًّا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . وَالْوَصِيَّةُ كَالتَّأْمِيرِ (وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ: (الْخَلِيفَةُ بَعْدِي فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُهُ فَ) الْخَلِيفَةُ بَعْدِي (فُلَانٌ؛ صَحَّ) عَلَى مَا قَالَ (وَكَذَا فِي ثَالِثٍ وَرَابِعٍ) قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (لِلثَّانِي إنْ قَالَ) الْإِمَامُ: (فُلَانٌ وَلِيُّ عَهْدِي، فَإِنْ وَلِيَ ثُمَّ مَاتَ، فَفُلَانٌ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا وَلِيَ صَارَ الِاخْتِيَارُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ، فَالْعَهْدُ إلَيْهِ فِيمَنْ يَرَاهُ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا جَعَلَ الْعَهْدَ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَتَغَيُّرُ صِفَاتِهِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَعْهُودِ إلَيْهِ فِيهَا إمَامَةٌ (وَإِنْ عَلَّقَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وِلَايَةَ حُكْمٍ أَوْ) إمَارَةً أَوْ وِلَايَةَ (وَظِيفَةٍ بِشَرْطِ شُغُورِهَا) ؛ أَيْ: تَعَطُّلِهَا (أَوْ غَيْرَهُ) كَمَوْتِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (فَلَمْ يُوجَدْ) الشَّرْطُ (حَتَّى أَقَامَ وَلِيُّ أَمْرٍ) غَيْرَهُ مَقَامَهُ (صَارَ الِاخْتِيَارُ لَهُ) ؛ أَيْ: لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْأَوَّلِ بَطَلَ بِمَوْتِهِ؛ كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقًا

أَوْ طَلَاقًا بِشَرْطٍ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ؛ فَتَبْطُلُ تَصَرُّفَاتُهُ

(وَمَنْ وَصَّى زَيْدًا) عَلَى أَوْلَادِهِ وَنَحْوَهُ (ثُمَّ) وَصَّى (عَمْرًا؛ اشْتَرَكَا) كَمَا لَوْ وَكَّلَهُمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَاسْتَوَيَا فِيهَا، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً (إلَّا أَنْ يَخْرُجَ زَيْدًا) فَتَبْطُلَ وَصِيَّتُهُ لِلرُّجُوعِ عَنْهَا (وَلَا يَنْفَرِدُ بِتَصَرُّفٍ وَحِفْظٍ غَيْرُ وَصِيٍّ مُفْرَدٍ) عَنْ غَيْرِهِ، كَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِتَصَرُّفِهِمَا، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْمُوصِي التَّصَرُّفَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ جَعَلَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلَهُ الِانْفِرَادُ حِينَئِذٍ؛ لِرِضَى الْمُوصِي بِذَلِكَ، أَوْ يَجْعَلَ التَّصَرُّفَ لِأَحَدِهِمَا وَالْيَدَ لِلْآخَرِ؛ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ مُنْفَرِدًا، عَمَلًا بِالْوَصِيَّةِ، وَإِذَا أَرَادَ التَّصَرُّفَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاجْتِمَاعِهِمَا أَنْ يَتَلَفَّظَا بِصِيَغِ الْعُقُودِ مَعًا (بَلْ) مَعْنَاهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ (يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِمَا) وَاجْتِهَادِهِمَا، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ أَحَدُهُمَا التَّصَرُّفَ وَحْدَهُ أَوْ يُبَاشِرَهُ الْغَيْرُ بِإِذْنِهِمَا (وَلَوْ لَمْ يُوَكِّلْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْ مَعَهُ) وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَّفِقَا (وَإِنْ جَعَلَ) الْمُوصِي (لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَصَرُّفٍ) أَوْ جَعَلَ التَّصَرُّفَ لِأَحَدِهِمَا (كَفَى وَاحِدٌ) مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا (وَلَا يُوصِي وَصِيٌّ) لِأَنَّهُ قَصَّرَ تَوْلِيَتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ كَالْوَكِيلِ، وَسَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ [لَهُ] أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ فَقَطْ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَمْرَاضُ الْمُعْتَادَةُ كَالرَّمَدِ وَالْحُمَّى تَلْتَحِقُ بِنَوْعِ مَا لَا يُبَاشِرُهُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَالْفَالِجِ وَغَيْرِهِ يَلْتَحِقُ بِنَوْعِ مَا يُبَاشِرُهُ، (إلَّا أَنْ يَجْعَلَ) الْمُوصَى (إلَيْهِ) ذَلِكَ، فَيَمْلِكُهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ لِوَصِيِّهِ: أَذِنْت لَك أَنْ تُوصِيَ لِمَنْ شِئْت، أَوْ يَقُولَ: كُلُّ مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ أَنْتَ فَقَدْ أَوْصَيْت أَنَا إلَيْهِ، أَوْ يَقُولَ: كُلُّ مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ أَنْتَ فَهُوَ وَصِيِّي؛ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ رَضِيَ رَأْيَهُ وَرَأْيَ مَنْ يَرَاهُ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَانَ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ اثْنَيْنِ) وَصِيَّيْنِ (لَا يَنْفَرِدَانِ) إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُوصِي جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ (بِالتَّصَرُّفِ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُهُ) ؛ أَيْ: أَحَدِهِمَا بِأَنْ جُنَّ أَوْ غَابَ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عَزْلُهُ، كَسَفَهٍ وَعَزْلِهِ نَفْسَهُ (أَوْ مَاتَا هُمَا) ؛

أَيْ: الْوَصِيَّانِ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُهُمَا (أُقِيمَ) ؛ أَيْ: أَقَامَ الْحَاكِمُ (مَقَامَهُ) فِي الْأُولَى أَمِينًا لِيَتَصَرَّفَ مَعَ الْآخَرِ (أَوْ) أَقَامَ (مَقَامَهُمَا) فِي الثَّانِيَةِ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الْحَالُ (وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ اكْتِفَاءٌ بِبَاقٍ) مِنْ الْوَصِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَكْتَفِ بِأَحَدِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ؛ إذْ الْوَصِيَّةُ تَقْطَعُ نَظَرَ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادَهُ (وَمَنْ عَادَ إلَى حَالِهِ مِنْ عَدَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) بَعْدَ تَغَيُّرِهِ (عَادَ إلَى عَمَلِهِ) مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ وَلَوْ (بَعْدَ عَزْلِهِ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ (بِلَا عَقْدٍ جَدِيدٍ، خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ زَالَتْ؛ أَيْ: الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ وَالرُّشْدِ وَالْعَدَالَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ تَعُدْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ انْعَزَلَ، وَلَمْ تَعُدْ وَصِيَّتُهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
(وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ (هَذَا) ؛ أَيْ: الْمُتَغَيِّرُ حَالُهُ أَنَّهُ [إذَا] عَادَ يَعُودُ إلَى عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ (فِي وَصِيِّ الْمَيِّتِ) الَّذِي رَضِيَ بِهِ وَصِيًّا، وَأَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ عَوْدُهُ لِتَجْدِيدِ عَقْدٍ، كَالْأَبِ إذَا فَسَقَ تَعُودُ وِلَايَتُهُ بِعَوْدِ الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَنْ سَبَبِ الْأُبُوَّةِ وَهُوَ ثَابِتٌ (لَا مَنْ أَقَامَهُ حَاكِمٌ) فَتَغَيَّرَ حَالُهُ، ثُمَّ عَادَ؛ فَلَا يَعُودُ إلَى عَمَلِهِ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ سَبَبُهَا تَوْلِيَةُ الْحَاكِمِ، وَقَدْ بَطَلَ السَّبَبُ، فَلَا بُدَّ فِي الْعَوْدِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، ثُمَّ مَا تَصَرَّفَ بَعْدَ الْبُطْلَانِ مَرْدُودٌ لِصُدُورِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، لَكِنَّ رَدَّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيِّ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ الَّتِي جِنْسُهَا فِي التَّرِكَةِ، تَقَعُ مَوْقِعَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وُصُولُهَا إلَى أَهْلِهَا، وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ، وَإِذَا أُعِيدَ وَكَانَ أَتْلَفَ مَالًا؛ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ بَرَاءَتُهُ بِالْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِلْأَبِ، وَقَدْ نَصَّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي النِّكَاحِ.
وَقَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَصَحَّ قَبُولُ وَصِيٍّ) الْإِيصَاءَ إلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكَالَةِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ قَبْلَهُ، وَيَصِحُّ الْقَبُولُ أَيْضًا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ وَصِيَّةٍ، فَصَحَّ قَبُولُهَا إذَنْ كَوَصِيَّةِ الْمَالِ.

(وَ) لِلْوَصِيِّ (عَزْلُ نَفْسِهِ) مَتَى شَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ (فِي حَيَاةِ مُوصٍ وَبَعْدَ مَوْتِهِ) وَفِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السِّتِّينَ: أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبُولِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا يَعُودُ) مَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ (وَصِيًّا بِلَا عَقْدٍ) جَدِيدٍ؛ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْوِصَايَةِ بِاخْتِيَارِهِ، كَالْوَكِيلِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ هُنَا تَرَكَ حَقَّهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، فَافْتَقَرَ عَوْدُهُ إلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمُوصِي إنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ الْحَاكِمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُوصِي، وَأَمَّا هُنَاكَ فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنْ تَعَاطِي الْوِصَايَةِ لِطُرُوِّ تَغَيُّرِ حَالِهِ؛ حِفْظًا لِلْأَمْوَالِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ إلَى إيصَائِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلِمُوصٍ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ) كَالْمُوَكَّلِ.
تَتِمَّةٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُوصِي أَوْ الْحَاكِمُ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا مَعْلُومًا كَالْوَكَالَةِ، وَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ نَافِذَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِمْ، بِخِلَافِ مُقَاسَمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا عَنْهُ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.

[فَصْلٌ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ]

(فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (إلَّا فِي) تَصَرُّفٍ (مَعْلُومٍ) لِيَعْلَمَ الْوَصِيُّ مَا وَصَّى بِهِ إلَيْهِ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا أَمَرَ (يَمْلِكُ) الْمُوصِي (فِعْلَهُ) ؛ أَيْ: مَا وَصَّى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، وَالْوَصِيُّ فَرْعُهُ، وَلَا يَمْلِكُ الْفَرْعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَصْلُ (كَإِمَامٍ) أَعْظَمَ يُوصِي (بِخِلَافَةٍ) كَمَا وَصَّى أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ، وَعَهِدَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ الشُّورَى، (وَكَ) أَنْ يُوصِيَ مَدِينٌ فِي (قَضَاءِ دَيْنٍ) عَلَيْهِ (وَ) كَالْوَصِيَّةِ فِي (تَفْرِيقِ وَصِيَّةٍ وَرَدِّ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ) وَعَارِيَّةٍ (وَنَظَرٍ فِي أَمْرِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) رَشِيدٍ مِنْ طِفْلٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ (وَحَدِّ قَذْفٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ؛ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا فِي مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ الْمُوصِي كَالْوَكَالَةِ وَ (يَسْتَوْفِيهِ لِنَفْسِهِ) ؛ أَيْ: لِلْمُوصِي نَفْسِهِ (لَا لِمُوصًى إلَيْهِ) لِأَنَّ الْمُوصِيَ يَمْلِكُ فِعْلَ ذَلِكَ، فَمَلَكَهُ وَصِيُّهُ كَوَكِيلِهِ.
وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ (بِتَزْوِيجِ مَوْلَيَاتِهِ) كَبَنَاتِهِ وَلَوْ كُنَّ دُونَ تِسْعٍ (وَيَقُومُ وَصِيٌّ مَقَامَهُ) ؛ أَيْ: مَقَامَ الْمُوصِي (فِي الْإِجْبَارِ) كَالْأَبِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ كَوَكِيلِهِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ أَرْكَانِ النِّكَاحِ مُفَصَّلًا.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ قَضَاءُ الدَّيْنِ إلَّا إذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ إذْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَلَا مُدَّعِي الدَّيْنِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ غَيْرَ مَا يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالنَّظَرِ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَإِذَا كَانَ الْمُوصِي ذَا وِلَايَةٍ عَلَيْهِمْ فِي الْمَالِ كَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ مِنْهُمْ؛ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ فِيمَنْ يَنْظُرُ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَيَتَصَرَّفَ لَهُمْ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ؛ لِقِيَامِ وَصِيِّهِ مَقَامَهُ.

وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ (الْمَرْأَةِ عَلَى أَوْلَادِهَا وَلَا) مِنْ الْمُوصِي عَلَى (مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ) كَالْعُقَلَاءِ الرَّشِيدِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَ (كَأَوْلَادِ ابْنِهِ) وَغَيْرِهِمْ كَإِخْوَتِهِ مُطْلَقًا وَأَعْمَامِهِ وَبَنِيهِمْ، وَبَنَاتِهِمْ كَذَلِكَ وَسَائِرُ مَنْ عَدَا أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ؛ إذْ لَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْأَبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ مَعَ رُشْدِ وَارِثِهِ وَلَوْ مَعَ غَيْبَتِهِ) ؛ أَيْ:

الْوَارِثِ؛ لِانْتِقَالِ الْمَالِ إلَى مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِاسْتِيفَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِالْمَعْرُوفِ فِي ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ؛ فَمِنْ مَالِ الْيَتِيمِ انْتَهَى، وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ.

(وَمَنْ وَصَّى فِي) فِعْلِ (شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِإِذْنِ مُوصِيهِ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ وَصَّى إلَيْهِ فِي تَرِكَتِهِ وَأَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ؛ فَهَذَا وَصِيٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، يَبِيعُ وَيَشْتَرِي إذَا كَانَ نَاظِرًا لَهُمْ، وَإِنْ خَصَّصَهُمَا بِشَيْءٍ لَمْ يَتَعَدَّهُ (كَوَصِيَّتِهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ) فَلَهُ فِعْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ (أَوْ) وَصِيَّتِهِ (بِقَضَاءِ دَيْنِهِ أَوْ) بِ (النَّظَرِ إلَى أَمْرِ أَطْفَالِهِ) أَوْ تَزْوِيجِهِمْ، فَلَا يَتَجَاوَزُهُ، وَإِنْ جَعَلَ الْمُوصِي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَصِيًّا؛ جَازَ عَلَى مَا قَالَ، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا جَعَلَ الْمُوصِي إلَيْهِ خَاصَّةً (وَمَنْ وَصَّى) إلَيْهِ (بِتَفْرِيقِ ثُلُثٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ) عَلَى الْمَيِّتِ (فَأَبَى وَرَثَةٌ) إخْرَاجَ ثُلُثِ مَا بِأَيْدِيهِمْ (أَوْ جَحَدُوا) الدَّيْنَ (وَتَعَذَّرَ ثُبُوتُهُ قَضَى) الْمُوصَى إلَيْهِ (الدَّيْنَ بَاطِنًا) بِلَا عِلْمِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ حَاكِمٌ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إنْفَاذِ مَا وُصِّيَ إلَيْهِ بِفِعْلِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَجْحَدْهُ الْوَرَثَةُ، وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ إلَّا بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ (وَأَخْرَجَ) الْمُوصَى إلَيْهِ (بَقِيَّةَ الثُّلُثِ) الْمُوصَى إلَيْهِ بِتَفْرِقَتِهِ (مِمَّا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُمْ بِالثُّلُثِ مُتَعَلِّقٌ بِأَجْزَاءِ التَّرِكَةِ، وَحَقَّ الْوَرَثَةِ مُؤَخَّرٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا وَدَفْعُهَا لِأَرْبَابِهَا (عَمَّا فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ) وَمَحَلُّ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى الْوَصِيِّ (إنْ لَمْ يَخَفْ تَبَعَةً) ؛ أَيْ: رُجُوعَ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ الْوَصِيَّةِ وَيُنْكِرُونَهُمَا - وَلَا بَيِّنَةَ بِهِمَا - فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِلْعُذْرِ (وَإِنْ فَرَّقَهُ) ؛ أَيْ: الثُّلُثَ مُوصًى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِهِ (ثُمَّ ظَهَرَ) عَلَى مُوصٍ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) ؛ أَيْ: الثُّلُثَ؛ لِاسْتِغْرَاقِهِ جَمِيعَ الْمَالِ؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ رَبَّ الدَّيْنِ (أَوْ جَهِلَ مُوصًى لَهُ) بِالثُّلُثِ كَقَوْلِهِ: أَعْطُوا ثُلُثَيْ قَرَابَتِي فُلَانٍ، فَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَرِيبٌ بِهَذَا

الِاسْمِ (فَتَصَدَّقَ هُوَ) ؛ أَيْ: الْوَصِيُّ بِهِ (أَوْ) تَصَدَّقَ (حَاكِمٌ بِهِ) ؛ أَيْ: الثُّلُثِ (ثُمَّ ثَبَتَ) الْمُوصَى لَهُ (لَمْ يَضْمَنْ) مُوصًى إلَيْهِ وَلَا حَاكِمٌ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ عَلَى قَابِضٍ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَوَفَّى بِهِ الدَّيْنَ، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ بَحْثًا.

(وَيَبْرَأُ مَدِينٌ) لِمَيِّتٍ (بِدَفْعِ) مَا لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِ (لِوَارِثٍ وَوَصِيٍّ مَعًا) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَ) يَبْرَأُ مَدِينٌ بَاطِنًا (بِقَضَاءِ دَيْنٍ) عَنْ مَيِّتٍ (يَعْلَمُهُ عَلَى الْمَيِّتِ) فَيَسْقُطُ مِمَّا عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا قَضَاهُ عَنْ الْمَيِّتِ، كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى الْوَصِيِّ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَدَفَعَهُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا سِوَى تَوَسُّطِ الْوَصِيِّ بَيْنَهُمَا (وَلِمَدِينٍ) وَصَّى غَرِيمُهُ بِدَيْنِهِ لِغَيْرِهِ (دَفْعُ دَيْنٍ مُوصًى بِهِ لِمُعَيَّنٍ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُعَيَّنِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ بِلَا حُضُورِ وَرَثَةٍ وَوَصِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، (وَ) لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ (إلَى الْوَصِيِّ) ؛ أَيْ: وَصِيِّ الْمَيِّتِ فِي تَنْفِيذِ وَصَايَاهُ، وَيَبْرَأُ بِذَلِكَ؛ لِدَفْعِهِ إلَى مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ دَفَعَهُ لِلْوَصِيِّ لِيُفَرِّقَهُ عَلَيْهِمْ (وَإِنْ صَرَفَ أَجْنَبِيٌّ) ؛ أَيْ: مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَلَا وَصِيٍّ (الْمُوصَى بِهِ لِمُعَيَّنٍ فِي جِهَتِهِ) الْمُوصَى بِهِ فِيهَا (لَمْ يَضْمَنْهُ) لِمُصَادِفَتِهِ الصَّرْفَ فِي مُسْتَحَقِّهِ؛ كَمَا لَوْ دَفَعَ وَدِيعَةً إلَى رَبِّهَا بِلَا إذْنِ مُودِعٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُوصَى بِهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ إذَا صَرَفَهُ الْأَجْنَبِيُّ فِي جِهَتِهِ؛ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقًّا، وَلَا نَظَرَ لِلدَّافِعِ فِي تَعْيِينِهِ.

(وَإِنْ) أَقَامَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهِمَا بَيِّنَةً فَ (شَهِدَتْ) تِلْكَ الـ (بَيِّنَةُ بِحَقٍّ) عِنْدَ الْوَصِيِّ (لَمْ يُشْتَرَطْ حَاكِمٌ، وَكَفَتْ) الشَّهَادَةُ (عَنْ وَصِيٍّ) وَلَهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لَهُ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَقَطْعًا لِلتُّهْمَةِ (وَإِنْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ عَيْنَهُ) بِأَنْ قَالَ: أَعْطُوا زَيْدًا (دَيْنًا) يَدَّعِيهِ (بِيَمِينِهِ نَفَّذَهُ) الْوَصِيُّ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِإِمْكَانِ أَنْ يَعْلَمَ الْمُوصِي بِالدَّيْنِ، وَلَا يَعْلَمَ قَدْرَهُ، وَيُرِيدُ خَلَاصَ نَفْسِهِ مِنْهُ (وَإِنْ وَصَّى إلَيْهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَقْدِرُ، (أَوْ) بِحَفْرِ بِئْرٍ (فِي السَّبِيلِ فَقَالَ: لَا أَقْدِرُ، فَقَالَ) لَهُ (الْمُوصِي: افْعَلْ مَا تَرَى، لَمْ تُحْفَرْ بِدَارِ قَوْمٍ لَا بِئْرَ لَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِهِمْ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْوَصِيَّةِ حَفْرُهَا بِمَوْضِعٍ يَعُمُّ نَفْعُهُ (وَ) إنْ وَصَّى (بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فَلَمْ يَجِدْ) الْوَصِيُّ (عَرْصَتَهُ) ؛ أَيْ: أَرْضًا يَبْنِيهَا مَسْجِدًا (لَمْ يَجُزْ شِرَاءُ عَرْصَةٍ يَزِيدُهَا بِمَسْجِدٍ صَغِيرٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لِمَا أُمِرَ بِهِ، (وَ) لَوْ وَصَّى (بِدَفْعِ هَذَا لِيَتَامَى) بَنِي (فُلَانٍ فَإِقْرَارٌ بِقَرِينَةٍ، وَإِلَّا) تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ (فَ) هُوَ (وَصِيَّةٌ) لَهُمْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَ) إنْ قَالَ لِوَصِيِّهِ (ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْت، أَوْ أَعْطِهِ) لِمَنْ شِئْت (أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى مَنْ شِئْت؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ) ؛ أَيْ: الثُّلُثِ لِنَفْسِهِ وَلَا دَفْعُهُ إلَى وَلَدِهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمَسَاكِينِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ؛ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، إنَّمَا أَمَرَهُ بِتَنْفِيذِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَالْحَنَفِيَّةُ وَأَحَدُ احْتِمَالَيْ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا؛ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا وَلَدِهِ (وَلَا) يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَيْضًا (دَفْعُهُ) ؛ أَيْ: الثُّلُثِ (لِأَقَارِبِهِ) ؛ أَيْ: الْوَصِيِّ (الْوَارِثِينَ لَهُ وَلَوْ) كَانُوا (فُقَرَاءَ) نَصًّا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ، (وَلَا) يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَيْضًا دَفْعُ الثُّلُثِ (لِوَرَثَةِ مُوصٍ) لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهِ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى وَرَثَتِهِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبُ الْمَيِّتِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الدَّفْعُ إلَى مَنْ لَا يَدْفَعُ الْمُسْتَنِيبُ إلَيْهِ.

[تَتِمَّةٌ قَالَ اصْنَعْ فِي مَالِي مَا شِئْت أوافعل بِهِ مَا شِئْت]

تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَالَ: اصْنَعْ فِي مَالِي مَا شِئْت، أَوْ هُوَ بِحُكْمِك افْعَلْ بِهِ مَا شِئْت، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْإِبَاحَةِ، لَا الْأَمْرِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْت أَنَّ

هَذَا الْوَصِيَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَهُ، وَلَهُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ؛ فَلَا يَكُونُ الْإِخْرَاجُ وَاجِبًا وَلَا حَرَامًا، بَلْ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْوَصِيِّ (وَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ لِبَيْعِ بَعْضِ عَقَارٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ (لِقَضَاءِ دَيْنٍ) عَلَى الْمَيِّتِ مُسْتَغْرِقٍ مَالَهُ غَيْرَ الْعَقَارِ، أَوْ احْتَاجَ إلَى تَتِمَّتِهِ مِنْ الْعَقَارِ، (أَوْ) دَعَتْ الْحَاجَةُ لِبَيْعِ بَعْضِ الْعَقَارِ (لِحَاجَةِ صِغَارٍ) مِنْ وَرَثَةٍ (وَفِي بَيْعِ بَعْضِهِ) ؛ أَيْ: الْعَقَارِ (ضَرَرٌ كَنَقْصِ ثَمَنٍ) عَلَى الصِّغَارِ (بَاعَ الْوَصِيُّ) الْعَقَارَ كُلَّهُ عَلَى صِغَارٍ وَ (عَلَى كِبَارٍ) إنْ (أَبَوْا) ؛ أَيْ: الْكِبَارُ بَيْعَهُ (أَوْ غَابُوا) لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ، وَلِلْأَبِ بَيْعُ الْكُلِّ، فَالْوَصِيُّ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ وَصِيٌّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْبَعْضِ، فَمَلَكَ بَيْعَ الْكُلِّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ صِغَارًا أَوْ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ، وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا وَفَّى مِنْ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ شَرِيكُ الصِّغَارِ غَيْرَ وَارِثٍ لَمْ يَبِعْ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ فَرْعُ الْمَيِّتِ، وَهُوَ لَا يَبِيعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَنَائِبُهُ أَوْلَى (وَكَذَا لَوْ اخْتَصُّوا) ؛ أَيْ: الْكِبَارُ (بِمِيرَاثٍ) بِأَنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَوَصَّى بِقَضَائِهِ، أَوْ وَصِيَّتُهُ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَاحْتِيجَ فِي ذَلِكَ لِبَيْعِ بَعْضِ عَقَارِهِ، وَفِي تَشْقِيصِهِ ضَرَرٌ، وَالْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارٌ (وَأَبَوْا وَفَاءَهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ، أَوْ غَابُوا؛ بَاعَ الْوَصِيُّ عَلَى الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ الْبَعْضُ، أَوْ غَابَ؛ فَلَهُ بَيْعُ الْكُلِّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ نَائِبُ الْمُوصِي، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَ الْبَعْضِ فَمَلَكَ بَيْعَ الْكُلِّ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْعَقَارِ، بَلْ يَثْبُتُ فِيمَا عَدَاهُ، إلَّا الْفُرُوجَ احْتِيَاطًا نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْوَصِيِّ يَبِيعُ عَلَى الْبَالِغِ الْغَائِبِ، فَقَالَ: إنَّمَا الْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ إذَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ كَانَ فَرْجٌ، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيعَهُ.
وَإِنَّمَا خُصَّ الْعَقَارُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ أَحَظُّ لِلْيَتِيمِ؛ فَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ مُنَبِّهٌ عَلَى الثُّبُوتِ فِيمَا دُونَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.

(وَمَنْ مَاتَ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ) كَجَزَائِرَ لَا عُمْرَانَ بِهَا (أَوْ بَلَدٍ وَلَا حَاكِمَ) حَضَرَ مَوْتَهُ (وَلَا وَصِيَّ)

لَهُ بِأَنْ لَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى إلَيْهِ (فَلِمُسْلِمٍ حَضَرَهُ أَخْذُ تَرِكَتِهِ وَبَيْعُ مَا يَرَاهُ) مِنْهَا (مِمَّا يَسْرُعُ فَسَادُهُ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ لِحِفْظِ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ؛ إذْ فِي تَرْكِهِ إتْلَافٌ لَهُ، فَيَفْعَلُ الْأَصْلَحَ فِي التَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَ حِفْظُهَا وَحَمْلُهَا لِلْوَرَثَةِ أَصْلَحَ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (أَوْ كَانَ) الْبَيْعُ (أَصْلَحَ) وَجَبَ بَيْعُهَا حِفْظًا لَهَا، (وَلَوْ) كَانَ فِي التَّرِكَةِ (إمَاءً) ؛ أَيْ: فَلَهُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُنَّ حَاكِمٌ إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهَا إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ مُكَاتَبَتِهِمْ لِيَحْضُرُوا وَيَأْخُذُوهَا انْتَهَى.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْ بَيْعِهِنَّ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ فُرُوجِهِنَّ، انْتَهَى.
وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي (وَيُجَهِّزُهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمُ الَّذِي حَضَرَهُ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ وَأَمْكَنَ تَكْفِينُهُ مِنْهَا (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) تَرِكَةٌ أَوْ كَانَتْ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْهِيزُهُ مِنْهَا (فَ) يُجَهِّزُهُ الَّذِي حَضَرَهُ (مِنْ عِنْدِهِ وَيَرْجِعُ) بِمَا جَهَّزَهُ بِهِ بِالْمَعْرُوفِ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: عَلَى تَرِكَتِهِ حَيْثُ كَانَتْ، (أَوْ) يَرْجِعُ بِهِ (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) غَيْرَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، (إنْ نَوَاهُ) : أَيْ: الرُّجُوعَ سَوَاءٌ اسْتَأْذَنَ حَاكِمًا أَوْ لَا، أَشْهَدَ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ أَوْ لَا (أَوْ اسْتَأْذَنَ حَاكِمًا) فِي تَجْهِيزِهِ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى تَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ، أَوْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ إذَنْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ، فَإِنْ نَوَاهُ؛ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ قَامَ عَنْ غَيْرِهِ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَوْ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ كَفَنُهُ لَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ إذْ الزَّوْجُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا؛ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا بَلْ عَلَى أَبِيهَا وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]

ِ الْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلنَّقْلِ مِنْ الْمَصْدَرِ إلَى الِاسْمِ، كَالْحَفِيرَةِ مِنْ الْفَرْضِ بِمَعْنَى التَّوْقِيتِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] وَالْجُزْءُ مِنْ الشَّيْءِ كَالتَّفْرِيضِ، وَمِنْ الْقَوْسِ مَوْقِعُ الْوَتَرِ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، كَالْمَفْرُوضِ، وَالْقِرَاءَةُ وَالسُّنَّةُ.
يُقَالُ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ أَيْ: سَنَّ، وَنَوْعٌ مِنْ التَّمْرِ، وَالْجُنْدُ يَفْتَرِضُونَ وَالتُّرْسُ، وَعُودٌ مِنْ أَعْوَادِ الْبَيْتِ، وَالْعَطِيَّةُ الْمَوْسُومَةُ، وَمَا فَرَضْته عَلَى نَفْسِك فَوَهَبْته، وَمِنْ الزَّنْدِ حَيْثُ يُقْدَحُ مِنْهُ، وَالْحَزُّ الَّذِي فِيهِ وَ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] جَعَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ الْأَحْكَامِ، وَبِالتَّشْدِيدِ؛ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا فَرِيضَةً بَعْدَ فَرِيضَةٍ، أَوْ فَصَّلْنَاهَا وَبَيَّنَّاهَا، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". وَهِيَ شَرْعًا (الْعِلْمُ بِقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ) جَمْعُ مِيرَاثٍ، وَهُوَ الْحَقُّ الْمُخَلَّفُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَصْلُهُ مِوْرَاثٌ، قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً؛ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا التُّرَاثُ، وَأَصْلُ التَّاءِ فِيهِ وَاوٌ، وَالْإِرْثُ لُغَةً: الْبَقَاءُ وَانْتِقَالُ الشَّيْءِ مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْمِيرَاثِ، وَيُسَمَّى الْقَائِمُ بِهَذَا الْعِلْمِ: فَارِضًا وَفَرِيضًا وَفَرْضِيًّا - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا - وَفَرَّاضًا وَفَرَائِضِيًّا.
(وَمَوْضُوعُهُ) ؛ أَيْ: هَذَا الْفَنِّ (التَّرِكَاتُ) لِأَنَّهَا الَّتِي يُبْحَثُ فِيهَا عَنْ عَوَارِضِهَا مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمَيِّتِ بِمُؤَنِ التَّجْهِيزِ مِنْهَا، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِبَاقِيهَا، إمَّا وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِمْ، كَأَصْحَابِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا (لَا الْعَدَدُ) فَإِنَّهُ مَوْضُوعُ عِلْمِ الْحِسَابِ.

(وَالْفَرِيضَةُ) عُرْفًا (نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لِمُسْتَحِقِّهِ) وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَذَا الْعِلْمِ، وَالْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَفَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.
وَعَنْ عُمَرَ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا؛ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ.
فَقَالَ أَهْلُ السَّلَامَةِ: لَا نَتَكَلَّمُ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ نِصْفُ الْعِلْمِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ؛ فَإِنَّ لِلنَّاسِ حَالَتَيْنِ: حَيَاةٌ وَوَفَاةٌ، فَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، وَبَاقِي الْعُلُومِ بِالْأَوَّلِ، وَقِيلَ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِتَعْلِيمِ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْفَرَائِضِ مِائَةَ حَسَنَةٍ، وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ قِيلَ: وَأَحْسَنُ الْأَقْوَالِ أَنْ يُقَالَ: أَسْبَابُ الْمِلْكِ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ، وَهُوَ مَا يَمْلِكُ رَدَّهُ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَهْرِيٌّ وَهُوَ مَا لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ، وَهُوَ الْإِرْثُ.
وَعَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دَيْنِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - ، وَحُكِيَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ دَخَلَ بُسْتَانًا، فَأَكَلَ مِنْ جَمِيعِ ثَمَرِهِ إلَّا الْعِنَبَ الْأَبْيَضَ، فَقَصَّهُ عَلَى شَيْخِهِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَقَالَ: تُصِيبُ مِنْ الْعِلْمِ كُلِّهَا إلَّا الْفَرَائِضَ؛ فَإِنَّهَا جَوْهَرُ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ الْعِنَبَ الْأَبْيَضَ جَوْهَرُ الْعِنَبِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَسَتَقِفُ عَلَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا.

(وَمَنْ مَاتَ بُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِ) كَفَنِهِ وَحَنُوطِهِ وَ (مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) بِالْمَعْرُوفِ وَدَفْنِهِ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ (مُقَدَّمًا) ذَلِكَ (عَلَى نَحْوِ دَيْنٍ بِرَهْنٍ) كَأَرْشِ جِنَايَةٍ؛ إذْ لَا يُقْضَى دَيْنُهُ إلَّا بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ (وَمَا بَقِيَ) بَعْدَ مُؤْنَةِ تَجْهِيزٍ بِالْمَعْرُوفِ (فَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ) سَوَاءٌ وَصَّى بِهَا أَوْ لَا، وَتُقَدَّمُ، وَيُبْدَأُ مِنْهَا بِالْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ الْمَالِ كَدَيْنٍ بِرَهْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، ثُمَّ الدُّيُونُ الْمُرْسَلَةُ فِي الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى (كَزَكَاةِ) الْمَالِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَ (الْكَفَّارَةِ) وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ وَالنَّذْرِ (أَوْ) كَانَتْ (لِآدَمِيٍّ كَدَيْنٍ) مِنْ قَرْضٍ وَثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ وَجَعَالَةٍ اسْتَقَرَّتْ، وَنَحْوِهَا كَعَقْلٍ بَعْدَ الْحَوْلِ (وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ ضَاقَ الْمَالُ تَحَاصُّوا (وَمَا بَقِيَ) بَعْدَ ذَلِكَ (فَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ) لِأَجْنَبِيٍّ (مِنْ ثُلُثِهِ حَيْثُ لَا إجَازَةَ) مِنْ الْوَرَثَةِ (ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ) بَعْدَ ذَلِكَ (عَلَى وَرَثَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] .

(وَأَسْبَابُ إرْثٍ) ؛ أَيْ: انْتِقَالِ التَّرِكَةِ عَنْ مَيِّتٍ إلَى حَيٍّ بِمَوْتِهِ (ثَلَاثَةٌ فَقَطْ) فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ بِغَيْرِهَا كَالْمُوَالَاةِ؛ أَيْ: الْمُؤَاخَاةِ وَالْمُعَاقَدَةِ، وَهِيَ الْمُحَالَفَةُ، وَإِسْلَامُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَالْتِقَاطٍ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . أَحَدُهَا: (رَحِمٌ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] . (وَ) الثَّانِي (نِكَاحٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] الْآيَةَ (وَهُوَ عَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحُ) سَوَاءٌ دَخَلَ أَوْ لَا، فَلَا إرْثَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ.
(وَ) الثَّالِثُ (وَلَاءُ عِتْقٍ) فَيَرِثُ بِهِ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ مِنْ عَتِيقِهِ (وَلَوْ) كَانَ

(فِي شِرَاءٍ فَاسِدٍ) لِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
فَشَبَّهَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ؛ فَكَذَا الْوَلَاءُ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ السَّيِّدَ أَخْرَجَ عَبْدَهُ بِعِتْقِهِ إيَّاهُ مِنْ حَيِّزِ الْمَمْلُوكِيَّةِ الَّتِي سَاوَى بِهَا الْبَهَائِمَ، إلَى حَيِّزِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي سَاوَى بِهِ الْأَنَاسِيَّ، فَأَشْبَهَ بِذَلِكَ الْوِلَادَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْ الْمَوْلُودَ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ.

(وَمَوَانِعُهُ) ؛ أَيْ: التَّوَارُثِ (ثَلَاثَةٌ: رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينٍ) وَتَأْتِي مُفَصَّلَةً.

(وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: مُوَرِّثٌ وَوَارِثٌ وَحَقٌّ مَوْرُوثٌ) .

وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ: تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ أَوْ إلْحَاقُهُ بِالْأَحْيَاءِ، وَتَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ إلْحَاقُهُ بِالْأَمْوَاتِ، وَالْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ، وَتُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
(وَتَرِكَةُ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (صَدَقَةٌ لَا إرْثَ) لِحَدِيثِ: «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

(وَالْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ مِنْ الذُّكُورِ عَشَرَةٌ: الِابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ) بِمَحْضِ الذُّكُورِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] الْآيَةَ وَابْنُ الِابْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ - يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 27 - 40] (وَالْأَبُ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا) بِمَحْضِ الذُّكُورِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] وَالْجَدُّ تَنَاوَلَهُ النَّصُّ؛ لِدُخُولِ وَلَدِ الِابْنِ فِي الْأَوْلَادِ، وَقِيلَ: ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالنِّسْبَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْطَاهُ السُّدُسَ (وَالْأَخُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) شَقِيقًا كَانَ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، أَمَّا الَّذِي لِأُمٍّ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12] فَإِنَّهَا فِي الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا الَّذِي لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ؛ فَلِقَوْلِهِ

تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] (وَابْنُ الْأَخِ لَا) إنْ كَانَ الْأَخُ (مِنْ الْأُمِّ) فَقَطْ، فَابْنُهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَالْعَمُّ) لَا مِنْ الْأُمِّ (وَابْنُهُ كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: لَا مِنْ الْأُمِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَأَمَّا الْعَمُّ لِأُمٍّ وَابْنُهُ فَمِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَالزَّوْجُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] (وَالْمُعْتِقُ) وَعَصَبَتُهُ الْمُتَعَصِّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ لِلْخَبَرِ وَالْإِجْمَاعِ.

(وَ) الْمُجْمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهِنَّ (مِنْ الْإِنَاثِ سَبْعٌ: الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ) أَبُوهَا بِمَحْضِ الذُّكُورِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] (وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي: (وَالْأُخْتُ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (وَالزَّوْجَةُ) هِيَ بِالتَّاءِ لُغَةُ سَائِرِ الْعَرَبِ مَا عَدَا أَهْلَ الْحِجَازِ، اقْتَصَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْفَرْضِيُّونَ عَلَيْهَا؛ لِلْإِيضَاحِ وَخَوْفِ اللَّبْسِ (وَالْمُعْتِقَةُ) وَمُعْتِقُهَا وَإِنْ عَلَتْ، فَدَلِيلُ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمِمَّا يَأْتِي، وَمَا عَدَا الْمَذْكُورِينَ فَمِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَيَأْتِي حُكْمُهُمْ.

(وَالْوَارِثُ ثَلَاثَةُ) أَصْنَافٍ: (ذُو فَرْضٍ) ؛ أَيْ: نَصِيبٍ (وَعَصَبَةٍ) يَرِثُونَ بِلَا تَقْدِيرٍ (وَ) ذُو (رَحِمٍ) يَرِثُونَ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ، وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ.

(وَمَتَى اجْتَمَعَ كُلُّ الذُّكُورِ) الْمُجْمَعُ عَلَى إرْثِهِمْ (وَرِثَ) مِنْهُمْ (ابْنٌ وَأَبٌ وَزَوْجٌ) فَقَطْ (وَ) مَتَى اجْتَمَعَ (كُلُّ الْإِنَاثِ وَرِثَ) مِنْهُنَّ (بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَأُمٌّ وَزَوْجَةٌ وَشَقِيقَةٌ) ، وَمُمْكِنٌ الْجَمْعُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ، وَيَرِثُ مِنْهُمْ أَبَوَانِ وَوَلَدَانِ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.

(فَرْعٌ: اسْمُ) الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ (الْأَشِقَّاءِ بَنِي الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ عَيْنٍ) وَاحِدَةٍ، (وَ) اسْمُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إذَا كَانُوا (لِلْأَبِ) فَقَطْ (بَنِي الْعَلَّاتِ) جَمْعُ عَلَّةٍ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (أَيْ: الضَّرَّاتِ) وَبَنُو الْعَلَّاتِ بَنُو أُمَّهَاتٍ شَتَّى مِنْ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَزَوَّجُهَا عَلَى أُولَى، كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ قَبْلَهَا، ثُمَّ عَلَّ مِنْ هَذِهِ، (وَ) اسْمُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ (لِلْأُمِّ بَنِي الْأَخْيَافِ) - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ تَلِيهَا يَاءٌ تَحْتِيَّةٌ مُثَنَّاةٌ - سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَخْيَافَ الْأَخْلَاطُ، فَهُمْ مِنْ أَخْلَاطِ الرِّجَالِ لَيْسُوا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
(وَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ مَا عَدَا الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ نَصًّا) وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْكَلَالَةُ مَنْ عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ.
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ ... عَنْ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِكْلِيلِ الَّذِي يُحِيطُ بِالرَّأْسِ، وَلَا يَعْلُو عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ الْوَرَثَةَ مَا عَدَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ قَدْ أَحَاطُوا بِالْمَيِّتِ مِنْ حَوْلِهِ، لَا مِنْ طَرَفَيْهِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَإِحَاطَةِ الْإِكْلِيلِ بِالرَّأْسِ، فَأَمَّا الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ فَهُمَا طَرَفَا الرَّجُلِ، فَإِذَا ذَهَبَا كَانَ بَقِيَّةُ النَّسَبِ كَلَالَةً.
قَالَ الشَّاعِرُ: فَكَيْف بِأَطْرَافِي إذَا مَا شَتَمَتْنِي ... وَمَا بَعْدَ شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ صُلُوحُ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) أَنَّ الْكَلَالَةَ (اسْمٌ لِلْمَيِّتِ نَفْسِهِ؛ أَيْ: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقِيلَ: الْكَلَالَةُ: قَرَابَةُ الْأُمِّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ عَنَى أَنَّكُمْ وَرِثْتُمْ الْمُلْكَ عَنْ آبَائِكُمْ، لَا عَنْ أُمَّهَاتِكُمْ.
وَيُرْوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ كَلَالَةٌ، وَيُسَمَّى وَارِثُهُ كَلَالَةً، وَالْآيَتَانِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْمُرَادُ بِالْكَلَالَةِ فِيهِمَا الْمَيِّتُ (وَلَا خِلَافَ فِي إطْلَاقِهِ) ؛ أَيْ: اسْمِ الْكَلَالَةِ (عَلَى الْإِخْوَةِ مِنْ الْجِهَاتِ كُلِّهَا) وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ جَابِرٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ الْمِيرَاثُ؟ إنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ، فَجَعَلَ الْوَارِثَ هُوَ الْكَلَالَةُ» ، وَلَمْ يَكُنْ لِجَابِرٍ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْكَلَالَةِ عَدَمُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ: زَيْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالنَّخَعِيِّ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُمَا كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ.

[بَابُ الْفُرُوضِ]

ِ الْفُرُوضُ جَمْعُ فَرْضٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْجُزْءُ وَالْقَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ.
وَفِي الْعُرْفِ: النَّصِيبُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا لِوَارِثٍ خَاصٍّ، لَا يُزَادُ إلَّا بِالرَّدِّ؛ وَلَا يَنْقُصُ إلَّا بِالْعَوْلِ وَقَوْلُهُ (وَذَوِيهَا) ؛ أَيْ: ذَوِي الْأَنْصِبَاءِ الْمُقَدَّرَةِ - وَلَوْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ - كَالْأَبِ مَعَ ذُكُورِيَّةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ سَفَلَ؛ فَإِنَّ إرْثَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَفْرُوضٌ، وَهُوَ السُّدُسُ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي.
(وَهُمْ) ؛ أَيْ: ذُو الْفُرُوضِ (كُلُّ الْإِنَاثِ) الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُنَّ (إلَّا الْمُعْتِقَةَ) فَإِنَّهَا عَصَبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) ذَوُو الْفُرُوضِ مِنْ الذُّكُورِ (الْأَبُ) الْمُبَاشِرُ لِلْوِلَادَةِ (وَالْجَدُّ) لِأَبٍ (وَالزَّوْجُ وَالْأَخُ لِلْأُمِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.

(وَالْفُرُوضُ) الْقُرْآنِيَّةُ (سِتٌّ: نِصْفٌ وَرُبُعٌ وَثُمُنٌ وَثُلُثَانِ وَثُلُثٌ وَسُدُسٌ) وَإِنْ شِئْت قُلْت: النِّصْفُ وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا، أَوْ الثُّمُنُ وَالسُّدُسُ وَضِعْفُهُمَا وَضِعْفُ ضِعْفِهِمَا، أَوْ الرُّبُعُ وَالثُّلُثُ وَضِعْفُ كُلٍّ وَنِصْفُ كُلٍّ، وَثُلُثُ الْبَاقِي.
ثَبَتَ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. (فَالنِّصْفُ لِخَمْسٍ: لِزَوْجٍ حَيْثُ لَا فَرْعَ وَارِثَ لِزَوْجَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] ، (وَلِبِنْتٍ) عِنْدَ انْفِرَادِهَا عَمَّنْ يُعَصِّبُهَا وَهُوَ أَخُوهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] (وَبِنْتُ ابْنٍ مَعَ عَدَمِ وَلَدِ صُلْبٍ) وَعَدَمِ مُعَصِّبٍ لَهَا، كَأَخٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ إجْمَاعًا قِيَاسًا عَلَى بِنْتِ الصُّلْبِ (وَلِأُخْتٍ شَقِيقَةٍ مَعَ عَدَمِ فَرْعٍ وَارِثٍ) وَعَدَمِ مُعَصِّبٍ لَهَا مِنْ أَخٍ شَقِيقٍ أَوْ جَدٍّ (وَلِأُخْتٍ لِأَبٍ مَعَ عَدَمِ الْأَشِقَّاءِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَعَدَمِ مُعَصِّبٍ لَهَا مِنْ أَخٍ لِأَبٍ أَوْ جَدٍّ، وَعَدَمِ فَرْعٍ وَارِثٍ.
(وَالرُّبُعُ لِاثْنَيْنِ: لِزَوْجٍ مَعَ فَرْعٍ وَارِثٍ لَهَا) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَلَدُ بَنِيهَا كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: 12] . (وَ) الرُّبُعُ (لِزَوْجَةٍ فَأَكْثَرَ مَعَ عَدَمِهِ) ؛ أَيْ: الْفَرْعِ الْوَارِثِ (لَهُ) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، مِنْ الزَّوْجَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] (وَ) إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ (مَعَهُ) ؛ أَيْ: مَعَ وَلَدِ الزَّوْجِ أَوْ وَلَدِ بَنِيهِ (فَ) لَهَا (الثُّمُنُ) إجْمَاعًا.
(وَالثُّلُثَانِ لِأَرْبَعَةٍ: لِذَوَاتِ النِّصْفِ) وَهُوَ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ فَ (إذَا تَعَدَّدَتْ) ؛ أَيْ: ذَوَاتُ النِّصْفِ؛ بِأَنْ كُنَّ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ حُزْنَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفَ؛ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] فَمُنْكَرٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْهُ مُوَافَقَةُ النَّاسِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَدَلِيلُ الْإِجْمَاعِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثِّنْتَيْنِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] وَفِي الْبِنْتَيْنِ الْقِيَاسُ عَلَى الْأُخْتَيْنِ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ شُبْهَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنْ صَحَّتْ عَنْهُ.

فَائِدَةٌ: لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمُعَصِّبِ فِي إرْثِ هَؤُلَاءِ الْإِنَاثِ الثُّلُثَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْأَوْلَادِ فِي إرْثِ بَنَاتِ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ، وَفِي إرْثِ الْأَخَوَاتِ كَذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْأَشِقَّاءِ فِي إرْثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ الثُّلُثَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، وَضَابِطُ أَصْحَابِ الثُّلُثَيْنِ أَنْ تَقُولَ: الثُّلُثَانِ فَرْضُ اثْنَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِمَّنْ يَرِثُ النِّصْفَ، وَهِيَ عِبَارَةُ ابْنِ الْهَائِمِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ اثْنَتَيْنِ الزَّوْجُ، وَبِقَوْلِهِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ مِثْلُ بِنْتٍ وَأُخْتٍ لِغَيْرِ أُمٍّ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ صِنْفَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الثُّلُثَانِ.
(وَالثُّلُثُ لِثَلَاثَةِ: لِوَلَدَيْ الْأُمِّ فَأَكْثَرَ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] (وَلِلْجَدِّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ) مَعَ الْإِخْوَةِ، وَقَدْ يَرِثُ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مَعَهُمْ، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ (وَلِلْأُمِّ حَيْثُ لَا فَرْعٌ وَارِثٌ لِمَيِّتٍ) مِنْ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ (وَلَا جَمْعٌ مِنْ إخْوَةٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (أَوْ أَخَوَاتٍ) أَوْ خَنَاثَى، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِخْوَةِ بَيْنَ كَوْنِهِمْ أَشِقَّاءً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ أَوْ مُخْتَلِفِينَ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِمْ وَارِثِينَ أَوْ مَحْجُوبِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ حَجْبَ شَخْصٍ، بِخِلَافِ الْمَحْجُوبِ بِالْوَصْفِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ؛ فَإِنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] مَعَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ: لَيْسَ الْأَخَوَانِ إخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِك، فَلِمَ تَحْجُبُ بِهِمَا الْأُمَّ، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا كَانَ قَبْلِي، وَمَضَى فِي الْبُلْدَانِ، وَتَوَارَثَ النَّاسُ بِهِ، وَهَذَا مِنْ عُثْمَانَ يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ مُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُنَا لَفْظُ الْإِخْوَةِ يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْجَمْعِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ غَيْرِ كَمِّيَّةٍ (لَكِنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ أَبٌ وَأُمٌّ وَزَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ) وَهُمَا الْعُمَرِيَّتَانِ لِقَضَاءِ عُمَرَ بِهِمَا، وَالْغَرَاوَانِ لِشُهْرَتِهِمَا (كَانَ لَهَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ (ثُلُثُ الْبَاقِي) بَعْدَ الزَّوْجَيْنِ، قَضَى بِذَلِكَ عُمَرَ، فَتَبِعَهُ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهَا ثُلُثُ الْمَالِ كُلِّهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُ لَوْلَا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي النَّسَبِ الْمُدْلِي بِهَا وَهُوَ الْوِلَادَةُ، وَامْتَازَ الْأَبُ بِالتَّعْصِيبِ، بِخِلَافِ الْجَدِّ، فَلَوْ أَعْطَيْنَا الزَّوْجَ فَرْضَهُ، وَأَخَذَتْ الْأُمُّ الثُّلُثَ؛ لَزِمَ تَفْضِيلُ أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ مِنْ حَيِّزٍ وَاحِدٍ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ أَعْطَيْنَا الزَّوْجَةَ فَرْضَهَا وَالْأُمَّ الثُّلُثَ كَامِلًا؛ لَزِمَ أَنْ لَا يُفَضَّلَ عَلَيْهَا التَّفْضِيلَ الْمَعْهُودَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَالرُّتْبَةِ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَدْرَكُوا هَذَا الْمَحْذُورَ، وَأَعْطَوْا الْأُمَّ ثُلُثَ الْبَاقِي وَالْأَبَ ثُلُثَيْهِ؛ مُرَاعَاةً لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ الصَّحَابَةَ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ اُشْتُهِرَ قَوْلُهُ فِيهَا: إحْدَاهَا: زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، وَالثَّانِيَةُ امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ، لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي عِنْدَهُمْ، وَجَعَلَ هُوَ لَهَا ثُلُثَ الْمَالِ مِنْهُمَا.
الثَّالِثَةُ لَا يَحْجُبُ الْأُمَّ إلَّا بِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ.
الرَّابِعَةُ لَمْ يَجْعَلْ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً.
الْخَامِسَةُ لَمْ يُعِلْ الْمَسَائِلَ، وَهَذِهِ الْخَمْسُ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيهَا، وَاشْتُهِرَ الْقَوْلُ عَنْهُ بِهَا (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ (أَبٌ لِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا أَوْ) لِكَوْنِهِ (مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ أَوْ) لِكَوْنِهَا (ادَّعَتْهُ) أَنَّهُ وَلَدُهَا (وَأُلْحِقَ بِهَا) وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ دُونَ زَوْجِهَا الْجَاحِدِ لَهُ (فَمُنْقَطِعٌ تَعْصِيبُهُ) ؛ أَيْ: الْوَلَدِ (مِمَّنْ نَفَاهُ) بِلِعَانٍ (وَنَحْوِهِ) كَجَحْدِ زَوْجِ الْمُقِرَّةِ بِهِ (فَلَا يَرِثُهُ) النَّافِي (وَلَا) يَرِثُهُ (أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِهِ) لِانْقِطَاعِ السَّبَبِ وَهُوَ النَّسَبُ، وَكَذَا الزَّانِي وَعَصَبَتُهُ لَا يَرِثُونَ وَلَدَ الزِّنَا، وَكَذَا زَوْجُ الْمُقِرَّةِ وَعَصَبَتُهُ لَا يَرِثُونَ مَنْ أَقَرَّتْ بِهِ إنْ لَمْ يُصَدِّقُوهَا؛ لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ (وَلَوْ) كَانَ (التَّعْصِيبُ بِإِخْوَةٍ مِنْ أُمٍّ إذَا وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ) مِنْ زِنًا أَوْ زَوْجٍ (وَنُفِيَا) ؛ أَيْ: نَفَاهُمَا الزَّوْجُ بِلِعَانٍ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ بِأُخُوَّتِهِ لِأَبِيهِ، وَلَا يَحْجُبُ تَوْأَمُهُ أَحَدًا مِمَّنْ يَحْجُبُهُ الْأَخُ لِأَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا

نَسَبُ أُبُوَّةٍ (وَتَرِثُ أُمُّهُ) ؛ أَيْ: أُمُّ مَنْ لَا أَبَ لَهُ مِنْهُ فَرْضَهَا (وَ) يَرِثُ (ذُو فَرْضٍ مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ وَلَدِ زِنًا وَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ وَنَحْوِهِ (فَرْضَهُ) كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ لَا أَبَ لَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَنْعِ ذِي فَرْضٍ مِنْ فَرْضِهِ (وَعَصَبَتِهِ) ؛ أَيْ: عَصَبَةِ مَنْ لَا أَبَ لَهُ شَرْعًا (بَعْدَ ابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ عَصَبَةُ أُمِّهِ، لَا هِيَ) ؛ أَيْ: لَا أُمُّهُ عَصَبَتُهُ، سَوَاءٌ وُجِدَ وَارِثٌ غَيْرُهَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ مِنْ ذَوَاتِ الْفُرُوضِ، وَكَوْنُ عَصَبَتِهِ عَصَبَةَ أُمِّهِ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، إلَّا أَنَّ عَلِيًّا يَجْعَلُ ذُو السَّهْمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَحَقُّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَوَجْهُ قَوْلِنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعُصُوبَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، فَبَقِيَ أَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَقَارِبُ أُمِّهِ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهُ بَعْدَ أَخْذِ ذَوِي الْفُرُوضِ فَرْضَهُمْ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ: «فَجَرَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَهَا، وَأَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ لَهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تَرِثُ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضِهَا، فَيَبْقَى الْبَاقِي لِذَوِي قَرَابَتِهِ، وَهُمْ قَرَابَتُهُ، وَعَلَى هَذَا إنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً، فَمَا بَقِيَ لِمَوْلَاهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأُمِّهِ عَصَبَةٌ؛ فَلَهَا الثُّلُثُ فَرْضًا، وَالْبَاقِي رَدًّا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ يَرَى الرَّدَّ (فِي إرْثٍ) فَقَطْ، كَقَوْلِنَا فِي الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ (لَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) فَلَا يُزَوِّجُونَهُ، وَلَا فِي وِلَايَةِ مَالِهِ، (وَ) لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فِي (عَقْلٍ) فَلَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْصِيبِ فِي الْمِيرَاثِ التَّعْصِيبُ فِي غَيْرِهِ كَمَا فِي الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ

(وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ) ؛ أَيْ: الْبَاقِي بَعْدَ الْفُرُوضِ إنْ كَانَتْ (لِأَقْرَبِهِمْ) ؛ أَيْ: الْعَصَبَةِ مِنْ الْأُمِّ (فَأُمٍّ وَخَالٍ) لِمَنْ مَاتَ وَلَا أَبَ لَهُ وَ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْخَالِ (الْبَاقِي بَعْدَ) أَخْذِ الْأُمِّ (الثُّلُثَ) لِأَنَّ الْخَالَ عَصَبَةُ الْأُمِّ (وَ) إنْ كَانَ (مَعَهُمَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ وَالْخَالِ وَ (لِلْأَخِ لِأُمٍّ) السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي تَعْصِيبًا، وَيَسْقُطُ الْخَالُ؛ لِأَنَّ أَخَ الْمَيِّتِ لِأُمِّهِ أَقْرَبُ مِنْ الْخَالِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ

مَعَ الْأُمِّ وَالْخَالِ (ابْنُهُ) ؛ أَيْ: ابْنُ الْأَخِ لِأُمٍّ - وَإِنْ نَزَلَ - فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَ (لَهُ) ؛ أَيْ: ابْنِ الْأَخِ لِأُمٍّ (السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي تَعْصِيبًا؛ لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: ابْنَ الْأَخِ لِأُمٍّ (أَقْرَبُ مِنْ الْخَالِ) فَيَسْقُطُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَكَذَا لَا شَيْءَ لِلْخَالِ مَعَ أَبِي أُمٍّ، وَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَ أُمِّ جَدِّهَا وَأَخُوهَا؛ فَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا أَخًا لِأُمٍّ؛ فَالْكُلُّ لَهُ، أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا خَالَةً وَخَالًا وَمَوْلَى أُمٍّ؛ فَالْكُلُّ لِلْخَالِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ (وَيَرِثُ) مِنْهُ (أَخُوهُ لِأُمِّهِ مَعَ بِنْتِهِ) بِالْعُصُوبَةِ فَقَطْ (النِّصْفَ تَعْصِيبًا) فَإِذَا مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَأَخٍ لِأُمٍّ؛ فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِأَخِيهِ لِأُمِّهِ عُصُوبَةً، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِالْفَرْضِ؛ لِسُقُوطِهِ بِالْبِنْتِ، وَ (لَا) تَرِثُ مِنْهُ (أُخْتُهُ لِأُمِّهِ) مَعَ بِنْتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا تَحْجُبُهَا عَنْ الْفَرْضِ، وَلَا عُصُوبَةَ لَهَا، فَإِذَا خَلَّفَ مَنْ لَا أَبَ لَهُ بِنْتًا وَأُخْتًا لِأُمٍّ؛ فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ فَرْضًا وَالْبَاقِي لِلْأَخِ تَعْصِيبًا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَةِ أُمِّهِ، وَبِدُونِ الْبِنْتِ لَهُمَا الثُّلُثُ فَرْضًا وَرَدًّا وَالْبَاقِي لِلْأَخِ عُصُوبَةً، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَصَبَةِ الْأُمِّ الْعَصَبَةُ بِالنَّفْسِ لَا بِالْغَيْرِ، وَإِنْ خَلَّفَ أُخْتًا وَابْنَ أَخٍ فَلِأُخْتِهِ السُّدُسُ، وَلِابْنِ أَخِيهِ الْبَاقِي.
وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَبِنْتَ ابْنٍ وَمَوْلَى أُمِّهِ؛ فَالْبَاقِي لَهُ بَعْدَ فَرْضِهِمَا وَمَعَهُمَا أُمٌّ لَهَا السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهَا، وَإِنْ خَلَّفَ زَوْجَةً وَجَدَّةً وَأُخْتَيْنِ وَابْنَ أَخٍ؛ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ، وَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ.
وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَبًا أُمٍّ وَابْنَ أَخٍ وَبِنْتَ أَخٍ؛ فَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبِنْتِ لِابْنِ الْأَخِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عُصُوبَةً، وَإِلَّا يُخَلِّفْ إلَّا ذَا رَحِمٍ فَكَغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى مَا يَأْتِي (وَإِنْ مَاتَ ابْنُ ابْنِ مُلَاعَنَةٍ وَخَلَّفَ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ أُمَّ أَبِيهِ الْمُلَاعَنَةِ) وَلَا عَصَبَةَ (فَالْكُلُّ لِأُمِّهِ فَرْضًا وَرَدًّا) لِأَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ، وَإِنْ خَلَّفَ جَدَّتَيْهِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا فَرْضًا وَرَدًّا، وَإِنْ خَلَّفَ أُمَّ أُمِّهِ وَخَالَ أَبِيهِ؛ فَلِأُمِّ أُمِّهِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِخَالِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ أَبِيهِ، وَإِنْ خَلَّفَ خَالًا وَعَمًّا وَخَالَ أَبٍ وَأَبَا أُمِّ أَبٍ؛ فَالْكُلُّ لِلْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمٌّ فَهُوَ لِأَبِي أُمِّ الْأَبِ؛

لِأَنَّهُ أَبُوهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ لِخَالِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْخَالِ؛ لِأَنَّهُ ذُو رَحِمِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُ ابْنِ مُلَاعَنَةٍ عَنْ عَمِّهِ وَعَمِّ أَبِيهِ؛ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِعَمِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ، وَإِنْ خَلَّفَ خَالَهُ وَخَالَ أَبِيهِ وَخَالَ جَدِّهِ؛ فَالْمَالُ لِخَالِ جَدِّهِ أَخِي الْمُلَاعَنَةِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ أَبِي أَبِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَالُ جَدٍّ؛ فَالْمَالُ لِخَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ دُونَ خَالِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جَدَّتِهِ، وَالْأُمُّ تَحْجُبُ الْجَدَّةَ (وَإِذَا) قُسِمَ مِيرَاثُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ، ثُمَّ (كَذَّبَ مُلَاعِنٌ نَفْسَهُ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا تَوْأَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَا نَظَرَ لِلتُّهْمَةِ (وَنُقِضَتْ الْقِسْمَةُ) كَمَا لَوْ اقْتَسَمُوهُ فِي غَيْبَةِ بَعْضِهِمْ.
تَتِمَّةٌ: إذَا تَمَّ اللِّعَانُ انْقَطَعَ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ إتْمَامِهِ وَرِثَهُ الْآخَرُ؛ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ إلَى الْمَوْتِ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ

[فَصْلٌ السُّدُسُ فرض سَبْعَةٍ]

(فَصْلٌ: وَالسُّدُسُ لِسَبْعَةٍ: لِأُمٍّ مَعَ فَرْعٍ وَارِثٍ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا، وَمَعَ وَلَدِ الِابْنِ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] (أَوْ) ؛ أَيْ: وَمَعَ (جَمْعِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ إخْوَةٍ أَوْ) جَمْعِ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ (أَخَوَاتٍ) أَوْ خَنَاثَى كَامِلِي الْحُرِّيَّةِ، وَمَعَ نَقْصِ الْحُرِّيَّةِ بِالْحِسَابِ، فَإِنْ خَلَّفَ أَخَوَيْنِ نِصْفَ كُلِّ حُرٍّ؛ فَالسُّدُسُ ثَابِتٌ لِلْأُمِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْحَجْبُ فِي السُّدُسِ الْوَاحِدِ، فَنَقُولُ: لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ كَانَ لَهَا سُدُسُهَا الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَا رَقِيقَيْنِ كَانَ لَهَا السُّدُسُ الثَّانِي، فَمَعَ رِقِّ نِصْفِهِمَا يَكُونُ لَهَا نِصْفُ هَذَا السُّدُسِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْحَجْبُ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ: إذَا كَانَ نِصْفُهُمَا حُرًّا فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَخٍ وَاحِدٍ فَلَهَا ثُلُثٌ؛ لِأَنَّ الْأَخَ الْوَاحِدَ لَا يَحْجُبُهَا إلَى السُّدُسِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا إلْغَاءُ قَوْلِهِمْ: الْمُبَعَّضُ يَرِثُ، وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا حَجْبَ؛ لِأَنَّ هَذَا السُّدُسَ الَّذِي

فِي يَدِهَا ثَابِتٌ لَهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] (وَ) السُّدُسُ أَيْضًا (لِوَاحِدٍ مِنْ وَلَدِهَا) ؛ أَيْ: الْأُمِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَ) هُوَ أَيْضًا (لِبِنْتِ ابْنٍ فَأَكْثَرَ مَعَ بِنْتٍ) وَاحِدَةٍ مِنْ (صُلْبٍ) وَكَذَا بِنْتُ ابْنِ نَازِلَةٍ فَأَكْثَرَ مَعَ بِنْتِ ابْنِ وَاحِدَةٍ أَعْلَى مِنْهَا (وَ) هُوَ أَيْضًا (لِأُخْتٍ لِأَبٍ فَأَكْثَرَ مَعَ) أُخْتٍ وَاحِدَةٍ (شَقِيقَةٍ، وَ) هُوَ أَيْضًا (لِأَبٍ) مَعَ فَرْعٍ وَارِثٍ (أَوْ جَدٍّ مَعَ فَرْعٍ وَارِثٍ) وَكَذَا فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَسَتَأْتِي (وَ) هُوَ أَيْضًا (لِجَدَّةٍ فَأَكْثَرَ) سَوَاءٌ كَانَتْ (مَعَهُ) ؛ أَيْ: الْفَرْعِ الْوَارِثِ (أَوْ لَا) يَكُنْ فَرْعٌ وَارِثٌ أَصْلًا (مَعَ تَسَاوٍ) ؛ أَيْ: تَسَاوِي الْجَدَّاتِ فِي الْقُرْبِ أَوْ الْبُعْدِ مِنْ الْمَيِّتِ؛ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى لِلْجَدَّتَيْنِ مِنْ الْمِيرَاثِ بِالسُّدُسِ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ (وَتُحْجَبُ قُرْبَى) مِنْ الْجَدَّاتِ (بُعْدَى) مِنْهُنَّ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتَا [مِنْ] جِهَةٍ أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، وَالْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ إجْمَاعًا أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّهَا جَدَّةُ قُرْبَى، فَتَحْجُبُ الْبُعْدَيْ كَاَلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ؛ وَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أُمَّهَاتٌ يَرِثْنَ مِيرَاثًا وَاحِدًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا اجْتَمَعْنَ فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِنَّ كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ وَالْبَنَاتِ (وَلَا يَرِثُ) مِنْ الْجَدَّاتِ (أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ) بِلَا نِزَاعٍ.
(وَيَتَّجِهُ) الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثِ جَدَّاتٍ (فِي غَيْرِ لُحُوقٍ) مُوَرِّثٍ (بِجَمْعٍ) مِنْ الرِّجَالِ، أَمَّا إذَا أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ شَخْصًا مَجْهُولَ النَّسَبِ بِعَدَدٍ مِنْ الرِّجَالِ، ثُمَّ مَاتَ فَتَرِثُهُ جَمِيعُ جَدَّاتِهِ لِآبَائِهِ مَعَ أُمِّ أُمِّهِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ؛ وَرِثَتْ مَعَ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمِّ أَبِي أَبِيهِ، وَالثَّلَاثُ جَدَّاتٍ الْمَذْكُورَاتِ هُنَّ: (أُمُّ أُمٍّ، وَأُمُّ أَبٍ، وَأُمُّ أَبِي أَبٍ) فَقَطْ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِهِنَّ (وَإِنْ عَلَوْنَ أُمُومَةً) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ

وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ» ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ مِنْ الْجَدَّاتِ ثَلَاثًا، ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْدِيدِ بِثَلَاثٍ، وَأَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ مَنْ فَوْقَهَا (فَلَا مِيرَاثَ لِأُمِّ أَبِي أُمِّ أَبٍ) لَا لِكُلِّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ (وَلَا لِأُمِّ أَبِي جَدٍّ) لِأَنَّ الْقَرَابَةَ كُلَّمَا بَعُدَتْ ضَعُفَتْ، وَالْجُدُودَةُ جِهَةٌ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْقَرَابَاتِ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فُرُوضَ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَدَّاتِ، فَإِذَا بَعُدْنَ زِدْنَ ضَعْفًا، فَيَكُونُ مَنْ عَدَاهُنَّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَ) الْجَدَّاتُ (الْمُتَحَاذِيَاتُ) ؛ أَيْ: الْمُتَسَاوِيَاتُ فِي الدَّرَجَةِ (أُمُّ أُمِّ أُمٍّ، وَ) أُمُّ (أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أَبِي أَبٍ) وَكَذَا أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ، وَإِنْ أَرَدْت تَنْزِيلَ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ وَغَيْرِهِنَّ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَيِّتِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى جَدَّةً بَيْنَ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمِّ أَبِيهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ جَدَّةً، فَهُمَا أَرْبَعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ ثَمَانٍ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْ وَلَدَيْهِ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَيَكُونُ لِوَلَدِهِمَا ثَمَانٍ، وَعَلَى هَذَا كُلَّمَا عَلَوْنَ دَرَجَةً يُضَاعَفُ عَدَدُهُنَّ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُنَّ إلَّا ثَلَاثٌ.
(وَ) لِجَدَّةٍ (ذَاتِ قَرَابَتَيْنِ مَعَ) جَدَّةٍ (ذَاتِ قَرَابَةٍ) وَاحِدَةٍ (ثُلُثَا السُّدُسِ، وَلِلْأُخْرَى) ذَاتِ الْقَرَابَةِ الْوَاحِدَةِ (ثُلُثُهُ) ؛ أَيْ: السُّدُسُ؛ لِأَنَّ ذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ شَخْصٌ ذُو قَرَابَتَيْنِ يَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً لَا يُرَجَّحُ بِهِمَا عَلَى غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ تَرِثَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَابْنِ الْعَمِّ إذَا كَانَ أَخًا لِأُمٍّ أَوْ زَوْجًا، وَفَارَقَتْ الْأَخَ لِأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رَجَحَ بِقَرَابَتِهِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّرْجِيحِ بِالْقَرَابَةِ الزَّائِدَةِ وَالتَّوْرِيثِ بِهَا، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا انْتَفَى الْآخَرُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِهِمَا جَمِيعًا، وَهَاهُنَا قَدْ انْتَفَى التَّرْجِيحُ بِالْقَرَابَةِ الزَّائِدَةِ؛ فَيَثْبُتُ التَّوْرِيثُ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا: السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، (فَلَوْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَجَدَّتُهُ) ؛ أَيْ: الْمُتَزَوِّجِ لِأَبِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ بَيْنَهُمَا (أُمّ أُمُّ أُمِّهِ) ؛ أَيْ: وَلَدِهِمَا (وَأُمُّ أَبِي أَبِيهِ) فَتَرِثُ مَعَهَا أُمُّ أُمِّ أَبِيهِ ثُلُثَ السُّدُسِ، (وَ) إنْ تَزَوَّجَ (بِنْتَ خَالَتِهِ) فَأَتَتْ بِوَلَدٍ (فَجَدَّتُهُ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَلَدِ (أُمُّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ) فَتَرِثُ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ مَعَهَا ثُلُثَ السُّدُسِ (وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَرِثَ جَدَّةٌ لِجِهَةٍ) وَاحِدَةٍ (مَعَ) جَدَّةٍ (ذَاتِ ثَلَاثِ) جِهَاتٍ (فَلَوْ تَزَوَّجَ هَذَا الْوَلَدُ بِنْتَ خَالَةٍ لَهُ، فَالْجَدَّةُ الْمَذْكُورَةُ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ [أُمِّ] أَبٍ، وَ [أُمُّ] أُمِّ أَبِي أَبٍ) فَهَذِهِ الْجَدَّةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَنْحَصِرُ السُّدُسُ فِيهَا؛ لِأَنَّا لَا نُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ.

[فَرْعٌ حَالَاتُ الْأَبِ وَالْجَدِّ]

(فَرْعٌ: لِلْأَبِ وَالْجَدِّ ثَلَاثُ حَالَاتٍ) الْأُولَى أَنَّهُمَا (يَرِثَانِ بِتَعْصِيبٍ فَقَطْ مَعَ عَدَمِ فَرْعٍ وَارِثٍ) كَوَلَدٍ وَوَلَدِ ابْنٍ، (وَ) الثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا يَرِثَانِ (بِفَرْضٍ فَقَطْ مَعَ ذُكُورِيَّتِهِ) ؛ أَيْ: الْفَرْعِ الْوَارِثِ كَالِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ، (وَ) الثَّالِثَةُ أَنَّهُمَا يَرِثَانِ (بِفَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ مَعَ أُنُوثَتِهِ) ؛ أَيْ: الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْعَصَبَاتِ]

(بَابُ الْعَصَبَاتِ) الْعَصَبَاتُ: جَمْعُ عَصَبَةٍ، وَهُوَ جَمْعُ عَاصِبٍ مِنْ الْعَصَبِ، وَهُوَ الشَّدُّ، وَمِنْ عِصَابَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يُعَصَّبُ بِهَا؛ أَيْ: يَشُدُّ، وَالْعَصَبُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ، وَعِصَابَةُ الْقَوْمِ لِاشْتِدَادِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ؛ أَيْ: شَدِيدٌ، فَسُمِّيَتْ الْقَرَابَةُ عَصَبَةً؛ لِشِدَّةِ الْأَزْرِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْوَارِثُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، أَوْ مَنْ يَحُوزُ الْمَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ صَاحِبُ فَرْضٍ، وَيَأْتِي.
وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ كَالْمُعْتِقِ وَكُلُّ ذَكَرٍ نَسِيبٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أُنْثَى كَالِابْنِ،

وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ كَالْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ وَالْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ، كُلٌّ بِأَخِيهَا.
(النِّسَاءُ كُلُّهُنَّ صَاحِبَاتُ فَرْضٍ، وَلَيْسَ فِيهِنَّ) ؛ أَيْ: النِّسَاءِ (عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ إلَّا الْمُعْتِقَةَ) فَإِنَّهَا عَصَبَةٌ بِنَفْسِهَا لِلْعَتِيقِ وَلِمَنْ انْتَمَى إلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الْوَلَاءِ.
(وَالرِّجَالُ كُلُّهُمْ عَصَبَاتٌ بِأَنْفُسِهِمْ سِوَى زَوْجٍ وَأَخٍ لِأُمٍّ) فَإِنَّهُمَا صَاحِبَا فَرْضٍ.
(وَالْأَخَوَاتُ) الشَّقِيقَاتُ أَوْ لِأَبٍ الْوَاحِدَةُ فَأَكْثَرُ (مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَاتٌ) بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْأُخْتِ أَخُوهَا، فَإِنْ كَانَ فَهِيَ عَصَبَةٌ بِالْغَيْرِ لَا مَعَ الْغَيْرِ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ صَارَتْ الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ عَصَبَةً مَعَ الْغَيْرِ صَارَتْ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ، فَتَحْجُبُ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَحَيْثُ صَارَتْ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَصَبَةً مَعَ الْغَيْرِ صَارَتْ كَالْأَخِ، فَتَحْجُبُ بَنِي الْإِخْوَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعَصَبَاتِ.
(وَالْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ أَوْ لِأَبٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَعَ أَخِيهَا عَصَبَةٌ بِهِ، لَهُ) ؛ أَيْ: أَخِيهَا (مَثَلًا مَا لَهَا) ؛ أَيْ: فَتَكُونُ الْأُنْثَى مِنْهُنَّ مَعَ الذَّكَرِ الْمُسَاوِي لَهَا عَصَبَةً بِالْغَيْرِ، وَتَزِيدُ بِنْتُ الِابْنِ عَلَيْهِنَّ بِأَنَّهُ يُعَصِّبُهَا ابْنُ ابْنٍ فِي دَرَجَتِهَا، سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا، وَيُعَصِّبُهَا أَيْضًا ابْنُ ابْنٍ أَنْزَلُ مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَتَزِيدُ الْأُخْتُ شَقِيقَةً كَانَتْ أَوْ لِأَبٍ بِأَنَّهَا يُعَصِّبُهَا الْجَدُّ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ بِنْتٌ فَأَكْثَرُ مَعَ ابْنٍ فَأَكْثَرَ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِنْتُ ابْنِ ابْنٍ سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا، وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ مَعَ أَخٍ شَقِيقٍ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ مَعَ أَخٍ لِأَبٍ فَأَكْثَرَ، فِي الْجَمِيعِ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَابْنُ ابْنٍ فِي دَرَجَتِهَا، سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهَا أَوْ ابْنَ عَمِّهَا، لِلْبِنْتِ

النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ ابْنِ الِابْنِ الْبَاقِي، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
بِنْتُ ابْنٍ وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ أَنْزَلُ مِنْهَا، لَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لَهُ، فَلَا يُعَصِّبُهَا لِاسْتِغْنَائِهَا بِفَرْضِهَا.
بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ فَأَكْثَرُ وَابْنُ ابْنٍ، لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ فَأَكْثَرَ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ ابْنِ الِابْنِ النَّازِلِ، فَلَا يُعَصِّبُهَا؛ لِمَا مَرَّ.
بِنْتَا ابْنٍ وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ، لَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لَهُ؛ لِمَا مَرَّ.
بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ، وَابْنُ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ نَازِلٍ، لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ ابْنِ ابْنِ الِابْنِ مَعَ ابْنِ ابْنِ ابْنِ الِابْنِ الْمَذْكُورِ؛ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ.
أُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ مَعَ جَدٍّ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] وَقِيَاسُ أَوْلَادِ الِابْنِ عَلَى أَوْلَادِ الصُّلْبِ مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَحُكْمُ الْعَاصِبِ أَخْذِ كُلِّ التَّرِكَةِ) لِأَنَّهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ، فَمَتَى لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ أَخَذَ الْبَاقِيَ، وَاخْتَصَّ التَّعْصِيبُ بِالذُّكُورِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الشِّدَّةِ وَالنُّصْرَةِ، وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي الشِّدَّةِ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ كَانَ الْأَقْرَبُ أَوْلَى، وَمَتَى أُطْلِقَ الْعَاصِبُ فَالْمُرَادُ الْعَاصِبُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ (إذَا انْفَرَدَ) أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ تَعْصِيبًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] وَغَيْرُ الْأَخِ كَالْأَخِ (أَوْ) يَأْخُذُ (مَا أَبْقَتْ الْفُرُوضُ) إنْ كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ وَاحِدٍ فَأَكْثَرُ؛ لِحَدِيثِ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .

(وَإِنْ) اسْتَوْعَبَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ وَ (لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ سَقَطَ) الْعَاصِبُ؛ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (كَزَوْجٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةٍ لِأُمٍّ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، أَوْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَأَكْثَرَ (وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ أَوْ) إخْوَةٌ (لِأَبَوَيْنِ) ذَكَرٌ فَأَكْثَرُ (أَوْ أَخَوَاتٌ) وَاحِدَةٌ فَأَكْثَرُ (لِأَبٍ أَوْ) أَخَوَاتٌ (لِأَبَوَيْنِ مَعَهُنَّ أَخُوهُنَّ وَهُوَ)

الْمُسَمَّى بِالْأَخِ (الْمَشْئُومِ) لِأَنَّ وُجُودَهُ صَارَ سَبَبًا لِحِرْمَانِ نَفْسِهِ وَأُخْتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ (لِلزَّوْجِ نِصْفُ) التَّرِكَةِ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْأُمِّ سُدُسُ) هَا وَاحِدٌ (وَلِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ) هَا اثْنَانِ (وَسَقَطَ سَائِرُهُمْ) أَيْ: بَاقِيهِمْ؛ لِاسْتِغْرَاقِ الْفُرُوضِ التَّرِكَةَ (وَتُسَمَّى) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (مَعَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ) الذَّكَرِ فَأَكْثَرَ، أَوْ الذَّكَرِ مَعَ الْإِنَاثِ (الْمُشَرَّكَةَ) وَكَذَلِكَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ وَعَصَبَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُشَرَّكَةَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ شَرَّكَ فِيهَا وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدَ الْأُمِّ فِي فَرْضِ وَلَدِ الْأُمِّ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ (وَ) تُسَمَّى (الْحِمَارِيَّةَ) لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ أَسْقَطَ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: هَبْ أَبَانَا حِمَارًا، أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً؟ فَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى الْخُصُوصِ، فَمَنْ شَرَّكَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176] يُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ سَائِرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» . وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ لَا فَرْضَ لَهُمْ، وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطُوا؛ كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَ وَلَدِ الْأُمِّ ابْنَتَانِ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ وَمِائَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ؛ لَكَانَ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ، وَلِلْمِائَةِ السُّدُسُ الْبَاقِي، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْضُلَهُمْ الْوَاحِدُ هَذَا الْفَضْلَ كُلَّهُ، فَلَأَنْ يُسْقِطَهُمْ وُجُودُ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ بَابِ أَوْلَى

(وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُمْ) ؛ أَيْ: مَكَانَ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (أَخَوَاتٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ) مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ (عَالَتْ) الْمَسْأَلَةُ (إلَى عَشَرَةٍ) لِازْدِحَامِ الْفُرُوضِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ السُّدُسُ وَاحِدٌ، وَلِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ اثْنَانِ، وَلِلْأَخَوَاتِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ (وَتُسَمَّى) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ الْفُرُوخِ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، لِكَثْرَةِ عَوْلِهَا شَبَّهُوا أَصْلَهَا بِالْأُمِّ، وَعَوْلَهَا بِفُرُوخِهَا، وَلَيْسَ فِي الْفَرَائِضِ مَا يَعُولُ بِثُلُثَيْهِ سِوَاهَا وَشَبَهِهَا (وَ) تُسَمَّى أَيْضًا (الشُّرَيْحِيَّةَ) لِحُدُوثِهَا زَمَنَ الْقَاضِي شُرَيْحٍ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ - وَهُوَ قَاضٍ بِالْبَصْرَةِ - فَقَالَ: مَا نَصِيبُ الرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ؟ قَالَ: النِّصْفُ مَعَ غَيْرِ الْوَلَدِ وَالرُّبْعُ مَعَهُ، فَقَالَ: امْرَأَتِي مَاتَتْ وَخَلَّفْتنِي وَأُمَّهَا وَأُخْتَيْهَا لِأُمِّهَا وَأُخْتَيْهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا، فَقَالَ: لَك إذَنْ ثَلَاثَةٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ أَرَ كَقَاضِيكُمْ لَمْ يُعْطِنِي نِصْفًا وَلَا ثُلُثًا، فَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لَهُ إذَا لَقِيَهُ: إذَا رَأَيْتنِي ذَكَرْت حَاكِمًا جَائِرًا، وَإِذَا رَأَيْتُك ذَكَرْت رَجُلًا فَاجِرًا، إنَّك تَكْتُمُ الْقَضِيَّةَ، وَتُشِيعُ الْفَاحِشَةَ.

(وَمَتَى عُدِمَتْ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ وَرِثَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى) لِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
، وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ، فَكَذَا الْوَلَاءُ، وَرَوَى سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: «كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ مَوْلًى أَعْتَقَتْهُ، فَمَاتَ، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَمَوْلَاتَهُ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنْتَهُ النِّصْفَ، وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ بِنْتَ حَمْزَةَ النِّصْفَ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَلِلْمَوْلَى» . (ثُمَّ عَصَبَتِهِ) ؛ أَيْ: الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَنَسَبٍ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ: «أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، وَتَرَكَتْ ابْنًا لَهَا وَأَخَاهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ مَوْلَاهَا مِنْ بَعْدِهَا، فَأَتَى أَخُو الْمَرْأَةِ وَابْنُهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِيرَاثِهِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ أَخُوهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِهَذَا؟ ، قَالَ: نَعَمْ» . وَلِأَنَّهُ صَارَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَمُعْتِقِهِ مُضَايَفَةً كَمُضَايَفَةِ النَّسَبِ؛ فَوَرِثَهُ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِهِ (ثُمَّ مَوْلَاهُ) ؛ أَيْ: مَوْلَى الْمَوْلَى (كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: يُقَدَّمُ مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَصَبَتُهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَذَلِكَ، ثُمَّ مَوْلَى مَوْلَى الْمَوْلَى كَذَلِكَ - وَإِنْ بَعُدَ - وَلَا شَيْءَ لِمَوَالِي أَبِيهِ وَإِنْ قَرُبُوا؛ لِأَنَّهُ عَتِيقٌ مُبَاشَرَةً فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِمَوَالِي أَبِيهِ (ثُمَّ) بَعْدَ الْمَوْلَى وَإِنْ بَعُدَ وَعَصَبَتُهُ فَ (الرَّدُّ) عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ غَيْرَ الزَّوْجَيْنِ كَمَا يَأْتِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فَإِنْ لَمْ يُرَدَّ الْبَاقِي عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْأَوْلَوِيَّةُ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ غَيْرَهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ، وَالْفُرُوضُ إنَّمَا قُدِّرَتْ لِلْوَرَثَةِ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ؛ لِئَلَّا يَزْدَحِمُوا فَيَأْخُذَ الْأَقْوَى، وَيُحْرَمَ الضَّعِيفُ، وَلِذَلِكَ فُرِضَ لِلْإِنَاثِ، وَفُرِضَ لِلْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الذُّكُورِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَضْعَفُ مِنْ الْوَلَدِ وَأَقْوَى مِنْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَاخْتُصَّ فِي مَوْضِعِ الضَّعْفِ بِالْفَرْضِ، وَفِي مَوْضِعِ الْقُوَّةِ بِالتَّعْصِيبِ (ثُمَّ) إنْ عُدِمَ ذُو فَرْضٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ فَ (الرَّحِمُ) ؛ أَيْ: تُعْطَى ذَوُو الْأَرْحَامِ لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ الْقَرَابَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَارِثَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتُ إنَّمَا وَرِثُوا لِمُشَارَكَتِهِمْ الْمَيِّتَ فِي نَسَبِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَيَرِثُونَ كَغَيْرِهِمْ.

[تَنْبِيهٌ لَا يَرِثُ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ]

َ وَهُوَ الْعَتِيقُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ عَتِيقًا مِنْ مُعْتِقِهِ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .

(وَمَتَى كَانَ الْعَصَبَةُ عَمًّا أَوْ) كَانَ (ابْنَهُ) ؛ أَيْ: ابْنَ عَمٍّ (أَوْ) كَانَ (ابْنَ أَخٍ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (انْفَرَدَ بِالْإِرْثِ دُونَ أَخَوَاتِهِ) لِأَنَّ أَخَوَاتِ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالْعَصَبَةُ مُقَدَّمٌ عَلَى ذِي الرَّحِمِ، بِخِلَافِ الِابْنِ وَابْنِهِ وَالْأَخِ لِغَيْرِ أُمٍّ؛ فَيُعَصِّبُ أُخْتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُعَصِّبُ ابْنُ الِابْنِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ

مُطْلَقًا، وَمَنْ هِيَ أَعْلَى مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ نِصْفٍ أَوْ سُدُسٍ أَوْ مُشَارَكَةٍ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ: أَحَدُ بَنِي عَمٍّ (زَوْجًا) أَخَذَ فَرْضَهُ، وَشَارَكَ الْبَاقِي (أَوْ) كَانَ أَحَدُ بَنِي عَمٍّ (أَخًا لِأُمٍّ، أَخَذَ فَرْضَهُ) أَوَّلًا (وَشَارَكَ الْبَاقِينَ) الْمُسَاوِينَ لَهُ فِي الْعُصُوبَةِ فِي الْمِيرَاثِ بِالْعُصُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُفْرَضُ لَهُ لَوْ لَمْ يَرِثْ بِالتَّعْصِيبِ؛ فَلَا يُرَجَّحُ بِهِ، بِخِلَافِ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ مَعَ أَخٍ لِأَبٍ؛ فَإِنَّهُ لَا فَرْضَ لَهُ بِقَرَابَةِ أُمِّهِ، فَرَجَحَ بِهَا، وَلَا يَجْتَمِعُ فِي إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ تَرْجِيحٌ وَفَرْضٌ، فَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ بِنْتٍ وَزَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ، فَتَرِكَتُهَا بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وَإِنْ تَرَكَتْ مَعَهُ بِنْتَيْنِ؛ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ لِأَبَوَيْنِ أَصْغَرُهُمْ زَوْجٌ لِبِنْتِ عَمِّهِمْ الْمُوَرِّثَةِ، لَهُ ثُلُثَانِ وَلَهُمَا ثُلُثٌ.
وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ ... وَكُلُّهُمْ إلَى خَيْرٍ فَقِيرُ

فَحَازَ الْأَكْبَرَانِ هُنَاكَ ثُلُثًا ... وَبَاقِي الْمَالِ أَحْرَزَهُ الصَّغِيرُ (وَتَسْقُطُ أُخُوَّةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (لِأُمٍّ بِمَا يُسْقِطُهَا) لَوْ انْفَرَدَتْ عَنْ بُنُوَّةِ الْعَمِّ (فَبِنْتٌ وَأَبْنَاءُ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ؛ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: بَنِي الْعَمِّ (نِصْفَانِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأُمِّ مَحْجُوبٌ بِالْبِنْتِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا جِهَةُ الْعُصُوبَةِ فَقَطْ، خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ الْبُهُوتِيُّ حَيْثُ جَعَلَهُ وَارِثًا بِقَرَابَتَيْنِ مِيرَاثَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ إلَّا بِقَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْعُصُوبَةُ، وَأَمَّا جِهَةُ إخْوَتِهِ لِأُمِّهِ فَمَحْجُوبَةٌ بِالْبِنْتِ، وَلَعَلَّهُ سَبْقَ قَلَمٍ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَمَنْ وَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ زَوْجٍ، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا، فَتَزَوَّجَتْ أَخَاهُ لِأَبِيهِ، وَلَهُ خَمْسَةُ ذُكُورٍ مِنْ غَيْرِهَا، فَوَلَدَتْ مِنْهُ خَمْسَةَ ذُكُورٍ أَيْضًا ثُمَّ بَانَتْ، وَتَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ خَمْسَةَ ذُكُورٍ أَيْضًا، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهَا الْأَوَّلُ؛ وَرِثَ خَمْسَةٌ نِصْفًا، وَهُمْ أَوْلَادُ عَمِّهِ الَّذِينَ هُمْ إخْوَتُهُ مِنْ أُمِّهِ، وَخَمْسَةٌ ثُلُثًا وَهُمْ أَوْلَادُ عَمِّهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَخَمْسَةٌ سُدُسًا، وَهُمْ أَوْلَادُ أُمِّهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَيُعَايَا بِهَا.

(وَمَنْ خَلَّفَ أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ؛ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: بَيْنَ

الْأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ (فَرْضًا وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ تَعْصِيبًا؛ فَتَصِحُّ) مَسْأَلَتُهُمْ (مِنْ سِتَّةٍ لِابْنِ الْعَمِّ خَمْسَةٌ وَلِلْآخَرِ) سَهْمٌ (وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانُوا) ؛ أَيْ: إخْوَةُ الْمَيِّتِ لِأُمِّهِ (ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ أَحَدُهُمْ) ؛ أَيْ: الثَّلَاثَةِ (ابْنُ عَمٍّ) لِلْمَيِّتِ (فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ) لِأَنَّهُ فَرْضُ أَوْلَادِ الْأُمِّ (وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ) تَعْصِيبًا (وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ) لِابْنِ الْعَمِّ سَبْعَةٌ وَلِلْآخَرَيْنِ سَهْمَانِ.

(وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً وَ) تَزَوَّجَ (أَبُوهُ بِنْتَهَا) وَوُلِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ابْنٌ (فَابْنُ الْأَبِ عَمٌّ) لِابْنِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهِ لِأَبِيهِ (وَابْنُ الِابْنِ خَالٌ) لِابْنِ الْأَبِ مِنْ بِنْتِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّهِ لِأُمِّهَا، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ الْأَبِ، وَخَلَّفَ خَالَهُ هَذَا (فَ) إنَّهُ (يَرِثُهُ مَعَ عَمِّهِ لَهُ، خَالُهُ) هَذَا (دُونَ عَمِّهِ؛ لِأَنَّ خَالَهُ) هَذَا (ابْنُ أَخِيهِ) وَابْنُ الْأَخِ يَحْجُبُ الْعَمَّ (وَلَوْ خَلَّفَ الْأَبُ فِيهَا) ؛ أَيْ: هَذِهِ الصُّورَةِ (أَخًا) لَهُ (وَابْنَ ابْنِهِ هَذَا وَهُوَ أَخُو زَوْجَتِهِ؛ وَرِثَهُ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ دُونَ أَخِيهِ) لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِابْنِ الِابْنِ (وَ) يُعَايَا بِهَا فَ (يُقَالُ فِيهَا: زَوْجَةٌ وَرِثَتْ ثُمُنَ التَّرِكَةِ، وَأَخُوهَا الْبَاقِي) فَلَوْ كَانَتْ الْإِخْوَةُ لِلزَّوْجَةِ - وَهُوَ بَنُو ابْنِهِ - سَبْعَةً؛ وَرِثُوا الْمَالَ سَوَاءٌ، لَهَا مِثْلُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيُعَايَا بِهَا (وَلَوْ كَانَ الْأَبُ نَكَحَ الْأُمَّ) وَابْنُهُ بِنْتَهَا (فَوَلَدُهُ) ؛ أَيْ: الْأَبِ (عَمُّ وَلَدِ ابْنِهِ وَخَالُهُ) فَيُعَايَا بِهَا.

(وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أُمَّ الْآخَرِ) وَوُلِدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ابْنٌ (فَوَلَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَمُّ الْآخَرِ) وَهُمَا الْقَائِلَتَانِ مَرْحَبًا بِابْنَيْنَا وَزَوْجَيْنَا.
وَلَوْ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنْتَ الْآخَرِ، فَوَلَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَالُ وَلَدِ الْآخَرِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ زَيْدٌ أُمَّ عَمْرٍو، وَعَمْرٌو بِنْتَ زَيْدٍ؛ فَابْنُ زَيْدٍ عَمُّ ابْنِ عَمْرٍو وَخَالُهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا أُخْتَ الْآخَرِ؛ فَوَلَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا ابْنُ خَالِ وَلَدِ الْآخَرِ.
تَتِمَّةٌ: وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ، فَإِذَا خَلَّفَ ابْنَ عَمٍّ وَابْنَ ابْنِ عَمٍّ؛ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْجَدِّ الَّذِي يَجْتَمِعَانِ إلَيْهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الدَّرَجَةِ؛ فَأَوْلَاهُمْ مَنْ كَانَ لِأَبَوَيْنِ، فَأَخٌ شَقِيقٌ أَوْلَى مِنْ أَخٍ لِأَبٍ،

وَابْنُ أَخٍ شَقِيقٍ أَوْلَى مِنْ ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ، وَالْأَخُ مِنْ الْأُمِّ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَيَأْخُذُ فَرْضَهُ مَعَ الشَّقِيقِ، وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ مَعَ بِنْتٍ أَوْ بِنْتِ ابْنٍ كَأَخٍ شَقِيقٍ؛ فَتَسْقُطُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَبَنُو الْإِخْوَةِ أَشِقَّاءٌ أَوْ لِأَبٍ، وَكَذَا الْأُخْتُ لِأَبٍ يَسْقُطُ بِهَا مَعَ الْبِنْتِ بَنُو الْإِخْوَةِ كَذَلِكَ؛ إذْ الْعُصُوبَةُ جَعَلَتْهَا فِي مَعْنَى الْأَخِ.

[بَابُ الْحَجْبِ]

(بَابُ الْحَجْبِ) (الْحَجْبُ) : وَهُوَ لُغَةً: الْمَنْعُ.
مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِجَابِ وَمِنْهُ الْحَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، وَحَاجِبُ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَا يَنْحَدِرُ إلَيْهَا.
وَاصْطِلَاحًا: مَنْعُ مَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ الْإِرْثِ مِنْ الْإِرْثِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ.
(الْحَجْبُ) ضَرْبَانِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بِالْمَوَانِعِ، وَالثَّانِي حَجْبٌ بِالشَّخْصِ، وَيَأْتِي مُفَصَّلًا.
أَمَّا الْحَجْبُ (بِالْوَصْفِ) وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ حَجْبِ الْحِرْمَانِ؛ فَإِنَّهُ (يَدْخُلُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ) أُصُولًا وَفُرُوعًا وَحَوَاشٍ كَاتِّصَافِ الْوَارِثِ بِالرِّقِّ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ اخْتِلَافِ الدِّينِ.

(وَ) أَمَّا الْحَجْبُ (بِالشَّخْصِ) وَهُوَ الْحَجْبُ (نُقْصَانًا) فَ (كَذَلِكَ) يَدْخُلُ عَلَى كُلِّ الْوَرَثَةِ، وَهُوَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ.
أَحَدُهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ فَرْضَانِ كَالزَّوْجَيْنِ وَالْأُمِّ وَبِنْتِ الِابْنِ وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ.
وَثَانِيهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ فَرْضٍ إلَى تَعْصِيبٍ فِي حَقِّ ذَوَاتِ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ.
وَثَالِثُهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ تَعْصِيبٍ إلَى فَرْضٍ فِي حَقِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
وَرَابِعُهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ تَعْصِيبٍ إلَى تَعْصِيبٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْأُخْتِ لِغَيْرِ

أُمٍّ؛ فَإِنَّ لَهَا مَعَ أَخِيهَا أَقَلَّ مِمَّا لَهَا مَعَ الْبِنْتِ، فَإِذَا مَاتَ إنْسَانٌ عَنْ بِنْتٍ وَأُخْتٍ لِغَيْرِ أُمٍّ؛ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْبَاقِي.
وَخَامِسُهَا: الْمُزَاحَمَةُ فِي الْفَرْضِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ وَالْجَدَّةِ، وَذَوَاتِ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَبِنْتِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ، وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ مَعَ الشَّقِيقَةِ وَأَوْلَادِ الْأُمِّ.
وَسَادِسُهَا: الْمُزَاحَمَةُ فِي التَّعْصِيبِ فِي حَقِّ كُلِّ عَاصِبٍ غَيْرِ الْأَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ.
وَسَابِعُهَا الْمُزَاحَمَةُ فِي الْعَوْلِ، كَمَا صَارَ ثُمُنُ الْمَرْأَةِ فِي الْمِنْبَرِيَّةِ تُسْعًا، وَنِصْفُ الزَّوْجِ فِي الْغَرَّاءِ ثُلُثًا، وَسُدُسُ الْأُمِّ فِي أُمِّ الْفُرُوخِ عُشْرًا.

(وَ) أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْحَجْبِ بِالشَّخْصِ (حِرْمَانًا فَلَا يَدْخُلُ عَلَى سِتَّةٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ (الزَّوْجَيْنِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدَيْنِ) وَضَابِطُهُمْ: مَنْ أَدْلَى إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ الْمَوْلَى.

(وَلَا يَرِثُ أَبْعَدُ بِتَعْصِيبٍ مَعَ أَقْرَبَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَشَدُّ وَأَقْوَى مِنْ الْأَبْعَدِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْمِيرَاثِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِتَعْصِيبٍ عَنْ إرْثِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ السُّدُسَ مَعَ الِابْنِ أَوْ ابْنِهِ.

(وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ ابْنٌ فَابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ) فَلَا يَرِثُ أَبٌ وَلَا جَدٌّ مَعَ فَرْعٍ ذَكَرٍ وَارِثٍ بِالْعُصُوبَةِ، بَلْ السُّدُسُ فَرْضًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] الْآيَةَ.
وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ، وَجُزْءُ الشَّيْءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَصْلِهِ.
(فَأَبٌ فَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا) بِمَحْضِ الذُّكُورِ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ وَلَهُ إيلَادٌ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ السُّدُسَ مَعَ الِابْنِ، وَإِذَا بَقِيَ السُّدُسُ فَقَطْ أَخَذَهُ، وَسَقَطَتْ الْإِخْوَةُ، وَإِذَا بَقِيَ دُونَ السُّدُسِ أَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ أُعِيلَ لَهُ بِالسُّدُسِ، وَسَقَطَتْ الْإِخْوَةُ (فَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ) لِتَرَجُّحِهِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ (فَ) أَخٌ

(لِأَبٍ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي قَرَابَةِ الْأَبِ (فَابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ فَ) ابْنُ أَخٍ (لِأَبٍ وَإِنْ نَزَلَا) بِمَحْضِ الذُّكُورِ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ وَأَبْنَاءَهُمْ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبِ.

وَيَسْقُطُ الْبَعِيدُ مِنْ بَنِي الْإِخْوَةِ بِالْقَرِيبِ مِنْهُمْ كَمَا سَبَقَ (فَأَعْمَامٌ) لِأَبَوَيْنِ فَأَعْمَامٌ لِأَبٍ (فَأَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: يُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ (فَأَعْمَامُ أَبٍ فَأَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ) يُقَدَّمُ مَنْ لِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ لِأَبٍ (فَ) أَعْمَامُ (جَدٍّ فَأَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ) يُقَدَّمُ مَنْ لِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ لِأَبٍ، ثُمَّ أَعْمَامُ أَبِي الْجَدِّ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمْ كَذَلِكَ أَبَدًا (فَلَا يَرِثُ بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي) أَبٍ (أَقْرَبَ مِنْهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَوْلَى هُنَا بِمَعْنَى أَقْرَبَ، لَا بِمَعْنَى أَحَقَّ، لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبْهَامِ وَالْجَهَالَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ الْأَحَقُّ، وَقَوْلُهُ ذَكَرٍ، بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الْبَالِغِ، بَلْ الذَّكَرُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ (فَيَسْقُطُ كُلُّ جَدٍّ بِأَبٍ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَ) يَسْقُطُ كُلُّ (جَدٍّ) أَبْعَدُ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ لِإِدْلَائِهِ بِهِ (وَ) كُلُّ (ابْنٍ أَبْعَدُ بِأَقْرَبَ) مِنْهُ، فَيَسْقُطُ أَبُو أَبِي أَبٍ بِأَبِي أَبٍ، وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ بِابْنِ ابْنٍ، وَهَكَذَا (وَ) تَسْقُطُ (كُلُّ جَدَّةٍ) مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ (بِأُمٍّ) لِأَنَّ الْجَدَّاتِ يَرِثْنَ بِالْوِلَادَةِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى مِنْهُنَّ؛ لِمُبَاشَرَتِهَا الْوِلَادَةَ (وَ) تَسْقُطُ (كُلُّ جَدَّةٍ بُعْدَى بِ) جَدَّةٍ (قُرْبَى مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُمٍّ وَأُمِّهَا اتِّفَاقًا، لِأَنَّهَا مُدْلِيَةٌ بِهَا، أَوْ كَانَتَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، كَأُمِّ الْأَبِ وَأُمِّهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِهَا، وَلِأَنَّهَا جَدَّةٌ قُرْبَى؛ فَتَحْجُبُ الْبُعْدَى كَاَلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أُمَّهَاتٌ يَرِثْنَ مِيرَاثًا وَاحِدًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا اجْتَمَعْنَ فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِنَّ كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ وَالْبَنَاتِ.

(وَلَا يَحْجُبُ أَبٌ أُمَّهُ أَوْ أُمَّ أَبِيهِ) وَكَذَلِكَ الْجَدُّ لَا يَحْجُبُ أُمَّهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَمًّا.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي الطُّفَيْلِ

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ: «أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّدُسَ أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا وَابْنُهَا حَيٌّ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، إلَّا أَنَّ لَفْظَهُ: أَوَّلُ جَدَّةٍ أُطْعِمَتْ السُّدُسَ أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا، وَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أُمَّهَاتٌ يَرِثْنَ مِيرَاثَ الْأُمِّ لَا مِيرَاثَ الْأَبِ؛ فَلَا يُحْجَبْنَ بِهِ كَأُمَّهَاتِ الْأُمِّ.

(وَيَسْقُطُ) الْإِخْوَةُ (الْأَشِقَّاءُ) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا أَوْ خَنَاثَى (بِاثْنَيْنِ بِالِابْنِ، وَإِنْ نَزَلَ وَ) يَسْقُطُونَ أَيْضًا (بِالْأَبِ الْأَقْرَبِ) دُونَ الْجَدِّ؛ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ، وَيَأْتِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إرْثَهُمْ فِي الْكَلَالَةِ، وَهِيَ مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِابْنِ وَالْأَبِ، وَكَذَا ابْنُ الِابْنِ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَةِ.
(وَ) يَسْقُطُ (الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا بِالِابْنِ وَابْنِهِ وَالْأَبِ وَ (بِ) الْأَخِ (الشَّقِيقِ أَيْضًا) وَبِالشَّقِيقَةِ إذَا صَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الِابْنِ.
(وَ) يَسْقُطُ (ابْنُهُمَا) ؛ أَيْ: ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ (بِجَدٍّ وَإِنْ عَلَا) بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ.
(وَ) يَسْقُطُ (الْأَعْمَامُ) مُطْلَقًا (بِابْنِ الْأَخِ وَإِنْ نَزَلَ) . (وَ) يَسْقُطُ (وَلَدُ الْأُمِّ بِفُرُوعِ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا وَبِوَلَدِ الِابْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَ) يَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ (بِأُصُولِهِ) ؛ أَيْ: أُصُولِ الْمَيِّتِ (الذُّكُورِ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَإِنْ عَلَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ فِي إرْثِ إخْوَةِ الْأُمِّ الْكَلَالَةَ، وَهِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا، وَالْوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَوَلَدُ الِابْنِ كَذَلِكَ، وَالْوَالِدُ يَشْمَلُ الْأَبَ وَالْجَدَّ.
(وَتَسْقُطُ بَنَاتُ الِابْنِ بِبِنْتَيْ الصُّلْبِ مَا لَمْ يُعَصِّبْهُنَّ) ؛ أَيْ: بَنَاتِ الِابْنِ (ذَكَرٌ بِإِزَائِهِنَّ) كَأَخِيهِنَّ؛ فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهُنَّ، وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْفَرْضِ، وَيُقْسَمُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 946 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى · 946 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل